الأمراض والفوضى المعولمة: مقاربات نظرية للصحة العالمية ***
الملخّص
تزايد بروز مكانة الصحة العامة في السياسة العالمية بسبب الأوبئة، مثل فيروس نقص المناعة المكتسبة "الإيدز"، وحدّة التوترات بين الصحة العامة والتجارة الدولية، بما في ذلك التوترات المتعلقة ببراءات الاختراع وإمكانية الحصول على الأدوية الأساسية. وتثير الدعوة إلى وضع الصحة العامة على الأجندات الدبلوماسية أسئلة نظرية جوهرية حول الصحة العامة: لماذا ينبغي أن تتصدّر الصحة العامة الأجندات الدبلوماسية العالمية؟ وكيف ينبغي ضبط المساعي الهادفة إلى بلوغ صحة عامة أفضل وتنفيذها على صعيد عالمي؟ تبحث هذه الدراسة عن إجاباتٍ لهذه الأسئلة التي طرحتها النظرية التقليدية بشأن الصحة العامة، وتحلل المشكلات التي يفرضها السياق الفوضوي للعلاقات الدولية على مثل هذه الإجابات. ويستعين جزء كبير من هذا التحليل بنظريات من حقل العلاقات الدولية، الواقعية والمؤسسية والليبرالية والبنائية الاجتماعية، لإلقاء الضوء على تحديات نظرية تواجه الدعوة إلى دعم قضايا الصحة العالمية من أجل إضفاء أهمية أكبر على الصحة العامة في السياسة العالمية. وتساعد هذه النظريات في تحديد المُ عضلة النظرية التي تواجه حقل الصحة العامة، وتنظ ر هذه الدراسة في سُ بل شت ى للتعامل مع هذه المعضلة في ظل الرغبة في تعزيز الدور الذي تؤديه الصحة العامة في العلاقات الدولية. كلمات مفتاحية: الصحة العالمية، نظرية العلاقات الدولية، الفوضى، الصحة العامة، الحوكمة، العولمة.
Keywords: Global Health, International Relations Theory, Anarchy, Public Health, Governance, Globalization.
Disease and Globalized Anarchy: Theoretical Perspectives on the Pursuit of Global Health
The visibility of public health in world politics has increased due to epidemics such as HIV/AIDS, and tensions between public health and international trade, including those related to patents and access to essential medicines. Advocacy for raising the profile of public health on diplomatic agendas raises fundamental theoretical questions about public health: why should public health be higher on global diplomatic agendas? How should the pursuit of better public health globally be structured and implemented? This article explores answers to these questions provided by traditional theory on public health and analyzes the problems the anarchical context of international relations poses for such answers. A major part of this analysis utilizes theories from the discipline of international relations – using realism, institutionalism, liberalism, and social constructivism to illuminate theoretical challenges global health advocacy faces in making public health more important in world politics. These theories help identify a theoretical conundrum faced by public health, and the article considers various ways in which to handle this in light of the desire to increase the role public health plays in international relations.
مقدمة1
على مرّ التاريخ، لم تكن الصحة العامة جزءًا من "السياسة العليا" في العلاقات الدولية. ومع أن الصحة العامة انطوت على التعاون الدولي2، فإنها في الأساس لم تشكّل في السياسة الخارجية سوى انشغال ثانوي. لقد ظلت بعيدةً عن الأضواء، على الرغم من إنجازات القرن العشرين؛ مثل زيادة متوسط العمر المتوقع3، والقضاء على مرض الجدري. ويسعى الاهتمام الناشئ ب "الصحة العالمية" إلى تعزيز أهمية الصحة العامة في السياسة العالمية4. وقد باتت الصحة العامة أشد وضوحًا في "السياسة العليا" لحقل الدبلوماسية بسبب الأوبئة؛ مثل فيروس نقص المناعة المكتسبة "الإيدز"، وحدّة التوترات بين الصحة العامة والتجارة الدولية، بما في ذلك تلك المتعلقة ببراءات الاختراع وإمكانية الحصول على الأدوية. أمّا بالنسبة إلى أنصار الصحة العالمية، فإن وضوح هذه الأهمية المتزايدة لا يزال غير وافٍ وهشًّا؛ ما يتطلّب ترسيخ مكانة صحة السكان وتعزيزها في السياسة العالمية. تثير الدعوة إلى إيلاء مزيد من الاهتمام السياسي بالصحة العامة سؤالين نظرييّن أساسييّن: 1. لماذا ينبغي أن تكون الصحة العامة في صدارة الأجندات الدبلوماسية العالمية؟ 2. كيف ينبغي ضبط المساعي الهادفة إلى تحسين الصحة العامة عالميًّا؟ تستكشف الدراسة هذه الأسئلة عبر تحليل الدعوة إلى النهوض بالصحة العامة في العلاقات الدولية من خلال النظريات التي جرى تطويرها في حقل العلاقات الدولية.
أولا: نظرية الصحة العامة
إن استكشاف الأسباب التي جعلت الصحة العامة تحظى بأهمية أكبر في السياسة العالمية وكيفيته يبدأ بفحص الأجوبة التي تقدمها نظرية الصحة العامة عن سؤالين هما: لماذا تُعتبر الصحة العامة هدفًا سياسيًا في المجتمع؟ وكيف ينبغي تنظيم المجتمع في سبيل تحقيق ذلك الهدف؟ وفي حين أن التنوع هو ما يميز نظرية الصحة العامة من أسباب سعي المجتمعات لتحقيق الصحة العامة، فإن ثمة توافقًا في الآراء بشأن كيفية ضبط المجتمعات وتنفيذها سياسات الصحة العامة. غالبًا ما تغفل محاولات تعريف مفهوم الصحة العامة عن سؤال لماذا تُعَدُّ الصحة العامة مهمة. فمثلً، يُعرّف معهد الطب الصحة العامة بأنها "ما نقوم به جماعيًا، بوصفنا مجتمعًا، لتأمين الظروف التي يمكن أن يعيش فيها البشر بصحة جيدة." ويفترض هذا التعريف أن صحة السكان هدفٌ يفسر نفسه بنفسه. كما يشير إلى أهمية الحد من الوفيات وتحسين جودة الحياة5، ولكنه لا يبحث في أسباب أهمية الحد من الوفيات وتحسين جودة الحياة. وقد حاجّ إيفانز قائلً إنه "على الرغم من تأكيد النقاشات الدائرة حول الصحة مرارًا أن الصحة الجيدة لا يمكن تحقيقها إلا ضمن إطارٍ من التنظيم الاجتماعي، فإن هذه الملاحظة لطالما افتقرت إلى أيّ أساس يبرّر اهتمامًا أكبر بالصحة"6. ثمة أساسان منطقيان نظريان يبرران أهمية الصحة العامة، لكن على نحو مختلف. الأساس المنطقي الأول هو النفعية. وهي ترى في الصحة العامة أداةً لإنتاج منفعة اجتماعية كلية. وقد تجلّت النفعية على مر التاريخ في أشكال عديدة: شكّلت صحة السكان عاملً في: 1. الحسابات الميركنتيلية لقوة الدولة7؛ 2. المخاوف حيال صحة العمالة الاستراتيجية (مثل عمال المناجم والجنود)8؛ 3. المخاوف من أن تشكّل الأمراض المنتشرة في صفوف الفقراء تهديدًا للنظام الداخلي9؛ 4. المساعي البنثامية [نسبة إلى بنثام] لتحقيق أعظم منفعة ممكنة لأكبر عدد ممكن من السكان10؛ 5. الحجج القائلة إن الصحة تُنتِج بدورها الثروة والرخاء11؛ 6. المزاعم التي تؤكد أن الصحة العامة
عاملٌ أساسي في تحقيق التنمية الاقتصادية12. وبحسب المنطق النفعي، فإن تحسين الصحة العامة يخدم الأهداف الاجتماعية الكلية؛ مثل زيادة قوة الدولة، أو التقليل من حدة الاضطراب الاجتماعي. ومن ثم، فإن الصحة العامة ما هي إلا وسيلة، وليست غاية في حد ذاتها، كما أنها تستمد مبرراتها من الأهداف التي تساعد في تحقيقها. أما الأساس المنطقي الثاني، فيأتي من الفكر الديونطولوجي الذي يرى أن الصحة العامة ضرورية لضمان حق الفرد في الصحة. ولوجهة النظر هذه أصل تاريخي عريق، حيث برزت حين أدرج الثوار الفرنسيون الصحة ضمن حقوق الإنسان13. وقد تضمّن هذا المفهوم الأصلي للحق في الصحة "حقًّا مدنيًّا في المساواة بموجب قانون الحماية من الأمراض"14. ولاحقًا، صار الحق في الصحة أوسع نطاقًا، مثلما يتضح من بيان منظمة الصحة العالمية15؛ إذ جاء فيه أن "الحصول على أعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة هو أحد الحقوق الأساسية لكل إنسان." ومراعاةً للحق في الصحة، ينبغي للمجتمعات السعي لتحقيق الصحة العامة، لأن صحة الفرد وصحة مجموع السكان ترتبطان ارتباطًا وثيقًا. ولا يزال دور الصحة العامة ذا طبيعة نفعية، لأن المجتمعات تسعى لتعزيزها من أجل حماية الحقوق. ومع ذلك، فإن الغاية ليست منفعةًاجتماعية كلية، لكنها حمايةٌ للحقوق الفردية. إن المنظور الديونطولوجي يجعل من الصحة العامة مسألة مركزية لاحترام الكرامة الإنسانية. يكشف تاريخ الصحة العامة عن غياب توافق واسع حول أسباب أهمية الصحة العامة. ولا يعني غياب مثل هذا التوافق بالضرورة أنّ له آثارًا مدمرةً في مجتمعٍ ما؛ وذلك لأن المقاربات القائمة على المنفعة والحقوق تدعم الصحة العامة بوصفها هدفًا اجتماعيًا. وربما يساعد هذا التقارب حول أهمية الصحة العامة في تفسير سبب تجاهل نظرية الصحة العامة في كثير من الأحيان مسألةَ السبب الكامن خلف ضرورة تعزيز الصحة العامة. ومن جهةٍ أخرى، تُظهِر نظرية الصحة العامة إجماعًا بشأن سبل السعي لتحقيق الصحة العامة؛ حيث تقع على عاتق الحكومات المسؤولية الأساسية عن صحة السكان. ويَعتبِ الخبراء الصحةَ العامة "سلعةً عامة"، وموردًا أو خدمةً لا يجري إنتاجها على نحو كافٍ إلا بتدخّل الحكومة16. وفي المقابل، يفتقر الأفراد إلى الموارد اللازمة للتمويل، وإلى السلطة الضرورية لضبط الصحة العامة وتنظيمها. وعلى نحو مماثل، لا تتيح "السوق" للمؤسسات الخاصة حوافز أو صلاحياتٍ لتوفير السلع العامة. وتعكس تواريخ الصحة العامة أسبقية دور الحكومات، لأنها تتبع السياسات الحكومية17. ومن الناحية النظرية، تُعَدُّ الحكومة عاملً مركزيًا في كيفية سعي المجتمعات لتحقيق الصحة العامة وتعزيزها18. ولا تعني هذه النظرية أن الحكومة توفّر جميع عناصر نظام الصحة العامة، لكنها تؤكد أن مسؤوليات الحكومة تجاه صحة السكان حاسمة وشاملة ومتواصلة. تستند نظريات الصحة العامة المذكورة آنفًا إلى إطار دولة واحدة، ولا تحلل الصحة العامة بعيدًا عن الدولة منفردةً. ومع ذلك، فإن الدعوة إلى الصحة العالمية إنما تفكّر في الصحة العامة باعتبارها هدفًا لا يمكن قصره على دولة واحدة بمعزل عن بقية الدول. وتدفع هذه الدعوة نظرية الصحة العامة إلى مواجهة المعضلة النظرية الرئيسة التي تواجهها السياسة خارج نطاق الدول ذات السيادة؛ مشكلة الفوضى.
