العدالة الانتقالية في ليبيا
الملخّص
كلمات مفتاحية: ليبيا، العزل السياسي، العدالة الانتقالية، هيئة تقصي الحقائق. Transitional justice in Libya is the key to stability of state and society. Under the previous regime, many Libyans' rights were violated. The regime's collapse only exacerbated these violations, in addition to bringing about the country's social and cultural disintegration. The very exceptional nature of the Libyan state complicated efforts to establish a transitional justice system in post-revolution Libya. Successive governments since the revolution have failed to exercise control over security. This paper deals with transitional justice in three sections. The first reviews Libyan legislation since the 17 February 2011 revolution. The second analyzes reasons for the failure of legislative efforts to implement an integrated program of transitional justice. The third outlines short- and medium-term requirements for implementing a transitional justice program. Keywords: Libya , Political Isolation, Transitional Justice, Fact-Finding Body.
تشريعات عدة بلا مردود في الواقع
Transitional Justice in Libya
In Real Terms, Useless Statutes
تكتسي العدالة الانتقالية أهمية بالغة في الحالة الليبية، بوصفها مفتاح الاستقرار للدولة والمجتمع. فالنظام السابق انتهك حقوق كثير من الليبيين. وقد تسبب انهيار النظام إلى جانب التفتت الاجتماعي والثقافي في تفاقم هذه الانتهاكات. وعق د الواقع الاستثنائي للدولة الليبية مساعي إنشاء منظومة للعدالة الانتقالية في ليبيا بعد الثورة؛ فقد فشلت الحكومات المتعاقبة بعدها في إحكام سيطرتها على الأوضاع الأمنية. تعالج الدراسة هذا الموضوع في ثلاثة أقسام. يستعرض القسم الأول التشريعات المختلفة المتصلة بالعدالة الانتقالية في ليبيا منذ ثورة 17 فبراير 2011. ويحلل القسم الثاني الأسباب التي أدت إلى فشل الجهود التشريعية في تفعيل برنامج متكامل للعدالة الانتقالية. أما القسم الثالث، فيستشرف المتطلبات اللازمة لتطبيق برنامج العدالة الانتقالية في الأمدين القصير والمتوسط.
مقدمة
عانى الليبيون، أفرادًا وجماعات، انتهاكات ممنهجة لحقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، خلال حقبة العقيد معمر القذافي. وتسبب الانهيار السريع للنظام مع نشوب الثورة، إلى جانب التفتت الاجتماعي والثقافي، في الكثير من المظالم المجتمعية1. وعقّد الواقع الاستثنائي للدولة الليبية، بعد عقود من هيمنة القذافي، جهود إنشاء منظومة للعدالة الانتقالية في ليبيا بعد الثورة؛ فلم تقتصر انتهاكات حقوق الإنسان على فترة حكم النظام السابق، إنما تبعها العديد من الانتهاكات التي يرقى معظمها إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية خلال الحرب الأهلية وبعد إطاحة النظام. ويضاف إلى ذلك مشكلة الميليشيات والجماعات المسلحة؛ ما عرقل جهود نزع السلاح وتحقيق العدالة والمحاسبة. يفاقم كل ذلك فشل الحكومات المتعاقبة منذ الثورة في إحكام سيطرتها على الأوضاع الأمنية، علاوة على تورّط جهات تابعة لها في عدد من الانتهاكات، بما في ذلك استمرار الاعتقالات والاحتجاز غير القانوني والتعذيب والقتل خارج القانون. ليست ليبيا فريدة في ذلك بين الدول؛ فمنذ تسعينيات القرن الماضي، شهد العالم سلسلةً من عمليات الانتقال السياسي. وكافح من خلال هذه العمليات، وما يسبقها ويرافقها من إشكالات، الأفراد والدول للتغلب على تركة ثقيلة، "تراوح من الاغتصاب والعنف المنزلي، إلى الفظائع الجماعية للحروب القذرة والإبادة الجماعية والصراعات العرقية التي ترعاها الدولة"2. وكما أشارت روتي تيتال بحق، فأحد الأسئلة المحورية في أوقات الحراك السياسي للتخلص من الحكم الاستبدادي هو: كيف يجب أن تتعامل المجتمعات مع ماضيها بكل شروره؟ ويسلّط هذا السؤال الضوء على تساؤلات أخرى، كلها تؤكد حقيقة أن تعامل الدولة مع مآسيها الماضية يؤثر تأثيرًا بالغًا في مستقبلها. فكيف يمكن إيجاد التفاهم الاجتماعي بشأن نظام جديد يرتكز على سيادة القانون؟ وما التحركات القانونية التي لها أهمية في تغير شكل المجتمع والدولة وجوهرهما؟ وما علاقة تعامل الدولة مع ميراثها من القمع وآفاق إيجاد نظام ليبرالي؟3 لكل ذلك، للعدالة الانتقالية أهمية قصوى في الحالة الليبية؛ فهي مفتاح استقرار الدولة الليبية. كما أن التجربة الليبية ذات قيمة استثنائية بالنسبة إلى برامج العدالة الانتقالية في مرحلة ما بعد الصراع في المنطقة في دول مثل اليمن وسورية. وتلفت دراسة العدالة الانتقالية في ليبيا إلى الأسئلة التالية: هل إصدار القوانين هو الوسيلة الأشد ملاءمةً لإنجاز تحقيق العدالة الانتقالية؟ وهل يضمن إصدار تشريع للعدالة الانتقالية إنهاء القتل والصراع والتشريد والاعتقال التعسفي؟ وما النماذج المختلفة للعدالة الانتقالية التي طُبّقت في ليبيا؟ ولماذا فشلت تشريعات العدالة الانتقالية في تحقيق نتائج إيجابية خلال السنوات السبع الماضية؟ أيعود الفشل إلى قصور في التشريعات ذاتها، أم إلى عدم توافر الشروط الموضوعية لتطبيقها، أم إلى الأمرين معًا؟ ونختم بعرض احتمالات تنفيذ خطة شاملة للعدالة الانتقالية في الأمدين القصير والمتوسط. تحاول الدراسة الإجابة عن هذه الأسئلة، من خلال ثلاثة مباحث: يعرض الأول التشريعات المختلفة المتصلة بالعدالة الانتقالية في ليبيا منذ نشوب ثورة 17 فبراير. ويحلّل الثاني الأسباب التي أدّت إلى فشل الجهود التشريعية في تفعيل برنامج متكامل للعدالة الانتقالية. أما الثالث، فيستشرف المتطلبات اللازمة لتطبيق برنامج العدالة الانتقالية في الأمدين القصير والمتوسط.
