تحول الفكر الإسلامي عن الدول الوطنية في شبه القارة الهندية
الملخّص
تفاوتت ردّات فعل المسلمين على الاستعمار بين الدول والمناطق؛ إذ تسبّب قدوم الاستعمار في حدوث تصدّعات في التفكير السياسي الإسلامي على نحوٍ دفع المسلمين إلى إيجاد طريقة للتصدّي للوقائع السياسية المتغيّرة والعمل على إعادة صوغها. ولم تخضع شبه القارة الهندية لسيطرة الأمويين أو العباسيين، وجاءت أغلبية الطموحات العسكرية التوسّ عية تجاه الهند من خانية الجاغاطاي غير المستقرة، واضطلعت بدور استراتيجي رئيس بين الخلافة وشبه القارة الهندية. ولم تسمح الخانية للخلافة بإدارة الهند مباشرة، وحافظت على سياسات مستقل ة متقدمة. ترك ز هذه الدراسة على تحديد ملامح السياق السياسي للفكر السياسي الإسلامي، وكيف تبلور التصدي لصعود الدولة الوطنية بوساطة الواقعية السياسية على نحوٍ كبير، مع استبعاد دار الإس ماا أو دار الحرب من المفردات الإسَمااية. وتخلص إلى أن العقل المسلم في جنوب آسيا قد ق بِل بالدولة الوطنية، سواء أكان في نسقها المرك ب أو في نسق إس مااي مميّز؛ ما أدّى إلى قيام دولتين وطنيتين: هما الهند وباكستان. وتطوّر كلا النسقين ضمن سياق جدلي إسلامي قوي، مع تنافس بين "المواصفات الإسلامية" لكل من باكستان والهند. كلمات مفتاحية: دار الإس ماا، الهند، الطابع الإقليمي، الدولة الوطنية، إضافة الطابع الإقليمي، الخلافة. The Muslim response to colonialism has varied country to country and region to region. The dawn of colonialism created ruptures in Muslim political reasoning, forcing them to find and reconfigure an Islamic response to the changing political realities. The Indian subcontinent never came under an Islamic Caliphate of the Umayyad or Abbasid Empires. Most military expansionist ambitions in India stemmed from the volatile Central Asian Khanates who played a major strategic role between the Caliphate and Indian subcontinent, preventing the Caliphate from controlling India directly and maintaining an advanced independent politics. This paper profiles the political context of Muslim political thought and its response to the rise of nation-state, which was shaped more of political realism, setting aside the Islamic vocabularies of Dar al Islam or Dar al Harb. This paper concludes that, the South Asian Muslim mind had accepted nation-state either in its composite or in a distinctively Muslim format which resulted in the two nation-states of India and Pakistan. Both formats have evolved within a strong Islamic context that challenges Pakistan's "Islamic credentials" against India. Keywords: Dar al Islam, India, Regional Character, Nation-state, National Character, Caliphate.
The Nation-State in the Transition of Islamic Thought in the Indian Subcontinent
مقدمة
كيف انتشر الإسلام في الهند؟ وكيف تطوّرت الحياة السياسية الإسلامية فيها؟ وكيف تصدّى المسلمون للانحدار الوشيك لسلطتهم السياسية؟ كانت هذه الأسئلة في صميم النقاشات بشأن التعبير السياسي للمسلمين في شبه القارة الهندية. ثمّة سرديات أيديولوجية استخدمها المؤرخون الإحيائيون Historians Revivalist الهندوس والمسلمون، وهناك أيضًا سرديات وطنية اعتمدها القوميون الهنود والباكستانيون والبنغاليون. واستأثرت الأدبيات الحديثة، وبالطريقة التي تناسب كلً منها، بتلاقي الدين والسياسة في الهند، لا سيما فيما يخص الإسلام والمسيحية، سواء أكانت صادرة عن مستشرقين مثل رونالد إندين1، ومايكل دودسون2، أو عن مؤرخين إحيائيين هندوس أو مسلمين مثل آمي سين3 وريزوان أولاه كوكب4، وبربرة ميتكالف5، أو عن قوميين مثل جون ماكلين6. وفي الخطاب القومي اليوم، أدت المنافسة بين مختلف السرديات عن الدولة – الأمة، في كل من الهند وباكستان وبنغلاديش، إلى تغيير تاريخ السياسة إلى سياسة التاريخ. وتخلص هذه السرديات التنافسية إلى أنّ الفهم الديني للمسلمين يميل إلى مطلب الدولة الوطنية المنفصلة7، ويرى ماكلين أنها مناسبة8؛ إذ جعل مشروع الهويات الوطنية المنفصلة للهند وباكستان وبنغلاديش مفهومَ الدولة - الأمة مقبولً في أذهان المسلمين، بل نسبوا هويّاتهم الوطنية إلى هويّتهم الإسلامية. ففي حين كانوا يُعرفون فيما مضى باسم المسلمين الهنود، يتم الآن تحديد ثلاث هويات إسلامية مختلفة، تؤكِّد الهوية القومية الخاصة بكل منهم. ولتفكيك المخيال السياسي الإسلامي وتحليل أزمة سياسات المسلمين في جنوب آسيا، لا بد من الإجابة عن الأسئلة المذكورة آنفًا في الفترة التي سبقت الدولة - الأمة. ويمكن العثور على الإجابة من خلال: أولً، تحديد مسار الفكر السياسي للمسلمين في شبه القارة الهندية؛ وثانيًا، تحديد الأزمة التي أشار إليها العلماء المسلمون مرارًا؛ وثالثًا، معرفة أصل الفكرة الإسلامية لتجاوز هذه الأزمة. وتتعمّق هذه الورقة في الموضوع من خلال تقسيم سياسة شبه القارة الهندية إلى ثلاث مراحل؛ الأولى، نشوء دار الإسلام؛ والثانية، أزمة دار الإسلام أو اندثارها؛ والثالثة، استحواذ الهويات الإسلامية على الهويات الوطنية في كل بلد.
أولا: نشوء دار الإسلام
عرّفت أغلبية كتب الفقه الإسلامي شبهَ القارة الهندية بأنها دار إسلام أو منطقة يحكمها المسلمون أو يعيشون فيها في وضع يسمح لهم بممارسة الإسلام بحرية. وقد تناول العلماء الإسلاميون أفول دار الإسلام في أواخر فترة المغول، مستفسرين عمَّ إذا كانت السيطرة الاستعمارية ستغيّ وضع دار الإسلام إلى دار الحرب، وهي أرض يحكمها غير المسلمين، وتقتصر فيها ممارسة الإسلام على المسلمين9. ويدعم ظفر أحمد عثماني 1974-1892() في كتابه إعلاء السنن 1923() وأشرف علي التهانوي الرأي القائل بفتوى شاه عبد العزيز الدهلوي 1823-1746() بشأن تحوّل الهند إلى دار الحرب بعد إحكام السيطرة البريطانية على حكم المغول؛ ما جعل الهند دار الحرب. ومع ذلك امتنع كثير من العلماء عن تطبيق ذلك كاملً في الأحكام الإسلامية جميعها، كما في حالة السماح باستخدام الربا على سبيل المثال. ولكن الهند لم تصبح دار إسلام وفق عملية خطّية، بل جرى ذلك عبر رحلة صعبة نوعًا ما. وتشير المراجع الإسلامية المبكرة، ولا سيما عند سيد سليمان الندوي)1953-1884(10، إلى أنه في عملية القائد محمد بن القاسم الثقفي11، لم ترغب إدارة الخلافة في إرسال حملة عسكرية إلى السند والهند. وقد ذكر المؤرخ أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري (ت. 279 ه/ 892 م)، عند تناوله هذا الموضوع عن السند، أن الخليفتين عمر بن الخطاب وعثمان
بن عفان لم يُبديا اهتمامًا بإرسال بعثة عسكرية إلى السند. فقد اطلع عثمان بخاصة على الأوضاع المعيشية الصعبة في السند. في حين بدأت الحملات العسكرية الأولية بوصفها مغامرات شخصية لولاة عمُان أو العراق الذين كانوا معنيين إلى حد بعيد بتأمين الحدود الشرقية. وفي مرحلة لاحقة، انضم مقاتلو قبائل الزط في الهند إلى جيش والي العراق الحجّاج بن يوسف الثقفي الذي حكم العراق 714–685(م)، وشاركوا في حملة محمد بن القاسم في السند12.
