"رجال الأعمال في الجيوش: كيف تحقق الجيوش والجماعات المسلحة أرباحًا في منطقة الشرق الأوسط"
عنوان الكتاب في لغته:
المحرر: إليك غراورت Grawert Elke وزينب أبو المجد Abul-Magd.Zeınab.Rowman & Littlefield الناشر: سنة النشر:.2016 عدد الصفحات: 153 صفحة.
"Businessmen in Arms: How the Military and Other Armed Groups Profit in the MENA Region"
.Businessmen in Arms: How the Military and Other Armed Groups Profit in the MENA Region رجال الأعمال في الجيوش: كيف تحقق الجيوش والجماعات المسلحة أرباحًا في منطقة الشرق الأوسط عنوان الكتاب:.
مقدمة
تُعدّ ظاهرة عمل الجيوش النظامية والمجموعات المسلحة في النشاطات الاقتصادية ظاهرة قديمة، حيث يتصرف بعض العسكريين مثل رجال أعمال؛ فيسعون لتحقيق أرباح مادية لذاتهم أو لمؤسساتهم. وهذا أمر معهود عبر تاريخ الجيوش المختلفة، وكان لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نصيب وافر من هذه الظاهرة خلال العقود الماضية، من بينها مصر وتركيا وإيران وباكستان والسودان وسورية واليمن وليبيا والأردن. وتمثل هذه البلدان محور التحليل في هذا الكتاب. يركز الكتاب في تحليله هذه الظاهرة على موضوعين رئيسين: أولً، تطور ظاهرة العلاقات الاقتصادية للجيوش النظامية، والكيفية التي تكيّفت بها المؤسسات العسكرية في الدول المختلفة مع التغيرات السياسية والاقتصادية المحيطة بها، حتى أصبحت لهذه الظاهرة صفة الاستدامة في هذه البلدان؛ وثانيًا، ظاهرة التنظيمات المسلحة التي برزت في دول، مثل ليبيا وسورية واليمن بعد الثورات العربية، إضافة إلى قوات الدعم السريع في السودان. كثيرًا ما تتعامل البحوث والدراسات مع الجيش بوصفه إحدى مؤسسات الدولة التي تؤدي دورًا فاعلً في رسم السياسة في الدول غير الديمقراطية. لكن، يتعامل هذا الكتاب مع المؤسسة العسكرية بوصفها "مؤسسة اجتماعية" تنشأ وتتطور في سياق اجتماعي محدد، تؤثر فيه وتتأثر به، على نحوٍ يؤدي إلى نشوء شكل محدد من "الترتيب/ النظام" بين هذه المؤسسات المختلفة. وتختلف هذه المقاربة البحثية عن البنائية والمؤسسية، وتعتبر الموارد المتاحة للمؤسسة العسكرية نقطة التمييز الرئيسة بين هاتين المقاربتين. ففي المقاربة البنائية افتراض يعتبر أن الموارد المتاحة للمؤسسة العسكرية تحدّد بالضرورة المسار الذي تسير فيه الجيوش، أما في المقاربة المؤسسية، فهناك تجاهل لهذه الموارد على حساب التركيز على سلوك المؤسسة كلها وتصرفاتها. لكن يقترب هذا الكتاب، بحثيًا، أكثر، من خلال التركيز على المؤسسة العسكرية داخل السياق الاجتماعي، ليطرح أسئلة من قبيل: كيف أدت المؤسسة العسكرية دورًا في التغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حدثت في بلدانها؟ وكيف تفاعل الجيش أو الجماعات المسلحة مع هذه التغيرات؟ لهذا الكتاب ميزة إضافية؛ إذ يقدم قراءة معمقة لظاهرة نشاطات الجيوش الاقتصادية، من خلال دراستها داخل أنظمة سياسية ذات طبيعة مختلفة، وفي سياقات سياسية واجتماعية متباينة، لكنها تقع كلها في نطاقات جغرافية وإقليمية متقاربة، هي دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتتيح هذه الميزة إجراء مقارنات بين الدول المختلفة، والتركيز على العوامل المتشابهة والمختلفة بينها. مع ذلك، فإن أحد التحديات عند مراجعة كتاب جماعي، مثل الذي بين أيدينا، هو كيفية الربط بين دول لها سياقات سياسية واجتماعية متباينة، حيث يمكن عرض الظاهرة محل البحث من زوايا نظر مختلفة، من دون أن يكون ذلك على حساب أي من الحالات الدراسية التي دُرِست. لذلك، لن يكون محور هذه المراجعة تركيزها على تقديم الحالات الدراسية للبلدان المختلفة، حالة تلو حالة، بل على ظاهرة نشاطات الجيوش الاقتصادية وعلى تجلياتها المختلفة في الدول محل الدراسة، وعلى محاولة إيجاد عوامل التشابه والاختلاف داخل هذه السياقات. وإذا كان مستوى التحليل في فصول الكتاب هو مستوى الدولة أو القُطر، حيث ركّز كل باحث/ باحثة (من مؤلفي الكتاب) على حالة دراسية/ دولة، فإن مستوى التحليل في هذه المراجعة سيكون هو الإقليم كله، حيث يصبح التركيز على الكيفية التي تموضعت فيها هذه الظاهرة داخل الإقليم وتتبّع مراحل تطورها، وأهم الخصائص التي تميزها. وبناء على هذا الشكل، تتحول فصول الكتاب إلى المصدر الذي من خلاله يتم إعادة النظر إلى الظاهرة كلها على مستوى إقليمي.
