الهيمنة في العلاقات الدولية: مراجعة للمفهوم في ضوء الحالة الأميركية
الملخّص
تسعى هذه الدراسة للبحث في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية، وما طرأ عليها من تغييرات في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، مقارنة بمن سبقه من الرؤساء بعد انتهاء الحرب الباردة، وانعكاس ذلك على مستقبل الهيمنة الأميركية والنظام الدولي الليبرالي، وسيناريوهات الهيمنة في ظل حكم الرئيس الحالي جو بايدن. وتطرح سؤالين رئيسين: ما السياسة الخارجية التي اتبعها الرئيس ترامب؟ وما أثرها في مستقبل الهيمنة الأميريكة والنظام الدولي الليبرالي؟ تعتمد الدراسة في تحليلها على دراسة مفهوم الهيمنة، ونظريات العلاقات الدولية ورؤيتها للهيمنة. وتخلص إلى وضع سيناريوهات ثلاثة محتملة تنتظر مستقبل الهيمنة الأميركية في ظل حكم بايدن، وترجح أن يراوح عهده بين الإصلاح الجزئي والفشل الذريع. كلمات مفتاحية: الهيمنة، نظريات العلاقات الدولية، النظام الدولي الليبرالي، دونالد ترامب، جو بايدن. This study examines US foreign policy and the changes that occurred under former President Donald Trump, compared to other post-Cold War administrations, assessing their impact on the future of US hegemony and the liberal international system, with projections for current president Joe Biden's rule. Two main questions arise: First, what foreign policies did Trump pursue? Second, what impact do they have on the future of US hegemony and the liberal international order? The analysis studies the concept of hegemony in international relations theory. It concludes with three possible scenarios awaiting the future of US hegemony under Biden's rule, with his administration likely to move between partial reform and catastrophic failure. Keywords: Hegemony, International Relations Theory, The Liberal International Order, Donald Trump, Joe Biden.
Hegemony in International Relations: A Conceptual Review of US Policy
مقدمة
انشغل علماء العلاقات الدولية بالبحث في مآلات الهيمنة الأميركية أكثر من أي موضوع آخر1، وكانت حصيلة هذا الانشغال ولادة تيارين؛ الأول يرى في الولايات المتحدة دولة مهيمنة، ويدافع عن استمرارية بقائها متربعة على قمة هرم النظام الدولي، ويبرز في هذا التيار كل من روبرت كاجان Kagan Robert، وجوزيف. أما William Wohlforth، ووليم وويلفورثJoseph Nye ناي التيار الثاني، فيمثله ستيفن والت Walt Stephen، وروبرت غيلبين Gilpin Robert، ويعتقد أن الولايات المتحدة تمرّ بحالة تراجع تنزاح فيه عن الهيمنة؛ إذ برزت قوى دولية قادرة على تغيير النظام الدولي. ازداد الجدل حول الهيمنة ومستقبلها حدّة، مع تولي دونالد ترامب Trump Donald 2021-2017() رئاسة الولايات المتحدة، واعدًا بإجراء إصلاح للسياسة الخارجية الأميركية، ومنذرًا بشأن مصير النظام الدولي الليبرالي، وهو قاعدةُ انطلاق سياسة الولايات المتحدة الخارجية بُعيد الحرب العالمية الثانية؛ ما أثار التساؤلات حول مستقبل الهيمنة الأميركية. وبعد مضي أربع سنوات على حكمه، تنامت التحليلات عن مصير الهيمنة الأميركية. يتمحور سؤال الدراسة حول ماهية السياسات التي اتبعها ترامب في سياسته الخارجية، وأثرها في مستقبل الهيمنة الأميركية وفي النظام الدولي الليبرالي. وتعتمد الدراسة في إجابتها عن أسئلتها على مراجعةٍ أدبيةٍ مكثفة لنظريات الهيمنة، وتحليل الخطابات ووثائق الأمن القومي الأميركي والسياسات التي أصدرها ترامب، مع مقارنة سياساته بسياسة الرؤساء السابقين بُعيد الحرب الباردة. تفترض الدراسة أن ترامب ليس البادئَ في تقويض الهيمنة الأميركية، ولكنّه، عمليًا، كثّف هدمها، ومثّلت الحرب على العراق أيّام جورج بوش الابن Bush W. George 2009-2001() بداية انهيارها2. أضر ترامب بمستقبل الهيمنة المعتمدة منذ الحرب الباردة على الغرامشية التي تزاوج بين القوة والموافقة، باستثناء فترة بوش الابن المتّكئة جدًا على القوة في ولايته الأولى، محولً إياها إلى هيمنة قوامها القوة. تناقش الدراسة سياسة الولايات المتحدة الخارجية، وما طرأ عليها من تغييرات في عهد ترامب، مقارنةً بسابقيه بعد الحرب الباردة، وآفاق ذلك على مستقبل الهيمنة الأميركية والنظام الدولي الليبرالي، وسيناريوهات الهيمنة في ظل حكم الرئيس جو بايدن. وتبدأ باستعراض محورين أساسيين: أولهما، تحليل مفهوم الهيمنة، بخلفية تاريخية حول جذوره. أما الثاني فيتناول نظريات العلاقات الدولية ورؤيتها للهيمنة، لتقديم لمحة عامة عن استخدامها المفهوم في ثناياها.
أولا: مفهوم الهيمنة: تاريخه ومضمونه
اهتم منظرو العلاقات الدولية بمفهوم الهيمنة، فأفردوا له حيّزًا مهمًّ في أطروحاتهم، وشملت جذوره، واستعمالاته، والتغييرات التي أُدخلت عليه. هناك اتفاق بين الباحثين على إرجاع مفهوم الهيمنة إلى المؤرخ الإغريقي ثيوسيديدس Thucydides 3، في وصفه للحرب البيلوبونيزية، ولكن مفهومه للهيمنة اتّسم بالتعقيد - بحسب ادّعاء ريتشارد نيد ليبو وروبرت كيلي - وذاك بتمييزه بين الهيمنة Hegemonia التي تقوم على القيادة الشرعية و Arkhe التي تعني السيطرة4. ولا تنحصر نظرة ثيوسيديدس للهيمنة في إطار مادي يتمثل في امتلاك القوة، ولكنها تتطلب من الدولة المهيمنة اكتساب الشرعية، وهذا يمنحها القبول من الدول الأعضاء؛ فالهيمنة الناجحة عنده تسعى للحفاظ على الولاء، بتوفير مكافآت للدول الواقعة في فلكها، أو على الأقل للطبقات السياسية القوية5. إذًا، لا يقوم مفهوم الهيمنة على الإجبار، وإنما يُبنى على الشرعية والقبول بالقوة المهيمنة. أعاد المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci 1937-1891() إحياء مفهوم الهيمنة في القرن العشرين، رغم أنه لم يناقشه في أبعاده الدولية، وإنما تحدّث عن الهيمنة الثقافية والصراع الناتج بين طبقتَي الرأسماليين والعمال. اقترب غرامشي في أطروحاته عن الهيمنة من ثيوسيديدس؛ معتبرًا أساس الهيمنة القبول بشرعية المحكومين وارتضائهم فرضها عليهم6. لم يعد الطرح القائم على القبول بالشرعية الأساس الذي ينطلق منه الباحثون جميعًا في تفسير مفهوم الهيمنة؛ ذلك أنّ ثلّة منهم ترى إمكانية قيامها على الإجبار. فمفهوم الهيمنة، استخدم بداية للدلالة على الشرعية، أما اليوم، فيستخدم أكثر للدلالة على القوة والجبر7.
ويعتبر مفهوم الهيمنة من المفاهيم الخلافية بين الباحثين. فقد عرّف روبرت كيوهين وناي الدولة المهيمنة بأنها "دولة واحدة قویة بما یكفي للحفاظ على القواعد الرئیسة التي تحكم العلاقات بین الدول، ولدیها الرغبة في فعل ذلك"8. أما غيلبين، فعرّفها بالحالة التي "تتحكم وتسيطر فيها دولة واحدة قویة على الدول الأقل قوة في النظام"9. ويرى وليام ويلفورث أنه "لتحقيق الهيمنة، يجب أن تتركز السلطة بما فيه الكفاية في دولة واحدة، لتتمكن من وضع القوانين للآخرين"10. أما كريستوفر لاين، فعرّف الهيمنة بدايةً من منطلقات القوة الصلبة، ويُجسدها في الدولة التي تملك تفوقًا عسكريًّا واقتصاديًّا، ثم بارتباطها بوجود طموح لدى الدولة المهيمنة للحفاظ على مصالحها كافة، إضافة إلى تمتع تلك الدولة بتفوقها على الدول الأخرى؛ ما يجعلها قوة عظمى وأحادية، والهيمنة عنده تغير النظام من الفوضوية إلى الهيراركية11. تُظهر التعريفات السابقة أن الاختلاف لم يقتصر على تضمين فكرة الشرعية في مفهوم الهيمنة، ونوع القوة التي على الدولة المهيمنة أن تمتلكها، والتي تراوح بين المادية وغير المادية، وهذا التباين يمكن ربطه بالأطر النظرية التي ينتمي إليها الباحثون.
ثانيًا: نقاش الهيمنة بين منظ ري العلاقات الدولية
كيف تُعرّف نظريات العلاقات الدولية الهيمنة؟ وعلامَ تعتمد الدولة المهيمنة؟ هناك عدد من النظريات التي أولت قضية الهيمنة والتغير في هيكل النظام العالمي، وطبيعة العلاقات بين القوى المهيمنة والصاعدة، اهتمامًا. ومن بين هذه النظريات أربع نظريات رئيسة: نظرية استقرار الهيمنة، والواقعية، والليبرالية، والغرامشية الجديدة. تشترك الأغلبية العظمى من كتابات العلاقات الدولية التي عالجت مفهوم الهيمنة في توافر عنصرين أساسيين مميزين لها، هما: الإكراه والسيطرة، أو التأثير في هياكل النظام الدولي والسلوك الدولي لوحداته. لا تشمل الهيمنة قيام سيطرة مباشرة على الحكومات، أو الأقاليم الأجنبية. وامتدادًا لذلك يفرّق بين الهيمنة والاستعمار12. وتُعدّ نظرية استقرار الهيمنة من أهم النظريات التي تعالج المسألة مباشرة، وتفترض في أسسها أن استقرار النظام يقوم على وجود قوة واحدة مهيمنة، تؤدي دور الضامن للاستقرار الاقتصادي والسياسي الدولي، عبر وضع القواعد الدولية التي تسهل التبادل المنظم بين الدول، ومعاقبة المخالفين13. وهذه الهيمنة، بحسب هذه النظرية، لا تدوم؛ لأن الدول التعديلية لن تستمر في قبولها، وستعمل على تغيير النظام14. يقوم الادعاء المحوري لنظرية الاستقرار المهيمن على حتمية وجود قوة عظمى واحدة لإقامة نظام ليبرالي، والانفتاح في السياسة الدولية والاقتصاد والحفاظ عليه15. ففي ظل الطبيعة الفوضوية للنظام الدولي، سيجعل غيابُ النظام الذي يضمنه المهيمن التعاونَ الاقتصادي مستحيل16. ويعتقد تشارلز كيندلبيرجر Charles Kindleberger أن الدولة المهيمنة هي الوحيدة القادرة على تحمّل مهمات الحفاظ على النظام الليبرالي في فترات الأزمات؛ وهذا عائد لامتلاكها القوة المطلقة لفعل ذلك. بحسب كيندلبيرجر، يقع على عاتق الدولة المهيمنة خمسة واجبات لترسخ استقرار النظام الدولي: "أولً، الحفاظ على سوق مفتوحة للبضائع. ثانيًا، توفير قروض طويلة الأجل أثناء فترات الركود. ثالثًا، ضمان وجود نظام مستقر لأسعار الصرف. رابعًا، أداء دور المنسق للسياسات الاقتصادية الكلية. خامسًا، العمل على ضمان توافر السيولة، فتكون الملاذ الأخير للإقراض"17. وافتراضه قائم على
