انحراف مسار ما بعد العدالة الانتقالية وهشاشة الانتقال الديمقراطي في المغرب

Nabil Zegaoui نبيل زكاوي |

الملخّص

تبيّن هذه الدراسة تطوّر تجربة العدالة الانتقالية في المغرب بدءًا من إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة، "ضِ من" النظام السياسي نفسه، وكيف أنّ عملها ظل خاضعً ا لإكراهات الواقع السياسي المغربي. وتؤكد أن الحكم المتعلق بنجاح مثل هذه التجربة بدا أسهل عندما مَرَّ بعض الوقت على ولادتها فقط، لكن مع تقدم الزمن، تبيّن أن الاستشهاد بالمغرب باعتباره نموذجً ا لعدالة انتقالية ناجحة في العالم العربي يفرض المراجعة من خ لاا النظر في مسارها وآثارها. وخلصت الدراسة إلى أن تسييج التجربة المغربية بشعار "العدالة بقدر ما هو ممكن"، جعلها في نهاية المطاف تجربة غير مكتملة؛ ليس لأنها غيّبت الحقيقة الكاملة، بل لأنها لم تكن بالزخم الكافي لتقود إلى إصلاح مؤسسي أوسع أيض ا. وتخلص أيض ا إلى أن المغرب، رغم أنه عرف خ لاا الأعوام الماضية نوعا من الانتعاش الحقوقي، فإنه ما زال يضمر جيوبًا للظلم القانوني بوصفها عنوان ا عريض ا لغياب حكم القانون و"سيادته."

This study discusses the evolution of transitional justice in Morocco, demonstrating how the work of the Equity and Reconciliation Commission established within the regime has remained subject to the constraints of Moroccan politics. The Commission was declared a success prematurely, but over time it became clear that the Moroccan model needed to be reevaluated. The study concludes that the idea of "justice to the extent possible" obstructed transitional justice. Not only did this slogan serve to obscure the full truth; it also provided insufficient impetus to continue pushing for broader institutional reform. Although Morocco has experienced something of a human rights revival in recent years, it still harbours pockets of "lawful" injustice, broadly signaling an absence of sovereign law. Keywords: Transitional Justice, Democratic Transition, Morocco, The Equity and Reconciliation Commission (Instance Equité et Réconciliation).

Faltering Steps of Transitional Justice and the Fragility of Democratic Transition in Morocco

كلمات مفتاحية: العدالة الانتقالية، الانتقال الديمقراطي، المغرب، هيئة الإنصاف والمصالحة.

مقدمة

برز مفهوم العدالة الانتقالية في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي عقب انتقال دول أميركا اللاتينية إلى الديمقراطية، وقد ارتبطت المرحلة التالية، خاصة مع الألفية الجديدة، بتطبيع الانتقال الديمقراطي وتوسيع حركة العدالة الانتقالية في بلدان عديدة من ضمنها المغرب، حيث تنوعت التجارب بين نمط العدالة العقابية ونموذج العدالة التصالحية في إطار آلية لجان الحقيقة والمصالحة. لقد كانت قرارات العفو بمنزلة تنازل لا مفر منه، وإقامة العدل في الماضي مقابل العدالة في المستقبل. واكتسب نموذج "لجنة الحقيقة" القوة بوصفه "ثاني أفضل خيار"، فقد اعتبرت المحاكمات مزعزعة للاستقرار، وبدت لجان الحقيقة أقل تصادمًا مع عدم تجاهل الانتهاكات والقيام بشيء ما للضحايا1. وعمومًا، تباينت تجارب العدالة الانتقالية بين خيار الحقيقة والمصالحة وخيار الحقيقة والعدالة، بما تعنيه من عدم إفلات من العقاب، سواء في صورته القضائية (التجريم والمتابعة) أو السياسية (العزل) أو غير ذلك. وتعود جذور العدالة الانتقالية في المغرب إلى إنشاء المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سنة 1990، الذي اعتبُر خطوة أولية في مسار استقلالية نظام حقوق الإنسان عن الدولة، بعدما ظلت تديره، فكان بذلك متواضعًا، وهكذا صار المجلس يحقق في تقارير انتهاكات حقوق الإنسان، بما فيها حالات الإخفاء. وعملً بتوصية الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 4/403 المؤرخ في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1985، التي أوصت باستعمال "الآليات غير القضائية لحل النزاعات عن طريق الوساطة والتحكيم لاسترضاء الضحايا وإنصافهم"، تأسست هيئة التحكيم المستقلة سنة 1999 لتعويض ضحايا الإخفاء القسري والاعتقال التعسفي. وبعد أن أوصى المجلس بإنشاء لجنة للحقيقة، صدّق الملك محمد السادس على تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة سنة.2003 تنتمي تجربة العدالة الانتقالية في المغرب إلى الجيل الثاني الذي صارت معه ذات بعد محلي لارتباطها بالهيكل الرسمي للدولة، ولورودها في صيغة حوار وطني بمضمون سياسي بعيدًا عن فكرة المحاكمات التي ميزت في الغالب الجيل الأول الذي طبع نموذج العدالة الانتقالية الدولية ذات التوجه القانوني القضائي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. بل إن التجربة المغربية اختلفت عن كثير من التجارب الإقليمية على اعتبار أنها تجسد الانتقال من نظام تسلطي إلى نظام منفتح، وليس الانتقال من الحرب إلى السلام، كما كان قمع الدولة المصدر الرئيس للانتهاكات، ولكنه لم يكن في الوقت نفسه تلقائيًا. أنشئت هيئة الإنصاف والمصالحة ضمن النظام السياسي نفسه، وقد ظلت منسجمة مع نفسها، إذ ولدت بمبادرة منه واشتغلت من داخله، فلم يكن في مقدورها تجاوزه. وهي في النهاية هيئة سياسية، وإن بدت بمضامين حقوقية وقانونية، الشيء الذي جعل عملها خاضعًا لإكراهات الواقع السياسي المغربي من جهة، ومنزّلً من جهة أخرى. وعلى الرغم من أهمية ما قامت به الهيئة بالعودة إلى تاريخ الدولة الرهيب لتقليب صفحات ما سمي إعلاميًا "سنوات الجمر والرصاص" تحت شعار الانتقال المتداول بعبارة "ضمانات عدم التكرار"، فإن عملها ظل محكومًا بعامل الزمن؛ ذلك أن الحكم بنجاح تجربة مثل هيئة الإنصاف والمصالحة بدا أسهل عندما مرّ بعض الوقت فقط على ولادتها. ولكن مع تقدم الزمن تبيّ أن الاستشهاد بالمغرب باعتباره تجربة لعدالة انتقالية ناجحة في العالم العربي يفرض المراجعة من خلال النظر في مسارها وآثارها. في ظل التنوع الكبير لممارسات العدالة الانتقالية، هل جعلت التجربة المغربية العدالةَ انتقاليةً فعلً؟ وما مدى الالتزام الإصلاحي للدولة؟ وباعتبار العدالة الانتقالية استجابة لممارسات نظامية على نطاق واسع، فهل انعكس فعلً في الأوقات العادية ما كان يُنظر إليه تاريخيًا على أنه ظاهرة حقوقية مرتبطة بالظروف غير العادية لما بعد عنف الدولة؟ وهل باتخاذ التجربة المغربية الحقيقة والمصالحة سياسةً للانتقال الديمقراطي تكون قد ساهمت حقًا في التحول نحو نظام حكم ديمقراطي؟ تكثف محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات سعينا لإعادة تقييم تجربة العدالة الانتقالية في المغرب لنفهم كيف انحرفت عن مسارها في مرحلة ما بعد الانتقال، انطلاقًا من فرضية أن مردودها لم يؤثر على النحو المأمول في الانتقال الديمقراطي، وأنه تبعًا لوقوع العدالة الانتقالية بين القانون والسياسة تعسّ التوصل إلى صيغة متوازنة بين مقتضيات العدالة التي تتطلّبها مثل هذه تجربة ومقتضيات التغيير السياسي التي ينبغي أن تعززها، ما جعل في الأخير تبنّي برنامج للعدالة الانتقالية غير قادر على إثبات أنه مقياس لنجاح الانتقال الديمقراطي.

  1. Naomi Roht-Arriaza & Javier Mariezcurrena (eds.), Transitional Justice in Twenty-First Century: Beyond Truth Versus Justice (Cambridge, NY: Cambridge University Press, 2006), p. 3.

أولا: نمط العدالة الانتقالية في التجربة المغربية: عدالة الحد الأدنى

قد يكون صحيحًا أن تجربة العدالة الانتقالية في المغرب جاءت في سياق الضغوطات الحقوقية الدولية والمحلية، وحتى إن كانت تندرج ضمن نموذج "عدالة المشروعية، وهي التي تستند إلى اتفاق قوى المعارضة مع السلطة على آلية تكتسب مشروعية قانونية وسياسية لإنفاذ العدالة الانتقالية"2، فإن ذلك لا ينفي أن إخراجها جاء بمبادرة من النظام السياسي الذي لجأ إلى بعض آليات العدالة دون بعضها الآخر، في محاولة للتكيف مع التغيير الذي أخذت تفرضه البيئة الخارجية، وينشده طموح المساق الداخلي. وهكذا، اقتصرت التجربة المغربية على نمط العدالة التصالحية، مكتفية بتدابير التحقيقات المستقلة، وإعادة الحقوق، والترضيات المعنوية، ومنح تعويضات لأسر الضحايا من دون منح حقوق التقاضي أو إدانة مسؤولين ممن غادروا أو ما زالوا في مواقع المسؤولية بارتكاب الانتهاكات، حيث تم حصر اختصاصات هيئة الإنصاف والمصالحة التي أنشئت بقرار ملكي في اختصاصات غير قضائية، ومبرر ذلك "اختلاف التجارب الدولية"، ما جعل المغرب يتوصل إلى "ابتكار نموذجه الخاص به"3 على ذلك النحو، لكن النظام القانوني لهيئة الإنصاف والمصالحة الذي اعتمد وفق منطق "كونية المبدأ وخصوصية المنهج" سيعمل على عقلنة اشتغالها على نحو بعيد. وعلى الرغم من أن الملك محمد السادس اعتبرها في خطاب تنصيب أعضائها بمنزلة لجنة للحقيقة والإنصاف والمصالحة، فقد غُيّب مطلب الحقيقة من اسم الهيئة، ولكن ظل المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف متشبثًا به، وهو الذي ضم بعض عائلات ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان قبل أن يلتحق بعض أعضائه بالهيئة، وذلك بعدما جرى التوافق على تسميتها، إذ سيتضح فيما بعد أنها لم تكن مجرد مسألة شكلية وإنما ستحكم عمل الهيئة، ما دام الغرض الأساسي من خلفية إحداثها ليس كشف حقيقة الجلادين بل "تجنّب أخطاء الماضي في الحاضر، وعليه فإنّ تسمية الإنصاف تصبح بديلً معقولً لما تريده الهيئة بالفعل"4. ومع ذلك، فإن حقيقة غير قابلة للقول باختزالها في الوقائع دون التطرق إلى مقترفيها ليست حقيقة أصلً، خصوصًا حيث لا توجد فرصة للعدالة في المحاكم. لقد غلّبت مقاربة الدولة أشكالً أخرى من الحساب مع ماضي انتهاكات حقوق الإنسان على مقاربة المنظمات غير الحكومية في الدعوة إلى عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب، ما جعل مقاربتها، أي الدولة، هي المهيمنة عمليًا في العدالة الانتقالية التي ارتضتها أن تكون تصالحية تاريخية تركز على الأدوار الإصلاحية للسرد عبر بناء تاريخ بديل من الانتهاكات الماضية، علمً أن وسائل العدالة التاريخية تشمل "إعلان الحقيقة وأرشفة وإقرار وقائع تجاوزات الدولة"5، حيث تظهر العلاقة المعقدة بين العدالة الانتقالية والحقيقة والتاريخ، وهي الوسائل التي لم تظهر على النحو المطلوب في التجربة المغربية، كما سيتم بيانه لاحقًا. وفي تنصيصه على فرق العمل، فقد حددها في واحد مكلف بجبر الأضرار وثانٍ مكلف بالأبحاث والدراسات وثالث مكلف بالتحريات. وبناء عليه، نجد أن النظام الأساسي للهيئة تفادى نعت مهمات الفريق الأخير بالتحقيق استبعادًا لأي بعد قضائي، في الوقت الذي يرتبط فيه هذا المفهوم بمجال اشتغال جهاز الضابطة القضائية. أما في ما يخص ولاية الهيئة، فقد تحدد اختصاصها الموضوعي في مهمات البحث والتحري والتقييم والتحكيم والاق اررح من دون إمكانية إثارة المسؤولية الفردية عن الانتهاكات التي شملت حالات