أولا: أفكار الكتاب ومناقشاته: ما يعنيه رجال الأعمال في الجيش؟
قدّم الفصل الأخير من الكتاب تحليلً شاملً للحالات كلها التي دُرست فيه. فما الجديد الذي تقدّمه هذه المراجعة؟ وكيف يمكن أن تتم بصورة منهجية علمية من دون انتقائية في الاختيار أو التناول أو التحليل؟ قبل النظر في الكتاب، نستعين بإسهامات الباحثة كريستينا ماني النظرية والتجريبية، كي تقودنا خلال عملية المراجعة والتحليل، بوصفها واحدة من أهم الذين تناولوا هذا الموضوع. على المستوى النظري، تعاملت ماني مع نشاطات الجيوش الاقتصادية باعتبارها ريادة أعمال. وبالنسبة إليها فإن "ريادة الأعمال العسكرية" هي ابتكار ضباط عسكريين مفوّضين، يعملون بصفة مؤسسية، بوصفهم مالكين رسميين أو مديرين أو أصحاب مصلحة في مؤسسات اقتصادية لموارد ووسائل جديدة للإنتاج من أجل إيجاد موارد مالية أو سلع تفيد الجيش بشكل مباشر1. وما يميز هذا التعريف، تركيزه أساسًا على سلوك الجيش نفسه وتصرفاته؛ وما يعيبه هو عدم التركيز بما يكفي على الجزء المتعلق بالضباط المتقاعدين، أو على أقارب الضباط العسكريين الذين قد يصبحون جزءًا من هذه النشاطات الاقتصادية،
ويستفيدون منها. أما على المستوى التجريبي، فعملت ماني على دراسة هذه الظاهرة بفحص الاقترابات البحثية المختلفة التي يمكن استخدامها لفهم هذه الظاهرة2، ثم دراسة هذه الظاهرة على المستوى الدولي3 والإقليمي أيضًا في دول أميركا اللاتينية4. ومن هنا تأتي أهمية اختيار ماني، أولً، في مراجعتنا هذه. فعند دراسة دول أميركا اللاتينية، توضح ماني أنّ تطور أشكال نشاطات الجيوش الاقتصادية وطبيعتها في هذه الدول مرتبط بثلاثة عوامل: أولً وجود فرصة تسمح لهم ببدء هذه النشاطات؛ وثانيًا، القرار الاستراتيجي الذي تتخذه المؤسسة العسكرية عن طبيعة النشاطات التي ستقوم بها؛ وثالثًا، التحالفات التي ستقوم بها مع النخب السياسية. في البداية، استند العديد من الكتابات الأكاديمية إلى أنّ ثمة تشابهًا بين تجربة الجيش والتحول الديمقراطي في دول أميركا اللاتينية، ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. والتشابه الأهم هو في شكل العلاقة بين جيوش قوية ومجتمعات ضعيفة وطبيعتها؛ ذلك أنّ الجيوش كانت أولى المؤسسات التي بدأت عملية التحديث في دول أميركا اللاتينية ودول الشرق الأوسط. وأعطى هذا الوضع الجيوش ميزة تفضيلية في علاقتها بالمجتمع، وفي موقعها السياسي أيضًا، حيث كان ينظر الجيش إلى نفسه ليس باعتباره حامي الأمة فحسب، بل باعتباره المسؤول الأول عن بناء الدولة. وستتحول هذه الميزة التفضيلية، لاحقًا، إلى مزايا اقتصادية واسعة، بداية من منتصف سبعينيات القرن العشرين وبداية ثمانينياته. وعلى كل حال، ستحكم هذه العوامل الثلاثة المذكورة مسار مراجعتنا هذه، عبر تناول ظاهرة هذه النشاطات الاقتصادية للجيوش في إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فمن خلال التركيز على هذه العوامل الثلاثة، ستعمل المراجعة على إعادة قراءة هذه الظاهرة داخل الإقليم، وعلى البحث عن عوامل التشابه والاختلاف بين الدول المختلفة داخل الإقليم، أي ستعمل على مراجعة الكتاب من خلال استخدام العوامل الثلاثة التي ذكرتها ماني، وذلك لتحليل هذه الظاهرة على مستوى الإقليم كله، وليس داخل كل دولة في ذاتها. بناءً على ما ورد، نعرض العوامل التي ساهمت في بروز ظاهرة النشاطات الاقتصادية للجيوش في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا واستمرارها. ونعرض أيضًا عددًا من الظواهر التي تميّز هذه المنطقة، وأثر الربيع العربي في تطورها.