ثانيًا: مشكلة الفوضى ونظرية الصحة العامة
تفترض نظرية الصحة العامة أن سبب امتلاك المجتمعات لحكوماتٍ هو تنظيم العلاقات الاجتماعية وإنشاء سلطات سياسية عليا. وهي ترتكز على مبدأ مفاده أن الحكم داخل الدولة يتسم ببنية هرمية19. ورغم ذلك، فمن شأن العلاقات بين دولتين أو أكثر أن تنشأ في ظل الفوضى حيث الدولُ ذات السيادة لا تعترف بسلطةٍ سياسيةٍ عليا20. وتجري السياسة الدولية في بيئة فوضوية مختلفة تمامًا عن السياق السياسي الذي تتناوله عادةً نظرية الصحة العامة. وبعيدًا عن الدولة،
تجابه الصحة العامة مشكلة الفوضى وما تخلقه من مصاعب للسعي خلف أهدافٍ اجتماعية. لطالما أدرج حقلُ العلاقات الدولية الصحةَ العامةَ باعتبارها قضية من قضاياه البحثية، ويمكن استشفاف نماذج مختلفة للصحة العامة بعيدًا عن الدولة، مثل النموذج الإمبريالي والدولي والعالمي. ويمثل النموذج الإمبريالي جهود الصحة العامة التي بذلتها القوى الإمبريالية في الأقاليم الخاضعة لسيطرتها Domains. أما النموذج الدولي فانطوي على الدول ذات السيادة التي تتعاون بشأن الصحة العامة تعاونًا مباشرًا، أو عبر المنظمات الدولية ما بين الحكومية. في حين يشدد النموذج العالمي على أن الصحة العامة بعيدةً عن الدولة تنطوي على مشاركة الفاعلين غير الحكوميين، مثل الشركات المتعددة الجنسيات والمنظمات غير الحكومية. ومع ذلك، كثيرًا ما يغلب على الخطاب بشأن الجوانب الدولية للصحة العامة الطابع الوصفي، إضافة إلى افتقاره إلى التحليل النظري للكيفية التي تؤثر بها مشكلة الفوضى في مساعي تحقيق الصحة العامة. يستكشف هذا الجزء الكيفية التي تثير بها بيئةُ الفوضوية، التي تجري فيها السياسة بين الدول، مشكلات بالنسبة إلى نظرية الصحة العامة؛ إذ تعقّد مشكلةُ الفوضى الجهودَ الهادفةَ إلى: 1. التوصل إلى اتفاق بشأن الأسباب التي تجعل الصحة العامة مسألة مهمة؛ 2. إنتاج الصحة العامة باعتبارها "سلعة عامة." كما هو مبيّ من قبلُ، لا يوجد إجماع حول الأسباب التي تستقي منها الصحة العامة أهميتها، وهو ما يعكس الخلاف القائم؛ ليس داخل الدولة الواحدة فحسب، بل فيما بين الدول أيضًا. فداخل الدول، يتخلل الخلاف حول الأغراض الأساسية للصحة العامة عملية حكم هرمية تحدد بدورها سياسات الصحة العامة. أما ما بين الدول، فتُفاقم مشكلة الفوضى الخلاف بشأن الصحة العامة، لأن السلطة السياسية تتّسم باللامركزية. ويتطلب التعاون في ظل الفوضى وجود مصالح مشتركة، والتي يصعب بناؤها حين لا يكون ثمة توافق في الآراء بشأن الأسباب التي تجعل الصحة العامة مهمة. ولم تُبدِ نظرية الصحة العامة اهتمامًا كبيرًا بمسألة الفوضى والكيفية التي تجعل بها الوصول إلى توافق في الآراء بشأن أغراض الصحة العامة مسألةً معقدة جدًّا. وحتى حين يكون ثمة تقارب في رؤى دولتين بشأن الصحة العامة، فإن الفوضى تعقّد قدرتهما على التعاون؛ ما يُفضي إلى وضعٍ يمكن أن تغلب فيه سياسة التفاعل الفوضوي على القيم المشتركة بين الدولتين. تصف نظرية الصحةِ العامةِ الصحةَ العامةَ بأنها "سلعة عامة" يجري إنتاجها أساسًا من خلال السلطة الحكومية والحكم الهرمي. ويعني هذا المنظور، من الناحية المنطقية، أن إنتاج الصحة العامة بعيدًا عن الدولة هو عملية ما بين حكومية Intergovernmental. ويتبنى هذا الموقف نموذج الصحة العامة الدولية المذكور سابقًا. ومع أن نظرية الصحة العامة تجسّد النزعة ما بين الحكومية، فإن خبراء الصحة العامة لم يعيروا التعاون الدولي في ظل الفوضى اهتمامًا نظريًا كافيًا. وكما سيتبين لاحقًا، يتحدى الاهتمام المتنامي ب "الصحة العالمية" الافتراضاتِ الحكومية/ ما بين الحكومية التي تقوم عليها نظرية الصحة العامة. إن عدم اهتمام الصحة العامة بمشكلة الفوضى يولّد بدوره الحاجة إلى استكمالها بأطرٍ مفهومية تركز على هذه المشكلة، ويمكن العثور على مثل هذه الأطر في حقل العلاقات الدولية.
ثًالث ا: مشكلة الفوضى، والصحة العامة، ونظرية العلاقات الدولية
1. تقاليد من الإهمال المتبادل
يجمع بين حقلي الصحة العامة والعلاقات الدولية تاريخٌ مشتركٌ من الإهمال المتبادل. وعلى الرغم من أن العديد من مشكلات الصحة العامة تتطلب اتخاذ إجراءات خارج نطاق الدولة، فإنّ خبراء الصحة العامة ودارسيها لم يستندوا، في الغالب، إلى مفاهيم العلاقات الدولية لتقييم التحدي الذي تفرضه مشكلة الفوضى. وعلى النحو نفسه، وعلى الرغم من التاريخ الدولي الطويل الذي تحظى به الصحة العامة، تجاهل دارسو العلاقات الدولية مسألة الصحة العامة على نطاق واسع21. وتتحدى الدعوة إلى الصحة العالمية هذا الإهمال المتبادل، وتدفع بضرورة التفكير في الصحة العامة: 1. بعيدًا عن إطار النظرية التقليدية للصحة العامة؛ 2. باعتبارها موضوعًا مهمًّ في التحليل النظري للسياسة العالمية. وخلافًا لنظرية الصحة العامة، تركز نظرية العلاقات الدولية على مشكلة الفوضى. ويقوم هذا الجزء من الدراسة بتحليل أربع نظريات رائدة في حقل العلاقات الدولية (الواقعية، والمؤسساتية، والليبرالية، والبنائية)، وأفكارها المتعلقة بمشكلة الفوضى، وكيفية ارتباط تلك النظريات بالصحة العامة. وفي حين أن الصحة العامة لم ترد كثيرًا في هذه النظريات - هذا إن وردت أصل - فإنها كلّها تقدّم إطارًا لتحليل الأسباب التي تُضفي على الصحة العامة أهمية في السياسة العالمية، والكيفية التي ينبغي من خلالها أن يصير الفعل الجماعي المرتبط بالصحة العامة أفضل في ظلّ الفوضى.