أولا: تشريعات العدالة الانتقالية
إذا كانت بعض الدول قد عانت ندرة التشريعات المتعلقة بالعدالة الانتقالية، فإن متتبع السجل التشريعي في ليبيا سيلاحظ حالةً من التخمة التشريعية التي تمثلت في صدور الكثير من الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات ذات العلاقة المباشرة بمسار العدالة الانتقالية؛ فمنذ اندلاع الثورة، صدرت سلسلة من التشريعات
المتصلة بالعدالة الانتقالية4، منها على سبيل المثال (بحسب تاريخ صدورها)5: قانون رقم 5 لسنة 2011 بشأن إنشاء المجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان. قانون رقم 16 لسنة 2012 بإضافة بعض الأحكام إلى القانون رقم 10 لسنة 2012 بشأن صرف مبلغ مالي للأسر الليبية. قانون رقم 17 لسنة 2012 بشأن إرساء قواعد المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية. قانون رقم 35 لسنة 2012 بشأن العفو عن بعض الجرائم. قانون رقم 37 لسنة 2012 بشأن تجريم تمجيد الطاغية (تم إلغاؤه.) قانون رقم 41 لسنة 2012 المنقح للقانون رقم 17 لسنة 2012 بشأن إرساء قواعد المصالحة والعدالة في ليبيا. قانون رقم 05 لسنة 2012 بشأن تعويض السجناء السياسيين. قانون رقم 15 لسنة 2012 بتعديل حكم في القانون 35 لسنة 2012 بشأن العفو عن بعض الجرائم. قانون رقم 25 لسنة 2012 بشأن وضع ضوابط تقلّد بعض لغي بطعن دستوري رقم الوظائف (أ 16 لسنة 95 قضائية.) قانون رقم 63 لسنة 2012 بإنشاء هيئة مكافحة الفساد. قانون رقم 10 لسنة 2013 م في شأن تجريم التعذيب والإخفاء القسري والتمييز. قانون رقم 13 لسنة 2013 بشأن العزل السياسي والإداري. قانون رقم 29 لسنة 2013 بشأن العدالة الانتقالية. قانون رقم 1 لسنة 2014 بشأن رعاية أسر الشهداء والمفقودين بثورة 17 فبراير. قانون العفو العام رقم 6 لسنة.2015 بالطبع، إلقاء الضوء على كل هذه التشريعات أمر تنوء به مساحة هذه الدراسة، لذلك نُفرد هنا ببعض التفصيل أهم هذه القوانين. كان أول التشريعات المتعلقة بالعدالة الانتقالية القانون رقم 17 لسنة 2012 بشأن إرساء قواعد المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية الذي تضمّن 18 مادة، في فصلين: يبدأ الأول بتعريف العدالة الانتقالية (المادة الأولى)، باعتبارها "مجموعة من الإجراءات التشريعية والقضائية والإدارية والاجتماعية التي تعالج ما حدث خلال فترة النظام السابق في ليبيا وما قامت به الدولة من انتهاكات لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية والعمل على إصلاح ذات البين بالطرق الودّية بين بعض فئات المجتمع"، ويبدو التحديد الزمني غير واضح؛ إذ جاء في المادة الثانية: "تسري أحكام هذا القانون على الوقائع التي حدثت منذ 1 سبتمبر 1969، إلى حين تحقق الأهداف المرجوّة من هذا القانون ولا تسري على الأشخاص الذين أتموا الصلح في ظل النظام السابق كما لا تسري على المنازعات التي صدرت بشأنها أحكام قضائية تم تنفيذها." ثم يعرّج القانون في المادة الثالثة على تحديد الأهداف المرجوّة من تطبيق القانون على مستوى الفرد والمجتمع6. خُصّص الفصل الثاني لهيئة تقصّ الحقائق والمصالحة، حيث نصّت المادة الرابعة منه على أن "تنشأ هيئة وطنية تسمّى هيئة تقصّ الحقائق والمصالحة تتبع المجلس الوطني الانتقالي المؤقت مقرّها مدينة طرابلس ويكون لها الشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة." وأقرّت المادة 14 مبدأ التعويض المادي والمعنوي لكل من تضرّر بسبب جرائم النظام السابق. ولكن لم يطبّق هذا القانون، ولم تصدر اللائحة التنفيذية، ولم تُستكمل الهياكل الإدارية لتطبيقه. عقب ذلك، أصدر المجلس الوطني الانتقالي في غرة أيار/ مايو 2012 القانون رقم 35 بشأن العفو عن بعض الجرائم. ونصّ القانون على العفو عن الجرائم المرتكبة قبل دخوله حيّز النفاذ وانقضاء الدعاوى الجنائية بشأنها وإسقاط العقوبات المحكوم بها والآثار الجنائية المترتبة عليها متى توافرت الشروط التالية: في جرائم اختلاس المال العام، يُشترط ردّ الأموال المختلسة.
التصالح مع المجني عليه، أو وليّه، أو عفو وليّ الدم بحسب الأحوال. تسليم المحكوم عليه أو المتهم الأشياءَ والأسلحة والأدوات المستعملة في ارتكاب الجريمة. إعلان التوبة أمام دائرة الجنايات المختصة. نص القانون أيضًا على استبعاد طائفة من الجرائم من نطاق العفو، وهي: الجرائم التي ارتكبها أفراد من أسرة القذافي وأصهاره وأعوانه7. جرائم الحدود متى رفعت إلى القضاء. جرائم الخطف والتعذيب والمواقعة بالقوة. جرائم جلب المخدرات والمؤثرات العقلية والاتجار بها. جرائم تسميم المياه أو المواد الغذائية والاتجار بالأغذية والأدوية الفاسدة. لضمان عدم عودة المشمولين بالعفو إلى الولوج في الجريمة، نصّ القانون في مادّته الثالثة على أن يسقط العفو عن الأشخاص المشمولين به حال ارتكابهم جرائم قصدية خلال خمس سنوات من تاريخ نفاذ القانون8. ولضمان الحيدة، نصّ القانون في مادته الرابعة على دور القضاء في البتّ في المسائل التي تُثار بصدد تطبيق أحكام هذا القانون وفقًا للقواعد العامة. ومن الإيجابي أيضًا ما نصّت عليه المادة الخامسة: "لا تخلّ أحكام هذا القانون بحق المتضرر في الرد والتعويض." على النقيض من فكرة العفو، سُنَّت تشريعات تعاقب أنصار النظام السابق. فتم إصدار القانون رقم 13 لسنة 2013 بشأن العزل السياسي والإداري، الذي أقصى كل من شغل مناصب ذات مكانة في ظل نظام القذافي من تولي أي مناصب سياسية وسيادية مدة عشر سنوات. وتوسّع القانون كثيرًا في تحديد هذه الفئات، بما تجاوز التجارب الدولية في هذا الصدد، وجاء هذا العزل غير محدد المدة وشمل جملة واسعة من الوظائف9. وأحدث هذا القانون انقسامًا عميقًا في المجتمع، حيث شطره قسمين: منتصر، له كل الحقوق، ومهزوم ليس له أي حقوق؛ ما عمّق الصراع السياسي والعسكري، وقلّص فرص نجاح برنامج متكامل للعدالة الانتقالية10، وبخاصة أن هذا القانون صدر تحت تهديد السلاح من الجماعات المسلحة التي سيطرت على المؤتمر الوطني بعد محاصرة وزارتَ العدل والخارجية واقتحامهما، ليضع معايير غامضة لاستبعاد خصوم سياسيين من الوظائف العامة مدة عشر سنوات. وفي غياب القواعد والمعايير الواضحة، فهو قانون يعاقب بالعزل السياسي بعض من شغل مناصب سياسية إبان نظام القذافي، بصورة انتقائية، ومن دون أن يرتكن إلى معيار موضوعي وبالمخالفة لمبدأ المساواة أمام القانون، خاصة بعد أن فشل واضعوه في إقرار آلية لتطبيقه. كما استحدث القانون عقوبة عن وقائع سابقة على صدوره بالمخالفة لقاعدة عدم رجعية العقوبات، كما أسس الجزاء على مجرد صفات وحالات لا على أفعال محددة. وينتهك القانون الضمانات المتعلقة بحقوق الفرد المدنية والسياسية وأهم ضمانات حقوق الإنسان، كضمان حقه في الدفاع، وحقه في عدم توقيع العقاب عليه من دون جريمة مثبتة؛ فيحرم من يطبق عليه هذا القانون من أبسط حقوقه الدستورية، وهو حق التحقيق معه وإصدار حكم قضائي من محكمة قبل إصدار أي عقوبات ضده. كما يهدد هذا القانون بمزيد من الإضعاف للدولة الليبية، باستبعاده الكثير من الكوادر الوطنية المؤهلة. ومن شأن الاستناد إلى هذا القانون تكريس المفاضلة بين الليبيين على معايير فضفاضة، لا تسمح ببناء دولة على أساس حقوق الإنسان والمواطنة11.