وجود دولة تهيمن، أسماها "المستبد الخيّ " للحفاظ على التجارة الحرة، وتوفير بعض المنافع العامة18. يُعتبر غيلبين من الواقعيين الجدد، ولكن عند الحديث عن الهيمنة، فإنه يصنف ضمن إطار مدرسة "استقرار الهيمنة"19، فيعتبرها أحد ثلاثة أشكال للنظام الدولي، إضافة إلى ثنائي القطبية وتوازن القوى. وفي نظره، توجد بنية مهيمنة عندما "تتحكم دولة واحدة قوية، أو تهيمن على الدول الأقل أهمية في النظام"20. ويرى أن "الهيمنة ضرورية لوجود اقتصاد دولي ليبرالي[…]والتجربة التاريخية تشير إلى أن غياب قوة ليبرالية مهيمنة يُصعب للغاية تحقيق التعاون الاقتصادي الدولي أو إدامته، وكان الصراع هو القاعدة"21. وهذا معناه أن الهيمنة ضرورية للحفاظ على النظام الليبرالي، فتستخدم الدولة المهيمنة أشكال القوة كافة للحفاظ عليه. ويرى غيلبين أن الدولة التي تسيطر بعد حرب الهيمنة تصبح هي الدولة القائدة. وفي هذا السياق، يحدد ثلاثة ملامح تبرز الدولة المهيمنة: توفير السلع، ومشاركة الأيديولوجيا أو الأفكار مع الدول الأخرى، وامتلاك القوة العسكرية؛ لذا يعتبر الركيزة الأساسية التي تدفع الدول لقبول هيمنة هذه الدولة هي الخوف من قوتها22. كما يرى غيلبين في حدوث حرب الهيمنة الحل لمشكلة عدم التوازن المتزايد، الذي ينشأ بسبب التغيير في ترتيب القوى داخل النظام. فهذه الحرب تؤسس لما يسميه "التسلسل الهرمي الواضح من الهيبة المطابقة للتوزيع الجديد للقوة في النظام"23. وبذلك يُعاد ترسيم النظام الدولي وتحديد من سيقوده ويحقق مصالحه منه؛ ما يؤدي إلى بروز مجموعة جديدة من القواعد24. تعرضت نظرية استقرار الهيمنة للنقد، فظهرت مدارس جديدة في الهيمنة، اعتبرت أن طرح هذه النظرية لمفهوم الهيمنة مبسط، وحاولت تقديم تحليل أكثر ثراء25. من هذه المدارس نظرية "التسلسل الهرمي"، ومن أشهر روادها ديفيد ليك الذي انصبّت محاولته على الخروج من التأطير الضيق لهذا المفهوم26. فرأى أن "السياسة الدولية ليست كلها قطعة واحدة، [...] إنه ليس نظامًا فوضويًا أو هرميًا، ولكنه واقعيًا نسيجٌ متنوع من علاقات متفاوتة"27. عندما يتعلق الأمر بعلاقات الولايات المتحدة مع دول قوية، يكون النظام فوضويًا، ولكن حينما يرتبط الأمر بعلاقات واشنطن بدول ضعيفة، يغدو النظام هيراركيًا وتسلسليًا28. يقدم ليك رؤية مختلفة للعلاقة بين الولايات المتحدة، بوصفها دولة مهيمنة، والدول الضعيفة التابعة؛ فيسميها "السلطة العلائقية"، ويرى أن الولايات المتحدة قد أنشأت نظامًا من التسلسل الهيراركي في السياسة العالمية، ويستند على قبول الدول التابعة للقيادة الأميركية، لأنها توفر لها الأمن، وبذلك، يقلّ إنفاقها على أمنها. ترى الدول التابعة فوائد الهيمنة تتجاوز تكاليف العودة إلى نظام الفوضى، وهذا أسّ امتثالها لشرعية الدولة المهيمنة29. وتستخدم الولايات المتحدة في علاقتها بالدول التابعة الأدوات الاقتصادية والعسكرية، فتمارس هذه الدول تجارة أكثر انفتاحًا، وتتبنى سياسات اقتصادية أكثر ليبرالية؛ لأن واشنطن تضمن حالة عدم الأمان المتعلقة بالتبادل الاقتصادي30. وتجري عملية التفاوض والمساومات بين الدول المهيمنة والدول التابعة على نحو ثنائي31. أما المدرسة الواقعية ممثلة بكريستوفر لاين الذي يعتبر واقعيًّا كلاسيكيًّا جديدًا، ففي طرحه "الهيمنة تتعلق بالتغيير الهيكلي، لأنه إذا حققت دولة ما الهيمنة، فإن النظام يتوقف عن كونه فوضويًّا ويصبح هرميًّا"32. ويفترض أن الهيمنة يلزمها أربع سمات أساسية: أولً، التفوق في الجانب العسكري والاقتصادي، فتوافر القوة الصلبة
للدولة المهيمنة ضروري حتى تسيطرة على أي حرب تخاض ضدها. أما التفوق الاقتصادي فيتحقق بالسيطرة على الموارد، لأنه عامل مهم لرقعة توسع الدولة المهيمنة. ثانيًا، تتعلق الهيمنة بطموحات القوة المهيمنة، أي أن "تعمل الدولة المهيمنة وفق مصلحتها الذاتية، لإنشاء نظام دولي مستقر يحمي أمنها ومصالحها الاقتصادية والأيديولوجية." ثالثًا، الهيمنة تعني التوزيع الهيراركي، لأنه إذا كانت الهيمنة لدولة واحدة، فالنظام يُعرّف بأحادي القطبية. وأخيرًا، "الهيمنة تتعلق بالإرادة"، فيؤكد لاين: "لا يكفي امتلاك الدولة المهيمنة قوة ساحقة فحسب، بل عليها ممارستها بقصدية لفرض الانضباط في النظام الدولي"33. وفي هذا السياق، عرّف جون ميرشايمر Mearsheimer John القوة المهيمنة بأنها "دولة بلغت من القوة ما يمكنها من السيطرة على كل الدول الأخرى في النظام." ويضيف موضحًا "لا تمتلك دولة أخرى الموارد العسكرية اللازمة لخوض حرب كبرى ضدها"34، فلا تجتمع مع المهيمنة دولة عظمى أخرى لأن "الدولة المهيمنة تكون فعليًّا القوة العظمى الوحيدة في النظام"36، مشيرًا إلى الاختلاف بين الهيمنة الإقليمية والعالمية، ويخلص إلى أن الهيمنة العالمية مستحيلة عمليًّا، فالأجدى التركيز على الهيمنة الإقليمية. في حالة الصراع على الهيمنة الإقليمية، سيؤدي ذلك إلى منافسة أمنية شرسة. ويرى ميرشايمر تحقيقَ الهيمنة ممكنًا باتباع استراتيجية لا تنحصر في حيازة القوة النسبية فحسب، وإنما منع الآخرين من زيادة قوتهم على حسابها37. أما الليبراليون فينظرون إلى الهيمنة من منطلق "القيادة"؛ أي القدرة على تشكيل جدول أعمال السياسات للمؤسسات العالمية أو التحالفات38، مقدّمين صياغة مختلفة للقوة القائمة على الهيمنة، فليس لزامًا طابعها العسكري، بل تنهض عبر مزيج من القوة والأعراف39. رؤية كيوهين للهيمنة اقتصادية في المقام الأول، ويعرّفها بأنها رجحان الموارد المادية؛ لذا على القوى المهيمنة أن تسيطر على أربعة أنواع من الموارد الاقتصادية: المواد الخام، ومصادر رأس المال، والأسواق، إضافة إلى امتلاك قدرات ومزايا تنافسية خاصة في إنتاج مواد وبضائع لها قيمة عالية40. إن تقييم كيوهين للهيمنة أساسُه الرضا؛ إذ إن بغية الدول المهيمنة هي إقناع الآخرين بالتوافق مع رؤيتها للنظام العالمي والتجاوب مع قيادتها، فمصالح الدول هي النسيج الذي يتشكل منه نظام الهيمنة، ومن بوابة قناعة الدول بأنها مستفيدة منه41. يجادل كيوهين بأن "القوة المهيمنة تؤدي دورًا فريدًا، فتزود الشركاء بالقيادة مقابل الاحترام - خلافًا للقوة الإمبريالية ‑ فلا يمكنها وضع القواعد وإنفاذها من دون درجة معينة من الموافقة من الدول الأخرى"42. ما يعوّل عليه كيوهين، أن الدولة المهيمنة تسعى لضبط سلوك الدول، وتسهل التعاون عن طريق الأنظمة الدولية التي تؤسسها ضمن شروطها، وتؤدي دور الضامن لاتساق النظام كليًا43. ولا ينكر كيوهن أن تستخدم المهيمنة القوة؛ لأن "القوة العسكرية الكافية لحماية الاقتصاد السياسي الدولي من عمليات التوغل التي تقوم بها القوى المعادية، هي حقًا شرطٌ ضروري لنجاح الهيمنة"44. أما جون إيكنبيري، فقد استخدم في تفسيره قوة الولايات المتحدة واستمرارها مفهوم "النظام الدستوري"، مطبقًا إياه على النظام الدولي. وهو يرى أن لدى الدولة التي تفوز بعد حرب كبرى ثلاثة خيارات: إما أن تنسحب من المسرح الدولي مبتعدة عن الحروب والصراعات، وإما أن تسعى للهيمنة باستخدام قوتها فتدخل صراعات لا تنتهي، وإما أن تجند فوزها في الحرب، بتحويل النظام لصالحها، بما يضمن ولاء الدول الأخرى لها، والأخير يسميه "النظام الدستوي"45. جادل إيكنبيري بأن النظام الذي أنشأته الولايات المتحدة، بعد الحرب العالمية الثانية، أساسه "النظام الدستوري"، الذي عماده الشرعية وقبول الدول المنضوية تحته. فهو يقوم على توافر ثلاثة عناصر أساسية: أولً: الاتفاق على قواعد اللعبة داخل النظام الذي يتم تأسيسه، وهذا في سبيل نظام مستقر وغير قسري. ثانيًا: وضعُ القواعد وإنشاء المؤسسات التي تقوم بكبح استخدام القوة، فالمؤسسات هنا تتمتع باستقلالية عالية عن المصالح الخاصة للدول. ثالثًا: ترسيخ هذه القواعد والمبادئ والمؤسسات، وتشارك الدول فيه انطلاقًا من
رغبتها والتزامها الطوعي بقواعده ومبادئه46. ما يميز هذا النظام أنه قائم على التوافقية وليس الإجبار، وهذا نقيضُ نظامَي توازن القوى والهيمنة؛ فالأول يقيد قدرة الدولة القوية من خلال التحالفات الموازنة لها، أما الآخر، فلا مجال لتقييد قوة الدولة، فالدول تجبر على الامتثال للقوة المهيمنة، سواء بالتهديد أو بالإغراء47. أما الهيمنة من منطلق الغرامشية الجديدة، التي ساهم، في الأساس، روبرت كوكس في تطويرها، معتمدًا على أفكار أنطونيو غرامشي، فهي مزيج من الإكراه والموافقة، فلا تقتصر على عمليات الإلزام، وتمزج رضا الأطراف التابعة لتشكيل رؤية جديدة للعالم48. فالهيمنة الغرامشية ليست مبنية على أساس الاستخدام القسري للقوة، ولكنها تُبنى على "الموافقة المكتسبة من خلال عملية القيادة الفكرية والأخلاقية"49. ومن هذا المنطلق، قدم كوكس وصفًا جامعًا لمفهوم الهيمنة مستندًا إلى غرامشي بالقول إنها "بنية اجتماعية واقتصادية وسياسية...] [تتجلى الهيمنة العالمية في المعايير والمؤسسات والآليات العالمية، التي تضع القواعد العامة لسلوك الدول وقوى المجتمع المدني الممتد عملها عابرة للحدود الوطنية، والقواعد التي تدعم النمط السائد للإنتاج"50. ويرى كوكس أن الهيمنة، بنطاقها الكوني، تبدأ وطنية وتنشئها طبقة اجتماعية، وتنداح دوليًا. وركائز الهيمنة الثلاث عنده: الأفكار، والمؤسسات، والقدرات المادية51. ويعتبر الغرامشيون الجدد أن استخدام القوة المادية وحدها لا يكفي لتحقيق الهيمنة، ولا بد من أن ترافقها القيادة الثقافية، فهي لا تقل أهمية عن العوامل الاقتصادية أو العسكرية، فلا مناص من تحصيل الموافقة52. واعتمادًا على المنطلقات الغرامشية الجديدة، تكلّم عدد من الباحثين عن دور المؤسسات الفكرية وشبكات المجتمع المدني الأميركية في تعزيز الهيمنة. فقد اهتم إنديرجيت بارمار بدراسة قوة البنية التحتية الفكرية الأميركية، موضحًا الدور الكبير للمؤسسات الخاصة والنخب الموسومة عنده "بشبكات المعرفة النخبوية العابرة للحدود" في تدعيم القوة الأميركية وحمايتها. وساعدت هذه الشبكات في تأسيس النظام الليبرالي، وفي ربط الدول تحت قيادة واشنطن. ومن أمثلة تلك الشبكات مؤسسات فورد وروكفلر وكارنيجي، التي عززت المصالح الأميركية على حساب دول أخرى. فشبكات النخبة تسهل الهيمنة التي شُيدت في جزء كبير منها عبر الاختراق الثقافي والفكري53. وفي الإطار نفسه، يؤكد ألكسندر كولي ودانيال نيكسون، دور الفواعل من غير الدول في التأثير سلبيًا في الهيمنة. ففي سياق تشخيصهما تراجع الهيمنة الأميركية والتحديات التي تواجهها من قوى فاعلة أصغر من الدولة، يعللّان التراجع في بناء مشروع ليبرالي شامل للتكامل الاقتصادي والسياسي بانحسار دورها، إضافة إلى عوامل أخرى غير هذه. طوال التسعينيات، أسهمت هذه القوى في إنتاج وهمٍ لنظام ليبرالي، غير قابل للتغير، يرتكز على الهيمنة الأميركية الدائمة54. تلاشى هذا الوهم، فزاحمت المنظمات الإقليمية الجديدة والشبكات عبر الوطنية غير الليبرالية الولايات المتحدة في التأثير. وفي حين يبدو التراجع في نفوذ الشبكات الليبرالية لصالح شبكات أخرى مناهضة للأفكار الليبرالية ونظامها الدولي، الذي ترأسته واشنطن، لم تعد القوى الليبرالية تتمتع بنفوذها السابق. فالقوى غير الليبرالية ليست مقتنعة بمزايا استمرار العضوية في المؤسسات الرئيسة للنظام الليبرالي، مثل الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي "الناتو"55. استنادًا إلى ما سبق، ينبثق منبع الاختلاف الجوهري بين النظريات في رؤيتها للهيمنة من تحديد نوع القوة التي تُستخدم في تحقيقها. فالواقعية تركز على الإكراه واستخدام القوة العسكرية. وتؤصل الليبرالية الهيمنة من كوّة الحصول على الموافقة والرضا من المحكومين. أما الغرامشية الجديدة، فتدمج بين الإكراه والموافقة56. وترى نظرية استقرار الهيمنة القوة الاقتصادية الركيزة مع وجود القوى العسكرية.