2. موقف الواقعية من الفوضى والصحة العامة
أ. موقف الواقعية من الفوضى
تهيمن الواقعية على حقل نظريات العلاقات الدولية22. وهي تتخذ أشكالً مختلفة؛ بدءًا بالواقعية الكلاسيكية23، وصولً إلى الواقعية البنيوية24. وعلى الرغم من اتسامها ببعض التنوع، فإن الواقعية تفسر تأثير الفوضى في سلوك الدولة باستخدام مجموعة من الافتراضات الأساسية. وتفترض الواقعية أن الفوضى تفرض ديناميات سياسية معينة على الفاعلين المهيمنين؛ أي الدول. وتشمل هذه الديناميات التنافس على السلطة/ القوة والنفوذ والأمن والبقاء25. وفي خضمّ هذا السياق الذي تسوده حالة من الفوضى والتنافس والخطر المحدق وانعدام الآمن، تركّز الدول على القدرات المادية في علاقاتها بالدول الأخرى؛ مثل القوة العسكرية والاقتصادية26. ويفضي التنافس على القدرات المادية، في ظل الفوضى، إلى حالة من اللايقين والخوف وانعدام الثقة؛ ما يحدّ من قدرات الدول على التعاون، فيظل احتمال نشوب النزاع واستخدام العنف واردًا دائمًا27. لذلك، فإنّ الواقعية نظرية قاتمة ومتشائمة حين يتعلّق الأمر بالسياسة الدولية28. إن المبدأ المُوجِّه لسياسة الدولة الخارجية، من منظور الواقعية، هو القوة التي تحددها قدراتها المادية29. وكما يرى مورغنثاو، فإن "رجال الدولة يفكرون ويتصرفون بناءً على المصالح المُعرَّفة بالقوة"30. ولحسابات القوة بُعدان اثنان؛ إذ تبحث الدول عن. 1 فرص لزيادة قوتها المادية مقابل الدول الأخرى المنافسة لها؛ 2. عن التهديدات التي قد تشكلها الدول الأخرى لقوتها ومصالحها وأمنها وبقائها. أما العنصر الأهم في القوة المادية فهو القوة العسكرية، ومع ذلك تدرك الدول مدى أهمية القوة الاقتصادية إضافة إلى أنواعٍ أخرى من القدرات المادية31. تفترض الواقعية أن ديناميات السياسة الخارجية هذه موجودة بسبب البنية الفوضوية للسياسة الفوضوي، وهي تسري على الأنظمة الديمقراطية والدكتاتورية على حد سواء. بحسب الواقعية، تدير القوى العظمى في السياسة الدولية الفوضى من خلال توازن القوة32. وترى الواقعية أن المنظمات الدولية لا تشكّل آلياتٍ للحوكمة، لأن نجاحها - أو فشلها - يعتمد على دعم القوى الكبرى أو معارضتها لها33. وعلى النحو نفسه، ترفض الواقعية اعتبار الفاعلين من غير الدول لاعبين مُهمِيّن، لأن بنية النظام الدولي تجعل من الدول الفواعل الوحيدة المهيمنة. كما تصرف الواقعية النظر عن العوامل الداخلية للدول، مثل نوع النظام السياسي، باعتبارها متغيرات سببية مستقلة في تفسير العلاقات الدولية34. وبهذا، تُعتبر نظرية الحوكمة الواقعية أفقيّةً، لأنها تركز حصرًا على العلاقات بين الدول.
ب. الواقعية والصحة العامة
تشير هذه اللمحة العامة إلى أن الصحة العامة والواقعية قلمّا تقاطعتا حتى حين يجري تحليلهما معًا، ويرفض المحللون الواقعية لمّا يتعلق الأمر بالتفكير في الصحة العامة35. ولم تكترث الصحة العامة كثيرًا بمشكلة الفوضى، غير أن هذه المشكلة، بالنسبة إلى الواقعية، تظل في حد ذاتها مسوغ القيام بالتنظير نفسه. وتاريخيًا، لم تنشغل الواقعية بالصحة العامة، لأن التهديدات الصحية لم تتجلَّ في شكل تهديدات مادية لأمن القوى العظمى وبقائها؛ مع أن بعض القضايا المتعلقة بالصحة العامة، مثل ضبط انتشار الأمراض المعدية عبر الحدود، تقع ضمن مسائل السياسة الخارجية، لكنها لم تمثّل أي انشغال من
انشغالات الأمن القومي36 الذي يشكّل محور تركيز الواقعية ومناط اهتمامها الرئيس. لا تندرج الصحة العامة ضمن الواقعية إلا إذا امتدت التهديدات المحدقة بصحة السكان إلى قوة الدول المادية وعرّضتها للخطر؛ ما يُفضي إلى إضعاف قدرتها على التنافس والمحافظة على بقائها في السياسة الدولية. فمثلً، تهدد الأسلحة البيولوجية قوة الدول العسكرية والاقتصادية. وتوضح الجهود الحالية في الولايات المتحدة الهادفة إلى تعزيز قدرة الصحة العامة الوطنية على التصدي للأسلحة البيولوجية أن في إمكان الواقعية إدراج الصحة العامة بوصفها جزءًا من قدرات الدول المادية37. وثمة طريقة أخرى يمكن الواقعية من خلالها حساب أهمية الصحة العامة، تتمثل في اعتبار تفشي الأمراض الوبائية مقوضًا لقوة الدولة الاقتصادية واستقرارها الاجتماعي. ويبين الدمار الاقتصادي والاجتماعي الذي خلّفه فيروس نقص المناعة المكتسبة في جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا مدى إمكانية إقحام تهديد معيّ للصحة العامة عالمَ الواقعية القاتم38.
3. موقف المؤسساتية من الفوضى والصحة العامة
أ. موقف المؤسساتية من الفوضى
النظرية الثانية الرائدة في حقل نظريات العلاقات الدولية هي المؤسساتية. وكما يشي به اسمها، تركز مقاربتها للفوضى على "المؤسسات"، وهي منظومات Regimes تتألف من مبادئ وقواعد ومسارات لصنع القرار (عادةً ما تتجسد في المنظمات الدولية) من شأنها أن تسهّل التعاون بين الدول39. ومن هذه الناحية، تختلف المؤسساتية عن الواقعية. ومن المفارقة أن المؤسساتية تصل إلى موقف نظري مختلف عن الواقعية مستخدمةًالافتراضات نفسها. فمثلها مثل الواقعية، تقرّ المؤسساتية بأن الفوضى تجعل من الدول الفواعل الأساسية وتجبرها على التصرف على نحو يخدم مصالحها الذاتية، كما أنها [أي الفوضى] تخلق بيئة مفعمة بانعدام الثقة؛ ما يقوّض التعاون بين الدول40. وتحاجّ المؤسساتية بأن بناء المنظومات قد يساعد الدول، في بعض الظروف، على التعاون من أجل تحقيق نتائج أفضل لا يمكن تحقيقها لو تصرفت فرادى من دون التنسيق فيما بينها41. وبحسب المؤسساتية، تعمل المنظومات على تسهيل التعاون بين الدول من خلال توفير المعلومات، وخفْض تكاليف تنسيق المعاملات فيما بينها، وإضفاء صدقيةٍ أكبر على التزامات الدول، كما أنها تُنشئ مسارات التنسيق. وعمومًا، تهيئ الظروف اللازمة لجعل المعاملة بالمثل سلوكًا مستدامًا42. وتعدّ شفافية المنظومات مسألة محوريةً بالنسبة إلى المؤسساتية، فالمؤسساتُ تزوّد الدولَ العقلانيةَ بمعلومات ومعارف أفضل مما تمتلكه كلٌّ منها على حدة؛ ما يساعدها على حساب فوائد التنسيق والتعاون وما تعود عليها من منافع ذاتية على نحو أكثر فاعلية. وتدّعي المؤسساتية أن المنظومات قادرة على "تلطيف حدة الفوضى بما يكفي للسماح بتعاونٍ طويل المدى بين الدول من أجل تحقيق مصالحها المشتركة"43. وعلى الرغم من أن مقاربة الحوكمة التي تتبناها المؤسساتية إزاء الفوضى متمركزةٌ حول الدولة وأفقيةٌّ تمامًا مثل الواقعية، فإن المؤسساتية تحاجّ بأن المنظومات تعمل بوصفها متغيرات مستقلة في التقليل من حدة الفوضى.
