معضلة العدالة الانتقالية في تونس

Chaker Houki شاكر الحوكي |

الملخّص

انطلقت الخطوات الأولى لما عُرف بمسار العدالة الانتقالية في خضم مجريات الثورة التونسية وما تلاها. ثم جرى التفطن سريعًا إلى ضرورة وضع إطار قانوني مكتمل الأركان يضمن حقوق الضحايا والمجرمين في الوقت نفسه. وما إن تمّ التصديق على قانون العدالة الانتقالية حتى بدأ المسار يتعثر في كل خطوة يخطوها، وبدت مخرجاته وحصيلته، في ظل أوضاع حزبية وسياسية متقلبة وباهتة وغير مؤكدة. قادتنا هذه الحقيقة إلى استنتاجٍ مفاده أنّ المشكلة الرئيسة للعدالة الانتقالية لا تكمن في غياب الإرادة السياسية بقدر ما تكمن في الفلسفة التي تقوم عليها، وهي فلسفة ما فتئت تلحّ على التزام المعايير الديمقراطية الليبرالية لمواجهة الماضي الأليم وردّ الحقوق لضحايا التسلط والاستبداد باشتراط جملة من الحقوق تسوّي بين الضحية والجلاد من دون مراعاة موازين القوى بينهما، وهو ما صار المدخل المفضل للجناة والجلادين حتى يتهربوا من مقتضيات العدالة واستحقاقات الاعتراف بالحقيقة والقبول بمعادلة المصالحة والمحاسبة. كلمات مفتاحية: الثورة التونسية، الانتقال الديمقراطي، هيئة الحقيقة والكرامة، المجتمع المدني، القانون الدولي لحقوق الإنسان. Early in the transitional justice process during and after the Tunisian revolution, the need arose to develop a full-fledged legal framework guaranteeing the rights of victims and, at the same time, of perpetrators. However, no sooner was transitional justice legislation ratified than progress towards the objective faltered. In an atmosphere of partisan political turbulence, the legislation resulted in weak outcomes. This led to the conclusion that the foremost problem of transitional justice does not lie in an absence of political will as much as in the philosophy on which it is founded. This philosophy adheres to liberal democratic values in facing the painful past and restoring rights to victims of despotism – by stipulating a set of rights that put the victim and the executioner on the same footing, without the slightest consideration of the balance of power between them. Consequently, perpetrators and torturers tend to dodge justice and recognition of truth, equating reconciliation with accountability. Keywords: Tunisian Revolution, Democratic Transition, Truth and Dignity Commission, Civil Society, International Human Rights Law.

بين المسارات المرتبكة والتحديات المرتقبة

The Transitional Justice Predicament in Tunisia

Between Complications and Challenges

مقدمة

"إما الانخراط في عملية الانتقام والثأر والعنف، وإما تجاهل الماضي وجرائمه كأنّ شيئًا لم يكن"، هذا ما كانت العدالة الانتقالية تسعى إلى أن تتجنبه بكل ما أوتيَت من "حيلة"، حتى لا يؤول الأمر بتونس إلى الاختيار بين أمرين، أحلاهما مرّ: عنف وثأر لا ينجم عنهما إلّ الخراب، أو إفلات من العدالة لا يزيد المجرمين إلّ قمعًا واستبدادًا. ومن هنا، بدا هذا النوع من العدالة كأنه الحل المثالي الذي سيجنّب البلد السقوط في مستنقع العنف واللامعنى، وإلّ هل ثمة خيار آخر، غيره، قادر على تحقيق المصالحة وانتزاع الاعتراف بانتهاك حقوق الضحايا وردّ الاعتبار إليهم عبر مختلف الآليات، سواء أكانت قضائية أم غير قضائية؟ بهذا المعنى، بدت العدالة الانتقالية كأنها فلسفة قبل كل شيء1؛ ليس فقط من جهة اختلافها عن العدالة الجنائية التقليدية2، ورغبتها في التخلّص من الأنظمة القمعية، وتكريس حقوق الإنسان بما يحفظ وحدة المجتمعات وسلمها الاجتماعي، بل أيضًا من جهة إدارتها الفترات الانتقالية على الوجه الذي يحقّق الديمقراطية ويرسي دولة القانون ويسمح بمعالجة إرث الماضي والتخلّص من أعبائه ضمن جملة الخيارات السياسية والقانونية3. لئن كان المغرب هو السبّاق، عربيًا، إلى خوض تجربة العدالة الانتقالية ضمن مشروع الإصلاح السياسي الذي انخرطت فيه السلطة الرسمية طواعية، شرط ألّ تشمل المؤسسة الملكية، وألّ تتجاوز أهدافُها أفقَ المصالحة وجبر الضرر4، فإنّ تونس تبقى الرائدة عربيًا - وربما دوليًا - لأنها تخوض هذه التجربة في إثر ثورة شعبية، وضمن أفق تتقاطع فيه المصالحة والمحاسبة مع الإصلاح الديمقراطي، ولأنها توخّت فيها أيضًا أربع آليات رئيسة: كشف الحقيقة وحفظ الذاكرة، والمساءلة والمحاسبة، وجبر الضرر وردّ الاعتبار، وإصلاح المؤسسات والمصالحة، وذلك كله ضمن رؤية حاولت الاستفادة من عصارة تجارب العدالة الانتقالية التي ناهز عددها أربعًا وأربعين تجربة، موزّعة في أرجاء العالم المختلفة5. غير أن مسار العدالة الانتقالية في تونس، لم يلبث أن أصابه من التخبّط والارتجال ما أفضى به إلى الارتباك والغموض، وسرعان ما غرق في مستنقع المزايدات السياسية وسوء الفهم ومواجهة التحديات المتراكمة. فكفّت العدالة الانتقالية عن أن تكون حلًّ، وانقلبت في ظل الواقع السياسي المضطرب إلى ما يشبه المعضلة المستفحلة، وبات السؤال عن جدوى اعتمادها منذ البداية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. مِن هنا انبثقت أسئلة أخرى؛ منها ما يتعلق بمصير العدالة الانتقالية في تونس، وإنْ كان مسارها يصل إلى نهايته أو لا يصل إليها، ومنها ما يتعلّق بالعوائق التي عطّلت هذا المسار وحوّلت وجهته، فخذلت هذه العدالة عن تحقيق أهدافها المرسومة. لكن يبقى السؤال الرئيس الذي في ضوئه يمكن بلورة إشكالية هذه الدراسة، هو: إلى أي حد يكرّس مسار العدالة الانتقالية في تونس - بكل ما له وما عليه - الفرضية التي اشتغلت بها نويل كالهون في كتابها معضلة العدالة الانتقالية، اعتمادًا على منهج التحليل القانوني والتحليل النقدي؟ وهل ينطبق على هذا المسار ما سبق أنْ تنبّأت به هذه الباحثة بخصوص المصير المأساوي لأي عدالة انتقالية، وأنها في جوهرها لا تحمل إلّ بذور فشلها وشروط فنائها؟ هذا ما سنحاول التحقق منه من خلال النظر في مسار العدالة الانتقالية في تونس أولً، والتحديات المتربّصة به ثانيًا.

أولا: المسارات المرتبكة

الثورية والتأسيس والردة وما بعدها، هذه، باختصار، المراحل الأربع التي ميّزت مسار العدالة الانتقالية إلى حد الآن، وإن كانت الفترة الأخيرة لم

  1. عبد الكريم مولاي أحمد مولاي، "الأسس الفلسفية لمفهوم العدالة الانتقالية: مقاربة تبين، مج 3، العدد أولية"، 11 (شتاء 2015)، ص .34-17
  2. المرجع نفسه، ص 18؛ محمد سعيد، "العدالة الانتقالية الجزائية والعدالة الانتقالية"، في: أعمال الملتقى الدولي: مائوية المجلة الجزائية، الماضي والحاضر والمستقبل، لطفي المشيشي وبشير المتوبي الفرشيشي وساسي بن حليمة (إشراف) (تونس: منشورات مجمع الأطرش للكتاب المختص، 2016)، ص.654
  3. عبد الحسين شعبان، "الصفح والمصالحة وسياسات الذاكرة"، يتفكرون، العدد 2 (خريف 2013)، ص.66
  4. كمال عبد اللطيف، 4 العدالة الانتقالية والتحولات السياسية في المغرب: تجربة هيئة
  5. الإنصاف والمصالحة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص 48؛ عبد الحي مؤذن، "العدالة الانتقالية والسلطوية الملبرلة: نموذج المغرب"، في: ما العدالة الانتقالية؟ معالجات في السياق العربي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص.430-399 الحبيب بلكوش، "العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي في السياق العربي"، 5 سياسات عربية، العدد 18 (كانون الثاني/ يناير 2016)، ص 83-77؛ شعبان، ص 66؛ Kora Andrieu, La justice transitionnelle, de l'Afrique du sud au Rwanda (Paris: Gallimard, 2012).

تكشف عن أسرارها بعد6. على أن المسار، وإن كان في مجمله مشوبًا بالتقلّب والارتباك، فإنه يمكن - مع ذلك - اختزاله في مرحلتين أساسيتين: الأولى من الثورية إلى التأسيس، والثانية من الردة إلى الاستئناف.

1. من الثورية إلى التأسيس

ربطت هذه المرحلة بين اللحظة الثورية التي استغرقت زهاء سنة، وجرت، خلالها، في ظل حكم الرئيس المؤقت للجمهورية فؤاد المبزع وحكومتي محمد الغنوشي ومحمد الباجي قايد السبسي، جملة من الخطوات الثورية، أو لنقُل الارتجالية، في مجال العدالة الانتقالية التي انتهت، في نهاية المطاف، بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي الذي صدر في رحابه قانون العدالة الانتقالية. ولمّا كانت العلاقة بين هاتين الفترتين علاقة تمهيد وتتويج، كان علينا قراءتها ضمن الفترة الزمنية نفسها.

أ. الثورية والارتجال

يمكن اعتبار أنّ المرحلة الأولى انطلقت عشية سقوط النظام البائد، حينما أطلّ زين العابدين بن علي ليلة 13 كانون الثاني/ يناير 2011، ليُعلن عن تشكيل ثلاث لجان مستقلة؛ اثنتين منها للتحقيق في الفساد والانتهاكات المرتكبة وأخرى للإصلاح السياسي، على أن تشكّلها الفعلي لم يتم إلّ على يد الوزير الأول محمد الغنوشي، بعد تعيينه رئيسًا للحكومة المؤقتة7، وإليه يعود الفضل في استحداث لجان أخرى على غرار اللجنة الوطنية للمصادرة في 14 آذار/ مارس 2011 8. لعل من بين الخطوات المهمة التي قامت بها الحكومة المؤقتة في هذه المرحلة، وما لبثت أن ألقت بتداعياتها لاحقًا، إصدارها مرسوم العفو التشريعي العام عن السجناء السياسيين - الذي كثيرًا ما دعت إليه المعارضة التونسية - في أواخر كانون الثاني/ يناير 2011 9. وكان هذا المرسوم قد أفضى إلى إطلاق سراح 1800 سجين من الذين جرت محاكمتهم بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب الصادر في عام 2003. يضاف إلى ذلك الإقرار بالحق في جبر الضرر والتعويض لفائدة عائلات شهداء الثورة وجرحاها بفضل جملة من المراسيم التي أكدت حقهم في العلاج والتعليم ومجانية التنقل10. أما قضائيًا، فقد أُوقف عددٌ كثير من معاضدي الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي من رجال الأمن ورجال الأعمال بسبب الدعاوى التي رفعتها ضدّهم مجموعةٌ من المحامين وناشطون من المجتمع المدني ومن ضحايا القمع ومن جرحى الثورة11، إضافة إلى حل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي، ومصادرة ممتلكاته، واستبعاد أعضائه وكل من ناشد بن علي للترشح لرئاسيات عام 2014 من الترشّح لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي، بمقتضى بند العزل السياسي الذي ورد في المرسوم الخاص بانتخابات هذا المجلس12. وقد أحيل أكثر من 0007 موظف على المتابعة القضائية، وزُج 006 منهم في السجون، طبقًا للفصل 96 من المجلة الجزائية التونسية. كما تولّ القضاء العسكري متابعة الأمنيين الذين تورّطوا في عمليات القتل، وإجراء عدة محاكمات في حق عدد من "المسؤولين" على

