نظريات العلاقات الدولية وجائحة كورونا: أن بذة معتَّقة في قنان جديدة ونبيذ لمَّا يُعتَّق
الملخّص
تناقش هذه الدراسة الطرائق التي يمكن أن تفكر بها نظريات العلاقات الدولية في جائحة كورونا، وهي تستعير مقولة "نبيذ معتقً في قنانٍ جديدةٍ" مجادلة بأن النظريات الثلاث السائدة، أي الواقعية والليبرالية والبنائية، وخاصة مع حداثة عهد جائحة كورونا، لا تقدم سوى المزيدِ من الشيءِ نفسِ ه؛ وأنّ نظرية التعقد، ولأن إقحامها في حقل العلاقات الدولية ما يزال مشروعًا في مراحله المبكرة، إنما تشبه النبيذ الذي لمَّ ا يُعتْق. وتخلص الدراسة إلى أن المقاربة الواقعية لهذه الجائحة تقدمها بوصفها تهديدًا يقتضي انكفاء الدول على نفسها وتمسكها بسياسة الاعتماد على الذات؛ وأن مقاربتها من منظور ليبرالي تعني التعامل معها باعتبارها تحديًا عابرًا للحدود للنظام الدولي الليبرالي، بمعاييره ومؤسساته؛ في حين أن المقاربة البنائية تقدمها باعتبارها بناءًاجتماعيًّا، فهي "ما تصنعه منها الدول." أخيرًا، تحاج الدراسة بأن نظرية التعق د تقدم الجائحة بوصفها مشكلة معقدة تتطلب رؤية انتقائية تحليلية. كلمات مفتاحية: نظريات العلاقات الدولية، جائحة كورونا، الواقعية، الليبرالية، البنائية، نظرية التعقد. This study debates how international relations theories think about the Covid- 19 pandemic. It argues that the three mainstream theories, i.e. realism, liberalism and constructivism, have nothing to offer but more of the same thing. They are assumed to be like old wine in new bottles. However, complexity theory, since its engagement in the IR field is still a project in its early stages, is like aging wine that has yet to mature. The study concludes that a realist approach presents the pandemic as a threat that requires states to adhere more to self-help politics; a liberal approach presents it as a transnational challenge to the liberal International Order and its norms and institutions; while a constructivist approach presents it as a social construction; it is “what states make of it.” Finally, the study argues that complexity theory introduces the pandemic as a complex issue that requires an analytical eclectic view. Keywords: International Relations Theories, Covid- 19 , Pandemic, Realism, Liberalism, Constructivism, Complexity Theory.
International Relations Theories and the Pandemic: Old Wines in New Bottles and an Aging Wine
مقدمة1
كثيرًا ما مثّلت سنوات بعينها لحظات تاريخية حاسمة، أثّرت في سيرورة التاريخ، وصيَّ ت ما بعدها مختلفًا عما قبلها، وغالبًا ما كان التغيُّ الذي جلبته معها سريعًا (يستغرق حدوثُه فترة زمنية قصيرة) وجذريًّا (يعصف بجوانب جمّة من حياة الناس.) ومع أن الاتفاق بشأن حصر تلك السنوات وأهمية التغير الذي أحدثته يظل بعيد المنال، فإن هذا الاتجاه في التأريخ والتحقيب يبقى سائدًا في الأدبيات. حدث ذلك، على سبيل المثال لا الحصر أو المقارنة، في أعوام 1648 و 1815 و 1914 و 1945 و 2001 و 2008 2 و 2011. وجاء عام 2020، مع تفشّ جائحة كورونا، ليُضيف لحظة تاريخية فارقة أخرى، ويُثير نقاشات تبدو الآن أقرب إلى الجَلَبة منها إلى التبادل المعرفي الحصيف، حيث يتحدث الجميع من دون أن ينصت أحد منهم إلى الآخر. أثّر تفشي جائحة كورونا في كلّ شيء؛ في السياسة Politics والسياسات Policies، والاقتصاد والتجارة، والأسرة والمجتمع، والسفر والتنقل، والبيئة والعمران، والعمل والتعليم. وما دام الأمر يتعلق بكلّ شيء، فلا مجال للحصر هنا. لذلك، من غير المفاجئ أن لدى الجميع ما يقولونه عن الجائحة وآثارها؛ علماء الطب والبيولوجيا، والاقتصاد، والاجتماع، والنفس، والمهندسون، وعلماء البيئة، والفلاسفة ورجال الدين، ولا أحد طبعًا يمكنه ادّعاء القدرة على حصر هذه اللائحة أيضًا. مع ذلك، ما فتئ علماء السياسة والعلاقات الدولية يتصدّرون منابر النقاش السائد بشأن الموضوع3؛ ذلك أن الأسئلة الأساسية التي يطرحها تفشّ الجائحة وتحدي مواجهتها تقع في صميم اختصاص علم السياسة والعلاقات الدولية4، بمختلف حقوله المعرفية الفرعية5: كيف تفشّت هذه الجائحة من دولة إلى أخرى، بهذه السرعة، وبهذا المدى، غير المسبوقَيْ في تاريخ الأوبئة المعروف؟ وكيف تتصرف حكومات الدول حيال ذلك؟ ولماذا تتباين استجابات الدول وسياساتها؟ وما أثَر تلك السياسات في حياة الناس في كل جانب من جوانبها تقريبًا؟ وما دور منظمة الصحة العالمية بوصفها مؤسسة دولية؟ وما حدود التعاون بين الدول للحدّ من تفشيها؟ وحديثًا، يمثّل الجدل بشأن توزيع اللقاحات بين الدول، وداخل الدول نفسها، سؤالً آخرَ يتجاوز مجرد ترقّب اكتشاف اللقاحات نفسِها. وإنه لمثيرٌ للاهتمام أن كلَّ هذه الأسئلة وغيرَها إنما هي أسئلةٌ عن الدولة وعن العلاقات بين الدول؛ فضلً عن أنها أسئلةٌ عن السياسة والسياسات، داخل الدول، وبينها، وعبرها، وحوالَيْها. تسعى هذه الدراسة لإلقاء الضوء على الطرائق التي يمكن أن يُفكر بها حقلُ العلاقات الدولية في جائحة كورونا. وقد تطوّر هذا الحقل، خلال المئة سنة الأخيرة التي شكّلت تاريخه المؤسسيَّ بوصفه تخصصًا أكاديميًا، عبر عدد من النظريات والنقاشات النظرية المتعاقبة التي لا تخلو من جدل بشأنها. غير أن هذا ليس موضوع الدراسة؛ إذ ما يهمنا هنا هو أن فهم الطرائق التي يمكن أن يفكر بها الحقل في الجائحة (بصيغة الجمع)، يقتضي، النظر إليها عبر نَظَّارات نظريات العلاقات الدولية؛ وطالما أن الولاءاتِ النظريةَ تظل قويةً في هذا الحقل المعرفي، فإن من يُفكّر يتأثرُ بالنظرية التي يفكّر من خلالها. وتركز الدراسة على أربع نظريات أساسية؛ ثلاثٌ منها ضمن الاتجاه السائد في حقل العلاقات الدولية Mainstream، أي الواقعية والليبرالية والبنائية؛ والرابعة آخذةٌ في التأثير في أدبيات الحقل منذ مطلع هذا القرن، وهي نظريةُ التعقد6. وأ درِجُ نظرية النظام -العالم ضمن منظور التعقّد، حيث سبق أن حاجّ إيمانويل فالرشتاين، أحدُ أبرز مطوّريها، بأن مفهومه عن النظام-العالم ينبغي أن يُفهم في إطار هذا المنظور.
أستخدمُ الأمثولةَ الدارجةَ، المنسوبةَ إلى السيّد المسيح (عليه السلام)، حين قال ما معناه: "لا تَضَ عَنَّ نبيذًا جديدًا في قنانٍ عتيقة، وإلّ تصدعت القناني، وتسرَّب النبيذُ؛ ولكن، ضعِ النبيذَ الجديدَ في قنانٍ جديدة، فتستبقيهما معًا" (لوقا، الفصل:5 33.) إنها كنايةٌ، آمُلُ أن تُفصح عن فرضية هذا البحث. وأفترض أن النظريات الثلاث السائدة (الواقعية والليبرالية والبنائية)، خصوصًا مع حداثة جائحة كورونا، لا تقدّم سوى المزيد من الشيء نفسه. لذلك، تشبه أفكارها بشأن الجائحة "الأنبذة المُعَتَّقة"، يُعبّئُها أصحابها في "قنانٍ جديدة." وفي حين أحاجّ بأن نظرية التعقّد - ولأن إقحامها في حقل العلاقات الدولية لا يزال مشروعًا في مراحله المبكرة مقارنةً بالنظريات الأخرى - إنما تشبه "نبيذًا لمَّا يُعتَّقْ." وأستخدم "لمَّا" في هذه العبارة بصفتها أداةً نافيةً تجزم الفعل المضارع وتقلبه إلى فعل ماضٍ ممتدّ حتى وقت الحديث، مع توقّع حدوثه في المستقبل القريب7. وأزعم أن هذا المعنى ينطبق تمامًا على نظرية التعقّد، خاصة إذا أخذنا في الحسبان النمو المتزايد الذي تعرفه الأدبيات المنشورة التي توظف هذه النظرية، سواء في حقل العلاقات الدولية أم في غيره من حقول المعرفة الاجتماعية8. وبناءً على ما سبق، تنتظم مباحث هذه الدراسة في مبحثين أساسيين. يناقش الأول الطرائق التي يمكن أن تفكر بها النظريات الثلاث السائدة في جائحة كورونا؛ في حين يناقش الثاني ما تُدلي به نظرية التعقّد.
أولا: نظريات العلاقات الدولية السائدة وجائحة كورونا: أنبذة معتَّقة في قنانٍ جديدة
يناقش هذا المبحث ما يمكن أن تقدمه نظريات العلاقات الدولية المهيمنة على الحقل من تفسيرات و/ أو فهوم، للتفكير في تفشّ جائحة كورونا. وأنطلق ها هنا من افتراض مفاده أن هذه النظريات، وبسبب حداثة الجائحة، تقدّم المزيد من الشيء نفسه، وأن الوقت لمَّا يسمحْ للقيام بتأمل ذاتيّ كافٍ لمراجعة ما يمكن مراجعته في أطروحاتها الأساسية بشأن الموضوع، هذا إن كانت (كلُّها أو بعضُ ها) ستفعل ذلك9. ويتناول هذا المبحث أيضًا النظريات الرئيسة السائدة في الحقل المعرفي: الواقعية والليبرالية والبنائية10. ولأوَضِّ حْ مسألة أساسية من البداية؛ إن الوقت لا يزال مبكرًا لقراءة إسهامات هذه النظريات، وباستثناء النزر اليسير مما نُشِ في الدوريات المُحكّمة المتخصصة في العلاقات الدولية، ما يبقى بين أيدينا لا يتعدّى تأملات نظرية لمَّا تنضج. لذلك، فإن ما تقدمه هذه الدراسة لا يتجاوز حدود هذه التأملات.