  1. خالد حنفي علي، "انحراف المسار: أنماط العدالة الانتقالية المنقوصة والانتقال الديمقراطي الهش"، ملحق اتجاهات نظرية في تحليل السياسة الدولية، مجلة السياسة الدولية، العدد 194 (تشرين الأول/ أكتوبر 2013)، ص.4
  2. خطاب الملك محمد السادس بمناسبة تنصيب أعضاء هيئة الإنصاف والمصالحة في 2004/1/6، ينظر: "خطب صاحب الجلالة: نص الخطاب الملكي السامي بمناسبة تنصيب
  3. كمال عبد اللطيف، "العدالة الانتقالية والتحولّات السياسية في المغرب: تجربة هيئة سياسات عربية، العدد 5 (تشرين الثاني/ نوفمبر الإنصاف والمصالحة"، 2013)، ص.6 5  Stephen Winter, Transitional Justice in Established Democracies: A political Theory (London: Palgrave Macmillan, 2014), p. 125.
  4. البوابة الوطنية للمغرب هيئة الإنصاف والمصالحة"،، 2013/3/25، شوهد في 2020/12/20، فh يttps://bit.ly/3atg3SY:

الاعتقال التعسفي والإخفاء فقط، وترك حالات أخرى مثل الإعدام. في حين أن اختصاصها الزمني انحصر في الفترة الممتدة من استقلال المغرب سنة 1956 إلى وفاة الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1999، ومع ذلك فقد جرى إغفال السنوات الأولى من هذه الفترة، التي اندرجت ضمن نطاق حكم الملك الراحل محمد الخامس، ليتركز عمل الهيئة على الانتهاكات المقترفة خلال عهد الملك الراحل الحسن الثاني. هكذا، يتبين أن النظام القانوني لتجربة العدالة الانتقالية بالمغرب وضع قيودًا على استحقاقاتها، فباستحضار القواعد المرجعية للعدالة الانتقالية على المستوى الدولي، والمحددة في الحقيقة وجبر الضرر والمساءلة والعفو العام التي تعد أركان عدالة انتقالية كاملة، سيغيب في التجربة المغربية بعض هذه الأركان وسيحضر البعض الآخر، لكنه سيظل منقوصًا.

1. التنازل عن الحقيقة بين الصفح وشرعنة الإفلات من العقاب

في سابقة من نوعها في المنطقة العربية، نظمت هيئة الإنصاف والمصالحة جلسات استماع علنية خاصة بالضحايا تابعها الرأي العام الوطني والدولي من خلال تغطية وسائل الإعلام، "غير أنه تم تثبيط حرية التعبير بشدة، بحيث تم حظر ذكر أسماء المسؤولين عن ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان خلال جلسات الاستماع العامة"6. وحتى إن لم يمتد الحظر إلى جلسات الاستماع المغلقة، فإنّ المرحوم إدريس بن زكري، رئيس الهيئة، قد أشار إلى أنها في تحرياتها الروتينية سجلت أسماء المدّعى عليهم المزعومين من دون النية في أن يترتب على الأمر أي آثار، مستدركًا بقوله "إن قسم التقرير النهائي الذي يحتوي على أسماء الجناة يشكل الجزء الوحيد من هذا التقرير الذي سيتم تسليمه إلى الملك من دون الإعلان عنه، وسيكون عندئذ على الملك تحديد ما يجب القيام به مع هذه المعلومات"7. إن منع تسمية الجناة في تجارب العدالة الانتقالية كما حدث في المغرب، بل حتى في تجارب أخرى مثل كندا، "تأثر بعدد من العوامل تتجاوز بكثير المخاوف المتعلقة بالإجراءات القانونية الواجبة[...]هناك ضغوط سياسية صريحة أو ضمنية على اللجنة لإبقاء الأسماء خارج التقرير. كانت بعض اللجان قلقة بشكل خاص حول المخاطر الأمنية في تسمية الجناة المعنيين إما لسلامة الشهود الذين قدموا الأسماء، وإما لأمن أعضاء أو موظفي اللجنة، وإما لإمكانية الانتقام (في شكل عدالة الشارع) الممكن اتخاذها ضد أولئك الذين تمت تسميتهم"8. وفضلً عن ذلك، لا يفضي رهان البحث عن الحقيقة إلى فتح الملاحقات القضائية فقط ضد الجناة، وإنما قد يكشف عن فشل السلطات القضائية في مراقبة الانتهاكات خلال مرحلة القمع، بل أكثر من ذلك عندما يفتح باب المساءلة، لن تكون مساءلة للأفراد فحسب وإنما للنظام إجمالً، حيث ستكون المحاكمات الجنائية بمنزلة اعتراف علني بخطأ ومسؤولية الدولة في النهاية، لأن المسؤولين عن الانتهاكات يمثلون الدولة بتشخيصهم المخالفات التي ارتكبوها، لكن عمليًا لا يمكن معاقبة دولة، والأكثر من ذلك أنها ليست مستعدة حتى للاعتذار عن الخطأ. غير أنه لا يمكن تبرير تقييد الحق في الحقيقة بوصفه حقًا من حقوق الإنسان في ارتباطه بالحق في الحصول على المعلومات، الذي لا تكمن أهميته في وصفه حقًا فرديًا في صالح الضحايا وأسرهم فحسب، من خلال معرفة حقيقة أسباب الانتهاك وظروفه ووقائعه ومصير الضحية في حالة الوفاة أو الإخفاء القسري ونتائج تحقيق الدولة في الانتهاك وهوية الجناة، وإنما كذلك هو على المستوى العام ضمانة للشفافية وعدم الإفلات من العقاب. ربما تكون الاستجابة القضائية من خلال آلية المحاكمات مغرية بوصفها حلً سهلً لتنزيل مبدأ عدم الإفلات من العقاب، ولكنها تطرح إشكالية التوقعات التي قد تكون غير واقعية، ما سيؤدي في النهاية إلى نتائج مخيبة للآمال، فربما تكون نتيجة التوقعات العالية (على نحو غير واقعي) التي تثيرها الملاحقات القضائية، بحسب لاندسمان Landsman S. "رد فعل عنيف ضد المؤسسات الديمقراطية"، ويحذر همفري Humphrey M. من أنه إذا وصل القانون إلى "أبعد مما هو قادر على تحقيقه [فإنه يترك نفسه] مفتوحًا للنقد من أجل رفع توقعات عالية جدًا، ومن ثم الفشل في تحقيق العدالة"9، خاصة في الحالات التي يتأكد معها الافتقار إلى "نظام قضائي فعال ونزيه، وفي بعض الحالات محاكمة أعداد كبيرة من المجرمين تهدد باستهلاك الموارد العامة الشحيحة"10.

  1. 9  Ray Nickson & Alice Neikirk, Managing Transitional Justice: Expectations of International Criminal Trials , Series Palgrave Studies in Compromise after Conflict (Cham, Switzerland: Palgrave Macmillan, 2018), p. 21.
  2. 10  Winter, p. 120.
  3. Priscilla B. Hayner, Unspeakable Truths: Transitional Justice and the Challenge of Truth Commissions , 2 nd ed. (London/ New York: Routledge, 2011), p. 122.
  4. 6  Lise Storm, Democratization in Morocco: The Political Elite and Struggles for Power in the Post-independence State (London/ New York: Routledge, 2007), p. 102.
  5. 7  Ibid., p. 105.