  1. ينبغي عدم فهم عبارة المنظومة القديمة باعتبارها موقفًا سياسيًا، لكنه توصيف سوسيولوجي لما حدث ويحدث في البلد؛ إذ تابعنا بالفعل تقلّد رموز النظام السابق أهم المناصب العليا للبلد. وليس مصادفة أن المنظومة القديمة - وهو مفهوم لا يخلو منه بحث في العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي، ولا سيما سوسيولوجيا الثورات – هي وحدها التي تقف بالمرصاد للعدالة الانتقالية وتعمل على إفشالها، علمً أن هذا المفهوم تداولته
  2. هي اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق بشأن ملفات الفساد والرشوة التي ترأسها
  3. عبد الستار بن موسى، مسار العدالة الانتقالية في تونس (القاهرة: المنظمة العربية لحقوق الإنسان، 2014)، ص.152
  4. Andrieu, p. 17.
  5. الصحافة الدولية في قراءتها للشأن التونسي، وجرى على لسان سياسيين ونواب كثر. والثابت أنه بات اليوم أداة لفهم وتحليل ما جرى، وما يجري، على نحو لم يعُد ممكنًا تجاهله، خصوصًا أنه أصبح جزءًا أساسيًا من عملية الانتقال الديمقراطي نفسها؛ فالديمقراطية، كما يقول آرثر ستينشكوم، تعني "تحويل مصالح النظام القديم وعقائده إلى أحزاب ديمقراطية يمكن هزيمتها (أو يمكنها الفوز من دون سحق الآخرين) في انتخابات ديمقراطية." ينظر: Arthur L. Stinchcombe, "Lustration as a Problem of the Social Basis of Constitutionalism," Law and Social Inquiry , vol. 20, no. 1 (Winter 1995), pp. 245-273.
  6. عبد الفتاح عمر، واللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق حول التجاوزات والانتهاكات بين 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 حتى انتهاء مهماتها، التي ترأسها توفيق بودربالة، ولجنة الإصلاح السياسي التي تحوّلت لاحقًا إلى الهيئة العليا للإصلاح السياسي وتحقيق أهداف الثورة والانتقال الديمقراطي التي ترأسها عياض بن عاشور وأفضت إلى انتخابات عام.2011
  7. ديكاف - مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، "مرسوم عدد 35 لسنة 2011 مؤرخ في 10 ماي 2011 يتعلق بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي"، شوهد في 2021/1/20، في: https://bit.ly/3o0hdIG

رأسهم الرئيس المخلوع بن علي نفسه، واثنان من وزراء داخليته بتهمة التواطؤ ومحاولة القتل العمد. ولئن تميّز هذا المسار، بالجرأة والاندفاع، فإنّ المحاكمات التي جرت في إطاره لم تلقَ ترحيب المجتمع الدولي، وسرعان ما خضعت في طورها الاستئنافي إلى المراجعة والتخفيف13، فضلً عن الضحايا الذين بقوا من دون اعتراف. وما لبث أن اتضح افتقاد هذا المسار الإطارَ القانوني الملائم، نظرًا إلى غلبة الارتجال فيه والركون إلى التدابير المؤقتة. وبمجرد أن تقرر تحديد موعد إجراء الانتخابات وانصراف الأنظار إليها، بدأ التفكير من جديد في العدالة الانتقالية ضمن أفق مغاير.

ب. المجلس الوطني التأسيسي والتأسيس

بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 وتشكّل حكومة الترويكا14، دخلت العدالة الانتقالية مرحلة جديدة، جرت خلالها محاولة إرسائها بصفة ثابتة ومحكمة. واتخذت هذه المرحلة ثلاث خطوات رئيسة: أولً، التزام السلطة التأسيسية بالانخراط في مسار العدالة الانتقالية من خلال سن قانون يتولّ تنظيم العدالة الانتقالية ويضبط أسسها ومجال اختصاصها15. ثانيًا، بموجب النظام الداخلي للمجلس الوطني التأسيسي، انتخبت لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، ولجنة شهداء الثورة وجرحاها وتنفيذ قانون العفو التشريعي العام والعدالة الانتقالية، لمتابعة القضايا الوطنية الملحّة، على أن تتولّ الأولى المتابعة والإشراف على المسائل المتعلقة بالفساد المالي والإداري واسترجاع الأموال العمومية المنهوبة، ومتابعة سبل تطور الإرادة وجعْلها عصرية، وإصلاح الوظيفة العمومية. أمّا اللجنة الثانية، فتتولّ متابعة المسائل المتعلقة باستحقاقات شهداء الثورة وجرحاها والإشراف عليها، وتنفيذ قانون العفو التشريعي العام، وتعويض ضحايا الاستبداد منذ الاستقلال. تم خلال هذه الفترة، أيضًا، تمكين عدد من المتمتعين بالعفو التشريعي من الرجوع إلى وظائفهم والحصول على قسط من التعويضات المالية، شأنهم في ذلك شأن جرحى الثورة وعائلات الشهداء، بفضل جملة من القرارات التي صدرت لفائدتهم بين عامي 2012 و 2013، وقد حُدّدت فيها طرائق التعويض وحساب نفقات التقاعد، إضافة إلى كل ما يلزم من إجراءات الدخول إلى الوظيفة العمومية من حيث إعادة بناء المسار المهني والانتداب المباشر فيها. ثالثًا، إحداث وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية تحت إشراف المحامي والقيادي البارز في حركة النهضة الوزير سمير ديلو16. ومن ثم انطلق العمل على صياغة مشروع قانون العدالة الانتقالية باستحداث لجنة فنية خاصة، في نيسان/ أبريل 2012، قصد الإشراف على إعداد الحوار الوطني بشأن العدالة الانتقالية والاطلاع على رأي الضحايا وتصوراتهم بخصوص جبر الضرر وإرساء العدالة وكشف الحقيقة17. وبمجرد أن أصبح مشروع قانون العدالة الانتقالية جاهزًا، أُحيل على رئيس المجلس الوطني التأسيسي، بعد أن حظي بموافقة الحكومة، لتصديقه من جهة النواب. وهذا ما جرى فعلً خلال الجلسة العامة في 15 كانون الأول/ ديسمبر 2013 18. في هذ السياق، لا بد من تسجيل جملة من الملاحظات. تتعلق الملاحظة الأولى بمناخ التوافق الذي ساد خلال كل مراحل صياغة هذا القانون الذي ظهر من خلال: حرص اللجنة الفنية على الإشراف على الحوار الوطني بشأن العدالة الانتقالية، في صلب وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، على الاستماع إلى مختلف الأطراف والجمعيات والأحزاب المعنية، بما فيها الأحزاب، وحتى الشخصيات المحسوبة على النظام السابق؛ على اعتبار أن مسار العدالة الانتقالية، بحسب ما اعتبره سمير ديلو، وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، شأنه شأن مسار كتابة الدستور، يهم جميع التونسيين، ولا بد من التأنّ في صياغته لتحقيق أهدافه المنشودة19. تصديق القانون الأساسي رقم 53، لسنة 2013، المؤرخ في 24 كانون الأول/ ديسمبر 2013، المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها بالأغلبية، في ظل نوع من الإجماع على اعتبار العدالة

  1. كورا أندريو [وآخرون]، مشاركة الضحايا في مسار العدالة الانتقالية في تونس (تونس: مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية، 2015)، ص 13؛ ريم القنطري، "تونس في مرحلة
  2. الترويكا Troïka هي ائتلاف حاكم، رئاسيًا وحكوميًا وبرلمانيًا، شمل ثلاثة أحزاب ذات أغلبية ممثلة في المجلس الوطني التأسيسي التونسي لتكوين أغلبية مستقرة في الحكم في تونس.
  3. يراجع: المادة 24 من القانون التأسيسي عدد 6 لسنة 2011 المؤرخ في 16 ديسمبر 2011 المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية.
  4. هي سابقة أولى من نوعها؛ إذ لم يسبق أن قرر بلد ما تخصيص وزارة بكاملها لتنفيذ هذا المسار، ينظر: 14 p..Andrieu, 17  Ibid., p. 15.
  5. انتقالية: تقييم التقدم المنجز بعد عام على إنشاء هيئة الحقيقة والكرامة"، المركز الدولي، أيلول/ سبتمبر للعدالة الانتقالية 2015، ص 8، شوهد في 2021/1/20، في: https://bit.ly/2KzANOm
  6. قانون أساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 يتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها"، بوابة - التشريع. تونس، شوهد في 2021/1/20، في: https://bit.ly/39RtnhQ
  7. أسماء سحبون، "سمير ديلو في مركز دراسة الإسلام والديمقراطية: لا أحد فوق المساءلة تورس في إطار العدالة الانتقالية"،، 2012/9/4، شوهد في 2021/1/20، في: https://bit.ly/2MpH0Nj

الانتقالية خيارًا توافقيًا واستراتيجيًا لمعالجة انتهاكات الماضي. على أن هذا الإجماع ما كان له أن يحصل لولا مناخات التوافق التي سادت الساحة السياسية، وفسحت المجال لتعيين المهدي جمعة رئيسًا للحكومة المؤقتة، في كانون الأول/ ديسمبر 2013، خلفًا لعلي العريض20. القبول بإرساء هيئة الحقيقة والكرامة بوصفها "هيئة" مستقلة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري. ولا تتجاوز مدة عملها أربع سنوات، بداية من تاريخ تسمية أعضائها، ولا تقبل التمديد إلّ مرة واحدة، مدة سنة، على أن يتم ذلك بقرار معلّل من الهيئة يُرفع قبل ثلاثة أشهر من نهاية مدة عملها إلى مجلس نواب الشعب. ومن ثم، تمّ التوافق على اختيار أعضائها طبقًا للشروط والإجراءات التي نصّ عليها قانون العدالة الانتقالية21. وبالفعل، انتهى المجلس الوطني التأسيسي إلى اختيار 15 عضوًا من بين الشخصيات "المشهود لها بالحياد والنزاهة والكفاءة"22، والقدرة على تمثيل الاختصاصات ذات العلاقة بالعدالة الانتقالية، بمن فيهم القضاة والمجتمع المدني وجمعيات الضحايا. أما الملاحظة الثانية، فتتمثل في سعي وزارة حقوق الإنسان الحثيث لتشريك المجتمع المدني، على غرار شبكة العدالة الانتقالية، وبارومتر العدالة الانتقالية، وشبكة العدالة الانتقالية للنساء، ومرصد العدالة الانتقالية، بل تمكينهم من إدارة الحوار بشأن مختلف بنود قانون العدالة الانتقالية، والمشاركة في أعمال اللجنة الفنية المشرفة على صياغته، بينما اكتفت الوزارة بدور التنسيق23. كما فتحت الوزارة أبوابها أمام مشاركة المنظمات الدولية؛ على غرار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، والمركز الدولي للعدالة الانتقالية، التي واكبت كل مراحل هذا المسار، وبفضلها اكتسبت وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية واللجنة الفنية المنبثقة منها الخبرة اللازمة، وحظيت بالدعم المادي واللوجستي. واستطاع المجتمع المدني، بفضل هذه المنظمات، تعزيز قدراته على تمثيل الضحايا، والدفاع عن حقوقهم، والحصول على الموارد المالية الكافية لدعم نشاطاته. ساهم هذا المناخ في إرساء حالة من التضامن والعمل بهدوء، حتى إنّ البلد تحوّل إلى ما يشبه الورشة المفتوحة، نظرًا إلى تعدّد الندوات والمؤتمرات والآراء المختلفة بشأن كل ما يتعلّق بالعدالة الانتقالية. غير أن تغير المشهد السياسي بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية لعام 2014، وعودة وجوه النظام القديم إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، شكّلَ ما يشبه الخروج أو الردّة عن مسار العدالة الانتقالية؛ ما فتح المجال لبروز مرحلة أخرى24.

2. من الردّة عن مسار العدالة الانتقالية إلى الاستئناف

على صعيد هذه المرحلة، يبدو من الضروري أن نميّز بين فترتين أساسيتين: الأولى التي تزامنت مع صعود حركة نداء تونس بقيادة زعيمها الراحل الباجي قايد السبسي إلى السلطة، والتي حادت عن مسار العدالة الانتقالية إلى حد الردة عنه. أمّا الفترة الثانية، فتزامنت مع صعود قيس سعيد رئيسًا للدولة، وتميّزت بتفرق حكومتَي إلياس الفخفاخ وهشام المشيشي في تركيبتها على الأحزاب أو على التكنوقراط، لكنها لم تمنع بروزَ بعض مؤشرات استئناف المسار.