1. الواقعية
تفترض الواقعية، على اختلاف تنويعاتها، أن السياسة الدولية صراع بين دول تعتمد على نفسها ضمن نظام دوليِ فوضوي البنية، يترتب
عليه تنافس دائم من أجل تعظيم القوة والمصلحة الذاتية؛ كما تفترض، من جهة أخرى، أن الهدف الأسمى للدول، في بيئة كهذه، هو الأمن والبقاء، على اختلاف مواقعها وخصائصها (ويُدرج ضمن ذلك افتراض آخر مفاده أن الدول الأصغر/ الأضعف قد تختلف من حيث الأدوات، لكنها لا تختلف من حيث الأهداف؛ إذ تسعى بدورها، من خلال استراتيجيات موازنة الدول الأقوى أو مسايرتها أو اللحاق بركبها، لصون أمنها وبقائها. إن الدولة، بحسب الواقعيين، هي الفاعل المرجعي، إن لم يكن الوحيد، في "تحليل" العلاقات الدولية، وهي أهمُّ من الفواعل الأخرى، بما في ذلك المؤسسات الدولية. وفي حال التناغم بين سلوك الدول وقواعد المؤسسات الدولية ومعاييرها، فإن سبب هذا التناغم لا يعود إلى قوة تأثير المؤسسات وقدرتها على ضبط سلوك الدول، إنما يعود أساسًا إلى وجود تطابق عارض بين قواعد ومعايير المؤسسات الدولية وبين مصالح الدول. لذلك، تُنشئ الدول المؤسسات، أو تنضمُّ إليها، أو تشجّعُها، أو تعوقها عن أداء وظائفها، أو تتنكرُ لها وتنسحبُ منها بحسب ما تُ ليه مصالحُها. يعجّ تاريخ العلاقات الدولية، القريبُ والبعيدُ، بالأسانيد التي تؤكد هذه الفرضية، بدءًا بانسحاب ألمانيا وإيطاليا من عصبة الأمم قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية، مرورًا باستمرار رفض الولايات المتحدة الأميركية الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو التصديق على بروتوكول كيوتو الملحق باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وصولً إلى استمرار رفض إسرائيل الانضمام إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ وما قرار الولايات المتحدة، تحت رئاسة دونالد ترامب 2021-2017()، الانسحاب من منظمة الصحة العالمية بِبَعيد، حيث سعى ترامب لتقويض شرعيتها، متّهمً إيّاها بالتواطؤ مع الصين وعدم نشر معلومات دقيقة عن حقيقة الوباء في أثر ظهوره في مدينة ووهان، في الوقت الذي كان العالم يتطلّع إلى الدور الذي يمكن أن تقوم به هذه المنظمة في مواجهة الجائحة، بوصفها الفاعل الأساسي في حوكمة الصحة العالمية. لكن تسييس منظمة الصحة العالمية لم يقتصر على الولايات المتحدة؛ إذ يبدو أن الصين بدورها ضغطت عليها للإبقاء على تايوان مجردة، ليس من عضويتها في المنظمة فحسب، ما يعني حرمانها من البيانات المتعلقة بالوباء، ولكن أيضًا لتجاهل تجربتها الفعالة في احتواء الجائحة بتدابيرَ أقلَّ تشددًا من تلك التي اعتمدتها الصين. تزعم الواقعية أنها وحدها القادرة على تفسير فشل التعاون الدولي لمواجهة الجائحة وانكفاء الدول على نفسها عبر سياسات غلق الحدود وعودة سياسة التنافس الدولي العدوانية والسياسات الحمائية وغيرها. وما من شك في أن الواقعيين احتفوا أيّ ا احتفاء بافتراضاتهم التي كانت صحتُها تتأكد يومًا بعد يوم، في الوقت الذي شعر الجميع بالدهشة، وبشيء من خيبة الأمل، وهم يتابعون انهيار معايير التعاون/ التضامن الإقليمي التي قام عليها الاتحاد الأوروبي؛ فبمجرد أن طلبت إيطاليا يد العون من جيرانها الأوروبيين، وهي ترزح تحت وطأة الجائحة، أملً في تزويدها بالإمدادات الطبية الضرورية، لم تتلقَ سوى الإجابة التي ما توقَّعَ الواقعيون غيرَها: نفسِ نفسِ!11فما كان من جيرانها إلّ أن أجهزوا على مبدأ السوق المشتركة، فضلً عن روح التضامن الأوروبي، وفرضوا سياسات حظر على صادرات المعدات الطبية (غير أن هذا لا يعني أن إيطاليا لم تُيمّم وجهها شطر الصين للحصول على المساعدة، مثلما فعلت دول أخرى عديدة، أوروبية وغير أوروبية12). وفي هذا السياق، يتساءل راجيش باسرر وفريدريك كليم: "إذا لم يكن من شأن أزمة عالمية حادة وعابرة الحدود [مثل هذه] أن تُحفّز التعاون الدولي، فما الذي يمكنه ذلك؟ وتذكّرنا الواقعية أن قلة الثقة المتأصلة بنظام دوليّ فوضويّ، تدفع الدول نحو التردّد في التخلّ عن غريزة الاعتماد على النفس والالتزام بقواعد ألعاب حصيلتُها صفرية، حتى في خضمّ تحدٍّ عالميّ مشترك"13. ثمة فكرةٌ شائعةٌ بين دارسي العلاقات الدولية، فحواها أنَّ الواقعية تتجاهل الأوبئة في السياسة الدولية. هذه الفكرة الشائعة صحيحة، لكن نسبيًا فحسب؛ لأن الأمر يقتصر على تصنيف راسخ للتهديدات التي تتربص بأمن الدولة وبقائها، إذ تحصرها الأدبيات الواقعية عمومًا في التهديدات التقليدية، العسكرية والدولتية المصدر. ومع الذي كتب أُذلك، ينبغي أن نتذكر أن ثيوسيديدز Thucydidesولى النصوص التاريخية المؤسِسة للتقليد الواقعي في العلاقات الدولية تاريخ History of the Peloponnesian War، الحروب البيلوبونيزية سبق وأن ناقش أثر الوباء الذي اجتاح أثينا في تقويض قوّتها، ما جعلها تخسر الحرب ضد إسبرطة في نهاية المطاف14. ولعل ما أنجزه مارك دينن في أطروحته لنيل درجة الدكتوراه، "التهديد الوبائي: إعادة ترسيخ فائدة الواقعية الكلاسيكية لدى هانس مورغنثاو في
العلاقات الدولية"15، يُعدّ عملً فارقًا من حيث إلقاؤه الضوء على آثار تفشّ الأوبئة في قوة الدولة وأمنها وبقائها، معيدًا بذلك الاعتبار إلى أطروحات ثيوسيديدز بعد أن غيّبتها الواقعية المتأخرة، بمختلف تنويعاتها.
2. الليبرالية
تنافح الليبرالية، خاصة لمَّا يتعلق الأمر بالمؤسساتية الليبرالية، بأن المؤسسات تظل مهمة في العلاقات الدولية، لأنها تساعد الدول على الأقل في ثلاثة مساعٍ أساسية، هي: التغلب على معوّقات العمل الجماعي، وخفض تكاليف الصفقات، ومعالجة مشكلات الوصول إلى المعلومات، ومن ثم تسهيل عملية بناء الثقة، وخاصة أن شح المعلومات أو عدم توافرها يضخّم الريبة حيال نيّات الآخر. فالاعتمادُ المتبادل، المعقدُ والمتزايدُ، بين الدول، يساهمُ في ظهور تحديات مشتركة لا يمكن أن تعالجها الدول منفردةً، وهو ما يدفعها إلى البحث عن ترتيبات لتنسيق جهودها من أجل اتخاذ الخطوات الملائمة لمواجهة تلك التحديات. لذلك، تساهم المؤسسات الدولية في تذليل العقبات التي تحدّ من العمل الجماعي. وفضلً عن ذلك، تُقلّص من مستويات اللايقين؛ إذ بدلً من أن تستمر الدولة في النظر بعين الريبة إلى ما قد تُقدْم عليه الدولُ الأخرى، يمكن أن تساعد المؤسسات الدولية في التخفيف من حدّة الشكوك المتبادلة بينها. وإذا كانت الدول تواجه تحديات عالمية متزايدةَ التعقّد، فإن، من شأن، المؤسسات الدولية أن توفر لها فرصة لتجاوز المفاوضات المحدودة الأطراف والمسائل المتفاوض بشأنها، التي تتسم بتكاليف مادية مرتفعة، فضلً عن التكاليف المرتبطة بالوقت. لذلك، تساهم المؤسسات في تقليص تكاليف الصفقات والاتفاقات عبر العمل المتعدد الأطراف، فضلً عن توفير آليات للرقابة من شأنها أن تُتيح للدول إمكان التحقق من مدى التزام الدول الأخرى المتعاقدة معها بتنفيذ بنود الصفقات والاتفاقات. ومن جهة أخرى، تساهم المؤسسات الدولية في التخفيف من حدّة التفاوت في قدرات الدول في الوصول إلى المعلومات التي من المفترض أن توفّرها هذه المؤسسات. بطبيعة الحال، ليست كل المؤسسات الدولية قادرة على الوفاء بكل هذه الوعود؛ وحين تكون قادرة، فهي لا تكون كذلك في كل المجالات، وفي كل الأوقات. غير أن من شأن الإنجازات التي تحققت في مجال مأسسة العلاقات الدولية في أثناء العقود الأخيرة، أن تؤكد صدقية افتراضات الليبراليين؛ خاصة إذا ما استحضرنا مفهوم الاعتماد المتبادل. وبحسب الليبراليين، كلما زاد ارتباطُ الدول بعضها ببعض Interrelatedness، واعتمادُ بعضها على بعض Interdependence، زادت نزعتها إلى التعاون، وإلا كلَّفتها التحديات الناجمة عن الاعتماد المتبادل تكاليف باهظة إذا ما انتهجت سياسة الاعتماد على النفس. وقد أدت العولمة، على النحو المعروف، إلى نموّ شبكات معقدة من الاعتماد المتبادل بين الدول. والاعتماد المتبادل هو مفهومٌ يصف حالةً تكون فيها تكاليف فكّ الارتباط بين الدول، أو خفض التبادلات بينها، أعلى بكثير من تكاليف الإبقاء عليها. وتنطوي هذه الحالة على خاصيتين أساسيتين: الحساسية والانكشاف؛ حساسية الدولة/ الدول للتغيرات (المقصودة) التي تُحدِثها دولة/ دول أخرى في مجالات معينة، وانكشاف الدولة/ الدول أمام الاضطرابات (الطارئة) التي تَحدُث في دولة/ دول أخرى. والآن، توفر لنا جائحة كورونا نموذجًا مثاليًا لاختبار هذا المفهوم. من شأن تفشّ الأوبئة – تزيدُ من حدّته العولمةُ على النحو المعروف – أن يدفع الدول نحو التعاون للحدّ من تفشيها والسيطرة عليها. إنها مسألة عقلانية بحتة؛ فتكاليف تفشّ الأوبئة على الأمن والاقتصاد العالميَيّن ومكاسب العمل الدولي المشترك، تجعل الدول تختار البديل العقلاني الأنسب. وحين يُطرح السؤال لماذا لا تتعاون الدول باستمرار؟ سؤالٌ يستند إلى شواهد من أزمة جائحة كورونا، حيث عرف التعاون الدولي مستوياتٍ متدنيةً جدًا – وصل إلى العدم في فترات ومجالات معينة، يأتي جواب الليبراليين: إن "الاعتمادَ المتبادلَ لا يُنتِج التعاونَ بشكل تلقائي. فالدول لا تتعاون إلّ حين يعني انهيارُ الاعتماد المتبادل احتمالَ وقوع كارثة حادة." فعلى سبيل المثال، "حين تصير الدول النووية على وشك الانزلاق نحو الحرب، فإنها تنخرط في تعاون ضمني، متوخيّةًالحذر الشديد، وغالبًا ما تسعى لتسوية صريحة عبر المحادثات، مثلما كانت الحال في أزمات الحرب الباردة. ومع ذلك، فهي لا تكفّ عن التنافس، وتستمر في سباق التسلح وبناء التحالفات"16. ويسري المنطق نفسه على حالة الاستثناء التي عرفتها فترة ذروة تفشّ جائحة كورونا، حيث إن غلق الحدود وانكفاء الدول على نفسها، ما هما إلّ عرضان طارئان Contingent لتفشي الجائحة التي ما كانت لتتفشّ بهذه السرعة، وعلى هذا النطاق إلّ بسبب تزايد الاعتماد المتبادل نفسه، لكن من غير الممكن – بحسب منطق