ثالث ا: السياسات الخارجية الأميركية في ظلال استراتيجية الأمن القومي الأميركي
قامت السياسة الخارجية الأميركية، منذ قرابة خمسة وسبعين عامًا، على تأمين مصالحها من خلال أداء دور القائد في نظام عالمي، تتحمل أعباءه مقابل منافع هائلة57. ورغم أن الإدارات الأميركية من الجمهوريين والديمقراطيين اختلفت في توجهاتها، فإنها دعمت دومًا تأسيس نظام دولي قامت أركانه على امتلاك القوة، وإنشاء التحالفات ودعمها، وتمتين نظام اقتصادي مفتوح58. أدى انهيار المعسكر الشرقي إلى هيمنة متفردة للولايات المتحدة على النظام الدولي، وما عاد هناك ندٌّ يضع قوتها الاقتصادية والعسكرية والثقافية على المحك، ووجدت نفسها في عالم لا عدو فيه ولا حدود؛ ما حفّز الإدارات المتعاقبة إلى أن تبتغي دورًا لواشنطن في العالم الجديد59. يتجلى دور البيت الأبيض في ترسيخ هيمنة الولايات المتحدة في السياسات الخارجية التي اتبعوها، إضافة إلى استراتيجية الأمن القومي التي أوجب الكونغرس الأميركي على كل إدارة منذ 1986 إصدارها، وفيها تفصيل الأهداف والمصالح الأميركية وكيفية حمايتها، والأخطار التي تتعرض لها البلاد60. تؤكّد الاستراتيجيات التي أعلنها الرؤساء الأميركيون بعد الحرب الباردة تمسّكهم بالدور القيادي للولايات المتحدة، وهذا واضح في خطاباتهم عن "حالة الاتحاد." صرّح جورج بوش الأب Bush W. H. George 1993‑1989() عام 1991 "اليوم، في عالم سريع التغير، الزعامة الأميركية لا غنى عنها"61. أما بيل كلينتون Clinton Bill 2001-1993()، فقد أكد ذلك بقوله "الأمن يعتمد على قيادتنا العالمية المستمرة من أجل السلام والحرية والديمقراطية"62، وحذا بوش الابن حذوهما، معلنًا في خطابه عام 2006 أن "الطريقة الوحيدة للسيطرة على مصيرنا هي من خلال قيادتنا، لذا فالولايات المتحدة الأميركية ستواصل ريادتها"63. واقتفى باراك أوباما) 2017-2009(Barack Obama أثرهم قائلً: "بينما نقف على مفترق طرق التاريخ، فإن عيون الناس في جميع الدول تنظر إلينا كرّة أخرى لترى ماذا سنفعل في هذه اللحظة، في انتظار قيادتنا"64. اتضح آنفًا، أن الاختلاف بين الإدارات ليس نابعًا من أهمية الولايات المتحدة بوصفها قائدة مهيمنة عالميًا، وإنما من الاختلاف المتجدد منذ القرن التاسع عشر الذي يدور حول المبادئ التوجيهية للسياسة الخارجية، وملامح الجدل حول الأفضلية؛ المثالية أم الواقعية، الانفرادية أم التعددية65. انسحاب الاتحاد السوفياتي من أفغانستان، وانتصار المقاومة هناك، وسقوط جدار برلين، وانهيار الحزب الشيوعي بوصفه تجسيدًا لانهيار الاتحاد السوفياتي، هي أحداث رافقت اعتلاء جورج بوش الأب سدّة الحكم في الولايات المتحدة، وساهمت في تتويجها قوة عالمية منفردة66. وفي ظل هذه التغيرات، دشن بوش سياسة قائمة على التعددية، والاعتقاد بأهمية التعاون مع الحلفاء. وتماهيًا مع ذلك أكدت استراتيجيته القومية الصادرة عام 1990 الالتزام الأميركي باستراتيجية التحالف باعتباره "أساسًا أكثر ديمومة من مجرد تصور
وجود عدو مشترك"67، وينبني على "رؤية أخلاقية مشتركة" تقوم على الالتزام بالديمقراطية ونقض الاستبداد68. رسّخت هذه الاستراتيجية ثلاث غايات أساسية: بقاء الولايات المتحدة دولةً حرةً ومستقلةً وباقتصاد متنامٍ، وتحقيق عالم مستقر وآمن، يقوم على تعزيز الحرية السياسية وحقوق الإنسان والديمقراطية، وتأكيد ضرورة وجود علاقات قوية تعاونية بالحلفاء69. لقد حملت استراتيجية بوش الثانية عام 1991 جديدًا بإعلانها عن بَدء نظام عالمي جديد، مع الإبقاء على الأهداف الأربعة السالفة الذكر70. أعلن في استراتيجية 1993 انتهاء استراتيجية الاحتواء التي ظلّلت السياسات الخارجية الأميركية طوال الحرب الباردة "لم تعد الولايات المتحدة متورطة بسبب المتطلبات العسكرية للاحتواء العالمي"، وبناءً عليه، لدى الأميركيين "فرصة غير مسبوقة لتعزيز مصالحنا بدلً من مجرد الدفاع عنها"71، موضحًا السمة التعددية للقيادة الأميركية العالمية عبر "وجود إيمان عالمي راسخ بأن الولايات المتحدة تستطيع وستقود استجابة جماعية للأزمات العالمية"72. سعى بوش خلال فترة حكمه إلى دمج روسيا وأوروبا الشرقية في النظام العالمي، إضافة إلى دعم مسيرة أوروبا الغربية نحو وحدة اقتصادية، وتوسيع تحالف شمال الأطلسي، وتعزيز نظام تجاري دولي مفتوح. وعمل على زيادة الاستثمار في تحالفات جديدة بتقويتها وتوسعتها مع الدول الديمقراطية، مع الالتزام بالمؤسسات الدولية مثل منظمة الأمم المتحدة73. طبّق بوش مع الحلفاء سياسات التعاون والتعددية في أزمة الخليج إثر احتلال العراق الكويت، وابتغى تأييدًا دوليًا لحرب العراق، فلجأ إلى مجلس الأمن، وحظي بقرار الأمم المتحدة 678 الذي يطالب فيه بغداد بانسحاب كامل من الكويت لغاية 15 كانون الثاني/ يناير 1991، وإلا فجميع الوسائل اللازمة متاحة لاستعادة السيادة الكويتية74. وعمل على حيازة الدعم من الكونغرس الذي تردّد بداية حتى تُستنفد جميع الوسائل قبل ولوج الحرب75. لقد أدرك بوش أن تنفيذ مشروعه، "النظام العالمي الجديد"، يتطلب دعمً متعدد الأطراف76؛ لك أنه لا يستطيع التصرف منفردًا. فالحرب على الكويت مثّلت فرصته لتحديد القواعد الخاصة ب "النظام العالمي الجديد"، لاعتقاده أن الولايات المتحدة بعدم ثنيها للعراق، ستكون الحقبة الجديدة صراعية، لاتعاونية77. أما تدخلاته العسكرية في دول أخرى، فكانت في أدنى درجاتها؛ إذ رفض التدخل في بدايات الأزمة في البلقان، وفي نهاية ولاياته، وأقرّ إرسال قوات أميركية لمساعدة القوات الدولية في الصومال. ومن هنا اتُهمت إدارته بالازدواجية، على اعتبار أن التدخل في العراق مردّه النفط والمصالح الأميركية78. أما كلينتون الذي كان شعار حملته الانتخابية "إنه الاقتصاد يا غبي"، فركز في سياسته الخارجية على الأمن الاقتصادي الأميركي بوصفه هدفًا رئيسًا، ولكنه آمن بضرورة الحفاظ على القوة العسكرية، والعمل على تكيفها لتلائم التحديات الأمنية الجديدة، معلنًا تنظيم السياسة الخارجية حول محور دعم الديمقراطية وحرية السوق ونشرهما79. وقد انعكس هذا التوجه في استراتيجيته80 لعام 1994؛ فاختار سياسة خارجية تقوم على التدخلات والتوسع. تقوم سياسة التدخلات على الانتقائية في القضايا الدولية، وتعتمد أساسًا على صلتها بالمصلحة الأميركية81. فالولايات المتحدة تحوز دورًا قياديًا عالميًا، والأمن لا يتحقق بالانعزالية، أو باتباع الحمائية82. فلا يرى منطق كلينتون عظمة قوة بلاده كافية لتحقيق أهدافها على نحو منفرد، وأحادي الجانب. فالأمن يتحقق من خلال الحفاظ على قدرة دفاعية قوية، وتعزيز تدابير الأمن التعاونية83. أما سياسة
التوسع، فقد ارتبطت بنشر الديمقراطية والأسواق الحرة، واعتبُرت ضرورية لحماية الولايات المتحدة وأمنها84. لقد حملت الاستراتيجيات التي أعلنها كلينتون تباعًا لغاية 1996 العنوان نفسه "التدخلات والتوسع"، وكانت الإضافات إليها محدودة، ولا تحمل تغييرات جذرية، لذا لم يغير في عنوان الوثيقة. أما استراتيجياته منذ عام 1997، فعنونت ب "استراتيجية الأمن القومي لقرن جديد"، وتحدّث جليًا عن الأدوات الدبلوماسية والمساعدات الإنسانية85. وأكد فيها الخطوط العريضة للدور الريادي الأميركي، وأهمية التحالفات، واستخدام وسائل متعددة لتحقيق الأهداف الأميركية التي لا تتحقق، ولا تقوم باستخدام القوة العسكرية فحسب، بل يواكبها تركيزٌ على الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية86. عمليًا، استخدم كلينتون القوة العسكرية في الصومال وكوسوفو وهايتي. بعد هجمات على القوات الأميركية في الصومال، وبسبب تغيير الأهداف الأميركية من المساعدات الإنسانية إلى تعزيز الديمقراطية وبناء الدولة، أرسل كلينتون قوات النخبة للقبض على أحد أمراء الحرب المعروفين؛ هو محمد عديد، وفي هذه العملية، قتل ثمانية عشر جنديًا أميركيًا ومئات الصوماليين87. وفي كوسوفو، استخدمت القوة العسكرية تحت مظلة الناتو. ورغم استخدام كلينتون القوة العسكرية، فإن سياسته الخارجية غلب عليها الاهتمام بالأدوات الاقتصادية والدبلوماسية، عبر المزج بينهما. فأولى التفاوض على صفقات تجارية جديدة اهتمامه، وفتح آفاق الاستثمار للأميركيين، بالاستفادة من الأسواق الجديدة والعولمة؛ فعقد اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية 1992 (النافتا) فيNorth American Free Trade Agreement وغدت نافذة في أول عام 1994، وعزز علاقاته بالدول الأوروبية، ووسّع الناتو وأعاد تنشيطه. واتبع سياسات قائمة على الدبلوماسية مع الصين وروسيا، فقدمت إدارته الدعم لروسيا في عملية انتقالها إلى اقتصاد السوق، وفي انضمامها إلى مجموعة الثمانية ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ، وأسهم في إدخال الصين في النظام العالمي. وفي مواجهة الخطر الكوري، استخدم سياسة الردع والدبلوماسية88. عمومًا، كان كلينتون ميّالً إلى العمل من خلال المؤسسات المتعددة الأطراف89، واتبع في سياسته الخارجية، بحسب ستيفن والت، منحى الهيمنة بثمنٍ بخسٍ. فالشعب الأميركي لم يرِد انعزالية وحروبًا صليبيةً، واعتبر أن أعظم إنجازات كلينتون تمثلت بقيامه بعمل جيد، وبتكلفةٍ قليلة90. ظهر التحول الجذري في السياسة الخارجية الأميركية مع بوش الابن، وذاك من تداعيات أحداث 11 سبتمبر، موجهًا إياها نحو الحرب على الإرهاب. أكدت الاستراتيجيتان اللتان صدرتا في عهده في 2002 و 2006 الحرب على الإرهاب بوصفها محورًا أساسيًّا، وعلى استخدام القوة العسكرية على نحو فعّال. وتدليلً على ذلك، تضمنت استراتيجية 2002، في سبيل دحر الإرهاب ووقف تمويله "يجب أن نستخدم كل أداة متوافرة في ترسانتنا العسكرية"91. فاتخذت سياسات بوش تلك منحى الضربة الاستباقية والحروب الوقائية، معتمدًا على القوة الخشنة. قاد بوش ثورة في السياسة الخارجية، مخالفًا ما تبنَّاه والده وكلينتون من قبل. وبنى سياساته على معتقدين: الولايات المتحدة تعيش في عالم خطر، وهي مستهدفة من الدول المعادية للغرب، ومواجهتها ذلك حصرًا؛ بمضي الولايات المتحدة حرّة في خياراتها، بعيدًا عن القيود المفروضة عليها، حتى من حلفائها والمؤسسات الدولية92. وعبرت استراتيجية 2002 عن ذلك؛ بأن الهدف الرئيس للحكومة الفدرالية هو "الدفاع عن الولايات المتحدة ضد أعدائها"93. أمّا الاعتقاد الثاني، فعلى الولايات المتحدة ألا ترتقب الهجوم في حياضها، بل تبادر بقوتها، حتى تغيّ الوضع الراهن في العالم، فعامل الوقت ليس في صالحها؛ ولذا، فالمسارعة أصوب لمواجهة الدول المارقة، وكان هذا الأساس الذي اعتمده بوش في حربه على العراق94. بعد الحرب على أفغانستان، اتخذ بوش الخطوة الثانية في توسيع رقعة الحرب على الإرهاب. ففي خطابه عن حالة الاتحاد، فاجأ بوش الأميركيين بالإعلان عن "محور الشر"، شاملً فيه العراق وإيران وكوريا
