الرأسمالية والتنمية والديمقراطية * * *
الملخّص
ا ضروريًا، ولكنه غير كافٍ، لتحقيق الديمقراطية. فاستنادًا إلى التاريخ تمثل الرأسمالية شرط، تتوقف العلاقة بين الرأسمالية والديمقراطية على شروط أخرى. صحيح أن الديمقراطية غالبا ما تسود في البلدان الرأسمالية الأكثر تطورًا، لكن ليس لأن التطور الرأسمالي في ذاته يول د الديمقراطية، بل يكمن السبب في نشوء الديمقراطية في مجتمع ينعم بالثروة، حيث يكون في يد كل شخص الكثير مما يخشى فقدانه إذا ما جازف به في صراع من أجل الدكتاتورية. كلمات مفتاحية: الرأسمالية، الديمقراطية، الشروط التاريخية، النمو الاقتصادي. Capitalism is a necessary but not a sufficient condition for democracy. This relation is historically contingent. It is true that democracy tends to prevail in the most developed capitalist countries. But this is not because capitalist development breeds democracy. The reason is that once democracy is present in wealthy societies, everyone has too much at stake to risk a struggle for dictatorship.
Capitalism, Development, and Democracy
Keywords: Capitalism, Democracy, Historical Conditions, Economic Development.
مقدمة
ثمة جانب ثابت يميّز فكر [عالم الاقتصاد البرازيلي لويس كارلوس] بريسر بيريرا يكمن في عدم إغفاله البتّة القضايا المركزية، حتى وهو يحلّل أحداثًا تاريخية ملموسة. ففي ورقته المعنونة "لماذا لم تصبح الديمقراطية النظام المفضّ ل إلا في القرن العشرين؟"، يطرح فكرة مفادها أن الديمقراطية لم تنشأ تاريخيًا إلا في تلك البلدان التي رسّخت الرأسمالية، وفقط حينما أنجزت ذلك الترسيخ. ويرى، إضافة إلى ذلك، أن هذا التطوّر ضروري تاريخيًا، وعقلاني كذلك، سواء بالنسبة إلى الرأسماليين أو العمال1. تكمن مشكلة هذا التحليل في أنه يقدم لنا شروطًا ضرورية، لكنها غير كافية وحدها، وقد يقدّم لنا تفسيرًا يستحق التأمل، إلا أن قدرته التنبؤية تبقى محدودة. وبنسبته الضرورة التاريخية والعقلانية الجمعية معًا إلى هذه العلاقة، يصوّر بريسر بيريرا هذه العلاقة بصفتها علاقة حتمية، بينما يبيّ السجل التاريخي أن هذه العلاقة تتوقف، في الغالب، على شروط أخرى؛ فبينما تجعل الرأسماليةُ الديمقراطيةَ ممكنة التحقق، لا يمثل هذا ضرورةً حتمية. يكفي أن نلاحظ كيف نشأت في الهند ديمقراطية مستقرّة في عام 1947، في وقت بلغ فيه متوسّط دخل الفرد السنوي 556.1 دولارًا أميركيًا2، في حين استمر الحكم الدكتاتوري في سنغافورة في وقت بلغ فيه دخل الفرد 18300 دولار. وفي الحقيقة، تتفاوت مستويات التنمية بشدة في البلدان التي نشأت في ظلها الديمقراطية، وهناك بلدان عدة شهدت انتكاسات ديمقراطية ممتدة، على الرغم من تواصل التطوّر الرأسمالي. وبعبارة أخرى، تتوافق الدكتاتورية مع الرأسمالية، كما تتوافق الديمقراطية معها. ومن ثم، يتطلب فهم العلاقة بين تطور الرأسمالية والديمقراطية تحليلً لاشتراطات تاريخية محددة، ولا يمكن استنتاج هذه العلاقة من مبادئ أولية. التاريخ لا منطق له، إلا ما يتضمنه من اشتراطات يجري تنميطها. ولا دور للتحليل التاريخي، من ثم، إلا في إدراك هذه الأنماط. إن أفضل وسيلة لإيضاح القضايا المثارة هي البدء بكارل ماركس. فبينما يقتفي تحليل بريسر بيريرا للرأسمالية خطى تحليل ماركس في الجزء الثالث من رأس المال، يتجاهل في الآن ذاته ما قدّمه ماركس من تحليل سياسي للأحداث التي وقعت في فرنسا في الفترة 1851-1848، إذ يصرّح ماركس في ذلك التحليل برؤيته العلاقة بين الرأسمالية والديمقراطية. وهنا، أؤكد ما كنت قد طرحته منذ زمن بعيد3، إذ ذكرت أن ماركس جانبَه الصواب حين ادّعى أن الديمقراطية والرأسمالية لا تستطيعان التعايش، غير أنه قدّم إطارًا لتحليل الشروط التي تتوقف عليها العلاقة بين الطرفين. وسيتناول القسم التالي هذه المسائل النظرية. أفحص في القسم التالي الأدلة التاريخية التي تغطي المرحلة بين عامي 1946 و 1999. وأبدأ تحليلي بملاحظة ذائعة الصيت [لعالم الاجتماع الأميركي سيمور مارتن] ليبست4 عن أن أغلبية البلدان المتقدمة countries Developed تتمتع بأنظمة ديمقراطية، في حين ترزح البلدان الفقيرة تحت نير الدكتاتورية. وقد حاججتُ، في دراسة كتبتها مشاركةً مع [الباحث البرازيلي في العلوم السياسية فرناندو] ليمونجي عام 1997 5، بأن هذا النمط لا يظهر لأن الأرجح هو نشوء الديمقراطيات في البلدان التي تحقق مستوىً عاليًا من التنمية الاقتصادية، بل لأن الديمقراطية (بغضّ النظر عن أسباب نشوئها) تُستدام في البلدان المتقدّمة. في النهاية، أقدّم في القسم الأخير تأويلً لهذه الأنماط، أرجع فيه إلى العلاقة بين الرأسمالية والديمقراطية. ويستند هذا التأويل إلى نموذج رياضي، شرحته بإيجاز في الملحق.