الليبرالية – الجزم بأنها من أعراض تراجع الاعتماد المتبادل، أو حتى العولمة في حد ذاتها. يمكن الاستعانة بمفهوم من مفاهيم علم التعقّد للإجابة عن سؤال: هل العولمة، ومن ثم الاعتماد المتبادل، عملية عكوسة Reversible؟ لقد "صارت الدول، بعد عقود طويلة من العولمة، 'أسيرةً وعالقةً' في شبكات متواشجة من الاعتماد المتبادل المعقد، ومن المرجح أنها لن تجد أمامها خيارًا آخر سوى السعي للتكيّف وتحسين موقعها ضمن بنية شبكية متزايدة التعقد غير عكوسة Irreversible، بمعنى أنه كلما تقدمت على سهم الزمن، تعاظم تعقّدها وتشابكها، ويصير من غير الممكن أن ترتد للخلف. ثم إن مفهوم الاعتماد المتبادل نفسه ينطوي على فكرة أن تكاليف فك الارتباط بين الأطراف المعتمد بعضُ ها على بعض تنحو باطراد إلى أن تصير أعلى بكثير من تكاليف المحافظة عليه"17. حتى مع تراجع التعاون الدولي إلى مستويات دنيا، تُلقي الليبرالية الضوء على أشكال أخرى من التعاون العابر للحدود، مثل التعاون غير المسبوق بين الجماعات المعرفية، المتخصصة في الوبائيات. فقد عمل العلماء من العديد من البلدان معًا لإدارة أخطار تفشّ الفيروسات منذ تفشّ مرض المتلازمة التنفسية الحادّة "سارس" SARS في عام 2002. كما أدّى تفشّ متلازمة الشرق الأوسط التنفسية "ميرس"، إلى انبثاق شبكة علمية أ MERS في عام 2012 طلِق عليها "نادي السارس." وأدّى تفشي المتلازمة الأخيرة إلى تحفيز نشاط بحثي عالمي، أفضى إلى إنتاج أكثر من 880 ورقة علمية في 92 دولة بين عامي 2012 و 2015. كما حفّز تفشّ فيروس كورونا أبحاثًا تعاونية عديدةً، تجاوز فيها العلماء بروتوكولات السرية والتنافس المعتادة لينخرطوا في جهود مشتركة لفهم هذه الجائحة18. وفي نهاية المطاف، يمكن المحاجَّة بأن التعاون العلمي بين جماعات علمية من دول عديدة ليس إلّ وجهًا من أوجه التعاون الدولي، أو أنه على الأقل جزءٌ منه؛ إذ من الواضح أن العلماء المتخصصين في الوبائيات، ولْنضَربْ مثلً بالصينيين منهم، لن يُقْدِموا على مشاركة معارفهم ونتائج أبحاثهم حول فيروس كورونا من دون إذن من السلطات الصينية. ومن دون أن ننسى الحالات التي منحت فيها دولٌ دولً أخرى شُحنًا مجانية من المعدات الطبية أو حصصًا مجانيةً من اللقاحات. من جهة أخرى، وربما هو الأهم، يمكن أن تُلقي اليبراليةُ، بوصفها برنامجًا بحثيًا، مزيدًا من الضوء على العلاقة بين تراجع مستويات التعاون الدولي وصعود الشعبوية في الديمقراطيات الغربية، خاصة في الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا19. في إجابته عن سؤال "لماذا اختارت القوى الكبرى سبيل التنافس، حتى وهي تواجه تحديًا عالميًا بحجم وباء [كورونا]؟"، يحاجّ نيكولاس غفوزداف بأن الأمر يتعلق بتضافر نمطين من التحولات: تحولات في السياسة الوطنية، وتحولات في السياسة الدولية؛ إذ ليس من المصادفة أن التنافس الدولي احتدم في مناخ سبق أن أرْخت عليه الشعبوية سدولها قبل ظهور الجائحة. وفي حين أن الدول استجابت لهجمات 11 أيلول/ سبتمبر باعتناق التعاون والتنسيق الدوليَيّن، لأنها كانت مؤمنة بأن من شأن ذلك تعزيز مصالحها الوطنية؛ إذ شهد العقدان الماضيان تناميًا في التشكيك في هذه الفكرة وتحدّيها، خصوصًا منذ الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة. وجاء تفشّ الجائحة ليُعزّز تلك الشكوك، ويدفع بالدول إلى التصرف على أساسها. ويقتبسُ غفوزداف من كرينجفيك ميسكوفيك قوله، "كان لدينا تنافسٌ دوليٌّ محمومٌ تُغذّيه الريبة في مجتمع دوليّ بلا ملامح Amorphous، وحين التأمت تلك الريبة بالشعبوية، زاد التنافس الدولي حُمّى على حُمَّى." وإنه لَمِن اليسير ملاحظة الطرائق التي يغذي بها الخطابُ الشعبوي عن الجائحة شعورًا قوميًا زائفًا يوهم جمهوره بأن الانغلاق على الذات، والاعتماد على النفس، وإلقاء اللوم على الآخرين (دولً ومنظمات دوليةً) و/ أو اتهامهم بالتآمر، من شأن ذلك أن يُعزّز قدرة ال "أنا" على البقاء والصمود، فالتعافي أسرع من "الآخر"، وأن من شأن الوباء أن يُضعِف هذا "الآخر" ويُقوّض قدرته على المنافسة، اقتصاديًا وجيوسياسيًا20. أخ ا، وغير بعيد عما سبق، يمكن الليبرالية – وينبغي لها – أن تتأمل مليًّا في التحديات غير المسبوقة التي فرضتها الجائحة على الديمقراطية ومستقبلَاتها في الدول الديمقراطية، وفي تلك التي تقف على الطريق نحو التحول إلى الديمقراطية، وفي الدول اللاديمقراطية. ويتطلّب هذا التأمل بحثًا مقارِنًا في استجابات الدول وسياساتها المتباينة لمواجهة تفشّ الجائحة وكيف تؤثر في الديمقراطية؛ نظرية
وممارسة21، ويشمل ذلك بلا شك الحدود التي تفصل بين الممارسات التنفيذية الصارمة لمواجهة تفشي الأوبئة والممارسات السلطوية. وثمة مسائل أخرى عديدة ينبغي لليبرالية أن تشتبك بها لفهم الجائحة، أبرزها الروابط العابرة للحدود بين الاحتجاجات – يُغذّيها خطابٌ شعبويٌّ معادٍ للعلم22 – ضد إجراءات الحجر الصحي لمواجهة تفشّ الجائحة، ولماذا تتباين حدّتها بين الديمقراطيات الغربية وبعض الديمقراطيات الآسيوية على سبيل المثال؟ إضافة إلى العلاقة بين تفشي الجائحة وتعزيز السلطوية وتداعياتها على حقوق الإنسان وحرياته.
3. البنائية
تُشدِّد البنائية على أهمية الهويات والعوامل المتعلقة بالأفكار Ideational Factors في تشكيل مصالح الدول وسلوكها في السياسة الدولية. ومن هذا المنظور، تُحدّد الدول استجاباتها لتفشّ الجائحة من خلال الطرائق التي تفكر بها بشأن الأولويات التي يجب عليها الالتزام بها في مثل هذا الوضع. وتحاجّ البنائية بأن إمكانات التعاون ليست مُقيّدة بشروط بنية النظام الدولي الفوضوية التي تتعايش فيها الدول، مثلما يذهب إليه الواقعيون، لكنها تتحدّد من خلال ما يُفكر فيه الفاعلون حول ما هو ممكن، وما هو غير ممكن في مثل هذا الظرف. واستنادًا إلى مقولة ألكسندر فيندت المأثورة: "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"23، فإن الافتقار إلى العمل الجماعي لمواجهة الجائحة ليس نتيجة حتمية لواقع ماديّ معطى تتّصف به بنية النظام الدولي (الفوضى والاعتماد على النفس)، لكنه ناشئ من بنية تُحدّدها فهوم الفاعلين وأفكارهم عن العالم، وعن أنفسهم، وعن غيرهم من الفاعلين الآخرين. إن الأفكار، في المنطق البنائي، ليست ذات طبيعة فردية أو ذاتية، لكنها قد تكون، وحين يتعلق الأمر بالسياسة الدولية فهي ذات طبيعة جماعية أو بينذاتية Intersubjective. وتتميز الأفكار الجماعية بأنها نتاجٌ لتفاعل مستمر ومكثف بين مجموع الأفكار الفردية. ومن هنا تأتي الحجة التي يستند إليها البنائيون القائلة إن هويات الفاعلين هي التي تعمل على تشكيل مصالحهم وإعادة تشكيلها؛ إذ من الواضح أن المصالح تتغير بتغيّر الهويات، وتتغيّ الهويات بتغيّر سياقات ومخرجات التفاعل المستمر والمكثف بين الأفكار والتصورات والفهوم الفردية المنتِجة للهويات. وهو ما ينقض افتراض الواقعيين القائل إن الدول جميعها أنانية وعقلانية وتعتمد على نفسها في تحقيق مصالحَ محددة سلفًا. وهذا، أيضًا، ما يُفسّ التحول في الهوية (دولة عدوانية تتحول إلى دولة مسالمة) والتعدد في الهوية (دولة تتعدد أنماطُ هويتها بتعدد الآخر الذي تتفاعل معه.) غير أن الأهم من ذلك يكمن في قدرة البنائية، من خلال نقدها التقليدي للأطروحات الواقعية، على توسيع مساحة التغيير في سلوك الفاعلين بتغير تصوراتهم وأفكارهم وهوياتهم بعضهم حيال بعض. لذلك، لمَّا يتعلق الأمر بالإجابة عن سؤال لماذا تفشل الدول في التعاون، على الرغم من الحاجة الملحة إلى ذلك في ظل تفشي جائحة كورونا؟ فإن البنائية تواجهنا بواقع أن الدول مُثقَلةٌ بفكرة لا جدال فيها، مفادها أن المصلحة الذاتية والاعتماد على النفس يجب أن يأتيا أولً. لذلك، تتطلّب استعادة زمام التعاون الدولي تغيرًا في البنية المتعلقة بالأفكار Structure Ideational، لا تغيرًا في البنية المادية.Material Structure يمكن أن تتعامل البنائية مع سؤال "كيف يمكن أن يُغيّ الوباء، أو يُعزّز، الفهوم والأفكار التي تتبنّاها الدول بشأن العولمة؟"24. وتوفر فرصة للتأمل في دور الخطاب والتغيّ في الخطاب بشأن العولمة في تغيير اتجاهاتها على المدى الطويل، مثلما يحدث مع دعوات تعزيز جاهزية Preparedness القطاعات الصحية الوطنية وإصلاح نظام حوكمة الصحة العالمية، ومثلما يحدث أيضًا مع النقاش بشأن تعزيز مطواعية الاقتصادات الوطنية والنظام Resilience الاقتصادي الدولي حيال سلاسل القيمة العالمية. تنافح البنائية عن أهمية قوة الخطاب في إنتاج وإعادة إنتاج المعاني البينذاتية المتشارَكة بين
الفاعلين الاجتماعيين، والدفع، من ثَمَّ، نحو التغيّ؛ حيث يمكن عبر اللغة التلاعبُ بالخطاب لإنتاج معنى/ تأويل معيّن، وإسكات معنى/ تأويل ممكن آخرَ للمعطى المادي نفسه، وليكن في هذه الحالة جائحة كورونا؛ فالمعاني/ التأويلات ليست متضمنة في ما هو مادي، لكنها تُبنى ويُعاد بناؤها عبر توظيف قوة الخطاب25. تجلّ هذا بصورة واضحة في الخطاب الشعبوي الحاد الذي تبنّاه الرئيس ترامب26؛ خطابٌ قائمٌ على سياسة إلقاء اللوم على آخَر خارجيّ ويُحوّله إلى كبش فداء Scapegoating 27، ويعجُّ بإحالات متكررة إلى فيروس كورونا باعتباره "فيروسًا صينيًّا"، وإلى منظمة الصحة العالمية باعتبارها "متواطئة" مع الصين و"مسؤولة" عن تفشي الجائحة، وأن تفشّيها لا يخلو من "مؤامرة"28. وسيتجلّ أيضًا في خطاب الرئيس الأميركي جو بايدن Biden Joe -2021() حول "استعادة ريادة" الولايات المتحدة وقدرتها على "قيادة العالم" من جديد؛ إذ من المرجّح أن يجتهد في حرمان الصين من المكاسب الخطابية التي ما فتئت تحوزها منذ بداية الأزمة، حيث عملت، من خلال حزمة الصادرات الطبية إلى دول متضررة عديدة، على بناء سردية مغايرة للسردية التي روَّج لها ترامب؛ سرديةٌ قائمةٌ على قصة إيثار تروي كيف أن الدولة التي ظهر فيها الوباء، وعانت ويلاته قبل أن يتفشّ في باقي العالم، قررت بمجرد أن بدأت تلتقط أنفاسها الالتفاتَ إلى مساعدة الآخرين29. وتقدم هذه السرديةُ الصينَ بوصفها قوة كبرى مسؤولة عالميًّا، في مقابل انسحاب الولايات المتحدة التاريخي من موقع القيادة العالمية. ولن يؤثر ذلك في تفضيلات الولايات المتحدة نفسها حيال التعاون الدولي فحسب، بل أيضًا في تفضيلات باقي فواعل النظام الدولي. إن الجائحة معطى ماديٌّ، لكن تتباين الفهوم والمعاني والتأويلات التي يُضفيها عليها الفاعلون بتباين الخطاب، فهي تهديدٌ وشيك يدفع الدول نحو الانكفاء و"تغليب" المصلحة الذاتية وسياسة الاعتماد على النفس، مثلما هي تحدٍّ طويلُ المدى، يدفع بالدول نحو "تفضيل" التعاون – حتى وإن لم يخلُ من تنافس – تجنّبًا لانهدام أركان العولمة والاعتماد المتبادل برمّتها على رؤوس الجميع.