ب. المؤسساتية والصحة العامة
يعجّ تاريخ الصحة العامة بالمنظومات الدولية44؛ ما يجعل المؤسساتية وثيقة الصلة بصدام الصحة العامة مع مشكلة الفوضى. ولم يركز أخصائيو العلاقات الدولية، ممن يهتمون بتطبيقات المؤسساتية، كثيرًا على منظومات الصحة العامة، لكنّ عدد هذه الأنظمة وتنوعها يشيان بأهمية المؤسساتية في التفكير بشأن الصحة العامة بعيدًا عن الدولة. ويتسم تركيز المؤسساتية على الوظائف التي تقوم بها المنظومات في توفير المعلومات والمعارف بصلته الوثيقة بالصحة العامة، وهو ما اعتبره الخبراء مسعى تقنيًا أكثر من كونه سياسيًا. فعلى سبيل المثال، يؤكّد الباحثان شتلين وكوبر الدورَ الذي أدته المعرفة العلمية في تسهيل الاتفاقيات الدولية حول الأمراض
المعدية أواخر القرن التاسع عشر45. ومنذئذ، صارت المنظومات الدولية المرتبطة بالصحة العامة تحمل على عاتقها جمع المعلومات والمعارف والخبرات التقنية وتحليلها ونشرها. وتتضمن العديد من وظائف منظمة الصحة العالمية توفير الخدمات المتعلقة بالمعلومات/ المعارف وتعزيزها لفائدة الدول الأعضاء46. وتبرز أيضًا أهمية المؤسساتية في التأثير الذي تحدثه منظومات دولية أخرى – مثل – في الصحة العامةWTO منظمة التجارة العالمية47. ويوضح الجدل الدائر حول تأثير منظمة التجارة العالمية في الصحة العامة الارتباطَ النظري بين المؤسساتية والسعي للصحة العامة في ظل الفوضى. وتحاجّ المؤسساتية بأن تسهيل الاتصال مؤسساتيًا وتدفق المعلومات والتعاون التقني من شأنه كلّه أن يخفف من حدة تضارب المنظومات، مثلما يحدث مع التوتر بين التجارة والصحة العامة. وتقدّم المؤسساتية أيضًا إطارًا لفهم العمليات التي يؤثر فيها تشكُّل المنظومة وعملها سلبيًا في الصحة العامة داخل الدول.
4. موقف الليبرالية من الفوضى والصحة العامة
أ. موقف الليبرالية من الفوضى
نظرية العلاقات الدولية الأساسية الثالثة هي الليبرالية، وهي تختلف عن الواقعية والمؤسساتية. فبينما تقتسم الواقعية والمؤسساتية كثيرًا من الافتراضات بشأن الفوضى، تتبنى الليبرالية افتراضات مختلفة تميزها من النظريات الأخرى. وتعتقد الليبرالية أن الفاعلين الأساسيين في العلاقات الدولية هم الأفراد، والجماعات الخاصة، وليس الدول48. ويعني هذا الموقف أن الليبرالية لا تنظر إلى حوكمة الفوضى من منظور أفقي متمركز حول الدولة، بل من منظور عمودي متمركز حول الفاعلين من غير الدول49، حيث إن تفضيلات الفاعلين من غير الدول هي ما يحدد طبيعة العلاقات بين الدول50. الفوضى، بحسب الليبرالية، ليست عائقًا بنيويًا دائمًا؛ فالفاعلون غير الدول يشكّلون الفوضى وفقًا لتفضيلاتهم المحددة على الصعيد الداخلي، وليست الفوضى هي ما يشكّل سلوك الدول وعلاقاتها فيما بينها من منظور عقلاني ومادي ضيق. وكما يرى سلوتر، فإن الليبرالية "هي رؤية من الأسفل إلى الأعلى، لا من الأعلى إلى الأسفل"51. وفي حين تفصل الواقعية والمؤسساتية بين ما هو محلي وما هو دولي، تفترض الليبرالية أن السياقات السياسية والاجتماعية، الداخلية والدولية، التي أنشأها الفاعلون غير الحكوميين هي متغيرات حاسمة في فهم العلاقات الدولية. ومن منظور الليبرالية، ثمة مسألتان تهيمنان على السياق الداخلي: حماية الحقوق الفردية، ووجود حكومات ديمقراطية. وتنبع أهمية الحقوق المدنية والسياسية من افتراض النظرية الليبرالية أن سلوك الدولة في ظل الفوضى يحدده الأفراد والجماعات الخاصة52. ويشير عدم احترام الحقوق المدنية والسياسية في دولةٍ ما إلى كيفية قيام تلك الدولة بتحديد سياستها تجاه الدول الأخرى. إن تركيز الليبرالية على ما يحدث داخل الدول من شأنه تحويل السمة المجردة ل "الدولة"، الموجودة التي تقوم عليها تصورات الواقعية والمؤسساتية، إلى موضع اهتمام بالغ بشأن أنواع الحكومات وأنماطها في النظام الدولي. ويتصل هذا التركيز على العامل الداخلي بتأكيد الليبرالية أن "تشكيل تفضيلات الدول المرتبطة بعضها ببعض هو ما يحدد سلوك الدولة"53. وبحسب الليبرالية، يخلق الأفراد والجماعات الخاصة، مثل التجار والشركات، تفضيلات الدولة المرتبطة بالدول الأخرى، من خلال التجارة والتبادل التجاري. وترى الليبرالية أنه من الضروري تشجيع مثل هذا الترابط وتحفيزه، لأنه "كلما كانت الروابط التجارية العابرة للحدود الوطنية وبنى الإنتاج أشد تنوعًا وتعقُّدًا، كان الإكراه [من دولة ضد أخرى] أقل تكلفة"54. وأخ ا، تربط استراتيجية الليبرالية العمودية لحوكمة الفوضى بين الفرد وطبيعة الحكومة والترابط الدولي العابر للحدود، باعتبارها العناصر الأساسية لنظرية العلاقات الدولية.
ب. الليبرالية والصحة العامة
تحديد صلة الليبرالية بالصحة العامة مسألة غير هيّنة. وقد رفض أحد الباحثين الرأي القائل إن الليبرالية ذات صلة شبيهة بصلة
الواقعية بمشكلات الصحة العامة العالمية55. كما حاجَّ باحثٌ آخر بأن الليبرالية أكثر ملاءمة للتفكير في الخطر العالمي الذي تشكّله الأمراض المعدية، مقارنة بالواقعية56. وتثبت هذه المواقف المتباينة أن إقحام الصحة العامة ضمن الليبرالية أمرٌ معقدٌ جدًّا. إن تركيز الليبرالية على الحقوق الفردية لا يتضمن "الحق في الصحة" ضمن جملة الحقوق المدنية والسياسية57. كما أن اهتمامها بالديمقراطية لا يركز على الصحة العامة، حيث إن الديمقراطية عملية تهدف إلى تلبية العديد من الأهداف التي يحددها المحكومون. وعلاوة على ذلك، يعني وضعُ الفاعلين من غير الدول في قلب عملية تشكيل تفضيلات الدول أنّ الصحة العامة هي أساسًا في أيدي الأفراد والجماعات الخاصة، لا الحكومات. فالحكومات تعكس التفضيلات التي تشكّلها العمليات الداخلية وعبر الوطنية بين الفواعل الخاصة. وكما حاجّ معهد الطب بشأن الصحة العامة الأميركية، فقد "بات الناس يعتبرون نجاح الصحة العامة أمرًا مفروغًا منه"58. وتؤكد الليبرالية أن اعتبار الصحة العامة مسؤوليةً من مسؤوليات الحكومة، على الصعيدين الوطني والدولي، هو تفكيرٌ خاطئٌ وغير سليم. وتفسّ الليبرالية تدنّ مستوى الصحة العامة في البلدان غير الديمقراطية باعتباره انعكاسًا لانعدام احترام الحقوق المدنية والسياسية والحكم الديمقراطي واقتصاد السوق. وقد عبّ توماس جيفرسون عن هذا الرأي حين حاجَّ بأن "مجتمعات السكان المريضة هي نتاج نظم سياسية مريضة"59. ووفقًا لهذا الرأي، فإن ل "الحوكمة الجيدة"، من خلال التكيف البنيوي السياسي والاقتصادي، الأولويةَ على الصحة العامة، لأن استدامة هذه الأخيرة تتوقف على الأولى. وبناءً عليه، تصير الصحة العامة مشتقة من أجندات سياسية وفلسفية أوسع. أخيرًا، يجعل تركيزُ الليبرالية على الترابط العابر للحدود الصحةَ العامةَ مدعاةً للقلق حين تجتمع تهديدات الصحة العامة مع التهديدات المتعلقة بالتجارة في آنٍ واحد. وتتحدد الاستجابات المرتبطة بالحوكمة من خلال الكيفية التي يشكّل بها الأفراد والجماعات الخاصة تفضيلاتهم لمّا يتعلق الأمر بالجدل بين الصحة العامة والتجارة (أي تأثير المجموعات التجارية في مقابل تأثير مناصري الصحة العامة.) إن وجود عملية ديمقراطية لا يضمن أولوية الصحة العامة حين تصطدم التجارة بالصحة العامة (مثل سياسات التجارة الأميركية التي تعزز صادرات التبغ إلى البلدان النامية.)