الشمالية، واتهام هذه الدول بالسعي لتطوير أسلحة دمار شامل95، فبرّر لإدارته محاربة هذه الدول، ناقلً مركز الاهتمام من أفغانستان إلى هذه الأقطار. وقد نتج من ذلك اتباع ثلاث سياسات: تتمثل الأولى في العمل أحاديًّا، وبعيدًا عن السياسات التقليدية - منذ ترومان حتى كلينتون - التي امتازت بالعمل مع المؤسسات الدولية والترتيبات المتعددة الأطراف. وهذا لا يعني أن بوش استبعد، كليًا، العمل الجماعي، وإنما استخدم ما أطلق عليه ريتشارد هاس "التعددية بحسب الطلب"، وهذا يندرج في بناء تحالفات مع الأطراف المؤيدة، عندما لا يكون العمل أحاديًا ممكنًا. أما الثانية فتتمثّل في أنه لم يكتفِ بإهمال العمل المشترك، بل ذهب بعيدًا بخطوات وقائية واستباقية ضد التهديدات المحتملة96، وبينت ذلك استراتيجيته القومية المنصوص فيها "لإحباط أو منع مثل هذه الأعمال العدائية من قبل خصومنا، ستقوم الولايات المتحدة، إذا لزم الأمر، بالعمل بشكل استباقي"97. كما انتهج سياسة ثالثة مفادها أن على الولايات المتحدة استغلال قوتها الكبيرة لتغيير الأنظمة في الدول المارقة98. وأطلق ميرشايمر على تغيير الأنظمة بالجبر "الويلسونية بأسنان"، وذاك لجمعها مثالية ويلسون، مع استخدام القوة العسكرية لتحقيقها99. وانسحب بوش من اتفاقيات دولية مختلفة، واختلف مع الدول الحليفة مثل فرنسا وكندا. وكانت حصيلة سياساته "تدمير السلطة الأخلاقية والسياسية للولايات المتحدة"100. وصل أوباما إلى البيت الأبيض، معلنًا عزمه تصحيح السياسات التي اتبعها بوش. وأصدرت إدارته وثيقتَي "استراتيجية الأمن القومي" في 2010 و 2015، مشددة فيهما على الدور القيادي للولايات المتحدة101. وقد بيّنت وثيقة 2010 أنها ستنتهج الوسائل الدبلوماسية، وتعزز دور المؤسسات الدولية والمساعدات في سبيل ريادة الولايات المتحدة العالمية، وذلك قبل اللجوء إلى استخدام القوة التي هي ضرورية، فالأولوية لاستنفاد "الخيارات الأخرى قبل الذهاب للحرب ما أمكننا ذلك،[...]عندما نضطر إلى استعمال القوة، سنفعلها بطريقة تعكس قيمنا، وتعزز شرعيتنا، وسنسعى للحصول على دعم دولي واسع، والعمل مع مؤسسات مثل الناتو ومجلس الأمن"102. ورفضت الوثيقة الحرب الاستباقية، معلنة حربها تجاه القاعدة والإرهابيين. فاستبدلت الحرب على الإرهاب بقضايا أخرى؛ وذاك لوجود مخاطر شتّى تهدد العالم، نحو ظاهرة التغير المناخي، وتهديدات شبكة الإنترنت وشبكات الجريمة الدولية، والأوبئة103. يبدو جليًّا أن سياسة أوباما فارقت كليًا ما انتهجه بوش، فركزت على الوسائل الدبلوماسية، وعلى "القوة الناعمة"؛ ما يعني أن الخيار العسكري أضحى ملجأً أخيرًا104. لم تسلم سياسة أوباما الخارجية من النقد؛ فوُصفت بالانكفاء والتردد، ما قلّل من مكانة الولايات المتحدة وهيبتها بوصفها دولة قائدة105. فقد سعى أوباما لخطّ مسارٍ متوازنٍ يحافظ فيه على القيادة الأميركية، من دون توريطها؛ ذلك أن استخدام القوة العسكرية منوطٌ بتعرض المصالح الأميركية الحيوية للخطر106، لذا تميزت سياسته بانحسارٍ في استخدام القوة العسكرية. حدد أوباما عناصر مبادئه: الأول، حصرُ استخدام الولايات المتحدة قوّتها العسكرية في حال تعرّض مصالحها وأمنها وحلفائها للخطر. الثاني، أكبرُ تهديد للولايات المتحدة هو الإرهاب الصادر عن التنظيمات المتحالفة مع القاعدة، أو تنظيمات متطرفة، فالحل يكمن في عمليات التصفية، أو باستخدام الطائرات المسيّة، وتشكيل تحالفات لمواجهة هذه الأخطار. الثالث، يجري استخدام القوة الأميركية بالشراكة الدولية مع المؤسسات المختلفة؛ فالأولوية لاستخدام الأدوات غير العسكرية، مثل: العقوبات الدولية والدبلوماسية، والتحالفات الدولية107. نتيجة لهذا غدت الولايات المتحدة قوة عسكرية واقتصادية ضخمة في عهده، ولكنها لم تتعامل - بحسب منتقديه - بحزم مع التحديات
الكبيرة التي واجهتها مع القوى الكبرى مثل الصين وروسيا وإيران، وشاب التردد سياساته109. لا يعني الاتفاق على الدور القيادي بين رؤساء الولايات المتحدة أن سياستهم لم يتخللها الارتباك في رؤيتها ومشروعها، إضافة إلى الإشكاليات المتتالية التي واجهوها. وصل التخبط في القرارات الاستراتيجية ذروته في فترة بوش، وإعلانه الحرب على الإرهاب110. ففي الحرب الباردة كان العدو محدّدًا، والاستراتيجيات المتبعة واضحة؛ إذ إنّ غياب العدو، والانفراد بالساحة الدولية، خلق حالة من الارتباك. لحقت الانتقادات سياسات البيت الأبيض بعد الحرب الباردة، من دون استثناء، فوجّهت انتقادات إلى بوش الأب، لتركيزه على السياسة الخارجية، وإهمال الاقتصاد الذي تراجع. أما كلينتون وأوباما فوصفت سياستهما بعدم الوضوح، وخلوّها من الأهداف والتوجهات، وقيامها على رد الفعل. ونال بوش الابن القسط الأكبر من الانتقادات اللاذعة؛ لأن سياساته أضرت كثيرًا بصورة الولايات المتحدة ودورها العالمي. تُظهر سياسات الرؤساء السابقين في سبيل القيادة اختلافًا بين الإدارات، حتى بالنسبة إلى الحزب نفسه. فمنبع الخلافات بينهم ليس حزبيًا، وإنما حول طريقة القيادة، وخلاصتها بإجابتهم عن السؤال: "هل نقود عبر تحالفات أم وحدنا؟." فبوش الأب الجمهوري وكلينتون الديمقراطي، قادا عن طريق بناء تحالفات، أما إداراة بوش الابن، فقادت منفردة ولم تُعر التحالفات اهتمامًا، إلا حينما واجهت تعقيدات في احتلال العراق111. حاول الرؤساء قبل ترامب تأكيد الهيمنة الأميركية، وكانت سياساتهم متباينة؛ فبوش الأب وكلينتون وأوباما، أرادوا الهيمنة بأرخص ثمن، ولم يفضلوا استخدام القوة العسكرية كثيرًا، فنسجوا خيوط الهيمنة عبر الرضا والتعددية والإجماع. غير أنّ هذا لم يمنعهم من استخدام القوة على نحو أحادي، ولكن السمة الغالبة تحقيق الهيمنة من دون تكلفة. وأخذ بوش الابن بسياسات الهيمنة القائمة على استخدام القوة بإفراط، متجاهلًالحلفاء، فهيمنته كانت باهظة على بلاده من نواحٍ مختلفة. يبدو أن الهيمنة الأميركية كانت أقرب إلى المفهوم الغرامشي، أما عهد بوش فهو إلى الهيمنة الواقعية أقرب.
رابعًا: استراتيجية الأمن القومي لترامب
صدرت الاستراتيجية القومية لترامب قبيل مضيّ عام على حكمه، وأثيرت إشكالياتٌ حولها. أولً، في صناعتها، فعادة ما يأخذ إعداد الاستراتيجية زمنًا أطول من سنة؛ لأنها حصيلة تفاعلات وتجاذبات وتنسيق بين الوكالات المختلفة، وهذا يشي بتجاوزها المراحل تلك في عملية البلورة. ثانيًا، ظهر تناقضٌ في تقديم ترامب لاستراتيجيته خطابيًا، وبين ما تضمنته فعلً، ومما يدل على ذلك غياب الصرامة في خطابه تجاه الصين وروسيا، فلم يُفهم منه أنهما عدوتان للولايات المتحدة، أو حتى منافستان لها كما ورد في صيغة الاستراتيجية، بل ذهب خطابه إلى مفردات التعاون معهما112. انطلقت استراتيجية ترامب من شعار "أميركا أولً "، محددة أربعة أهداف؛ حماية الشعب الأميركي، وتعزيز رخاء الولايات المتحدة، والحفاظ على السلام من خلال القوة، ودعم النفوذ الأم كيرر113، معلنة عودة الولايات المتحدة بقوة إلى النظام الدولي114. صيغت الوثيقة بطريقة الواقعية المبدئية، مع تغليب المنطق الواقعي القائم على مبدأ القوة، وتغليب المصلحة القومية115. فهو يرى أن بلاده
تواجه "المنافسة بصورة مستمرة في جميع المنافسات التي نتعرض لها في المناطق المختلفة، وعلى صعيد العالم كله"116. وقد حددت الوثيقة المخاطر التي تواجه الولايات المتحدة في شعبٍ ثلاث "مجموعات رئيسة من المنافسين، وهي: القوتان التعديليتان، روسيا والصين اللتان تخوضان منافسة شرسة مع الولايات المتحدة على مستوى العالم، من أجل 'تغيير النظام الدولي لمصلحتهما' والدولتان المارقتان، إيران وكوريا الشمالية اللتان تحاولان زعزعة هذا النظام في إقليميهما، الإرهابية، وكارتيلات الجريمة المنظمة التي تسعى لبث الفوضى في كل أرجاء هذا النظام"117. كما اتهمت الاستراتيجية سياسات الرؤساء قبله في تعاملها مع الدول، سواء الحليفة أم العدوة؛ وذاك بعدم تحميل الحلفاء الأعباء، وعقد اتفاقيات تراعي مصالح الحلفاء على حساب مصالح واشنطن، وصاحَبه توجيهُ النقد في التعامل مع ملفي إيران وكوريا118. ورغم إشارة الوثيقة إلى التحالف مع أوروبا، وأهمية تعميقه "لمواجهة القوى التي تهدد بتقويض قيمنا المشتركة ومصالحنا الأمنية ورؤيتنا المشتركة"، ودوره في "مكافحة التخريب والعدوان الروسي، والتهديدات التي تشكلها كوريا الشمالية وإيران"119، فإن مأخذها نابعٌ من عدم إيفاء الحلفاء بمسؤولياتهم في تحمل الأعباء، معتبرًا "الولايات المتحدة تفي بمسؤولياتها الدفاعية، وتتوقع من الآخرين، أن يفعلوا الشيء نفسه، ونتوقع من حلفائنا الأوروبيين زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 2 في المئة من إجمالي الناتج المحلي لسنة 2024، مع تخصيص 20 في المئة، من هذا الإنفاق لزيادة القدرات العسكرية"120. وفي ظل الأخطار والعالم الصراعي المعروض في الوثيقة، نتج تشديدٌ على أهمية تحديث القوة العسكرية بجميع مجالاتها121. بحسب الخلفية الواقعية، غيبت الاستراتيجية الحديث عن الاتفاقيات الدولية، والتعاون مع المؤسسات الدولية، لأنها لا تراها وسيلةً لتحقيق المصالح الأميركية، فتتعامل مع كل دولة منفردة من منطلق العلاقات الثنائية122. وقد طابقت الاستراتيجية المنطلقات الواقعية التي لا تعترف بوجود صداقات دائمة، ومؤمنة بوجود المعضلة الأمنية المانعة من الاعتماد على الغير والتعاون معه دومًا.