ثانيًا: نظريةُّ تعق دِ السياسة العالمية: نبيذ ل مَّا يُعتَّق
مع نهاية ربيع 2020، كانت جائحة كورونا تضرب الأرض طولً وعرضًا، بعد أن بدأت فيروسًا في حيّ من أحياء مدينة صينية. ومثّل هذا المشهد فرصةً لدى الناس ليتعرّفوا إلى دلالات عبارة إدوارد لورنتز Lorenz Edward 2008-1979() التي صارت الآن على كلِ لسان تقريبًا: "هل يمكن لرفرفة جناحَي فراشة في البرازيل أن تُحدث إعصارًا في تكساس؟." غير أنّ مصطلح "أثر الفراشة" ليس مجرد استعارة لفهم المسار الذي أخذته موجة تفشّ الجائحة العالمية، أو حتى ذلك الذي أخذته موجة الثورات العربية التي بدأت بإقدام الشاب التونسي، محمد البوعزيزي، على الانتحار حرقًا في شارع من شوارع مدينة تونسية؛ إنه مفهومٌ ضمن عُدَّة من المفاهيم والنظريات التي تطورت في إطار ما يعتبره البعض "علمً جديدًا" قائمًا في ذاته. وَلئِنْ باتت عبارة "أثر الفراشة"، اليوم، جزءًا من التفكير اليومي في موضوع الجائحة، ولعلها تحولت إلى تفسير "مبتذل" تلُوكه الألسنُ دافعةً به إلى أقصى حدود البساطة الممكنة، فإنها تبقى جزءًا من علم أشدَّ ثراءً وتعقُّدًا، يُعرف، ويا للمفارقة، بعلم التعقُّد.Complexity Science
1. التعق د والأنظمة المعق دة والحياة العالمية
سواءٌ اعتُبِ نظريةً أم فلسفةً أم علمً قائمًا في ذاته؛ فالتعقُّد مجالٌ بحثيٌّ عابر للتخصصات/ متعدّدُ التخصصات، يضم طيفًا واسعًا منها، إذ يمكن أن يعثر المرء على أعمال فلاسفة وفيزيائيين وخبراء الكومبيوتر وعلماء الاجتماع، فضلً عن باحثي العلاقات الدولية30. لكن الأمر لا يتوقف عند هؤلاء، فلدى علماء الرياضيات والأحياء والطقس أيضًا إسهامات مؤسِسة ومطوِرة لهذه النظرية. وتجعل هذه
الطبيعة العابرةُ للتخصصات/ المتعددةُ التخصصات الباحثَ أمام تحدّي – وفي الوقت نفسه فرصة – عبورِ الحدود التي تفصل بين حقول المعرفة المختلفة، وبين التقاليد البحثية (أو البَ اديغمات) ضمن الحقل المعرفي نفسه. إنها، بحسب إِمليان كافالسكي، حركةُ "تلاقح" دؤوبةٌ بين العلوم الطبيعية والاجتماعية31 على حدّ سواء.
أقتبس هنا تعريف إدغار موران للتعقُّد بأنه "نسيجٌ من مكوّنات غير متجانسة مترابطة ارتباطًا وثيقًا، يتعذّر معه الفصل بينها[...]إنه نسيجٌ من الأحداث (الأفعال) والتفاعلات والارتدادات والتحديدات والمصادفات، التي تشكل عالمنا الظاهراتي. لكن التعقّد، في هذه الحالة، يحمل على نحو مقلق سمات الفوضى وانعدام القابلية للفصل واللانظام والغموض واللايقين"32. غير أن للغة أيضًا بلاغتها لمَّا يتعلق الأمرُ بالتعريفات. وإنه لَمِن توارد اللغتين العربية والإنكليزية أن نجد للمفردة الأصل نفسه تقريبًا. تأتي مفردة Complexity في اللغة الإنكليزية من المفردة اللاتينية Complexus التي تصف ما هو منسوجٌ ومحبوكٌ بعضُ ه ببعض Together Woven؛ أما مفردة التعقُّد في اللغة العربية، فتأتي من مفردة "عُقدة" التي تعني في صيغة الجمع العُرَى التي يُشَدُّ منها الحبل34 فيصير غير قابل للفك؛ وتأتي أيضًا من مفردة "عَقَدَ" التي تأتي مع الزهر، فيُقال "عَقَد الزهرُ"، أي تضامّت أجزاؤه فصار ثمرًا35؛ ومن مفردة "تَعَقَّد" التي تأتي مع الشيء، فيُقال "تعقَّد الشيءُ"، أي تكاثَف وتراكَب بعضه فوق بعض36. وستتجلّ الدلالات المضمَرة في هذه المفردات عبر الفقرات اللاحقة من هذا المبحث. يتداخل مفهوم التعقّد مع مفهوم الأنظمة المعقدة. ويمكن أن يكون هذا التداخل مفيدًا في تجنّب التورّط في إضفاء مزيد من الطابع الفلسفي على المفهوم. لذلك، غالبًا ما يُقدَّم المفهوم من دون التقيّد بتعريف مسبق للتعقّد، وذلك بفحص خصائص الأنظمة المعقدة37، فهي: 1. تتكوّن من عدد كبير – أحيانًا لانهائي – من العناصر التي تتآثر في ما بينها (يؤثر بعضها في بعض، وفي الوقت نفسه يتأثر بعضها ببعض)؛ 2. وهي لا تنفك تتغير، فهي بعيدة عن الاستقرار، وغيرُ قابلة للتنبؤ أو التحكم، إما لأنها محكومة بعواملَ متعددة ومتآثرة، وإما لأنها تتأثر بمؤثرات خارجية عشوائية بحكم انفتاحها على بيئتها الخارجية؛ 3. وهي تتميّز بوجود حلقات من التفاعلات (أو تفاعلات على شكل حلقات)، حيث إن نتائج أي فعل يمكن أن تنعكس على الفعل نفسه، أحيانًا على نحو مباشر، وأحيانًا بعد عدّة مراحل من التفاعل؛ 4. وتتميز التفاعلات فيها بأنها لاخطية، حيث يمكن أن تكون للأسباب الصغيرة نتائج كبيرة، والعكس؛ 5. وتتميز التفاعلات فيها أيضًا بأنها قصيرة المدى؛ 6. وهي تعمل في ظل ظروف بعيدة عن التوازن؛ 7. وهي تتميز بأن لديها شكلً من أشكال التاريخ، وهذا التاريخ هو ما يزوّدها بالقدرة على (إعادة) بناء نفسها و(إعادة) ضبط نفسها و(إعادة) إنتاج نفسها، مثلما أنه هو ما يُ كّنها من بناء شكل من أشكال الذاكرة التي تجعلها قادرة على "التعلم" من خلال (تكرار) التجربة؛ 8. وفي الأنظمة المعقّدة، يكون النظام مختلفًا تمامًا عن مجموع عناصره المكوِّنة له، إذ من غير الممكن استنتاج خصائص نظام معقّد بمعرفة خصائص العناصر المكوِّنة له بمعزل بعضها عن بعض؛ 9. وفي الأنظمة المعقدة، يكونُ النظام دائمًا أكبر من مجموع الأجزاء/ العناصر المكوِّنة له، وهو ما يتعارض مع النزعة الاختزالية التي طغت على نظرية الأنظمة التقليدية، والتي تدّعي إمكانية فهم النظام بتفكيكه إلى العناصر الأساسية المكوّنة
له، وفهم العلاقات التي تربط بينها. غير أن نظرية التعقد تقدم شكلً من التوليف بين خياري الاختزاليين الذين لا يرون سوى الأجزاء، والكلَّ نيِيّن الذين لا يرون سوى الكلّ. وهذا ربما ما تعكسه مقولة بليز باسكال Pascal Blaise 1662–1623() الذائعة الصيت: "لا يمكنني فهم الكلّ من دون فهم الأجزاء، ولا يمكنني فهم الأجزاء من دون فهم الكل "38. لقد ناقشتُ في موضع آخر كيف تنطبق هذه الخصائص على النظام الدولي39، لذلك سأنتقل الآن إلى إلقاء الضوء على الكيفية التي تفكر بها نظرية التعقّد في جائحة كورونا.
إذا كان النظام الدولي بنية مادية (مثلما يرى الواقعيون والليبراليون)، وبنية اجتماعية (مثلما يرى البنائيون)، وبنية معيارية (مثلما يرى المؤسساتيون الليبراليون)، فإنه بنية حية أيضًا تدبُّ فيها الحياة عند كلّ مستوى من مستوياتها، وفي كلّ بعد من أبعادها؛ وهذه هي الحكمة التي يمكن تعلّمها من نظرية التعقد؛ إنه نظام معقد، وشواشيٌّ، ولاخطيٌّ، وغيرُ قابل للتنبؤ، ولا يخلو من عوامل الاضطراب غير المتوقعة التي تعمل بوصفها مُحولّات Game-changers؛ ولا يمكن حصر هذه المُحولّات تحديدًا، لأن التنبؤ بها غيرُ ممكن، فهي قد تتبدّى في شكل أزمات بنيوية حادّة في الاقتصاد العالمي، أو في شكل نزاعات إقليمية/ دولية تُعيد توزيع القوة العالمية؛ لكنها قد تأتي في شكل كوارث طبيعية هائلة، تفشل أنظمةُ الإنذار المبكر في رصدها، ويمكن أن تؤدي إلى انهيار حكومات قائمة في ذاتها (كأن يحلّ جفافٌ طويلٌ و/ أو انجراف حادٌّ للأتربة الصالحة للزراعة، أو أن تضرب أمواجُ تسونامي هائلة قادرة على تدمير بنى تحتية حيوية للاقتصاد العالمي، أو أن تضرب الأرضَ عواصفُ شمسيةٌ مغناطيسيةٌ قادرةٌ على إصابة الأقمار الصناعية)، مثلما يمكن أن تضرب العالم على حين غرّة في شكل أوبئة أو جائحات عالمية لا تنهك اقتصادات الدول وأنظمتها الصحية فحسب، لكنها تُهدّد أيضًا شرعية حوكمة الصحة العالمية وفاعليتها40. واضحٌ، إذًا، أن النظام الدولي لا يقتصر البتةَ على العلاقات بين الدول فحسب، لأن هذه الأخيرة تتعايش وتتطور على نحو مشترك مع عدد كبير من الفواعل التي توجد وتتفاعل ضمن أنظمة لا تقتصر على الأنظمة المتمحورة حول الإنسان Anthropocentric، مثل الاقتصادية، و/ أو العرقية، و/ أو الثقافية؛ لكنها تشمل أيضًا الأنظمة الطبيعية أو غير المتمحورة حول الإنسان Nonanthropocentric، مثل البيئية، و/ أو الجغرافية، و/ أو الحضرية41. وفي هذا السياق تحديدًا، يقترح كافالسكي مفهوم "الحياة العالمية"42، حيث إن "الإقرار بهذا الترابط الوثيق بين الأنظمة المتمحورة حول الإنسان والأنظمة الطبيعية، من شأنه ألّ يعرّف الحياة العالمية باعتبارها السياسة الدولية فحسب[...]إنها أكُ من مجرد الجماعات السياسية والكيانات polities، حيث تقيم – أي إنها لا تتعلق بما يحدث 'داخل/ خارج' الدولة، بل تتعلق أيضًا بما يحدث 'حوالَ ' الدولة Around the State 43. ويُفصِ ح المفهوم أيضًا عن أنّ 'النظام
الدولي' جزءٌ لا يتجزأ من ظروف بنيوية أوسعَ، ومن تفاعلات تكمن ضمن البيئة الواقعة 'حوالَ ' العلاقات بين الدول"44. غير أن الأهم من ذلك يكمن في أن المفهوم يُضفي على الطبيعة خاصية الفاعلية Agency. إنه يجعل من الطبيعة (أو البيئة الحيَّة التي ينشأ ويتطور ويتفاعل فيها أيُّ نظام دولي) فاعلً قائمًا في ذاته Agent، يمكنه أن يُحدث تأثيرًا حاسمً مَا في العلاقات الدولية، وفي تفاعلات السياسة الدولية عمومًا46. ولا يتعلق الأمر بالعوامل الجغرافية والمناخية التقليدية التي يمكن أن تتسبب في تغيير مصائر أمم برمتها فحسب؛ بل يتعلق أيضًا بمختلف التفاعلات الإيكولوجية المُشَكِّلة للنظام الطبيعي في هذا العالم. وفي هذا السياق، يصير النظام الدولي جزءًا لا يتجزأ من نظام الطبيعة الأشمل بوصفه نظامًا بيولوجيًّا Biosystem، أو نظامًا إيكولوجيًّا Ecosystem، يتفاعلان ويتآثران أحدُهما مع الآخر. وهنا، يمكن أن يفكر المرء في الأوبئة، أو الكوارث الطبيعية، أو حتى الفلكية، التي يمكن أن تؤثر في كوكب الأرض برمّته47. في هذا السياق، حاجّ فالرشتاين بأن النظام-العالم (النظام الدولي بعبارة أخرى) غيرُ منفصل عن ديناميات النظام البيولوجي/ الإيكولوجي الأشمل، كما نبَّهَ إلى أن التقويض المطرد للقاعدة الإيكولوجية للاقتصاد - العالم (الاقتصاد العالمي بعبارة أخرى) سيكون أحد أبرز تناقضات النظام-العالم الحديث وأزماته، مشيرًا إلى أن "التأثير في بعض الميكانيزمات الإيكولوجية الوقائية، يؤدي إلى ظهور أنواع جديدة محتملة من الأمراض الوبائية المخيفة وغير المعروفة سابقًا"48. والآن، صارَ معروفًا لدينا أن من شأن الإفراط في القضاء على المساحات الغابية وبناء المدن والتلويث المستمر للطبيعة، تدميرَ محميات الحيوانات البرية وتعريضها للانقراض؛ فلا يبقى لها سوى اللجوء إلى ما بقي من ملاذات قريبة من المستوطنات البشرية – مثل المزارع وحدائق البيوت، ما يزيد من احتمال الاختلاط المتكرّر عن قرب مع الإنسان. وهذا ما يمنح جراثيم حميدة، تعيش طبيعيًّا في أجساد الحيوانات البرية من دون أن تسبب لها الأذى، إمكان المرور إلى أجساد البشر والتحوّل من صفتها الحميدة إلى مُمْرضات قاتلة49. يمكن وضع هذه الأطروحات في سياقِ تيار آخذ في النفوذ ضمن مدرسة "الحوليات" الفرنسية، التي تأثَّر بها فالرشتاين أيّ ا تأثُّر؛ هو التأريخ البيئي الذي يبحث في "تاريخ العلاقات بين المجتمعات الإنسانية والطبيعة برمّتها التي ارتبطت بها المجتمعات على الدوام." وضمن هذا الاتجاه، "تأتي دراسة تاريخ البيئة المادية، أي[...]دراسة التأثير البشري على الطبيعة، وكذلك أيضًا تأثير الطبيعة على النشاط البشري"؛ ومن ثم وضع "تاريخ الإنسان في سياق أوسع، سياق الأرض والحياة على الأرض"50. وفي هذا السياق الأوسع، لا تقتصر الفاعلية Agency على البشر، ولا على البنى المتمحورة حول البشر؛ لكن
نطاقها يتسع ليشمل الطبيعة التي يحيا فيها البشر ويتآثرون معها، والتي تقبع فيها تلك البنى.