وتعود العلاقات التجارية بين الهند ودول الخليج إلى فترة ما قبل الإس ماا، وتزامن دخول الإسلام الأول إلى الهند مع هذه الوفود التجارية. وتشير الروايات التاريخية إلى أن هذه الوفود اعتادت البقاء فترات طويلة، واختلطت مع عامة الناس والكهنة ورجال الدولة في ولايات جنوب الهند. وكان من بين التجار علماء وشعراء أرّخوا ووثّقوا لاحقًا تجاربهم في تعلم الطب الهندي والفلسفة والتقاليد الروحية الهندية. ومع اندلاع النزاعات العسكرية في آسيا الوسطى، بدأ الصوفيون الوصول إلى الهند قادمين من مناطق مختلفة. وكان تفاعلهم مع الجماهير الهندية أوسع نطاقًا من تفاعل التجار، وتفاعلوا مع المتصوفة الهندوس، إذ توخّوا تحقيق مساعٍ روحية مشتركة، وأدّى ذلك إلى نشوء تقليد صوفي هندي أكثر استقلالية من التقاليد الصوفية العربية وتلك الموجودة في آسيا الوسطى. وبالفعل أدّى عدم الاستقرار في آسيا الوسطى إلى تهيئة الظروف لصراع على السلطة يتجاوز خانات آسيا الوسطى (خانية الجاغاطاي)13. وأصبحت الهند الملاذ الأسهل لمنافسات الإخوة الغزنويين14. ولم تنشأ أي من هذه اللقاءات الإسلامية الثلاثة عن مصدر إسلامي واحد، بل وصل بعضهم إلى الهند في منافسة بعضهم بعضًا. وقد وجدت الهويّات الهندية غير المسلمة والمنقسمة بشدة، لغويًا وعرقيًا ودينيًا وإقليميًا، في هذه الأنواع الثلاثة من اللقاءات الإسلامية أجنبيًا وصديقًا وحليفًا وعدوًا وخلاصًا دينيًا وروحيًا وشريكًا تجاريًا وجارًا وقوة جديدة. وأصبح الصراع الطبقي المستمر والنزاع بين الطبقات المنغلقة Conflict Casteوسياسات القوة أشدّ تعقيدًا وانقسامًا. وكانت الهند بالنسبة إلى المسلمين أرض المفاجآت والفرص والمعرفة الهائلة، وأرض القيم الإنسانية المتضاربة15. ولا بد من تحديد تطوّر الخطاب السياسي لدى المسلمين في كل هذه اللقاءات المختلفة، على نحوٍ منفصل. ترك الصوفيون وراءهم مؤلفات ضخمة تتناول قضايا روحانية وقضايا التدين في السياق الهندي، وقضى العلماء المسلمون والصوفيون الزائرون للهند سنوات في فهم التقاليد الدينية الهندوسية وتعلّم اللغة السنسكريتية والبالية. ومن بين هؤلاء الصوفيين: علي الهجويري 1072-1009(م)، ومعين الدين چشتي 1236-1142(م)، وفريد الدين مسعود كنج شكر 1266-1179(م)، وأمير خسرو دهلوي 1325-1253(م)، وحضرت محمد نظام الدين أولياء 1325-1238(م)، وشرف الدين يحيى المنيري 1381-1263(م)، وحضرت خواجة محمد باقي بالله 1603-1564()، والمحدّث الشيخ عبد الحق الدهلوي 1642-1551()، والشيخ أحمد السرهندي 1624-1564()، ومرزا مظهر جانِ جانان (الملقّب بشمس الدين حبيب الله 1781-1699)، والشيخ كليم الله الجهان أبادي 1729-1650(.) ومن المعروف أنهم أثروا تأثيرًا عميقًا في الفلسفة الروحية الهندية، ويُقال إن الحركة البهاكتية16 Bhakti Movement قد نشأت بسبب هذا التلاقي الفلسفي الجديد.
وكثيرًا ما أشار علماء الإسلام إلى الرحالة، أمثال: سليمان التاجر السيرافي 237(ه/ 852 م)، وأبو زيد حسن السيرافي 264(ه/ 878 م)17، كما ذُكر سيد سليمان الندوي19، وأبو دلف مسعر بن مهلهل الخزرجي الينبوعي 1(/33 ه 943 م)، وبزرك بن شهريار الرام هرمزي 00(/3 ه 913 م)، وأبو ريحان البيروني 1048-973(م)، والمسعودي 956-893(م)، وابن بطوطة 1368-1304(م)، وآخرون، وذلك في سياق تاريخ المسلمين في الهند20. وغالبًا ما توثّق الروايات التاريخية العربية للمؤرّخين والمسافرين تحت بند بلدان أو فتوحات، والتي تشير إلى كل من السند والهند على التوالي21. وتُعدُّ مذكرات رجال الدولة مثل بابر نامه22 للإمبراطور ظهير الدين محمد بابر، و العين أكبري23 للإمبراطور جلال الدين أكبر، وغيرهما، مصادر أساسية لفهم تطور الفكر السياسي الإسلامي في شبه القارة الهندية.
ثانيًا: السرديات الحديثة مقابل السرديات التاريخية
منذ أن حكمت بريطانيا الهند وأحكمت سيطرتها عليها، بدأ التأريخ الحديث في التطوّر، وأصبحت المراجع التي تشير إلى التاريخ الهندوسي والإسلامي والبريطاني24 أكثر شيوعًا في الأدبيات الاستعمارية والهندية. ومع بدء تناول الأدبيات الاستعمارية للمسلمين، كانت تصف الإسلام والمسلمين بالتعصّب غالبًا، مثل الكتاب الذي نشرته المجلة البريطانية المسيحية الأسبوعية، ذا ليجر أور The Leisure Hour في لندن عام 1875، بعنوان السلاف والأتراك: حدود الإسلام في أوروبا Slavs and Turks: The Borders Lands of Islam in Europe الذي صوّر الأتراك والمسلمين. وأصبحت عبارات، مثل "الإمبريالية الإسلامية" و"التوسّع الإسلامي" و"الفتوحات الإسلامية" و"الخلافة العالمية"، أكثر شيوعًا تدريجًا في القومية الجماعاتية للهندوس والمسلمين. وفي فترة ما بعد الاستقلال، ظهرت عملية إضفاء الطابع الوطني أو الأسلمة أو فرض جدول أعمال السكان الأصليين أو العلمنة في التاريخ الهندي بوصفها مشاريع تنافسية متعدّدة للدولة في شبه القارة الهندية25. فعلى سبيل المثال، أجّج الهجوم العربي الأول على منطقة السند، وغزو السلطان محمود الغزنوي لغوجارات، مشاعر قومية ودينية مختلفة في الهند وباكستان. وقد أكّد المؤرخ النقدي الباكستاني منان أحمد آصف هذه المنافسة بحصافة. ومثلما هو الحال بالنسبة إلى قومية مؤسس دولة باكستان محمد علي جناح وزعيم عصبة عموم مسلمي الهند، نظرت الطائفية الهندوسية أيضًا إلى الماضي، معتمدة على التأريخ والمحاجّة بالأعداد، ولكن وفق نظرة إلى الماضي والمستقبل مختلفة جذريًا. ومن ثم في عام 1940، كان أنصار التفوّق الهندوسي المحافظون والمتشدّدون يعيدون تفسير الأبطال والخصوم، منهم: المنظّر الهندوسي والأيديولوجي الأول في المنظمة القومية الهندوسية، فيكياك دامودار سافركار، وأحد قادة الجناح القومي الهندوسي اليميني غولوالكار. ولعل أبرز ما يؤكد عملية إضفاء الطابع الوطني، بوصفها مشاريع تنافسية متعدّدة للدولة في شبه القارة الهندية، ما ورد على لسان مؤرخين قوميين: "منذ ذلك اليوم البغيض، حينما حطّ المسلمون رحالهم في هندوستان للمرة الأولى، وحتى اللحظة الحالية، كانت الأمة الهندوسية تقاتل بشجاعة للتخلص من المفسدين. وبالنسبة إلى اليمين الهندوسي، أظهرت الأصول 'الأجنبية' للمسلمين في الهند نضالهم 'الأصلي' ضد الغزو والسيطرة؛ فقد كان كل قدوم جديد للمسلمين بمنزلة حرب استنزاف جديدة"26. وتقدّم سرديّات التاريخ القومي التي تبالغ في "الفتح الإسلامي" (رأي المؤرخين القوميين الباكستانيين) أو "الغزو الإسلامي" (رأي المؤرخين القوميين الهنود) خلاصات ملائمة للهوية القومية، من منظور سياق سياسي لم يعمل أبدًا ضمن منطق الدولة الوطنية. وقد شُكّل سياق المشهد الجيوستراتيجي الإقليمي المتغيّ حول شبه القارة الهندية في