أولا: الرأسمالية والديمقراطية
حرّرت الرأسمالية المنتجين المباشرين6 من السلطة السياسية التي يمارسها مُلّ ك وسائل الإنتاج. وإذ تتمايز الرأسمالية عن نظام الإقطاع وأشكال العبودية المختلفة التي انبثقت منها، لا يحظى مُلّ ك وسائل الإنتاج، في ظل الرأسمالية، بمكانة قانونية تضعهم فوق أولئك الذين يعملون لديهم. وبحسب ما لاحظه ماركس في موضعٍ ما (وأقتبس ههنا من الذاكرة)، جرى استبدال المثل الذي يرجع إلى القرون الوسطى
والذي يقول: "لا أرضَ من دون سيّد" seigneur sans terre Nulle بمثل آخر يقول: "ليس للمال سيّد" maître de pas n'a L'argent. ومن وجهة نظر ماركس، يمثل فصل الملكية عن السلطة ضرورةً لنشوء الرأسمالية. وحتى يكون في مستطاع العمال الالتحاق بتلك الشركات التي توسع رأس مالها وتستثمر في تكنولوجيات الإنتاج الجديدة وعملياتها، ينبغي لهم أن يكونوا قادرين على الانتقال. وللحفاظ على تدنّ الأجور، يجب أن يتنافس العمال في سوق العمل. لذا، يجب أن يتحرّر العمال من السلطة السياسية التي يحوزها أرباب عملهم. وبغير ذلك، لن يكون في مقدور الرأسماليين الاستثمار أو التنافس في ما بينهم؛ فالمنافسة هي بمنزلة المحرك للتطوّر الرأسمالي. يعتمد بريسر بيريرا هذه الملاحظة بوصفها "الحقيقة التاريخية الجديدة" التي جعلت الديمقراطية ممكنةً: "عندما تُنجز الثورة الرأسمالية يتشكّل لدينا اقتصاد السوق، وفيه تبدأ الأرباح والأجور في التوافر بانتظام. وعندها تنسحب الدولة من موقع الطرف الرئيس في عملية جني الثروة والتصرف فيها. وبالطبع، يظل للدولة ارتباط وثيق بالاقتصاد، لكنها لم تعد شرطًا لنشوء النخبة الاقتصادية. وبناء عليه، تستطيع الطبقة الرأسمالية الجديدة القيام بما لم يكن متاحًا لغيرها التمتّع بنعيم الديمقراطية من الطبقات المهيمنة السابقة، أي "7 (توكيد العبارة بالخط الغامق من عندي.) تكمن مشكلة هذا المنطق في أن "القدرة" لا تعني أنها "شرط ضروري"، فضلً عن أن تعني أنها "ستتحقق." وهنا، تنبغي العودة مجدّدًا إلى تحليلات ماركس السياسية. لقد لاحظ ماركس أنه في إثر تحرير المنتجين المباشرين من السلطة السياسية لمُلّ ك وسائل الإنتاج، أنتجت الرأسمالية قوة تاريخية جديدة، ممثلةً في الطبقة العاملة، لكن الطبقة العاملة ستشكّل تهديدًا للرأسمالية. وبما أن الطبقة الرأسمالية الناشئة تواجه عدوًا واحدًا فحسب، وهم مالكو الأراضي الإقطاعيون الذين سعت للقضاء على سيطرتهم السياسية، اضطرت البرجوازية إلى خوض نضالها تحت شعار التحرّر، الموجه ضد القيود القانونية المفروضة على الملكية. ولكن، بظهور الطبقة العاملة في الأفق التاريخي، سواء أكان ذلك في [مدينة] واترلو [البلجيكية] في عام 1816، أو في [مدينة] ليون [الفرنسية] في عام 1830، أو في [ساحة] شان دي مارس Mars de Champ بباريس في عام 1848 (وهو محل خلاف بين المؤرخين)8، صار التحرّر سيفًا ذا حدّين؛ إذ في مقدور العمّ ل استخدامه ضد المِلكية الخاصة. وعندما استخدم العمال حقوقهم السياسية المكتسبة حديثًا للمرة الأولى في فرنسا عام 1848، في صورة حق الاقتراع، ليشكّلوا تهديدًا للبرجوازيين، هرع الرأسماليون فورًا إلى طلب حماية الدكتاتورية العسكرية9. ربما يستحق المنطق الذي ساقه ماركس، على الرغم من شيوعه، أن نعيد تركيبه من جديد، فقد سوّغ ماركس تحليله على النحو الآتي: كان على البرجوازية أن تقضي على القيود الإقطاعية المفروضة على المِلكية، وعلى حرية المنتجين المباشرين، كي تتمكن من إقامة نظام اجتماعي يتم فيه استخلاص الفائض من هؤلاء المنتجين المباشرين، من خلال وسائل التبادل الطوعي. وبمجرد أن يحصل المنتجون المباشرون على الحقوق القانونية والسياسية سيسعون إلى النهوض بمصالحهم المادية، من خلال التنظيم في مواجهة نظام الملكية الخاصة. ومن ثم، استشعرت البرجوازية ورطتها؛ فقد تطلّب إحداث التراكم منها أن تقوم بتحرير العمل، لكنها لم تستطع التحكّم في
التهديد الذي تتعرّض له ملكيتها بسبب العمل بعد أن حُرمت من سلطتها السياسية. وتمثل الاختيار [البديل] (على الأقل في حالة البرجوازية الفرنسية في عام 1851) بالتنازل عن سلطتها السياسية لصالح الجيش، وذلك لحماية سلطتها الاقتصادية. لقد اعتقد ماركس بحتمية هذه الدينامية التاريخية، وخلص - بالطبع - إلى أن الجمع بين الديمقراطية والرأسمالية، أي صيغة "الجمهورية البرجوازية"، لم يكن أمرًا ممكنًا، ولا يمكن أن يدوم. وقد كتب، في عام 1851، معربًا عن اعتقاده بأن الديمقراطية الرأسمالية هي "الشكل السياسي فحسب لثورة المجتمع البرجوازي، وليست نمط الحياة المحافظ الذي تتبعه"10. وبعد عشرين عامًا، ظل ماركس ينظر إلى الصيغة الديمقراطية للمجتمعات الرأسمالية على أنها "مجرد حالة متقطّعة الحدوث، وضع استثنائي[...]ويستحيل أن تكون الشكل الطبيعي للمجتمع"11، ورأى أن عدم الاستقرار الكامن هذا قد نبع من حقيقة مفادها أن الجمع بين الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والديمقراطية السياسية سيولّد التناقض: "تسعى الطبقات التي يكرس الدستور عبوديتها الاجتماعية؛ أي البروليتاريا والفلاحون والبرجوازية الصغيرة، إلى امتلاك سلطة سياسية عبر الاقتراع العام. أما تلك الطبقة التي يعزز الدستور سلطتها الاجتماعية القديمة، أي الطبقة البرجوازية، فإنه يسحب منها الضمانات السياسية لهذه السلطة، ويحصر السلطة السياسية للبرجوازية في حدود شروطٍ ديمقراطية، تهدد في كل لحظة أسسَ المجتمع البرجوازي؛ فثمة من يطالبهم الدستور بألّ ينهضوا لطلب التحرر الاجتماعي من بعد التحرّر السياسي، وآخرون يطلب منهم ألا يرتدوا من استعادة Restoration اجتماعية، بالتقهقر