ثانيًا: الفرصة التي ساعدت في دخول الجيش إلى الاقتصاد
هناك فرق رئيس بين دول أميركا اللاتينية ودول الشرق الأوسط؛ إذ كانت التحولات في بلدان أميركا اللاتينية نتيجة تغييرات عالمية في الاقتصاد الدولي، كما تذكر ماني، لكن الفرص في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كانت نتيجة تغييرات محلية أدت إلى بدء هذه المسارات وساعدت في بناء المؤسسات والآليات المساعدة للاستمرار فيه. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال عرض حالات مختلفة. تقول زينب أبو المجد، في الفصل الأول من الكتاب "الضباط المتكيّفون في مصر: الأعمال والقومية والاستياء" (ص. 23-42)، إن الجيش المصري لم يحصل على فرصة واحدة، بل على فرص متعددة من أجل الدخول إلى عالم الاقتصاد والأعمال وتستعمل أبو المجد مصطلح "الضباط المتكيّفون" للتدليل على قدرة الضباط في الجيش المصري على الاستفادة والتكيّف مع الفرص أو التهديدات السياسية التي مرّت بها مصر من أجل تعزيز مواقعهم السياسية والعسكرية داخل النظام. وتقدم مجموعة من الأمثلة على ذلك، تبدأ من ثمانينيات القرن المنصرم، وتظهر واضحة بعد عام.2011 نجد في الفصل الثاني "رجال الأعمال في الأحذية: المشاريع العسكرية الباكستانية" (ص. 43-68)، لعائشة صدّيقة Siddiqa Ayesha، وفي الفصل الثالث "تكتل الجيش التركي OYAK() وديناميات الرأسمالية التركية" (ص. 69-96) لعصمت أكتشا Akça smet İ، أن التفكير في دخول الجيش إلى الاقتصاد كان قديمًا، منذ خمسينيات القرن العشرين وستينياته، وأن هذا التفكير ارتبط بالاستفادة من صناديق تقاعد العسكريين من أجل ضمان أرباح أعلى لهم، وتكون لهذه الأرباح صفة الاستدامة. أما الفصل الرابع "كل رجال سيباه: الحرس الثوري الإيراني في النظرية والتطبيق" (ص. 97-118)، لكيفان هاريس Harris Kevan، فيلفت إلى أن الفرصة أتيحت لقوات الحرس الثوري عندما بدأت الحكومة ببرامج إصلاح اقتصادي وخصخصة من أجل تشجيع الاستثمار، فكان هذا سياقًا موائمًا لقوات الحرس الثوري من أجل تعزيز نفوذها ودعم عملية الخصخصة في الوقت نفسه. أما في حالة المجموعات المسلحة، كما في الفصل الثامن "إعادة بناء الدولة المؤقتة في ليبيا: 'الاقتصاد الأخلاقي' للميليشيات
والعنف وتمويل الأمن" (ص. 175-196) لفيليب دروز فينسينت، والفصل التاسع "الجيش Droz-Vincent Philippeالسوري والميليشيات والجماعات المسلحة من غير الدول: الأيديولوجيا والتمويل وتغيير المشهد" (ص. 197-216) لشريفة زهور Zuhur Sherifa، فإن الربيع العربي يُعدّ الفرصة التي أتاحت لهذه المجموعات المسلحة الظهور، قبل أن تدخل في عالم النشاطات الاقتصادية لاحقًا.
ثًالث ا: القرار الاستراتيجي في دخول الجيش إلى الاقتصاد
ترى ماني، أن الفرصة وحدها ليست كافية من أجل ضمان استمرار هذه النشاطات الاقتصادية، فالجيوش في حاجة إلى أن تفاضل بين اختيارين رئيسين طبقًا لخياراتها الاستراتيجية5: أولً، أن يكون الجيش من "المصنعين العسكريين"، حيث تكون النشاطات الأساسية للجيوش هي التصنيع المتقدم من أجل ضمان وجود الأسلحة اللازمة. ويكثر هذا الشكل في الدول التي لها أهمية جيوستراتيجية وتخشى التهديدات الخارجية التي يمكن أن تؤثر في استقلالها. وفي هذه الحالة، تختار الجيوش السلاح بدلً من الزبدة6. وثانيًا، أن يكون الجيش من "بناة الأمة"، وهنا تختار الجيوش الانخراط في النشاطات التنموية للدولة ودعم عملية التنمية والإصلاح الاقتصادي. وفي أغلبية هذه الأحوال، يكون للجيوش مصادر موثوقة للحصول على السلاح، وتختار لذلك التركيز على الزبدة بدلً من السلاح. في دول أميركا اللاتينية، تمثل حالتَا البرازيل والأرجنتين مثالين نموذجيين على المصنّعين العسكريين. أما في حالات دول الشرق الأوسط المبحوثة، فمن الصعب أن نجد بلدًا يمثل نموذجًا في هذا