5. موقف البنائية من الفوضى والصحة العامة
أ. موقف البنائية من الفوضى
تُعتبر البنائية نظريةَ العلاقات الدولية الأصعب من حيث وصفها وبناء صلة بينها وبين الصحة العامة. وتبدأ الصعوبات بالمحاجَّة القائلة إن البنائية ليست نظريةً، بل أنطولوجيا؛ أي إنها ليست إلا طريقة لرؤية العالم60. وعلى الرغم من هذا الانشغال، فإن البنائية بزغت باعتبارها نظريةً رائدة في حقل العلاقات الدولية61. وتمثّل المقاربة التي تتبنّاها البنائية إزاء الفوضى وجهةَ نظرٍ جديرةً بالاهتمام عند التفكير في أهمية الصحة العالمية. وكما يشي به اسم البنائية نفسها، فإن البناء الاجتماعي للأفكار هو جوهر هذه النظرية. وترفض البنائية الافتراضات العقلانية والمادية للواقعية والمؤسساتية، وتحاجّ بأن الأفكار والكيفية التي تُبنى بها اجتماعيًا هي أفضل ما يقدّم رؤية ثاقبة عن طبيعة عمل العلاقات الدولية. ووفقًا لوجهة النظر هذه، فإن الفوضى ليست واقعًا بنيويًا وماديًا دائمًا أو خارجيَّ المنشأ، مثلما تدّعي الواقعية والمؤسساتية، بل إنّ الفوضى هي "ما تصنعه منها الدول"، كما عبّ عنها فيندت62. وما "الفوضى" إلا مجرد فكرة، وليست بنيةً مادية، وهي مشكلة متعلقة بالأفكار وليست واقعًا موضوعيًا وثابتًا لا يتغير63. وتتميز الأفكار بأنها أكثر قابلية للتغيير من البُنى المادية؛ ما يعني أن البنائية تفتح أبواب الفضاء الفكري أمام الباحثين على عكس الواقعية والمؤسساتية اللتين تحرمانهم منه. ويركز البنائيون، مستلهمين علم الاجتماع، على العمليات البينذاتية التي يبني من خلالها الفاعلون معاني الأفكار، ويفككونها ويعيدون بناءها64. ويكمن مفتاح المعرفة في تفسير السُبل التي يقوم الفاعلون عبرها ببناء الأفكار اجتماعيًا، وهي [أي الأفكار المبنية اجتماعيًا] التي تحدد طبيعة علاقاتهم. ويحاجّ البنائيون
بأن العمليات الاجتماعية لا تعكس هويات الفاعلين ومصالحهم الثابتة، مثلما يفترض الواقعيون والمؤسساتيون، لكنها تشكّل هذه المصالح والهويات وتكوّنها65. تشبه البنائية تفاعلً حلَقيًا بين الفاعلين والبنى66. وبالنسبة إلى الفوضى، تُعتبَ الدول فواعل مهمة، بينما تشكّل الممارسات والمبادئ والقواعد والمؤسسات البنى الأساسية. ويؤكد البنائيون أن الفاعلين لا ينشئون البنى فحسب، بل إنّ البنى بدورها تشكّل مصالح الفاعلين وهوياتهم أيضًا. وكما حاجّ تشيكل، "بالنسبة إلى البنائيين، الفاعلون (الدول) والبنى (المعايير العالمية) في حالة تفاعل مستمر؛ كما تربطهما علاقة تشكيل متبادل، حيث يشكل أحدهما الآخر"67. ويقبل رواد البنائية، خصوصًا فيندت، بعض العناصر الأساسية في الواقعية والمؤسساتية، بما في ذلك الافتراض أن الدول وحدات تحليل مهمة، وأن النظام الدولي فوضوي البنية68. لكن البنائية، في المقابل، تختلف مع الواقعية والبنائية في تأكيدها أن تفاعل الدول في ظل الفوضى يمكنه تحويل الكيفية التي تنظر بها الدول إلى مصالحها وهوياتها؛ وهكذا، يمكنه في نهاية المطاف تحويل الكيفية التي تتفاعل الدول بها بعضها مع بعض في ظل الفوضى. ووفقًا لفيندت، تسمح البنائية لنا ب "التعامل مع الفعل الجماعي؛ ليس بوصفه مجرد مشكلة تتعلق بتغيير تكلفة التعاون بالنسبة إلى الفاعلين المهتمين بمصالحهم الذاتية، بل باعتباره عمليةً تنتهي إلى وضع تعريفات جديدة للذات"69. البنائية، خلاف الواقعية والمؤسساتية، ليست متمركزة بشدة حول الدولة، لكنها تشجع التحليلات التي تقحم الفاعلين من غير الدول في العمليات الاجتماعية التي تشكّل الفوضى. وتهتم البنائية بالكيفية التي يعكس بها سلوك الشركات المتعددة الجنسيات MNCs، والمنظمات غير الحكومية NGOs، التغير في الطرائق التي يبني بها الفاعلون (الدول وغير الدول على حد سواء) البنى السياسية والاقتصادية والقانونية والمعيارية في ظل الفوضى. ومن جهة أخرى، ترصد البنائية الدور الذي يؤديه الفاعلون غير الدول بوصفهم فاعلين Agents في التفاعل الحلقي بين البنى والفاعلين. ويؤدي الفاعلون غير الدول أدوارًا عديدة في بناء المعايير العالمية، تساعد في تشكيل الكيفية التي تؤثر بها هذه المعايير في مصالح الدول وهوياتها. وبالنسبة إلى البنائيين، فإن الفوضى هي ما تصنعه منها كلٌّ من الدول والفواعل غير الدول. ومثلها مثل الليبرالية، تتبنى البنائية مقاربة عموديةً، أكثر منها أفقية، لحوكمة الفوضى.
ب. البنائية والصحة العامة
مثلها مثل النظريات الأخرى، لم تُعِر البنائيةُ الصحةَ العامةَ اهتمامًا كافيًا. ومع ذلك، ففي وسعنا ملاحظة التطور التاريخي للصحة العامة في البنائية، وفي إمكاننا أيضًا استشفاف ما طرأ من تغيرات على الطرائق التي تبني بها المجتمعات الأفكار بشأن الصحة والصحة العامة، وطنيًا ودوليًا. وتلقى البنائية رواجًا لدى أنصار الصحة العالمية70، حيث إنها تتيح حيّزًا فكريًا جديدًا لإعادة تعريف الصحة العامة وإبرازها أكثر. وتتسق البنائية مع أولئك الذين يرون أن على الدول ألَّ تنظر إلى الصحة العامة من خلال العدسة الضيقة للواقعية أو المؤسساتية، وأن عليها ألا تُخضع نفسها لتأثير الليبرالية. وإضافة إلى ذلك، تتيح البنائية طريقة يمكن لفكرة الصحة العامة أن تُبنى بها وبطرائق شتى، كما تساعد في إعادة بناء مصالح الدول وهوياتها بطرائق تُعلي من شأن الصحة ومكانتها في السياسة العالمية. ومن الناحية التحليلية، قد توفر البنائية استبصارات تساعد في فهم الحيثيات والسبل التي تعاظمت في ظلها أهمية الصحة العامة في العلاقات الدولية خلال العقد المنصرم. وقد تكون البنائية واعدة أكثر (مقارنةً بنظريات أخرى) في شرح تطوراتٍ عديدة؛ مثل إعلان منظمة التجارة العالمية عن اتفاقية الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية والصحة العامة71، وانتشار الشراكات العالمية بين القطاعين العام والخاص في المجال الصحي72. ومع ذلك، تحمل البنائية في طيّاتها العديد من المشكلات بالنسبة إلى الدعوة إلى الصحة العالمية. وقد تعرضت البنائية للانتقاد ووُجِّهت إليها تُهم عديدة، بما في ذلك افتقارها إلى بيانات إمبريقية
تدعم مزاعمها73، وعجزها عن شرح "متى وكيف ولماذا يعدّ البناء الاجتماعي مهمً من الناحية السببية74. إضافة إلى ذلك، لا تقدم البنائية أي أفكار تشرح الأسباب التي تضفي على الصحة العامة أهمية أكبر في السياسة العالمية. وتتجاوز هذه المشكلة بعيدًا موضوع الصحة العامة؛ إذ تبدو البنائية، على عكس الليبرالية، خالية من المضمون المعياري، لأنها تهتم بالعمليات والكيفية التي تُبنى من خلالها الأفكارُ اجتماعيًا، لكنها لا تهتم بما إذا كانت الأفكار المبنية اجتماعيًا ذات طبيعة تقدّمية. وقد حاجّ فيندت بأن البنائية "لا تعزو أي اتجاهية Directionality أو غائية Teleology للعملية التاريخية75. ومع أن للبنائيين "مصلحة معيارية في النهوض بالتغيير الاجتماعي وتشجيعه"76، فإن البنائية لا تقدّم أي تصور لانتقاء الأفكار التي يجب بناؤها، وكيف ينبغي بناؤها. وكما يقول أحد الناقدين: "من غير الواضح كيف نستفيد من البنائية في صيغتها الحالية"77.
رابعًا: من الفوضى الدولية إلى الفوضى المعولمة: معضلة الصحة العامة
1. الفوضى الدولية والصحة العامة
تنقسم نظريات العلاقات الدولية الأربع إلى منظورين مختلفين: أحدهما يركز على "الفوضى الدولية"، والآخر على "الفوضى المعولمة." وتنظر الواقعية والمؤسساتية إلى الفوضى باعتبارها مشكلة فوضى دولية؛ كيفية تفاعل الدول في بيئة فوضوية من العلاقات الدولية. وكما يبيّنه تركيز الواقعية والمؤسساتية على الدولة وعلى العلاقات بين الدول، فإن الفاعلين من غير الدول لا يحظون بالأهمية نفسها. وعلى الرغم من اختلاف الواقعية والمؤسساتية في إمكانية التعاون بين الدول، فإنهما تتفقان على أن الحوكمة في ظل الفوضى هي حوكمة ما بين حكومية (أو أفقيّة.) ويتسق منظور الفوضى الدولية مع أولوية دور الحكومة الذي يتجلّ في نظرية الصحة العامة. وكما تقع مسؤولية الصحة العامة داخل الدولة على عاتق الحكومة في المقام الأول، فإن الصحة العامة على المستوى الدولي تظل مسؤولية حكومية [أي مسؤولية حكومات الدول.] إن أدوات الحوكمة الرئيسة في صدام الصحة العامة مع الفوضى هي الدبلوماسية ما بين الحكومات (التي ركزت عليها الواقعية) والمنظومات ما بين الحكومية (التي أكدت عليها المؤسساتية.) ويتضمن منظور الفوضى الدولية أيضًا اتفاقًا بين الواقعية والمؤسساتية حول سبب أهمية الصحة العامة في العلاقات الدولية. فكلتاهما تنظر إلى الصحة العامة من منظور نفعي، باعتبارها قدرة مادية ضمن مساعي الدول لتحقيق مصالحها الذاتية المتمثلة في البقاء والأمن والقوة والنفوذ. وتفرض الفوضى، بحسب كلتا النظريتين، على الدول إطارًا نفعيًّا يُدرج الصحة العامة في حسابات الدولة لقدراتها المادية ومصالحها في مواجهة الدول الأخرى. إن الكيفية التي تنظر بها الدول إلى الصحة العامة داخليًا غير مهمة ولا تؤخذ في الاعتبار بموجب منظور الفوضى الدولية الذي تتبنّاه الواقعية والمؤسساتية. وهكذا؛ وفيما يتعلق بالسؤال: لماذا تُعَدُّ الصحة العامة مهمة؟ تفصل مقاربة الفوضى الدولية بين السعي إلى الصحة العامة داخل الدولة والسعي إليها على المستوى الدولي.