2. نظرية النظام-العالم والجائحة والحاجة للدولة51
أصنّفُ في هذه الدراسة نظريةَ النظام-العالم ضمن براديغم التعقّد؛ إذ ما فتئ إيمانويل فالرشتاين، أحدُ أبرز مطوّريها، يحاجّ بأن مفهومه عن النظام-العالم ينبغي أن يُفهم في إطار "العلم الجديد"، أيْ علم التعقُّد52. لقد سمحت الدراسات المؤسِّسة لهذا العلم بتدفق البحوث في مختلف مجالات المعرفة، الطبيعية والاجتماعية، التي تسعى لاستكشاف مظاهر التعقُّد والشواش وكل مجال معرفي، والظواهر التي يتخصص في البحث فيها. وهكذا بدأت مفاهيمُ التعقُّد والشواش في الانتشار في أدبيات علوم الأحياء، والبيئة، والنفس، والاقتصاد، والاجتماع، والمعلومات، وتقريبًا خلال العقدين الأخيرين في حقول المعرفة كافة. فضلً عن ذلك، يعرف الجميعُ مدى ضيق التخصصات العلمية وانغلاقها على نفسها؛ إذ من النادر أن يقرأ عالمُ أحياء وعالم فيزياء، أو عالم اجتماع وعالم رياضيات، البحث نفسه، لكن الأبحاث التي تدرس التعقُّد والشواش هي ما (يمكن أن) يوحّد بين فروع المعرفة كافة على اختلاف مجالات تخصصها. وفي سياق هذه التحولات المعرفية، تأتي تأملّات فالرشتاين وإسهاماته في تطوير نظرية النظام-العالم، خاصة المتأخرة منها. يدُلُّ مفهوم النظام-العالم، مثلما طوّره فالرشتاين، على بنية معقّدة ذاتية الاحتواء، محدودة المجال في الزمان والمكان، يدمج مجموعة من الأنشطة والمؤسسات التي تمتثل لقواعد نظمية/ نسقية معيّنة53. ويُنبّهنا فالرشتاين إلى محاذير الخلط بين النظام - العالم World-system والنظام العالمي System World، مشيرًا إلى أن الواصلة في المصطلح وتصنيفيْه الفرعييْ، الاقتصاد–العالم World-empire هي، - العالم World-economy والإمبراطورية تأكيدٌ أنَّنا لا نتحدث عن نظم واقتصادات وإمبراطوريات تشمل العالم (برمّته)، لكننا نتحدث عن نُظم واقتصادات وإمبراطوريات يشكل كلٌّ منها عالَمً في ذاته (لكنه قد لا يشمل، وهو فعلً غالبًا ما لا يشمل المعمورة برمّتها.) وقد شهد التاريخ مثلً شكل الإمبراطورية-العالم خلال الحقبة الرومانية التي مثّلت "بنية من سلطة سياسية واحدة للنظام-العالم ككل" (ويشير فالرشتاين إلى أن الأعوام الخمسمئة الماضية شهدت عدة محاولات لإنشاء مثل هذه الإمبراطورية. غير أنها جميعًا باءت بالفشل)54. غير أن النظام -العالم الحديث الذي نعيش فيه، ومن حيث الممارسة لا المفهوم، يُعَدُّ عالميًّا بامتياز. لقد نشأ في القرن السادس عشر، وبعد أن كان مقتصرًا على جزء من العالم – أجزاء من أوروبا والأميركتين – توسَّع مع مرور الزمن ليُغطّي أنحاء المعمورة جميعها55؛ وما يُ يّزه من الإمبراطورية -العالم هو أن هذا الأخير ينطوي على نظام سياسي مركزي سلطوي، يُعيد توزيع الموارد من أطرافه إلى مركزه (عبر نظام الضرائب مثلً.) وبخلاف ذلك، ينطوي النظام-العالم على مراكز قوى سياسية متعددة ومتنافسة، توحّدها سوقُ الاقتصاد - العالم الرأسمالي وتنظم التنافس بينها. العالم بخاصيتين أساسيتين: الخاصية الأولى هي يتميّز النظام-أنه ذاتيُّ الاحتواء ويمانع الفصل بين بنيته الاقتصادية وبنيته السياسية. ولا تعني هذه الخاصية ترابطًا لا فكاك منه بين المؤسسات السياسية والاقتصادية للنظام فحسب، لكنها تعني أيضًا أنها جميعها تظل حبيسة حركة الزمن التي تتطوّر عمليات النظام في اتجاهها (نحو تراكم لانهائي لفائض القيمة)، ويشمل ذلك أيضًا مؤسسات اجتماعية جوهرية، مثل الأسرة والطبقة والجماعة الإثنية، أو ما صرنا نُسمّيه اليوم "الهويات"56. ومن الواضح أن التحولّات التاريخية التي تعرفها هذه المؤسسات قاطبة، تحدث في سياق تحولّات الاقتصاد-العالم الرأسمالي، مرادفِ النظام-العالم الحديث. وعلاوة على ذلك، يُحاجّ فالرشتاين بأن الفصل بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي لا يعدو أن يكون بناءً متخيَّلً في أذهاننا، لا يمتّ للواقع بِصِ لة57. ويُفهم من هذا كيف تتعايش بنية النظام-العالم الاقتصادية والسياسية وتتواشج، على الرغم من أن الأولى عبارة عن سوق رأسمالية عالمية، في حين تنطوي الثانية على نظام من الدول Interstate System يتشكّل من مراكز قوة متعددة ومتنافسة؛ مثلما يُفهَم كيف يؤدي هذا التنافس – تشد عضُ دَه دينامياتُ السوق الرأسمالية العالمية – إلى تقويض فكرة "الحكومة العالمية"، لكنه في الوقت نفسه يحافظ على مستويات محدودة من "الحوكمة العالمية" من أجل شرعية النظام-العالم نفسه؛
الحوكمةُ العالمية التي تُعَدُّ حوكمة الصحة العالمية – على عَلَّ تِها التي طفت إلى السطح مع تفشي جائحة كورونا – أحد أركانها الرئيسة. أما الخاصية الثانية، فهي أنّ الاقتصاد-العالم الرأسمالي، جوهرُ النظام- العالم الحديث، يميل باستمرار إلى الصيرورة (بالصاد لا بالسين) ضمن دورات متكررة – متماثلة ذاتيًّا إذا استعملنا مفردات علم التعقُّد – من التوسع والركود. يستند فالرشتاين في ذلك إلى دورة كوندراتييف Kondratiev التي تُبيّ أن الاقتصاد-العالم يمر بدورات متعاقبة من التوسع والركود، [تكاد] تحدث بانتظام كل 40 إلى 60 سنة58. على أي حال، ثمة إقرار واسع بين علماء الاقتصاد بصلاحية هذه النظرية وقدرتها [حتى ولو نسبيًا] على التفسير والتنبؤ، غير أن فالرشتاين يضيف إليها محاجتين أساسيتين: الأولى هي أن الوضع بعد نهاية دورة كوندراتييف لا يعود إلى ما كان عليه في بدايتها، لأن، من شأن ما يجري فعله في مرحلة الركود سعيًا للخروج منها والعودة إلى مرحلة التوسع، أن يُغيّ مقاييس Parameters الاقتصاد-العالم59. وهذا ما يُعلّمنا إيّاه علم التعقد عبر مفهوم التشعب60، لكن ذلك يحدث ضمن حدود نظام يُبدي قدرةً ثابتة على تنظيم نفسه، و"إعادة" بناء نفسه، و"إعادة" ضبط نفسه، وإعادة إنتاج نفسه. أما المحاجّة الثانية، فهي أن طول مرحلة الركود يتوقف على الإجراءات السياسية التي تتّخذها الدول من أجل التعافي منها والعودة إلى مرحلة التوسع61. إذًا، الدولة هي صمام أمان النظام -العالم ليحافظ على الخصائص التي ذُكِرت آنفًا. لذلك، يبدو أن ما يشهده العالم اليوم – مع تفشّ جائحة كورونا – من عودة الدولة، سيزداد حدَّةً على حدَّة إذا ما دخل الاقتصاد-العالم دورةَ ركود طويلة، تحديدًا من أجل التعافي منها والعودة في أسرع ما يمكن إلى الدورة التالية. إن حاجة الاقتصاد-العالم الرأسمالي إلى الدولة في هذه الحقبة العصيبة لا تقلّ عن حاجة الدولة إلى نمط الاقتصاد-العالم الذي يتوسّع بلا هوادة. إن الاقتصاد-العالم ونظام الدول متعاضدان ومتواشجان، ولا غنى لأحدهما عن الآخر. لا يختلف العالم اليوم كثيرًا عن العالم الذي تحدّث عنه فالرشتاين؛ عالمٌ تحكمه بنيةٌ معقدةٌ من نظام-عالم رأسماليّ، آخذ في مراكمة فائض القيمة وإعادة توزيعه من أطراف النظام إلى مراكزه – وإن زادت تلك المراكز تعدادًا بصعود قوى أخرى – ونظام دوليّ تظل فيه الدولة مهمة، تُح لُّ المشكلات وتَحُلُّها في الوقت نفسه A Problem-maker and a Problem-solver، وتظل أداة فعالة لحل أزمات النظام-العالم الرأسمالية؛ لذلك، ينبغي لنا أن ننتبه دائمًا إلى أن العولمة لا تُقوّض دور الدولة فحسب، لكنها تُعزّزه أيضًا. ولْنُفكِّرْ هنا في عدد من الواجبات المترابطة التي تتطلّب الجائحة من الدولة القيام بها بصورة متزامنة: تعزيز الإجراءات الوقائية، وتوفير العلاج، وتطوير اللقاح و/ أو توفيره، ومعالجة الركود الاقتصادي وتبعاته، وصون النظام العام مع صعود الاحتجاجات المناهضة لتدابير الحجر الصحي وتكييف سياساتها العامة مع ظروف الجائحة وما بعدها، وما إلى ذلك. إذا كان الأمر كذلك، فإن ما يمكننا فهمه هو أن الأعباء المُلقاة على كاهل الدولة تزداد ثقلً في مواجهة تهديدات عابرة للحدود تغيّ شكلها باستمرار؛ تهديداتٌ غدت إقليمية (عابرة للحدود، لكن على مستوى إقليمي) أكثر من كونها وطنية (داخل الحدود)، لكن في الوقت نفسه أقلّ من كونها عالمية؛ إذ تظل التهديدات العابرة للحدود على مستوى عالميّ نادرة، مثل التهديدات البيئية، والتهديدات الصحية لمَّا يتعلق الأمر بالجائحات العالمية، كما تُبيّنه جائحة كورونا. وهو ما من شأنه أن يشدد على أهمية الإقليمي باعتباره قوة جاذبة، إلى جانب المحلي والعالمي. من شأن هذه الأعباء أن تُقوّض كفاءة الدولة في ضبط التفاعلات الاقتصادية عبر الحدود، مقارنة بدور "اليد الخفية" للسوق العالمية، ما سيجعل الترتيبات الإقليمية مستمرة في النمو بوصفها أدوات لإنقاذ سلطة الدولة من الانعكاسات "غير المرغوبة" للعولمة. فضلً عن ذلك، ينبغي لنا ألَّ ننسى أنّ الحاجة إلى الأمن والرفاه تجعل الجميع يلوذ بالدولة؛ فالأفراد والمؤسسات والسوق في حاجة إلى الدولة62، ربما أكثر من أي وقت مضى، بسبب