إلى استعادة سياسية"12. لم يكن ماركس وحده؛ فقد ساد اعتقادٌ، يكاد يكون جازمًا، الطيفَ الأيديولوجي المعروف في النصف الأول من القرن التاسع عشر، بأن الديمقراطية وحق الاقتراع العام، وحتى حرية تشكيل النقابات، ستهدّد لا محالة جوهر وجود الملكية الخاصة. وبالفعل، لاحظ [الرئيس الرابع للولايات المتحدة الأميركية] جيمس ماديسون Madison James أن "الديمقراطيات شهدت دومًا الاضطرابات والتنازع، وطالما نُظر إليها على أنها لا تتوافق والأمن الشخصي أو حقوق الملكية"13. أما الفيلسوف الإسكتلندي جيمس ماكنتوش Mackintosh James، فقد تنبأ في عام 1818 بأنه "في حال حازت الطبقات العاملة الامتيازات، فسيتمخض ذلك عن شقاق دائم بين الرأي والملكية"14. في حين قبِل [الاقتصادي البريطاني] ديفيد ريكاردو Ricardo David مسألة توسيع حق الاقتراع وحده "بالنسبة إلى هذا الجزء منهم [أي الشعب] الذي لا مجال لافتراض أنه يملك مصلحة في نقض الحق في الملكية"15. وفي عام 1842، وصف [المؤرخ والسياسي البريطاني] توماس ماكالاوي Macalauy Thomas 16 حق الاقتراع العام بأنه "نهاية للملكية، وإذًا، نهاية كل حضارة." وعلى هذا المنوال، تشكلت بديهيات معاصرة؛ ففي "نموذج الناخب الوسيط" Median Voter17، نقف على توليفة تجمع ما بين المساواة السياسية (مبدأ صوت واحد لكل شخص) وعدم المساواة الاقتصادية. وتتسبّب
هذه التوليفة في معدلات ضريبية لا تنجح في إحداث التكافؤ التام بين المداخيل؛ بسبب التكاليف المرهقة لفرض الضرائب فحسب. ومع كل ذلك، أرى أن ماركس ومعاصريه كانوا على خطأ؛ فإذا لم تكن الديمقراطية حتمية الحدوث في ظل الرأسمالية، فهي ليست مستحيلة كذلك. وقد أَسّست العديد من الدول الرأسمالية نُظمً ديمقراطية اتسمت بالديمومة، وفي العديد منها، فازت بالانتخابات أحزابٌ تمثل قواعد العمال، واستمرت في مقاليد الحكم فتراتٍ طويلة، من دون أن تعمد إلى مصادرة الممتلكات، أو تسعى إلى تقويض أسس المجتمع الرأسمالي. وفي تحليل ماركس، كان على البرجوازية أن تختار أهون الشرّين: إما أن تجد نمطًا للتعايش vivendi Modus مع الطبقة العاملة، وإما أن تصبح معتمدة على العسكر. وفي الحالتين، ستكون البرجوازية نفسها مهدّدة. كان [عالم الاقتصاد والمؤرخ الإسكتلندي] جيمس ميل Mill James هو المنشق الوحيد عن التيارات السالفة، وقد تحدى معاصريه ب "أن يقدّموا مثالً واحدًا، لا غير، بدءًا من الصفحة الأولى لكتاب التاريخ وصولً إلى صفحته الأخيرة، عن شعب في أي بلد، أظهر العداء للقوانين العامة للمِلكية، أو أعلن عن رغبته في تخريبها"18. ومع أن أحوالً مثل هذه قد تكون حدثت في نهاية المطاف، ففي بلدان عديدة تعلّم العمال والرأسماليون سبل التعايش ضمن إطار ديمقراطي، وقبِلت تنظيمات الطبقة العاملة نظام الملكية الخاصة، وحصرت مطالبها في إعادة التوزيع، على نحو يسمح للرأسماليين بتحقيق أرباح مناسبة. وينبع هذا الاعتدال، من وجهة نظري، من عامليَن محددين: أولهما أن على تنظيمات الطبقة العاملة إيلاء الاعتبار لمسألة أنها بتهديدها الحق في الملكية، ستدفع البرجوازية إلى طلب حماية الدكتاتورية. وإذا كان هذا الاعتبار ضعيفًا في البلدان الفقيرة، حيث الأجور تلامس حدّ الكفاف، وليس لدى العمال ما يخسرونه تقريبًا، ومن ثم، ليس ثمة شيء يحدّ من حدوث هذا التهديد، فإنه - في المجتمعات المتقدّمة - يصبح ملزمًا، حينما تفشل حركة ثورية، على نحو يولّد مخاطر وقوع تدهور حاد في الأوضاع المادية للعمال (ينظر لاحقًا.) وبلغة كلاسيكية، نقول إن الطبقة العاملة تتخلّص من راديكاليتها حين "تتبرجز." أما العامل المحدد الآخر فيتمثل بأنه ما إن يقبل العمال بوجود ملكية خاصة لوسائل الإنتاج، حتى يصبح استهلاكهم وتوظيفهم مستقبل متوقفيَن على استثمارات الرأسمالية، التي تتوقف بدورها على معدّل الربح ومعدلات الأجور والضرائب. ومن هنا، وإزاء قلق العمال على رفاههم المادي في المستقبل، يجب عليهم كبح جماح مطالبهم؛ الأمر الذي يحفز الرأسماليين على الاستثمار19. وختامًا، فإنه حينما يتشارك الرأسماليون والعمال ثمار التنمية، فإن العمال لن يهدّدوا الرأسمالية في البلدان المتقدمة، حتى في الأحوال التي يتمتعون فيها بحقوقهم السياسية والمهنية كاملة. أما التهديد الثاني الذي يأتي من العسكر، فقد لاحظ ماركس أن البرجوازية إذا التمست ملجأها لدى الحكم العسكري، فإنها تُلقي بنفسها في غياهب النسيان السياسي؛ وتصبح في عزلة، فلا شيء يحتم على العسكريين أن يحكموا وفق مصالح البرجوازية: قد يفعلون ذلك، وهذا حدث بالفعل في العديد من البلدان، ولكنهم قد يحجمون عن فعله أيضًا. لقد لاحظ بريسر بيريرا20 و[عالم الاجتماع البرازيلي، في 21 Fernando Henrique Cardoso فرناندو هنريك] كاردوسو وقت متقارب - في أواسط السبعينيات من القرن الماضي - استشعارَ قطاعات عدة من البرجوازية البرازيلية التهديد من الطموح الدولتي Statist الذي أبداه العسكر، فبدأت في إيلاء الديمقراطية نظرة أكثر إيجابية عما كانت عليه في عام 1964. ومن دون أن أدّعي أن للعسكريين سلطةً قهرية، أرى أنهم إذا لم يقرّروا مصادرة حق الملكية، فإن اعتمادهم سيرتكز أيضًا على قرارات الاستثمار التي تتخذها البرجوازية، ليقاوموا إمكانية أن يذووا، في الحاضر أو المستقبل. وفي الخلاصة، النقطة التي أود أن أثبتها، هنا، هي أن العسكريين قد يشكّلون تهديدًا للبرجوازية بالقدر ذاته الذي قد يشكّله العمال المنظّمون. وبما أن البرجوازية عالقة بين هذين الشرين، ستظل الديمقراطية مخرجًا مشروطًا لتلك الصراعات الناشبة بين المجموعات المنظمة على اختلافها. إنها ليست حتمية، وليست مستحيلة كذلك.