المجال. وطبقًا لما هو موجود في الكتاب، فدول مثل اليمن وليبيا وسورية، كما هو وارد في الفصول السابع والثامن والتاسع، لم تقم جيوشها بنشاطات تصنيعية دفاعية بشكل كبير. أما مصر وباكستان والسودان، في الفصول الأول والثاني السادس تواليًا، أي الدول التي قامت بنشاطات تصنيعية عسكرية، فإن هذه النشاطات لم تستمر فترة طويلة وتراجعت مع الوقت لمصلحة النشاطات الاجتماعية. على خلاف ذلك، اهتمت إيران بالجمع بين التصنيع العسكري والعمل الاجتماعي؛ إذ اهتمت بالتصنيع العسكري والدفاعي من خلال الحرس الثوري الإيراني، ولا سيما في مرحلة ما بعد الحرب الإيرانية - العراقية 1988-1980()، على أن لا يؤثر ذلك في النشاطات الاجتماعية والتنمية التي تشرف عليها الدولة. وتتركز المحاولات الإيرانية في التصنيع العسكري على التأكد من صيانة المعدات العسكرية القديمة التي تم شراؤها في أيام الشاه محمد رضا بهلوي 1979-1941() والعمل على تطويرها باستخدام التكنولوجيا العسكرية الروسية والصينية، لكن، تبقى هذه المحاولات، على الرغم من أهميتها، محدودة وغير متطورة تكنولوجيًا7. أما الأردن الذي خُصص له الفصل الخامس "القطاع الصناعي العسكري الأردني: الحفاظ على المكانة المؤسسية في عصر النيوليبرالية" (ص. 119-134)، لشانا مارشال Marshall Shana، فيمثل حالة مهمة في هذا السياق، باعتباره شارك في صيانة بعض الأسلحة والصناعات الدفاعية وتطويرها. لكن، بُرّر ذلك في النهاية باعتباره يساهم في زيادة التنمية والناتج المحلي الإجمالي. وكما أوضحت مارشال، فإن التبرير الأهم لهذه النشاطات هو مساهمتها في التنمية الاقتصادية وليس الاعتبارات العسكرية والدفاعية. يمكن عدّ تركيا امتدادًا لهذه الملاحظة نفسها، لكن الجديد هنا أن تركيا أبدت مؤخرًا اهتمامًا مضاعفًا بالتصنيع العسكري. وعلى المنوال نفسه، من المرجح أن تكون نموذجًا ل "المصنعين العسكريين" ضمن دول الشرق الأوسط8. فخلال السنوات الأخيرة، ظهرت مؤشرات عدة بشأن اهتمام تركيا بالتصنيع الدفاعي والعسكري، آخرها ما برز في الخطة الاستراتيجية الخمسية 2023-2018() التي تسعى من خلالها تركيا لإنتاج 75 في المئة من متطلباتها العسكرية9. وفي هذا السياق، ينبغي لنا ملاحظة أن التصنيع العسكري في تركيا، لا يتم من خلال المؤسسات الاقتصادية التابعة للجيش فحسب، بل أيضًا من خلال شركات القطاع الخاص التي تشارك في هذا المجال، على نحو أدى إلى منافسة مشتعلة بين الطرفين من أجل زيادة المبيعات والاستحواذ على نسبة أكبر من السوق.
على المنوال نفسه أيضًا، نلاحظ أن هذا التسارع في النشاطات العسكرية التركية، يترافق مع انخفاض فرص دخول تركيا الاتحاد الأوروبي، مع زيادة في معدل الأزمات بينها وبين الولايات المتحدة والدول الأوروبية. وعلى الرغم من أن عددًا من هذه الدول يقع في مناطق جيوستراتيجية مهمة، فإن اعتمادها على حلفاء خارجيين لتوفير الدعم السياسي والعسكري لهم ساهم في تحول هذه الجيوش من الاهتمام بالصناعات الدفاعية العسكرية إلى الصناعات الاجتماعية والاقتصادية، وهي ظاهرة أصبحت سائدة في أغلبية هذه الدول. بمعنى آخر، يمكن استنتاج أن جزءًا من تراجع الاهتمام بالصناعات الدفاعية العسكرية في هذه الدول، على الرغم من موقعها الاستراتيجي الذي كان يفرض عليها اهتمامًا أكبر بالتصنيع العسكري، هو اعتماد هذه الدول على الأسلحة العسكرية والدعم الخارجي من أجل ضمان استمرارها والاستقرار فيها. وتتضح هذه الملاحظة بعد توقيع مصر معاهدات سلام مع إسرائيل 26(آذار/ مارس 1979) وتغيير تحالفاتها الاستراتيجية من الاتحاد السوفياتي إلى الولايات المتحدة، وتراجع فرص الصراع المسلح مع إسرائيل، ما أدى إلى انصراف أغلبية الدول العربية، ومن ضمنها مصر، عن الصناعات العسكرية إلى الاهتمام بالنشاطات الاقتصادية والتنموية. كان لهذا التحول