القرن السادس، من خلال النزاعات العسكرية التي تضمّنت صراعات متعدّدة على السلطة بين النخب الحاكمة الصينية والهندية ونخب آسيا الوسطى والنخب الفارسية والعربية. وكان دور الخلافة الأموية الإسلامية المنهار، وهو الحكم الإسلامي الأصيل الوحيد، عند حدّه بالفعل، ولم يعد قادرًا على توفير بعثات عسكرية توسّعية. ولم تكن المراجع الإسلامية في التاريخ الإسلامي للفارسية وآسيا الوسطى والصينية وشبه القارة الهندية تدور دائمًا حول الإسلام، كما أن المواجهات بين الهندوس والصينيين لم تكن دائمًا هندوسية أو بوذية في حد ذاتها. ولم تكن القوى التي تنعم بدوافع أيديولوجية تحدّد وحدها الصراع على السلطة بين مجموعة متنوعة من الأطراف الفاعلة الإقليمية والمحلية. حتى بعد أن غزاها مسلمو آسيا الوسطى الذين اعتنقوا الإسلام، لم تُعلن الهند أبدًا ولايةً للخلافة الإسلامية، كما حدث في مصر أو الشام أو العراق؛ إذ أصبحت هذه البلدان جزءًا من الخلافة الأموية والعباسية. وأدت الصراعات العرَضية بين الغزاة المسلمين والخلافة المركزية إلى انقسامات بين الفقهاء المسلمين بشأن قبول هذه الغزوات، بوصفها فتوحات إسلامية. ومع ذلك غالبًا ما كان اعتراف الخلافة العَرضي بهذه الغزوات يهدف إلى تفادي النزاعات بين هؤلاء الحكام والخلافة العباسية التي كان ضعفها يتفاقم. وقبل الهند، حينما خضعت المناطق الغربية الصينية للسيطرة العربية التركية، بفضل الممالك الصينية التي أصابها الوَهَن27 في الفترة 650-550 م، كان الأتراك الغربيون قادرين على السيطرة على المقاطعات الشرقية لما يُعرف اليوم بكاشغر الخاضعة للسيطرة الصينية أو شينجيانغ. وبحلول عام 650، كان الملوك الصينيون قادرين على صدّ تقدّم الأتراك فقط؛ لتهزمهم إمبراطورية البوذيين الناشئة والذين حكموا إقليم التبت28. وبدأت خانية الجاغاطاي تقبل بالإسلام، في وقت بدأت سيطرة الخلافة الأموية على منطقة خراسان تذوي، وفقدت الخلافة العباسية نفوذها وسيطرتها تدريجًا في المنطقة. وكان للأتراك والأفغان، الذين كانوا حتى ذلك الحين يتقاتلون بوصفهم غير مسلمين، جبهات متعدّدة لصراعات داخلية وخارجية على السلطة. ووجدت خانية الجاغاطاي والأتراك في الإسلام فرصة لاستعادة سيطرتهما المتراجعة في المنطقة، وحدث ذلك حينما لاحظت الهند بالفعل انحطاط العصر الفيدي29 على يد الممالك البوذية التي بدأت تنهار مع ظهور بعض الملوك الهندوس الصغار مرة أخرى30. ولا تؤكّد الروايات التاريخية مواجهة الجيوش الإسلامية للبوذيين أو الهندوس؛ إذ تشير بعض الروايات إلى أن محمد بن القاسم الثقفي (قائد أحد جيوش الفتح) حارب ملكًا بوذيًا، لا هندوسيًا. وأما الموضوع الذي نادرًا ما يشار إليه في هذه النقاشات، فيشمل الأوضاع التي دفعت الجيوش الإسلامية نحو الهند. فعلى سبيل المثال، أكد الباحث تنفير أنجوم أنه "وفق المصطلحات المكانية، يظل محور الأحداث التي أدت إلى إنشاء حكم المسلمين في الهند محصورًا في ذلك البلد، وبشكل أكثر تحديدًا في شمال الهند وشمال غربها؛ لأن التطورات الجارية في أماكن أخرى لا تظهر بشكل بارز"31. وقد رأى أنجوم أن النزعة العسكرية التركية ما قبل الإسلام كانت سببًا للتوسّع العباسي، وأن التطورات التي حدثت على طول المناطق الساحلية في الهند، مثل مكران ومالابار، لم تُناقَش نقاشًا كافيًا. وقد أطلق المؤرخون القوميون المسلمون والهندوس على هذه الأحداث اسم الفتوحات (الفتوحات الإسلامية)، أو الغزوات الإسلامية لنشر الإس ماا وتأسيس ا لإمبراطورية الإسلامية. إلا أن المشكلات الداخلية للخلافة الإسلامية المبكرة، والقتال الداخلي اللاحق في خانية الجاغاطاي، قد يكونان تسبّبا في ابتلاع الممالك الآسيوية. وفي هذا الوقت، لم يجرِ التخطيط جيدًا لاستراتيجية تسعى لاجتياح الهند على ما يبدو، وتشير بعض الروايات إلى أن الخليفتين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا متردّدين في إرسال بعثات عسكرية إلى السند32. وبعد اغتيال الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، حفيد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ظلّت منطقة خراسان في أيدي الموالين للحسين الذين رفضوا التنازل عن ولائهم لخلافة دمشق. وفي العصر العباسي، تمرّد قائد آخر، هو أبو مسلم الخراساني، على الخليفة
العباسي المأمون، ودخل في تحالف مع حكام التبت ضد المأمون. قد لا تكون أحداث غزو السلطان محمود الغزنوي 1030-971() توسّعًا إسلاميًا كليًّا، بل كانت امتدادًا للصراع على السلطة ضد أخيه، ومع ذلك فإن السجلات الإسلامية والهندوسية الحديثة، بفضل التأريخ الاستعماري البريطاني، قد وصفت هذه الأحداث بأنها توسّع إسلامي ورأت فيها غزوات أجنبية33.
ثًالث ا: ما يُعرف بالتدخلات العسكرية الإسلامية في الهند
تبدو الرواية الأكثر شيوعًا عن الفتح الإسلامي، والتي غذّت النزعة القومية في تاريخ باكستان والهند، وأصبحت أساسًا لهويتهما القومية المنفصلة، سردية تطفح بالمغالاة. وتعود الأصول الرئيسة الثلاثة للتدخلات العسكرية الإسلامية في الهند إلى إدارة الأمويين للخلافة، وخانية الجاغاطاي، والمغول. وكان التدخل الإسلامي الوحيد الذي أذنت به إدارة الخلافة المركزية هو الهجوم على ملك السند راجا داهر؛ إذ قام الملك داهر، قبل العملية العسكرية، بإيواء الجندي العربي محمود العلافي من قبيلة بني أصعر، لما هرب من عمُان بعد أن قتل أحد أعدائه وهو عبد الرحمن الأشعب34. وقد أنقذت القبيلة العربية التي وصلت حديثًا الملك داهر بعد أن تعرض للهجوم، وقدّم للقبيلة الحماية الدائمة وكرم الضيافة. ولكن محمود العلافي وأفراد قبيلته انخرطوا في معارك صغيرة ضد الضباط الأمويين، وقُتل في إحدى المعارك جابي الضرائب الأموي سعيد بن أسلم؛ على نحو أغضب حاكم العراق الحجاج بن يوسف، الذي طالب الملك داهر بتسليم العلافي وإلا سيتحمّل العواقب. وتشير الأحداث اللاحقة إلى وقوع المزيد من المواجهات من هذا النوع، والتي دفعت الجانبين إلى عملية عسكرية نهائية بقيادة القائد الشاب محمد بن القاسم. وأشار الندوي35 إلى أنه حينما وصل محمد بن القاسم إلى السند، وجد القادة الروحيين البوذيين قد تواصلوا مع الخلافة الأموية، وتوسّطت الخلافة في خلافاتهم المتبادلة36. وفي السنوات التالية، تلاشت سيطرة الخلافة المركزية على السند، وسعى الحكام المستقلون إلى إعلان الولاء للسلالة الفاطمية في مصر بدلً من الخلافة العباسية في بغداد. وتحالف الحكام القرامطة والإسماعيليون في مدينتي مكران 471-340(ه/ 1078-951 م) ومُلتان 401-347(ه/ /1010-958 1011 م) مع الخلافة الفاطمية في القاهرة؛ ما أثار غضب الخلافة العباسية في بغداد. ووجدت الخلافة العباسية، في تمرُّد محمود الغزنوي ضد أخيه إسماعيل بن سبكتكين، حليفًا للعمل ضد القرامطة الذين اعتبروهم شيعة لا من أهل السنة. ومنح الخليفة العباسي القادر بالله للغزنوي لقب أمين الملّة ويمين الدولة37 وبغض النظر عن مساعدة الغزنويين للعباسيين، فقد ظلت العلاقات بين مقرّ القيادة العباسية والغزنويين قائمة على المقايضات والمنافسة أحيانًا، سعيًا للحصول على مزيد من السلطة والنفوذ حول أطراف الخلافة، بما في ذلك في سمرقند38. ولا يمكن تحليل صعود السلطان محمود الغزنوي وما تلاه من غزوات إسلامية بمعزل عن الصراع على السلطة بين الخلافة الفاطمية في القاهرة والخلافة العباسية في بغداد وحلفائهم في وسط آسيا وجنوبها. وقد درس الباحث فرهاد دفتري، على نحوٍ خاص، كيف كان هذا التنافس مركزيًا في انتشار الأفكار الإسماعيلية في المستوطنات العربية المبكرة في مناطق السند ومُلتان وبدخشان39.