ثانيًا: أنماط تاريخية
: 22 Indeterminacy ليس هو اللاحتمية23الإمكان Contingency إن هذا لا يعني أننا لا نستطيع أن نحدّد الأنماط التاريخية التي جمعت الرأسمالية والديمقراطية؛ فتوليفة الرأسمالية والديمقراطية تعتمد على شروط تاريخية محدّدة، تخص كل بلد، وكل حقبة زمنية، على حدة. وهنا، سنبحث في هذه الشروط، وسأستعمل معلومات تخص 199 دولة من تلك التي عرفتها الحقبة 1999-1946. وقبل أن أتناول الاعتبارات النظرية، ينبغي لنا أن نفهم، قبلً، الآليات التي تتحرك بموجبها العمليات المولِّدة للديمقراطية. يستند ربط بريسر بيريرا الثورات الرأسمالية الكاملة بالأنظمة الديمقراطية إلى ملاحظات ليبست عن أن البلدان المتقدمة هي ديمقراطية، في معظمها، وأن معظم البلدان الفقيرة تحكمها دكتاتوريات مختلفة الأنواع24. وهذا صحيح، كما هو معلوم، ولكن، لكي نفهم سببه، علينا طرح السؤال عنه على نحو لا يجعله يختلط ويتداخل بالسؤال عن سبب نشوء الديمقراطيات وسبب استمرارها بعد تأسيسها. نعم، قد يكون من الأرجح أن تنشأ الديمقراطيات في البلدان الأكثر تطورًا، على نحو ما تُخبرنا نظرية التحديث، ولكن هذا لا يمنع من احتمال أن تنشأ ديمقراطيات بمعزل عن مستوى التنمية المتحقق. لكن إن نشأت الديمقراطية، لأيّ سبب كان، فمن الأرجح أنها ستدوم في البلدان المتقدمة مدىً زمنيًا أطول. وبسبب ما يصل إليه هذان المساران، نتجت تلك الملاحظاتُ التي تربط كثافة الديمقراطية بمستوى التنمية. ومع ذلك، فإن الآليات التي تولّدها [الديمقراطية] تستند إلى محددات تاريخية، مختلفة ومتمايزة تمامًا. ومن هنا نستنتج أن فرضية ليبست التي مفادها أنه "كلما كانت الدولة ثرية، تعزّزت فرص الحفاظ على الديمقراطية" فرضيةٌ صحيحة، في حين لا تصح الأطروحة، المنسوبة إليه، والتي تزعم أنه "إذا أصبحت البلدان الأخرى غنية اقتصاديًا بمثل الأمم المتقدمة، فسيكون من المحتمل جدًا أن تصبح ديمقراطيات سياسية"25. وفي الواقع، كما سبق لي ولليمونجي أن لاحظنا26، لم تسقط الديمقراطية يومًا في دولة يتجاوز ثراؤها ثراء الأرجنتين، التي بلغ مستوى الناتج المحلي الإجمالي فيها في عام 1976 ما قيمته 6055 دولارًا أميركيًا. هذه حقيقة مدهشة، ولا سيما إذا ما أخذنا في الاعتبار أن هذا التاريخ نفسه شهد انهيار سبعين دولة ديمقراطية في الدول الأفقر. وعلى النقيض من ذلك، عاشت الديمقراطية ما يقارب مجموعه ألف سنة، في خمسة وثلاثين بلدًا، تعيش ظروفًا أكثر تطورًا، فلم تمت في أي منها. نجت الديمقراطيات [في البلدان] المتقدمة من حروب، وأعمال شغب، وفضائح وأزمات اقتصادية، وهزات حكومية. لقد اجتازت الجحيم والأمواج العاتية معًا. يوضح الشكل 1() أن احتمال بقاء الديمقراطية ينحدر انحدارًا حادًا ومتلازمًا مع متوسط الدخل الفردي (القضبان العمودية تشير إلى أخطاء معيارية داخلية.) كان احتمال اندثار الديمقراطية خلال أي سنة في الفترة 1999-1950 في البلدان التي بلغ فيها متوسط الدخل الفردي أقل من 1000 دولار أميركي هو 0.089، ما يعني ضمنيًّا أن توقّع ديمومة تلك الديمقراطية كان يبلغ نحو 11 عامًا. ويهبط هذا الاحتمال إلى 0.0366 في البلدان التي يراوح متوسط الدخل الفردي فيها بين 1001 و 0003 دولار أميركي، ويتوقع أن تستمر الديمقراطية في تلك البلدان 27 عامًا. أما البلدان التي يراوح متوسط الدخل الفردي فيها بين 0013 و 6055 دولارًا، فينحسر احتمال اندثار الديمقراطية فيها إلى 0.0164، وتستمر فيها الديمقراطية مدة تقارب 61 عامًا من الحياة المتوقعة. أما ما يحدث لديمقراطيات يتجاوز مستوى الدخل فيها 6055 دولارًا أميركيًا، فقد بيّناه بالفعل: تدوم الديمقراطية فيها إلى الأبد. ويقر التحليل الإحصائي هذه الملاحظة؛ إذ يشير إلى أن متوسط الدخل الفردي يزيد على نحو بعيد من احتمال بقاء الديمقراطية (ينظر العمود الأول من الجدول 1(.) وفضلً عن ذلك، نلاحظ في العمود الثاني من الجدول ذاته أن اعتماد بقاء الديمقراطية على الدخل يبقى
ساريًا إذا أخذنا في الاعتبار تاريخ الأنظمة السياسية لبلد معين (متغير STRA المبين في صف بالجدول يشير إلى هذا.) في المقابل، تبدو العلاقة بين التنمية الاقتصادية والانتقال إلى الديمقراطية أكثر تعقيدًا وإثارة للجدل. فبالعودة إلى بيانات الحقبة