ومهما كان من تفسيرات براغماتية لاستبعاد نموذج العدالة العقابية، فإن "العدالة، بقول الحقيقة، ينظر إليها البعض على أنها واجب أخلاقي على حكومات ما بعد الفترة الاستبدادية. ويعرضها آخرون على أنها التزام قانوني من الدول، أو طريقة لمنع الانتهاكات في المستقبل، أو طريق نحو تفكيك الموروث السلطوي وبناء المؤسسات الديمقراطية"11. وفي هذا الإطار، تأتي المحاكمات تعبيرًا عن النزعة القانونية في العدالة الانتقالية؛ ذلك أن الدولة ملزمة بموجب القانون بالتحقيق في الجرائم والمعاقبة عليها، كما أن عدم محاكمة المذنبين هو عدم تطبيق لمبدأ المساواة أمام القانون، أي إن الدولة لا تعاقب على جرائم مثلما يعاقب عليها القانون في سياقات أخرى، حيث العدالة الجزائية ترى الجريمة في الحالات العادية أنها ضد الدولة. إن معرفة الحقيقة بتحديد هوية المتورطين في الانتهاكات لن تكون مجدية إلا إذا كانت سترتب ملاحقتهم قضائيًا، فالقضاء وحده يستطيع ضمان الحق في العدالة، ليس لصالح الضحايا وأسرهم فقط، وإنما لصالح المتهمين الذين يجب السماح لهم بالدفاع عن أنفسهم ما دامت تسميتهم تبقى في حكم الادعاء إلى حين إثبات مسؤوليتهم، ولهذا "لا تقتصر مقاصد المحاكمة الجنائية العادية على الفصل في المسؤولية الفردية فحسب، بل ترمي إلى إثبات الحقيقة بشأن حدث مثير للجدل. وينطبق هذا على نحو أكبر على دور المحاكمة في تسوية الخلافات التاريخية التي تميز مراحل الانتقال"12. وحتى بالنسبة إلى تجارب العدالة الانتقالية التي لم تأخذ بآلية المحاكمات واكتفت بآلية لجان الحقيقة، لم يمنعها إغفال المساءلة الفردية، تبعًا للآلية الأولى، من التركيز على المساءلة الجماعية في إطار الآلية الثانية، كما كان الحال في جنوب أفريقيا؛ ففضلً عن أن لجنة الحقيقة والمصالحة نظمت جلسات استماع فردية، فقد عقدت جلسات استماع خاصة تركز على القطاعات أو المؤسسات الرئيسة للمجتمع وردّها على الممارسات المسيئة أو المشاركة فيها. وركزت جلسات الاستماع المؤسساتية هذه على المجتمع الديني والقانوني وقطاع الأعمال والقطاع الصحي ووسائط الإعلام والسجون والقوات المسلحة13، إذ إن إدلاء مسؤولي هذه القطاعات بشهاداتهم لم يكن حول حالات محددة، ولكن حول السياق الأوسع لانتهاكات حقوق الإنسان؛ ذلك أن القمع الذي تقترفه الدولة هو أكثر من مجرد أعمال إجرامية فردية يرتكبها وكلاؤها، بل هو ذو طبيعة تنظيمية مؤسسية، لكن حتى مع الأخذ بآلية العدالة العقابية، يصعب محاكمة مؤسسات وتنزيل عقوبات عليها. لا تغطي إجراءات العدالة الانتقالية سوى الانتهاكات التي ارتُكبت ضد الأفراد والجماعات، ولا تشمل ممارسات السلطة المنتهكة للحدود الدستورية والقانونية والأخلاقية، ولذلك اعتبر صامويل هنتنغتون أن الأنظمة الاستبدادية لم تحاكم لأنها قتلت الديمقراطية فحسب، بل لأنها قتلت أفرادًا أيضًا14. وفي الوقت الذي كانت فيه قرارات العفو بمنزلة تنازل لا مفر منه في تجارب مقارنة للعدالة الانتقالية، جعل مهندسو التجربة المغربية العفو شرطًا مسبقًا للعدالة الانتقالية، بينما ينبغي أن يكون العفو عند نقطة نهاية العدالة، حيث تستخدم التحقيقات القضائية لمعرفة الحقيقة على الأقل، وذلك كما تم في تجربة جنوب أفريقيا حينما قدّم الجناة اعترافات كاملة بأفعالهم مقابل استفادتهم من العفو. وعلى الرغم من اختلاف هذه التجربة وغيرها عن التجربة المغربية التي أسست في ظل استمرارية النظام نفسه، فإن فصل الحقيقة عن العدالة في إطار سياسة الصفح والنسيان هو مأسسة للإفلات من العقاب؛ ذلك أن العفو على هذا النحو يقلل من الفائدة النسبية للقنوات السياسية التي تدفع إلى استدماج مزيد من المساءلة في المجال القضائي، ف "مصطلح 'العفو' مستمد من العمل اليوناني stia ē amn، وهذا يعني 'النسيان'، ويمهد الطريق لسوء فهم خاطئ شائع متمثل بأن منح العفو من المقاضاة يعادل التخلي عن المساءلة"15، ولذا فإغلاق الدولة مطالبات العدالة بالعفو عن الجناة سيكون له انعكاس على مستقبل العدالة، ما يجعل المساءلة صعبة جدًا. إن ترجيح الصمت والنسيان على المواجهة بدعوى التركيز على المستقبل تم على حساب الحقيقة، وهو ما جعل الهيئة تقدم معلومات محدودة بشأن مصير المفقودين ومواقع الدفن، فقد سجل تقرير الهيئة اختفاء 427 شخصًا و 66 آخرين مجهولي المصير، واكتفى بإصدار توصية حول إجراء الدولة مزيدًا من التحقيقات، وهي التي تركت هذه المهمة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي تمكن من

  1. Cath Collins, Post-transitional Justice: Human Rights Trials in Chile and El Salvador (University Park, PA: Pennsylvania State University Press, 2010), p. 12.
  2. Ruti G. Teitel, Globalizing Transitional Justice: Contemporary Essays (New York: Oxford University Press, 2014), p. 158.
  3. Hayner, p. 28.
  4. Collins, p. 16.
  5. Anastasia Kushleyko, "Accountability v. 'Smart Amnesty' in the Transitional Post-conflict Quest for Peace: A South African Case Study," in: Natalia Szablewska & Sascha-Dominik Bachmann (eds.), Current Issues in Transitional Justice: Towards a More Holistic Approach , Springer Series in Transitional Justice 4 (Cham, Switzerland: Springer International Publishing, 2015), p. 33.

تحقيق تقدم مهم في الكشف عن مصير حالات كثيرة، لكن كيف يمكن لعفو أن يستقيم، سواء كان سابقًا أم لاحقًا، من دون حل نهائي لجريمة الإخفاء التي تظل مستمرة حتى يتم العثور على الجثة؟ (ملف المهدي بن بركة مثلً.) 2. مصالحة من خلال التعويض عن الانتقام بلغ مجموع الملفات التي نظرت فيها هيئة الإنصاف والمصالحة 16861 ملفًا، من طلبات تلقتها ومن ملفات نُقلت إليها من هيئة التحكيم المستقلة، بعدما استُبعد آلاف المتقدمين لبرنامج التعويضات، لا لشيء سوى أنهم منحوا مهلة قصيرة فقط. وقد أوصت اللجنة بتعويضات فردية وجماعية واسعة النطاق واعتذار علني من الوزير الأول. وإضافة إلى أنه لم يكن هناك اعتذار، فإن المغرب يقف بعيدًا في السرعة والكفاءة التي نفذت بها الدولة توصيات اللجنة بشأن التعويضات. وفي الأشهر الثمانية عشر التالية، تم توزيع ما يعادل 85 على مليون دولار 9000 فرد من الضحايا أو أفراد الأسرة، وكانت التعويضات المجتمعية في تطور متقدم16، وقد قبلت الدولة توصيات التعويض ونفذتها على النحو المقترح. وكان اقتراح هيئة الإنصاف والمصالحة باعتماد مقاربة النوع في التعويض رائدًا على نحو خاص في كيفية التعامل مع النساء، سواء كنّ من ذوي حقوق الضحايا أو كنّ ضحايا، فقد أوصت اللجنة بدفع مبالغ متساوية لأفراد العائلة من الإناث والذكور ذوي حقوق الضحايا المتوفيّن. كما أوصت بدفع تعويض إضافي للضحايا من الإناث، مراعاة للمعاناة غير المتساوية الناجمة عن التمييز الصارخ ضد النساء، ضحايا الاعتقال والاغتصاب، وغير ذلك من الانتهاكات الخطيرة. صحيح أن برنامج التعويضات مطلوب لجبر الأضرار التي لحقت بالضحايا أو ذويهم، خاصة بالنسبة إلى الأشخاص المعوزين من جراء فقدان معيل الأسرة أو الذين تضرروا عاطفيًا أو جسديًا، إلا أنه لم يترك لهم إمكانية التعبير عن عدم الرضا عن مبلغ التعويض الذي تعرضه الدولة عليهم. وبحكم أن اشتغال الهيئة لم يصاحبه دعم نفسي آني أو بعدي من طرف مختصين للضحايا، باستثناء الدعم العاطفي الذي كانت تقدمه الهيئة في جلسات الاستماع، لم يكن من السهل على الضحايا فتح جروح الماضي، فقد أوصت الهيئة بالرعاية العاجلة للبعض، وتقديم المساعدة الطبية على المدى الطويل لجميع الضحايا وعائلاتهم، فضلً عن تمكينهم من التدريب المهني. ومن منطلق العلاقة بين العدالة الانتقالية والتنمية الاقتصادية، تم اعتماد، بناء على توصيات الهيئة، برامج لجبر الضرر الجماعي شملت إحدى عشرة منطقة على نحو خاص، على أساس وجود أماكن احتجاز سرية تم تحديدها بها أو لأن سكانها المحليين أخضعوا لعقوبات جماعية، كما اهتمت، فضلً عن حفظ الذاكرة، بمعالجة التهميش والحرمان الاقتصادي والاجتماعي بتلك الأقاليم. وفي هذا الإطار "أشار المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان إلى تخصيص 14 مليون درهم (نحو 1.2 مليون يورو) لعام 2008 لخدمة مشاريع جبر جماعي مختلفة، موَّل بعضها الاتحاد الأوروبي"17. ورغم أهمية التعويضات التي استفاد منها الضحايا، فإن جبر الضرر الذي لحقهم في الماضي في ظل تغييب حقيقة الجناة جعل ركن الإنصاف الذي قامت عليه التجربة برمتها، إلى جانب ركن المصالحة، مفقودًا بالنظر إلى انعدام أخلاقياته فيها، فهناك "ثلاث نقاط حول الممارسة الشخصية للإنصاف: أولً، ينطوي ذلك على نحو مميز على الأشخاص الذين أساؤوا وأولئك الذين أصيبوا، هذا هو الشرط الشخصي لأخلاقيات الإنصاف. ثانيًا، يشمل التعويض عن الأفعال التي يجب أن يعرف الوكلاء أنها غير مشروعة، هذا هو الشرط المعرفي. ثالثًا، يشتمل الإنصاف الشخصي على عبارات عاطفية من قبل الجاني. فهذه الشروط متطلبات عاطفية، من الواضح أن في إمكانها إثراء الحساب"18. بالتأكيد ليست كل التعويضات في حاجة إلى أن تكون نقدية، فإضافة إلى التعويضات الموجهة نحو المجتمع، قد تكون التدابير الرمزية مثل النصب التذكارية وأيام الذكرى مناسبة19، وهكذا فالإنصاف الحقيقي يتحقق مع عدالة تصحيحية فقط لا تقتصر على التعويض فحسب، وإنما يمكن أن تتضمن، فضلً عن ذلك، الاعتذار بعد إقرار الدولة بأخطائها، "حيث يجب أن يكون مصدر التعويض، الاعتراف بارتكاب مخالفات، في منتجاته، إعادة تصور ممارسة الدولة للجبر كوسيلة لتثقيف الأمة حول ماضيها السيئ"20. فلا إنصاف في ظل الفجوة بين المعرفة والاعتراف، لذا قول الحقيقة هو ما ينتج معرفة تاريخية شائعة بعد أن يتم الإقرار بها رسميًا، ثم إن ما يضمن عدم تكرار ما جرى هو الإقرار بالطابع غير المشروع للأفعال المرتكبة، أي الاعتراف العلني بالخطأ والاعتذار وإعادة بناء السرد السياسي بوصفها جميعًا مكونات عاطفية في العدالة الانتقالية.

  1. 20  Winter, p.22.
  2. منظمة العفو الدولية، الوعد الضائع: " 17 هيئة الإنصاف والمصالحة" ومتابعة أعمالها (لندن: منظمة العفو الدولية، 2010)، ص.56
  3. Winter, p. 19.
  4. Hayner, pp. 180-181.
  5. 16  Hayner, p. 44.