إضافة إلى هذا التضارب في تبني مبدأَي العفو والعقاب، عانى معظم التشريعات المتصلة بالعدالة الانتقالية في ليبيا سيادة مفهوم تغلّب المنتصر. وأصدر المجلس الوطني الانتقالي تشريعًا جديدًا رقم 83 لسنة 2012 بشأن بعض الإجراءات الخاصة بالمرحلة الانتقالية12، لكن هذا القانون عزز مفهوم الإفلات من العقاب والمحاسبة لمن ارتكب انتهاكات؛ فقد ورد في نص المادة الرابعة منه: "لا عقاب على ما استلزمت ثورة السابع عشر من فبراير من عمليات عسكرية أو أمنية أو مدنية قام بها الثوار بهدف إنجاح الثورة وحمايتها." وبدا هذا القانون لكثير من أنصار النظام السابق مثالً للعدالة الانتقامية وليس الانتقالية. ثم بعد انتهاء ولاية المجلس الوطني وانتخاب المؤتمر الوطني العام، أصدر الأخير القانون رقم 29 لسنة 2013 بشأن العدالة الانتقالية، وهو قانون شامل، يبدأ بتعريف مفهوم العدالة الانتقالية. يتألف هذا القانون من 43 مادة. أهم ما تضمنه يتمثل في الآتي: تسري أحكام القانون طبقًا للمادة الثالثة منه على الفترة بين 1 أيلول/ سبتمبر 1969 ونهاية الفترة الانتقالية التي حددها القانون بانتخاب المجلس التشريعي بناء على الدستور الدائم. وبناء على ذلك، يكون نافذًا حتى كتابة هذه السطور لعدم اعتماد مشروع الدستور في استفتاء شعبي، ومن ثمّ تعذّر استكمال مؤسسات الدولة المنبثقة عنه، ومنها المجلس التشريعي. يسعى القانون لتحقيق عدد من الأهداف، أبرزها: الاعتراف القانوني بعدالة "ثورة السابع عشر من فبراير" والإقرار بفساد العهد السابق وطغيانه وتجريمه، والحفاظ على السلم الأهلي، وردع انتهاكات حقوق الإنسان، وتحديد مسؤوليات أجهزة الدولة عن انتهاكات حقوق الإنسان، وتوثيق الوقائع موضوع العدالة الانتقالية، وتعويض الضحايا والمتضررين، وفحص المؤسسات. وسّع هذا التشريع تعريف مفهوم العدالة الانتقالية، فجعله يشمل الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها الثوار أو المقاتلون تحت راية المجلس الوطني الانتقالي أو غيره من السلطات الأخرى. وبذلك، لم يقتصر القانون على معالجة انتهاكات النظام السابق. وجاء هذا التطور المحمود لتلافي الانتقادات بشأن إغفال التشريعات السابقة التعامل مع الانتهاكات التي واكبت الثورة وتلتها، حيث أشار القانون إلى أن مفهوم العدالة الانتقالية يشمل: أولً مواقف وأعمالً أدّت إلى شرخ في النسيج الاجتماعي، وثانيًا أعمالً كانت ضرورية لتحصين الثورة، شابها بعض السلوك غير الملتزم بمبادئها. نص القانون على تأسيس هيئة تقصّ الحقائق والمصالحة ملحقة بالبرلمان، تختص بتقصّ الحقائق حول انتهاكات حقوق الإنسان في الفترة التي حددها القانون، والتحقيق فيها والتوصية بخصوص ما يلزم اتخاذه إزاءها، بما في ذلك الإحالة إلى القضاء للنظر فيها. يُلزم القانون الهيئة بتقديم تقرير شامل يتضمن تفاصيل ما حققت فيه من وقائع، وما توصلت إليه من نتائج، بما في ذلك تحديد المسؤولية عن تلك الوقائع، وكذا تفاصيل ما بذلته من جهود لتحقيق المصالحة بين أطراف النزاعات، وأخيرًا، توصياتها بما يلزم اتخاذه من إجراءات إزاء ما تعرّضت له من وقائع. وتعقد الهيئة جلسات علنية لمباشرة تحقيقاتها، إلّ في حال قررت جعل بعضها سريًا لدواعي الأمن أو الآداب العامة، وأعطى القانون الهيئة أولوية التحقيق في الوقائع على القضاء، فلا يجوز أن ينظر القضاء في منازعات معروضة عليها حتى تفرغ من تحقيقاتها بخصوصها، وإن عُرضت عليها منازعات ينظر القضاء فيها، وجب وقف نظر القضاء فيها. أشار القانون إلى إنشاء هيئة متخصصة في فحص مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية والعسكرية والمالية (إضافة إلى كل أجهزة الدولة التي يصدر بتحديدها قرار من مجلس الوزراء.) ومنح القانون هيئة فحص المؤسسات صلاحية إحالة ما تنظر فيه من وقائع إلى التأديب أو النيابة العامة أو مجلس الوزراء لاتخاذ ما يلزم بخصوصها. استحدث القانون صندوق تعويض الضحايا، وتحدد لائحة تنفيذية يصدرها مجلس الوزراء، مقدار التعويضات وطرائق دفعها. كما يقصر مشروع القانون النظر في القضايا ذات الصلة على المحاكم الجنائية المدنية، ويلغي بذلك اختصاص المحاكم العسكرية في النظر في الجرائم التي يُتّهم بها عسكريون، أو ارتكبت لأغراض سياسية أو عسكرية. وتصدّى القانون لمشكلة منح الجنسية لعدد من الأفراد التي واكبت وتلت انتفاضة ثورة فبراير، حيث نص على تشكيل لجنة قانونية لمراجعة قرارات منح الجنسية13. على الرغم من أن هذا القانون جاء أكثر شمولً من سابقيه وحوى العديد من ركائز العدالة الانتقالية المستفادة من التجارب المقارنة، فإنه لم يطبق في الواقع؛ فالقانون لم تصدر لائحته التنفيذية، ولم
يجد طريقه إلى التطبيق14، ومن الواضح أن الحكومات المتعاقبة استنزفت جهدها ووقتها في التعامل مع إشكالات التشرذم السياسي وغياب الأمن والمشكلات بين القبائل والأعراق المختلفة، فضلً عن توفير الحاجات الأساسية للمواطنين، ومن ثمّ تراجع الاهتمام بتطبيق قوانين العدالة الانتقالية المختلفة إلى آخر الأولويات.