خامسًا: نواحي التغير في سياسة ترامب الخارجية
امتدت صعوبة فهم سياسة ترامب الخارجية من الباحثين، إلى قادة العالم، وبحسب رتشارد هاس: "ما زال معظم القادة الأجانب يحاولون التعامل معه[...]في كل مكان أذهب إليه، ما زلت أُسأل. ساعدنا في فهم هذا الرئيس، ساعدنا في التعامل مع هذا الموقف"123. فاستراتيجيته المتناقضة عقدت فهم سياساته، وازدادت غموضًا بأهواء ترامب الشخصية في تطبيقها. كما وصف النقاد إدراة ترامب بعديمة الاستراتيجية، بل صورة للمهزلة124. لعلّ تحليل سياسات ترامب مشوب بالتعقيد؛ لصعوبة مقارنة إدارته بالإدارات السابقة، نظرًا إلى سيطرته الشخصية البالغة في صنع القرار التنفيذي125. لقد اتسمت صناعة السياسة الخارجية الترامبية بالفردية؛ فهو المسيطر والمصدر الرئيس في بلورتها، متجاهلًالآراء الأخرى وبناء التوافقات، خلافًا للإدارات السابقة126؛ لذا يلجأ كثيرًا إلى وسائل التواصل الاجتماعي بغية إعلان سياساته الجديدة. وغابت المهنية في تعامله مع مؤسسات صنع القرار الأميركي، فقام بإبعاد وزارة الخارجية عن عملية صنع القرار الخارجي، وتراجع دورها في رسم السياسة الخارجية، لتحل محلها المؤسسة العسكرية، المتمثلة في مجلس الأمن القومي ووزارة الدفاع، وبعض المقربين من ترامب127. تميزت إدارته بعدم التوافق بينه وبين عدد من المسؤولين، وشهد عهده ارتفاع عدد المستقيلين، إضافة إلى فجوات تظهر غالبًا بينهم وبين الرئيس128. فهو أول رئيس أميركي يشهد خلال عامين من
مستهل حكمه مغادرةَ وزير الخارجية، ووزير الدفاع، ومستشار الأمن القومي، فالتبدل الدائم لكبار المسؤولين يعطل جريان السياسات؛ ما جعل سياسات ترامب دائمة التحول مع كل أزمة جديدة، وهذا يتماهى مع الأسلوب غير المتوقع للرئيس129. هناك توجهان في تقييم السياسة الخارجية لترامب: يرى منتقدوه أن مآلات سياساته منذ 2016 نهاية السلام العالمي والأمن البشري. أما أنصاره، فيعتقدون أنها ستعيد العزة للولايات المتحدة، وستواجه نظامًا عالميًا قمعيًا130. لفهم وجهتي النظر هاتين؛ تسلّط الدراسة الضوء على طبيعة سياسة ترامب الخارجية ومعالمها، مع بيان الاختلافات مقارنةً بسابقيه. اعتلى ترامب الحكم منتهجًا سياسة خارجية تقوم على ما أعلنه '"أميركا أولً ' ستكون الموضوع الرئيس لإدارتي"131، ومعتقدًا "ستضع سياستي الخارجية دائمًا مصالح الشعب الأميركي، والأمن الأميركي، فوق كل اعتبار"132. رفع هذا الخطاب قيمة مكانة الاعتبارات القومية فوق الحوكمة العالمية133. ليس ترامب هو ناحت الشعار الذي تبناه، بل استرجعه من ثلاثينيات القرن الماضي، وأحياه134. نفخُ الروح في المفهوم متصلٌ بعدم إيمان ترامب بالولايات المتحدة قوةً مهيمنةً، ومهمتها تسهيل عمليات التجارة الدولية، وفرض سيادة القانون داخل النظام الدولي، وتوفير السلع العامة الدولية، فهذا أمر عنده مستهجنٌ وغريب135. استجلب ترامب مبدأ "أميركا أولً " حتى يوضح أن مصالح بلاده هي الأولوية، وهي الأرضية لخيارات السياسة الخارجية. فليس على الولايات المتحدة تحمّلُ أعباء دول أخرى من دون مقابل. فمنذ توليه منصبه في كانون الثاني/ يناير 2017، اتبع سياسة أحادية الجانب، قوامها تحقيق المصلحة الذاتية الوطنية. فلم يميز بين الدول التي تربطها بالولايات المتحدة تحالفات، وأخرى منافسة. وبتفضيله شعار "أميركا أولً "، لم يكن متحمسًا كسابقيه لموقع الضامن للأمن الدولي، لذا، رفض العولمة، وألقى بظلال من الشك على التحالفات والمعاهدات المتعددة الأطراف، وأعطى المخاوف الشعبوية للجماهير المحلية الأولوية136. رأى إيكنبيري أن ترامب يقوّض أسس السياسة الخارجية التي قامت - في اعتقاده - على خمس سياسات أساسية: السياسة الأولى هي الدولية المتمثلة بضرورة قيادة الولايات المتحدة للعالم، وانخراطها في الشؤون الدولية، وفي المناطق والأقاليم المختلفة في العالم؛ لأن ذلك سبيلُ تعزيز مصالحها الاقتصادية والسياسية والأمنية. أما ترامب فلا يؤمن بالدور القيادي الأميركي، ولا يعتبره ضرورة، فعلاقات واشنطن مشروطة بتحقيق مصالحها، وهي أشبه بعلاقات تجارية، وعلى الجميع الدفع، والتحالفات عنده بلا فائدة ومغزى. ما ذُكر آنفًا، جعل ترامب يتجاهل الترتيبات الدولية الخارجية، إذ "يبدو أنه لا يرى نظامًا محددًا ببيئة استراتيجية ذات قواعد ومؤسسات وشركاء وعلاقات"137. وتجسيدًا لما سبق، اعتبر الرئيس أن الناتو "عفا عليه الزمن"، مقترحًا أن يدافع حلفاء الولايات المتحدة الرئيسون عن أنفسهم138، فالناتو عنده بلا جدوى؛ لأن تكاليفه أعلى من عائداته، فلم يعد يفي بالأغراض التي أُسّس من أجلها139. وكرّس دعواه بالطلب من أعضاء الناتو تحمّل مزيد من المسؤولية حتى يتحقق أمنها وأمن منطقتها140. وبتأثير الترامبية، انسحبت الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن إيران، والشراكة عبر المحيط الهادئ، ومن اتفاق باريس بشأن تغير المناخ، ومعاهدة القوات النووية الوسيطة141. وشكك في جدوى تحالفات الولايات المتحدة والوجود العسكري في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط142. السياسة الثانية هي تنكّر ترامب لالتزام الولايات المتحدة بسياسة فتح التجارة، التي ترجع بداياتها إلى عام 1934، حينما
صدر "قانون اتفاقيات التجارة المتبادلة"، وعمل على إعادة فتح الاقتصاد العالمي بعد الكساد الكبير. ومنذ ذلك الحين غدا دور الولايات المتحدة مركزيًا لضمان انسيابية التجارة الدولية، ولكن ترامب بنى سياسته التجارية على النقيض من ذلك، واتبع سياسة قائمة على المركنتالية واللعبة الصفرية143. وتطبيقًا لذلك، أعلن ترامب حربًا تجارية شملت معظم اقتصادات العالم، ففرض رسومًا جمركية على بعض المنتجات الواردة من الاتحاد الأوروبي والصين وكندا والمكسيك. ولم يكتف بذلك، بل هدد دولً حليفةً بالعقوبات، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، فضلً عن دول مفروض عليها عقوبات أساسًا، منها فنزويلا وكوريا الشمالية وباكستان144. وأعاد التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية "نافتا"، واتفاق التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكوريا، وفرض رسومًا جمركية بلغت أكثر من 250 مليار دولار أميركي على الواردات الصينية145. سياسة فرض التعريفات الجمركية هذه ما سلم الحلفاء منها، مثل كندا والاتحاد الأوروبي، ولا المنافسون مثل الصين، فعاملهم على حد سواء146. وفي تعامله مع الصين - الشريك الأكبر في التعامل التجاري مع الولايات المتحدة - اعتبرها قوة منافسة، مطبقًا عقلية المواجهة الشاملة، فعزز بذلك التنافس الصيني - الأميركي147. واجه الصين، حيال ما اعتبرها ممارسات غير منصفة تفعلها، بعدم فتح أسواقها أمام المنتجات والخدمات الأميركية، وعمليات نقل التكنولوجيا القسرية، وسرقة الملكية الفكرية. وهدفت سياساته - بحسب رؤيته – إلى التقليل من الآثار السلبية للعولمة148. فرض الرئيس قيودًا جديدة تخص الاستحواذ على الشركات الأميركية، تمثلت بإقرار قانون جديد لتحديث مراجعة مخاطر الاستثمار الأجنبي149. نتيجة هذه الإجراءات - بحسب إحصائيات تقرير يعود إلى عام 2019 - انخفضت الاستثمارات الصينية في الشركات الأميركية بنسبة 94.6 في المئة، مقارنةً بعام 2016، من 55.3 مليار دولار إلى 3 مليارات دولار150. وتواصل انتقاد ترامب الهيئات المتعددة الأطراف والاتفاقيات التجارية الداعمة للتجارة الدولية: منظمة التجارة العالمية، واتفاقية التجارة الحرة لأميركا، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)151. السياسة الثالثة التي حاول ترامب إطاحتها هي دعم الولايات المتحدة القواعد والمؤسسات المتعددة الأطراف، مع أنها أسهمت في شرعنة قوة الولايات المتحدة. فقد عملت واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية على إنشاء شبكة عالمية من المؤسسات والأنظمة، وهذا أسهم في زيادة التعاون، وجذب الدول الأخرى للهيمنة الأميركية، لأنها اعتبرتها مفيدة، وهذا ما جعل وجودها العالمي أكثر قبولً واستدامة. لم يأبه ترامب لهذه السياسة ولا لإنجازاتها. فقد أعلن استعداده لإعادة التفكير في التزام واشنطن المالي والسياسي تجاه الأمم المتحدة، محقرًا من قيمة القانون الدولي وأهميته152. وتطبيقًا لهذه النظرة السلبية للمؤسسات الدولية، انسحبت الولايات المتحدة من اليونسكو، والاتحاد البريدي العالمي، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والميثاق العالمي للأمم المتحدة بشأن الهجرة153، والمحكمة الجنائية الدولية154. كما انسحبت من منظمة الصحة العالمية في ظل جائحة كورونا، ولم تبالِ بتأثير ذلك في المنظمة والعالم في ظل الأوضاع الصحية المتدهورة155. السياسة الرابعة تكمن في احتقار ترامب ورفضه الطابع المتعدد الثقافات والمفتوح للمجتمع الأميركي. فالولايات المتحدة قامت على كونها أمة من المهاجرين، وانفتاحها هذا جذب الناس إليها من أنحاء العالم جميعًا. قلبت إدارة ترامب ظهر المجن لذاك الانفتاح، ولا سيما موضوع الهجرة، فتبنى إقامة جدار عازل على طول الحدود المكسيكية، وحظر استقبال المهاجرين من ستة بلدان ذات أغلبية مسلمة، وأغلق الحدود مؤقتًا أمام اللاجئين جميعًا156.
ذهبت سياسة ترامب الخامسة في اتجاه تقويض الديمقراطية التي آمن بها الرؤساء السابقون، من توماس ويلسون إلى أوباما، فبنوا سياساتهم الخارجية على ضرورة وجود الديمقراطيات الليبرالية، وأهميتها في تعزيز التعاون الدولي. يرفض ترامب التمييز بين الأصدقاء الديمقراطيين الليبراليين والمنافسين المستبدين157، فلم يظهر اهتمامًا كبيرًا بنشر الديمقراطية، ووجود مجتمعات حرة، وانجذب إلى القادة الاستبداديين158. واستطال الأمر به بتجاهله للتعامل الدبلوماسي، فأهان ترامب رؤساء الحكومات الحليفة في كندا وألمانيا والمملكة المتحدة، بيد أنه لم يلم القادة الروس والسعوديين لخرقهم القانون الدولي وانتهاكهم له159. وبناء عليه، اعتبر أنه يثق بأنجيلا ميركل وفلاديمير بوتين على قدم المساواة. ردًّا على ذلك، ينظر بعض الأوروبيين الغربيين إلى إدارة ترامب - ومن ثَمّ الولايات المتحدة - على أنها تهديد أكبر من روسيا بوتين160. وكان نقلُ السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس ترسيخًا آخر لتغريد ترامب خارج الإجماع الدولي161. إن سياسات ترامب المتّبعة لا تندرج في إطار الانعزالية؛ فإدارته لم تذهب إلى سياسة الابتعاد الكلي عن الشؤون الدولية، بل أرادت تقليل العبء عنها لمنع (الركوب المجاني)، ثم الفوز باللعبة الصفرية. لذلك تتّسم سياسته بالانتقائية في التدخلات التي تحقق الفائدة الأكبر. وفي هذا السياق، انتهجت سياسة ترامب الخارجية عملية تفكيكٍ لمِا حُقّق في عهد سلفه أوباما162. إذًا؛ ما جديد سياسات ترامب؟ ألم يقوّض بوش الابن أسس النظام الليبرالي، حينما تصرف منفردًا وخاض حروبًا استباقية؟ الإجابة عن التساؤلات، تحيل إلى الإشكالية الكبرى التي شهدتها إدارة ترامب، فهي "جمعت كثيرًا من عيوب الإدارات التي سبقتها وبزّتها فيها [...]لا يمكن الاتفاق على ناظم موضوعي لسياستها الخارجية، لا مع الحلفاء ولا مع الخصوم، ولا حتى مع الأعداء"163. كما أن حالة التخبط الخارجي في عهد ترامب غير مسبوقة؛ فميّع الحدود بين الدول الحليفة والعدوة، وسِمةُ التقلّب لصقت سياساته القائمة على رغباته الشخصية؛ ما أضعف مكانة الولايات المتحدة دوليًا. فالقيادة تتطلب استراتيجية بيّنة، لا الارتجالية. وعمل على تهشيم صورة الولايات المتحدة بوصفها قائدة العالم، ولعلّ الأمر كامنٌ في عدم رغبته في قيادة العالم، فترك الساحة فارغة164.