وإذا كان تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة قد اعترف بالطابع غير المشروع للانتهاكات في حق الضحايا، فإن الاعتذار الذي من المفروض أن يلي الاعتراف بدا محتشمً، فأمام مطالبة "العديد من الضحايا ومنظمات المجتمع المدني بأن يتقدم الملك، بصفته رئيس الدولة، باعتذار علني، أعرب المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في عدة مناسبات عن رأيه بأن خطاب الملك بمناسبة انتهاء عمل هيئة الإنصاف والمصالحة، الذي ألقاه في 6 كانون الثاني/ يناير 2006، ينبغي أن يفسَّ على أنه اعتذار، نظرًا لأنه قدَّم هيئة الإنصاف والمصالحة على أنها جهد من عفو جماعي"21، وهو الخطاب الذي طرح فيه الملك الصفح بديلً من مطلب الاعتذار، وذلك عملً بالخصوصية الدينية المغربية. ترى برسيلا هاينر أن الكثيرين من داخل هيئة الإنصاف والمصالحة وخارجها، فهموا أن "المصالحة" هي الهدف النهائي للهيئة. وتضيف: "من المثير للاهتمام أن هذا لم يشُر إليه على أنه مصالحة بين الجماعات - مثلً ما بين الملك والمعارضة السابقة - بل 'كمصالحة المغاربة مع ماضيهم'، وهي العبارة التي استخدمها الملك عندما أسس الهيئة. [...]وجد الضحايا أن فكرة المصالحة غامضة، لأنهم لم يعرفوا مَن يتصالح معهم، بالنظر إلى أن الهيئة تجنبت التعرف إلى الجناة. فَهِم آخرون أن المصالحة 'ديناميكية ستنشئها اللجنة كنتيجة لعملها. على سبيل المثال، لم يعد الجمهور يخاف سيارة تابعة للشرطة"'22؛ ذلك أن الهيئة ركزت على الترويج للمصالحة بقصد الشفاء من الماضي بالنسبة إلى الضحايا وعوائلهم في أفق بلوغ الشفاء المجتمعي، بحيث جرى استثمار المصالحة بوصفها خطابًا أخلاقيًا وعملية ترميم نفسي وعاطفي. وعلى الرغم من أن العدالة التصالحية تركز على الضحايا من خلال توفير منتدى لسرد قصتهم في أفق الشفاء من الماضي، بعدما كانوا يضطرون إلى قمع ذكرياتهم الأليمة مع تعذيب مسَّهم أو قتل نال من أحبائهم من الأقرباء أو الأصدقاء، وعلى ما يستحقونه بناء على التزام الدولة، فإنها تبدو على الأرجح في صالح الجناة أكثر من الضحايا لأنها تعمل على إعادة إدماجهم في المجتمع. ولإعمال العدالة الجزائية التي تتعلق بما يستحقه الجناة بعد تحديد هويتهم طبعًا، فإنها إذا لم تدرك في شكل معالجة جنائية، لا تتُرك منها إمكانية إنزال عقوبات مدنية (التعويض) أو إدارية (العزل السياسي أو الإبعاد عن المناصب العامة)، إذ كيف يمكن نظام حكم أن يرتبط بالمحاكم والوزارات والشرطة والبرلمانات التي شكلت نظامًا سياسيًا قمعيًا، وقد اعتبرت آليات العدالة الانتقالية وسيلةً لتطهير المؤسسات السياسية من أسوأ المخالفين، وفرض قطيعة في التاريخ المؤسسي المستمر على خلاف ذلك23. فعلى المدى القصير، لم يسمح عدم الإفصاح عن الجناة بتطبيق آلية العزل في حقهم، ولذا تحصّنوا ضد أي إجراء تطهيري مفاجئ في إطار ما يسمى العلاج بالصدمة، وهكذا استمروا في مواقعهم بمختلف هياكل النظام السياسي ومؤسساته، بمن فيهم الجلاد الذي مارس الاختطاف أو التعذيب أو التصفية في حق الضحايا، والقاضي الذي باع ضميره للسلطة وصمت عن العدالة، والسياسي الذي وضع إطارًا لجرائم حقوق الإنسان. غير أن المجتمع المغربي إذ قبل التنازل بطيّ هذه الصفحة من الماضي، فإنما راهن على التطلع إلى مستقبل أفضل يضمن عدم تكرار ما جرى من خلال عملية إصلاح المؤسسات على نحو جيد وفعال يلبي النتائج المرجوة من العدالة، ومن ثم تعبيد الطريق نحو انتقال ديمقراطي حقيقي.

ثانيًا: ديمقراطية منتصف الطريق: الإصلاح المؤسسي المنقوص

إذا كان الإصلاح في المراحل الانتقالية يتعامل مع المؤسسات نفسها، فإن العدالة الانتقالية ضمن هذا المنظور لا تتحقق إلا إذا تمت مراجعة وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة التي كانت مسؤولة عن ماضي انتهاكات حقوق الإنسان أو تلك التي ثبت تقصيرها أو فشلها في حماية هذه الحقوق، بما يفرض عليها احترام الحقوق والسهر على سيادة القانون والخضوع للمساءلة والمحاسبة.

  1. منظمة العفو الدولية، ص.54
  2. Hayner, p. 187.
  3. Winter, p. 17.

وبالعودة إلى توجه الدولة المغربية حول إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة كما جرى بيانه في المبحث السابق، يتبين أن عملها انشغل بجبر الضرر أكثر مما ارتبط بمسار الإصلاح المؤسسي العميق، فلا الهيئة امتلكت السلطة لتنفيذ الإصلاحات التي أوصت بها في هذا الشأن، ولا توافرت الإرادة السياسية لدى الدولة لذلك، إلا ما ظهر مع اندلاع الربيع العربي الذي جعل كثيرًا من توصيات الهيئة تُدرج ضمن بنود الدستور الجديد لسنة 2011، لكن مع استمرار إشكالية محدودية التنزيل، وفي الحصيلة عدم تحقق الانتقال على الوجه الأكمل. ينبغي أن يؤدي تشخيص أسباب الانتهاكات الإنسانية إلى إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية وحتى الإعلامية، ولهذا فحتى إن لم يقوَ عمل الهيئة على كشف حقيقة الجناة، كان من الممكن أن يكون هذا الأخير أدنى أهمية، لو امتلكت الدولة رؤية حول أهمية كشف علل مؤسساتها لإيجاد مضادات تضخمها السلطوي أو هشاشتها الوظيفية، وذلك بحسب "رؤية عامة تقول إن الهدف الرئيسي من كشف الحقيقة هو إصلاح مؤسسات الدولة الأمنية والبيروقراطية والإعلامية، وإيقاف استمرار مسلسل الفساد لتعمل في إطار من حقوق الإنسان، والشفافية، والمحاسبة، والكفاءة في المستقبل"24. وحتى إذا كانت التجربة المغربية لم تختر العدالة مع الحقيقة بل المصالحة مع الحقيقة، فإن غياب العدالة في العمليات الانتقالية كنقطة انطلاق لا يعني إبدال هذا الغياب تاليًا بالإغلاق، فمرحلة ما بعد العدالة الانتقالية ينبغي أن تواصل النضال لتحقيق العدالة بالتركيز على المساءلة، "فعلى النقيض من الفترة الانتقالية، في سياق ما بعد المرحلة الانتقالية، قد يكون النضال من أجل الحقيقة والعدالة ذا صلة بالديمقراطية، وقد يكون جزءًا من صراع أوسع نطاقًا يمنح المواطنين سلطة فعلية لإخضاع المؤسسات للمساءلة والفاعلية، ومن ثم القضاء على جيوب الاستبداد ودمقرطة العلاقات بين الدولة والمجتمع"25. غير أن العلاقة بين سياسات المساءلة والاستقرار الديمقراطي هي أيضًا علاقة معقدة، خاصة بعد تحولات متفاوَض عليها، وقد لخص تشيليان المواقف على نحو جيد، وهما خوسيه زلاكيط Zalaquett José الذي طرح سؤالً عن وجود صراع بين أخلاق الاقتناع وأخلاقيات المسؤولية، ومانويل أنطونيو جاريتون Manuel Antonio Garretón الذي وصف الصراع بأنه صراع بين منطق أخلاقي ورمزي ومنطق سياسي. يشدد الأول على الحاجة إلى فهم القيود السياسية على العدالة حتى لا تخاطر بإحباط عملية الدمقرطة، في حين أن الآخر يدافع عن الحقيقة والعدالة وربطها بالإصلاح المؤسسي الأوسع، الذي من دونه ستكون الديمقراطية أضعف26. وبالنسبة إلى المغرب تبين أن تقتير حد أدنى من العدالة في المرحلة الانتقالية فُهم على أن المغرب أخذ بنهج الإصلاح التدريجي في مرحلة ما بعد الانتقال، الذي "يقوم على أساس سياسة النفس الطويل، والتغيير على مراحل، وليس عن طريق تغيير كل الأجزاء في وقت واحد"27. إن التقرير الختامي الذي أنجزته هيئة الإنصاف والمصالحة، فضلً عن أهمية تحديده الأسباب الجذرية لانتهاكات حقوق الإنسان، "يستوعب لحظتين مهمّتين؛ لحظة التوصيات الخاصّة بالإصلاحات المؤسّسية المطلوبة، في موضوع تجنّب تكرار الانتهاكات، ولحظة بلورة الاستراتيجية الوطنية لمواجهة الإفلات من العقاب"28. وهي التوصيات التي همّت الإصلاح الدستوري بهدف ضمان الحقوق والحريات وتأصيلها في الدستور، وتجريم الإخفاء القسري والاعتقال التعسفي والمعاملات القاسية واللاإنسانية والحاطّة من الكرامة الإنسانية، وإلغاء عقوبة الإعدام والتصديق على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لربط القضاء المغربي بالقضاء الدولي، والالتزام بإصلاح قطاعات الأمن والقضاء والسياسة الجنائية. لكن على الرغم من أهمية هذه التوصيات، فإنها افتقدت الطابع الملزم، ولم تُنشئ هيئة الإنصاف والمصالحة آلية لمتابعة تنفيذها، بل تركت ذلك للملك الذي أَوكل هذه المهمة إلى المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وذلك على خلفية تصييره مؤسسةً دائمة للعدالة الانتقالية، خاصة مع ارتقائه إلى مجلس وطني لحقوق الإنسان29، غير أنه مجرد مؤسسة استشارية جعل تنزيل بعض التوصيات معطلً.

1. إصلاح دستوري بعد حين لكن بأي حماية لحقوق الإنسان

فضلً عن افتقاد تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة المغربية ما يسمى العدالة الإدارية المتعلقة بإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وإزالة

  1. أمل مختار، "المنظور التكاملي: مناهج الإصلاح المؤسسي في مراحل التغيير السياسي "، مجلة السياسة الدولية، العدد ملحق اتجاهات نظرية في تحليل السياسة الدولية، 194 (تشرين الأول/ أكتوبر 2013)، ص.22
  2. Alexandra Barahon De Brito, "Truth, Justice, Memory, and Democratization in the Southern Cone," in: Alexandra Barahon De Brito,
  3. De Brito, Enriquez & Aguilar (eds.), p. 29.
  4. مختار، ص.17
  5. عبد اللطيف، ص.102 29 تأسس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سنة 1990 وتم تعديل قانونه سنة 2001 ليتلاءم مع مبادئ باريس، وفي سنة 2011 تمت دسترته بوصفه مجلسًا وطنيًا لحقوق الإنسان مع تخويله استقلالية أكبر وصلاحيات موسعة.
  6. Carmen Gonzalez Enriquez & Paloma Aguilar (eds.), The Politics of Memory: Transitional Justice in Democratizing Societies , Series Oxford Studies in Democratization (New York: Oxford University Press, 2001), p. 152.