ثانيًا: أسباب فشل قوانين العدالة الانتقالية
هناك أسباب عدة لفشل مشروعات العدالة الانتقالية في ليبيا، بعضها يرتبط بتعثّ عملية الانتقال السياسي لمرحلة ما بعد الصراع بصورة عامة، وبعضها الآخر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتشريعات العدالة الانتقالية ذاتها. فنجاح الانتقال السياسي مطلب ضروري، وإن لم يكن كافيًا، لتوافر فرص نجاح العدالة الانتقالية. ولكن العدالة الانتقالية في ليبيا لم تكن جزءًا من عملية متكاملة لبناء سلام15. وفي المبحث الأول نؤطر للأثر السلبي لتعثر عملية الانتقال السياسي في العدالة الانتقالية، ثم نعرض في المبحث الثاني المطاعن المتعددة على التشريع في مجال العدالة الانتقالية، ومن ذلك غياب الاستراتيجيات والتخطيط التشريعي، وضعف الحوار الفعال بين أطراف العملية التشريعية، إضافة إلى تدني مستوى الصياغة التشريعية وجودتها. فمن جهة، فاقمت معطيات الحالة الليبية من تركة كبرى من الانتهاكات والمظالم إبان حكم نظام دكتاتوري مستبد، صادَر الحياة السياسية وأضعف المؤسسات، بالتأكيد، من تعقيد ملفات العدالة الانتقالية وصعوبتها. ومن جهة أخرى، تزيد الحالة القبلية المتجذرة في ليبيا، التي تعادي القانون والمساواة بين المواطنين، والنزاعات الجهوية التي تغذّي الفكر المحلي الضيق، والمصالح الخاصة على حساب فكرة الدولة، بدورها، حدّة تعرّض ليبيا لمخاطر الانقسام. يضاف إلى ذلك الانفلات الخطر في الوضع الأمني وانتشار السلاح والميليشيات خارج إطار الشرعية16، وضعف بنية المجتمع المدني وحداثة مكوّناته، وهشاشة أجهزة الدولة ومؤسساتها؛ ما يجعل هذه المؤسسات غير قادرة على القيام بوظائفها بفاعلية وكفاءة17. كما أدّى انقسام دول الجوار والقوى الدولية إلى تعميق الصراع السياسي والعسكري وامتداده. وأفاد تقرير حديث عن المجلس الأوروبي للعلاقات الدولية بأن "دور الدول الأجنبية في الحرب الأهلية في ليبيا كان غامضًا، لكنه مهم للغاية. كانت التدخلات المصممة لخدمة المصالح السياسية أو الإقليمية للدول الأجنبية سمة ثابتة من سمات الخلاف والنزاعات في البلاد بعد الثورة"18. كما أن فشل الأمم المتحدة، وبقية المنظمات الإقليمية والدولية، في معالجة الانقسامات السياسية والاجتماعية قد تسبب في وأد مبادرات العدالة الانتقالية. إضافة إلى كل ذلك، عرقلت التركيبة المجتمعية القبلية والعِرقية عملية المصالحة الوطنية؛ فالبنية المجتمعية الليبية في معظمها قبلية. وأدّت القبائل دورًا مهمً في الثورة الليبية19. لقد ورثت الثورة الليبية عقودًا من سياسة "فرّق تسد" التي رعاها نظام القذافي بغرض ضمان السيطرة على المجتمع. وعمّقت التحزّبات القبلية إبان الثورة الانقسام المجتمعي، وأدّت إلى شروخ عميقة في الجسد الليبي، عاقت عملية الانتقال السياسي وتطبيق قوانين العدالة الانتقالية التي نُظر إليها باعتبارها موجّهةً إلى مصلحة قبائل بعينها ضد أخرى. واستطاع القذافي إيجاد عداوات بين بعض القبائل والمناطق ما زالت قائمة. وتحوّلت في بعض الأحيان إلى اشتباكات ومعارك خلال الثورة وبعدها20، وأصبحت
هناك مدن أو قبائل مؤيدة وأخرى معارضة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: النزاع بين مدينة زوارة ذات الأغلبية الأمازيغية وجيرانها من العرب في مدينتي الجميل ورقدالين، والخصومة المستعرة بين مدينتَي مصراتة وتاورغاء، والصراع بين قبائل مدينة الزاوية وجيرانهم من قبائل ورشفانة، والحرب بين قبائل أولاد سليمان وقبائل القذاذفة21. كما تُعدّ الفوضى الأمنية من أبرز الإشكالات التي عوّقت عملية التحول بعد إسقاط النظام. فأحد الأخطار الرئيسة والمستمرة في المجتمع الليبي، في عصر ما بعد القذافي، هو التوافر الهائل للأسلحة من كل الأنواع: الخفيف والمتوسط والثقيل، وتوظيف الميليشيات هذه الترسانة لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية؛ إذ ما إن تم القضاء على العدو المشترك، نظام القذافي، حتى بدأت المجموعات المسلحة في التناحر، على نحو أثار قضايا أمنية معقدة. ويظل انتشار السلاح وتداوله بين جميع الليبيين على امتداد خريطة الوطن، هاجسًا أمنيًا مخيفًا، يقلق الكثيرين ويقف حجر عثرة أمام جهود بناء الدولة، فضلً عن مبادرات المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية. وما يزيد الأمر تعقيدًا هو تركز هذا السلاح، بكميات كبيرة، في أيدي ميليشيات ذات نزعات قبلية أو دينية لا تخضع للسلطات المركزية وترتبط بعلاقات وثيقة بأنظمة وأجهزة استخبارات خارجية. لذلك، فإن عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وثيقة الارتباط بتمهيد السبل لتطبيق آليات العدالة الانتقالية. وعلى الرغم من مضي عدد من السنين، فإن الميليشيات والجماعات المسلحة توحّشت وزادت سيطرتها، ليس في الريف والمدن الصغرى فحسب، إنما في الحواضر الكبرى أيضًا، وعلى رأسها العاصمة طرابلس22. وقد فاقم ذلك قصور البناء المؤسسي للدولة الليبية؛ إذ كان النظام السابق قد أضعف كفاءة مؤسسات الدولة الليبية وفاعليتها. فعلى امتداد نحو أربعين عامًا، همّش القذافي مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية لمصلحة ما عُرف باللجان الثورية، بهدف ضمان السيطرة الكاملة على الدولة والمجتمع. والسلطة القضائية من أهم المؤسسات التي تم إضعافها؛ إذ عملت السلطة على إدماج مؤسسات غير قضائية، مثل المحاماة العامة، في السلطة القضائية، بغرض ضمان خضوع القضاء والقضاة للسلطة. وتضاعف هذا الاهتراء بعد إسقاط النظام، من خلال فوضى السلاح والميليشيات التي انضم إليها العديد من عتاة المجرمين. وغدا كثير من القضاة والمدّعين العامين والمحامين يخشون العمل في غياب نظام قادر على حمايتهم. وتعرّض كثيرون منهم إلى التهديد، بل إن المجرمين أنفسهم الذين تم الحكم عليهم اغتالوا وخطفوا