أ. بدايات الردّة عن مسار العدالة الانتقالية

بصعود حركة نداء تونس إلى السلطة وعودة وجوه النظام القديم إلى الحكم، أخذ مسار العدالة الانتقالية منعرجًا خطرًا؛ فهذه الحركة، وهي تتأهّب لتمسك بزمام الحكم، لم تتردد في التعبير عن رفضها المحاسبة وتصفية إرث الماضي، بل سرعان ما بدأت تفتعل وضع العراقيل أمام أعمال هيئة الحقيقة والكرامة. ولم يكن "التوافق" الذي ظهر بينها وبين حركة النهضة ليحول دون تناحرهما في مختلف المسائل التي طُرحت بشأن العدالة الانتقالية. شكّلت حادثة الأرشيف الرئاسي في كانون الأول/ ديسمبر 2014 أول حالة اصطدام عرفتها هيئة الحقيقة والكرامة إزاء الحكام الجدد، وهي لم تلبث أن بدأت في أعمالها؛ إذ بمجرد فوز الباجي قايد

  1. خالد الكريشي، 20 تونس، من الثورة إلى الدولة: حديث ما بعد   14 جانفي 2011 (تونس: مجمع الأطرش للكتاب المختص، 2016)، ص.76
  2. نصَّ الفصل 23 من القانون الأساسي عدد 53 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها على أن "تختار اللجنة بالتوافق بين أعضائها 15 مرشحًا من بين الترشحات المقدمة إلى مكتب المجلس[...]وترفع القائمة المتوافق عليها إلى الجلسة العامة للمصادقة عليها بأغلبية الحاضرين، على ألّ تقل عن ثلث الأعضاء."
  3. الفصل 19 من القانون الأساسي عدد 53 للعدالة الانتقالية وتنظيمها.
  4. Par Kora Andrieu, "Confronter le passé de la dictature en Tunisie: La Loi de 'Justice Transitionnelle' en question," Institut de relations internationales et stratégiques, IRIS, Mai 2014, accessed on 20/1/2021, at: https://bit.ly/39LnpPC
  5. صرحت سهام بن سدرين بأن الهيئة تواجه مناخًا معاديًا، وأن الرافعة السياسية المساندة لمسار العدالة الانتقالية موجودة قبل الهيئة، لكنها باتت مفقودة عند تأسيسها، لأن من نجح في الانتخابات لا يؤمن بالعدالة الانتقالية. ينظر: "الأمر المتعلق بصندوق الكرامة لا يرتقي لجبر ضرر الضحايا (مشاركة تلفزية")، هيئة الحقيقة والكرامة، 2018/3/14، شوهد في 2021/1/20، في https://bit.ly/3qFK5Yz:

السبسي برئاسة الجمهورية، أحد أبرز وجوه المنظومة السابقة25، منعت نقابة الأمن الرئاسي الهيئة من دخول قصر قرطاج لنقل جزء من أرشيفات رئاسة الجمهورية في إطار مهمتها المتعلقة بالبحث في انتهاكات حقوق الإنسان والفساد المالي وتحديد المسؤوليات. ولئن كان ثمة بين الهيئة ومكتب الرئاسة في فترة حكم الرئيس محمد المنصف المرزوقي نوعٌ من الاتفاق على طريقة نقل الأرشيف، فإنّ تهيّؤ الرئيس المرزوقي لمغادرة القصر حال دون تطبيقه. وبما أن الفصل 40 من قانون العدالة الانتقالية كان ينص على "حق الهيئة في النفاذ إلى الأرشيف العمومي والخاص بغض النظر عن المنع الذي تنص عليه التشريعات الجاري بها العمل"26، فقد اتّخذ هذا التصادم السياسي شكله القانوني، انطلاقًا من التساؤل عن المراد من كلمة "النفاذ"؛ إن كانت تشمل نقل الأرشيف الرئاسي وحجزه، أو تقتصر على الاطلاع عليه27، وهو ما سمح بتأويلين متباينين28، وقد أفضى الأمر في نهاية المطاف إلى تغليب قراءة المظفرين الجدد بالحكم التي ترى أن النفاذ إلى الأرشيف لا يعني نقله من القصر29. على أي حال، لم تنزع موافقة الهيئة على الاكتفاء بالاطلاع على الأرشيف الرئاسي، من دون نقله، فتيلَ التوتر بينها وبين القصر؛ إذ استمر حرمانها من الاطلاع على أرشيفات مختلف الوزارات، ووزارة الداخلية خصوصًا، وهو ما يؤكد أنّ صراع التأويلات القانونية، كان مفتعلً، ولا ينمّ إلّ عن خوف من أن تُكشف الحقيقة وتُفضح سردية الدولة الوطنية المزوّرة. لئن نجح المجلس الوطني التأسيسي، في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2013، في أن يُلغي مرسومًا كان يقضي بسقوط دعوى جريمة التعذيب بمرور الزمن30، فإن صدور هذا المرسوم من رئيس الدولة المؤقت فؤاد المبزع، في اليوم الذي سبق مباشرة موعد انتخابات 23 تشرين الأول/ أكتوبر التأسيسية، لم يكن إلّ بسبب موقف الباجي قايد السبسي المعارض لفكرة العدالة الانتقالية. ولم يستمر هذا الموقف أثناء حملته الانتخابية الرئاسية فحسب، بل إنه لم يُخف مناهضته لهيئة الحقيقة والكرامة ورئيستها، معلنًا عن تصميمه، في حال فوزه بالرئاسة، على تعديل قانون العدالة الانتقالية، باعتباره تهديدًا لكيان الدولة، وعن حلّه الهيئة، نظرًا إلى "طابعها الانتقامي." ثمّ إنه أصرّ، في صيف 2015، على التقدم إلى مجلس النواب بمبادرة تشريعية تتعلق بالمصالحة الاقتصادية، متذرّعًا بالحاجة إلى إنعاش الاقتصاد وتحرير الإدارة من القيود المسلّطة عليها بسبب تُهم الفساد التي تلاحقها، وهي المبادرة التي انتهت إلى التصديق عليها في مجلس النواب، في 13 أيلول/ سبتمبر 2017، في مخالفة صريحة للدستور وقانون العدالة الانتقالية. لئن لاقت تلك المبادرة معارضة المجتمع المدني وامتعاض مختلف الهيئات الدولية، فإن مسار العدالة الانتقالية تلقّى من خلالها أولى الضربات الموجعة، بتكريس إجراء الإفلات من العقاب لفائدة الموظفين المتورّطين في أعمال الفساد والاختلاس، إضافة إلى إيقاف كل أشكال الملاحقات والمحاكمات الجارية في حقهم. نشير إلى أنّ هذا القانون كان قاب قوسين أو أدنى من أن تُسقطه الهيئة الوقتية لمراقبة مشاريع دستورية القوانين، لولا أنها أحالته على رئيس الجمهورية لعجزها عن البت في دستوريته، إلّ أن هذا الأخير ما كان منه – بدلً من أن يردّه إلى مجلس النواب للتداول فيه مجددًا - إلّ أن أدخله حيّز التنفيذ، حيث أصبحت الجهة التنفيذية التي اقترحت المشروع هي نفسها التي تتولّ إدخاله حيّز التنفيذ؛ ما يجعلنا نتساءل عن جدوى التنصيص على مبدأ الفصل بين السلطات في الدستور.

  1. لعل من بين أهم المناصب التي تولّ ها محمد الباجي قايد السبسي منصب وزارة الداخلية في عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، ورئاسة مجلس النواب وعضوية المجلس الدستوري في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.
  2. الفصل 40 من القانون الأساسي عدد 53 للعدالة الانتقالية وتنظيمها.
  3. خالد الكريشي، 27 مسافر زاده الحقيقة: قراءة في مسار العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في تونس (تونس: الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم، 2015)، ص.72
  4. لمزيد الإلمام بتفاصيل الخلاف القانوني بشأن هذه المسألة، يراجع نص الاستشارة القانونية لجوهر بن مبارك الذي قُدّم إلى هيئة الحقيقة والكرامة: "استشارة الأستاذ جوهر بن مبارك - أستاذ محاضر في القانون الدستوري"، هيئة الحقيقة والكرامة، شوهد في 2021/1/20، في: https://bit.ly/3bU2s7O؛ "استشارة الأستاذ محمد القلسي - المحامي لدى التعقيب وخبير في برنامج الأمم المتحدة للتنمية"، هيئة الحقيقة والكرامة، شوهد في 2021/1/20، في: https://bit.ly/39KKKRD
  5. الكريشي، تونس، من الثورة إلى الدولة، ص.131-129
  6. ديكاف - مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، "مرسوم عدد 106 لسنة 2011 مؤرخ في 22 أكتوبر 2011 يتعلق بتنقيح وإتمام المجلة الجزائية ومجلة الإجراءات الجزائية"، شوهد في 2021/1/20، في https://bit.ly/38W6LO1:

لا غرابة حينئذ في أن تعتبر المنظمات الدولية غير الحكومية، مثل هيومن رايتس ووتش، أن هذا القانون "يقوّض عمل الهيئة"، وتؤكد حقها وحدها في أن تكون المخوّلة ل "التحقيق في الجرائم الاقتصادية" والنظر في "الفساد الممنهج في عهد بن علي." ولا غرابة أيضًا في أن تقرّ نائبة رئيس لجنة التحقيق في البرلمان الأوروبي، إيفا جولي Joly Eva، بأن حجج المدافعين عن قانون المصالحة الاقتصادية "سخيفة للغاية"31. أما لجنة البندقية (اللجنة الأوروبية للديمقراطية عن طريق القانون)، فأقرّت بعدم دستوريته، معتبرة أن لجنة المصالحة المقترحة في مشروع الرئيس لا توفّر ما يلزم من ضمانات بشأن "شفافية أعمالها"، أو "استقلاليتها المزعومة"32. لقد احتدّت المواجهة بين هيئة الحقيقة والكرامة والنواب من حركة نداء تونس في مجلس النواب، حينما طلبت الهيئة من المجلس سدّ الشغور الذي تعانيه تركيبتها، وبيّنت حاجتها إلى اكتمال النصاب القانوني، طبقًا لمقتضيات الفصل 37 من قانون العدالة الانتقالية الذي ينص على أنه "في حالة استقالة عضو من أعضاء الهيئة أو إعفائه أو وفاته، يتم تعويضه بعضو آخر بنفس اختصاصه من قبل المجلس المكلف بالتشريع"33. إلّ أن هذا الطلب لم يكن ليؤدي إلّ إلى تأجيج التوتر بينهما. والسبب في ذلك امتناعهم عن القيام بواجبهم القانوني. وهذا الامتناع، أو بالأحرى الرفض، لم يكن ليفسّ إلّ بالخوف من أن تنجح الهيئة في تحقيق أهدافها وتكتشف الحقيقة كاملة34. على أنه من المهم الإشارة هنا إلى أن محاولة هيئة الحقيقة والكرامة استشارة المحكمة الإدارية للعثور على حل من أجل تجاوز هذا الإشكال، لم يلقَ منها إلّ الرفض، بحجة أن الهيئة تفتقد الصفة القانونية للقيام بذلك، والحال أنه كان في وسعها أن تجتهد في الأمر. ولئن علّلت الهيئة - على صعيد آخر - قرارها المتمثّل بالتمديد لعهدتها سنةً واحدة، طبقًا لما يسمح به الفصل 18 من قانون العدالة الانتقالية، استنادًا إلى ما واجهته من معوّقات كثيرة وعدم تعاون الحكومة معها، والصعوبات التي اعترضت سبيلها أثناء اطلاعها على السجلات الحكومية وملفات الأحكام العسكرية، فإنّ مطلب موافقة مجلس النواب على قرارها المتعلق بتمديد عهدتها - بعد أربع سنوات من انطلاق أعمالها - لم يكن ليلقى إلّ الصدّ، ولم يكن ليضيف إلى العلاقة بين الهيئة والنواب من حركة نداء تونس، إلّ مزيدًا من التوتر، حتى بدا تصميمهم على وضع حد لأعمالها بارزًا أكثر من أي وقت مضى. وعلى الرغم من الدعم الذي حظيت به هيئة الحقيقة والكرامة من المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية الدولية، من خلال إقرار حقها في التمديد، على اعتبار أن اللجوء إليه يعتبر سمة بارزة في تجارب العدالة الانتقالية المقارنة35، فإن تدخلات النواب من حركة نداء تونس، في مجلس النواب، كشفت عن جهل مدقع بأدبيات العدالة الانتقالية وفلسفتها، بعدما تفتقت قريحتهم بالمرافعات المتشنجة؛ إذ لم تبرز العدالة الانتقالية في مداخلاتهم إلّ بوصفها محاولة لتقسيم الشعب، ومجرد منجز "ثورجي" من مخلّفات حقبة الترويكا، التي لا تعكس إلا الحقد والثأر الذي يختلج في قلوب المدافعين عنها، بل اعتبرها بعضهم محاولة بائسة من أجل التموقع السياسي لإرضاء نزوات رئيسة الهيئة سهام بن سدرين. وبلغ سوء الفهم بالنواب من حركة نداء تونس، مثل النائبة هالة عمران، إلى اعتبار الانقلاب على مسار العدالة الانتقالية عين الديمقراطية36؛ ما يعكس ضعف المستوى في فهم العدالة الانتقالية والديمقراطية معًا. ذلك أن العدالة الانتقالية، وإن كانت لا ترى مصالحة من دون مصارحة، ولا تسامح من دون اعتراف، فإن مبلغ اهتمامها إحياء الذاكرة وليس الاستسلام للنسيان37، وهدفها المساءلة عن أخطاء الماضي وليس توليد الأحقاد، وغايتها المصالحة وحماية وحدة الشعب، وليس تقسيمه وإثارة الفتنة في صفوفه. على أي حال، اعتبرت هيومن رايتس ووتش، عبر مكتبها في تونس، أن "تجديد ولاية الهيئة مهم للغاية، نظرًا لأهمية دورها في إحالة قضايا انتهاكات حقوق الإنسان الفادحة إلى المحاكم المتخصصة"، مشدّدة على أن التصويت ب "لا" على تمديد نشاط الهيئة يعني أن مجلس النواب يصوّت ب "نعم" على "الإفلات من العقاب"38.