2. الفوضى المعولمة والصحة العامة
تتبنّى الليبرالية والبنائية مقاربةً مختلفةً لمشكلة الفوضى، تتمثل في منظور "الفوضى المعولمة." وعلى النقيض من منظور الفوضى الدولية، يرفض منظور الفوضى المعولمة المقاربة المتمحورة على الدولة، لتأكيد إقحام الفاعلين من غير الدول في حوكمة الفوضى. وفي ظل الفوضى المعولمة، تكون الحوكمة عموديةً، وليست أفقية. وبالنسبة إلى الليبرالية، تتمثل وحدة التحليل الأساسية في الأفراد والجماعات الخاصة، لا الدول. وفضلً عن ذلك، فإن تأكيد الليبرالية على الديمقراطية داخل الدول، وعلى العلاقات الاقتصادية بين الشعوب، يجعل الناخبين والتجار لاعبين حاسمين في العلاقات الدولية. وعلى غرار ذلك، ترفض البنائية تمركُز الواقعية والمؤسساتية على الدولة سعيًا منها إلى إفساح المجال أمام الفاعلين من غير الدول للتأثير في عمليات البناء الاجتماعي للقضايا العالمية. وفي حين تقوم الواقعية والمؤسساتية بإضفاء طابع دولي على الفوضى، تقوم الليبرالية والبنائية بإضفاء بُعد عالمي عليها، من خلال تأكيد الدور الذي يؤديه الفاعلون غير الدول. وخلافًا لمنظور الفوضى الدولية، لا يقدّم منظور الفوضى المعولمة وجهة نظر واحدة حول أسباب أهمية الصحة العامة. إن التركيز على الفاعلين من غير الدول يعني أن منظور الفوضى المعولمة لا يمكن أن يفصل ما هو داخلي عما هو عالمي عند التنظير حول الصحة العامة.
فالليبرالية والبنائية لا تتفقان بشأن الأسباب التي تجعل الصحة العامة مهمة، داخليًّا أو عالميًّا، أو ما إن كانت مهمة أصلً. وفيما يتعلق بإنتاج الصحة العامة، يتحدى منظور الفوضى المعولمة طريقة التمثيل التقليدي للصحة العامة باعتبارها مسألةً حكومية في المقام الأول. وإذا كان الفاعلون من غير الدول يؤدون الدور الذي يشدد عليه منظور الفوضى المعولمة، فإن جهود الصحة العامة في البيئة الفوضوية للسياسة العالمية يجب أن تعكس تأثير أولئك الفاعلين من غير الدول. ورغم أن منظور الفوضى المعولمة يقرّ بالدور الذي تؤديه الدول، فإنه يعمل على تحويلٍ وقلبٍ للأسس النظرية لتحليل العلاقات الدولية. ويلتقي هذا التحول مع الجهود الليبرالية والبنائية الهادفة إلى تقويض الحواجز بين الداخلي والعالمي (التي تظهر في الواقعية والمؤسساتية)، لخلق نطاق واحد للتحليل والبحث يؤدي فيه الفاعلون من غير الدول أدوارًا مساوية، إن لم تكن أكثر أهمية، في إنتاج "السلع العامة"، مثل الصحة العامة.
3. من الفوضى الدولية إلى الفوضى المعولمة: تيارات في حقل الصحة العامة
تشير التيارات الحديثة حول صدام الصحة العامة مع مشكلة الفوضى إلى أن حقل الصحة العامة قد تحوَّل من الفوضى الدولية إلى الفوضى المعولمة. ويكشف التركيز على "حوكمة الصحة العالمية"78 و"الشراكات العامة - الخاصة العالمية79 GPPPs [أي الشراكات بين القطاعين العام والخاص على المستوى العالمي] عن وعيٍ بانخراط الشركات المتعددة الجنسيات والمنظمات غير الحكومية – وعن دعوة أيضًا إلى إشراكها – في سياسات الصحة العامة. وإضافة إلى ذلك، لاحظ الخبراء الدور الرائد الذي تؤديه المنظمات غير الحكومية الآن في مجال الصحة العالمية، فقد ذكر هورتون مثلً أن "المنظمات مثل منظمة أطباء بلا حدود MSF قد حلّت محل منظمة الصحة العالمية، وباتت تحتل مكان الصدارة في تطوير السياسات"80. ويؤكد التركيز على الفاعلين من غير الدول أن استراتيجيات الصحة العامة التقليدية المتمحورة حول الدول ليست كافية. وعلاوة على ذلك، غالبًا ما يجد إقحام المنظمات غير الحكومية حافزًا في الفكرة القائلة إن الصحة هي حق من حقوق الإنسان، وإن سياسات الصحة العامة إنما توجد لتعزيز هذا الحق. ومع ذلك، فإن القوة المتنامية للشركات المتعددة الجنسيات لا تعكس الالتزام نفسه تجاه الصحة بوصفها حقًّا من حقوق الإنسان. فهي [أي الشركات المتعددة الجنسيات] تنجرّ خلف الحجج النفعية المتعلقة بمساهمة الصحة العامة في الإنتاجية والتنمية الاقتصادية. ويجمع هذا التحول إلى الفوضى المعولمة بين مضمونيَن نظريَيّن مهمَيّن: 1. تحدّي - إن لم يكن رفض - وجهة النظر التقليدية القائلة إن الحكومات هي المسؤولة في المقام الأول عن الصحة العامة؛ 2. تفاقم الخلاف بشأن الأسباب التي تجعل الصحة العامة مهمة. يؤدي التحوّل من الفوضى الدولية إلى الفوضى المعولمة إلى بروز مشكلات في نظرية الصحة العامة في مواجهتها لمشكلة الفوضى. أولً، ينسف منظور الفوضى المعولمة التمايزَ المحلي - الدولي الذي يتبنّاه منظور الفوضى الدولية وجزءٌ كبيرٌ من تاريخ الدبلوماسية الصحية الدولية. ثانيًا، يتحدى منظور الفوضى المعولمة الفرضيةَ التقليديةَ القائلةَ إن الصحة العامة هي مسؤولية الحكومات في المقام الأول، ويتجلّ هذا التحدي في المستوى العالمي حيث: 1. إن قوة الشركات المتعددة الجنسيات تؤشر إلى ضعفٍ متنامٍ تعانيه الحكومات في توفير السلع العامة، 2. إن المنظمات غير الحكومية تقود حملاتٍ مستمرة، لأن ترك الصحة العامة بين أيدي الحكومات والمنظمات الدولية الحكومية لم يُجْدِ نفعًا. ثالثًا، يكشف تركيز الفوضى المعولمة على الفاعلين من غير الدول والحوكمة العمودية الستار عن الخلاف الدائر حول أسباب أهمية الصحة العامة، حيث تعمّق الفوضى المعولمة الانقسام بين مفاهيم الصحة العامة القائمة على الحقوق وتلك القائمة على النفعية. وتشير بعض الأدلة إلى أن الفكر النفعي، من منظور الفوضى المعولمة، قد بات له اليد الطولى81، وهو ما يضاهي الإجماع بشأن المضامين النفعية الذي ينطوي عليه منظور الفوضى الدولية. وقد أفضى إضعاف الدولة من خلال العولمة، إلى جانب الهيمنة المحتملة للمقاربات النفعية للصحة العامة، إلى تحويل جهة إنفاذ الحق في الصحة من الدولة إلى المنظمات غير الحكومية المشارِكة في حوكمة الصحة العالمية، مثلما يرى إيفانز82.