رابعًا: صراع السلطان والصوفيين
كان الصوفيون الذين بدؤوا يُقبلون من جميع أنحاء العالم الإسلامي، بخاصة من آسيا الوسطى، يشكّلون عنصرًا رئيسًا في الحيز العام
للمسلمين بصورة مستقلة عن النخب الحاكمة. وركّزوا على تعلم اللغات المحلية والتفاعل مع السكان المحليين؛ وبذلك أصبحوا جزءًا من الحياة اليومية للحيّز العام المتغير للهند، وطوّر علماء الدين علاقات طيبة مع الملوك والعلماء غير المسلمين تدريجًا40. وفي الوقت نفسه، لم تكن العلاقات بين الصوفيين والسلاطين جيدة دائمًا؛ ففي بعض الحالات واجه الصوفيون قمع السلاطين والأباطرة. ويمكن وصف الخطاب الصوفي، الموثق ضمن صنف الملفوظات، بأنه في أغلبيته محادثات غير سياسية؛ إذ كانت موضوعاتهم الرئيسة هي الإصلاح الديني للأرواح والأخلاق والقيم. وأتاح فهم الصوفيين للمجتمع الهندي، وتكيّفهم الاجتماعي اللاسياسي، بلورة خطاب إسلامي غير سياسي أصبح أكثر شعبية بين الجماهير. ولأنهم ظلوا بعيدين عن السياسة، فقد حصروا دورهم في تقديم المشورة إلى السلاطين عندما يقصدونهم. وجاء أول تدخل قوي في السياسة للصوفيين في القرن الخامس عشر، حينما أراد الإمبراطور جلال الدين أكبر إدخال دين جديد، الدين الإلهي41، ووقف العالم الفقهي الهندي الحنفي الإمام أحمد السرهندي 1624-1564() ضد هذا القرار وقضى سنوات عديدة في السجن. وكان إدخال الدين الإلهي الجديد بمنزلة تجربة لطرح أسئلة سياسية جديدة؛ مثل كيفية استيعاب الأغلبية من غير المسلمين ضمن نظام قانوني إسلامي تحكمه أقليّة، وكيفية تعريف الهند ضمن التصنيفات المتشدّدة لدار الإسلام ودار الحرب حينما كانت أغلبية السكان من غير المسلمين. أراد الإمبراطور أكبر أن يكون هناك دين جديد وهو الدين الإلهي. أما على المستوى الديني، فبدأ الصوفيون والعلماء المسلمون دراسة الفلسفة الهندوسية في محاولة منهم لمعرفة ما إذا كان الهندوس هم من أهل الكتاب أم لا، وما إذا كانت الفلسفة الهندوسية لوحدة الوجود هي نفسها الفلسفة الإسلامية لوحدة الشهود42. وشكّلت أغلبية الاختلافات بين الصوفيين والعلماء المسلمين الخطاب العام، وضغطت على الإصلاحيين المسلمين للردّ على هذه التحديات. وتعرّضَ الفكر الديني الهندوسي أيضًا لضغوط للرد على هذه المناقشات، وبدأت حركة روحية جديدة تُعرف باسم الحركة البهاكتية في إصلاح الأفكار الدينية للهندوسية، وقد تكون قرّبت الهندوسية من الإسلام. وفي وسط هذه النقاشات، كانت هناك محاولة لإيجاد تعريف مقبول إسلاميًا لغير المسلمين في الهند الذين رأوا مصطلح أهل الذمة43 مهينًا ومُذلًّ. وفي هذا السياق، انتقد علماء المسلمين الأباطرةَ بسبب حضورهم المهرجانات الهندوسية. وقد موّل العديد من الأباطرة بما في ذلك أورنكزيب عالم كير (السلطان أبو المظفر محيي الدين محمد أورنك زيْب عالمكير، سلطان مغول الهند) المؤسسات الدينية الهندوسية، وموّلوا ترميم المعابد القديمة وصيانتها44. لكن فكرة الدار (الموازية للدولة - الأمة) والشعب لم تستطع إيجاد حل وسط فلسفيًا، واستمر التوتر. وبرز الشيخ أحمد السرهندي باعتباره أكبر معارضي الدين الإلهي الذي أراد الإمبراطور المغولي تقديمه، وجيّشت رسائله التي كتبها إلى السلطان نور الدين جهانكير وأقرانه الرأيَ العام الإسلامي، وفي القرون اللاحقة كان يُعّدُ ا لمجدّد الذي حدّد التحديات، وقاومها، وأعاد إحياء الفهم الإسلامي. وفي الوقت الذي انخرط فيه الشيخ أحمد السرهندي في حملة فكرية جديّة، سمح جهانكير لشركة الهند الشرقية التابعة لبريطانيا العظمى بممارسة التجارة من الموانئ الهندية. وسرعان ما تم الكشف عن الشركة بوصفها وجهًا للاستعمار البريطاني، والذي من شأنه أن يهدّد البقاء السياسي والاقتصادي للممالك الهندية، المسلمة وغير المسلمة. وقد استُبدِل نظام التحالف الإقليمي وتوازن القوى بنظام تحالف جديد، وتوازن قوى جديد، تحت وصاية شركة الهند الشرقية. وكانت إمبراطورية المغول في حالة تدهور مطرد، إلى درجة أن ورثة أورنكزيب لم يكونوا في وضع يسمح لهم بالدفاع عن عاصمة دلهي من الأعداء المسلمين وغير المسلمين. وهذه هي المرة الأولى التي يدرك فيها علماء الإسلام أن الحكم الإسلامي تعرّض للتهديد وعليهم التدخل. فعاد العالِم الإسلامي الذي يحظى باحترام شديد، شاه ولي الله الدهلوي45، من الحجاز وراقب عن كثب التحدّيات التي تهدّد
إمبراطورية المغول بسبب القوات الأجنبية46. وفي الواقع أدّى ردّه، وهو "نهج أصولي" كما يراه العالم الإسلامي المعروف عزيز أحمد47، إلى اتجاهين متناقضين؛ وهما إحياء التقليدية والحداثة. وفي أعقاب التحدي الاستعماري الوشيك والحكم الإسلامي الآيل إلى الانحطاط، برز شاه ولي الله ومدرسته بوصفه الأكثر تعبيرًا عن القضايا المتعلقة بالمستقبل السياسي للإمبراطورية الإسلامية. وكانت الدعوة إلى الجهاد التي أطلقها شاه عبد العزيز بن شاه ولي الله الدهلوي بمنزلة نقطة تحول، حينما وجد أغلبية العلماء المسلمين أن الصراع ضد التوسّع البريطاني واجب إسلامي وجهاد في سبيل الله. وفي السنوات التالية، دعا سيد أحمد شهيد48 إلى الجهاد، وقُتِل في ساحة المعركة في بالاكوت (باكستان اليوم.) ولأسباب عديدة، يمكن اعتبار الشيخ المحدّث شاه ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي 1762-1702() نقطة مرجعية لاهتمام المسلمين الهنود المتنامي بالشؤون السياسية في أواخر القرن الثامن عشر، وأوضح في كتبه ورسائله أسباب هذا الانحدار وكيفية التصدّي له وطريقة وضع حدّ له. ولم تكن مجموعته الأساسية سياسية، بل ركّز على الدين والتدريب الصوفي لتلاميذه الذي أخذه عن والده شاه عبد الرحيم (كان خليفة أبيه في هذا الشأن.) ولكن شاه ولي الله رصد باهتمام شديد أيضًا إخفاق السلطات السياسية للأباطرة المغوليين أورنكزيب 1707-1658()، وبهادر شاه الأول سلطان مغول الهند 1712-1707()، وجلال الدين محمد فرخ سير 1719-1713()، وشمس الدين رفيع الدرجات49، ومحمد شاه جهان الثاني (محمد شاه جهان الثاني بن رفيع الشأن بن شاه عالم بهادر، ولقبه رفيع الدولة) 1719()، وناصر الدين محمد شاه 1748-1719()، وأحمد شاه بهادر 1754-1748()، وعالمكير ثاني 1759-1754()، وشاه عالم الثاني 1806-1759(.) وكان شاه ولي الله على اتصال وثيق ومنتظم بوزراء الإمبراطورية المغولية ووزراء السلالات الإسلامية الأخرى داخل الهند وخارجها، بما في ذلك أحمد شاه دراني الذي يُعرف أيضًا بأحمد خان أبدالي 1737() من أفغانستان. ويمكن تلخيص تعريفه للأفول السياسي الإسلامي على النحو الآتي: رأى في انحراف النظام الملكي عن الخلافة الراشدة مصدرًا رئيسًا للمشكلات على مدى القرون المتعاقبة، ومن ثمّ، وجد في العودة إلى الخلافة الراشدة الحل الوحيد51. كان الفكر الإسلامي المعاصر في شبه القارة الهندية مهووسًا جدًا بالتقاليد الصوفية المنحرفة، والفلسفة اليونانية، ولم يكن القرآن والأحاديث النبوية قد لقيا كبير أهمية في حياة المسلمين اليومية52. أقنع نقده التفصيلي للمجتمع الإسلامي المعاصر، والسياسات المعاصرة، العلماءَ والصوفيين بالانخراط في النشاط