تزايد حدّة التحولّات العالمية63. وهذا ما تُبيّنه أيضًا تجربة جائحة كورونا؛ وما ستُبيّنه المرحلة اللاحقة للسيطرة على الجائحة قد لا يتعدّى تمسّكًا أقوى بالترتيبات الإقليمية64، أملً في تجاوز المتاعب الناجمة عن تعطّل عجلة الاقتصاد العالمي. فبعد أن قوّضت الحملاتُ الانتخابيةُ الشعبويةُ، اليمينيةُ واليساريةُ، في أثناء الانتخابات الرئاسية الأميركية في عام 2016، مشروعَ الشراكة عبر المحيط الهادئ الذي بدأه الرئيس باراك أوباما Obama Barack 2017-2009()، وأطلق عليه الرئيس ترامب رصاص الرحمة بمجرد بلوغه الرئاسة65؛ وبعد أن تضررت تحالفاتُ الولايات المتحدة التجاريةُ والاقتصاديةُ تحت وطأة سياساته الحمائية، هي ذي الصينُ واليابانُ وكوريا الجنوبيةُ ونيوزيلندا وأستراليا وعشرُ دول في جنوب شرق آسيا تُوقِّع مجتمعةً اتفاقيةَ "الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة" التي تضم ثلث حجم التجارة العالمية. حدث هذا في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، ويُتوقع أن تخفف الاتفاقيةُ من وطأة التكلفة الاقتصادية لجائحة كورونا وتُعيد تشغيل الاقتصاد العالمي66.
3ّ. نظرية التعق د وجائحة كورونا
مقارنة بالنظريات السائدة في حقل العلاقات الدولية، التي تناولها المبحث السابق، يكشف بحثٌ سريعٌ في الأدبيات عن حجم وفير مما نُشِ عن جائحة كورونا من منظور التعقد، إنْ في حقل العلاقات الدولية ومختلف محاور بحثه الأساسية، أم في مجال السياسات العامة الصحيّة، الوطنية والعالمية، بما في ذلك حوكمة الصحة العالمية والاقتصاد العالمي، فضلً عن فهم الجائحة في حدّ ذاتها67. غير أن الأعمال المبكرة لإقحام علم التعقُّد والأنظمة المعقدة في العلوم الصحية والوبائية تعود إلى سنوات خلت قبل تفشّ جائحة كورونا68، في محاولة لتحسين استراتيجيات الوقاية والتدخل؛ إذ صار واضحًا من منظور التعقّد أن "الصحة والمرض يتأثران بعواملَ متعددة ومتنوعة ومعقدة"، تتراوح بين مناعة الحواضن المضيفة
والبيئة الاجتماعية والبيئة الطبيعية والمناخ وفرص الوصول إلى الخدمات الوقائية والعلاجية، وغيرها. لذلك، وجب تصميم استراتيجيات المكافحة بناءً على فهم أفضل وأشمل لمجموع العوامل الأوسع التي تؤثر في انتقال المرض وتحدد فرص نجاح التدخل. وقد دعت أدبياتٌ عديدةٌ إلى وجوب مراعاة العلاقات المتواشجة Complex Interrelationships المنبثقة والخصائص، المعقدة Properties Emergent، وحلقات التغذية الراجعة غير الخطية – وهي جميعها مفاهيم في صلبNon-linear Feedback-loops نظرية التعقُّد. ولا يمكن تحديد مثل هذه الارتباطات المتبادَلة Interdependencies في نظامٍ ما من خلال النظر في كلّ عامل من تلك العوامل على حدة، بل من خلال النظر إلى النظام إجمالً، وذلك نقيض المقاربات الوبائية التقليدية، الاختزالية، التي تتعامل مع عدد محدود من العوامل المرتبطة على نحو مباشر بالوباء، أملً في تبسيط الميكانيزمات السببية واختزالها في مكونات أصغرَ فأصغرَ تُ كّننا من استخلاص استنتاجات قابلة للتعميم69. في السياق نفسه، تحاجّ إليزابيث بول وغاريت براون وفاليري ريد بأن الاستجابات السائدة لجائحة كورونا تستند إلى ما يسمى البراديغم الباستوري (نسبة إلى لويس باستور) الذي ينص على أن كلَّ مرض يَنتج من مُمْرض واحد Pathogen. وبناء عليه، فإن لكل مرض علاجًا واحدًا، يستهدف المُمْرض المسبِّب لذلك المرض. واستنادًا إلى هذا البراديغم، تتسابق المختبرات إلى إيجاد العلاج أو اللقاح المضاد لفيروس كورونا، وهو لقاحٌ قد تصير فاعليته محدودة إذا ما تحوّر الفيروس في وقت لاحق. ومع ذلك، من السهل رؤية كيف أن المُمْرضات كلما زاد عددها في المستقبل، وهو ما سيحدث لا محالة (وتبيَّ هذا سابقًا في هذا المبحث)، قلَّت الجدوى من الاستناد إلى هذا البراديغم. ومن جهة أخرى، يفرض هذا البراديغم منهجًا محدودًا في البحث – يستند إلى تجارب التحكم العشوائية التي تحاول عزل متغير واحد من المتغيرات الممكنة كلها – ويقدمه على أنه المقياس الملائم للعلم، ما يجعل المناهج الأخرى أقرب ما تكون إلى الدَّجل. مع ذلك، ثمة العديد من الأدلّة التي تشير إلى أنه بخلاف المُمْرض الواحد، فإن تطور المرض يتأثر تأثرًا كبيرًا بالسياقات المادية والاجتماعية التي يعمل فيها، وبالعوامل الاجتماعية والسياسية والبيئية. ويبدو هذا معروفًا على نطاق واسع لمَّا يتعلق الأمر بالأمراض المزمنة غير المعدية، لكنه ينطبق أيضًا على الأمراض المعدية، خاصة بالنسبة إلى حالات العدوى الناشئة التي يمكن فيها ملاحظة الدور المُمْرض لانعدام المساواة الاجتماعية. علاوة على ذلك، لا تفتأ الحدود التقليدية بين الأمراض المعدية وغير المعدية تتلاشى مع وجود دلائلَ على ما صار يعرف ب "العدوى البيو-اجتماعية" Contagion Biosocial 70. تقترح بول وبراون وريد، بدلً من ذلك، مقاربةً كُلّ نيةً للصحة؛ مقاربةٌ من شأنها أن تكون أكثرَ فاعليةً وكفاءةً وإنصافًا، حيث تصير كيفية تحضير السكان – بما في ذلك الفئات الأكثر هشاشة – لمواجهة الأوبئة مستقبلً على رأس السياسات الصحية الوطنية والعالمية، وعلى رأس أجندات البحوث. وينبغي أن يعكس هذا مقاربةً أمنيةً (مواجهة المشكلات المترتبة على الأعراض المرضية) ومقاربةَ تنمية صحية (معالجة الأسباب والمحددات الأولية.) وعند القيام بذلك، ينبغي ألا تقتصر الأهداف على مجرد تفعيل وضع الاستجابة، بل يجب أن تشمل جهودًا متضافرةً للحدّ من دور العوامل البيئية وحماية التنوّع البيولوجي والحدّ من حالات التفاوت الصحي والاجتماعي وتعزيز نظم الصحة الوقائية المحلية ومساعدة السكان على الحدّ من عوامل الخطر الفردية وتقوية مناعتهم الطبيعية – ولا سيما من خلال التوعية بمختلف "السلوكات الصحية" والأنظمة الغذائية التي ثبت أنها تقوّي جهاز المناعة العامة71. لذلك، تتطلّب أزمة جائحة كورونا تحوّلً نوعيًا في البراديغم الذي تُصنع في إطاره السياسات الصحية العامة والعالمية. فالعالم لن يكون مستعدًّا للأوبئة المقبلة ما لم تُتَّخذْ خطواتٌ جريئةٌ لخّصتها بول وبراون وريد كما يلي: أولً، لا ينبغي أن تُصمَّم السياسات الصحية العالمية على أساس أسلوب الاستجابة لتهديدات كلِّ حالة على حدة، بل يجب أن تعتمد مقاربة نظميةً/ نسقيةً مبنيةً على تصور كُلَّ ني للأعباء العالمية والمخاطر والظروف الصحية التي تفرضها الأمراض، فضلً عن مراعاة الآثار النظمية/ النسقية الواسعة النطاق الناجمة عن التدابير المعتمدة؛ وثانيًا، ستتطلّب مواجهة التشظّي الراهن الذي تعرفه الحوكمة الصحية العالمية تحوّلً جوهريًا في صنع السياسات الصحية العالمية، من براديغم قائم على ردة الفعل، إلى براديغم نسقي/ نظمي ووقائي، مع إبداء التزامات جادّة بالأمن الإنساني الصحي [إذ لا يمكن بأيّ حال من الأحوال فصله عن الأمن القومي للدول]؛ وثالثًا، ثمة حاجةٌ إلى تحويل التركيز من السياسات العلاجية القصيرة الأجل القائمة على البراديغم الباستوري، إلى السياسات الوقائية الطويلة الأجل القائمة على رؤية كُلّ نية لصحة مجموع السكان إجمالً، وهي سياساتٌ تتضمن بوجه خاصّ الحدَّ من دور العوامل البيئية،
والحدَّ من حالات التفاوت الصحي الاجتماعي، ومساعدةَ السكان على الحدِّ من عوامل الخطر الفردية وتعزيز مناعتهم الطبيعية؛ وأخيرًا، يجب تكييف هذه السياسات الوقائية الشاملة مع السياقات المحلية وتنفيذها من خلال أنظمة صحية محلّية قوية، قادرة على امتلاك القدرة "الوقائية" وعلى الاستجابة لحالات الطوارئ72. لذلك، فإن هذا التحول في البراديغم ينبغي أن يجري في ضوء المنطق الذي تستند إليه نظرية التعقد؛ منطق التشبيك بين المحلّ والعالمي، ضمن ما سمَّ ه جيمس روزنو "العومحلي" Glocal The 73.