قضاةً وأعضاء النيابة. وأدّى ذلك إلى عدم قدرة الجهاز القضائي على القيام بمهماته، بخاصة أن مختلف انتهاكات حقوق الإنسان زادت بصورة مخيفة: من الإخفاء القسري والاعتقال التعسفي والقتل تحت التعذيب والاغتيال والخطف والتدمير الواسع للممتلكات العامة والخاصة، والأعداد الهائلة للاجئين والنازحين والمهجرين حصيلة التهجير القسري والسجون والمعتقلات خارج سلطة الدولة23. على الرغم من مرور نحو عشر سنوات على ثورة 17 فبراير، فإن الانقسام السياسي والمؤسسي لا يزال موجودًا. وكان لاستمرار هذا الانقسام أكبر الأثر في إحباط أي جهد لتفعيل العدالة الانتقالية. وساهم فوز حزب التحالف الوطني في انتخابات عام 2014، وعدم قبول بعض الأطراف الأخرى التسليم بنتائجها، في توافر أسباب بنيوية عميقة للتنافر والتشرذم، ومن ثم في مزيد من الانقسام بين الليبيين. هذا الانقسام الذي بدأ سياسيًا وأيديولوجيًا سرعان ما تحوّل إلى انقسام مادي جغرافي. وترتب على كل ذلك وجود هوّة سياسية عميقة ما زالت تشكل مصدرًا للتنافر الحادّ، ونشأت منه ثنائيات ذات دلالة على تشظّي حال الليبيين وتبعثرها. وهو ما جسّده تسيير البلاد بجهازين تشريعيين وتنفيذيين متنافسين، برلمان وحكومة مستقلة في الشرق الليبي، تؤازرها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، يقابلها حكومة الوفاق الوطني في طرابلس الغرب، يقودها رئيس المجلس الرئاسي المنبثق عن اتفاق الصخيرات فائز السراج، وتدعمها تشكيلات عسكرية مختلفة. ويتبع ذلك انقسام في أغلبية مؤسسات الدولة العامة. وتداخلت في نطاقهما ليس السياسة والأيديولوجيا فحسب، إنما أيضًا المصالح والأجندات السياسية والأمنية والاقتصادية، المحلية منها والخارجية. ويعتبر هذا الانقسام من أشد وأخطر التحديات التي تواجه مسيرة المصالحة والعدالة الانتقالية في ليبيا. فسيادة
الدولة على كامل ترابها الوطني مطلب لازم لتفعيل أي تشريع، فما بالك بقوانين ذات أهمية بالغة كالعدالة الانتقالية. من الإنصاف الإشارة في هذا السياق إلى أن مرجع الفشل لم يكن أسبابًا وطنية فحسب، بل توافر عدد من المؤثرات الدولية والإقليمية عاق عملية إعادة الاستقرار. ولم تقم الأمم المتحدة بدورها كما ينبغي في ليبيا؛ إذ على الرغم من الجهود الكبرى لبعض منسوبي البعثة، فإن المنظمة الدولية لم تستطع مساعدة الليبيين في الخروج من أزمتهم الخانقة. ويعكس ذلك بصورة أساسية تنازع القوى الدولية والإقليمية وعدم قدرتها على الاتفاق على تسوية للصراع24، كما يعكس من جهة أخرى القصور في عمل بعثة المنظمة في ليبيا. وتتابع على قيادة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا UNSMIL أربعة أشخاص، لكل منهم رؤية مختلفة بشأن سبل تسوية الصراع، ولم تتح المدة القصيرة لأي منهم الفرصة لاستيعاب تفاصيل الأزمة الليبية وتطوير أسلوب متكامل للعلاج وتنفيذه على أرض الواقع25. كما أن اختيار اثنين من رؤساء البعثة لا يتقنان العربية، صعّب من مهمتهما كثيرًا، وينطبق الأمر نفسه على العديد من أعضاء البعثة في الدرجات الأدنى. كما أن الانحيازات السياسية لبرناردينو ليون الممثل الخاص ورئيس البعثة، قد ألقت غيومًا كثيرة من الشك حول حياد بعثة المنظمة26. إضافة إلى ذلك، أثّرت انحيازات القوى الإقليمية والدولية السياسية، سلبيًا، وعلى نحوٍ بالغ، في احتمالات الحل في ليبيا؛ إذ ساندت مجموعة من الدول أطرافًا بعينها، إما لتحقيق أهداف إقليمية، وإما نكاية بقوى إقليمية ودولية أخرى. وأدى هذا إلى تحويل الساحة الليبية إلى ساحة حرب بالوكالة؛ ما عاق سبل التسوية السياسية والمصالحة الشاملة. ولم تكتف بعض الدول بالمقاربات الإعلامية والمالية فحسب لمواجهة التغيير الثوري في ليبيا، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بتقديم الدعم والعتاد العسكري في الصراع القائم بين قوى سياسية وعسكرية ليبية إلى طرف دون آخر؛ ما أدّى إلى مزيد من الاضطرابات العنيفة والفوضى السياسية والأمنية. ساعدت مصر والإمارات العربية المتحدة حفتر وحكومة مجلس النواب بغرض إضعاف قوى الإسلام السياسي التي تهيمن على المؤتمر الوطني العام، حيث ترى القاهرة وأبوظبي ومعها الرياض أن هذه القوى هي ألد أعداء مشروعها الإقليمي في المنطقة. وفي المقابل، قدّمت الدوحة وإسطنبول مساعدات ملموسة للجانب الآخر. والأمر نفسه في ما يتعلق بالقوى الأوروبية، حيث دعمت فرنسا حفتر، بينما ساعدت إيطاليا حكومة الوفاق الوطني في طرابلس. وأكثر من ذلك، ذهب الدعم الإماراتي والمصري إلى حد مشاركة طائرات إماراتية ومصرية في قصف مواقع للقوات المناوئة لحكومة طبرق في العاصمة طرابلس، في آب/ أغسطس 2014، ولا يزال هذا الدعم مستمرًا حتى لحظة كتابة هذه السطور؛ إذ تشير تقارير عدة إلى دعم إقليمي ودولي لجهود حفتر في بسط سيطرته على العاصمة الليبية. هناك أيضًا عوامل أخرى لفشل مبادرات العدالة الانتقالية؛ فتعثر الانتقال السياسي ليس السبب الوحيد، بل إن تشريعات العدالة الانتقالية جاءت معيبةً، صنعًا وصياغة وتنفيذًا. فالتشريع بصفة عامة عانى منذ ثورة فبراير العديد من المثالب، وأصبح أداة سياسية مفتوحة للتلاعب والارتجال وفقًا لأهواء سياسية وعقائدية؛ ففي حين يميل المؤتمر الوطني وقوى الإسلام السياسي إلى انتهاج منهج يفرض قطيعة تامة مع نظام القذافي، انتهج مجلس النواب والتيار المدني منهجًا أكثر تصالحية. وتجلّ هذا التضارب في الرؤى والمفاهيم في تشريعات العدالة الانتقالية المختلفة التي أصدرتها هذه المؤسسات المتعاقبة. أصدر المجلس الانتقالي القانون رقم 35 لسنة 2012 بشأن العفو عن بعض الجرائم المرتكبة من الثوار، والقانون رقم 83 لسنة 2012 بشأن بعض الإجراءات الخاصة بالمرحلة الانتقالية. وأصدر المؤتمر الوطني العام القانون 29 لسنة 2013 بشأن العدالة الانتقالية، كما أصدر مجلس النواب الليبي قانونًا للعفو العام في 9 أيلول/ سبتمبر 2015، وجميعها قوانين حوت نصوصها أحكامًا بالعفو، على الرغم من أن قرار مجلس الأمن 1970، في 26 شباط/ فبراير 2011، تم بمقتضاه إحالة الوضع في ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية والدعوة إلى ضرورة تعاون السلطات الليبية مع المدعي العام، إلى جانب إقرار حظر السفر للأشخاص المدرجة أسماؤهم في القرار نفسه، وعددهم ستة عشر، من بينهم أفراد عائلة القذافي وبعض المسؤولين والمتورطين في ارتكاب جرائم، وتجميد أصولهم المالية ومواردهم الاقتصادية. كما لم يتعرض القانون رقم 17 لسنة 2012 للملاحقات القضائية، على الرغم من أنها أساس آليات العدالة الانتقالية، وجرى تدارك