سادسًا: ترامب وتقويض أسس النظام الدولي الليبرالي
ثمة جدل فكري دائب حول العلاقة بين الهيمنة الأميركية والنظام الدولي الليبرالي165، يدور حول سؤال أساسي: "أيوجد' نظام دولي ليبرالي'، أم أن الجملة تقال لتبرير الهيمنة الأميركية والإمبراطورية غير الرسمية؟"166. يطرح إيكنبيري تفسيرًا تاريخيًّا لهذا الترابط، عائدًا إلى بدايات تأسيس النظام الليبرالي، قائلً: قامت الولايات المتحدة وشركاؤها ب "بناء النظام الدولي المترامي الأطراف، المنظم، حول الانفتاح الاقتصادي والمؤسسات المتعددة الأطراف والتعاون الأمني والتضامن الديمقراطي[…]أصبحت الولايات المتحدة 'المواطن الأول' في هذا النظام، ووفرت القيادة المهيمنة، وترسيخ التحالفات، واستقرار الاقتصاد العالمي، وتعزيز التعاون، ومناصرة قيم 'العالم الحر"'167. لعلّ رسم الصورة السابقة للنظام الدولي الليبرالي بعد الحرب العالمية الثانية أمر مبالغ فيه، فالنظام، بحسب ناي، لم يكن ليبراليًا ولا عالميًا، بل قام على "إطار أمني ومجموعة متنوعة من المؤسسات المتعددة الأطراف"168. فالولايات المتحدة دعمت الحكومات الاستبدادية أحيانًا كثيرة، في إطار المنافسة المحمومة أيام الحرب الباردة. واعتمد النظام على توازن القوى، والأمن الذي عُزّز بإنشاء الناتو169. إذًا، فالنقد الموجه إلى واشنطن وعلاقتها بالنظام الليبرالي يتمثّل في أنها لم تتصرف وفق القيود الليبرالية، فاستخدمت القوة القسرية بطريقة غير ليبرالية170.
تلك العلاقة الأزلية - بحسب الليبراليين - وُضعت على المحك، وتنامت التخوفات في الولايات المتحدة، منذ بداية عهد ترامب. هذا ما دفع أكاديميين كثُرًا إلى المناداة بضرورة استمرار الدعم الأميركي للنظام الدولي، بوصفه وسيلة لتحقيق الهيمنة؛ إذ إنهم لا يرون الهيمنة الأميركية إلا من خلاله، فالدعم صنو الهيمنة. فقد وقّع مئاتُ خبراء العلاقات الدولية رسالة عامة تحذر من سياسات إدارة ترامب المهدّدة للنظام العالمي الليبرالي171؛ ذلك أنهم يرون أنه يهدف إلى تدمير النظام الدولي ومؤسساته، ويُقرون بضرورة إصلاح النظام من دون تدميره؛ لأنه خدم الولايات المتحدة وحلفاءها ما يربو على سبعة عقود. ويعتبرون مآل التخلي عن النظام الليبرالي الانحدار والفوضى، وخاصة، مع غياب مؤسسات فعّالة تشجع التعاون وتنظمه172. انتقد الليبراليون والواقعيون معًا سياسة ترامب؛ فعبر الليبراليون عن الحنين إلى "النظام الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة"، أما الواقعيون - أمثال والت وميرشايمر - فلم يدافعوا عن النظام الليبرالي، ولكنهم تاقوا إلى النظام الواقعي في الحرب الباردة173، لأنهم يعتقدون أن النظام الليبرالي ما كان عالميًّا البتة، وشابته سلوكيات غير ليبرالية. لقد انتهكت الولايات المتحدة قواعد هذا النظام، بما يتماشى مع مصالحها الذاتية، فساندت حكامًا استبداديين، وسعت لتفكيك نظام بريتون وودز Woods Bretton، وغزت العراق عام 2003 174. مع ذلك، فإن الواقعيين أطلقوا سهام النقد على سياسة ترامب؛ وذاك لغبش الرؤية الواقعية في سياساته المفتقرة إلى توازن القوى، مقارنةً بالحرب الباردة، حينها كان لدى واشنطن دور فعّال في تعزيز الأمن الأميركي، بمنع ظهور هيمنة إقليمية، والحفاظ على توازن القوى العالمي. أما ترامب، فنأى عن ذلك، فاعتبُرت سياساته غير واقعية175. والانتقاد الأكبر لسياسته الخارجية كان من أصحابه الليبراليين الذين يُضفون الطابع الرومانسي على النظام الليبرالي، ويعبرون عن مزاياه، منتقدين هجمات ترامب المتكررة عليه176. وهذا ما استند إليه إيكنبيري في اعتباره ترامب مذنبًا، بتعريضه النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة للخطر177. وفي هذا السياق، لا بد من التمييز بين الهيمنة والأحادية القطبية، على أساس ضرورة وجود القبول والشرعية للدولة المهيمنة. يرى مايكل ماستاندونو أنه "يمكن أن تكون هناك هيمنة بلا قطبية أحادية، وقطبية أحادية بلا هيمنة. ويمكن أن تستمر الأحادية القطبية، سواء أحبت ذلك الدول الأخرى أم لا"178. يدعو الطرح السالف إلى التفرقة بين بقاء الولايات المتحدة دولة أحادية القطبية واستمرار الهيمنة بالمزاوجة مع النظام الدولي الليبرالي. فالهيمنة الأميركية اعتمدت على شبكة العلاقات والمؤسسات المُنشأة للدفاع عن النظام والحفاظ عليها، لذلك اعتبرت واشنطن نفسها مدافعًا رئيسًا عن أسلوب الحياة الرأسمالية الديمقراطية المبني على القيم والقواعد. ووفّرت الحماية العسكرية لبعض الدول، وطرق الشحن الآمنة. وعملت على تسهيل الوصول إلى الدولار والأسواق الأميركية. في المقابل، أبدت الدول ولاءها للولايات المتحدة وللنظام179.
ليست أبعاد دفاع الليبراليين عن النظام أيديولوجية فحسب، بل مصلحية في شق آخر؛ لأن الولايات المتحدة استفادت كثيرًا من النظام الليبرالي القائم الذي ساهم في تحقيق المصالح الأميركية، في أنحاء العالم جميعًا على المدى الطويل. ورغم أن التكاليف التي قدمتها واشنطن لحلف الناتو علت أسهمَ حلفائها، فإنها حازت ثماره الكبرى؛ إذ إنّ الولايات المتحدة شكلت الحلف وقادته. وساهم الحلف في ردع الاتحاد السوفياتي سابقًا، ثم روسيا لاحقًا، وفي الحرب الأهلية اليوغوسلافية في كوسوفو وأفغانستان وليبيا وأماكن أخرى180. وفي اتجاه آخر، ساهمت المؤسسات المختلفة، مثل الاتحاد الأوروبي ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي، في دعم النظام الدولي وازدهاره181. بدأ رفضُ ترامب النظام الدولي الليبرالي مع ترشحه للرئاسة. وفي خطاب تنصيبه رئيسًا، أعلن نهجًا مختلفًا في التعامل مع الدول، أساسه تحقيق مكاسب نسبية تجاه بقية النظام الاقتصادي العالمي قائلً: "الفضل لنا في ثراء دول، في الوقت الذي اضمحلت ثروتنا وقوتنا[...] أقفلت المصانع مغادِرة سواحلنا، غير آبهة بمصير الملايين من عمالنا، وانتزعت ثروة الطبقة الوسطى من عقر دارهم، لتوزّع في أنحاء العالم شتى[...]فرض علينا حماية حدودنا من شرر الأقطار الأخرى، التي تصنع منتجاتنا، وتنهب شركاتنا، وتدمر وظائفنا. ستؤدي الحماية إلى ازدهار وقوة عظيمين"182. ومع بداية حكمه، غدت تصريحاته أفعالً، فعمد إلى تدمير ركيزة الانفتاح الاقتصادي العالمي في النظام. وأعاد النظر في الاتفاقيات، فانسحب من بعضها، وعدّل أخرى. وفرض الرسوم الجمركية، لإعادة توزيع المنافع على الولايات المتحدة183. وعملت إدارته كذلك على التقليص من حجم الانتشار الدائم للولايات المتحدة على أراضي الحلفاء، واستعاضت عنه بوحدات متنقلة. كما طالب الحلفاء بدفع تكاليف استضافة القوات الأميركية، مضافًا إليها زيادة بنسبة 50 في المئة184. فصوّب رفضُ ه مبادرة الشراكة عبر المحيط الهادئ الأنظار نحو الصين بوصفها لاعبًا مركزيًّا في المنطقة. ونشأت تخوفات من تعامل ترامب مع الحلفاء، فقد يؤدي إلى نهاية النظام المهيمن، والعلاقات التي تدعمه. أثّرت حصيلة سياسات ترامب سلبيًا في علاقات واشنطن وشركائها، فقلل من قيمة العلاقات التشاركية، معتبرًا إياها مؤقتة وخاسرة؛ إذ لم تتسع نظرته ليراها علاقات طويلة واستراتيجية، يستفيد منها الطرفان، بل تعامل معها على أساس لعبة صفرية "رابح وخاسر"185. فقد انعكست سياساته على العلاقات بدول في أميركا اللاتينية وأفريقيا؛ ذلك أنّ الصين أنفقت أموالً ضخمة طوال عقدين للحاق بالنفوذ الأميركي ودعم صورتها هناك، ولكن التفوق الأميركي أخذ يتلاشى بفعل سياسات ترامب186. لم تؤتِ سياساته تلك أكلها ضدّ المنافس التجاري الأساسي؛ فمفاوضات واشنطن مع بكين لخفض العجز في الميزان التجاري الأميركي لم تُفلح، فأعلنت إدارة ترامب حربًا تجارية مع الصين في 2018 بعد فشل جولات التفاوض. وسريعًا، ردت الصين بزيادة الرسوم الجمركية على عدة سلع أميركية. فشل ترامب في خفض العجز التجاري الحالي وفق إحصاءات أظهرت أنه "بلغ إجماليه 347 مليار دولار في عام 2016، وزاد إلى 375 مليار دولار في عام 2017، وإلى 420 مليار دولار بعد تطبيق الإجراءات الحمائية"187. لعلّ ترامب نجح في الضغط على بعض شركاء الولايات المتحدة، باستخدام الترهيب للوصول إلى صفقات تجارية أفضل، أو زيادة في تحمل أعباء الدفاع. في المقابل، قد يقضي هذا النجاح على ما استثمرته الولايات المتحدة عبر سبعة عقود، بجعل العالم ساحة أكثر أمانًا ونفوذًا لها188. فحصيلة سياساته تصاعد العداء العالمي تجاه واشنطن. رأى إيكنبيري أن النظام الدولي الليبرالي يمر بأزمة، فقال: "المرة الأولى منذ ثلاثينيات القرن الماضي، تنتخب الولايات المتحدة رئيسًا معاديًا لليبرالية الدولية وما تحتويه من التجارة والتحالفات والقانون الدولي والتعددية والبيئة ومنع التعذيب وحقوق الإنسان"189. فالخطر الأكبر الذي يواجه الهيمنة الأميركية والنظام الليبرالي يتمثل بواشنطن وليس بالدول التعديلية مثل الصين وروسيا190.