المسؤولين المتواطئين كما أشير إليه في السابق، فقد افتقدت كذلك دستورًا انتقاليًا في الحين، يحصن العدالة الانتقالية بالتأسيس لإعادة تشكيل الأسس القضائية للدولة، حيث تنبع أهمية العدالة الدستورية عمومًا من النظر إلى أن بعض الأنظمة الاستبدادية استغلت على نحو نشط التعليق الانتقائي للحقوق الأساسية الموصى بها دستوريًا من خلال حالات الاستثناء، أو صممت دساتير جديدة تمامًا لتوفير غطاء من الشرعية للقمع30. فضلً عن ذلك، كان الإصلاح الدستوري يستدعي التعجيل على خلفية إعادة هيكلة النظام السياسي، طالما أن التحولات السياسية التي أخذ يشهدها المغرب في سياق الانتقال وفي ظل خصوصية تجربته، لم تكن لتوجِد نظامًا سياسيًا جديدًا، لكن كان ينبغي أن تقود إلى إصلاحه. ورغم أنه من غير المعتاد وصف وضع الدستور كأنه شكل من أشكال العدالة، فإن ادعاءه هذا الوضع قد يعتمد على حقيقة أن إعادة تشكيل نظام حكم قمعي يمكن أن يزود الناس بشيء يستحقونه؛ نظام سياسي معقول31. ففي تجربة جنوب أفريقيا التي تعد من بين أبرز النماذج المقارنة، ليس على المستوى الأفريقي فحسب وإنما على الصعيد العالمي، تم إصدار دستور انتقالي أو مؤقت متفاوض عليه، أعطى أولًالشرعية لعمل لجنة الحقيقة، وفيه تم دمج مساءلة الفاعلين صراحة خارج الولاية القضائية، بما في ذلك أحكام العفو، شارحًا من ثم صيغة الانتقال إلى الديمقراطية؛ ويعني الانتقال "التحول من نظام غير ديمقراطي إلى نظام ديمقراطي، وليس مجرد تغيير في الحكومة أو عملية تحرير داخل نظام استبدادي"32، وذلك بأن تنظر الحكومات الجديدة إلى أن تكون إجراءات العدالة متوافقة مع أهداف مثل ضمان عدم التراجع عن التغيير الديمقراطي، أو إعادة بناء المؤسسات الديمقراطية، أو التأكيد على السيطرة المدنية على الجيش، على أن مضمون العدالة يختلف بين المرحلة الانتقالية وما بعدها. تهتم العدالة الانتقالية أساسًا بالحصول على الحد الأدنى من المتطلبات المؤسسية للديمقراطية الشكلية والحفاظ عليها، في حين تركز عدالة ما بعد المرحلة الانتقالية على الأسئلة اللاحقة، وجودة الديمقراطية وبلوغها وكمالها33. ولا تكمن المشكلة في بقاء مؤسسات العدالة الانتقالية، ولكن في الطابع المحدود للانتقال الشامل داخل المغرب، فرغم أهمية التقرير الذي خلفته هيئة الإنصاف والمصالحة، حتى إن غابت مناقشته أمام البرلمان ولم يُفتح حوار وطني حول توصياته، فإن افتقاده ضمانات التفعيل جعل الدولة تُبقي على العدالة الانتقالية في سياق انتقالي فقط، حيث غابت لديها النية والإرادة السياسيتين الواضحتين والملموستين للقيام بإصلاح مؤسسي حقيقي وشامل. ولذلك وجدنا أن الإصلاح الدستوري تأخر كثيرًا، وربما لولا ضغوطات المحيط الإقليمي مع اندلاع الربيع العربي والسياق الداخلي مع ولادة حركة 20 فبراير الاحتجاجية، لما قامت مبادرة هذا الإصلاح، فقد أعلن الملك محمد السادس في خطاب 9 آذار/ مارس 2011 عن هذه الخطوة داعيًا إلى سبع وصايا من أهمها: "توسيع مجال الحريات الفردية والجماعية وضمان ممارستها، وتعزيز منظومة حقوق الإنسان[...] ولا سيما بدسترة التوصيات الوجيهة لهيئة الإنصاف والمصالحة، والارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة ودسترة حقوق الإنسان، وحماية الحريات"34. وهكذا تضمنت الوثيقة الدستورية المعدّلة العديد من المبادئ والقيم المقررة في المنظومة الحقوقية، بل إنها فصّلت ووسعت مجال الحقوق والحريات، بحيث تم تعزيز الأساسية منها، مع إضافة أخرى جديدة، خاصة تلك المتعلقة بالحماية من الانتهاكات الجسيمة والممنهجة لحقوق الإنسان، ومنها على الخصوص حماية السلامة الجسدية والمعنوية (الفصل 21)، وتجريم ممارسة التعذيب والمعاملة المهينة (الفصل 22)، والاعتقالات التعسفية (الفصل 23)،)35وضمان جميع أشكال حرية التعبير (الفصل.25 وبخصوص دور المؤسسات الدستورية في حماية الحقوق والحريات، تمت دسترة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وتحديد مهماته في إبداء الرأي حول مشاريع ومقترحات القوانين التي تدخل في نطاق الحقوق، واقتراح التعديلات عند الاقتضاء، ورصد الأوضاع الحقوقية الوطنية وتتبعها، وسلطة زيارة أماكن الاعتقال والمؤسسات السجنية، والمساهمة في تفعيل الآليات المنصوص عليها في المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، والتثقيف والإعلام في مجال حقوق الإنسان، وتلقي الشكاوى والالتماسات من الأفراد والمجموعات، وتتبع مدى التزام الحكومة بقراراته وتوصياته (أي المجلس)36.

  1. Collins, p. 17.
  2. Winter, p. 122.
  3. De Brito, Enriquez & Aguilar (eds.), p. 11.
  4. Collins, p. 22.
  5. خطاب الملك محمد السادس بمناسبة مشروع الدستور الجديد في 9 آذار/ مارس 2004، ينظر: "خطب صاحب الجلالة: نص الخطاب الملكي السامي إلى الأمة حول مشروع البوابة الوطنية للمغرب الدستور الجديد"،، 2013/3/26، شوهد في 2019/08/15، في: http://bit.do/fMV5T
  6. ينظر دستور المملكة المغربية في: "ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من الجريدة الرسمية شعبان 1432 29(يوليو 2011، العدد) بتنفيذ نص الدستور"، 9645 مكرر، 2011/7/30، شوهد في 2021/1/25، في https://bit.ly/3iJO4QU:
  7. ينظر: "المهمات والبرامج"، المجلس الوطني لحقوق الإنسان، شوهد في 2021/1/25، فh يttp://bit.ly/3a5mObT:

كما نص الدستور الجديد على ضمانات للحقوق، وذلك من خلال إدراج مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الوطنية، لكن ضمن حدود وقيود تجعل استيعابه لا يتم إلا في الحالات التي لا تتعارض فيها تلك الاتفاقيات مع أحكام الدستور والهوية الوطنية وقوانين المملكة، وتكون قد استوفت إجراءات التصديق أو الموافقة بحسب الجهة المختصة دستوريًا، ثم نشرت في الجريدة الرسمية37، وكذلك من خلال القضاء الدستوري، حيث تختص المحكمة الدستورية التي عوضت المجلس الدستوري بمنع صدور القوانين المخالفة للدستور في مادة الحقوق والحريات، بعد الإحالة الإجبارية عنها بالنسبة إلى القوانين التنظيمية، أو بعد الإحالة الاختيارية بالنسبة إلى القوانين العادية، إلى جانب دورها في الرقابة على حق المتقاضين في الدفع بعدم دستورية قانون، ومنع تطبيق القوانين الماسة بالحقوق التي يضمنها الدستور في نزاع معروض على المحكمة، غير أن المسطرة المنظمة لممارسة دعوى الدفع بعدم الدستورية لم تفعّل بعد38.

2. الإصلاحات التشريعية والمؤسسية ومدى استيفاء ضمانات عدم التكرار

للقانون دور بنائي في المراحل الانتقالية؛ ذلك أنه "في فترات الاضطرابات السياسية، تقدم الممارسات القانونية البديل الرائد من الاستجابات العنيفة للعقاب والانتقام"39. وقد تقاطعت الإصلاحات التشريعية مع إصلاح قطاع القضاء، الذي وإن كان يعود إلى الفترة 2003-1999، فإنه لم يكن بالنجاعة والفاعلية التي تضمن استقلاليته في ظل الدستور القديم، إلى أن جاء دستور 2011، الذي صار معه سلطة مستقلة، ما استوجب فصلها عن السلطة التنفيذية، بحيث استقلت النيابة العامة عن وزير العدل. وتعزيزًا لذلك، تم إصدار القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية سنة 2016 بهدف ضمان اح اررم الأخلاقيات القضائية، وتطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة وإشاعة ثقافة النزاهة وإصدار تقارير حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة. وعلى خلفية استدامة العدالة حتى تكون عدالة ما بعد المرحلة الانتقالية موثوقة، كانت هناك إصلاحات مرتبطة بالقضاء منها مراجعة القانون الجنائي والمسطرة الجنائية40، إضافة إلى مجموعة تعديلات مهمة مطروحة منها إمكانية حضور المحامي مع موكله أثناء مرحلة البحث التمهيدي ثم التسجيل السمعي البصري لجلسات الاستنطاق، لكن في المقابل كانت هناك تعديلات أخرى أدرجت ضمن القانون الجنائي، وكانت ضمن قانون الصحافة والنشر السابق، والسبب أن المغرب أصدر قانونًا جديدًا للصحافة خاليًا من العقوبات السالبة للحرية، ولكنها في الحقيقة لم تلغ، بل رحلت إلى القانون الجنائي فقط، حتى إنها صدرت في اليوم نفسه لصدور قانون الصحافة والنشر الجديد سنة.2016 وبغض النظر عن ذلك، فإن الاختلالات البنيوية المزمنة في مرفق القضاء تجعل عدم استقلاليته واقعًا غالبًا، فما يزال القضاء يُستخدم آليةً لضبط النضال الحقوقي، وما زال صنع القرار القضائي داخل أقبية الأجهزة السياسية والأمنية ممارسةً واردة. ويؤدي ذلك، مع ضعف جودة الأحكام القضائية، إلى هشاشة الأمن القضائي بالنظر إلى اهتزاز ثقة المغاربة بالقضاء، بحيث عبّ أكثر من نصفهم عن عدم ثقتهم به41، واعتبروا أن مبدأ الحصول على محاكمة عادلة لا يطبق42. وبما أن الشرطة القضائية تعدّ، إلى جانب النيابة العامة وقضاء التحقيق، أهم أجهزة العدالة الجنائية، فإن إصلاحات السياسة الجنائية لم تعالج إشكالية ازدواجية الصفة لدى جهاز الشرطة القضائية المكلف بالأبحاث والتحريات والتحقيقات، وهي العمليات التي ينبغي أن تحترم فيها ضمانات الحقوق؛ ذلك أن خضوع ضباط الشرطة القضائية ل "وصايتين إحداهما إدارية من خلال الخضوع لتعليمات رؤسائهم الإداري نن وكذا الإشراف على تدبير مسارهم المهني، وأخرى قضائية من خلال تعليمات النيابة العامة وقضاة، ما زال يفتح الباب بتمرير الاستراتيجيات الأمنية التحقيق"43، وذلك في عملهم المتعلق بإثبات الحقيقة التي تتطلبها المحاكمة العادلة. وفي علاقة النظام الشرطي بالعدالة، فإنه شُع في إصلاح قوانين الشرطة وعملها بهدف تدعيم كفاءتها وضمان مهنيتها، فمثل هذه