دأبت المقاربات الاختزالية، التي تدعو نظريةُ التعقد إلى تجاوزها، على فهم المشكلات عبر تفكيكها إلى مشكلات (أو مكوّنات) أصغرَ فأصغر، وتحليل كلِّ مشكلة صغرى على حدة، ثم إعادة تركيبها مرة أخرى لفهم تلك المشكلة (الكلُّ هو مجموع الأجزاء.) غير أن هذه المقاربة تفشل باستمرار في فهم المشكلات التي تتآثر فيها مكوناتٌ متعددةٌ تتفاعل بطريقة غير خطية. وتنطوي هذه المشكلات، التي صارت تُعرف بأنها معقّدة وشواشية، على شبكة متشابكة من المكوّنات والمكوّنات الفرعية التي تفتقر إلى تحكم مركزي، كما أن دينامياتها تتطور باستمرار عبر الزمن؛ ولا يمكن تعقّب العلاقة بين السبب والنتيجة فيها (سببية حلقية لاخطية74)؛ وهي تُبدي درجات عاليةً من التقلّب واللايقين والغموض؛ وغالبًا ما يتطلّب حلُّها مقاربة متعدّدة التخصصات (ولذلك، يقدم علم التعقّد نفسه بأنه علمٌ متعددُ التخصصات/ عابرٌ للتخصصات.) وإذا ما أبدت المشكلاتُ المعقدةُ سلوكًا شواشيًا حادًّا، فإن محاولات حلّها غالبًا ما تَنبثق منها مشكلات ناشئة لم تكن متوقعة. يُقدّم رايموند أنيانْوُو، على سبيل المثال، مقاربةً قائمةً على منظور التعقد، لفهم الكيفية التي تتآثر بها مشكلة تفشّ جائحة كورونا مع مشكلات التغير المناخي75. ففي حين أن تغيّ المناخ هو "عملية فيزيائية" تصيب ببطء نظام مناخ الأرض (نظام طبيعي)، ولا تتآثر مع النظام البيئي (نظام طبيعي) فحسب، بل أيضًا مع الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية (الأنظمة المتمحورة حول الإنسان)، فإن تفشّ جائحة كورونا هو "عملية بيولوجية" تسري بين الإنسان والحيوان، وتنتشر بسرعة في كلِّ مكان، وتؤثر بدورها تقريبًا في كلِّ نظام من الأنظمة الفرعية المتمحورة حول الإنسان. لذلك، تقترح نظرية التعقد، على نحو ما سبق، أن فهم الجائحة – سواء تعلق الأمر بأسبابها أو آثارها أو الجهود العالمية للاستجابة لها – ينبغي أن تنطلق من "الإقرار بالترابط الوثيق بين الأنظمة الطبيعية والأنظمة المتمحورة حول الإنسان"76، بما في ذلك النظام الدولي الذي ينبغي فهمه بوصفه نظامًا-عالمًا، تتشابك وتتآثر بُنَاهُ السياسيةُ والاقتصاديةُ والاجتماعيةُ (المحليةُ والوطنيةُ والعالميةُ) بعضُ ها مع بعض، مثلما تتشابك وتتآثر هذه البنى مع الطبيعة الأوسع، حيث تكمُن.
خاتمة
اتَّضح في مبحث البنائية كيف أن الجائحة ينبغي عدم فهمها بوصفها معطى ماديًا، وكيف أنها في نهاية المطاف عبارةٌ عن فهوم ومعانٍ وتأويلات يُضفيها عليها الفاعلون. ويمكن أن نضيف هنا أن الجائحة، في جوهرها، قضيةٌ سياسية؛ إذ ترتبط بمسألتين أساسيتين: الأولى كيفيةُ تفشيها، والثانية كيفيةُ (أو كيفيات) مواجهة تفشّيها؛ وفي القلب من كلتيْهما، لا مناص من التفكير في السياسة، وفي
السياسة الدولية77. منذ البدايات الأولى لتفشي الجائحة، طُلب من المشتغلين في حقل العلاقات الدولية وبانتظام، أن يشرحوا لوسائل الإعلام العلاقات/ السياسة الدولية التي تقف خلف الاستجابة لتفشّ الجائحة: لماذا تتباين سياسات الإبلاغ أو الاختبار أو الاستجابة بين الدول؟ إذ كانت ثمة دولٌ تستجيب لتوجيهات منظمة الصحة العالمية ودولٌ ترسم طريقها الخاصة؛ وما التداعيات السياسية والاقتصادية وتلك المتعلقة بالسفر والتجارة العالمية؟ وهل ثمة سياقات إقليمية واضحة لتصنيف اتجاهات التفشي والاستجابات على حدّ سواء؟ في هذا السياق، سجّلت سارة دايفيس وكلير وينهام دهشتهما من أن منظمة الصحة العالمية أو مسؤولي (الصحة) المحليين نادرًا ما طرحوا هذه الأسئلة، سعيًا لتحسين جهود الاستجابة78، كما استهجنتا امتعاض مجموعة اختصاصيين في الصحة العالمية من عدم وجود دراسات منشورة حول موضوع الأمن الصحي وكيفية تعزيز قدرة الدولة على الاستجابة للوائح الصحية الدولية79؛ إذ على الرغم من الحجم الهائل من أبحاث العلاقات الدولية المنشورة ذات العلاقة، فإن أبحاث العلوم الاجتماعية يبدو أن خبراء الصحة لا يقرؤونها، وتبدو الجماعات المعرفية المتخصصة في الصحة العامة والأمن الصحي العالمي كأنها تُفضّ ل البقاء في صوامعَ منفصلة، بعضها عن بعض80. قد تشكل نظرية التعقّد فرصة لجعل النقاش بين هذه الجماعات المعرفية ممكنًا، أو هذا ما يزعمه، ويسعى له أنصارها من مختلف الحقول المعرفية منذ سنوات عدة. ولا تسعى هذه الدراسة للمفاضلة بين طرائق تفكير نظريات العلاقات الدولية في جائحة كورونا. ولا بأس في اعتبارها عملً وصفيًا بحتًا. لكنها، وكما جاء في مقدمتها، تقدم للقارئ مجموعةً من النَّظارات التي يمكن عبرها فهمُ الجائحة؛ فهي، إذا ما وضع القارئ نظّارةً واقعيةً، تهديدٌ يرقى إلى درجة التهديد الوجودي الذي يقتضي انكفاء الدول على نفسها وتمسّكًا أشدّ بسياسة "نفسي نفسي!" وهي تحدّ عابرٌ للحدود للنظام الدولي الليبرالي، بمعاييره ومؤسساته، إذا ما وضع نظّارةً ليبراليةً؛ وهي بناءٌ اجتماعيٌّ مفعمٌ بالمعاني والتأويلات البينذاتية، التي يضفيها عليها الفاعلون، تتباين بتباين الخطاب (إنها "ما تصنعه منها الدول)"، إذا ما وضع نظّارةً بنائيةً؛ وإذا ما وضع نظارة التعقَّد، فهي مشكلةٌ معقدةٌ تتطلب استجابةً معقدةً، تأخذ في الحسبان التآثرَ بين النظام الدولي بوصفه نظامًا متمحورًا حول الإنسان، والطبيعة بوصفها نظامًا غيرَ متمحور حول الإنسان، وتأخذ في الاعتبار التآثرَ بين مختلف مستويات الفعل السياسي، المحلي والوطني والإقليمي والعالمي، مثلما تأخذ في الحسبان أيضًا عبورَ التخصصات المعرفية وتعدُّدَها. لا بد من التشديد على أن تسمية جائحة كورونا ظاهرةً أو مشكلةً معقدةً، لا ينبغي أن تُفهم "انحيازًا" إبستيمولوجيًّا لنظرية التعقد، ولا بد من التشديد أيضًا على أن التوسع في الجزء المُفرَد لهذه النظرية لا ينبغي أن يُفهَم شحًّا في التحليل على النظريات الأخرى81. انطلقت الدراسة من افتراض رئيس مفاده أن النظرياتِ السائدةَ (الواقعية والليبرالية والبنائية) لا تقدم سوى المزيد من الشيء نفسِه عن جائحة النظرية، خاصةً مع حداثة العهد بها؛ لكنها احتفظت بافتراض آخر فحواه أنّ الوقت لمَّا يسمحْ للقيام بتأمل ذاتيّ كافٍ لمراجعة ما يمكن مراجعته في أطروحاتها الأساسية بشأن هذه الظاهرة، هذا إن كانت (كلُّها أو بعضُ ها) ستفعل ذلك. مقارنةً بهذه النظريات، ومثلما يكشف عنه مسح الأدبيات، ثمة حجمٌ وفيرٌ مما نُشِ عن جائحة كورونا من منظور التعقُّد. لذلك، وإذا ما استحضرنا أمثولة "الأنبذة والقناني" الواردة في عنوان الدراسة ومقدّمتها، يمكن أن يشكّل هذا البحث محاولةً في "تعتيق" منظور التعقد للعلاقات الدولية عربيًّا. ومن ناحية أخرى، كَوْنُ الجائحة بدأت ظاهرةً طبيعيةً، وانتهى بها المطاف إلى أن صارت ظاهرةً متعددةَ الأبعاد، حتى لا أصرّ على استعمال نعت "معقدة"، فهذا يُ كِّن نظرية التعقد من أن تعطي زخْمً إضافيًا للنقاش الحالي بشأن الجائحة، مثلما بيَّنت الدراسة. وبقدر ما أحاول الدفع بذلك درءًا للحكم على أطروحةِ الدراسة وبُنْيانِها بالانحياز إلى نظرية التعقّد، أو بالشحّ عن النظريات الأخرى،
بقدر ما أسعى لإظهار مزايا الانتقائية التحليلية82 وفضلِها في تشكيل فهم غير اختزالي لجائحة كورونا. أخيرًا، إذا كان البحث في الطرائق التي يُفكر بها حقل العلاقات الدولية في جائحة كورونا جزءًا من مشروع إبستيمولوجي في المقام الأول، فإن هذا المشروع لا ينبغي له أن يخلوَ من تأمل نقديّ يتجاوز سؤال "كيف يفكر الحقل المعرفي في الجائحة؟"، وصولً إلى سؤاليْ "من يفكر؟" و"لأي غرض؟" إذا كان السؤال الأول هو جوهر الإبستيمولوجيَا بوصفها تأملً في كيفية بناء المعرفة، فإن السؤاليْ الآخريْن يستقيان مسوّغ طرحهما مما يمكن اعتباره إبستيمولوجيا نقديةً؛ إذ يقدمان تأملات في "من" يصنع المعرفة، و"ما الغرض" الذي تُصنَع لأجله تلك المعرفة. ومهمةُ هذه الإبستيمولوجيا النقدية هو السعي للاشتباك، مجددًا، مع عبارة روبرت كوكس الذائعة الصيت، "النظرية هي دائمًا لشخص ما، ولغرض ما"؛ مثلما ينبغي أن ينصبّ اهتمامها على الكشف عما هو سياسيٌّ ضمن ما يُقدَّم للجمهور على أنه تفكيرٌ نظريٌّ م(ت)جرّد في جائحة كورونا التي صارت، إلى الآن، جزءًا لا يتجزأ من معيش الناس اليومي.