| 2 | 1 | العمود الانتقال إلى الدكتاتورية |
|---|---|---|
| 2423 | 2423 | ن |
| ***-1.3566 )0.1237( | ***-1.31 )0.12( | ثابت |
| ***-0.2672 )0.0516( | ***-0.2262 )0.0426( | الحد الأعلى للناتج المحلي الإجمالي |
| ***0.2280 )0.0755( | متغير ّ STRA | |
| -193.98 | -189.21 | L اىمOGL |
| الانتقال إلى الديمقراطية | ||
| 2023 | 2023 | ن |
| ***-2.20 )0.08( | ***-2.08 )0.07( | ثابت |
| ***0.0306 )0.0256( | ***0.0572 )0.0233( | الحد الأعلى للناتج المحلي الإجمالي |
| ***0.3357 )0.0506( | متغير ّ STRA | |
| -332.74 | -352.27 | LOGL |
1990-1950، زعمنا، أنا وليمونجي، أن عمليات التحول الديمقراطي تظهر على نحو مستقل عن مستوى التنمية الاقتصادية الذي يقاس بمتوسط الدخل الفردي. وقد عززت الدراسة التي أنجزتها بالاشتراك مع [الاقتصادي الأرجنتيني] مايكل ألفاريز و[خوسيه] شيبوب وليمونجي 27الزعم نفسه، على الرغم من أن هذه الدراسة وقعت على مؤشرات مضافة تشي بأن احتمال الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية يرتفع بدايةً ثم ينخفض تبعًا لمتوسط الدخل الفردي. ومع ذلك، تبقى هذه الاستنتاجات محلّ خلاف، طرحته دراسة الباحثين الاقتصاديين [كارلز] بويس و[سوزان] ستوكس28 ودراسة ديفيد إبشتاين وآخرين29. الشكل)1(الانتقال إلى الدكتاتورية وفقًا لمتوسط الدخل الفردي
الجدول)1(احتمالات الانتقال بصفته دالة لمتوسط الدخل الفردي (تقديرات الوحدات الاحتمالية)
الشكل)2(الانتقال إلى الدكتاتورية وفقًا لمتوسط الدخل الفردي
وفي كل الأحوال، سأورد هنا بعض الأدلة، فالشكل 2() يبيّ احتمال الانتقال إلى الديمقراطية بدالة متوسط الدخل الفردي، فيرتفع هذا الاحتمال قليلً ليبلغ نقطة بعينها، ثم ينخفض. ولكن بسبب قلة الملاحظات المرصودة عن الدكتاتوريات الثرية، تكون الأخطاء المعيارية كبيرة. يمنحنا الجدول 1() المزيد من المعلومات، إذ نلاحظ في العمود الأول أن معامل متوسط الدخل الفردي موجب ومؤثر، حتى إن كان ضئيلً. ولكن نلاحظ في العمود الثاني أن هذا المعامل يناهز الصفر حين نأخذ في الاعتبار تاريخ الأنظمة. ومتغير STRA هو متغير يحسب دورات الديمقراطية المتناوبة المكتملة (وأيضًا عمليات الانتقال إلى الدكتاتورية) التي شهدتها الدول حتى العام الراهن [عام الدراسة 2004.] وفي ما يلي قصة تفسّ هذه الأنماط30. إن الدكتاتوريات التي تنشأ في بلدان أكثر تقدمًا من غيرها يكون عمرها أقصر من تلك التي تنشأ في بلدان غير متقدمة. ولا يكمن سبب ذلك، بالضرورة، في صعوبة ترسيخها في البلدان الأكثر تقدمًا؛ فقد تبيّ أنه في حال نشوء الدكتاتوريات في بلدان أكثر تقدمًا، فإنها ترث ماضيًا لم تكن فيه مستقرة في هذه البلدان، الأمر الذي يغذي عدم قدرتها على الاستقرار الآن. ومن ثم، فإن الجزء الأول من القصة هو أن الدكتاتوريات التي تأسست في بلدان فيها مستويات دخل أعلى، ترث حالة أنها لم تكن مستقرة في هذه البلدان. وحالة عدم الاستقرار الماضية تجعلها أشدّها هشاشة، ما يفضي إلى خفض عمر بقائها. أما الجزء الآخر من القصة، وتأسيسًا على شرط الدخل الأولي، فيتمثل بأن التنمية في ظل الدكتاتورية لا تعصف باستقرار هذه الأنظمة. تتحدى هذه النتيجة مقولات نظرية التحديث، فإذا ما كان احتمال الانتقال إلى الديمقراطية أعلى عند مستويات أعلى من التنمية، فعلينا أن نلاحظ أن الدكتاتوريات التي رفعت مستوى الدخل (ونحن نناقش سياقَ أن ينشأ نظام دكتاتوري عند مستوى دخل مرتفع)، ستكون – مع ذلك - أكثر عرضة للزوال. والعكس صحيح، أيضًا، فإذا كانت الدكتاتوريات التي تنشأ مع مستويات دخل أعلى تشهد استقرارًا أقل، فإن التنمية تعمل، في المقابل، على رسوخها. وأخيرًا، يتمثل النمط النسقي Systematic الوحيد بين أنماط التحول الديمقراطي، بحفنة من الدكتاتوريات، التي تقودها نخب عسكرية (باستثناء بيرو تحت حكم [الرئيس ألبرتو] فوجيموري)، ليس لها ماضٍ من الاستقرار في بلدانها، وقد نشأت في ظل مستويات دخل مرتفعة نسبيًا (باستثناء السودان.) استولت هذه الدكتاتوريات العسكرية