الإسلامي، بما في ذلك الجهاد ضد الكفار. استمر شاه ولي الله في رؤية السياسات الإسلامية من منظور تصنيف دار الإسلام ودار الحرب. فبالنسبة إليه، كانت الهند دولة إسلامية، وبدت حماية طابعها الإسلامي المسألة الأهم. ولهذا الغرض، دعا أحمد شاه أبدالي أو أحمد شاه الدراني (مؤسس سلالة الدرانية في أفغانستان) إلى إنقاذ الإمبراطورية المغولية من التهديدات المستمرة من ملوك ماراثا والسيخ. ومع ذلك فقد فشل في تأسيس أي حركة إسلامية قائمة بذاتها، إلا أن ابنه شاه عبد العزيز أصدر لاحقًا فتوى شاملة أعلن فيها أن الهند تحت الحكم البريطاني لم تعد دار إسلام. ولأنها أصبحت دار حرب، أصبح الجهاد ضد الوجود البريطاني لزامًا على جميع المسلمين. وفي رسائله التي كتبها إلى العديد من الحكام المسلمين، ميّز بين الهندوس والسيخ والمسيحيين. وفي أغلبية الرسائل، امتنع عن تسمية الهندوس كفّارًا، وخصّ في المقام الأول المسؤولين البريطانيين بهذا المصطلح. ودعا تلاميذه سيد أحمد وإسماعيل إلى الجهاد ضد السيخ الذين سعوا إلى إقامة دولة مستقلة بالقرب من أفغانستان. ومع ذلك فشلت حركتهم المسلّحة، وقُتلوا مع مناضليهم في معركة بالاكوت عام 1831. وواصل "رجال الدين المسلمون" نضالهم، وفشلت الأغلبية؛ ما أدى إلى استعار المواجهات بين المسلمين والإدارة الاستعمارية البريطانية. ثم جاء تمرد الجنود الهنود عام 1857 ضد الحكم البريطاني، ودعمه عدد كبير من القادة الهندوس والمسلمين. بيد أن هذا التمرّد قسّم
المسلمين الهنود، وتوقّع سيد أحمد خان)1898-1817(53، العالم البارز ومؤسس جامعة عليكرة الإسلامية، أن يرى الدولة الوطنية في شكلها المؤسسّي، وأن يكون ردّ فعل المسلمين عليها مضلّلً. وكتب تحليلً تفصيليًا عن التمرد في رسالة باللغة الأوردية عنوانها أسباب الثورة الهندية54، ثم أنشأ المنظمة الهندية الوطنية المتحدة في عام 1888، وعارض من خلالها خطة حزب المؤتمر الوطني الهندي لإدخال نظام برلماني في الهند مشابه للنظام البريطاني؛ لأنه سيكون ضارًا بمصالح المسلمين الهنود. وقد ساورت السير سيد أحمد خان شكوك بشأن صحة الفتوى المنسوبة للشاه عبد العزيز الدهلوي بخصوص الجهاد؛ إذ رأى أن الفتوى لا بد أن تكون قد ذُكِرت خارج سياقها55. وفي كتاب آخر كتبه السيد أحمد ردًا على الطبيب وليام ولسون هنتر56، قدّم تفصيلات عن الأسباب التي حالت دون أن تصبح الهند دار الحرب57. وفي هذا الكتاب، نصح الحكومة البريطانية بالخطوات الرامية إلى طمأنة المسلمين والهندوس في البلاد، من خلال إظهار المزيد من الحساسية تجاه مشاعرهم الدينية والتقليدية. وذكر في موضع آخر أنه لا ينبغي للمسلمين الإصرار على العيش في ظل الخلافة، وكتب عن الخلافة العثمانية ما يأتي: "لا يشملنا نفوذه (السلطان عبد المجيد 1861-1839.) نحن مقيمون في الهند وخاضعون للحكومة البريطانية التي ضمنت لنا الحرية الدينية. حياتنا وممتلكاتنا مصانة، وتجري إدارة شؤوننا الشخصية - الزواج والطلاق والميراث والأوقاف والوصايا - وفقًا للشريعة. وفي مثل هذه الشؤون، يضطر القضاة المسيحيون إلى تطبيق الشريعة الإسلامية على الخصوم المتقاضين المسلمين"58. وتوحي تعليقاته على الشؤون السياسية الأخرى للمسلمين الهنود بأنه لم يوافق على الفتوى التي أعلنت أن الهند أصبحت دار حرب؛ إذ بقيت الشريعة الإسلامية مطبَّقة. وعلاوة على ذلك، وافق على إمكانية وجود نظام دولة حديث تحكمه ديمقراطية مؤسّسية. وظل ناقدًا للطريقة التي تم بها تحويل حكم الخلفاء الراشدين إلى حكم سلالة، وكان مقتنعًا بأنه يُسمح بالعديد من الحكّام الإسلاميين، كما كان الحال مع الخلافة الأموية في إسبانيا في وقت الخلافة العباسية في بغداد. وفي افتتاحيّاته في مجلته تهذيب الأخلاق، انتقد السيد أحمد خان بشدة تنامي المشاعر المعادية لبريطانيا بين علماء المسلمين. وعلى الرغم من أن الكثيرين من علماء المسلمين انتقدوه، فإن السيد أحمد خان أثّر في جيل آخر من علماء الدين الذين ناصروا حينها مسارًا معتدلً بين التقاليد الإسلامية والعلم. فعلى سبيل المثال، باشر مولانا شبلي النعماني59 في سد الفجوة بين ديوبند60 وعليكرة، وسهّلت جهود شبلي ظهور حركة ندوة العلماء الجديدة في عام 1898 تحت شعار "الجديد الصالح، والقديم النافع"، والذي كان يعني تبنّي ما هو مفيد من الحداثة والحفاظ على ما هو مفيد من التقاليد. كما انحدرت حركة ندوة العلماء تدريجًا إلى معسكر ديوبند، وهو مًا توقعه الكثيرون في حركة عليكرة أصل61. وساعد تعاون هؤلاء العلماء ومشاركتهم الفعّالة في الأحزاب السياسية اللاحقة المعارضة للحكم البريطاني على أن يصبحوا جزءًا من نسق متطور لسياسة الدولة الوطنية. وقد جعلتهم مشاركتهم في المؤتمر الوطني الهندي يعترفون بمبادئ الترتيبات السياسية العلمانية والتعدّدية، ويتخلّون عن فكرة الحكم الإسلامي. وقدّم حزب المؤتمر الوطني الهندي رؤية لدولة وطنية هندية شاملة قائمة على المساواة والحرية والديمقراطية. ووحّد تمرد عام 1857 الجماعات الهندوسية والمسلمة إلى حدّ ما، وظهر المؤتمر الوطني الهندي لاحقًا بوصفه منصّة لكل الجماعات. وحتى ذلك الحين، كان العلماء المسلمون، وأغلبيتهم ينتمون إلى مدرسة شاه ولي الله الدهلوي، ناشطين في النضال ضد الاستعمار، ومن بينهم محمد قاسم نانوتوي ورشيد أحمد الكنكوهي، اللذان أسّسا الجامعة الإسلامية في دار العلوم بديوبند في عام 1866. وفي ذلك الحين، لم تكن المسألة الرئيسة تكمن في إحياء سلطنة المغول أو إحياء الحكم الإسلامي، بل في كيفية بناء العلاقات بين جماعات الهند المختلفة. ونجحت الجماعات الأصولية الهندوسية في الضغط على المؤتمر الوطني الهندي للدفاع عن مصالح الهندوس في البلاد، وبدأ المسلمون
يفقدون ثقتهم بالمؤتمر؛ إذ انضمّ العديد من القادة الهندوس الأصوليين، مثل لالا لجبات راي ومادان موهان مالافيا من المنظمة الهندوسية الأصولية هندو ماهاسابا، إلى حزب المؤتمر الوطني الهندي. وكانت القومية الهندية عاملً موحّدًا بين جميع الجماعات، والتحدّي الأكبر الذي يجب على حزب المؤتمر والقادة المسلمين المنتسبين إلى الحزب معالجته هو: كيف يمكن المسلمين والهندوس أن يصنعوا أمة واحدة؟ كان السيد أحمد خان من أوائل المشككين في حزب المؤتمر وقدرته على إنشاء علاقات متكافئة بين الهندوس والمسلمين، وقال في إحدى مقالاته: "الهندوس والمسلمون مثل عينَي الهند، التي تشبه العروس، جمالها في الحفاظ على كلتا العينين آمنتين"62. إلا أنه كان مشككًا في نوايا المؤتمر الوطني الهندي تجاه المسلمين الهنود، وأشار إلى أن النظام البرلماني وحده لا يمكنه ضمان الحقوق السياسية للمسلمين، وكان الجدل في زمانه في مراحله الأولى. وتأثر مولانا أبو الكلام آزاد)1958-1888(63، الذي عاد لتوه من جولته في تركيا وسوريا ومصر، بالقوميين العرب؛ ففي زيارته العالم العربي، سُئل مرارًا عن سبب عدم مشاركة المسلمين الهنود في النضال القومي ضد استئصال الاستعمار البريطاني. وعند عودته في، بدأ مولانا آزاد في إصدار مجلة الهلال، عام 1912 ثم انتسب إلى المؤتمر الوطني الهندي. وقد تشكَّل فهمه للقومية الهندية من خلال ملاحظات ثلاث: أولا، فهمه لصعود القومية في الشرق الأوسط، فقد التقى بأصدقاء مصطفى كمال أتاتورك والقادة المصريين؛ ثانيًا، تفاعله المباشر مع القوميين الهندوس البنغاليين الذين أصبح الكثير منهم مناهضين متطرّفين للمسلمين؛ ثالثًا، غياب المشاركة الإسلامية الفعّالة في "النضال القومي"65. وحتى ذلك الحين، اقتصر النضال الرئيس للمسلمين على حقوقهم الدينية في ظل الحكم البريطاني، ولكن مولانا آزاد بدأ في شرح مفهوم الاستقلال عن الحكم البريطاني ليكون أحد بنود العقيدة الإسلامية، والتي من دونها لا يمكن المسلمين الحفاظ على إيمانهم/ دينهم. وبدأ آزاد في الأعداد الأولى من مجلته باستهداف جامعة عليكرة الإسلامية ودعمها للحكم البريطاني. وقد يكون مولانا آزاد أول وأقوى عالم مسلم تحدث لصالح القومية المركّبة؛ إذ قال ذات مرة في خطابه الأكثر شهرة: "إذا هبط ملاك من أعلى السماوات وأعلن من أعلى قطب منار"66 "انبذوا الوحدة الهندوسية الإسلامية وفي غضون 24 ساعة ستحظون بالحكم الذاتي Swaraj(")؛ "سأرفض الحكم الذاتي لكنني لن أتراجع قيد أنملة عن موقفي. وإذا تأخر الحكم الذاتي، فسيؤثر في الهند فحسب، بينما ستكون نهاية وحدتنا خسارة للعالم البشري بأسره"67. ودعمً للقومية المركّبة، استشهد آزاد ب ميثاق المدينة، وآمن أن الهندوس والمسلمين يجب أن يشكّلوا أمة موحّدة أو أمة واحدة بالطريقة نفسها التي وقّع بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم68 اتفاقية مع الجماعات غير المسلمة بشأن المدينة المنوّرة. وفي أحد خطاباته، تساءل عن استخدام مصطلح كافر لغير المسلمين في الهند، قائلً: "أنا فخور لكوني هنديًا؛ فأنا جزء من وحدة لا تتجزأ وهي القومية الهندية، وأنا لا غنى عني في هذا الصرح النبيل، ومن دوني لا يكتمل هذا الهيكل الرائع. لقد انقضى 11 قرنًا بالكامل منذ ذلك الحين، وللإسلام الآن أحقية كبيرة على أرض الهند مثل الهندوسية. وإذا كانت الهندوسية هي دين الناس هنا منذ عدة آلاف سنة، فإن الإسلام كان دينهم أيضًا منذ ألف عام. وكما يمكن للهندوسي أن يقول بفخر إنه هندي ويتبع الهندوسية، يمكننا نحن أيضًا أن نقول بالقدر نفسه من الفخر، إننا هنود ونتبع الإسلام. ويجب عليّ توسيع هذا المدار أكثر، لأنه يحق للمسيحي الهندي أن يقول بكل فخر إنه هندي ويتبع ديانة هندية، وهي المسيحية. وهذه الثروة المشتركة هي تراث قوميتنا المشتركة، ولا نريد أن نتركها ونعود إلى الزمان الذي لم تبدأ فيه هذه الحياة المشتركة. وإذا كان بيننا هندوسيون [يرغبون] في إعادة الحياة الهندوسية التي كانت موجودة منذ أكثر من ألف عام، فإنهم يحلمون، وهذه الأحلام ما هي إلا أوهام عقيمة. وكذلك الحال بالنسبة إلى المسلمين، فإذا كان هناك أي مسلم يرغب في إحياء حضارته وثقافته من الماضي، وقد أتوا بهما قبل ألف عام من إيران وآسيا الوسطى، فإنهم يحلمون أيضًا، وكلما
أفاقوا مبكرًا [من تلك الأوهام] كان ذلك أفضل. هذه أوهام غير طبيعية لا يمكن أن تترسخ في أرض الواقع؛ فأنا من الذين يؤمنون بأن إعادة إحياء [الماضي] قد تكون ضرورة في الدين، ولكنها تمسي إنكارًا للتقدم عندما تكون في الشؤون الاجتماعية"69. أغلبية العلماء الذين قاتلوا ضد الحكم البريطاني، وعانوا وطأة ردّ الفعل البريطاني، من مدرسة الشاه ولي الله الدهلوي. وأسّس مولانا محمود الحسن الديوبندي70 جمعية علماء الهند عند عودته من المنفى في مالطا، وشارك مع مولانا السيد حسين أحمد مدني71 بفاعلية في حركة الخلافة72، وتعاون مع المؤتمر الوطني الهندي. ولكن دفاعه عن القومية المركّبة كان مشوبًا بحجج إسلامية متعلّقة بالحرية وحجج تكتيكية. وفي إحدى مقالاته الأولى، كتب: "إذا كانت القومية بهذا القدر من البلاء والسوء اللذَين دمّرا الملوك العثمانيين والمسلمين، فليستخدمها المسلمون أيضًا ضد بريطانيا لاجتثاث حكمها من الهند"73. ومن اللافت أن مولانا حسين أحمد مدني ومحمد علي جناح ومولانا آزاد لم يكونوا جميعًا يتلاعبون بالمشاعر الدينية فحسب، بل يمارسون السياسة الواقعية أيضًا. فبالنسبة إلى مدني وآزاد، لن يتمكن جميع المسلمين الهنود من الذهاب إلى باكستان، وكان انفصال باكستان عن الهند على حساب تراجع النفوذ الإسلامي. في حين رأى جناح أن عملية إنشاء دولة وطنية إسلامية جديدة من شأنها أن تنقذ على الأقل الانهيار الوشيك للنفوذ الإسلامي في جنوب آسيا، ولا سيما حينما لم تحظَ مفاوضاته مع المؤتمر الوطني الهندي بالقبول؛ إذ كان يطالب بمزيد من التنازلات. وأثار دفاع مدني عن القومية انتقادات حادة من محمد إقبال74، الذي اشتهر بمقطع شعري أثار جدلً هائلً في الدوائر الإسلامية في الهند. ودفاعًا عن محمد إقبال كتب أبو الأعلى المودودي مقالته الشهيرة "مسئله قوميت"، ونشرها في مجلته الشهرية ترجمان القرآن. ولم يرفض المودودي فيها تعريف مدني للقومية القائمة على الأمة الإقليمية فحسب، بل رأى أن مدني أشار خطأ إلى القرآن والحديث ليدعم ما كتبه. وقال المودودي إن مصطلحَي قوم وأمّة مستخدمان في القرآن في سياق مختلف عما استخدمه حزب المؤتمر ومولانا مدني. وانتقد المودودي مدني لاعتقاده أن الحقوق الأساسية التي تبنّاها المؤتمر الوطني الهندي تساوي ميثاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم75. ثم أوضح المودودي لماذا لا يمكن اعتبار المسلمين أمّة، ورأى أن المسلمين بوصفهم جماعة أيديولوجية، لا يمكن أن يكونوا أمّة، بل هم مساوون لما يُعرف بالحزب بالمعنى الحديث. وبما أن العالم منقسم إلى معسكرين، حزب الله وحزب الشيطان فهذا يجعل المسلمين، على الرغم من اختلافاتهم اللغوية والجغرافية والمذهبية، جماعة عالمية واحدة. وفي تعريفه الأمّة، ذكر المودودي أن الأمّة تهدف إلى أن تكون طرفًا دوليًا يؤمن برسالة واحدة ومبادئ مشتركة؛ ويواصل تعريفه بأنه لا يمكن تعريف أي دولة بأنها دولة إسلامية لأن حاكمً مسلمً يحكمها، وأن تاريخ المسلمين ليس دائمًا تاريخًا إسلاميًا76. وبعد سنوات قليلة، أسّس المودودي حزبه الجماعة الإسلامية77، ثم اقترح فكرته بأن الدولة الأيديولوجية لا الدولة القومية، يجب أن تكون هدف الدولة - الأمّة الجديدة التي طالب بها محمد علي جناح. وبعد تقسيم الهند في عام 1947، قام المودودي بحملة لصوغ دستور إسلامي لباكستان، وكتب بالتفصيل خصائص الدولة الإسلامية، إلا
أن تعريفه لهذه الدولة شمل جميع المكوّنات الأساسية للدولة الأمة التي من شأنها أن تقوم على سيادة الله، واقترح إمكانية وجود أكثر من دولة إسلامية في العالم، وقد تشكّل هذه الدول الإسلامية المختلفة اتحادًا إسلاميًا. وشارك حزبه الجماعة الإسلامية في السياسات الانتخابية في باكستان، وكرّس نفسه بوصفه مكوّنًا رئيسًا للقومية الباكستانية التي كان القائد محمد بن القاسم78 أول مواطن باكستاني فيها، وفقًا لحزب الجماعة الإسلامية79. وكانت نتيجة النقاش بين مؤيدي القومية المركبة والثنائية القومية أن كلا الجانبين وجدا نفسيهما متفقين على مركزية الدولة - الأمّة في مساعيهما السياسية المستقبلية.