الإشارة إلى الملاحقات في القانون رقم 29، حيث نُصّ عليها في المادة:4 "المحاسبة على انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت تحت غطاء الدولة أو إحدى مؤسساتها أو الأفراد الذين يتصرفون بالاستمداد منها." نلاحظ أن عبارات النص غامضة، تقبل عدة تأويلات، وتفتح بابًا واسعًا للتجريم والمحاكمات الجماعية، ما قد يحوّلها إلى عدالة انتقامية إلى حدٍ بعيد. وتقصر هذه التشريعات، وهيئة تقصّ الحقائق التي أنشأتها، الانتهاكات الجسيمة على فترة نظام القذافي، ومن ثمّ تستبعد الانتهاكات التي وقعت من غير النظام السابق، والتي رصدتها ووثّقتها المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية ومنظمة الأمم المتحدة والمنصوص عليها في بعض القرارات الأممية. ما يعزّز عدالة انتقامية وانتقائية ويقوض مفهوم العدالة الانتقالية ومسارها. كما أن نظرة أنصار النظام السابق العامة إلى مجمل الجهود التشريعية في مجال العدالة الانتقالية غاية في السلبية. وجاءت هذه المبادرات التشريعية للانتقام وتدعيم هيمنة المنتصر في الصراع، وليست لتحقيق العدالة التي ترسّخ وحدة المجتمع في الحاضر والمستقبل وتجسّدها27. ففي اعتقاد بعض الناس أنه جرى تحويل سلام المنتصر إلى عدالة المنتصر؛ فلم يتم ربط نظام العزل السياسي بعملية المصالحة السياسية. وعلى العكس، يضع القانون نمطًا من المساءلة في مرحلة ما بعد الصراع في ليبيا من الانتقام والعدالة الأحادية الجانب الموجهة إلى أولئك المرتبطين بالنظام المهزوم28. على هذا النحو، زاد حجم الانقسامات داخل البلاد. وأثر ذلك في فرص نجاح برنامج العدالة الانتقالية. إضافة إلى ذلك، فإن فلسفة التشريع في مجال العدالة الانتقالية في ليبيا قد شابتها العديد من المثالب. فكل القوانين السابقة على القانون رقم 29 لسنة 2013 كانت منقوصة، تشمل بعض مناحي العدالة الانتقالية وتُغفل مناحي أخرى عدة. أما هذا الأخير، فعانى عددًا من الإشكاليات التي عاقت تطبيقه، أهمها: صدر القانون على عجل، من دون تبين توجه الرأي العام، ولم تتناوله وسائل الإعلام، ولم تقدّمه للمجتمع تقديمًا كافيًا؛ ما قوّى الاعتقاد أن القانون كان نتاج ضغط الميليشيات المسلحة على أعضاء المؤتمر. وما دعم هذا التوجه أنه لم يتم إشراك مؤسسات المجتمع المدني وضحايا الانتهاكات في السابق وفي أثناء الثورة في الحوار حول هذا القانون لإبداء وجهة نظرهم فيه، والمساهمة في اقتراح سن بعض نصوصه29. لم يوفَّق المشرع في تسميته للقانون حينما قدّم المصالحة الوطنية على مصطلح العدالة الانتقالية. وسبّب لغطًا كبيرًا لدى قطاعات واسعة من الرأي العام؛ فقد ارتبط في أذهانهم أن هذا القانون يعني العفو والصفح وعدم القصاص ممن قتل وعذّب واغتصب. وكان لهذا عظيم الأثر في افتقاد القانون منذ ولادته التأييد الشعبي اللازم لنجاح تطبيق أي تشريع للعدالة الانتقالية. تراخى المشرع، لاعتبارات عدة، في تفعيل هيئة تقصّ الحقائق التي أنشئت بموجب القانون وتخصيص المقارّ والموارد البشرية اللازمة لعملها. كان تشكيل هيئة تقصّ الحقائق معيبًا؛ فكل أعضائها من القضاة العاملين والمتقاعدين. وكان من المفترض أن يكون ضمن تشكيلها كفاءات من تخصصات في علم السياسة والنفس والاجتماع وغيرها. فالقضاة لا يملكون الخلفيات المهنية اللازمة ليقودوا بمفردهم عمليات العدالة الانتقالية، كما أن طبيعة العمل القضائي ربما لا تكون الأشد ملاءمة لتطبيق آليات العدالة الانتقالية. يبدو أن دور الضحايا في عمل الهيئة كان قاصرًا إلى حدٍ بعيد، فالضحايا مذكورون في هذا القانون إلّ في ما يتعلق بالتعويض. وهذا بلا شك سيجعل عمل الهيئة يشبه العملية القضائية، كما أن هذا الوضع لا يتيح مجالً كافيًا لدراسة إرث انتهاكات حقوق الإنسان والتمعّن فيها، من خلال جلسات استماع علنية، وإيجاد مساحة للضحايا للتعبير عن آرائهم. جاء تطبيق القانون مبتورًا، وكان مصيره مثل غيره من القوانين من حيث التطبيق الفعلي على الأرض، فلم تنشر نتائج التحقيقات، على الرغم من تشكيل هيئة تقصي الحقائق، وعمدت السلطة التشريعية إلى أن تفرغه من محتواه من خلال إصدار تشريعات موازية، يفترض أن تكون في صلب عمل العدالة الانتقالية، سواء كانت هذه القوانين قبل صدوره ومهدت لإفشاله، أم بعد صدوره فأفرغته من محتواه.
أثارت بعض مواد القانون جدلً كبيرًا لم ينته حتى الآن. فمثلً، أثارت المادة المتعلقة بمرجعية منح الجنسيات الكثير من الإشكالات للأقليات العرقية، وبخاصة الطوارق والتبو. فالمدافعون عن هذا النص يشيرون إلى أن النظام السابق منح جمعًا غفيرًا من المرتزقة غير الليبيين الجنسية؛ بهدف اجتذابهم للقتال في صفوفه، ولذلك فإن سحب الجنسية هو تصحيح لقرار غير مشروع. أما قادة الطوارق والتبو، فدافعوا عن أن من حصل على أوراق الجنسية مع اندلاع الثورة وبعدها هم ليبيون أقحاح، منعهم النظام السابق سنين عدة من الحصول على أوراق ثبوتية. وخلاصة ما حصل هو تصحيح وضع خاطئ. وكان الخلاف الذي وسّعته هذه المادة سببًا رئيسًا في إعاقة عمل الهيئة التأسيسية في صياغة الدستور.