  1. نبيل زكاوي، "القانون الوطني والقانون الدولي لدى المشرع الدستوري المغربي "، مسالك في الفكر والسياسة والاقتصاد، العدد 46-45، السنة 13 2017()، ص.184
  2. القانون التنظيمي رقم 86.15 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون صدّقه المجلس الوزاري في 23 حزيران/ يونيو 2016، ولم يصدّقه مجلس النواب نهائيًا إلا في 6 شباط/ فبراير 2018، وبعد إحالته الإجبارية من طرف رئيس الحكومة
  3. Teitel, p. 104.
  4. مشروع قانون رقم 10.16 يقضي بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، أحيل على الغرفة الأولى للبرلمان (مجلس النواب) في 24 حزيران/ يونيو 2016، وفي 2 تموز/ يوليو 2019 أنهت اللجنة المختصة (العدل والتشريع) مناقشته التفصيلية، غير أن مسطرة تصديقه ما تزال متعثرة.
  5. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 41 المؤشر العربي   2018-2017: برنامج قياس الرأي العام العربي (الدوحة: أيار/ مايو 2018)، ص 67، شوهد في 2019/8/22، في: https://bit.ly/3aqR0jd 42 المرجع نفسه، ص.107
  6. على المحكمة الدستورية، قضت الأخيرة في قرارها رقم 0/187 م.د في 6 آذار/ مارس 2018 بعدم مطابقة بعض بنوده للدستور.
  7. هشام ملاطي، "السياسة الجنائية في علاقتها مع السياسات العمومية للدولة"، 43 المجلة المغربية للسياسات العمومية، العدد 22 (شتاء 2017)، ص.152

الإصلاحات لا يقدح في موضوعيتها أن تصبّ في اتجاه التطلعات الديمقراطية، أو أن ينجم عنها تضرر بقايا الاستبداد44، غير أنها اقتصرت على تعديل النظام الأساسي لرجال الأمن سنة 2010 في اتجاه رفع التعويضات الممنوحة لهم وتحسين شروط ترقياتهم، من دون ربط الأخيرة بفحص مدى احترام حقوق الإنسان كما صار معمولً به في الأرجنتين أحد البلدان الرائدة في مجال العدالة الانتقالية، ولم يكن ذلك بغريب عنها ما دامت قد وسعت نطاق الحقيقة بالوصول إلى ملفات الشرطة في لحظة التأسيس للعدالة الانتقالية. فعلى الرغم من شعار "الأمن المواطن" الذي ترفعه المديرية العامة للأمن الوطني، ما زال جهاز الشرطة يظهر بوصفه مرفقًا إداريًا أكثر منه خدماتيًا، وقوة عمومية أكثر من كون الأمن حقًا من حقوق الإنسان، ولذلك لم يتحقق الكثير في ما يخص السلوك اليومي لقوات الأمن، وكذا الإفلات من العقاب أمام تجاوزات عديدة النطاق للوظيفة الشرطية. ومن منطلق التداخل بين العدالة في الجانبين المدني والعسكري، وفي إطار توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة المتعلقة بالحكامة الأمنية، تم إصلاح قانون العدل العسكري، بحيث قضت التعديلات المدخلة عليه بإنهاء إمكانية محاكمة المواطنين المدنيين أمام القضاء العسكري، وإخراج جرائم الحق العام المرتكبة من طرف عسكريين وجرائم المسّ بأمن الدولة من اختصاصات المحكمة العسكرية والتقليص من حالات الحكم بالإعدام. وفي سياق إصلاح السياسة العقابية، باعتبارها فرعًا للسياسة الجنائية، تم تأسيس المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج سنة 2008 بعدما كانت مديرية تابعة لوزارة العدل، وبذلك أصبحت قطاعًا مستقلً وقائمًا بذاته ليضطلع بمهمة إصلاح واقع السجون، ويسعى إلى تغليب المقاربة الإدماجية والإصلاحية على المقاربة الأمنية، من خلال تطوير مفهوم المؤسسة السجنية ودورها الذي انتقل من مؤسسة عقابية قائمة على الردع إلى فضاء لتنفيذ العقوبات السالبة للحرية في احترام للحقوق الإنسانية للسجناء. ففي مجال الوقاية من التعذيب، انخرطت المندوبية العامة لإدارة السجون في الاستراتيجية الوطنية لمحاربة التعذيب تنزيلً للالتزام الدولي للمغرب في هذا الشأن، لكن ذلك لم يتجاوز سقف توجيه تعليمات ومذكرات تحضّ على تجنب تعذيب المعتقلين وإهانتهم من دون أن يقترن ذلك بإخضاع موظفي وحراس السجون لتدريبات في مجال المعايير الوطنية والدولية لحقوق الإنسان، وبإقامة نظام يكفل التحقيق في جميع مزاعم التعرض للتعذيب داخل المؤسسات العقابية، سواء من قبل إدارة السجون أو القضاء، ففضلً عن استمرار عدد من الأوضاع المزرية داخل السجون وهدر حقوق السجناء، تسجل بين الحين والآخر حالات تعذيب جدية، وذلك مثل ما تعرض له معتقلون على خلفية أحداث الريف من أشكال التعذيب النفسي والجسدي، التي وثقها تقرير مسرب للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، من دون أن يجد طريقه إلى النشر، حول 43 معتقلً شملتهم خبرة طبية45. وفي تقييم مدى ملاءمة السياسة الجنائية للاتفاقيات والآليات الدولية المرتبطة بنظام العدالة الجنائية، وتنفيذًا للفصلين 22 و 23 من دستور 2011، عزز المغرب تصديقه على الاتفاقيات الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان، بتصديقه سنة 2012 على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإخفاء القسري، وعلى البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب، وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة سنة 2013. غير أن هذا التصديق، في ظل تأخر اقتران الفعل بالممارسة، لا يمنح ضمانات كافية للتفعيل داخليًا، إذ لم يُستكمل بإحداث آلية وطنية للوقاية من التعذيب تضطلع بتلقي الشكايات من الأفراد والضحايا والتقصي وجمع المعلومات إلا في أيلول/ سبتمبر 2019، علمً أن هذه الآلية احتضنها المجلس الوطني لحقوق الإنسان وهذا ما طرح إشكالية استقلاليتها، كما أنها لا تزال في بداية اشتغالها، "إذ ينتظر أن تتلقى الكثير من الشكايات خاصة في ظل وجود 83 مؤسسة سجنية ومئات مراكز سلب الحرية، غير أن وتيرة اشتغالها ما تزال بطيئة، إذ لم تقم من نيسان/ أبريل 2020 حتى مطلع سنة 2021 سوى ب 11 زيارة، وهي الوتيرة التي لا تنسجم مع طابعها الوقائي"46. كما لم يصدّق المغرب بعد على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية رغم توقيعه إياه، في الوقت الذي يعد فيه هذا التصديق بمنزلة المعيار الذي يقيس رغبة الدولة في تحصين الحاضر والمستقبل ضد أي عودة إلى ماضي انتهاكات حقوق الإنسان. في الأخير بقي أن نشير، في مجال الإصلاحات التشريعية المرتبطة بالعدالة الانتقالية، إلى إصلاح قطاع الإعلام الذي بدأت المشاورات حوله منذ سنة 2003، لكن لم يتمّ إصدار قانون جديد للصحافة والنشر إلا في سنة 2016، بدعوى تعزيز ضمانات الحرية في الممارسة الصحفية، وجعل سلطة القضاء حصرية في قضايا الصحافة مع

  1. 46   " إدمين يكتب..كيف يروّض المجلسُ الوطني لحقوق الإنسان الوقايةَ من التعذيب "، فبراير.كوم، 2020/12/29، شوهد في 2020/12/31، في: http://bit.ly/2YzgjbE
  2. اليوم 24 ' ينشر مضامين تقرير اليزمي حول 'تعذيب' معتقلي الريف"، اليوم 24، 2017/7/4، شوهد في 2020/12/20، في https://bit.ly/3atrDNR:
  3. حليم أحمد الديب، "الوظيفة الشرطية وانعكاسات النظام السياسي عليها"، 44 مجلة الديمقراطية، العدد 06 (تشرين الأول/ أكتوبر 2015)، ص.20

تعزيز دوره في حماية حرية الصحافة، وذلك من خلال ادعاء إلغاء العقوبات السالبة للحرية من القانون السابق، في الوقت الذي تم ترحيلها إلى القانون الجنائي فقط، كما تمت الإشارة إليه من قبلُ، وهو ما جعل محاكمات صحافيين على منشوراتهم تستبعد تطبيق القانون الذي قيل عنه إنه متطور، والذي وُجد أصلً لتنظيم مجال اشتغالهم لصالح تطبيق القانون الجنائي، وذلك مثل محاكمة صحافيين في ما يتصل بتغطيتهم احتجاجات الريف47، ومتابعة آخرين حتى على نشرهم معلومات صحيحة بتهمة تسريب معطيات تتعلق بمداولات لجنة تقصي الحقائق البرلمانية حول صناديق المعاشات48. وهكذا بدا القانون الجديد للصحافة والنشر بلا فائدة أمام وجود مداخل لمتابعة المهنيين بمقتضيات من القانون الجنائي. وعلى العموم، فمضامين الإصلاح المؤسسي، المشار إليها هنا، لم تكن ممكنة لولا مكسب تعديل الدستور، الذي أسس لها من خلال دسترته لتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وهي الإصلاحات التي جعلت رهان دولة الحقوق ما يزال بعيد البلوغ. ففي الحصيلة "قامت المؤسسات ولم تقم العدالة، وكتبت النصوص القانونية الجميلة ولم يعلُ صوت القانون، وأ درجت حقوق الإنسان في المقرّرات المدرسية من دون أن تتوقّف المظالم اليومية والانتهاكات الصارخة، وابتُدعت ألفاظ رنانة بشأن العدالة ولم يغنم المواطن منها شيئًا"49، إذ إن تحقيق العدالة لا يعني فقط التحول في الخطاب الرافض لمسار سابق للحكم، وإنما الانتقال من آليات في ممارسة الحكم إلى آلية أخرى تحول مطلب العدالة من الفراغ إلى المضمون.