  1. هيومن رايتس ووتش، "تونس: يجب ألّ يقوّض البرلمان العدالة الانتقالية تجديد صلاحية 'هيئة الحقيقة والكرامة' ضروري للضحايا"، 2018/3/23، شوهد في 2021/1/20، في:
  2. الرأي الاستشاري للجنة البندقية بشأن الجوانب المؤسساتية لمشروع قانون حول الإجراءات الخاصة بالمصالحة في المجالات المالية والاقتصادية في تونس التي صادقت عليها
  3. 37  Pierre Hazan, "Les dilemmes de la justice transitionnelle," La Découverte: Mouvements , no. 53 (2008/ 1), p. 43. " تونس: يجب ألّ يقوض البرلمان العدالة الانتقالية"، 38 هيومن رايتس ووتش، 2018/3/23، شوهد في 2020/2/21، في https://bit.ly/37dKSZe:
  4. Farah Hached, "En Tunisie, les fossoyeurs de la justice transitionnelle
  5. https://bit.ly/3bTLfeC
  6. لجنة البندقية في جلستها العامة رقم 104، رأي رقم 818، 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2015. تونس... من الثورة إلى الدولة، ص ينظر: الكريشي،.408-395
  7. 33 الفصل 37 من القانون الأساسي عدد 53 للعدالة الانتقالية وتنظيمها.
  8. font fi des victimes de la dictature," Le Monde , 3/4/2018, accessed on 20/1/2021, at: https://bit.ly/38ZKmzy 35 التحالف التونسي للكرامة ورد الاعتبار، والمركز الدولي للعدالة الانتقالية، "بيان التحالف التونسي للكرامة ورد الاعتبار والمركز الدولي للعدالة الانتقالية"، شوهد في 2021/1/20، في https://bit.ly/2Gn6XFz: 36   " الجلسة العامة ليوم السبت 24 مارس 2018 الجزء الثاني"، يوتيوب، 2018/3/24، شوهد في 2021/1/20، في https://bit.ly/3itHlKG:

تُرجم هذا الإشكال قانونيًا تحت قبة مجلس النواب وخارجها، على النحو الذي يسمح بمعرفة إن كان يعود إلى مجلس النواب مراقبة قرارها بالتمديد أم لا، لتُقسم بذلك الآراء إلى موقفين: ففي حين أنكر بعضهم على المجلس مراقبة قرار التمديد الصادر عن الهيئة، لمِا ينطوي عليه قرار الرفض من معاني الانقلاب على الشرعية الدستورية، شدد بعضهم الآخر على ضرورة أن يوافق المجلس على قرار الهيئة بالتمديد. غير أن تباين المواقف بين الفريقين انحصر في تحديد معنى كلمة "يرفع" وتحديد أثرها القانوني؛ ففي مقابل من رأى أنها تؤدي إلى الاعتراف بحق مجلس النواب في أن يبتّ في قرار الهيئة وتبعًا لذلك يقرر التمديد أو يرفضه39، رأى آخرون أنها لا تفيد إلّ إعلام مجلس النواب بأن تترك سلطة القرار إلى الهيئة وحدها، من دون أن ينازعها أحد في ذلك40. أما المشكل القانوني الثاني الذي طرح في هذا الخصوص، فكان بشأن شرعية جلسة نواب الشعب التي عقدت في 24 آذار/ مارس 2018 للتصويت على قرار الهيئة المتعلق بالتمديد في عملها، وقد أفضت إلى رفضه، حيث إن أغلب رجال القانون اعتبروا أن ما حصل "فضيحة إجرائية"؛ ذلك أن التصديق على قرار الهيئة بالتمديد أو رفضه، لم يكن ليتمّ إلّ عبر تصويت الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، وهو ما يقتضي موافقة 109 نواب من مجموع ال 217 نائبًا الذين يضمّهم المجلس. وذلك طبقًا للأغلبية التي اشترطها الدستور في الفصل 46 للتصديق على مشاريع القوانين الأساسية. غير أن الذي حصل هو الاكتفاء بتصويت 07 نائبًا فقط، في حين لم يتولَّ التصويت ضدّ مطلب هيئة الحقيقة والكرامة إلا 86 نائبًا، أمّا الباقون فمنهم من فضّ ل الاحتفاظ بالتصويت، أو التغيّب، أو الانسحاب من الجلسة، لعدم شرعيتها. تفرّعت من هذا المشكل بخصوص شرعية الجلسة من عدمها معضلتان: الأولى تتعلق بالطبيعة القانونية للتصويت الذي قام به مجلس النواب بشأن قرار الهيئة بالتمديد؛ حيث أجمع رجال القانون على أن عملية التصويت تمّت على نوع من "الجسم الغريب" الذي لا أساس له في الدستور، وأنه لا يمتّ بصلة إلى العمل التشريعي للمجلس؛ ما يشكل حالة نموذجية في الانحراف بالإجراءات. في حين اعتبر آخرون، مثل عدنان الإمام، أن ما عُرض على المجلس لا يعدو أن يكون مجرد قرار إداري كان يمكن أن يقتضي الطعن فيه أمام القاضي الإداري، من دون أن يمرّر إلى السلطة التشريعية41. وذهب آخرون، مثل كمال بن مسعود، إلى القول بوجود نوع من الفراغ التشريعي الذي كان يتطلّب الاجتهاد والاتفاق في ما هو مختلف فيه، قبل المرور إلى عملية التصويت42. أما المعضلة الثانية، فتمحورت حول كيفية التصويت والاستجابة لشروطه الإجرائية؛ إذ اعتبرت كتلة حركة نداء تونس ومن يساندها، أن الأمر لا يخرج عما جرى العمل به داخل المجلس، بينما اعتبرت سائر الكتل الرافضة للجلسة أن ما حصل خرقٌ واضح للنظام الداخلي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الهيئة الوقتية لمراقبة مشاريع دستورية القوانين سبق أن أبدت رأيها في هذا الخصوص، عندما اعتبرت أن المسائل الإجرائية ليست غاية في حد ذاتها، وأنها مجرد وسيلة لتحقيق الغاية المنشودة، لكن حينما يقع الخلاف، لا بد من الاحتكام إلى النص القانوني43. يبدو أن التوتر المتواصل الذي ميّز العلاقة بين الهيئة ومؤسسة رئاسة الجمهورية والنواب من حركة نداء تونس، لم يكن ليمر من دون أن يلقي بظلاله على سير عملها وتماسكها. شهدت الهيئة استقالة خمسة من أعضائها، وإعفاء آخر، زهير مخلوف، بعد أن اتّهم بن سدرين بأنها متورطة في الفساد المالي والإداري، وأنها تعمل ضمن أجندات سياسية بعيدًا عن الحياد والشفافية والاستقلالية؛ ما اعتبرته الهيئة خروجًا على قواعد التحفظ، ومحاولة لنسف كيانها من الداخل. وقد ولّد هذا الوضع شغورًا في تركيبتها العددية، وأثّر في شرعية قراراتها. كما أدّت الخلافات الداخلية الحادّة بين أعضاء الهيئة وبن سدرين إلى اتهامها ب "التفرد بالقرار"، الأمر الذي كاد يعصف بالهيئة، لولا التوصل إلى نوع من التفاهمات التي سمحت لها باستكمال عملها. وكانت مديرة مركز العدالة الانتقالية في تونس، ريم القنطري، قد نبّهت في هذا الإطار إلى ضرورة أن تتجاوز الهيئة مشكلاتها الداخلية وخلافاتها الشخصية، محذّرة من أن ذلك سيؤثر في عملها وصدقيتها وسيفسح المجال للمتربصين بها، بل إنه سيهدّد المسار برمته44. والظاهر أن التوتر الذي ساد العلاقة بين الباجي قايد السبسي والهيئة، ألقى بظلاله أيضًا، على نحو خاص، على معنويات الضحايا وأهالي الشهداء؛ حيث ارتفع منسوب الاحتقان لديهم وتكثفت احتجاجاتهم أمام مقرَّي الهيئة ومجلس النواب بسبب مرور الوقت من دون

  1. لمراجعة قراءة كمال بن مسعود، ينظر -Tunis 24/ 7 S04 Episode 147 27":
  2. عبد السلام الككلي والمستشار علي الجوابي، "ما كان للقرار أن يكون طلبًا"!، 40 قضاء، 2018/4/2، شوهد في 2021/1/20، في https://bit.ly/2Sc8BPO: نيوز
  3. حول تمديد مدة هيئة الحقيقة والكرامة - بقلم الأستاذ عدنان الإمام"، فيسبوك،
  4. 2018-03 يوتيوب "، 2018/3/27، شوهد في 2021/1/20، في: https://bit.ly/2M4qAd1
  5. قرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين عدد 2015/02 بتاريخ 8 جوان 2015 يتعلق بمشروع القانون الأساسي المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء"، بوابة - التشريع. 2021/1/20، في https://bit.ly/3bSd5Ik:، شوهد في تونس 44 القنطري، ص.4-3
  6. 2018/3/11، شوهد في 2021/1/20، في https://bit.ly/3p0A7AD:." 2018-03-Tunis 24/ 7 S04 Episode 147 27 يوتيوب، "  42

الحصول على نتائج ملموسة، حتى إن شكوكهم ازدادت بخصوص قدرة الهيئة على تحقيق أهدافها45. على الرغم من أن هذه الفترة شهدت عقبات جمة، فإنها عرفت أيضًا بعض الانفراج الذي ظهر من خلال التصديق الدوري على الميزانية السنوية للهيئة، وإرساء الدوائر القضائية المتخصصة، وصدور الأمر الحكومي المتعلق بضبط طرائق تنظيم صندوق الكرامة، وردّ الاعتبار إلى ضحايا الاستبداد، وتأكيد السلطات الرسمية التزامها بمنظومة العدالة الانتقالية46. وهو ما حصل خلال البلاغ المشترك، الصادر في 24 أيار/ مايو 2018، بين وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان وهيئة الحقيقة والكرامة، والقاضي باستمرار الهيئة في أعمالها والتزام الدولة بمنظومة العدالة الانتقالية47، لكن سرعان ما جرى الاختلاف بشأن هذا البلاغ، ولم ينجُ من التأويلات المتباينة؛ إذ اعتبرت هيئة الحقيقة والكرامة أن الاتفاق يسمح لها باستمرار أعمالها على النحو الذي قررته منذ البداية48، في حين اعتبر مهدي بن غربية، الوزير المكلف بالعلاقة مع مجلس النواب والمؤسسات الدستورية والمجتمع المدني، أن هذا الاتفاق يُلزم الهيئة بقرار مجلس النواب الذي يقضي بإنهاء أعمالها في الموعد المحدد، في 13 أيار/ مايو 2018، على أن تستكمل الإجراءات الخاصة ب "إحالة الملفات إلى الأرشيف الوطني ومدّ الرئاسات الثلاث بالتقرير الختامي ومواصلة إحالة الملفات على القضاء وجبر الضرر للضحايا والتفاهم على إجراءات التسليم والتسلم"49، وذلك طبقًا لما يقتضيه الحفاظ على مسار العدالة الانتقالية. بمعنى آخر، إنّ ما أراد قوله بن غربية هو الإبقاء على الآجال مضبوطة بقرار مجلس النواب، على أن تتولّ الحكومة التنسيق مع الهيئة لاستيفاء ما يلزم من استتباعات قانونية. على أي حال، من الواضح أن هذا البلاغ المشترك تعمّد الغموض، والحق أن عبد السلام الككلي أصاب حينما اعتبر أننا "أمام تمديد لا يريد أن يعلن عن نفسه"، وأن الحكومة "اختارت الوقوف على الحياد"، وأنها "على الأرجح لن تتخذ في المستقبل أي إجراء لإيقاف عمل الهيئة"50. وهذا ما حصل فعلً، واستمرت الهيئة في استكمال أعمالها، ولم تلقَ المحاولات التي سعت جاهدة لتعديل قانون العدالة الانتقالية أو استبدال الهيئة بغيرها، إلّ الخيبة.