ثًالث ا: فرص تحقيق العدالة الانتقالية في ليبيا
يشير معظم دارسي العدالة الانتقالية إلى أنها في الأصل والأساس عملية سياسية تقوم على تضافر جهود الساسة وبيروقراطية الدولة، وبخاصة المؤسستين القضائية والأمنية وناشطي المجتمع المدني، فضلً عن دعم المنظمات غير الحكومية والمجتمع الدولي. ونرى أن تحقيق عدالة انتقالية ناجزة وشاملة في ليبيا يتوقف على توافر مجموعة من الاشتراطات والتوافقات على الأرض الليبية، وبين القوى الإقليمية والدولية الفاعلة على الساحة الليبية. ويمكن القول بوجوب توافر أربعة متطلّبات لنجاح العدالة الانتقالية: الأول هو نظام دستوري مستقر يُعلي من شأن العدالة الانتقالية، والثاني هو توحيد مؤسسات الدولة، أما الثالث فهو إنجاز مجموعة من المصالحات على الأرض، وأخيرًا إنجاز إجماع وطني حول البرنامج الأمثل للعدالة الانتقالية. يبدو المتطلب الأول، نظريًا، قريبًا من التحقيق؛ فبعد جهود شاقة، تمكّنت الهيئة التأسيسية من إنجاز مشروع الدستور واستيفاء المتطلبات العصيّة لاعتماده30. وما يبقى هو توافر الإرادة السياسية لإنجاز الاستفتاء واعتماد الدستور. وجاءت المسوّدة النهائية لمشروع الدستور31 مقتصرةً على مادة واحدة قصيرة نسبيًا، ضمن مواد الباب الحادي عشر – الأحكام الانتقالية؛ فنصّت المادة 181 على: 1". تلتزم الدولة تطبيق تدابير العدالة الانتقالية؛ ويصدر قانون ينظم كشف الحقيقة وتعويض الأضرار والمساءلة والمحاسبة وفحص المؤسسات. 2. تنشأ هيأة للعدالة الانتقالية والمصالحة، يحدّد القانون تكوينها، بما يضمن تمثيل مكوّنات المجتمع الليبي والحياد والاستقلال والكفاية ومدة عملها؛ وتتولّ تصميم وتنفيذ برامج العدالة الانتقالية في إطار المصالحة الوطنية الشاملة." وإضافة إلى هذه المادة، هناك العديد من المواد التي ترتبط ارتباطًا لصيقًا بالعدالة الانتقالية. ومن ذلك نص المادة 36 المعنونة "الجرائم ضد الإنسانية"، التي تحظر صور السلوك كافة التي تشكل جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية والإرهاب. ونصّت المادة نفسها على أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، ولا يجوز العفو عنها. وربما يُغلّ هذا النص الأخير يد هيئة العدالة الانتقالية في ممارسة العفو وفتح صفحة جديدة. وكذلك من المواد اللصيقة بالعدالة الانتقالية أيضًا المادة 16، حق التقاضي، التي تكفل حق جميع المواطنين في اللجوء إلى القضاء، والحق في المحاكمة العادلة أمام القاضي الطبيعي، وعدم تحصين أي تشريع أو قرار إداري من رقابة القضاء، "ولا أن يستبعد من الولاية القضائية أي سلوك ضار بالحقوق والحريات أو مهدّد لها." وكذلك المادة 26 التي توفر مجموعة أخرى من الضمانات، كالنص على أن الأصل في الإنسان البراءة، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته، ولا عقوبة إلّ بقانون، و"لا عقوبة سالبة للحرية في المخالفات، ولا عقاب، إلّ على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون، والعقوبة شخصية متناسبة مع الجريمة ومرتكبها." وكذلك المادة 182 المعنونة "إعادة الإعمار"، التي نصّت على أن "تلتزم الدولة إعطاء الأولوية في
برامجها لإعادة إعمار المدن والقرى المتضررة من العمليات الحربية والنزاعات المسلحة؛ وفق موجبات الاستعجال، وبما يراعي مقتضيات التنمية في مختلف أنحاء البلاد، وتضع الدولة الآليات اللازمة لذلك." ومن المهم الإشارة إلى أن مشروع الدستور لم يتبن مبدأ العزل السياسي لأنصار النظام السابق في إطار حرص الآباء المؤسسين على تقديم وثيقة تجمع الليبيبن ولا تفرّقهم. يتبع استكمال البنيان الدستوري إنهاء الانقسام السياسي على الأرض. فتمهيد السبل للعدالة الانتقالية يقتضي توحيد مؤسسات الدولة، وبخاصة المؤسسات السيادية الثلاث من جيش وشرطة وقضاء؛ فسيئد تشرذم المؤسسات وتوحش الميليشيات حال استمراره محاولات تطبيق العدالة الانتقالية كلها. ويتطلّب إرساء العدالة الانتقالية، إلى جانب توافر الإرادة السياسية، تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، لإعادة البناء ودفع عملية المصالحة وتكريس دولة الحق والقانون. فلا وجود لعدالة انتقالية في غياب الأمن والسلم. ولا يمكن تصور تفعيل القضاء ما لم تُحكم الدولة سيطرتها الأمنية؛ فلا يمكن تصور مباشرة المحاكم عملها، وليس هناك ما يضمن سلامة القضاة وحمايتهم وتنفيذ الأحكام. ويتطلّب ذلك جهودًا حثيثة لتغيير الوقائع المتعلقة بالجماعات المسلحة على الأرض الليبية. فما يوجد على الأرض في الحقيقة هي كتائب ومجموعات مسلحة، ينضوي بعضها، شكليًا، إلى أجهزة رسمية، كوزارتَ الدفاع والداخلية. لكن هذه الرابطة في الغالب شكلية للحصول على الشرعية، أما من الناحية الواقعية فلا سيطرة فعلية لأجهزة الدولة على هذه الكتائب والتشكيلات المسلحة32. بعد ذلك، يتطلّب إنجاز برنامج متكامل للعدالة الانتقالية تحقيق مصالحات متعددة: سياسية واجتماعية واقتصادية وإثنية. ونعني مصالحة سياسية، بين أنصار الثورة وأنصار القذافي، تضمن التئام اللحمة الوطنية التي فرقتها التحزبات السياسية العنيفة؛ وكذلك مصالحة اجتماعية بين قبائل أو مدن حدثت بينها حروب وتقاتل خلال فترة الانتفاضة وما بعدها، وما صاحب ذلك من تهجير ونزوح، بما يضمن القضاء نهائيًا وبصورة متكاملة على الانشقاقات في الجسد الليبي؛ ومصالحة اقتصادية بين الفئات المحرومة من الثروة والسلطة ومن استحوذ عليها من النخبة، سواء إبان حكم القذافي أم بعد الثورة، ومن المفترض أن تشمل تلك المصالحة استرجاع الخزانة العامة للأصول التي تم الاستحواذ عليها بطريقة غير مشروعة، بما يضمن قدرة الدولة على تعويض أشد الفئات احتياجًا؛ ومصالحة إثنية بين الجماعات المختلفة من عرب وأمازيغ وطوارق وتبو وغيرهم من الجماعات الإثنية على الأرض الليبية، بما يضمن رفع الظلم وتحقيق مبادئ المواطنة والمساواة بين المواطنين. إن إدراج الجماعات القبلية والدينية والإثنية شرط ضروري لإعادة التوحيد والعدالة. يتلو ذلك استحضار الإرادة السياسية المدركة أهمية العدالة الانتقالية في تحقيق الاستقرار للدولة والمجتمع. فصدور التشريعات والقوانين لايكفي، ما دامت الدولة لم تسخّر كل طاقاتها لنفاذ المسار الانتقالي. ويتلو ذلك بناء اتفاق وطني حول العدالة الانتقالية وأهميتها للفرد والجماعة والمجتمع، وتأكيد أهمية المشاركة المجتمعية الواجب توافرها في الصيغة النهائية للمشروع. ويجب عدم إغفال الطبيعة التشاركية لقوانين العدالة الانتقالية؛ إذ يجب أن يتشارك الجميع في صنعها، لتكون حصيلة مناقشات وطنية معمقة؛ باعتبار أن أي مشروع للعدالة الانتقالية يجب أن يكون مشروعًا وطنيًا جامعًا. لذلك قبل أن تصاغ في شكل قانون يفرض من السلطة التشريعية، لا بد من أن تنظر فيه شرائح المجتمع كافة، ومناقشته من خلال منظمات المجتمع المدني وروابط الضحايا وأسرهم والناشطين والمهتمين وعلماء النفس والاجتماع وغيرهم، لبحثه، ومن ثم تقرير آلياته وفقًا لخصوصية الحالة الليبية. كما يجب استقطاب شيوخ القبائل والعلماء والقادة المحليين وصناع الرأي العام لشرح فكرة العدالة الانتقالية وأهدافها وآلياتها للرأي العام. فلشيوخ القبائل والأعيان دورٌ ومكانة في المجتمع الليبي، بخاصة خارج المدن الكبرى. كما يؤدي الدين دورًا مهمً في حياة الليبيين جميعًا، ويستطيع العلماء المساعدة في اجتذاب تأييد قطاعات عريضة من المجتمع. ومن المهم أيضًا الحصول على تأييد أساتذة الجامعات والكتّاب ورجال الإعلام المرئي والمسموع والمقروء؛ ذلك أن غياب تأييد هؤلاء كان من أسباب فشل مشروعات العدالة الانتقالية خلال الأعوام الماضية. أما من حيث تطبيق آليات العدالة الانتقالية، فينبغي تأكيد أن العدالة الانتقالية هي منظومة متكاملة، ولذلك يجب وضع الضوابط الخاصة بكل عنصر من عناصر هذه المنظومة بما لا يتناقض مع أهداف المنظومة ككل، أو مع غيرها من العناصر. فمثلً، ينبغي أن تتوافر