ثًالث ا: الاستبداد العائد: أمننة الحريات وتعطيل حكم القانون

إن التطبيع مع عدالة الفترة الانتقالية في الفترات العادية التي تليها لا يتحقق إلا في ظل سيادة حكم القانون، وعلى هذا الأساس نسجل أنه في مقابل بعض التجارب الناجحة المحدودة العدد التي استمرت فيها العدالة الانتقالية في الفترة ما بعد الانتقالية، هناك تجارب أخرى انقطعت فيها العدالة الانتقالية في الأوقات العادية. فلا يزال الماضي حاضرًا جدًا في هذه الأخيرة، حتى عندما لا يكون موجودًا في الساحة السياسية الرسمية، وبدرجات متفاوتة لا تزال هذه المجتمعات تعاني الصدمة، والخوف يبرز باستمرار وجود عالم موازٍ من الظلال50، إذ كيف يمكن الوثوق بنظام سياسي كان في مرحلة ما مجرمًا مَهمْا بدا قانونيًا على خلاف ذلك. ثم إن تجارب هذه البلدان في الحقيقة والعدالة لا يتم تذكّرها لإدانتها لظلم الأفراد، بل لأدوارها في إنشاء سجلات تاريخية دائمة لاستبداد الدولة. وبالنسبة إلى المغرب، في الوقت الذي صارت حركة حقوق الإنسان منظمة وموجهة قانونيًا، بحيث ناضلت في المرحلة الانتقالية من أجل إطلاق سراح السجناء السياسيين، وإغ قاا مراكز الاعتقال السرية، ووضع حدٍّ للإفلات من العقاب، ووضع نهاية للممارسات القمعية ضد الاحتجاجات السلمية، فإن استجابة الدولة في الفترة العادية لم تثمر سوى تغيير ضئيل، حيث غياب العدالة هو السمة الغالبة، فصار الانتقال هشًا، ما يؤشر في الحصيلة إلى افتقاد ما يسمى الأمن الديمقراطي. بل إن أحد مظاهر هشاشة الانتقال تزامن مع فترة تقدم عمل هيئة الإنصاف والمصالحة، وذلك مع تداعيات إصدار وتنزيل قانون مكافحة الإرهاب، بحيث بدا المغرب دولةً مترددة في إنجاح تجربته للعدالة الانتقالية، بالنظر إلى انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان تعرّض لها إسلاميون توبعوا في إطار القانون نفسه وكادت تعصف بصدقية دينامية العدالة في المرحلة الانتقالية؛ فكثير من المعتقلين في غوانتانامو "أفادوا أن عملاء وكالة الاستخبارات المركزية [الأميركية] حذروهم من أنهم سيرسلونهم إلى المغرب حيث يمارس التعذيب"51.

  1. منظمة العفو الدولية، 47 استعراض حالة حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2018 (لندن: منظمة العفو الدولية، 2019)، ص.67
  2. 50  De Brito, p. 156. 51  Osire Glacier, Universal Rights, Systemic Violations, and Cultural Relativism in Morocco , Valérie Martin (trans.) (New York: Palgrave Macmillan, 2013), p. 94.
  3. محمد الحداد، "جدلية العدالة والحرية في ضوء الثورات العربية: (الديمقراطية تبين، العدد 5 (تموز/ يوليو باعتبارها عدالة القرن الحادي والعشرين")، 2013)، ص.57
  4. محاكمة أربعة صحفيين مغاربة وبرلماني بسبب صناديق التقاعد"، 48 عربي 21   "،
  5. 2018/1/2، شوهد في 2019/7/4، في https://bit.ly/3mAiKV2:

ولم يتوقف الأمر عند هذا المستوى، بل توالت مظاهر أخرى لانحراف مسار العدالة الانتقالية بالمغرب بلغت حد ارتداد الانتقال، وقد بدا ذلك من خلال النهج الأمني للدولة في الأقاليم الصحراوية الجنوبية ضد من دُعوا بانفصاليي الداخل، بلغ مداه مع استخدام القوة العسكرية أداةً لفضّ تحركاتهم، ما جعل بعض المراقبين يجرؤ على القول إن "الوظيفة الأولى للجيش هي قمع المطالب الشعبية بالديمقراطية[...]وبالنسبة إلى أولئك الذين يعتقدون أن ممارسة نشر الجيش في شوارع المملكة تعود إلى الماضي، فإن العديد من الأحداث تثبت العكس. يظل استخدام القوات شبه العسكرية لإسكات المطالب الشعبية بإرساء الديمقراطية ممارسة حالية. في 7 حزيران/ يونيو 2008، نشرت الدولة أكثر من 4000 من ضباط الشرطة والقوات شبه العسكرية في مدينة سيدي إفني"52، وهو النهج نفسه مع اختلاف في حجم القوة الذي أبانت عنه الدولة في مواجهة احتجاجات مخيم "أكديم إزيك" بالعيون سنة 2010، خاصة أن الانفصاليين أنفسهم استخدموا العنف ضد القوات العمومية. وحتى بعد هدوء الأوضاع نسبيًا في الصحراء، فإن مثل هذه الأحداث أعطت رسالة مفادها أنه حينما تكون سيادة الدولة الداخلية على المحك فإنها مستعدة للتضحية باستحقاقات الدمقرطة في مرحلة ما بعد الانتقال، والتي سطرتها مخرجات العدالة الانتقالية؛ "ذلك أنه عندما تنشر الدولة جيشها داخل حدودها الوطنية، وضد مواطنيها، فهي تستخدم العنف لإعادة تأكيد قوتها الحاكمة"53. لم تنظر الدولة إلى الاحتجاجات بوصفها مظهرًا للحياة السوسيوسياسية، ولكن قد تعني لها في بعض الحالات مظهرًا من مظاهر الانفلات من النظام السياسي أو تمردًا على جميع مكونات النسق السياسي، خاصة حينما تتحول هذه الاحتجاجات إلى رياضة جماهيرية مع جيل الشباب الاحتجاجي الذي فقد الأمل في جدوى الوساطة السياسية54، ولذلك ظلت الدولة تنظر إلى الاحتجاجات على أنها مساس بأمنها. ففي ظل سياق سياسي متوتر ومحتقن، تستمر الدولة في مواجهة المطالب الاجتماعية بالعنف؛ ذلك أن حاضر قمع الأساتذة المتعاقدين وحراك الريف سنة 2016 ثم حراك جرادة سنة 2018، يبقي مسلسلً لمجموعة من أحداث الفض القمعي للاحتجاجات، انطلق حتى بعيد استحقاقات العدالة الانتقالية (أحداث صفرو سنة 2007، وأحداث تازة وأحداث بني بوعياش سنة 2012 التي وقعت بعد حراك 20 فبراير 2011، ما يعني - والحالة هذه - استمرار غياب القيود الداخلية على الاستخدام المفرط للقوة. وبدلً من أن يتحول جهاز الأمن إلى رافعة للانتقال الديمقراطي صار أداة داعمة للسلطة في مواجهة طموحات الجماهير السلمية نحو التغيير، إن لم نقل أداة قمع تكشر بها الدولة أحيانًا عن بعض أساليب البطش لتخويف وردع الحراكات الشعبية في استدعاء لاستراتيجية الصدمة والرعب المستمدة من الأدبيات العسكرية، وهي الأداة الفعالة التي تستند إليها السلطة لاستعادة تحكمها في زمام الأمور، وذلك كما تبدّى بالخصوص في مسار معالجتها حراك الريف الذي "كشف عن محورية المديرية العامة للأمن الوطني، وإدارة مراقبة التراب الوطني في تدبير ملف الحراك، على الرغم من كونهما مديريتين تابعتين لوزارة الداخلية، وهو ما جعل أصواتًا كثيرة تصف معالجة الملف بالمقاربة الأمنية، وأكد هذه المكانة المحورية لهذه المؤسسة 55 في الخطاب الملكي لعيد العرش" 29 حزيران/ يونيو.2017 غير أن استخدام العنف لا يعبّ عن سياسة قوة فحسب، بل عن سياسة غير ناجحة أيضًا، إذ إن استعمال القوة يعطي معنى نقيضًا للمطلوب منه، فبقدر ما يريد إعطاء الإحساس بالسيطرة والمنع يعطي معنى عكسيًا يتمثل في الارتجاف الأمني واهتراء الانتقال إلى الديمقراطية، خاصة حينما يتحول الوعد بالعدالة إلى وعيد بالملاحقات القضائية للمتظاهرين السلميين؛ فقد كشف التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية لسنة 2018 عن "مواصلة المحاكم المغربية إصدار أحكام بإدانة نشطاء إثر محاكمات فادحة الجور"، بعد أن قدمت السلطات "ما لا يقل عن 07 شخصًا للمحاكمة في ما يتصل بالاحتجاج السلمي"56، وأبرزهم ناصر الزفزافي متزعّم حراك الريف، الذي حوكم بعشرين سنة سجنًا نافذًا بعد متابعته بتهم ثقيلة منها "المسّ بأمن الدولة." كذلك تبدّى انتهاك حرية التعبير، التي هي مؤشر أساسي على أمان الديمقراطية في مرحلة ما بعد الانتقال، في ملاحقة صحافيين بمتابعات قضائية اعتبرت مسيّسة وتعسفية، حيث عاود التوتر بين السلطة الرابعة والدولة الظهور مع حالات لرموز من الصحافة المستقلة بدا فيها خطها التحريري غير مطاوع، وذلك مثل متابعة الصحافي رشيد نيني سنة 2011 والحكم عليه بسنة حبسًا نافذًا في إطار القانون الجنائي وليس قانون الصحافة، بتهمة "تحقير مقرر

  1. Ibid., p. 82.
  2. Ibid., p. 83.
  3. ثلثا المغاربة لا يثقون بالأحزاب السياسية، ينظر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، المؤشر العربي 2018-2017، ص.76
  4. عمر إحرشان، "حراك الريف: السياق والتفاعل والخصائص"، سياسات عربية، العدد 13 (آذار/ مارس 2018)، ص.74
  5. منظمة العفو الدولية، 56 استعراض حالة حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2018، ص.67-66