على السلطة للوقوف في وجه تهديد حراك جماهيري31، حين شهد كل نظام من هذه الأنظمة توترًا داخليًا بين تيار يريد تأسيس نظام سلطوي مستدام، وآخر (كانت له الغلبة) سعى فحسب لاستعادة النظام الرأسمالي السابق، وكان مدعومًا، في الغالب، من البرجوازيين المعنيين. لم يخلّف أي من الأنظمة الدكتاتورية العسكرية تنمية ذات شأن. وحين زالت هذه الأنظمة، كانت مستويات الدخل أدنى بكثير مما بلغته المداخيل في ظل الدكتاتوريات المدنية. وقد كان أعلى دخل بلغته دكتاتورية عسكرية هو 7294 دولارًا أميركيًا، تحقَّق في إسبانيا تحت حكم فرانكو في عام 1974. في حين استطاعت 6 دكتاتوريات مدنية البقاء في السلطة بما مجموعه 73 عامًا، في ظل مستويات أعلى للدخل (عدة سنوات في سنغافورة وتايوان وألمانيا الشرقية والاتحاد السوفياتي، إضافة إلى سنة واحدة في العراق وماليزيا)32. تشكّل هذه الأنظمة العسكرية "الجبل" المبيّ في الشكل)3(، وهي تنعم بمستوى دخل مرتفع، ولا تملك ماضيًا مستقرًا في بلدانها، في حين يشير ذلك الارتفاع المحدود في مستويات الدخل المتدنية إلى حالة السودان33. أما ما تبقّى من مساحة الشكل فتكاد تكون مسطحة، على الرغم من الشكل)3(عمليات الانتقال الديمقراطي بصفتها دالّة للدخل ولعدم الاستقرار في الماضي
أن تموّجًا يقسمه، على مسار قُطري يتحرّك طرديًا من مستوى الدخل المتوسط الذي يتمتّع بعدم الاستقرار بصورة مرتفعة، إلى مستوى الدخل المرتفع الذي لم يعرف عدم الاستقرار في الماضي. هنا فحوى القصة. يمكن أن تُعرّف الديمقراطية من خلال خصيصتين: 1. أن الحكومة ليست مسؤولة رسميًا عن بعض القوى غير المنتخبة (التاج [البريطاني]، ومجلس اللوردات حتى عام 1911، والعسكر، ومجلس الأديان، والحكومات الأجنبية)، 2. أن في الإمكان إلحاق الهزيمة بالحكومة الراهنة وفق القواعد نفسها التي انتُخبت بموجبها. وأَستمد تعريف الديمقراطية هذا من الدراسة التي أجريتها، رفقة عدد من الزملاء34، وقامت بالتأريخ Dating للديمقراطية، وصولً إلى عام.1999 لنفترض أننا سنبدأ التأريخ للديمقراطية من عام 1750، حين لم تكن توجد ديمقراطيات ينطبق عليها هذا التعريف. يفيد المؤرخون الاقتصاديون أن البلدان جميعًا، آنذاك، كان مستوى الدخل فيها منخفضًا نسبيًا، مع فوارق توزيع محدودة بين مناطقها. وقد نمت بعض البلدان، في حين عانت بلدان أخرى الركود. وقد تسبّبت أحداث عشوائية عابرة، من ذلك الصنف الذي لم نرصده منهجيًا على الأقل هنا، في نشوء ديمقراطيات. وحين ألقى النَّد بالديمقراطية إلى بلدان
تتمتع بمستوى دخل أعلى، كان الاحتمال الغالب هو أن تدوم هذه الديمقراطية. أما حين اختار أن تحل الديمقراطية ببلدان تعاني مستوى دخلٍ متدنّيًا كان المحتمل أن تسقط الديمقراطية، وأن يبقى البلد في حالة انتقالية. لقد جعلت حالة عدم الاستقرار الموروثة من الماضي النظامين السابقين أقل استقرارًا، فأصبحت البلدان غير متجانسة؛ فالبلدان التي شهدت في الماضي مستوى مرتفعًا من عدم الاستقرار استولى العسكر على الحكم فيها، ولم يدُم حكمهم طويلً، بينما في البلدان الأكثر استقرارًا من الناحية السياسية، استمرّت الدكتاتوريات المدنية مدىً زمنيًا أبعد. وبعد انقضاء فترة طويلة، لاحظنا نشوء بعض الدكتاتوريات المستقرة في البلدان المتقدمة. وقد كان سبب زوالها، في نهاية المطاف، ناجمً عن مخاطر أخرى لا علاقة لها بالدخل. وفي الوقت عينه، ظهرت بلدان جديدة، من نوعية البلدان ذات مستويات الدخل المنخفضة جدًا. وهي ستسقط على الأرجح، بغضّ النظر عما إذا كانت قد ولدت مباشرة بصفتها دكتاتوريات، أو ظهرت ديمقراطية؛ فالديمقراطية هشة في البلدان الفقيرة. بعض منها قد نما، وفق نمط مماثل للبلدان القديمة، في حين عانت الأغلبية الركود، ومن المحتمل أن تبقى بلدانًا سلطوية. نستخلص من هذه القصة أن الارتباط السببي بين التنمية والديمقراطية، بحسب ما انتهى إليه رصدنا، يتمثل بأن الديمقراطية هي حالة تتشربها وتستوعبها Absorbing state المجتمعات المتقدمة، ولا تصبح البلدان ديمقراطية في الحال التي تكون فيها أكثر تقدّمًا.