سابعًا: هل يبعث بايدن الروح في الهيمنة الأميركية؟
بدايةً، لم يذهب مشروع الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية بعيدًا عن المصالح القومية الأميركية، واستهدف تحقيق المصالح الوطنية للولايات المتحدة، ولكن عبر اتباع الوسائل الدولية191. لقد أجبرت الأوضاع الدولية صانعي القرار في واشنطن على توسعة المفهوم الضيق للمصالح، فنحت صوب بناء نظام دولي جديد بقيادتها، يتميز باقتصاد عالمي مفتوح، وتستثمره في تعزيز المثل الليبرالية؛ نحو الديمقراطية وحقوق الإنسان. بحسب إيكنبيري، كان هذا المشروع "الأكثر طموحًا والأبعد مدى[...]ولم يشهده العالم حتى الآن"192. وضع ترامب أولى الخطوات في سبيل إحياء عقيدة قديمة في السياسة الخارجية، وتعريف المصلحة ضيّقٌ جدًّا فيها. يجعل هذا السلوك الولايات المتحدة دولة عظمى، تقدّم مصالحها على حساب الآخرين، مهمّشةًالنظام الدولي الليبرالي الذي أقامت أركانه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية193. قام النظام الأميركي بأول خطواته لإيقاف سياسة ترامب، عن طريق قوته التعديلية المستندة إلى الانتخابات الرئاسية ونتائجها، وقد أتت ببايدن رئيسًا. فسمات السياسة الخارجية الأميركية "ليست ثابتة، ونهائية، وقطعية، بل متغيرة تعمل وفق مبدأ تحرك 'بندول' الحائط الذي يستمر في التأرجح يمينًا ويسارًا"194. مع كل انتخابات يتحرك البندول، فإما أن يستمر الرئيس أربع سنوات أخرى، وإما أن يأتي رئيس جديد، وفي حوزته سياساته ورؤاه، فيُعدل النظام نفسَه بنفسه. نتساءل هنا: ما السياسات التي سيتبعها بايدن بوصفه رئيسًا جديدًا؟ وكيف ستؤثر في الهيمنة والنظام الدولي الليبرالي؟ وعد بايدن - في مقالة له بعنوان "لماذا على الولايات المتحدة أن تقود مرة أخرى؟" - بنسف سياسات ترامب داخليًا وخارجيًا، وإجراء إصلاحات جذرية داخليًا وخارجيًا. فأكدّ دور الولايات المتحدة القيادي بالشراكة مع الحلفاء، وتصويب العلاقات بالصين، مؤيدًا العودة إلى الاتفاقيات الدولية التي غادرتها بلاده، متعهدًا بعقد اتفاقيات جديدة أساسها المصلحة الأميركية. وعد بايدن باستخدام الوسائل الدبلوماسية، والعودة إلى الحث على نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولكنه أبقى خيار القوة العسكرية ملاذًا أخيرًا، في حال فشل السبل الأخرى، فسيعمل على تقوية القوة العسكرية والحفاظ عليها. تبدأ قاعدة الانطلاق لعودة القيادة الأميركية من الداخل، مبينًا "كأمة علينا أن نبرهن للعالم أن الولايات المتحدة مستعدة للقيادة من جديد. ليسَ فقط من خلال نموذج قوتنا، بل أيضًا من خلال قوّة النموذج الذي نُقدِّمه للآخرين"195. إن تحقيق أفكار بايدن ليس أمرًا يسيرًا؛ فسياسته التعديلية تضعه في مواجهة العقبات الداخلية والخارجية، وتداعيات إرث ترامب. فداخليًا، أمامه مهمة مواجهة الشعبوية في المجتمع الأميركي التي ترفض العولمة والانفتاح على السوق. كما أن توجهات بايدن تحتم على متبعيه إعطاء الأهمية لقضايا تتعلق بعدم المساواة الاقتصادية، ومساعدة الفئات المتضررة على التكيف في ظل المتغيرات الاقتصادية196. ويرى ناي أن "مكانة الولايات المتحدة في هذا العالم قد تكون مهددة أكثر من صعود الشعبوية في الداخل أكثر من القوى الأخرى في الخارج"197. فعلى بايدن حل المشاكل الداخلية بالتوازي مع الخارجية. يواجه بايدن تحديات خارجية جسيمة، وقد لا يتمكن من حلّها جذريًا، بل جزئيًا. وهذا ما يؤكده ريتشارد هاس بقوله: "ليست هناك عودة إلى ما كانت عليه الأمور. قد لا تكون أربع سنوات فترة طويلة في اكتساح التاريخ، لكنها طويلة بما يكفي لتغيير الأشياء بشكل لا رجعة فيه. الصين أغنى وأقوى، وكوريا الشمالية لديها أسلحة نووية أكثر وصواريخ أفضل، وتغير المناخ أكثر تقدمًا، وتم نقل السفارة الأميركية إلى القدس، ونيكولاس مادورو أكثر ترسخًا في فنزويلا، مثل بشار الأسد في سورية. هذا هو الواقع الجديد"198. إذًا، على الرئيس الجديد تحجيم الآثار التي خلّفها ترامب في تعامله مع انتشار كورونا، وعليه بذل جهد لترميم العلاقات بالدول الحليفة، وإرجاع بلده إلى الاتفاقيات الدولية التي انسحبت منها، وتعديل سياسات الهجرة199. ليس مستقبل الولايات المتحدة الخارجي مرتبطًا بسياسات بايدن فحسب؛ ولكنه متعلق بأمرين: يتمثّل أولهما باستراتيجيات الدول
الكبرى صاحبة التأثير الحاسم، بقدرتها على انتهاج سياسات تعديلية في النظام الدولي، والتي لم تظهره منها جليًا حتى اليوم، كما أن الدول الحليفة لواشنطن لم تتخلَ عن النظام الليبرالي. فقد أعلن الرئيس الصيني في دافوس عام 2017، أن مشاكل العالم ليست نتاج العولمة الاقتصادية. أما اليابان، فقامت بدور كبير بعد خروج واشنطن من الشراكة عبر المحيط الهادئ، وعملت على استبدالها بالاتفاقية الشاملة والمتقدمة للشراكة عبر المحيط الهادئ، أما الهند فقد زاد رئيس وزرائها ناريندرا مودي جهود بلاده لتحقيق أهدافها المتعلقة بكبح انبعاثات الغاز الدفيئة بموجب اتفاقية باريس التي انسحبت منها الولايات المتحدة، وأما فرنسا وألمانيا فزادتا دعمهما للناتو على نحو ملحوظ منذ 2017، بعد سنوات من التراجع200. ويتمثّل الأمر الثاني بمسألة الفراغ الأمني الذي تركته واشنطن عالميًا، فليس سهلً تنفيذُ سياسة "التوازن خارج المجال" balance Offshore، التي نفذها ترامب بحسب بعض الباحثين. ويقوم هذا النهج على تشجيع الدول لكبح القوى الصاعدة في مناطقها، فتكون خطَّ الدفاع الأول، والولايات المتحدة تتدخل عند الضرورة201. هذه السياسة، حتى الواقعيون يخشون من نتائجها، فتحدث شويلر عن صعوباتها بقوله: "الحيلة تكمن في تنفيذ الاستراتيجية، أي كيفية فطم العالم عن القوة الأميركية، مع تجنب الهبوط الصعب (على سبيل المثال، سباقات التسلح الإقليمية والمعضلات الأمنية الشديدة.) حتى مع القيادة الأكثر مهارة، يمكننا أن نتوقع رحلة وعرة للغاية"202. يقع على بايدن تحديدُ سياساته الخارجية، إنْ كانت ستتشابه مع سياسة أوباما المنتقدة بترددها؟ وهل سيبنيها هيمنة بأقل تكلفة نحو صنيع الرؤساء السابقين؟ وهل حقًا هناك مجال للعودة إلى الهيمنة مع تركة ترامب الثقيلة، وبعد التدهور في النظام الليبرالي؟ أسئلة تحتاج من بايدن حلولً وسياسات واضحة المعالم. لا ضمان لاستمرار سياسات الدول التعديلية أو الحليفة؛ فبحسب افتراضات غيلبين، يعتمد التغيير الذي تحدثه القوى الكبرى على المعادلة بين الفوائد والتكاليف ف "كلما زادت قوة الدولة، تتناقص التكلفة النسبية لتغيير النظام، ومن ثمّ، تحقيق أهداف الدولة[...] لذلك، وفقًا لقانون الطلب، ومع زيادة قوة الدولة، تزداد احتمالية رغبتها في السعي إلى تغيير النظام"203، فلا يمكن المراهنة على استمرار الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي في النهج نفسه، إذا لم يصلح بايدن ما أفسده ترامب، وتغيرت حسابات الفوائد والتكلفة. هناك عقبتان في طريق القوى التعديلية: أولً، هل تستطيع تحمل أعباء قيادة النظام الدولي؟ وهل هي قادرة ماديًّا على ذلك؟ أما الآخر: فهل تمتلك هذه الدول رؤية واضحة وطروحات وترتيبات مؤسسية بديلة في حال تغيير النظام جذريًا؟204
خاتمة
وعد دونالد ترامب ناخبيه بجعل الولايات المتحدة عظيمة من جديد، ولكنه غادر البيت الأبيض من دون تحقيق شعاره. وترك لخلفه جو بايدن إرثًا ليس سهلًالتعامل معه205. لقد أسهم ترامب في تقويض الركيزة السابقة للسياسة الخارجية الأميركية، بدعمها النظام الدولي الليبرالي، ووضع الحلفاء قبل الأعداء في وضع صعب ومعقّد، وأذاب التمييز بين الأصدقاء والأعداء. لقد كانت المزاجية والغطرسة واللامنهجية والتقلب سمات سياسته الخارجية؛ ولذا، فعلى الرئيس الجديد ضبط حدود العلاقات الأميركية وطبيعتها مع الدول جميعًا. لقد اجترح الرؤساء الأميركيون جميعًا بسياساتهم بعد الحرب الباردة أخطاء، فأُسيء استخدام الهيمنة، فلا ادعاء صائب بأن ترامب أوّل من قوّض الهيمنة والنظام الليبرالي، ولكن الفارق الكبير أنه "تحت إدارة ترامب، يبدو أن الإدارة الأميركية فقدت الرغبة أو الاهتمام أو بالأصح فقدت إيمانها بالفكرة والهدف الذي ساهم في هيمنتها لعقود ثلاثة خلت"206. كما أن فقدان الإيمان بالفكرة، ميّز ترامب من سابقيه، فليس الأمر سياسات خاطئة محدودة فحسب، وتجاهل ترامب تحذيرات زبيغنيو بريجنسكي - المقتسبة من ريمون آرون - أنه على الرؤساء الأميركيين أن يدركوا "إن قوة الدولة العظمى تتقلص إذا توقفت
عن خدمة فكرة ما"207. ولذا، يستحق ترامب بجدارة وسم عهده ب "القيادة الكوارثية"208. من المرتقب أن يسعى بايدن إلى القطيعة مع حقبة ترامب التي ستسفر عن "أمرين لا ثالث لهما: إمّا أن تحتل دول أخرى مكانة الولايات المتحدة، وبنهجٍ لا يرسِّخ مصالحنا وقيمنا، وإما لن يستطيع أحد القيام بذلك، فتنتشر الفوضى. في كلتا الحالتين، مردود ذلك سيئ على الولايات المتحدة"209. فالهيمنة الأميركية الموعودة من بايدن، لا تقوم على أساس القوة العسكرية والفرض، بل على الأساس الغرامشي المزاوج بين القوة والموافقة، وهي هيمنة أعمدتها ليبرالية. السؤال هنا: كيف سيجابه بايدن التحديات الجمة الداخلية والخارجية التي تعتري الهيمنة الأميركية؟ وهل سيعيد ضبط البوصلة؟ ثمة سيناريوهات ثلاثة محتملة تنتظر مستقبل الهيمنة الأميركية، في ظل حكم بايدن. الأول، إشعال جذوة الهيمنة الأميركية وقدرته في فترته الأولى على إصلاح ما اعتراها جذريًا. والثاني، قد يمثل وصول بايدن إلى البيت الأبيض خطوة أولى على طريق استعادة الهيمنة، فتتسم حقبته بالتغيير الجزئي، وذاك لتشعب الحمل الذي خلفه له ترامب وثقله. والثالث، الفشل في مجابهة التحديات الجسام التي تؤرق الولايات المتحدة، ثم التيه والتذبذب في سياسات ردات الأفعال، إذا ما شابه بتوجهاته إدارة أوباما. أعلن بايدن في خطابه في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، أن "الولايات المتحدة عادت." لكن رجوع الولايات المتحدة ليس مفروشًا بالورود، فإصلاح ما تركه ترامب صعب ومعقد؛ وهذا أمر يوقنه بايدن جيدًا. لذا من المستبعد جدًا أن تستوعب فترته ما تراكم من معضلات أوهنت خيوط الهيمنة الأميركية، فالحلم الليبرالي ببعث الهيمنة الأميركية من جديد أمر صعب المنال، وتكاليفه باهظة أضعاف ما احتاجته سابقًا، خاصة في ظل تعاظم قوة الدول التعديلية كالصين وروسيا. لذا فمن المرجح، أن يراوح عهده بين الإصلاح الجزئي والفشل الذريع. وهذا منوط بطبيعة سياساته وخياراته، فنجاح بايدن مرهون بمعالجة الانقسامات الداخلية والتوجهات الشعبوية، وإصلاح الديمقراطية، وإعادة صهر المجتمع الأميركي. ثم "استعادة ما يصفها (بالقيادة الأخلاقية) في العالم، وإظهار (قوة النموذج الأميركي)، بغض النظر، اقتنعنا بأنهما قائمان أصلً أم لا". أما إذا لم ترتقِ سياساته إلى مستوى التحديات وغاب عنها الحزم المستمر فمصيرها الإخفاق. إن قيام بايدن بإعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاقيات التي انسحبت منها واشنطن لن يكفي لاسترجاع وميض الهيمنة، إن لم يستتبع ذلك تغييرات جذرية تعيد الثقة بالولايات المتحدة. فهي تفتقر إلى سنوات من الجهد الهائل والبراعة الاستراتيجية لاستعادة دورها القيادي، فالهيمنة محاطة بأخطار تدنيها من التلاشي تدريجيًا. ويستمر التساؤل: هل ستحظى الولايات المتحدة بفرصة ثالثة مع بايدن؟ ستبقى تلك السيناريوهات والأسئلة الجوهرية برسم الإجابة.