المراجع
العربية
أمنكاي، عبد الكريم. "شعبويو السلطة وجائحة كورونا: بين اعتيادية التدابير وخصوصية الخطاب، حالة الولايات المتحدة تحت إدارة سياسات عربية. العدد دونالد ترامب." 50 (أيار / مايو.)2021 بروسنان، ديبورا، وجيمس بوهلاند وأندرياس ريتشكيمر. "عقد اجتماعي جديد في ظل أزمة عالمية." كلية السياسات العامة. جامعة https://bit.ly/3rMxvXP:حمد بن خليفة. في بشارة، عزمي. في الإجابة عن سؤال ما الشعبوية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 ________. "الشعبوية والأزمة الدائمة للديمقراطية." سياسات عربية. العدد 40 (أيلول/ سبتمبر 2019). حسين، أحمد قاسم. "النظام الدولي وجائحة كورونا: سجال سياسات عربية. العدد تأثير الأوبئة في العلاقات الدولية." 50 (أيار/ مايو.)2021 حمشي، محمد. "الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية." سياسات عربية. العدد 28 (أيلول/ سبتمبر.)2017 ____".___السببية مشكلة في حقل العلاقات الدولية: ما الذي تعلّمه من علم التعقّد؟." سياسات عربية. العدد يمكن 41 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2019 ____.___ "عن إمكانية التنبؤ زمن جائحة كورونا: تأملاتٌ من علم التعقّد." تحليل سياسات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2020/6/22 في https://bit.ly/2Z4qAgv:. ____.___ "نظرية التعقد في العلاقات الدولية: النظام الدولي كنظام المستقبل العربي. السنة معقد وشواشي السلوك." 42، العدد 484 (حزيران/ يونيو.)2019 ____.___ "نظرية التعقد والنقاش النظري الخامس في حقل العلاقات الدولية: مراجعة للأدبيات." المجلة الجزائرية للأمن والتنمية. العدد 7 (كانون الثاني/ يناير.)2018 _______. مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 خيّ، شهرزاد. "الاقتصاد السياسي الدولي وجائحة كورونا: تأملات نظرية سياسات عربية. العدد ومساءلات مبكرة." 50 (أيار/ مايو.)2021
دان، تيم، وميليا كوركي وستيف سميث (محررون.) نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع. ترجمة ديما الخضرا. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 كاييه، آلان وستيفان دوفوا (إشراف.) التحول العولمي للعلوم لاجتماعية. ترجمة جان ماجد جبور. ب وررت: مؤسسة الفكر العربي،.2017 موده، كاس وكريستوبل روف ارر كالتواسر. مقدمة مختصرة في الشعبوية. ترجمة سعيد بكار ومحمد بكار. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020
الأجنبية
Adam, Taghreed. "Advancing the Application of Systems Thinking in Health." Health Research Policy Systems. vol. 12, no. 50 (2014). Afsahi, Afsoun. et al. "Special Issue: Democracy in the Time of COVID-19." Democratic Theory. vol. 7, no. 2 (2020). Angelia, Federica & Andrea Montefusco. "Sensemaking and Learning During the Covid-19 Pandemic: A Complex Adaptive Systems Perspective on Policy Decision-Making." World Development. no. 136 (December 2020). Anyanwu, Raymond N. "Looking through the Lens of Complexity Theory: An Evaluation of Climate Change and Coronavirus 2019 Outbreak." Asian Journal of Interdisciplinary Research. vol. 3, no. 2 (May 2020). Basrur, Rajesh & Frederick Kliem. "Covid‑19 and International Cooperation: IR Paradigms at Odds." SN Social Science. vol. 1, no. 1 (2021). Bradleya, Declan Terence et al. "A Systems Approach to Preventing and Responding to COVID-19." EClinilcal Medicine. vol. 21 (April 2020). at: https://bit.ly/2Z7zKJf Bratianu, Constantin. "Toward Understanding the Complexity of the COVID-19 Crisis." Management & Marketing. vol. 15, no. S1 (October 2020). Carey, Gemma et al. "Systems Science and Systems Thinking for Public Health." BMJ Open. vol. 5 (2015). Cilliers, Paul. Complexity and Postmodernism: York: New Systems. Complex Understanding Routledge, 1998. Cox, Robert. "Social Forces, States and World Orders: Beyond International Relations Theory." Millennium: Journal of International Studies. vol. 10, no. 1 (1981). Davies, Sara E. & Clare Wenham. "Why the COVID-19 Response Needs International Relations." International Affairs. vol. 96, no. 5 (September 2020). Deyermond, Ruth. "Eppur si muove: Realism in the Age of Pandemic." New Perspective. vol. 28, no. 4 (2020). Dinnen, Mark J. "The Pandemic Threat: Re-establishing the Utility of Hans Morgenthau's Classical Realism for 21 st Century International Relations." PhD. Dissertation. Department of International Relations. Faculty of Humanities and Social Sciences. Bond University. Queensland, 2011. at: https://bit.ly/3jwE8dR Dixit, Rekha. "India Leads Regional Response to Coronavirus Pandemic." The Week Magazine. 15/3/2020. at: https://bit.ly/2JQoUiY Drezner, Daniel W. "The Song Remains the Same: International Relations after COVID-19." International Organization. vol. 74, no. S1 (December 2020). at: https://bit.ly/3A5ries El-Sayed, A.M. & S. Galea. Systems Science and Population Health. Oxford: Oxford University Press, 2017. Gonella, Francesco. et al. "Addressing COVID-19 Communication and Management by a Systems Thinking Approach." Frontiers in Communication. vol. 5 (July 2020). Grimes, Peter E. "Evolution and World-Systems." Journal of World-System Research. vol. 23, no. 2 (2017). Gvosdev, Nikolas. "Why the Pandemic Has Revived Hard-Nosed Realism." World Politics Review. 8/9/2020. at: https://bit.ly/3p9S92y
Hale, Thomas et al., "Variation in Government Responses to COVID-19." BSG Working Paper Series. no. 32 University of Oxford (May 2020). at: https://bit.ly/2NhQ0V0 Haley, David, Alberto Paucar-Caceres & Sandro Schlindwein. "A Critical Inquiry into the Value of Systems Thinking in the Time of COVID-19 Crisis." Systems. vol. 9, no. 1 (2021) Hamilton, Clive. "Silencing the Scientists: The Rise of Right-Wing Populism." Our World. 2/3/2011. at: https://bit.ly/2N0fEOr Hassan, Imad et al. "A Systems Thinking Approach for Responding to the COVID-19 Pandemic." Eastern Mediterranean Health. vol. 26, no. 8 (2020). Ibn-Mohammeda, T. et al. "A Critical Analysis of the Impacts of COVID-19 on the Global Economy and Ecosystems and Opportunities for Circular Economy Strategies." Resources, Conservation & Recycling. vol. 164 (January 2021). International Organization. vol. 74, no. S1 (December 2020). at: https://bit.ly/3wDUqqA Jackson, Michael C. "How We Understand 'Complexity' Makes a Difference: Lessons from Critical Systems Thinking and the Covid-19 Pandemic in the UK." Systems. vol. 8, no. 4 (November 2020). Jaworsky, Bernadette Nadya & Runya Qiaoan, "The Politics of Blaming: The Narrative Battle between China and the US over COVID-19." Journal of Chinese Political Science. vol. 25, no. 4 (2020). Jesus, Tiago S., Michel D. Landry & Karen Jacobs. "A 'New Normal' Following COVID-19 and the Economic Crisis: Using Systems Thinking to Identify Challenges and Opportunities." Work. vol. 67 (2020). Joffe, M. et al. "Causal Diagrams in Systems Epidemiology." Emerging Themes in Epidemiology. vol. 9, no. 1 (2012). Kavalski, Emilian. "The Fifth Debate and the Emergence of Complex International Relations Theory." Cambridge Review of International Affairs. vol. 20, no. 03 (2007). ________. "The Complexity of Global Security Governance: An Analytical Overview." Global Society. vol. 22, no. 4 (2008). ________ (ed.). World Politics at the Edge of Chaos. New York: State University of New York Press, 2015. Kissane, Dylan. "Moving Beyond Anarchy: A Complex Alternative to a Realist Assumption." PhD. Dissertation. School of International Studies. University of South Australia. Australia, 2009. Klement, Rainer Johannes. "Systems Thinking about SARS-CoV-2." Frontiers in Communication. vol. 5 (October 2020). Kluge, Hans et al. "Strengthening Global Health Security by Embedding the International Health Regulations Requirements into National Health Systems." BMJ Global Health. vol. 3 (2018). at: https://bit.ly/36whAEL Krauth, Stefanie J. et al. "A Call for Systems Epidemiology to Tackle the Complexity of Schistosomiasis, Its Control, and Its Elimination." Tropical Medicine and Infectious Disease. vol. 4, no. 1 (March 2019). Lund, Eiliv & Vanessa Dumeaux. "Systems Epidemiology in Cancer." Cancer Epidemiology and Prevention Biomarkers. vol. 17, no. 11 (November 2008). Mangiarotti, S. et al. "Chaos Theory Applied to the Outbreak of COVID-19: An Ancillary Approach to Decision-Making in Pandemic Context." Epidemiology and Infection. vol. 148 (May 2020). McIntosh, Chris. "Writing Quantum Entanglement into International Relations." Millennium: Journal of International Studies. vol. 49, no. 1 (2020). Mede, Niels G. "'The People Have Enough of Experts!' How to Understand Populist Challenges
to Science." Public Understanding of Science Blog: Science & society/ Communication. 10/6/2020. at: https://bit.ly/3pe9tDz Morin, Edgar. On Complexity. Robin Postel (trans.). Cresskill, NJ: Hampton Press, Inc., 2008. Murphy, Michael P.A. "Forum on Laura Zanotti, Ontological Entanglements, Agency, and Ethics in International Relations: Exploring the Crossroads (Routledge, 2019)." Millennium: Journal of International Studies. vol. 49, no. 1 (2020). Entangled Post-critique: "Quantising Ontologies and Critical International Relations." Millennium: Journal of International Studies. vol. 49, no. 1 (2020). Newell, B. et al. "Seeing Obesity as a Systems Problem." New South Wales Public Health Bulletin. vol. 18, no. 11-12 (November 2008). Nugroho, Ganjar. "Constructivism and International Relations Theories." Global & Strategies. vol. 2, no. 1 (January 2008). Pan, Chengxin. "Enfolding wholes in Parts: Quantum holography and International Relations." European Journal of International Relations. vol. 26, no. S1 (2020). Paul, Elisabeth, Garrett W. Brown & Valery Ridde. "COVID-19: Time for Paradigm Shift in the Nexus Between Local, National and Global Health." BMJ Global Health. vol. 5 (2020). Pearce, Neil & Franco Merletti. "Complexity, Simplicity, and Epidemiology." International Journal of Epidemiology. vol. 35, no. 3 (June 2006). Postavaru, Octavian, S.R. Anton & Antonela Toma. "COVID-19 Pandemic and Chaos Theory." Mathematics and Computers in Simulation. vol. 181 (March 2021). Price-Smith, Andrew T. Contagion and Chaos: Disease, Ecology, and National Security in the Era of Globalization. Cambridge, MA/ London: The MIT Press, 2009. Prügl, Elisabeth. "The Gender Thing: Apparatuses and Intra-Agential Ethos." Millennium: Journal of International Studies. vol. 49, no. 1 (2020). Ramos, Gabriela & William Hynes. "A Systemic Resilience Approach to Dealing with Covid-19 and Future Shocks." New Approaches to Economic Challenges (NAEC). OECD. 28/4/2020. at: https://bit.ly/2N8OYKX Rausch, Thomas. "What if the Covid19 World is what States Make of it?" Bertelsmann Stiftung. 16/4/2020, at: https://bit.ly/2MKhYZZ Rosenau, James. "Patterned Chaos in Global Life." International Political Science Review. vol. 9, no. 4 (1988). Rosenau, James. Distant proximities: Dynamics Beyond Globalization. Princeton: Princeton University Press, 2003. Sjoberg, Laura. "Quantum Ambivalence." Millennium: Journal of International Studies. vol. 49, no. 1 (2020). Stengel, Frank A., David B. MacDonald & Dirk Nabers (eds.). Populism and World Politics. Cham, Switzerland: Palgrave Macmillan, 2019. Sturmberg, J.P. The Value of Systems and Complexity Sciences for Healthcare. Berlin: Springer Publishing, 2016. Sturmberg, Joachim P. & Carmel M. Martin. "Covid-19: How a Pandemic Reveals that Everything is Connected to Everything Else." Journal of Evaluation in Clinical Practice. vol. 26, no. 5 (2020). Wallerstein, Immanuel. After Liberalism. New York: The New Press, 1995. ________. World-Systems Analysis: Introduction. 4 th ed. North Carolina: Duke University Press, 2004.
Walt, Stephen M. "The Realist's Guide to the Coronavirus outbreak." Foreign Policy. 9/3/2020, at: https://bit.ly/2Z0JQeC Wang, Fengbin & Xue Zhang. "Microstructures and Dynamic Processes within the Five-Phase System: Regarding COVID-19 as a Complex System." Frontiers of Business Research in China. vol. 14, no. 20 (September 2020). Wendt, Alexander. "Anarchy is What States Make of it: The Social Construction of World Politics." International Organization. vol. 46, no. 1 (1992). Yıldız-Alanbay, Sengül. "The Matter of Affect in the Quantum Universe." Millennium: Journal of International Studies. vol. 49, no. 1 (2020). Zanotti, Laura. "A Response to the Millennium Forum." Millennium: Journal of International Studies. vol. 49, no. 1 (2020). Zanotti, Laura. Ontological Entanglements, Agency, and Ethics in International Relations: Exploring the Crossroads. London: Routledge, 2018. Zheng, Hua & Aldo Bonasera. "Chaos, percolation and the Coronavirus Spread." Frontiers in Physics. vol. 135 (April 2020).