أسباب أخرى أيضًا؛ إذ تعطي الصناعات التنموية والاقتصادية الجيوش مزايا مهمة. فعلى المستوى الاقتصادي، توفر لها مصادر من التمويل المستدام، ما يعطي هذه المؤسسات استقلالية أكبر عن الحكومات. لكنها في الوقت نفسه تزيد شعبية المؤسسة العسكرية بين المواطنين. فظهور الجيش باعتباره يساهم في تقديم الخدمات العامة وتوفير السلع الرئيسة، يرفع مكانته الاجتماعية لدى شرائح عدة في المجتمع. وبذلك، يزيد الجيش مكانته التفضيلية داخل النظام السياسي، في الوقت الذي يرفع من موارده المالية المستقلة عن الدولة. لهذه الأسباب، نجد أن نموذج جيوش "بناة الأمة" هو الأكثر انتشارًا في دول الشرق الأوسط، وتمثل المؤسسة العسكرية في مصر، والحرس الثوري الإيراني، حالتين نموذجيتين في هذا السياق. في الأحوال كلها، وبعد أن تأتي الفرصة المناسبة وتقرر المؤسسة العسكرية اختياراتها الاستراتيجية في خصوص نوعية النشاطات التي ستقوم بها، سيكون على الجيوش تكوين تحالفات مع شركاء سياسيين (سواء من البيروقراطية أم من رجال الأعمال أم مع شركات دولية)، من أجل ضمان استمرارية مؤسساتهم العاملة في الصناعات الدفاعية أو النشاطات التنموية. وهكذا، وطبقًا لماني نفسها، فإن ثلاثية الفرصة المتاحة وتحديد الخيارات الاستراتيجية للجيش، إضافة إلى تكوين شراكات وتحالفات مع شركاء سياسيين، تساهم كلها، معًا، في تكوين الأعمال العسكرية واستمرارية ريادتها.
رابعًا: التحالفات مع الشركاء السياسيين
في سياق دول الشرق الأوسط، نجد أنّ هذا التحالف بين الجيش ومؤسسات الدولة الرسمية والبيروقراطية واضح في عدد من الحالات مثل مصر وباكستان وإيران، والسودان، في الفصول الأول والثاني والرابع والسادس تواليًا. والشكل الآخر لهذا التحالف هو بين الجيش والقبائل المحلية، كما هي الحال في اليمن وليبيا، في الفصلين السابع والثامن تواليًا. ومثّل التحالف أيضًا بين المؤسسات المحلّية والدولية أحد أشكال هذه التحالفات، كما هي الحال في الأردن في الفصل الخامس. وأخيرًا، التحالف بين مؤسسات الدولة وبعض مؤسسات القطاع الخاص ورجال الأعمال، كما هي الحال في تركيا في الفصل الثالث. بمعنى آخر، من خلال مراجعة هذه الحالات، يمكن تأكيد أن قدرة استمرار هذه المؤسسات التابعة للجيوش مرتبطة بمدى قدرتها على بناء تحالفات مع النخب السياسية والاقتصادية في بلدانها أو خارجها. وأظهرت الحالات المدروسة في الكتاب أن استمرار هذه المؤسسات اعتمد على قدرتها على بناء هذه التحالفات وتقويتها. فاستمرار المؤسسات الاقتصادية للجيش لا يكون بدعم العسكريين له فحسب، بل بدعم النخب المدنية أيضًا، سواء السياسية منها أم الاقتصادية.
خامسًا: الظواهر المميزة في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
مع هذا التشابه المهم في الحالتين الأميركية اللاتينية ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي طرحها الكتاب، تتميز الأخيرة بظواهر مختلفة، منها: تحالف الجيش مع القبائل المحلية، في الفصل السابع "سياسة المحسوبية في المرحلة الانتقالية: المصالح السياسية والاقتصادية للقوات المسلحة اليمنية" (ص. 157-174)، يجادل آدم سي سيتز Seitz C. Adam، على سبيل المثال، بأنه يمكن فهم نشاطات الجيش هناك من خلال فهم "المجتمع التجاري العسكري القبلي"، وهو شكل من أشكال التحالف بين السلطة والقبائل، تقوم من خلاله السلطة بتوزيع بعض المواقع المهمة في الجيش على القبائل، حيث تمكّن الضباط من الاستفادة من هذه المواقع للوصول إلى نشاطات تجارية (جزء منها غير شرعي)، تدرّ عليهم عائدات مالية مرتفعة. ولاحقًا، يقوم هؤلاء الضباط بإعادة استخدام جزء من هذه العوائد والأرباح لتأكيد دعم القبائل