ب. عودة الأمل ومحاولات الاستئناف

أتاح اندحار حركة نداء تونس عن السلطة، في إثر انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر 2019، فرصة لانبلاج فجر جديد من أجل استئناف مسار العدالة الانتقالية، ولكن سرعان ما بدأت تبرز "مطبّات" في الطريق. وبدا بعد ما يزيد على عامٍ من صعود قوى سياسية جديدة إلى الحكم أن هذا المسار بقي يراوح مكانه. على أن هذا "الفجر" الذي لاح، ظهر حينما عبر رئيس الحكومة المعيّ إلياس الفخفاخ في خطابه أمام مجلس النواب، في 26 شباط/ فبراير 2020 عن عزمه استئناف مسار العدالة الانتقالية، إضافة إلى تعيينه المحامي العياشي الهمامي، أحد أبرز الشخصيات الوطنية والحقوقية، وزيرًا مكلّفًا بملف العدالة الانتقالية. وآتَت هذه الإرادة الجديدة أُكلها سريعًا، من خلال السماح بنشر التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة، في 24 حزيران/ يونيو 2020، بعد طول انتظار وعقبات جمّة. أما في حكومة هشام المشيشي الذي تولّ رئاسة الحكومة خلفًا للفخفاخ، فقد تواصل استئناف هذا المسار من خلال تعيين عبد الرزاق الكيلاني رئيسًا للهيئة العامة للمقاومين وشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية، الذي ما فتئ يؤكد عزم الحكومة على استكمال ملف العدالة الانتقالية. وهذا ما تحقق فعلً بإقرار فتح حساب جارٍ – في الخزينة العامة للبلد - لصندوق الكرامة، وردّ الاعتبار، لتودع

  1. مراد العبيدي، "إلى هيئة الحقيقة والكرامة"، 45 العربي الجديد، 2017/5/4، شوهد في 2021/1/20، في https://bit.ly/35ZeHvY:
  2. الكريشي، تونس، من الثورة إلى الدولة، ص.126-125
  3. هيئة الحقيقة والكرامة، "بلاغ مشترك حول استكمال أعمال الهيئة "، 2018/5/24، شوهد في 2021/1/20، في https://bit.ly/3o1S0NS:
  4. ندوة صحفية حول مدى تقدم أعمال الهيئة وبرنامج استكمالها"، هيئة الحقيقة والكرامة، 2018/5/25، شوهد في 2021/1/20، في: https://bit.ly/2BxQ4YH
  5. مهدي بن غربية يرد على خالد الكريشي: الاتفاق مع هيئة الحقيقة والكرامة لا "، الصباح نيوز يعني التمديد لها، 2018/5/24، شوهد في 2020/1/20، في:
  6. https://bit.ly/3qkbMpZ 50 المرجع نفسه.

الأموال فيه، إضافة إلى الإعلان عن نشر القائمة الرسمية لشهداء الثورة وجرحاها في الرائد الرسمي بعد أن زالت موجبات التعطيل51. لكنّ إصرار رئيس الدولة، قيس سعيد، ورئيس مجلس النواب راشد الغنوشي، على المضُيّ، كل واحد منهما، في تحشيد الدعم لمبادرته الخاصة تجاه العدالة الانتقالية، لم يؤدِّ إلّ إلى إضفاء طابع الشك والريبة على المنجزات المتحققة؛ إذ ما فتئ الأول يدعو إلى توخّي خيار الصلح الجزائي مع رجال الأعمال في تجاوز خطر لقانون العدالة الانتقالية القائم أساسًا على المحاسبة قبل المصالحة، في حين يُلحّ الثاني على ضرورة طيّ صفحة الماضي وتوخّي خيار المصالحة الشاملة، حتى إنه ذهب إلى تعيين محمد الغرياني، آخر أمين عام للتجمع الدستوري الديمقراطي، مستشارًا لرئيس مجلس النواب، مكلّفًا بملف العدالة الانتقالية. وهو التوجّه الذي أصاب الرأي العام بالإحباط والشعور بالاستفزاز، وعُدّ محاولةً للقفز على حقائق الواقع وتنكرًا لمجريات مسار العدالة الانتقالية.

ثانيًا: التحديات المرتقبة لمسار العدالة الانتقالية

ما إن تمكّنت هيئة الحقيقة والكرامة، بعد مخاض عسير، من إصدار تقريرها الختامي والإع ناا عن نهاية أعمالها، حتى وجد مسار العدالة الانتقالية نفسه في مواجهة تحديات جمّة، يمكن حصرها في صنفين: يتعلّق أولهما بنجاح الانتقال الديمقراطي، وثانيهما بحماية حقوق الضحايا.

1. نجاح الانتقال الديمقراطي

هل يحتاج الأمر إلى تأكيد أنّ أحد أهم التحديات التي تواجه الانتقال الديمقراطي هو ارتباطه بنجاح العدالة الانتقالية52، أم يجب الاكتفاء بالتذكير بالفصل الأول من قانون العدالة الانتقالية الذي يشدد على أن الهدف من إرسائها إنما هو تحقيق "الانتقال من حالة الاستبداد إلى نظام ديمقراطي"54، لا جدال، حينئذ، في اعتبار أنّ شتى محاولات إجهاض مسار العدالة الانتقالية لم تكن في حقيقتها تستهدف سوى إجهاض مسار الانتقال الديمقراطي، غير أنّ مسار العدالة الانتقالية ينبغي ألَّ يُختزل في المكاشفة والمصارحة وطيّ صفحة الماضي، بل يجب قراءته في إطاره الشامل الذي يأخذ في الحسبان إعادة بناء الهوية الوطنية، وتجديد النخب الوطنية، وصلاح المؤسسات السياسية، وعلى الوجه الأخص إرساء دولة القانون. وهذا ما نبّه إليه بابلو دو غرايفGreif f de Pablo، المقرر الخاص المعني ب "تكريس الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وتعزيز ضمانات عدم التكرار"؛ إذ إنّ إجهاض عملية البحث عن الحقيقة لن يتسبب في إضعاف المكاسب المهمة التي حققتها تونس فحسب، بل إنه سيعرض عملية انتقال تونس إلى بلد قائم على سيادة القانون للخطر بشكل كبير55. على أنّ نجاح الانتقال الديمقراطي، بهذا المعنى، لن يكون في وسعه التحقق من دون القبول بالحقائق التي كشفتها هيئة الحقيقة والكرامة، أو على الأقل البناء عليها في محاولة لبناء حقيقة موحدة ترمّم النقائص التي وردت في التقرير الختامي، لكنها تساعد في مراجعة الرواية الرسمية والنظر بصورة جدية في تنفيذ توصيات الهيئة.

أ. القبول بالحقيقة التي كشفتها هيئة الحقيقة والكرامة

لا شك في أن كشف الحقيقة يُعدّ من أهم التحديات التي ترتبط بماهية الدولة نفسها؛ إذ لن يكون في وسع الدولة التي اقترفت الجرائم، ومارست التعذيب في حق مواطنيها، أن تكشف عن وجهها القبيح بعد أن عمدت أكثر من خمسة عقود إلى تلفيق الروايات المزيفة وحشو عقول مواطنيها بالأكاذيب. لذلك، لم يكن من قبيل المصادفة أن تعمد الدولة إلى إرباك مسار العدالة الانتقالية في كثير من الأحيان، نظرًا إلى استحالة قبولها من الجميع؛ ذلك أنّ الذين يرفضون كشف الحقيقة - أو لنقُل الحقيقة الأخرى - سرعان ما

  1. عبد الرزاق الكيلاني يكشف عن تفاصيل جديدة حول قائمة شهداء وجرحى الثورة "، الشروق،.2020/12/8
  2. نويل كالهون، 52 معضلات العدالة الانتقالية في التحول من دول شمولية إلى دول ديمقراطية، ترجمة ضفاف شربا (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014)، ص.84 53 الفصل الأول من القانون الأساسي عدد 53 للعدالة الانتقالية وتنظيمها.
  3. هيومن رايتس ووتش، "رسالة إلى السيد فابيان سالفيولي المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار"، 2019/4/30، شوهد في 2021/1/20، في: https://bit.ly/3a2SO1j

يعمدون إلى محاصرتها وعزلها عن السردية الرسمية التي لا تتحمل في نظرهم المراجعة بفضل وسائلهم الدعائية المختلفة والموزّعة على كامل أرجاء خريطة الدولة العميقة التي يمثلونها ويعبّ ون عنها56، وهكذا تجدهم يرفضون التعامل مع الإسلاميين بوصفهم ضحايا النظام البائد، من دون تشويههم أو تحميلهم مسؤولية ما جرى57، وتجدهم يرفضون الإقرار بالطبيعة التسلطية للدولة، من دون مشروطية الإقرار بالمنجز البورقيبي ومكتسبات الدولة الوطنية، بل تجدهم يكافحون من أجل أن يصوروا تلك الحقبة المظلمة في تاريخ البلد باعتبارها ملاحم لإنقاذ الوطن. في حين أن جوهر العدالة الانتقالية يكمن، في الأساس - كما تقول المتخصصة في العدالة الانتقالية كورا أندريو - في أنه "مشروع سياسي" مشدود إلى رهانات "الذاكرة والهوية" من أجل زعزعة السرديات السائدة، و"إعادة كتابة التاريخ الحديث"58. ولعل هذا هو ما أرادت أن تنبّه إليه حنا أرندت بقولها إنه لا حرية (أو لنقل لا دولة) من دون التوافق على وقائع التاريخ المشترك59. إنّ الإشكال هنا يبقى في أن مسألة الحقيقة بطبيعتها ليست واحدة، بل متعددة ونسبية؛ إذ ثمة الحقيقة التاريخية، والحقيقة الاجتماعية، والحقيقة الشخصية، والحقيقة الموضوعية. وإذا كانت الحقيقة الأولى تعتمد التوثيق، فإن سائر الحقائق تولدها التجربة أو الذكريات أو الواقع، إضافة إلى حقيقة الحاضر التي يقع رصدها مباشرة، وحقائق المستقبل التي لا يُكشف عنها إلّ عبر مرور الزمن. وكان أنْ أودت طبيعة هذه الحقائق المتعددة بالرأي العام التونسي إلى الانقسام على نفسه - في إطار ما اضطلعت به الهيئة من دور في الكشف عن الحقيقة – انقسامًا حادًّا بشأن أكثر المسائل إثارة وتعقيدًا في تاريخ الدولة التونسية المعاصر؛ مثل المنجز البورقيبي، وتاريخ الحركة الوطنية، والصراع اليوسفي – البورقيبي، والاستقلال الوطني، ومعركة الجلاء في بنزرت، والثروات الطبيعية المنهوبة، والعلاقة مع المستعمر، وأحداث الثورة أيضًا. كما تطرح إشكالية الكشف عن الحقيقة من حيث تعمّد اختزالها في حدود ما أتيح للهيئة أن تعالجه وتشتغل به. لكن ماذا عن النفاذ إلى الأرشيفات التي حُرمت الهيئة من أن تطّلع عليها، ولا سيما ما يتعلق بالقضاء العسكري والقطب القضائي المالي وغيرهما؟ ثم ماذا عن الكم الهائل من الوثائق الذي أتلف مباشرة بعد الثورة وثبت حرمان الهيئة من الاطلاع عليه أيضًا؟ ألن يقضي ذلك بأن تبقى الحقيقة منقوصة إلى الأبد ويترك ذاكرتنا الوطنية ذاكرة مثقوبة؟ ألم ينبّه العميد عبد الستار بن موسى إلى أن تجارب انتقالية عدة لم تكلّل بالنجاح بسبب إتلاف جزء من الأرشيف؟60

ب. القبول بتنفيذ توصيات هيئة الحقيقة والكرامة

يفترض أنه ما إنْ سلمت هيئة الحقيقة والكرامة تقريرها الختامي إلى الرئاسات الثلاث - الرائد الرسمي ومن ثم نشره في - أن يكون بمنزلة إعلان عن الانطلاق في مرحلة جديدة، عنوانها الأكبر تنفيذ توصياتها بغية استكمال باقي الاستحقاقات التي نص عليها قانون العدالة الانتقالية. وهذا ما أكده منسق منظمة الأمم المتحدة في تونس دياغو زوريلا Diego Zorrilla عند تجديده التزام الأمم المتحدة ب "مواصلة العمل مع تونس على تنفيذ التوصيات المنبثقة عن مسار العدالة الانتقالية، باعتباره تمشيًا مهمً للانتقال الديمقراطي، وتعزيز دولة القانون، وضمان الاعتراف بحقوق الضحايا وإرساء الأسس اللازمة لتحقيق المصالحة الوطنية"61. لكن لن يتحقق تنفيذ توصيات التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة، وغيرها من الالتزامات التي نص عليها قانون العدالة الانتقالية، من دون أن تأخذ الدولة هذا المسار على محمل الجد؛ لا من حيث استخدام "سلطتها لفضح جرائم النظام السابق"62، أو توجيه اعتذارها الرسمي إلى الضحايا عمّ كابدوه من انتهاكات والإحاطة بهم وتأهيلهم وإعادة دمجهم63 فحسب، بل أيضًا من خلال تفعيل الفصل 07 من قانون العدالة الانتقالية، القاضي باستحداث لجنة برلمانية خلال سنة من تاريخ صدور التقرير الختامي للهيئة من أجل متابعة تنفيذ توصياتها بعد مناقشتها من مجلس النواب. إنّ هذا الأمر، يخشى أن يولّد إشكالات أخرى: ماذا لو أن رئيس الدولة رفض تقديم اعتذاره نيابة عن الدولة عما اقترفته من جرائم؟ وماذا لو أن السلطات العامة أبت أن تنخرط في الإقرار بفضح جرائم النظام البائد، بل ربما ثمّنت سياساته؟ ثم ماذا عن اللجنة البرلمانية الخاصة

  1. باتريك أونيل، "الدولة العميقة: المفهوم الناشئ في علم السياسة المقارن"، ترجمة سياسات عربية، العدد الحسن مصباح، 03 (كانون الثاني/ يناير 2018)، ص.202-83
  2. Andrieu, La justice transitionnelle , pp. 27-30.
  3. Ibid., p. 7.
  4. Hannah Arendt, The Origins of Totalitarisme (New York: Brace and
  5. عبد الستار بن موسى، "العدالة الانتقالية: كيف تتحقق وما هي آلياتها؟ خبراء وحقوقيون يجيبون"، الشروق،.2011/12/11
  6. غازي الدريدي، "منظمة الأمم المتحدة تثمن التقدم المحرز في مسار العدالة الانتقالية ديوان أف أم في تونس"،، 2018/3/23، شوهد في 2021/1/20، في: https://bit.ly/2LG2CFn؛ "دييغو زوريلا، الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمنسق المقيم لمنظومة الأمم المتحدة بتونس"، يوتيوب، 2018/6/10، شوهد في 2021/1/20، في: https://bit.ly/3iuJTIP
  7. كالهون، ص.27 62 المرجع نفسه.
  8. World, 1966), p. 385.