تواجه الدعوة إلى منظومة للصحة العالمية مهمة بناء نظرية أو نظرياتٍ عن الصحة العامة في ظل فوضى معولمة. ويخلق تحوّل الصحة العامة من الفوضى الدولية إلى الفوضى المعولمة معضلة أمام بناء النظريات، حيث يؤدّي هذا التحول إلى تفاقم الخلاف بشأن الأسباب التي تجعل الصحة العامة مهمة ويقوّض الافتراض أن الصحة العامة هي مسؤولية الحكومات بالدرجة الأولى. ويخلق التحول من الفوضى الدولية إلى الفوضى المعولمة ظروفًا أشد تعقُّدًا لتطوير النظريات؛ إذ تمنح الفوضى المعولمة فرصًا أقل للتوصل إلى توافقٍ في الآراء حول الأسباب التي لأجلها ينبغي أن تكون الصحة العامة هدفًا ذا أهمية أكبر. كما تعكس الفوضى المعولمة الخلاف بشأن هذه القضية؛ ليس بين الدول فحسب، بل بين الفاعلين من غير الدول أيضًا، وذلك في ظل بيئة لا تنطوي سوى على القليل من الآليات التي تيسّ بلوغ إجماعٍ مستدام وراسخ. أمّا من الناحية العملية، فقد تكون الفوضى المعولمة طريقًا غير ملائمة للوصول إلى إجماعٍ نظريّ حول المسوغات المؤسِّسة لأنشطة الصحة العامة. لم يثبت أن الخلاف القائم حول أسباب أهمية الصحة العامة يمثّل عقبة في وجه تطوير سياسات الصحة العامة؛ لذلك يمكن لحوكمة الصحة العالمية المضيّ قُدُمًا على الرغم من الخلافات الفلسفية. ومع ذلك، تزيد الفوضى المعولمة من صعوبة بناء نظريات حول أفضل سبل السعي للصحة العامة داخل الدولة وخارجها. وكما جرت الإشارة من قبلُ، فإن منظور الفوضى المعولمة يتحدى الموقف التقليدي الذي يرى أن الحكومات هي الفواعل الأساسية؛ وطنيًا، ودوليًا. ويعكس الاهتمام بحوكمة الصحة العالمية والشراكات العالمية بين القطاعين الخاص والعام أن التوجّهَ التقليديَّ للصحة العامة المتمحور حول الدول قد غدا عقيمً لا فائدةَ فيه. وإضافة إلى المخاوف بشأن آثار العولمة السلبية في قدرات الدولة، تشير المخاوف المتعلقة بغياب مساءلة الفاعلين من غير الدول المنخرطين في الحوكمة العالمية83 إلى أن الفوضى المعولمة قد تكون أكثر فوضوية وبُعدًا عن الاستقرار من الفوضى الدولية. ولا تفعل الإحالات إلى نظريات العلاقات الدولية التي تركّز على الفوضى المعولمة بشيء سوى توسيع الفجوة بين الآراء، لأن التنوع - لا الانسجام - هو ما يسود حقل نظريات العلاقات الدولية. وينبغي لأنصار الصحة العالمية والمدافعين عنها معالجة معضلة بناء نظرية متماسكة لتفسير الواقع العالمي الجديد للصحة العامة في سياق سياسي غير مناسب لحرفة التنظير.
خامسًا: مواجهة المعضلة
قد لا يهتم الكثير من المنخرطين في مجال الصحة العامة بهذه المعضلة النظرية، حيث تظل الصحة العامة مسعى عمليًا [متعلقًا بالممارسة] يقتضي اتخاذ أفعال عملية، بدلً من مجرد بناء نظريات. وفي حين أن لهذا الموقف مزاياه، فإن أنصار الصحة العالمية ينبغي أن يشعروا بالقلق حيال ضعف الدعم النظري للمساعي المبذولة في ظل الفوضى المعولمة. أقوم في هذه الخاتمة بتحليل الطرائق التي يمكن من خلالها معالجة هذه المعضلة والتعامل معها، كما أتطرق إلى الآفاق السياسية لهذه المقاربات والآثار المترتبة على هذه التحليلات بالنسبة إلى الجهود الهادفة إلى ترقية قضايا الصحة العامة في الدبلوماسية العالمية. يمكن تحديد ثلاث مقاربات لحل المعضلة النظرية في الصحة العامة: الرفض، والمراجعة، والثورة. تستلزم مقاربة الرفض: 1. إنكار أن الصحة العامة تواجه معضلة نظرية، وأن العولمة تدمر الإطار التقليدي للصحة العامة المتمركز حول الدولة؛ 2. تأكيد الصدقية الدائمة للتنظير حول الصحة العامة بطرائق تقليدية. غير أن مقاربة الرفض تعصف بها مشكلتان: أولً، أن الأدلة على أن العولمة تؤثر سلبيًا في المسؤولية الأساسية للدول حيال الصحة العامة كثيرة ومتزايدة84؛ ثانيًا، أن أهمية القوى المعولَمة الخارجة عن سيطرة الدول تكشف عن افتقار نظرية الصحة العامة التقليدية إلى الاهتمام بمشكلة الفوضى. وتنطوي مقاربة المراجعة على إعادة النظر في نظرية الصحة العامة التقليدية بغية التصدي للتحديات الجديدة التي تواجه الصحة العامة. وتقتضي المراجعة تطعيم نظرية الصحة العامة في الأُطر التي تعالج مشكلة الفوضى، غير أن عملية التطعيم هذه تواجه تعقيداتٍ عديدة؛ فنظرية الصحة العامة التقليدية لا يمكن دمجها بسهولة في أيٍّ من نظريات العلاقات الدولية الأربع التي فُح صت آنفًا. أما الواقعية والمؤسساتية، فتقاومان تطعيمهما بها؛ لأنهما تنكران أي صلة للداخلي بحوكمة الفوضى، في حين تربط الليبرالية بين الداخلي والدولي والعالمي، لكن بطرق تُدرج، وربما تُخضع الصحة العامة للنضال من أجل الحقوق الفردية، والحكومات الديمقراطية، والاعتماد المتبادل الاقتصادي. باختصار، لا تكتفي الليبرالية بالخضوع لتطعيمٍ بنظرية الصحة العامة، لكنها تلتهمها. أكثرُ النظريات ملاءمة لعملية التطعيم هذه هي النظرية البنائية، لأنها تعزز دور الأفكار وعمليات التنشئة الاجتماعية في السياسة الوطنية والدولية والعالمية. فمثلً، يخصّ كيكبوش البنائية بالذكر
باعتبار أنها تقدّم "أفضل منطلق نظري للمساعدة في فهم ديناميات حوكمة الصحة العالمية"85. وتكمن مشكلة تطعيم البنائية بنظرية الصحة العامة في أن البنائية، على خلاف الليبرالية، لا تفيد كثيرًا في تحديد الأفكار الجديرة بالدعم والتعزيز داخل الدولة وخارجها، كما أنها لا تقدّم أيّ أساس منطقي يبرر الأسباب التي تجعل الصحة العامة جديرة بالمزيد من الاهتمام. إن الخلاف بشأن "السؤال لماذا" من شأنه إحباط تطعيم البنائية بنظرية الصحة العامة. وعلاوة على ذلك، يشير تأثير العولمة في الصحة العامة إلى أن مفاهيم الصحة العامة التقليدية قد فقدت صدقيتها؛ ما يتطلب طريقة جديدة في التفكير. وفي هذا السياق، يتيح الفراغ المعياري للبنائية أساسًا ضعيفًا للمضي قدمًا في مساعي المراجعة. تنطوي المقاربة الثالثة على إحداث ثورة في نظرية الصحة العامة، عبر طريقتين أساسيتين. أولً، من شأن هذه الثورة أن تغيّ التركيز التقليدي على أولوية الحكومات، حتى يُسمَح بإضفاء أهمية نظرية أكبر على الفاعلين من غير الدول. ثانيًا، من شأن هذه المقاربة الثورية أن تضع حدًّا لإهمال مشكلة الفوضى في نظرية الصحة العامة ووضعها في قلب عملية التحليل. كما من شأن هذه المقاربة الثورية أن تستقطب الدعم من تأثيرات العولمة في الصحة العامة في البلدان الغنية والفقيرة. أما الحافة المعيارية لاستراتيجية الثورة، فمن شأنها أن تسعى إلى تغيير نظرة الأفراد والمجتمعات والدول والفاعلين من غير الدول إلى الصحة العامة، على الصعيدين المحلّ والعالمي. وإضافة إلى ذلك، تهدف المقاربة الثورية إلى التغلب على تجاهل الصحة العامة باعتبارها مسألة نظرية وعملية في الشؤون العالمية، وذلك من خلال جعل المخاوف المتعلقة بالصحة العامة محور التفكير في عولمةٍ مستدامة. مع ذلك، تظل آفاق المقاربة الثورية مثيرةً للشكوك. وتتوخى هذه المقاربة توضيح المسوغات الملموسة للصحة العامة وإمكانية تغيير هندستها جذريًا. وتتطلب النزعة الثورية مثل هذه التغييرات الجذرية في سياق الفوضى المعولمة، باعتبارها بيئة سياسية غير مواتية للتوصل إلى توافقٍ بشأن السياسات الثورية البنيوية والملموسة. وعادةً ما تَنتُج الثورات التي تحدث من دون أي إجماع عن القوي بممارسة القوة ضد الضعيف، وهو ليس الأمر المقصود من المقاربة الثورية. وفي غياب إجماعٍ عالمي أو نزعة إلى الهيمنة في إمكانهما إعادة تشكيل العالم، فإن منظور الثورة يظل بلا جاذبية سياسية في البيئة نفسها التي تشكّل مصدر إلهام له؛ بيئة الفوضى المعولمة. إن لتحليل منظورات الرفض والمراجعة والثورة آثارًا في الجهود المبذولة للنهوض بمستوى الصحة العامة في الدبلوماسية العالمية؛ وذلك لأنه يعزز أهمية السؤالين الأساسيين في المسعى التحليلي لهذه الدراسة: 1. لماذا يجب أن تكون الصحة العامة في صدارة الأجندة الدبلوماسية العالمية؟ 2. كيف ينبغي صياغة مساعي الارتقاء بالصحة العامة وتنفيذها على الصعيد العالمي؟ كذلك، يتمثّل جزءٌ من رسالة هذه الدراسة في أن وصف الواقع العالمي الجديد للصحة العامة ليس مثل توفير الأطر النظرية التي يمكن من خلالها شرح هذه الحقائق وفهمها وتسخيرها. ومثلما اقترحه تحليل نظريات العلاقات الدولية، فإن التحدي النظري الأكبر الذي يواجه الصحة العامة اليوم هو مشكلة الفوضى، وما يزيدها تعقيدًا هو التحول الواضح في الصحة العامة من الفوضى الدولية إلى الفوضى المعولمة. لقد نظرنا في هذه الدراسة في أربع نظريات من حقل العلاقات الدولية، وتزعم ثلاثٌ منها أن مشكلة الفوضى ليست مستعصية على الحل، وفي ذلك مواساة لأنصار الصحة العالمية والمنادين بها. إن المؤسساتية أقل تفاؤلً من الليبرالية فيما يتعلق بآفاق التغيير التدريجي. أما البنائية فتتوسطهما، وإن بصورة لا تخلو من الغموض. ويُقابِل أنصار الصحة العالمية المؤسساتيةَ بالقدر الأعلى من عدم الارتياح بسبب فرضياتها واعتباراتها المادية الضيّقة المنظور والمتمحورة حول الدولة. وربما يشير تقبّل الصحة العامة للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية إلى جفاء بين أنصار الصحة العالمية حيال الليبرالية. ويشير التحليل الوارد في هذه الدراسة إلى أن البنائية قد تكون الإطار النظري الواعد والمطلوب لمواجهة الصحة العالمية مشكلةَ الفوضى. ومع ذلك، فإن البنائية حاليًا هي أقل نظريات العلاقات الدولية اكتمالً وأشدها غموضًا؛ ما يثير تساؤلً عمّ إذا كانت البنائية هي الأشد جاذبية، فهي تظل الأقل وضوحًا. لا تستنفد نظريات العلاقات الدولية الأربع إمكانات التفكير للمساهمة في تحليل الصحة العالمية من منظور حقل العلاقات الدولية، لكن اعتمادي على هذه النظريات في وضع نظرية الصحة العامة التقليدية، وجهًا لوجه مع مشكلة الفوضى، يرمي إلى جعل الاهتمام المتزايد بالصحة العالمية يلتفت إلى الحاجة إلى أطرٍ نظريةٍ وتحليليةٍ لتنظيم وتشكيل النقاش وجعله أشدَّ تماسكًا. ويؤكد بوس (وآخرون) أن "التحدي الرئيس [في التفكير بشأن مسألة السياسة الصحية في عالمٍ يتجه نحو العولمة] يَكمُن في الحاجة إلى رسم الحدود التحليلية للصحة العالمية وتعريفها على نحو أشد وضوحًا فيما يتصل بالقضايا السياسية الخاصة التي تثيرها العولمة"86.