المراجع
العربية
"استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب: هل تحمل جديدًا؟." تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2017/12/27. في: https://bit.ly/38YcBx8 إبراهيم، عبد الأمير عبد الحسن. "إدارة ترامب: تراجع في القيادة العلمية مجلة قضايا سياسية. العدد والتحول نحو القوة والثروة." 52.)2018(أبو ارشيد، أسامة. "سياسة إدارة أوباما الخارجية: محاولة تحقيق التوازن بين الميول الانعزالية وضغوط التدخل الخارجي." تحليل سياسات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات https://bit.ly/3pOakLZ:). في 2014 (حزيران/ يونيو بريجنسكي، زبيغنيو. الفرصة الثانية: ثلاثة رؤساء وأزمة القوة العظمى الأميركية. ترجمة عمر الأيوبي. ب وررت: دار الكتاب العربي،.2007 الجرباوي، علي ولورد حبش. "النظرية الواقعية في مواجهة أحادية سياسات عربية. العدد القطبية الدولية." 38 (أيار/ مايو 2019.) الجرباوي، علي. "الرؤى الإستراتيجية لثلاثي القطبية الدولية: تحليل سياسات عربية. العدد مضمون مقارن." 31 (آذار/ مارس.)2018 حشود، نور الدين. "الإستراتيجية الأمنية الأميركية بعد الحرب الباردة: ". دفاتر السياسة والقانون من التفرد إلى الهيمنة 2012-1990. العدد 9 (حزيران/ يونيو.)2013 غراهام، إيفانز وجيفري تونهام. قاموس بنغوين للعلاقات الدولية. دبي: مركز الخليج للأبحاث، 1997. قبلان، مروان. "أطروحات إدارة ترامب ونظام ما بعد الحرب العالمية الثانية: 'انقلاب' في السياسة الخارجية أم نسخة باهتة من سياسات عربية. العدد الجاكسونية؟." 24 (كانون الثاني/ يناير 2017.) ليلة، مداني. "البعد العسكري في السياسة الخارجية الأميركية." المجلة الجزائرية للسياسة العامة. مج 4، العدد 2 (حزيران/ يونيو.)2014 ميرشايمر، جون. مأساة سياسة القوى العظمى. ترجمة مصطفى محمد قاسم. الرياض: جامعة الملك سعود،.2012
الأجنبية
Ahmed, Salman & Alexander Bick, "Trump's National Security Strategy: A New Brand of Mercantilism?" Carnegie Endowment for International Peace, 2017. at: https://bit.ly/38DoqIQ Antoniades, Andreas. "From 'Theories of Hegemony' to 'Hegemony Analysis' in International Relations." in 49 th Annual Convention of the International Studies Association (ISA). San Francisco. USA, 26-30/3/2008. at: https://bit.ly/38M96rr Arežina, Sanja. "U.S.-China Relations under the Trump Administration: Changes and Challenges." China Quarterly of International Strategic Studies. vol. 5, no. 3
Beckley, Michael. "Rogue Superpower Why This Could Be an Illiberal American Century." Foreign Affairs (November/ December 2020). at: https://fam.ag/3jNufYz Biden, Joseph R. Jr. "Why America Must Lead Again Rescuing U.S. Foreign Policy after Trump." Foreign Affairs (March/April 2020). at: https://fam.ag/3aY8nrQ Böhm, Franziska. "Hegemony Revisited A Conceptual Analysis of the Gramscian Concept of Hegemony in International Relations Theory." Unpublished Thesis Master of Science in Global Studies Department of Political Science. Lund University, 2018. Brands, Hal. "U.S. Grand Strategy in an Age of Nationalism: Fortress America and its Alternatives." The Washington Quarterly. vol. 40, no. 1 (Spring 2017). Bush, George H.W. National Security Strategy of the United States. The White House (March 1990). at: https://bit.ly/3p3BQog Bush, George W. The National Security Strategy of the United States. The White House (2002). at: https://bit.ly/3pGOObO
Cameron, Fraser. US Foreign Policy after the Cold War: Global hegemon or reluctant sheriff? London/ New York: Routledge, 2005. Clinton, William J. A National Security Strategy for a Global Age. The White House, 2000. at: https://bit.ly/3avC6bw _______. A National Security Strategy for a New Century. The White House (1997). at: https://bit.ly/3rNi96g _______. A National Security Strategy of Engagement and Enlargement. The White House (1994). at: https://bit.ly/2WCjDSl Cohen, Eliot A. "America's Long Goodbye: The Real Crisis of the Trump Era." Foreign Affairs. vol. 98, no. 1 (January-February 2019). Cooley, Alexander & Daniel H Nexon. "(No) Exit from liberalism?" New Perspectives. vol. 28. no. 3 (2020). Cooley, Alexander & Daniel H. Nexon. "How Hegemony Ends: The Unraveling of American Power." Foreign Affairs (July/ August 2020). at: https://fam.ag/382lNkL Daalder, Ivo H. & James M. Lindsay. "America Unbound: The Bush Revolution in Foreign Policy." Brookings. 1/9/2003. at: https://brook.gs/2M8WJAw Dirzauskaite, Goda & Nicolae Cristinel Ilinca. International in 'Hegemony' "Understanding Relations Theories." Aalborg University. 31/5/2017. at: https://bit.ly/2QiKS1S Drezner, Daniel W. "Counter-Hegemonic Strategies in the Global Economy." Security Studies. vol. 28, no. 3 (2019). Encina, Carlota García. "The Trump Administration's National Security Strategy." Elcano Royal Institute. Working Paper. 14-13/7/2018. at: https://bit.ly/2L2iCAD Gill, Stephen. American Hegemony and the trilateral commission. Cambridge: Cambridge University Press, 1990. Gillard, Matthew. "Hegemonic Stability Theory and The Evolution of The Space Weaponization Regime During the Cold War." Unpublished Master Thesis. The University Of British Columbia, 2006. Gilpin, Robert. The Political Economy of International Relations. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1987. _______. War and Change in World Politics. Cambridge: Cambridge University Press,1981. Hass, Richard. "Forward" in Robert D. Blackwill, Trump's Foreign Policies Are Better Than They Seem. Council on Foreign Relations. Council Special Report. no. 84 (April 2019). at: https://on.cfr.org/3jNy8Ng Ikenberry G., John & Daniel H. Nexon. "Hegemony Studies 3.0: The Dynamics of Hegemonic Orders." Security Studies. vol. 28, no. 3 (2018). Ikenberry, G. John. After Victory: Institutions, Strategic Restraint, and the Rebuilding of Order after Major Wars. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2001. _______. "Rethinking the Origins of American Hegemon." Political Science Quarterly. vol. 104, no. 3 (Autumn 1989). _______. "The End of Liberal International Order?" International Affairs. vol. 94, no. 1 (January 2018). _______. "The Plot against American Foreign Policy: Can the Liberal Order Survive." Foreign Affairs. vol. 96, no. 3 (May/ June 2017). Keohane, Robert O. After Hegemony: Cooperation and Discord in the World Political Economy. Princeton: Princeton University Press, 1984. Lake, David A. & Peter Gourevitch. "Hundreds of Scholars Have Signed a Statement Defending the International Institutions That Trump Has Attacked." Washington Post. 14/8/2018. at: https://wapo.st/36yWJBU Lake, David A. "Escape from the State of Nature: Authority and Hierarchy in World Politics." International Security. vol. 32, no. 1 (Summer 2007).
_______. Hierarchy in International Relations. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2009. Layne, Christopher. "The Unipolar Illusion Revisited: The Coming end of the United States' Unipolar Moment." International Security. vol. 31, no. 2 (Fall 2006). _______. The Peace of Illusions: American Grand Strategy from 1940 to the Present. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2007. Lebow, Richard Ned & Robert E Kelly. "Thucydides and Hegemony: Athens and the United States." Review of International Studies. vol. 27, no. 4 (October 2001). Levy, Jacob. "The Weight of the Words." Niskanen Center. 7/2/2018. at: https://bit.ly/3nqgX6O Mann, James. Rise of the Vulcans. New York: Penguin Group, 2004. Mastanduno, Michael. "Partner Politics: Russia, China, and the Challenge of Extending US Hegemony after the Cold War." Security Studies. vol. 28, no. 3 (2019). at: https://bit.ly/3cWxfiH Morefield, Jeanne. "Trump's Foreign Policy Isn't the Problem." Boston Review (January 2019). at: https://bit.ly/34KfTC0 Mukherjee, Rohan. "Two Cheers for the Liberal World Order: The International Order and Rising Powers in a Trumpian World." H-Diplo | ISSF Policy Series (February 2019). at: https://bit.ly/3nwrihs Musgrave, Paul. "International Hegemony Meets Domestic Politics: Why Liberals can be Pessimists." Security Studies. vol. 28, no. 3 (2019). Noor, Mohd. & Mat Yazid. "The Theory of Hegemonic Stability, Hegemonic Power and International Political Economic Stability." Global Journal of Political Science and Administration. vol. 3, no. 6 (December 2015). at: https://bit.ly/2UjsQNU Nye, Joseph. "The Rise and Fall of American Hegemony from Wilson to Trump." International Affairs. vol 95, no. 1 (2019). O'Reilly, Marc J. & Wesley B. Renfro. "Like father, Like Son? A Comparison of the Foreign Policies of George H.W. Bush and George W. Bush." HAOL. no. 10 (Primavera 2006). Obama, Barak. National Security Strategy of the United States of America. The White House (2015). at: https://bit.ly/34Mjroi _______. National Security Strategy of the United States of America. The White House (2010). at: https://bit.ly/3mQMGfC Oliva, Mara. "The Foreign Policy Legacy that Donald Trump Leaves Joe Biden." conversation. 10/11/2020. at: https://bit.ly/3mYR6S0 Onea, Tudor A. US Foreign Policy in the Post-Cold War Era Restraint versus Assertiveness from George H. W. Bush to Barack Obama. Verlag: Palgrave Macmillan US, 2013. Parmar, Inderjeet. Foundations of the American Century: The Ford, Carnegie, and Rockefeller Foundations in the Rise of American Power. New York: Columbia University Press, 2015. Petition: Preserving Alliances. at: https://bit.ly/33Qrgck R.W. Cox & Timothy J. Sinclair. Approaches to World Order. Cambridge: Cambridge University Press, 1996. Reich, Simon & Richard Ned Lebow. Good-Bye Hegemony! Power and Influence in the Global System. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2014. Rhodes, Ben. "The Democratic Renewal: What It Will Take to Fix U.S. Foreign Policy." Foreign Affairs. vol. 99, no. 5 (September/ October 2020). Schadlow, Nadia. "The End of American Illusion: Trump and the World as It Is." Foreign Affairs. vol. 99, no. 5 (September/ October 2020).
Schmidt, Brian C. & Michael C. Williams. "The Bush Doctrine and the Iraq War: Neoconservatives Versus Realists." Security Studies. vol. 17, no. 2 (2008). Schweller, Randall L. "A Third-Image Explanation for Why Trump Now: A Response to Robert Jervis's 'President Trump and IR Theory'." H-Diplo/ISSF Policy Series: America and the World - 2017 and Beyond.
Smith, Martin A. Power in the Changing Global Order: The US, Russia and China. London: Polity Press, 2012. Snidal, Duncan. "The Limits of Hegemonic Stability Theory." International Organization. vol. 39, no. 4 (Autumn 1985). Sperling, James & Mark Webber. "Trump's Foreign Policy and NATO: Exit and Voice." Review of International Studies. vol. 45, no. 3 (2019). Thompson, William R. (ed.). Encyclopedia of Empirical International Relations Theory. New York: Oxford University Press, 2017. Trump, Donald. "Trump on Foreign Policy." The National Interest. 27/4/2016. at: https://bit.ly/3l8cGD2 _______. National Security Strategy of the United States of America. The White House (December 2017). at: https://goo.gl/CQFtzV Walt, Stephen M. "Two Cheers for Clinton's Foreign Policy." Foreign Affairs. vol. 79, no. 2 (March‑April 2000). _______. "Why I Didn't Sign Up to Defend the International Order." Foreign Policy (August 2018). at: https://bit.ly/2SDVSHR Wohlforth, Wiliam. The Elusive Balance: Power and Perceptions During the Cold War. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1993. Wright, Thomas. "The Folly of Retrenchment: Why American Can't Withdraw from the World." Foreign Affairs. vol. 99, no. 2 (March/ April 2020). Yom, Sean. "US Foreign Policy in the Middle East: The Logic of Hegemonic Retreat." Global Policy. vol. 11, no. 1 (February 2020).