بمتابعة توصيات الهيئة ومقترحاتها؟ هل سيؤول استحداثها إلى إحالة مسار العدالة الانتقالية إلى "الموت السريري"، على اعتبار أن جلّ اللجان البرلمانية التي أُنشئت في رحاب مجلس النواب فشلت في إنهاء أعمالها، أم ستكون أداة – إنْ استُحدثت - لتصفية توصيات هيئة الحقيقة والكرامة واختزالها في حدود ما تسمح به التوازنات السياسية الماكرة؟

2. حماية حقوق الضحايا

المقصود بحماية حقوق الضحايا هو تلك الحقوق المتمثلة، تحديدًا، في التعويض وجبر الضرر من جهة، وتحقيق العدالة في حق الجناة من جهة أخرى.

أ. الحق في التعويضات وجبر الضرر

لئن كان التعويض وجبر الضرر من أهم المسائل التي نصّ عليها قانون العدالة الانتقالية في فصله 11 وكرّسها القانون الدولي، فإنه يُعدّ من أشد المعضلات التي ظلّت تؤرق نفسيات ضحايا حقبة الاستبداد وعائلات شهداء الثورة. وفي الحقيقة، بات يمثّل تعويض الضحايا ماديًا عن الجرائم التي اقترفتها الأنظمة السابقة أفضل الوسائل التي تتّبعها الحكومات للتكفير عن خطاياها والإقرار بمسؤولياتها64، بل يمكن القول إن التعويض نفسه أصبح بمنزلة وسيلة للاعتراف بالانتهاكات الماضية، وبمسؤولية الدولة عن تلك الأضرار، والالتزام العلني بالاستجابة لآثارها وعلاجها. وعلى الرغم من إجماع الفقهاء على أن التعويض يتمثل في تمكين الضحية من "استرداد شيء ما، أو مستوى من الرفاهية كان سيستمر في التمتع به لولا انتزاعه من طرف شخص آخر"65، فإن تعريف مستحقي التعويض بقي أمرًا عسيرًا على التعريف في ظل عدم الاتفاق على جملة المعايير الموضوعية التي تحدده. ولئن استطاعت بعض الدول تجاوز هذا الإشكال بأن أغدقت على ضحاياها الأموال بسخاء، إلى حد أنها أحدثت نقلة نوعية في مستوى حياتهم ورفاهيتهم، فإنّ التعويض يبقى من أدق المسائل التي تواجه مسارات العدالة الانتقالية وأعوصها؛ فإضافة إلى غياب الآلية الملائمة لتحديد المستحقين للتعويض فعلً، من الصعوبة أن يقع ضبط المعايير الدقيقة لاحتساب التعويض، وهو أمرٌ من شأنه أن يوجد حالة من انعدام التكافؤ والمساواة في المعاملة لدى الضحايا، فيغذي لديهم شعور الغبن والضغينة66. كذلك، على الرغم من تمكّن الحكومة من استحداث صندوق الكرامة ورد الاعتبار الذي إليه تعود مهمة جبر الضرر والتكفل بتعويض الضحايا والتوصل إلى بعث لجنة خاصة لصرف التعويضات، وحتى فتح حساب جارٍ في هذا الشأن67، فإنه ليس في وسع أحد أن يعرف إلى أين ستؤول الأمور، وإلى أي مدى ستأخذ اللجنة المعنية بالصرف باقتراحات هيئة الحقيقة والكرامة واعتماد مقرراتها في إقرار التعويض لفائدة الضحايا وكيف سيحصل التنسيق بينهما، ولا سيما بخصوص الضحايا الذين لم يتسلّموا مقرراتهم مباشرة من الهيئة68. وربما يبقى السؤال الأهم متمثلً بكيفية تمويل هذا الصندوق بعد أن عمدت الحكومات السابقة إلى إرباك منظومة التمويل الخاصة بصندوق التعويضات على النحو الذي صاغه الأمر الحكومي المنظم لصندوق الكرامة ورد الاعتبار؛ إذ كان الفصل الثاني منه ينص على أن يقع تمويل الصندوق من أموال المورطين في الفساد المتأتية من تنفيذ القرارات التحكيمية الصادرة عن لجنة التحكيم والمصالحة، إلّ أن امتناع حكومة يوسف الشاهد عن التفاعل مع مطالب التحكيم والمصالحة التي عرضتها الهيئة على المكلف العام بنزاعات أملاك الدولة، والامتناع عن تعيين من يمثّلها لاسترجاع المصاريف، أفسدَا كل شيء. مع ذلك، تبقى مشكلات التعويض أكثر تعقيدًا؛ إذ إضافة إلى أن اختزال جبر الضرر سرعان ما يقع من الضحايا في التعويض النقدي على حساب الاعتراف وردّ الاعتبار وإعادة التأهيل والاعتذار والإدماج، فإن في وسع عملية التعويض، التي يمكن أن تمتدّ إلى شرائح واسعة من الضحايا، أن تستنزف موارد البلد المالية69. ثم إنه لا بد من القول إن التشويش - أو التشويه - الذي شهدته مسألة التعويضات عبر بعض وسائل الإعلام سرعان ما أوقع الرأي العام فريسة لسوء الفهم والمغالطات. وعلى الرغم من أنّ قادة حركة النهضة ونوابها في مجلس النواب نَفوا أن يكونوا قد تقاضوا مليمً واحدًا على سبيل التعويض70، فإنه قد استقرّ لدى الرأي العام

  1. Karl Jaspers, The question of German Guilt , E.B. Ashton (trans.)
  2. 69   " الصحبي عتيق"، يوتيوب، 2018/3/26، شوهد في 2021/1/20، في: https://bit.ly/3oZJIYo
  3. القنطري، ص.10
  4. لجنة معيّنة من ممثلين عن مختلف الوزارات، يشارك فيها المكلف العام بنزاعات الدولة، ويترأسها ممثل عن رئاسة الحكومة.
  5. أمر حكومي عدد 211 لسنة 2018 مؤرخ في 28 فيفري 2018 يتعلق بضبط طرق تنظيم صندوق الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد وتسييره وتمويله"، بوابة - التشريع. 2021/1/20، في https://bit.ly/394sovT:، شوهد في تونس 68 كالهون، ص.26
  6. (New York: The Dial Press, 1947), pp. 36, 73.
  7. 64  Georges Sher, "Ancient Wrongs and Modern Rights," Philosophiy and Public Affairs , vol. 10, no. 1 (Winter 1981), p. 6.

أنّ ضحايا الاستبداد - والإسلاميين على وجه الخصوص – استلموا تعويضات مهمة من الدولة؛ ما أثّر في الوضع الاقتصادي، وتسبب في أزمة مالية للبلد. وتبعًا لذلك، فإن أمر التعويض حصل بالفعل واستوفى الضحايا حقوقهم، ولم يعُد جبرهم مرة أخرى أمرًا ممكنًا. من خلال العودة إلى منشورات الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، يتأكد صرف مبالغ مالية مهمة على سبيل التعويضات، إلّ أن هذه التعويضات جاءت في سياقات متباينة، يمكن حصرها في ما يلي: هناك أولًالتعويضات التي وردت في سياق الأحكام العسكرية التي أمر بها القضاء العسكري لفائدة الضحايا بخصوص جبر الأضرار المادية والمعنوية الناتجة من الانتهاكات التي ارتكبت ضدّهم أثناء الثورة. ثم هناك التعويضات التي وقعت في إطار جملة من المراسيم التي اتخذتها الحكومة المؤقتة في عام 2011، ونخص بالذكر منها مرسوم العفو العام رقم 1 لسنة 2011، المؤرخ في 19 شباط/ فبراير 2011، في حق السجناء السياسيين السابقين، وما أفضى إليه من تدابير تعلقت بالتعويض المالي والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية والشغل وتقديم الدعم المهني71، إضافة إلى مرسوم التعويض لشهداء الثورة ومصابيها رقم 97 لسنة 2011، المؤرخ في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 72، والذي أفضى إلى صرف التعويضات من خلال دفعتين، في شباط/ فبراير وكانون الأول/ ديسمبر 2011، البالغ قدرها 0006 دينار بالنسبة إلى الجرحى وعددهم 2749 جريحًا، و 40000 دينار بالنسبة إلى عائلات الشهداء، البالغ عددهم 473 شهيدًا73. ويبدو أن هذا الصرف تم بفضل الهِبَة التي قدّمتها دولة قطر إلى الجمهورية التونسية، وهي مليون دولار74تُقدر ب 20. أخيرًا، هناك التعويضات التي وردت في سياق الأوامر التي صدرت أثناء حكومة الترويكا، ولعل أهمها الأمر رقم 2799، المتعلق بضبط صيغ وإجراءات النظر في مطالب التعويض ذات الصبغة الاستعجالية المقدمة من الأشخاص المنتفعين بالعفو العام75، علمً أن هذا الأمر ورد في سياق سعي الحكومة للاستجابة إلى مطالب اعتصام الصمود الذي اندلع احتجاجًا على التأخير الحاصل في تنفيذ تدابير جبر الضرر المنصوص عليها سابقًا. وقد أشارت القنطري إلى أن هذا الأمر يعوزه الوضوح، نظرًا إلى استعماله عبارات فضفاضة وغير دقيقة؛ إذ نص فصله التاسع على أن يُ نح مبلغ من المال في شكل "تسبقة" على التعويض، يُدفع مرة واحدة في السنة دفعة واحدة، أو على مراحل، على أن يؤخذ هذا المبلغ في الحسبان عند اتخاذ القرار بشأن التعويض النهائي. وقد تلقّى بعض الضحايا بالفعل مبلغًا مقطوعًا مسبقًا، قيمته 0006 دينار تونسي، لكن ذلك كان من دون تحديد المعايير التي أدّت إلى تحديد هذا المبلغ، أو تحديد المستفيد. هنا وجبت الإشارة إلى أن التعويضات التي تمت في إطار المرسوم المتعلق بجبر الأضرار، الناتجة من الاضطرابات والتحركات الشعبية التي شهدها البلد إبان الثورة76، لم تكن لتشمل إلّ الأشخاص الطبيعيين والمؤسسات الاقتصادية المتضررة، في محاولة لمعالجة وضعهم الاقتصادي ولم تشمل الضحايا77. لعل مصدر اللغط بخصوص التعويضات التي حصلت، والتي لم تحصل أيضًا، هو أن حركة النهضة عندما وصلت إلى الحكم، وجدت نفسها أمام ضرورة الالتزام بتنفيذ ما سبق من تعهدات الحكومة السابقة، وكان عليها في إطار مبدأ تواصل الدولة أن تقوم بتنفيذ "برنامج الحكومة الانتقالية المتعلق ببرنامج جبر الضرر والتعويض" الذي وضع في أيام حكومتي محمد الغنوشي والباجي قايد السبسي. بيد أن انتماء معظم المستفيدين من مرسوم العفو العام إلى الحركة، وضعها في وضع لا تُحسد عليه؛ فإما أن تنفذ برنامج جبر الضرر بما هو التزام قانوني محمول على عاتقها وتلقى بذلك السخط والنقد ممن يعارضها والمتربصين بها بوصفها "تحابي مناضليها" وتعمل على "خدمة مصالحها"، وإما أن تمتنع عن تعويضهم استجابة لرفض المعارضة، فتظهر بمظهر المتنكر لحقوق شرائح واسعة من المجتمع وكأنهم لم يكن يكفيهم ما لاقوه من قمع واضطهاد وإقصاء وحرمان. كذلك، على الرغم من أن مقدار التعويض الذي صُف كان ضئيلً ومتواضعًا، حتى إن معظم المستفيدين منه لم يُعبروا عن رضائهم به78، فإن الجزء الأكبر من الرأي العام لم يتقبل انتفاع الإسلاميين بالتعويض المادي، على اعتبار أن وصولهم إلى السلطة يُعدّ "في حد ذاته شكلً من أشكال جبر الضرر." وهذا مفهوم جديد للتعويض،