قضائي ومحاولة التأثير في القضاء، والتبليغ بوقائع إجرامية غير صحيحة"، وذلك على خلفية نشره مقالات رأي تنتقد "الاختلالات التي تشوب طرق عمل مؤسسات عمومية من بينها جهاز المخابرات، وتطالب بإلغاء قانون الإرهاب، وتتهم بعض المسؤولين بفبركة ملفات أمنية"57. ثم هناك إدانة الصحافي توفيق بوعشرين مؤخرًا بعقوبة سجنية حددت في اثنتي عشرة سنة، وذلك بعدما توبع بتهم "ارتكاب جنايات الاتجار بالبشر"، و"الاستغلال الجنسي"، و"هتك عرض بالعنف والاغتصاب ومحاولة الاغتصاب، والتحرش الجنسي"، و"استعمال وسائل للتصوير والتسجيل"، وهو الذي يوصف ب "أنه من الصحفيين المزعجين للسلطات المغربية، حيث تتضمن افتتاحياته مواقف ناقدة قوية"58. ويمكن اعتبار الطريقة التي اعتُقل بها، على غرار الزفزافي، وبغض النظر عن صكوك إدانتهما، بمنزلة تطبيق لحالة الاستثناء على المستوى الفردي عبر المجال العام بالنظر إلى ما عكسته من عودة إلى التوتر في العلاقة بين السلطة والقانون، وذلك نتيجة ارتكاب خروقات قانونية في مسطرة اعتقالهما، فهذه المفارقة بين وقائعية الاعتقال ومشروعيته جعلت السلطة في أزمة، إذ بدت داخل النظام القانوني وخارجه أيضًا في الوقت نفسه. ويشار إلى أن المتابعات القضائية لم تقتصر على الصحافيين المهنيين فحسب، وإنما نالت حتى من المواطنين الصحافيين، خاصة في ظل تنامي ظاهرة "الناشطية الإلكترونية" بواسطة وسائل "الإعلام البديل"، فقد صدرت ضدهم "أحكام بالسجن لمدد متفاوتة بسبب تعبيرهم عن آرائهم سلميًا عبر الإنترنت. واستخدمت النيابة العامة تهمً تتعلق بالأمن غير متناسبة وغير ملائمة، استنادًا إلى جرائم منصوص عليها في القانون الجنائي وقانون مكافحة الإرهاب"59. إن هجوم سلطات الدولة على الحقوق والحريات يوازيه كذلك هجومها على المدافعين عن حقوق الإنسان، وهو ليس في النهاية سوى اعتداء على حقوق الإنسان نفسها. ففي سياق التطورات السلبية الكثيرة التي حصلت منذ سنة 2013، وشكلت خلفية لما اعتبر بمنزلة "إغلاق قوس الربيع الدستوري المغربي"، نزعت السلطات بلا توجس إلى التضييق على الجمعيات والمنظمات الحقوقية، وذلك على خط نقيض مع الآمال التي رافقت دستور 2011 بآفاق توسيع هامش الحريات والحقوق. فبحسب معطيات قدمها عبد الرزاق بوغنبور، رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان في الندوة التي نظمتها الفدرالية المغربية لحقوق الإنسان حول الحقوق والحريات العامة في المغرب في 24 نيسان/ أبريل 2019، "فإن السلطات المغربية منعت أزيد من 253 نشاطًا للجمعيات الحقوقية منذ سنة 2014، في حين أن عدد فروع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وحدها، التي مُنعت من تسلم وصولات التأسيس أو التجديد، وصل إلى 53 فرعًا، والشيء ذاته بالنسبة إلى العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، التي لم تتسلم سبعة من فروعها وصلها النهائي"60. في نهاية المطاف، على الدولة أن تعي أنها إذ تنزلق إلى مثل هذا تعسف في مواجهة حق الاحتجاج السلمي وحرية الرأي والتعبير والتنظيم، فإن "الظلم، بكل مستوياته وأشكاله، لا يحقق مواطنة متساوية، بل يساهم في تدمير المنجزات وإضاعة المكاسب"61.

خاتمة

لقد تبين من خلال سرد حيثيات تجربة العدالة الانتقالية بالمغرب أن مقاربة هيئة الإنصاف والمصالحة مظالم حقوق الإنسان ظلت تجزيئية، وتفتقر إلى التكامل والشمولية، فقد ظهر فيها تنازل عن المعايير الدولية، وذلك حينما سعت إلى تسوية أضرار ملف انتهاكات حقوق الإنسان أكثر من بناء الحقيقة التي تتأسس عليها العدالة، إذ تم اختزال دور هيئة الإنصاف والمصالحة في العلاج أكثر من جمع المعلومات المؤدية إلى الحقيقة، غير أنه إذا كان التغاضي عن الحقيقة وجد مبرره بالنسبة إلى الهيئة في التركيز على المصالحة الاجتماعية وليس على المصالحة بين الأفراد، فإنه أضر بنظام العدالة الجنائية برمته في ظل سقوط ترتيب المسؤوليات الجنائية، إذ ظل باب الإفلات من العقاب مواربًا. فما كان يُنظر إليه في البداية على أنه عدالة انتقالية أو عدالة استئنافية للعدالة التقليدية ينبغي أن يصبح أمرًا طبيعيًا في مرحلة ما بعد الانتقال، فالمساءلة عن أنواع معينة من الأخطاء النظامية إذا طبقت على النحو المطلوب في وقت الانتقال، ستطبق بالتأكيد على نحو متزايد قبل أي تحول سياسي نهائي. إن تسييج التجربة المغربية للعدالة الانتقالية بشعار "العدالة بقدر ما هو ممكن" هو الذي جعلها في نهاية المطاف تجربة غير مكتملة،

  1. اعتقال مدير جريدة المساء المغربية"، 57 الجزيرة نت، 2011/4/29، شوهد في 2019/3/15، في https://bit.ly/3pfII25:
  2. محكمة مغربية تقضي بسجن الصحفي بوعشرين 12 الجزيرة نت عامًا"،، 2018/11/10، شوهد في 2019/7/1، في https://bit.ly/37xv9oz:
  3. منظمة العفو الدولية، 59 استعراض حالة حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2018، ص.66
  4. محمد الراجي، "حقوقيون يتخوفون من التضييق على الجمعيات والحريات في هسبريس المغرب"،، 2019/4/24، شوهد في 2019/7/6، في: https://bit.ly/3rcOzXF
  5. محمد محفوظ، الحرية والإصلاح في العالم العربي (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2005)، ص.147-146

ليس فقط لأنها شرعنت تغييب الحقيقة الكاملة لتوقيف العدالة الجنائية حتى استحالت إلى عدالة ضد العدالة، بل لكونها لم تكن بالزخم الكافي لتقود إلى إصلاح مؤسسي أوسع، حيث إن الإصلاحات التي تم استدماجها بموجب الانتقال لكي ترعى حقوق الإنسان، وتزرع ثقافتها في عقل الدولة الأمني والقضائي والتشريعي، لم تقطع مع ممارسات ما قبله حتى إن لم تكن هذه الأخيرة غير ممنهجة. وبحكم أن جوهر العدالة الانتقالية هو الديمقراطية، إذ العدالة بطبيعتها قواعد معيارية قانونية والانتقال في عمقه سياسي، ومنه تغدو العدالة في المرحلة ما بعد الانتقالية مرادفة للحد من "بؤر الاستبداد" القوية الثاوية في النظام القانوني، فإن المغرب، على الرغم من إظهاره نوعًا من الانتعاش الحقوقي، ما زال يضمر جيوبًا للظلم القانوني باعتباره عنوانًا عريضًا لغياب حكم وسيادة القانون، فالعدالة الجنائية تحتاج إلى تعديل والأمن إلى تأمين، وذلك خاصة في ظل سيولة النضال الديمقراطي في وقت لا تزال الاحتجاجات متواصلة بعد أن انطلقت في سنة 2011 وتطرح قضايا اجتماعية واقتصادية. يتبين أنه حتى بعد مرور أكثر من 16 سنة على استحقاق هيئة الإنصاف والمصالحة، فإن الطلب على العدالة الانتقالية في المغرب سيظل مستمرًا، لأن انتكاسة الإصلاحات التي تم تدشينها في سياقه تستدعي إجراءات جذرية لتصحيح المسار، على أن مطلب العدالة المنشودة ليس مشروعًا طوباويًا أو مستحيلً، وإنما هو مشروع لتقييد هيمنة الدولة بالقانون والعدل وتجذير ثقافة حقوق الإنسان في ضمير أجهزتها وسلوكها.

المراجع

العربية

إحرشان، عمر. "حراك الريف: السياق والتفاعل والخصائص." سياسات عربية. العدد 13 (آذار/ مارس.)2018 الحداد، محمد. "جدلية العدالة والحرية في ضوء الثورات العربية: (الديمقراطية باعتبارها عدالة القرن الحادي والعشرين.") تبين. العدد 5 (تموز/ يوليو.)2013 الديب، حليم أحمد. "الوظيفة الشرطية وانعكاسات النظام السياسي مجلة الديمقراطية. العدد عليها." 06 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2015 زكاوي، نبيل. "القانون الوطني والقانون الدولي لدى المشرع الدستوري المغربي." مسالك في الفكر والسياسة والاقتصاد. العدد 46-45، السنة 13.)2017("ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 29(يوليو الجريدة الرسمية 2011، العدد) بتنفيذ نص الدستور." 9645 مكرر. 2011/7/30 في https://bit.ly/3iJO4QU:. عبد اللطيف، كمال. "العدالة الانتقالية والتحولّات السياسية في المغرب: تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة." سياسات عربية. العدد 5 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2013

علي، خالد حنفي. "انحراف المسار: أنماط العدالة الانتقالية المنقوصة والانتقال الديمقراطي الهش." ملحق اتجاهات نظرية في تحليل السياسة مجلة السياسة الدولية. العدد الدولية. 194 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2013

محفوظ، محمد. الحرية والإصلاح في العالم العربي. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2005 مختار، أمل. "المنظور التكاملي: مناهج الإصلاح المؤسسي في مراحل التغيير السياسي." ملحق اتجاهات نظرية في تحليل السياسة الدولية. مجلة السياسة الدولية. العدد 194 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2013 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. المؤشر العربي: 2018-2017 برنامج قياس الرأي العام العربي (الدوحة: أيار/ مايو 2018.) في: https://bit.ly/3aqR0jd ملاطي، هشام. "السياسة الجنائية في علاقتها مع السياسات العمومية المجلة المغربية للسياسات العمومية. العدد للدولة." 22 (شتاء.)2017 منظمة العفو الدولية. الوعد الضائع: " هيئة الإنصاف والمصالحة" ومتابعة أعمالها. لندن: مطبوعات منظمة العفو الدولية،.2010

________. استعراض حالة حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2018. لندن: منظمة العفو الدولية،.2019

الأجنبية

Collins, Cath. Post-transitional Justice: Human Rights Trials in Chile and El Salvador. University Park, PA: Pennsylvania State University Press, 2010. De Brito, Alexandra Barahon, Carmen Gonzalez Enriquez & Paloma Aguilar (eds.). The Politics of Memory: Transitional Justice in Democratizing Societies. Series Oxford Studies in Democratization. New York: Oxford University Press, 2001. Glacier, Osire. Universal Rights, Systemic Violations, and Cultural Relativism in Morocco. Valérie Martin (trans.). New York: Palgrave Macmillan, 2013. Hayner, Priscilla B. Unspeakable Truths: Transitional Justice and the Challenge of Truth Commissions. 2 nd ed. London/ New York: Routledge, 2011. Nickson, Ray & Alice Neikirk. Managing Transitional Justice: Expectations of International Criminal Trials. Series Palgrave Studies in Compromise after Conflict. Cham, Switzerland: Palgrave Macmillan, 2018. Roht-Arriaza, Naomi & Javier Mariezcurrena (eds.). Transitional Justice in Twenty-First Century: Beyond Truth Versus Justice. Cambridge, NY: Cambridge University Press, 2006. Storm, Lise. Democratization in Morocco: The Political Elite and Struggles for Power in the Post-independence State. London/ New York: Routledge, 2007. Szablewska, Natalia & Sascha-Dominik Bachmann (eds.). Current Issues in Transitional Justice: Towards a More Holistic Approach. Springer Series in Transitional Justice 4. Cham, Switzerland: Springer International Publishing, 2015. Teitel, Ruti G. Globalizing Transitional Justice: Contemporary Essays. New York: Oxford University Press, 2014. Winter, Stephen. Transitional Justice in Established Democracies: A Political Theory. London: Palgrave Macmillan, 2014.