ثًالث ا: عودة إلى النظرية
لماذا يصح قولنا إن عمليات الانتقال الديمقراطي تحدث على نحو مستقل عن التنمية، في حين أن الديمقراطية تكون أكثر استقرارًا في البلدان الأكثر تطورًا؟ إنني على يقين من أن التفسير الذي أعرضه ليس منطقيًا فحسب، بل يصعب بلورة تفسيرات بديلة؛ فليس تفسير تلك الأنماط النظرية بالأمر السهل. وسألخّص، أولا، الحجة سرديًا، ثم أعرض للقراء الذين يميلون إلى الرياضيات، القواعد الأساسية لأنموذج رياضي تقوم عليه الحجة التي استعرضتها. في ضوء تحليل ماركس، تواجه البرجوازية تهديدَين. في ظل الديمقراطية يكون التهديد بأن يستخدم العمال حقهم في التنظيم لرفع الأجور ليتجاوز المستوى التنافسي، وأن الفقراء، بوصفهم مواطنين، سيصوتون لإعادة توزيع الدخول المكتسبة من السوق. وفي ظل الدكتاتورية، يتمثل التهديد بعدم قدرة البرجوازية على أن تدافع عن نفسها في مواجهة مساعي الحكام الدكتاتوريين لابتلاع مصالحها. ولنفترض أن الوضع القائم كان دكتاتوريًا؛ لا توجد فيه ضرائب مفروضة على البرجوازية تعيد توزيع الدخول لصالح الفقراء، ولكنها – على نحو أو آخر - تسدّد رسومًا ريعية إلى العسكر. يفضّ ل الرأسماليون البقاء تحت الوصاية العسكرية إذا ما كانت نسبة تلك الريوع التي يضحّون بها أقل من تكلفة عملية إعادة التوزيع المتوقع حدوثها في ظل نظام ديمقراطي. ويأتي هذا التفضيل بمعزل عن مستويات الدخل: فكل ما يهمّ هو نسب ما قد يسخره الرأسمالي من الدخل في ظل أي من البديلين. تحدث عمليات الانتقال عندما يعتقد الرأسماليون، لسبب ما، أنه لن تُفرض عليهم في ظل الديمقراطية ضرائب كثيرة. وهذا صحيح في الحال التي يكون فيها توزيع الدخل عادلً نسبيًا egalitarian Relatively، أو إذا ما أصبح العسكريون يعتمدون نهج الابتزاز Extortionist. لكن، مرة أخرى، تحدث عمليات الانتقال بمعزل عن مستويات التنمية. والآن، لنفترض أن عمليات الانتقال قد نجحت، وبات الوضع القائم هو الديمقراطية، ولنطرح - على سبيل الجدل - أن البرجوازية ترى أن وضعها سيكون أفضل في ظل الدكتاتورية، ولكنها إذا ما تحركت لأجل الدكتاتورية، فقد يُ نى مسعاها بالهزيمة، وينتهي بها الحال إلى تحصيل دخل أقل ممّ كانت تجنيه في ظل الديمقراطية. قد يدعم العسكر هذا الأمر أو لا يدعمونه. ربما ينحازون إلى رأس المال، وربما يكونون قوميين أو شعبويين، أو مرتبطين بشركات، ببساطة. وللتبسيط، وليس هذا افتراضًا مهمً، لنطرح جدلً أنه في حال هزيمة البرجوازية، فإن الدخول المتولّدة من رأس المال (لا من العمل) تصبح متساوية تمامًا، ولنقل إن ذلك بسبب الملكية العامة للشركات. الآن، لا نزال في حاجة إلى طرح افتراض (وأنبّه إلى أنه افتراض جوهري) مفاده أنّ الرأسماليين قد هُزموا، ومن ثم، فلن ينعموا بمستوى دخل يماثل ما كان محتملً تحصيله إذا ما امتلكوا وسائل الإنتاج، وعاشوا بدخل يولّده رأس المال. يمكن تبرير هذا الافتراض بافتراض أنه عند توزيع الأصول الرأسمالية على نحو متساوٍ، فسيجب على الرأسماليين السابقين العمل لكسب لقمة العيش - ويصبح مالك المصنع مهندسًا في مصنعه السابق – وممارسة العمل تُفضي إلى تناقص المنفعة. في ظل هذه الافتراضات، ومع ازدياد الدخل الفردي، تتنامى أسهم Stakes البرجوازيين التي يضعونها على الانقلاب على الديمقراطية. وأعني ب "الأسهم" ذلك الفرق بين ما يجنونه حين يقبلون الديمقراطية وما يجنونه إذا فشلت محاولتهم تقويضها. وإذا ما أقدمت البرجوازية على مثل هذه المغامرة في البلدان المتقدّمة فإنها تخسر الكثير. ومن ثم، حين يزيد دخل الفرد، يتحمّل الرأسماليون طواعية مستويات أعلى من إعادة التوزيع. وتنطبق الحجة ذاتها على العمال، وبالخصوص حين يزداد دخل الفرد، يستعدّون للتساهل في مستوى
أدنى من إعادة التوزيع. نتيجة لذلك، تدوم الديمقراطيات في البلدان الأكثر تطورًا، ولا تستمرّ في الدول الأقل تطورًا. أدرك أن هذه ليست بالحجة البسيطة، ولربما يسعى البعض ليشكك في الافتراضات التي بُنيت عليها. وبغية التأكيد للقارئ على اتساقها المنطقي، ألخّص القواعد الأساسية للأنموذج الرياضي الذي تقوم عليه الحجة35. لكن بغضّ النظر عما إذا كان هذا التفسير الخاص للأنماط التاريخية المرصودة صحيحًا أم لا، آمل أن أكون قد بيّنت أن العلاقة بين الرأسمالية والديمقراطية مشروطة إلى حدّ بعيد؛ فالديمقراطية هي نتاج مشروط للصراعات، وهي ليست تداعيًا للتطور الرأسمالي بالضرورة.