لهم وضمان استمرار علاقة قوية بين الضباط في الجيش اليمني والقبائل التي ينتمون إليها. وتعمل هذه الطبيعة الخاصة للعلاقة بين القبائل والجيش اليمني التي عمل نظام علي عبد الله صالح 2012-1990() على تشكيلها، في بداية حكمه، على تكوين شكل خاص من النشاطات الاقتصادية للجيوش. وسيكون لسماح صالح بهذا النوع من العلاقة، ثم تحكّمه فيها من خلال دمج أو استبعاد فئات معينة من الضباط من مناصبهم، أثر في قرار هؤلاء الضباط في دعم الثورة اليمنية من عدمه، ما سيؤدي إلى انقسامات داخل الجيش تجاه الثورة اليمنية. وفي الفصل الثامن أيضًا، المخصص للحالة الليبية، نجد فيليب فينسنت يجادل بأنّ الكتائب المسلحة التي شاركت في الثورة الليبية ستعمل على بناء شبكة علاقات محلية تضمن لها الدعم الشعبي المحلي في مقابل تقديمها بعض الخدمات إلى السكان المحليين، مثل توفير الأمن أو بعض الخدمات الاقتصادية الأخرى. وفي هذا الشكل، بينما ستكون السياسة والاقتصاد متوقفيَن على المستوى الوطني في ليبيا بحكم الصراعات السياسية والعسكرية، فإن العلاقة بين هذه الكتائب والسياقات المحلية ستنتج ديناميات وأشكالً من السياسة والاقتصاد المحلييَن، لديهما فاعلية وقدر من الاستمرارية، مع قدرة على التأقلم مع التغييرات المحيطة في الوقت نفسه. هو ليس اقتصاد أمراء الحرب، كما قد يُظن، بل هو "اقتصاد أخلاقي"، كما يصف فينسنت؛ إذ ترى الكتائب أن جزءًا من واجبها هو توفير الأمن للسكان المحليين من أجل ضمان نجاح الثورة، لكن في الوقت نفسه تسعى لأجل توفير التمويل الكافي لها وضمان استمراريته، سواء من خلال التفاعل مع البيئة المحلية أم من خلال وضع يدها على أماكن عامة مهمة وتأمين إدارتها، مثل المطار أو حقول النفط والغاز أو غيرها. وتقدّم لنا الحالة الليبية هنا عددًا من الاستبصارات المهمة. فالمقاربات البحثية التى تركز على دور الدولة ومؤسساتها وتستخدم مصطلحات مثل "الدولة الفاشلة" و"الدولة الهشة"، ستركز على السياسة في المستوى الكلي/ المحلي، وعلى المؤسسات الرسمية بشكل كبير. في حين أن المقاربة البحثية الاجتماعية لسلوك المؤسسات العسكرية وتفاعلها مع البيئة الاجتماعية المحيطة بها تتيح للباحثين رؤية أنواع من السياسة والاقتصاد تتم على المستويات المحلية، ولا يمكن ملاحظتها على المستوى الوطني. النشاطات الاقتصادية للمؤسسات المسلحة بخلاف الجيش، مثل الكتائب المسلحة في ليبيا وقوات الدعم السريع في السودان وقوات الحرس الثوري في إيران. على سبيل المثال، قدّم الفصل الرابع، المخصص لقوات الحرس الثوري الإيراني، تفسيرًا مختلفًا لسبب النشاط الاقتصادي المتصاعد لهذه القوات. فبينما يفسر الباحثون هذا التنامي في النشاط الاقتصادي بأنه مدفوع باعتبارات أيديولوجية عند قادة الحرس الثوري الإيراني، ويفسره آخرون بأنه نوع من الانتهازية والرغبة في التحكم في السياسة والاقتصاد في إيران، يجادل الباحث كيفان هارس بأنّ هذا التنامي هو نتيجة ردة فعل على سياسات الحكومة في خصخصة المؤسسات العامة للدولة؛ إذ بدأت سياسات خصخصة المؤسسات العامة في التسعينيات جزءًا من خطة الإصلاح الاقتصادي والتنمية بعد عقدٍ شهد تصاعد ظاهرة التأميم وتوسع دور الدولة. وكان هدف سياسات الخصخصة هو إعطاء دور أكبر للقطاع الخاص. ودفعت سياسات الدولة هذه المؤسسات الدينية والحرس الثوري الإيراني وغيرهما إلى الاستفادة من هذه الفرصة من أجل تعزيز أرباحهم، خصوصًا مع تراجع القطاع الخاص في أحيان كثيرة عن القيام بهذه الأدوار. هنا ينبغي لنا التذكير أنه لا يمكن فهم سلوك الحرس الثوري الإيراني في هذا الموضوع من دون فهم الأسباب التي أدت إلى تراجع دور القطاع الخاص في إيران، حيث عانى هذا القطاع المحلي صعوبات في بيئة العمل المحلية وعدم تطورها بالشكل الكافي، كما عانى العقوبات الاقتصادية الخارجية المفروضة على النظام. وساهمت هذه العقوبات أيضًا في إضعاف دور القطاع الخاص الدولي وعدم القدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية. ففي ظل هذا التراجع من القطاع الخاص المحلي والدولي مع وجود هذه الفرص للاستثمار في المشروعات والشركات الحكومية التي تمّت خصخصتها، تقدم الحرس الثوري وغيره من المؤسسات القريبة من النظام لملء هذا الفراغ. وبتعبير هارس، كان هذا التصاعد في النشاط الاقتصادي للحرس الثوري الإيراني، بسبب السياسات الحكومية للدولة وليس على الرغم منها (ص. 14) نجد في الفصل السادس "العلاقات المدنية العسكرية في السودان: التفاوض على التحول السياسي في ظل اقتصاد مضطرب" 156-135()، لعطا البطحاني El-Battahani Atta، أمثلة على المؤسسات المسلحة، بخلاف الجيش، وهي قوات الدعم السريع والجيش الشعبي. ولم تحظَ قوات الدعم السريع بالقدر نفسه من التحليل في هذا الفصل، ربما لأن الفصل اهتم أكثر بالجيش السوداني، كون الباحث كتبه قبل الثورة السودانية 2019()، ولذلك لم يركز على هذه الظاهرة. مع هذا، قدّم الفصل جزءًا عن أسباب وجود هذه القوات والأدوار التي تقوم بها في السياق السوداني. من الفصول المهمة في الكتاب الفصل الثالث المخصص لتركيا، الذي يقدم شكلً مختلفًا لكيفية إدارة الجيش نشاطاته الاقتصادية. ويعرض
فيه أكتشا تكيّف الجيش مع السياسات الاقتصادية المختلفة، على الرغم من التعارض الواضح في التوجّهات الاقتصادية لهذه السياسات؛ إذ تحوّل موقع الجيش من مدافع عن سياسات إحلال الواردات والبحث عن دور أكبر للدولة في الستينيات والسبعينيات، إلى الترحيب بسياسات تشجيع التصدير والتكيّف مع السياسات النيوليبرالية بداية من الثمانينيات، ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في بداية الألفية الجديدة. والمهم في هذا الفصل هو إدارة الجيش نشاطاته من خلال شركة قابضة تدير نشاطاته الاقتصادية. وحجم هذه الشركة كبير إلى درجة أنها وصلت إلى اعتبارها ثالث أكبر شركة قابضة في تركيا مع بداية الألفية. ويدير هذه الشركة القابضة مدنيون محترفون، وتعمل وفق آليات السوق، وتقوم بشراكات وتحالفات مع شركات دولية. ولا شك في أن الإدارة، من خلال شركة قابضة رئيسة تدير شركات تعمل في نشاطات اقتصادية منوعة، تختلف عن طريقة تطور الشركات التابعة للجيش المصري على سبيل المثال التي تتميز باللامركزية، والتي يعمل فيها مجندون من الجيش، ويشارك عسكريون سابقون وحاليون في إدارتها. وفي كلتا الحالتين، استفاد الجيش من السياسات النيوليبرالية، كما استطاع المحافظة على موقع متقدم في الاقتصاد، على الرغم من اختلاف طبيعة النظام السياسي لكل منهما، وعلى الرغم من أن دور الجيش يتراجع في تركيا، في حين يتصاعد في مصر10.
سادسًا: الربيع العربي والنشاطات الاقتصادية للجيوش
في الفصل الأخير من الكتاب، يقدم المحرر إليك غراورت عرضًا عامًا عن تأثير الربيع العربي في الجيوش في مصر والأردن وسورية وليبيا واليمن. كما يعرض الاستجابة المتوقعة للجيش السوداني في حال قامت احتجاحات شعبية في السودان (الأمر الذي حصل بالفعل بعد نشر الكتاب.) وتوصّل المحرر إلى أن تركيب المؤسسة العسكرية قبل الثورة ساهم بشكل كبير في تحديد ردة فعلها خلال الاحتجاجات الشعبية، بين دول استطاع الجيش فيها تعزيز موقعه في النظام السياسي، اقتصاديًا وسياسيًا (كما هي الحال في مصر)، أو مجموعة انقسم فيها الجيش مجموعات مثل اليمن وليبيا وسورية. وفي الأحوال كلها، يمكن ملاحظة أن الربيع العربي أدى إلى تصاعد النشاطات الاقتصادية للجيوش والجماعات المسلحة أيضًا. بل حصل الجيش الأردني على شرعية أكبر لنشاطاته الاقتصادية بعد أن روّجت الحكومة أنه يساهم في حفظ الأمن في البلاد وفي دعم النشاط الاقتصادي في الأردن. ويدل هذا التصاعد في حجم النشاطات الاقتصادية ونوعيتها على أن هذه الظاهرة مرشحة لأن تستمر فترة طويلة في المستقبل، وهي في حاجة إلى مزيد من البحث.