  1. القنطري، ص.9
  2. مرسوم عدد 97 لسنة 2011 مؤرخ في 24 أكتوبر 2011 يتعلق بالتعويض لشهداء ثورة الحرية والكرامة."
  3. Andrieu, La justice transitionnelle , p. 18.
  4. Andrieu, "Confronter le passé de la dictature en Tunisie."
  5. أمر عدد 2799 لسنة 2013 مؤرخ في 9 جويلية 2013 يتعلق بضبط صيغ وإجراءات النظر في مطالب التعويض ذات الصبغة الاستعجالية المقدمة من طرف الأشخاص المنتفعين بالعفو العام"، بوابة - التشريع. تونس، شوهد في 2021/1/20، في: https://bit.ly/3iqEQZO
  6. مرسوم عدد 40 لسنة 2011 مؤرخ في 19 ماي 2011 يتعلق بجبر الأضرار."
  7. وحيد الفرشيشي، العدالة الانتقالية في تونس (تونس: المعهد العربي لحقوق الإنسان، 2012)، ص.43-42
  8. جبر الضرر في إطار العدالة الانتقالية: أثرها وفعاليتها"، استبيان محلي أجرته في مدينة قفصة الشبكة التونسية للعدالة الانتقالية، بدعم من المركز الدولي للعدالة الانتقالية وبرامج الأمم المتحدة الإنمائي والمفوضية السامية لحقوق الإنسان في عام 2014"، ينظر: القنطري، ص.10

لا يمكن أن يكون على علاقة بالمعايير الدولية المعتمدة في جبر الضرر، إضافة إلى حمولة التعصب والعنصرية التي ينطوي عليها، وهو ما يذكرنا – كما أشارت أندريو - بما حصل في جنوب أفريقيا عندما رفض المعارضون البيض تعويض ضحايا التمييز العنصري السود بحجة أن الدولة قررت انتدابهم في الوظيفة العمومية ضمن اعتمادها سياسة التمييز الإيجابي79. ونبهت ليزا ماغاريل Lisa Magarrel في هذا الخصوص إلى خطورة الخلط بين التعويض بوصفه حقًّا من حقوق الضحايا وباقي المسائل؛ مثل الهبات، والعطايا، أو المساعدة الإنسانية، أو حتى المشاريع الاقتصادية التنموية. على أي حال، كان مجمل هذه السياقات المرتبكة، كما تقدم ذكرها، منطلقًا لدعوة بعض المتخصصين بهذا الموضوع إلى المطالبة بضرورة التفكير في وضع إطار شامل ومتماسك لإقرار تدابير جبر الضرر وتقدير حاجات الضحايا بعد القيام بما يلزم من جرد وتقييم للتدابير التي نُفّذت حتى الآن80، على أن يحدث ذلك ضمن شرطين أساسيين؛ أحدهما العمل على وضع تصور شامل للإصلاح والدمقرطة طبقًا لآليات قانون العدالة الانتقالية الذي قد يطول به العهد ليصبح واقعًا، لكنه يقطع مع منهجية المسكنات المؤقتة81، أمّا الآخر فهو تهيئة الرأي العام لأن يُدرك أنّ تنفيذ برنامج التعويض هو حق وليس منّةً من أحد.

ب. الحق في محاسبة الجناة

لا شك في أن عواقب الامتناع عن محاكمة المجرمين لن تكون إلّ وخيمة على مستقبل الديمقراطية في تونس، كما يظهر ذلك من مختلف تجارب العدالة الانتقالية؛ فلولا "المحاكمات التي شهدتها نورمبيرغ مثلً في ألمانيا الغربية"، لضاعت الديمقراطية الناشئة ونجحت محاولات النازيين في حشد صفوفهم مجددًا82. إلّ أن نتائج عواقب الإفلات من العقاب، تظل وخيمة بدرجة أكبر خصوصًا بالنسبة إلى الضحايا؛ ليس بسبب حرمانهم من حقهم في محاكمة المعتدين فحسب، بل أيضًا بسبب إجبارهم على تطبيع العلاقة مع الإجرام والمجرمين، بدلً من حمايتهم، والمراهنة على مرور الوقت للنسيان، بدلً من إحياء الذاكرة ومعالجة الجراح. ولئن فشلت الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية، إلى حد الآن، في إصدار أي حكم نهائي بخصوص القضايا المئتين التي هي تحت أنظارها، فإنّ تجارب العدالة الانتقالية تعلمنا أن نسيان الماضي لا يدوم إلى الأبد83، بل حتى في صورة مساعدة النسيان في "الوصول إلى تسوية سياسية مؤقتة"، فإنّ "لاعبين جددًا سيظهرون على مسرح السياسة عاجلً أو آجلً[...]ليطرحوا على طاولة النقاش قضايا اعتبرت من المحرّمات في الماضي"84. لذلك، من الأفضل كما تقول كالهون "خوض السجال في وقت مبكر وحلّ معضلات العدالة الانتقالية، بدلً من ترك المسائل العالقة تتعفّن بمرور الزمن"، كما جرى مثلً في بولندا85. إلّ أن التخوف الأكبر في الوقت الراهن هو أن تلقى المحاكمات التي تجري حاليًا في حق بعض من مجرمي النظام البائد مصير المحاكمات العسكرية نفسه، أو قل "الاستعراضية" التي جرت في قضايا شهداء الثورة وجرحاها، من دون إنصاف للضحايا، وذلك إما بسبب ضعف المؤيدات والمستندات الخاصة بملفاتهم المحالة إلى الدوائر القضائية، وإما بسبب عدم استيفاء إجراءاتها القانونية الشكلية86؛ ما جعل مسار العدالة الانتقالية يسقط في فخ التوازنات السياسية والتسويات المشوّهة من جراء التأثير الذي تمارسه شبكة الفساد والنفوذ والمصالح والنقابات الأمنية في مفاصل الدولة87، وإلّ كيف نفسّ أنّ عشرات الاستدعاءات لم تصل إلى المتهمين والشهود من أجل الحضور في قضايا الضحايا والشهداء؟ وكيف نفسّ انعدام التغطية الإعلامية لمواكبة سير الجلسات؟ أليس حريًّا بنا أن نستحضر قول كالهون في هذا الصدد، من جهة أن لدى السياسيين، بعد تورّطهم في أوحال القتل والتعذيب وتلطخ أيديهم بالدم، "حوافز قوية لمحو الجرائم السابقة ونسيانها وشطبها من الأجندة السياسية"88. وحتى إن اعتبرت سهام بن سدرين، اعتمادًا على آراء بعض الخبراء في القانون، قرارات هيئة الحقيقة والكرامة شرعية، حتى في حال امتناع

  1. المرجع نفسه، ص.18
  2. المرجع نفسه، ص.12
  3. المرجع نفسه، ص.10
  4. 87 كالهون، ص.20-19
  5. المرجع نفسه، ص.19
  6. المرجع نفسه، ص.20
  7. المرجع نفسه، ص.278
  8. كانت الهيئة قد أبرمت اتفاقًا مع الهيئة الوقتية للقضاء العدلي، يجري بموجبه إلحاق هيئة الحقيقة والكرامة بخمسة قضاة، بهدف مباشرة أعمال التحقيق قبل أن تحال ملفات الانتهاكات على الدوائر القضائية المتخصصة التي ستتعهد بمحاسبة الضالعين في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. غير أن أربعة منهم وقع إنهاء إلحاقهم بقرار من رئيسة الهيئة سهام بن سدرين، ما من شأنه أن يفضي إلى ملفات فارغة من محتوياتها الإجرائية والقانونية المحكمة.
  9. بسمة بركات، "عرقلة العدالة الانتقالية... رجال أمن فوق القانون التونسي"، 86 العربي الجديد، 2020/7/27، شوهد في 2021/1/20، في: https://bit.ly/3sJkaAM
  10. 81 كالهون، ص.20

مجلس النواب عن القيام بدوره في سد الشغور الذي عانته89، فإن ذلك سيشكل بدوره سلاحًا آخر بيد الجلادين ليهربوا من العدالة من خلال الطعن في شرعية قراراتها، نظرًا إلى عدم استيفاء نصاب الثلثين بعد أن استقر عدد أعضاء الهيئة على 9 أعضاء، والحال أن مجموعهم كان ينبغي له أن يكون 15 عضوًا. على أن الدولة التونسية إنْ قررت أن ترفض محاسبة المجرمين، فينبغي لها أن تتذكر أنها بذلك تجازف بمكانتها الاعتبارية في العالم، وتقامر بوضع نفسها تحت طائلة قواعد القانون الدولي؛ ذلك أن العفو عن المسؤولين عن التعذيب يشكل انتهاكًا للاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب لعام 1984 وبروتوكولها الاختياري اللذيْن انضمت إليهما تونس تباعًا في 23 أيلول/ سبتمبر 1988، و 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2013. والأمر نفسه بخصوص رفضها جبر الضرر الذي يُعدّ بدوره خرقًا للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 90، الذي صدّقت عليه الدولة التونسية منذ عام 1969. ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن اللجنة الدولية لحقوق الإنسان المكلفة بتقييم احترام الدول لبنود العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، شدّدت على ضرورة أن تتحمل الدول مسؤولية "التحقيق في حالات الإعدامات الميدانية والتعذيب وحوادث الاختفاء الغامضة، بالإضافة إلى تسليم الجناة للعدالة، والتعويض للضحايا"91. وهي تشدّد كذلك على ضرورة جبر الدول المتضررين، وأن تتحمل، ولا سيما في مراحل الانتقال السياسي، "واجبًا أخلاقيًا وسياسيًا لاتخاذ تدابير علاجية شاملة واستحداث برامج مفصلة تتيح الجبر لفئات أوسع من الضحايا المتأثرة بتلك الانتهاكات"92. هنا، من الضروري التذكير بما ورد في تقرير أمين عام الأمم المتحدة بشأن "سيادة القانون والعدالة الانتقالية في المجتمعات التي عانت أو تعاني الصراعات"، من جهة أنّ "قيام حكومة ما بتوفير سبل الجبر لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبها نظام حكم سابق، لا يعفيها من التزامها المميز والمنفصل بضمان تقديم المسؤولين عن تلك الانتهاكات الجسيمة إلى العدالة"93. إنّ ذلك يعني أن العفو عن الجناة أو إخلاء سبيلهم، لم يعد مقبول دوليًا مهما كانت الظروف، ولا سيما بعد أن تعزّزت العدالة الانتقالية بجملة من النصوص الأممية المشددة على ضرورة أن تتعهد الدول بملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات الخطرة لحقوق الإنسان ومحاكمتهم، وبأن تكفل للضحايا الحق في الإنصاف وجبر الضرر؛ ذلك أنه فضلً عن العهود والمواثيق الدولية التقليدية لحماية حقوق الإنسان المعروفة، مثل العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية 1966() واتفاقات جنيف الأربع 1949()، لا بد من الإشارة إلى تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن "سيادة القانون والعدالة الانتقالية اررع في مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد ال"94 الذي أُقر في آب/ أغسطس 2004، وكذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص "المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر لضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي"95، الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 2005، من دون أن ننسى قرار مجلس حقوق الإنسان في تشرين الأول/ أكتوبر 2011 المتعلق بإحداث آلية "مقرر خاص بالنهوض بالحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، وضمانات عدم التكرار" لدعم جهد العدالة الانتقالية96.