خامسًا: إضفاء الطابع الإقليمي على الهوية العابرة للحدود الوطنية
على الرغم من حقيقة قبول الدول الوطنية، فإنه لا يزال يتعيّ على المنطقة تجاوز مأزق هوية مميزة لكل دولة وطنية ومخيالها. وقد تحدّث البروفيسور آشيش ناندي، مدير المعهد الهندي للإدارة في أحمد أباد، عن هذه المعضلة قائلً: "إن جنوب آسيا هي المنطقة الوحيدة في العالم التي لا تعرّف فيها أغلبية الدول نفسها بما هي عليه، ولكن بما هي ليست عليه. وتسعى باكستان وسريلانكا ونيبال جاهدة ألا تكون الهند؛ وقد اضطلعت بنغلاديش بالمسؤولية الشاقة في تفادي أن تكون الهند وباكستان"80. ويرى أن هذه الدول ليست ممانعة فحسب، بل إنها اصطناعية جزئيًا، ومن ثمّ هي هشة في تصوّراتها للأمن. ورأى ناندي81 أن هذا الوضع سمح للدولة الهندية بمصادرة الحق في الحضارة الهندية، ما اضطر الدول الأخرى في المنطقة إلى البحث عن أسس جديدة لثقافاتها السياسية والتخلي عن الجوانب الجوهرية لذواتها الثقافية، وقد تكون المشكلة أشدّ خطورة لدى مسلمي شبه القارة الذين تحمّلوا عبء قبول واقع الدولة - الأمّة وواقع المسلمين الذين يعيشون في دول وطنية متنافسة بوصفهم مواطنين. وبعد أن عاشوا في الهند الحضارية، كان عليهم في فترة ما بعد الاستقلال اكتشاف هويتين وطنيتين جديدتين متعارضتين ومتنافستين: الهوية الوطنية للهنود المسلمين مقابل الهوية الوطنية للباكستانيين المسلمين. وفي أثناء بحثها عن هويات وطنية جديدة، مرت باكستان والهند وبنغلاديش على الأرجح بعملية إعادة الطابع الإقليمي لتاريخها، الذي كان في يوم من الأيام هوية مشتركة أو هوية عابرة للطابع المحلي Trans-local. وحظي مشروع إنشاء هويات جديدة برعاية الدول المعنية، ولم يُعرَف عن المفكرين المسلمين في البلدان الثلاثة بأنهم قاوموا مثل هذه المحاولات. وبعد الاستقلال، حشد المودودي الرأي العام لصالح دستور إسلامي لباكستان ولجعلها دولة إسلامية مثالية82. ولكن لم يكن هذا سهلً على المسلمين الهنود؛ إذ كان عليهم استكشاف هوية ينبغي أن تؤكد الهوية العلمانية أو الهندوسية للدولة الهندية. وساعدت الضمانات المنصوص عليها في دستور الهند العلماني، فيما يتعلق بحقوق المسلمين الدينية والعرقية واللغوية، على اعتراف المسلمين بالجوانب الإيجابية للعلمانية والديمقراطية، وتقدير دور الديمقراطية الانتخابية83. وكان تحوّل الجماعة الإسلامية الهندية أكثر لفتًا للانتباه في نأيها الفكري عن ماضيها المشترك، في حين تقدمت جمعية علماء الهند التي حافظت على وجهة نظر مختلفة عن وجهة نظر الجماعة الإسلامية الهندية بِشأن القومية، لتصبح أكثر قومية وأشدّ حزمًا في دعوتها إلى قومية الترابط الثقافي84. وبعد الانفصال عن باكستان في عام 1971، سلكت بنغلاديش درب القومية البنغالية، مؤكدة أن اللغة البنغالية هي أساس لتضامن جديد يختلف عما فشلت هيمنة اللغة الأوردية في توفيره. وكان تأسيس بنغلاديش تحديًا جديدًا للمجتمع الفكري الإسلامي الذي عارض في البداية النضال القومي البنغالي. ووصلت الأزمة إلى نقطة فاصلة، لما استقال زعيم بارز للجماعة الإسلامية في بنغلاديش، واتّهم الجماعة بعدم التجاوب، داعيًا إلى تغييرات جوهرية في أهداف الجماعة وخططها وبرامجها في ضوء التغيير الذي طرأ على السياسة العالمية، ولا سيما الاضطرابات التي اندلعت في البلدان الإسلامية. وقد ترك فشل الجماعة الإسلامية في
بنغلاديش في الاعتذار عن موقفها في حرب استقلال بنغلاديش عام 1971 العديد من الأجيال الجديدة من الإسلاميين محبطين. وبصرف النظر عن الهويات القومية للهند وباكستان وبنغلاديش، فإن الهوية الوطنية لولاية جامو وكشمير - التي تضم عددًا كبيرًا من السكان المسلمين - تديرها الدول الوطنية الثلاث المتنافسة التي تنعم بالسيادة، وهي باكستان والهند والصين، وباتت خاضعة لأزمة الهوية الأشدّ تعقيدًا. واضطرت كشمير، التي تطمح إلى هوية وطنية منفصلة خاصة بها، إلى أن تقاوم الهند وباكستان من دون اعتماد خيار البقاء مستقلة في وقت رحيل البريطانيين عن شبه القارة الهندية. وظل الردّ الإسلامي على قضية كشمير غير متجاوب مع الوقائع السياسية كما كان هو الحال في حالة بنغلاديش. ويمكن بسهولة إيجاد انقسام في المداولات الإسلامية ما بعد الاستقلال بشأن الدولة الوطنية والقومية والهوية القومية في أثناء عملية النضال لإضفاء الطابع القومي على الهوية الإسلامية، من خلال الاعتراف بسيادة الدولة الوطنية بوصفها إطارًا رئيسًا للهوية الإسلامية الجديدة في شبه القارة الهندية.