خاتمة
قدّم الكتاب صورًا عن تطور النشاطات الاقتصادية للجيوش والجماعات المسلحة في بلدان مختلفة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لكن يُعاب عليه عدم التركيز على حالة العراق، الغائب الأك، رر سواء على مستوى الجيش أم على مستوى الميليشيات والكتائب المسلحة. وكان يمكن لدراسة الحالة العراقية أن تقدّم تجربة مختلفة وثرية، حيث يوجد فيه جيشان نظاميان: الجيش الوطني والجيش التابع لإقليم كردستان. وفي العراق أيضًا نجد العديد من الكتائب والتنظيمات المسلحة المختلفة التي كان لتجربتها بُعد لا يمكن إغفاله، إضافة إلى كتائب مسلحة مثل الصحوات وجيش المهدي وغيرها. وكلها تجارب في حاجة إلى مزيد من الدراسة. على الرغم من هذا الغياب، فإن الكتاب يبقى مميزًا، لأنه لم يتناول ظاهرة النشاطات الاقتصادية للجيوش من خلال استخدام المدخل المعياري، وما ينبغي له أن يكون، وهو مدخل أشد ارتباطًا بنظرية التحديث ونظريات التحول الديمقراطي، بل استخدم بدلً من ذلك المدخل التجريبي الذي يتعامل مع الجيوش باعتبارها مؤسسات اجتماعية موجودة وراسخة داخل بيئة مجتمعاتها، بذلك تتفاعل مع هذه المجتمعات وتؤثر فيها وتتأثر بها. وركّز الكتاب أيضًا، بصورة أكبر، على ما تقوم به هذه المؤسسات بالفعل، وكيف تطور سلوكها وقراراتها عبر الوقت، ما يعطي فرصة أكبر لفهم هذه الظاهرة بشكل أعمق وفهم عملية التغير التي حدثت خلال تلك الفترة. كما يوفر إمكانية أفضل لفهم العلاقة بين النشاطات الاقتصادية والأدوار السياسية التي تقوم بها الجيوش. وسيكون من المفيد مستقبلً تطوير هذا النقاش من خلال البحث في موضوعات لم تحظَ بالقدر الكافي من الدراسة، من بينها: تأثير الأنظمة الديمقراطية في نشاطات الجيوش الاقتصادية، فعلى سبيل المثال، هل ساهم وجود الديمقراطية في تركيا وباكستان في التأثير في شكل هذه النشاطات وطبيعتها في هذه البلدان، أم لا تزال لدى الجيوش القدرة على التعامل على نحو مستقل حتى في وجود الديمقراطية؟
من الظواهر المرتبطة بهذا الموضوع، والتي لم تحظَ بقدر كافٍ من الدراسة، هي كيف تتمكن الأنظمة الأوتوقراطية من السيطرة على النشاطات الاقتصادية للجيوش، على الرغم من غياب أدوات الرقابة المدنية الديمقراطية؟ في الأحوال كلها، فإن الرئيس أو الحكومة، سواء كانت ديمقراطية أم استبدادية، تعمل دائمًا على التأكد من أن الجيش تحت سيطرتها، وليس بعيدًا عنها حتى تضمن الاستمرار في الحكم. فما آليات ضمان ذلك في الأنظمة الأوتوقراطية؟ أخ ا، إمكان الرقابة المدنية على هذه النشاطات الاقتصادية، باعتبارها جزءًا من الرقابة المدنية على الجيش بصفة عامة. ولا تعني الرقابة المدنية تأكد المدنيين من عدم حدوث انقلاب عسكري ضدهم فحسب، بل تعني في الأساس قدرة المدنيين على التحكم في اتخاذ القرار في المجالات الرئيسة للدولة. وأن رقابة المدنيين وتحكّمهم في اتخاذ القرارات داخل المؤسسات الاقتصادية للجيوش هما جزء من سيطرتهم على السياسات العامة في الدولة، الذي هو جزء من الرقابة المدنية على الجيوش11. وستكون المقاربات المقارنة مفيدة في هذا المجال، خصوصًا مع حالات من دول أميركا الجنوبية، مثل البرازيل والأرجنتين وتشيلي التي شهدت ظروفًا قريبة من تلك التي تمر بها منطقتنا العربية. وشهدت استراتيجيات مختلفة من الرقابة المدنية حققت درجات متباينة من النجاح. إن دراسة النشاطات الاقتصادية للجيوش في منطقة تشهد موجات من الاحتجاجات والثورات الشعبية، وتؤدي فيها الجيوش أدوارًا رئيسة، موضوع في حاجة إلى مزيد من البحث والدراسة. وهذا الكتاب قدّم محاولة جادة في هذا السياق، تفتح الباب إلى مزيد من البحث والدراسة.
المراجع
Abul-Magd, Zeinab, İ smet Akça & Shana Marshall. "Two Paths to Dominance: Military Businesses in Turkey and Egypt." Working paper. Carnegie Middle East Centre. June 2020. at: https://bit.ly/3e3ilbt Croissant, Aurel et al. "Beyond the Fallacy of Coup- Ism: Conceptualizing Civilian Control of the Military in Emerging Democracies." Democratization. vol. 17, no. 5 (October 2010). Mani, Kristina. "Militares Empresarios: Approaches to Studying the Military as an Economic Actor." Journal of the Society for Latin American Studies. vol. 30, no. 2 (April 2011). ________. "Military Entrepreneurs: Patterns in Latin America." Latin America Politics and Society. vol. 53, no. 3 (Fall 2011). ________."Militaries in Business: State-Making and Entrepreneurship in the Developing World." Armed Forces & Society. vol. 33, no. 4 (2007).