لم تزود نظريةُ الصحةِ العامةِ التقليديةُ الطلابَ وممارسي الصحة العامة بأدوات تحليلية لتقييم أهمية مشكلة الفوضى، ولتفسير وفهم تحوّل الصحة العامة من الفوضى الدولية إلى الفوضى المعولمة. لقد أربكت العولمة الافتراضات النظرية لكثيرٍ من التخصصات المعرفية؛ لذلك، فإن الصحة العامة لا تقف وحيدةً في مواجهة التحديات النظرية. وكما أشار إليه كيكبوش وبوس، فإننا "ما زلنا في بداية مرحلة محاولة إعادة النظر في مفهوم الصحة العامة العالمية وإعادة صياغته، وليست لدينا حتى الآن صورة واضحة عن جميع التّبعات التي تخلفها التغيرات الحالية على صحة السكان"87. ومثلما هي الحال عليه مع التخصصات المعولمة الأخرى، تواجه الصحة العامة الحاجةَ إلى تطوير منظورات نظريةٍ عن الصحة والمرض في سياقٍ من الفوضى المعولمة، وهذا ضروري كي تتأكد من أن المساعي الهادفة إلى دعم الصحة العالمية مزوّدة بتقنيات تحليلية تدعم الارتقاء المستدام بالصحة العامة وجعلها من أولويات الأجندات العالمية، لدى الفاعلين من الدول ومن غير الدول على حد سواء.
المراجع
Baldwin, P. Contagion and the State in Europe , 183 0-1 930. Cambridge: Cambridge University Press, 1999. Baylis, J. & S. Smith (eds.). The Globalization of World Politics. Oxford: Oxford University Press, 2001. Bull, H. The Anarchical Society. London: Macmillan, 1977. Checkel, J.T. "The Constructivist Turn in International Relations Theory." World Politics. vol. 50, no. 2 (1998). Commission on Macroeconomics and Health. Macroeconomics and Health: Investing in Health for Economic Development; Report of the Commission on Macroeconomics and Health. Geneva: World Health Organization, 2001. Cooper, R. "International Cooperation in Public Health as a Prologue to Macroeconomic Cooperation." Brookings Discussion Paper in International Economics. no. 44 (1986). Dodgson, R., K. Lee & N. Drager. "Global Health Governance: A Conceptual Review." Key Issues in Global Health Governance Discussion Paper. no. 1. World Health Organization (2002). Dublin, L.I. Health and Wealth: A Survey of the Economics of World Health. New York: Harper & Brothers Publishers, 1928. Evans, T. "A Human Right to Health?" Third World Quarterly. vol. 23, no. 2 (2002). Fenner, F. (ed.). Smallpox and its Eradication. Geneva: World Health Organization, 1988. Fidler, David P. International Law and Public Health. Ardsley, NY: Transnational Publishers, Inc., 2000. ________. "The Globalization of Public Health: The First 100 Years of International Health Diplomacy." Bulletin of the World Health Organization. vol. 79 (2001).
________. "Global Health Governance: Overview of the Role of International Law in Protecting and Promoting Global Public Health." Key Issues in Global Health Governance Discussion Paper. no. 3. World Health Organization (2002). ________. "Public Health and National Security in the Global Age: Infectious Diseases, Bioterrorism, and Realpolitik." George Washington International Law Review. vol. 35 (2003) (in press). Frankel, B. (ed.). Realism: Restatements and Renewal. London: Frank Cass, 1996. Gostin, L.O. Public Health Law. Berkeley, CA: University of California Press, 2000. Horton, R. "The Casualties and Compromises of Renewal." The Lancet. vol. 359, no. 9317 (2002). Hutchinson, J.F. Champions of Charity: War and the Rise of the Red Cross. Boulder, CO: Westview Press, 1996. Keohane, R.O. & L.L. Martin. "The Promise of Institutionalist Theory." International Security. vol. 20, no. 1 (1995). Krasner, S. "Structural Causes and Regime Consequences: Regimes as Intervening Variables." International Organization. vol. 36, no. 2 (1982). ________. "Wars, Hotel Fires, and Plane Crashes." Review of International Studies. vol. 26, no. 1 (2000). Lee, K. (ed.). Health Impacts of Globalization: Towards Global Governance. London: Palgrave Macmillan, 2003. Lee, K., K. Buse & S. Fustukian (eds.). Health Policy in A Globalising World. Cambridge: Cambridge University Press, 2002. Legro, J.W. & A. Moravcsik. "Is Anybody still A Realist?" International Security. vol. 24, no. 2 (1999). Loughlin, K. & V. Berridge. "Global Health Governance: Historical Dimensions of Global Governance." Key Issues in Global Health Governance Discussion Paper. no. 2. World Health Organization (2002). Mearsheimer, J.J. "The False Promise of International Institutions." International Security. vol. 19, no. 3 (1994). Merson, M., R. Black & A. Mills (eds.). International Public Health. Gaithersburg, MD: Aspen Publishers, 2001. Moravcsik, A. "Taking Preferences Seriously: A Liberal Theory of International Politics." International Organization. vol. 51, no. 4 (1997). Morgenthau, H. Politics Among Natio ns. 5 th ed. New York: Knopf, 1978. Pirages, D. "Ecological Theory and International Relations." Indiana Journal of Global Legal Studies. vol. 5, no. 1 (1997). Porter, D. Health, Civilization, and the State: A history of Public Health from Ancient to Modern Times. London: Routledge, 1999. Price-Smith, A. The Health of Nations: Infectious Disease, Environmental Change, and their Effects on National Security and Development. Cambridge, MA: MIT Press, 2002. Reich, M. (ed.). Public-Private Partnerships for Public Health. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2002. Rosen, G. A History of Public Health. New York: MD Publications, 1958. Slaughter, A.-M. "International Law and International Relations." Recueil des Cours. T. 285. Hague Academy of International Law (2002). Spiro, P. "Accounting for NGOs." Chicago Journal of International Law. vol. 3 (2002). Stein, A.A. "Coordination and Collaboration: Regimes in an Anarchic World." International Organization. vol. 36, no. 2 (1982).
Waltz, Kenneth Neal. Theory of International Politics. Reading, MA: Addison-Wesley, 1979. Wendt, A. "The Agent-Structure Problem in International Relations Theory." International Organization. vol. 41, no. 3 (1987). ________. "Anarchy is What States Make of it: The Social Construction of Power Politics." International Organization. vol. 46, no. 2 (1992). ________. "Collective Identify Formation and the International State." American Political Science Review. vol. 88, no. 2 (1994). Politics." International "Constructing International Security. vol. 20, no. 1 (1995). ________. Social Theory of International Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1999. Widdus, R. "Public-Private Partnerships for Health: Their Main Targets, their Diversity, and their Future Directions." Bulletin of the World Health Organization. vol. 79 (2001). Winslow, C.E.A. Health is Wealth. Geneva: World Health Organization, 1953. World Bank. Health. Washington, DC: World Bank, 1975. ________. World Development Report 1993: Investing in Health. Washington, DC: World Bank, 1993. World Health Organization. Basic Documents. 40 th ed. Geneva: World Health Organization, 1946.