خاتمة
سعت هذه الدراسة إلى تقديم منظور لانتشار الإسلام والخطابات السياسية التي نشأت من هذه اللقاءات الإسلامية. فقد أصبح الماضي الإسلامي لشبه القارة الهندية الآن حيّزًا متنازعًا عليه في المخيال الوطني لثلاث دول وطنية تتمتّع بالسيادة لشعوبها المسلمة. وقد بدأت هذه الدراسة بالقول إن وصول الإسلام لم يكن بالضرورة مشروعًا للفتح الإسلامي أو "الغزو الإسلامي"، كما يُقال في كثير من الأحيان في تاريخ الهند وباكستان اللذين أُسبغ عليهما الطابع الوطني اليوم. إن الإشارة إلى الهند بدار الإسلام في الأدب الإسلامي ليست دائمًا مسألة غير قابلة للطعن، تمامًا كما هو الحال في إعلان الهند دار الحرب. ولم يؤدِّ استخدام الفقهاء المسلمين من حكّام الهند مصطلحَ دار الإسلام إلى تأكيد أي تعريف مقبول على الصعيد العالمي. ففي عملية وضع المفهوم السياسي للإسلام، اختلف "رجال الدين الإسلامي" بشأن كيف ومتى يمكن منطقة تُعرف بدار الإسلام أن تصبح دار الحرب، ومن ثمّ فإن الفتوى المنسوبة إلى الشاه عبد العزيز الدهلوي بشأن تحول الهند إلى دار الحرب قد طعن فيها الكثيرون. وحينما بدأت الإدارة البريطانية في توسيع تحالفها مع الممالك غير المسلمة، بدأت الممالك الإقليمية المسلمة أيضًا في الانحدار، وبدأ الشعور بخيبة الأمل في التسرّب إلى المخيال السياسي للمسلمين الهنود. ويجب تحديد الانتقال الخطابي من دار الإسلام إلى الدولة الوطنية الذي حدث من خلال السيطرة البريطانية ضمن الفرضيات الآتية: أولً، ما إذا كان وصول الإسلام إلى الهند عملً من أعمال الغزو الإسلامي أو الفتح الإسلامي؛ ثانيًا، كيف انخرط الصوفيون والتجّار والرحّالة فعليًا في المجتمعات غير المسلمة في الهند، وهي عملية غير مسبوقة لأي مجتمع مسلم في العالم؛ ثالثًا، ما إذا كانت الهند في الواقع هي دار الإسلام أم دار الحرب بالمعنى الحرفي والفقهي؛ رابعًا، ما إذا كان رد فعل المفكّرين الإسلاميين والصوفيين و"رجال الدين" على صعود السيطرة الإنكليزية وقيام سلطة غير مسلمة، قد تشكّل بالواقعية السياسية أو المثالية الدينية. وقد انتهى الطرفان أخيرًا إلى قبول مركزية الدولة الوطنية في بلديهما.
المراجع
العربية
إبراهيم، سفيان ياسين. الهند في المصادر البلدانية (القرن 7-3 ه، م.) 13-9 عمان: دار المعتز للنشر والتوزيع،.2017 البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود. فتوح البلدان. تحقيق صلاح الدين المنجد. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1956. إعلاء السنن. مج التهانوي، ظفر أحمد العثماني. 14. كراتشي: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية،.1937 جميل الرحمن، مولوي محمد. قديم تاريخ هند (تاريخ الهند القديم.) حيدر آباد: جامعة عثمانية،.1922 خان، سيد أحمد. رسالة أسباب بغاوتِ هند (أسباب الثورة الهندية). عليكرة: جامعة عليكرة الإسلامية،.1958 الدهلوي، شاه ولي الله. حجة الله البالغة. تحقيق ومراجعة السيد سابق. بيروت: دار الجيل،.2005 إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء. دمشق: دار القلم ________.،.2013 المقدسي، أبو عبد الله محمد بن أحمد. أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم. ط.3 القاهرة: مكتبة مدبولي،.1991
الأجنبية
Ahmad Khan, Syed. Akhiri Mazameen (The last articles). Lahaur: Refah-e-Aam Press, 1898. at: https://bit.ly/3nDNqXA
________. In Response to the Book of Dr. Willian Wilson Hunter's Book: Our Indian Muslims. Aligarh: Aligarh Muslim University [1871], 2009. Ahmad, Aziz. Hind-o-Pak Mein Islami Jadidiyat: Islamic Modernity in Indian Subcontinent. New Delhi: Educational Publishing House, 1990. Ahmad, Irfan. Islamism and Democracy in India: The Transformation of Jamaat-e-Islami. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2009. Ahmad, Sayed Riaz. Maulana Maududi and the Islamic State. Lahore: People's Pub. House, 1976. Al-Dihlawi, Shah Wali Allah. The Conclusive Argument from God. Islamic Philosophy Theology and Science. vol. 25. Marcia K. Hermansen (trans.). Leiden and New York: Brill, 1995. Al-Baladhuri, Al Imam Abu Al-Abbas Ahmad Bin Jab. The Origins of the Islamic State. Philip Khuri Hitti (trans.). Piscataway, NJ: Gorgias Press, 2002. Asif, Manan Ahmed. A Book of Conquest: The Chachnama and Muslim Origins in South Asia. Cambridge/ Masschusetts: Harvard University Press, 2016. ________. The Loss of Hindustan: The Invention of India. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2020. Char, S. Venkata Desika. "India and the Ideal of the Nation-State." The Indian Journal of Political Science. vol. 7, no. 1/2 (July-December 1945). at: https://bit.ly/3dFWCHK Daftary, Farhad. A Short History of the Ismailis, Traditions of a Muslim Community. Edinburgh: Edinburgh University Press, 1998. Dodson, Michael. Orientalism, Empire, and National Culture India. US: Palgrave Macmillan, 2007. Farishta, Muhammad Qasim. Tareekh e Farishta. Abdul Hai Khwaja (trans.). Lahur: Al Mizan Publication, 2008. Goyal, Shankar. "Recent Historiography of the Age of Har ṣ a." Annals of the Bhandarkar Oriental Research Institute. vol. 72-73, no. 1-4 (1991). Hoyland, Rober G. In God's Path: The Arab Conquests and the Creation of an Islamic Empire. London: Oxford University Press, 2015. Inden, Ronald. "Orientalist Constructions of India." Modern Asian Studies. vol. 20, no. 3 (1986). Kokab, Rizwan Ullah. Muslim Decline and Revivalist Movements in South Asia: A Study of Movements' Views on Muslim Decline. Saarbrücken: VDM Verlag Dr. Müller, 2011.
Malik, Hafeez. "Sir Sayyid Ahmad Khan's Role in the Development of Muslim Nationalism in the Indo-Pakistan Subcontinent." Islamic Studies. vol. 5, no. 4 (1966). at: https://bit.ly/3x2ibKm Maududi, Abul A'la. Masla-e-Qaumiyat (The Subject of Nationalism). Lahaur: Islamic Publications Limited, 1987. Mclane, John. Indian Nationalism, and the Early Congress. Princeton, New Jersey/ Guildford, Surrey: Princeton University Press, 1977. Metcalf, Barbara D. Islamic Revival in British India: Deoband, 1860-1900. Princeton: Princeton University Press, 2016. Nadvi, Syed Sulaiman. Arab-o-Hind Kay Taluqat (Arab- India Relations). Azamgarh: Darul Musannifin, 2010. Naik, J. V. "Instant Indian Nationalist Reaction to James Mill's: The History of British India." Proceedings of the Indian History Congress. vol. 63 (2002). at: https://bit.ly/32vsNU1 Sen, Amiya P. Hindu Revivalism in Bengal, 1872–1905: Some Essays in Interpretation. Delhi: University of Delhi, 2001. Siddiqui, Yasin Mazhar. Hujjatullahil Baligha, Aik Tajziyati Mutala (An Analytical Study of Hujjatullahil Baligha). Aligarh: Shah Waliullah Dehlavi Research Cell Aligarh Muslim University, 2002. Sykes, W. H. "Notes on the Religious, Moral, and Political State of India before the Mahomedan Invasion, Chiefly Founded on the Travels of the Chinese Buddhist Priest Fa Hian in India, A.D. 399, and on the Commentaries of Messrs. Remusat, Klaproth, Burnouf, and Landresse." Journal of the Royal Asiatic Society of Great Britain and Ireland. vol. 6, no. 2 (1841). at: https://bit.ly/3wWKUjB Truschke, Audrey. Aurangzeb: The Life and Legacy of India's Most Controversial King. Stanford: Stanford University Press, 2017. Varshney, Ashutosh. "India, Pakistan, and Kashmir: Antinomies of Nationalism." Asian Survey. vol. 31, no. 11 (1991). at: https://bit.ly/3sig4OM Waliullah, Shah. Izaalat-Ul-Khafa 'an Khilafat-Ul-Khulafa. vol. 1. Muhammad Abdul Shakoor (trans.). Karachi: Educational Press, 2014. Zaidi, A. Moin. Congress Presidential Addresses 1885 – 1900. New Delhi: Publication Department, Indian Institute of Applied Political Research, [1840] 1985.