خاتمة

لنستَعِد الآن، في إيجاز، شريط الأحداث الذي مهّد لانطلاق مسار العدالة الانتقالية، وانتهى بتعثّه في أكثر من محطة: لقد سقط النظام في البدء، فكانت لجنتا توفيق بودربالة وعبد الفتاح عمر، والهيئة التي ترأ سها عياض بن عاشور، وسرعان ما تقرّرت من خلال هذه الهيئات، حزمة من المراسيم "الثورية"، كان على رأسها إقرار العفو التشريعي العام، وتجميد الحزب الحاكم، وإرساء مرسوم المصادرة، وإنشاء عدد من الهيئات التعديلية المستقلة، بل الذهاب أيضًا إلى حد البدء في منح التعويضات، فضلً عن الشروع في محاكمة رجال النظام السابق وتغيير نظام الحكم. لقد حصل كل ذلك بسرعة لم

  1. التمديد في مدة عمل هيئة الحقيقة والكرامة وتواصل الجدل بين رافض ومرحب/ EP95/ الحدث"، يوتيوب، 2018/3/14، شوهد في 2021/1/20، في:
  2. مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، "أدوات سيادة القانون لدول ما بعد الصراع، برامج جبر الضرر"، منشورات الأمم المتحدة (نيويورك-جنيف)، 2006، ص.8-5
  3. كالهون، ص.81
  4. مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ص.35
  5. المرجع نفسه، ص.35
  6. الأمم المتحدة، مجلس الأمن، 93 تقرير الأمين العام: سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد الصراع، 2004/8/23، شوهد في 2021/2/14، في: https://bit.ly/2BxZRxZ 94 الأمم المتحدة، الجمعية العامة، "قرار رقم /60 147 المؤرخ في 16 كانون الأول/ ديسمبر 2005: المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر لضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي"، 2006/3/21، شوهد في 2021/2/14، في: https://bit.ly/3dc8OzX
  7. https://bit.ly/3qFzMU3
  8. الأمم المتحدة، الجمعية العامة، مجلس حقوق الإنسان، "المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار"، تشرين الأول/ أكتوبر 2020، شوهد في 2021/2/14، في https://bit.ly/37fzWuq:

تخلُ من ارتجال، خصوصًا مع الإيقاع المتسارع لأحداث الثورة، ثم لم تلبث أن جاءت الحكومات المنتخبة، ومعها ظهر قانون العدالة الانتقالية، لكن النتيجة كانت بخلاف المتوقع؛ فقد تعطّل المسار، وبدت مخرجاته وحصيلته باهتةً وغير مؤكدة. ألا يؤكد هذا المسار، بما تميز به من ارتباك وتعثر وغموض، ما حاولت هذه الدراسة إبرازه بخصوص المفارقة الأساسية التي لازمت تجارب العدالة الانتقالية في كل مكان، والتي أفضت إلى تقويض بنيان هذه العدالة من الأساس بثنائيتها المتضاربة97 التي تحاول عبثًا الجمع بين ما لا يجتمع أصلً؛ مثل ثنائية السلم والعدالة، وثنائية القانون والحقيقة، وثنائية الإنصاف والاعتراف98. فكيف يمكن بعد ذلك "التوفيق بينها بشكل مثالي" في "عالم السياسة الذي لا يعرف الرحمة"؟99 وكيف يمكن أن نقتنع بأن المصالحة يمكن أن تتحقق بفضل المصارحة وكأن المصالحة مجرد "زرّ" يمكن الضغط عليه متى أردنا، في حين أنها تتطلّب "تغييرًا في المواقف والتطلّعات والمشاعر والأحاسيس"؟100 ألا يرسّخ هذا المعطى ما حاولت كالهون أن تبيّنه في كتابها معضلات العدالة الانتقالية101 من جهة أن المشكلة الأساس في العدالة الانتقالية تكمن في بنيتها الداخلية، حتى إن اقتصرنا في إثبات هذه النتيجة على التجربة التونسية، دون سائر تجارب العدالة الانتقالية في العالم، كما فعلت هي؟ ألا يُعدّ ما تلحّ عليه العدالة الانتقالية من التزام المعايير الديمقراطية الليبرالية لتكريس العدالة ومواجهة الماضي الأليم، سواء بدعوتها إلى رأب الصدع بين الضحايا وجلاديهم أو معاملة الطرفين على قدم المساواة باشتراط توافر الحماية لكليهما على السواء، من دون أدنى مراعاة لموازين القوى بينهما102، مدخلً محتملً يمكن توظيفه من الجناة والجلادين وخصوم الانتقال الديمقراطي لمزيد من التهرّب من مقتضيات العدالة، ومن ثم الانحياز إلى الجلاد على حساب الضحايا؟ أليس ذلك ما حصل بالفعل في التجربة التونسية، وفي غيرها من تجارب العدالة الانتقالية في العالم، حتى إنّ أحد الضحايا الألمان وصل به الأمر إلى التعبير عن هذه المفارقة بقوله: "أردنا العدالة، فحصلنا على سيادة القانون"103، وذلك بالنظر إلى ما لاحظه من قدرة لدى الجناة على التحول، تحت مظلة "حقوق الإنسان" و"سيادة القانون"، إلى مترافعين أفذاذ في الدفاع عن أنفسهم و"المطالبة بأوجه الحماية القانونية كاملة"؟ نعم، قد تبدو العدالة الانتقالية في ظاهرها أنشودة للطرب والرقص على إيقاعات "الصلح" و"المصالحة" و"طيّ صفحة الماضي"، لكن في جوهرها تضطرم معركة حامية الوطيس، أو حرب ضروس، غالبًا ما يتوارى فيها الجلاد خلف ستائر "الحقوق" و"القانون"، قبل أن يسارع "في اللحظة الحاسمة" إلى إماطة لثام البشاعة والمكر والخبث عن وجهه القبيح. من قال، إذًا، إن طريق العدالة مفروشة بالورود، وإن السياسة عالم مثالي؟

  1. كالهون، ص.270
  2. المرجع نفسه، ص.20
  3. المرجع نفسه.
  4. فادي فاضل، "المصالحة في القانون الدولي: غاية ومسار لا عفوية ومصافحة"، في: 99 ما
  5. المرجع نفسه، ص.83
  6. المرجع نفسه، ص 69،.73 102 المرجع نفسه، ص.81
  7. العدالة الانتقالية؟، ص.280
  8. المرجع نفسه، ص.72

المراجع

العربية

"استشارة الأستاذ جوهر بن مبارك - أستاذ محاضر في القانون الدستوري." هيئة الحقيقة والكرامة. في: https://bit.ly/3bU2s7O "استشارة الأستاذ محمد القلسي - المحامي لدى التعقيب وخبير في برنامج الأمم المتحدة للتنمية." هيئة الحقيقة والكرامة. في: https://bit.ly/39KKKRD "الأمر المتعلق بصندوق الكرامة لا يرتقي لجبر ضرر الضحايا (مشاركة تلفزية.") هيئة الحقيقة والكرامة.:2018/3/14. في https://bit.ly/3qFK5Yz "أمر حكومي، عدد 211 لسنة 2018 مؤرخ في 28 فيفري 2018 يتعلق بضبط طرق تنظيم صندوق الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد وتسييره وتمويله." بوابة - التشريع. تونس. في: https://bit.ly/394sovT "أمر عدد 2799 لسنة 2013 مؤرخ في 9 جويلية 2013 يتعلق بضبط صيغ وإجراءات النظر في مطالب التعويض ذات الصبغة الاستعجالية المقدمة من طرف الأشخاص المنتفعين بالعفو العام." بوابة - التشريع. https://bit.ly/3iqEQZO:. في تونس الأمم المتحدة. الجمعية العامة. "قرار رقم /60 147، المؤرخ في 16 كانون الأول/ ديسمبر 2005: المبادئ الأساسية التوجيهية المتعلقة بالحق في اللجوء إلى العدالة وجبر الضرر لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في الانتصاف والجبر." 2006/3/21 في https://bit.ly/3dc8OzX:. الأمم المتحدة. الجمعية العامة. مجلس حقوق الإنسان. "المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار." تشرين الأول/ أكتوبر 2011:. في https://bit.ly/37fzWuq الأمم المتحدة. مجلس الأمن. "تقرير الأمين العام: سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد الصراع." 2004 في https://bit.ly/2BxZRxZ:. أندريو، كورا [وآخرون.] مشاركة الضحايا في مسار العدالة الانتقالية في تونس. تونس: مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية،.2015 أونيل، باتريك. "الدولة العميقة: المفهوم الناشئ في علم السياسة سياسات عربية. العدد المقارن." ترجمة الحسن مصباح. 03 (كانون الثاني/ يناير 2018.) بلكوش، الحبيب. "العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي في السياق سياسات عربية. العدد العربي." 18 (كانون الثاني/ يناير.)2016 بن موسى، عبد الستار. مسار العدالة الانتقالية في تونس. القاهرة: المنظمة العربية لحقوق الإنسان،.2014 التحالف التونسي للكرامة ورد الاعتبار، والمركز الدولي للعدالة الانتقالية. "بيان التحالف التونسي للكرامة ورد الاعتبار والمركز الدولي للعدالة الانتقالية." في: https://bit.ly/2Gn6XFz تونس، من الثورة إلى الدولة: حديث ما بعد 14 جانفي 2011. تونس: مجمع الأطرش للكتاب المختص،.2016 الدريدي، غازي. "منظمة الأمم المتحدة تثمن التقدم المحرز في مسار العدالة الانتقالية في تونس." ديوان أف أم. في: https://bit.ly/2LG2CFn ديكاف - مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن. "مرسوم عدد 1 لسنة 2011 مؤرخ في 19 فيفري 2011 يتعلق بالعفو العام." في: https://bit.ly/2LP0OJV ________. "مرسوم عدد 106 لسنة 2011 مؤرخ في 22 أكتوبر 2011 يتعلق بتنقيح وإتمام المجلة الجزائية ومجلة الإجراءات الجزائية." في: https://bit.ly/38W6LO1 ________. "مرسوم عدد 97 لسنة 2011 مؤرخ في 24 أكتوبر 2011 يتعلق بالتعويض لشهداء ثورة الحرية والكرامة: 17 ديسمبر 2010 – https://bit.ly/2KyoUYY: ومصابيها". في 2011 جانفي 14 ________. "مرسوم عدد 35 لسنة 2011 مؤرخ في 10 ماي 2011 يتعلق بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي." في: https://bit.ly/3o0hdIG ________. "مرسوم عدد 40 لسنة 2011 مؤرخ في 19 ماي 2011 يتعلق بجبر الأضرار الناتجة عن الاضطرابات والتحركات الشعبية التي شهدتها البلاد." في: https://bit.ly/39P9FDC "رسالة إلى السيد فابيان سالفيولي المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار." في: https://bit.ly/3a2SO1j عبد الحسين. "الصفح والمصالحة وسياسات الذاكرة شعبان،." يتفكرون. العدد 2 (خريف 2013.)

عبد اللطيف، كمال. العدالة الانتقالية والتحولات السياسية في المغرب : تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 الفرشيشي، وحيد. العدالة الانتقالية في تونس. تونس: المعهد العربي لحقوق الإنسان،.2012 "قانون أساسي، عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 يتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها." بوابة - التشريع. تونس. فh يttps://bit.ly/39RtnhQ: "قرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين عدد 2015/02، بتاريخ 8 جوان 2015 يتعلق بمشروع القانون الأساسي المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء." بوابة - التشريع. تونس. في: https://bit.ly/3bSd5Ik القنطري، ريم. "تونس في مرحلة انتقالية: تقييم التقدم المنجز بعد عام على إنشاء هيئة الحقيقة والكرامة." المركز الدولي للعدالة أيلول/ سبتمبر الانتقالية. 2015:. في https://bit.ly/2KzANOm كالهون، نويل. معضلات العدالة الانتقالية في التحول من دول شمولية إلى دول ديمقراطية. ترجمة ضفاف شربا. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2014 الكريشي، خالد. مسافر زاده الحقيقة، قراءة في مسار العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في تونس. تونس: الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم،.2015 ما العدالة الانتقالية؟ معالجات في السياق العربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 ما العدالة الانتقالية؟ معالجات في السياق العربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 المشيشي، لطفي وآخرون (إشراف.) أعمال الملتقى الدولي: مائوية المجلة الجزائية الماضي والحاضر، والمستقبل. تونس: منشورات مجمع الأطرش للكتاب المختص،.2016 مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. "أدوات سيادة القانون لدول ما بعد الصراع، برامج جبر الضرر." منشورات الأمم المتحدة (نيويورك-جنيف)،.2006 مولاي عبد الكريم، مولاي أحمد. "الأسس الفلسفية لمفهوم العدالة تبين. مج.3 العدد الانتقالية: مقاربة أولية." 11 (شتاء 2015.) "ندوة صحفية حول مدى تقدّم أعمال الهيئة وبرنامج استكمالها." هيئة الحقيقة والكرامة. في: https://bit.ly/2BxQ4YH هيومن رايتس ووتش. "تونس: يجب ألّ يقوّض البرلمان العدالة الانتقالية تجديد صلاحية 'هيئة الحقيقة والكرامة' ضروري للضحايا." فh يttps://bit.ly/3bTLfeC: هيئة الحقيقة والكرامة. "بلاغ مشترك حول استكمال أعمال الهيئة." فh يttps://bit.ly/3o1S0NS:

الأجنبية

Andrieu, Kora. La justice transitionnelle, de l'Afrique du sud au Rwanda. Paris: Gallimard, 2012. ________. "Confronter le passé de la dictature en Tunisie: La Loi de 'Justice Transitionnelle' en question." Institut de relations internationales et stratégiques. IRIS. Mai 2014. at: https://bit.ly/39LnpPC Arendt, Hannah. The Origins of Totalitarisme. New York: Brace and World, 1966. Hazan, Pierre. "Les dilemmes de la justice transitionnelle." La Découverte: Mouvements. no. 53 (2008/ 1). Jaspers, Karl. The Question of German Guilt. E. B. Ashton (trans.). New York: The Dial Press, 1947. Sher, Georges. "Ancient Wrongs and Modern Rights." Philosophy and Public Affairs. vol. 10, no. 1 (Winter 1981). Stinchcombe, Arthur L. "Lustration as a Problem of the Social Basis of Constitutionalism." Law and Social Inquiry. vol. 20, no. 1 (Winter, 1995).