للجان الحقيقة الاستقلالية الكاملة، وهذا ما يمكن أن يأتي من خلال مراعاة مشاركة المجتمع المدني في تشكيلها بنسبة معتبرة. وأن تختار منظمات المجتمع المدني ممثليها في هذه اللجان باستقلال، وأن ينص القانون على نصاب أدنى لآلية اتخاذ القرار، يمنع تحييد دور ممثلي المجتمع المدني فيها. وكذلك توفير مصادر تمويل يضمنها القانون، ولا تتعلق بموافقات جهات إدارية. وأن يترك لهذه اللجان تنظيم قواعد العمل الداخلية الخاصة بها. وأن يُلزمها القانون بالشفافية التامة والعلانية في كل إجراءاتها، عدا ظروف الضرورة لحماية حقوق المتعاملين معها. كما يجب أن يلزمها القانون بنشر نتائج أعمالها مباشرة، ولا يكتفى بأن تقدم تقاريرها إلى جهة تنفيذية أو نيابية أو قضائية فحسب. وكذلك أن ينص القانون على سبل واضحة لتطوير النتائج التي تصل إليها هذه اللجان إلى إجراءات عملية، سواء بالإحالة إلى القضاء أم تقرير تعويضات، وغير ذلك. ويضمن هذا السبيل إلزام جهات الدولة المعنية بتنفيذ هذه الإجراءات ويرتب عقوبات رادعة في حالة امتناعها عن ذلك. كما ينبغي أن يكون للجان الحقيقة أولوية التحقيق في الشكاوى والمنازعات والمطالبات والدعاوى المتصلة بمنظومة العدالة الانتقالية والمتعلقة بالانتهاكات والجرائم موضع بحثها، وأن تختص المحاكم المدنية، دون غيرها، في النظر في كل الدعاوى المتعلقة بالانتهاكات والجرائم التي يمتد إليها نطاق منظومة العدالة الانتقالية، بغض النظر عن صفة مرتكبها أو ظروف وقوعها التي قد تستدعي خلاف ذلك. ويقترح أن يتم توفير آلية لمراقبة مسار التحقيقات التكميلية التي تجريها النيابة العامة أو قضاة تحقيق وإجراءات المحاكمة من خلال ممثلين للجان الحقيقة وللمجتمع المدني وتوفير آلية للنظر في ما يرفعه هؤلاء من ملاحظات أو شكاوى من هيئة قضائية أعلى يمكنها التدخل لتصويب مسار التحقيقات أو المحاكمة عند الحاجة. أما في ما يتعلق بالتعويضات وسبل جبر ال ررر، فيكون تقدير التعويضات المادية والمعنوية وغيرها من سبل جبر الضرر الواقع على ضحايا الانتهاكات أو ذويهم مسؤولية لجان الحقيقة أو هيئة مستقلة تنشأ لهذا الغرض. ويكون ما تقرره لجان الحقيقة أو الهيئة المستقلة من تعويضات وغيرها من إجراءات موضع تنفيذ بذاته، من دون الحاجة إلى موافقة أو اعتماد أي جهة تنفيذية أو تشريعية أو قضائية، وعلى أن تلتزم السلطة التنفيذية بتدبير المتطلبات المالية المطلوبة لهذا الغرض وتضمينها في موازنة الدولة العامة. كما يجب النص على إنشاء هيئة مستقلة، يتوافر فيها تمثيل شعبي وتمثيل لمنظمات المجتمع المدني، بهدف وضع خطط إصلاح وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة اللصيقة ببرنامج العدالة الانتقالية. ويلزم تعيين الآجال الزمنية لتنفيذها، وبحث دعاوى الفساد المالي والإداري بها، وتحديد ما يلزم من إجراءات بخصوصها، بما في ذلك الإحالة إلى النيابة العامة أو التأديب الإداري. كما يجب النص على أن تختص هذه الهيئة باقتراح مشروعات القوانين اللازمة لتحقيق أهدافها وتمنح صلاحية رفعها إلى السلطة التشريعية مباشرة. كما تكون قرارات الهيئة، بخلاف اقتراحات مشروعات القوانين، ملزمة للجهات الإدارية بذاتها، من دون الحاجة إلى موافقة السلطة التنفيذية أو التشريعية، ويعاقب القانون من يمتنع عن تنفيذ هذه القرارات. ختامًا، نشير إلى أن توافر هذه المتطلبات سيمهّد الطريق لإنجاز برنامج ناجح ومتكامل للعدالة الانتقالية، يكون بداية لدولة ليبية موحدة ومستقرة وديمقراطية تعلي حكم القانون. ففي ظل تفاقم الصراع وتعاظم الجرائم وشمولها، لا يمكن تصور تحقيق الاستقرار السياسي والمجتمعي من دون ضمان تأييد المواطنين لبرنامج شامل من أجل طيّ صفحة الماضي وإجراءات مفعلة لضمان عدم تكرار هذه الجرائم في ظل مؤسسات الدولة الجديدة. وإذا ما أفلحت ليبيا في تنفيذ برنامج العدالة الانتقالية، فإن النموذج الليبي يمكن أن يكون نبراسًا يحتذيه العديد من دول المنطقة في مرحلة ما بعد الصراع.
المراجع
العربية
احميدة، علي عبد اللطيف. دولة ما بعد الاستعمار والتحولات الاجتماعية في ليبيا. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012. الكوت، البشير علي. "فرص تحقيق العدالة الانتقالية والمحاكمة العادلة في ليبيا في ظل التحولات الراهنة." مجلة الاجتهاد القضائي. السنة 8. العدد 13 (كانون الأول/ ديسمبر.)2016 مجموعة الأزمات الدولية. "استعادة الأمم المتحدة لقيادتها لعملية السلام في ليبيا.":2017/9/18. في https://bit.ly/38iytEj مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بالتعاون مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. تجاوزات خلف القضبان: الاحتجاز التعسفي وغير القانوني في ليبيا. نيسان/ أبريل في:2018. https://bit.ly/3s1ocEg "النصوص القانونية المتعلقة بالقطاع الأمني في ليبيا." مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن DCAF في https://bit.ly/39GC92a:. هيومن رايتس ووتش. التقرير العالمي لعام 2019. في: https://bit.ly/2MDs1iZ
الأجنبية
Diver, Alice & Jacinta Miller (eds.). Justiciability of Human Rights Law in Domestic Jurisdictions. Cham, Switzerland: Springer International Publishing, 2016. Erda ğ , Ramazan. Libya in the Arab Spring: From Revolution to Insecurity. New York: Palgrave Macmillan, 2016. Fraihat, Ibrahim. Unfinished Revolutions: Yemen, Libya, and Tunisia after the Arab Spring. New Haven: Yale University Press, 2016. Hüsken, Thomas. Tribal Politics in the Borderland of Egypt and Libya. New York: Palgrave Macmillan, 2019. Langer, Arnim & Graham K. Brown (eds.). Building Sustainable Peace: Timing and Sequencing of Post-Conflict Reconstruction and Peacebuilding. New York: Oxford University Press, 2016. Megerisi, Tarek. "Libya's Global Civil War, Policy Brief." European Council on Foreign Relations. 26/6/2019. at: https://bit.ly/3pUvnfG Pankhurst, Donna. "Issues of Justice and Reconciliation in Complex Political Emergencies: Conceptualising Reconciliation, Justice and Peace." Third World Quarterly. vol. 20, no. 1 (February 1999). Scheper-Hughes, Nancy. Violence in War and Peace. Oxford: Blackwell, 2004. Teitel, Ruti G. Transitional Justice. New York: Oxford University Press, 2000.