ملحق: الأنموذج الرياضي
لنفترض أن مجتمع الدراسة مقسّم إلى ثلاث فئات وفقًا لمستويات الدخل، هي: فقيرة، ومتوسّطة، وغنية. دخل الفرد نعبّ عنه بالصيغة y≥1. وكل واحد من الفئة الغنية المتجانسة لديه دخل يساوي Y R α، حيث >1 R α، فتكون دخول الأغنياء أعلى من المتوسط. وفي ظل الديمقراطية، يقرّر الناخب المتوسّط، أي الذي لديه دخل متوسّط (لا يحتاج إلى أن يكون أعلى بكثير من دخل الفقير) أي معدّل τ لضريبة الدخل. وكمعيار قياسي في مثل هذه النماذج، يتم توزيع ضريبة الدخل بالتساوي بين الجميع، كي يُ نى أولئك الذين لديهم دخل أعلى من المتوسّط بخسارة نتيجة لعمليات إعادة التوزيع، في حين يكسب أصحاب الدخل دون المتوسط نتيجة لهذه العمليات. إن إعادة التوزيع عملية مكلفة، والتكلفة الوهمية (أو الصورية) المقتطعة من الأموال العامة هي λ. ومن ثم، يكون دخل ما بعد إعادة التوزيع الذي تحرزه فئة الأغنياء في ظل الديمقراطية هو:
([1-τ) α R +τ (1-λτ)]y=[α R -τ (α R -1+ λτ)]λ (1)
حيث تمثّل -1+ λτ) R α τ (حصةَ متوسط الدخل المقتطعة من كل شخص غني عبر الآلية الديمقراطية. ويمكن إظهار أنه بالنسبة إلى أي شخص
λ < 0, α R - τ (α R -1+ λτ) > 1
في ظل الدكتاتورية المناسبة الأغنياء، لا يُعاد توزيع دخولهم لصالح الفقراء ومتوسطي الدخل، لكنّ بعضًا منها فحسب؛ حصة r، ينتزعها العسكر. ومن ثم، يحصل كل غني على
(α R -r) y (2)
وتبسيطًا ل مأأر، فإن المنفعة التي يقدّمها الاستهلاك consumption of Utility (بما أن هذا الأنموذج هو نموذج ثابت، فجميع الدخول يجري استهلاكها)، هي:
U (c)= μ log c (3)
حيث يكون في هذا الوضع = 1 μ ولنفترض أن الوضع القائم هو الدكتاتورية، فستفضّ ل البرجوازية حكم الدكتاتورية، إذا:
log(α R - r) y > log [α R - τ (α R -1+λτ] y: (4)
وكما يظهر للقارئ، فإن الدخل y يختفي من هذه المقارنة، وعندما نعيد كتابته يصبح الشرط:
r < τ (α R -1+ λτ) (5)
إذا ما كان العسكر راضين عن انخفاض الرسوم التي يكسبونها، وإذا ما كانت الديمقراطية تولّد ضرائب أعلى، وإذا كان توزيع الدخل غير متكافئ، (أي كان R α مرتفعًا)، أو إذا كانت الخسائر غير القابلة للتعويض الناجمة عن إعادة التوزيع λ مرتفعة، يفضّ ل الرأسماليون البقاء في ظل حكم الدكتاتورية. أما إذا ما مارس العسكر الابتزاز، أو إذا اعتقد الرأسماليون أنه لن تفرض عليهم ضرائب كثيرة، فسيفضّ لون حينها الديمقراطية. من ثم، إذا تغيّ ت هذه المعايير، قد تحدث عملية انتقال. لكن ليس للدخل دور فيها. لنفترض الآن أن الوضع القائم هو الديمقراطية، ولنفترض أن 4() تنطبق: يعتقد الرأسماليون أن وضعهم سيكون أفضل إذا ما أنشؤوا نظامًا دكتاتوريًا. لكن إذا ما حاولوا استفزاز العسكر كي يتصرفوا نيابة عنهم، فقد يخسرون. وليكن الاحتمال أن العسكر سوف يدعمون البرجوازية هو q، واحتمال أن ينقلب ضدهم هو q 1 -، ولنفترض أنه إذا فشل الانقلاب فسوف يحصل الرأسماليون على دخل أقل مما كانوا سيجنونه في ظل نظام ديمقراطي (إني أفضّ ل أن نعتمد متوسط الدخل، لكن الحجة تسري بما أن دخلهم سيكون أقل ممّ كان عليه في ظل نظام ديمقراطي) ويعانون تناقص المنفعة > 1 μ. عندها، سيفضلون الانقلاب ضد الديمقراطية إذا كان:
إعادة كتابة هذا الشرط تؤدّي إلى:
والآن، نلاحظ أن الجانب الأيسر من هذه المعادلة ثابت، بينما الجانب الأيمن ينخفض كلما ازداد الدخل (لأن > 0 - 1 μ). ومن ثم، إذا كان الجانب الأيسر يظهر موجبًا، سيكون صحيحًا إذا لم يكن في مقدور الرأسماليين الاعتماد على دعم العسكر، فإنهم لن ينقلبوا أبدًا ضد الديمقراطية. إذا كانت q عالية بمقدار كافٍ، وعلى وجه التحديد
وسيكون الجانب الأيسر سالبًا، وتنقلب البرجوازية ضد الديمقراطية عندما يكون الدخل منخفضًا ولا تفعل ذلك عندما يكون عاليًا.
المراجع
Benhabib, Jess & Adam Przeworski. "The Political Economy of Redistribution under Democracy." Ms. Department of Economics and Department of Politics. New York University, 2004. "Endogenous Stokes. Susan Carles Boix, Democratization." Ms. Department of Political Science. University of Chicago, 2002. Bresser-Pereira, Luiz Carlos. O colapso de uma Aliança de classes: A burguesia e a crise do autoritarismo tecno- burocrático. São Paulo: Editora Brasiliense, 1978. Collini, Stefan, Donald Winch & John Burrow. That Noble Science of Politics: A Study in Nineteenth-Century Intellectual History. Cambridge: Cambridge University Press, 1983. Epstein, David L. et al. "Democratic Transitions." Paper prepared for presentation at the Annual Meeting of the Midwest Political Science Association. Chicago, April 3-6, 2003. Lipset, Seymour M. Political Man: The Social Bases of Politics. Garden City, NY: Doubleday, 1960. Macaulay, Thomas B. Complete Writings. Boston/ New York: Houghton-Miin, 1900. Marx, Karl. The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte. Moscow: Progress Publishers, 1934. ________. The Class Struggle in France, 1848 to 1850. Moscow: Progress Publishers, 1952. ________. Writings on the Paris Commune. H. Draper (ed.). New York: International Publishers, 1971. O'donnell, Guillermo. Modernization and Bureaucratic Authoritarianism: Studies in South American Politics. Berkeley, CA: Institute of International Studies - University of California, 1973. O'Donnell, Guillermo, Philippe C. Schmitter & Laurence Whitehead (eds.). Transitions from Authoritarian Rule:
Latin America. Baltimore: John Hopkins University Press, 1986. Przeworski, Adam. "Economic Development and Transitions to Democracy." Ms. Department of Politics. New York University, 2003. ________. Capitalism and Social Democracy. New York: Cambridge University Press, 1986. ________. "Democracy as an Equilibrium." Public Choice (forthcoming). Przeworski, Adam & Fernando Limongi. "Modernization: Theories and Facts." World Politics. vol. 49, no. 2 (1997). Przeworski, Adam et al. Democracy and Development: Political Institutions and Well-being in the World, 1950-1990. New York: Cambridge University Press, 2000.
مراجع الترجمة
العربية
المعجم الفلسفي. بيروت: دار الكتاب اللبناني صليبا، جميل.،.1982 لالاند، أندريه. موسوعة لالاند الفلسفية. ترجمة خليل أحمد خليل. ط 2. بيروت/ باريس: منشورات عويدات،.2001 المعجم الفلسفي. القاهرة: مجمع اللغة العربية،.1983
الأجنبية
Przeworski, Adam. "Democracy as an Equilibrium." Public Choice. vol. 123, no. 3-4 (2005). Rowley, C.K. & F. Schneider (eds.). The Encyclopedia of Public Choice. Boston: Springer, 2004.