"فيروس كورونا والنظام العالمي: مستقبل الصراع والتنافس والتعاون"

Lourdes Habash لورد حبش |

فيروس كورونا والنظام العالمي: مستقبل الصراع والتنافس والتعاون عنوان الكتاب:. المحرران: هال براندز وفرانسيس غافين. Hal Brands & Francis J. Gavin (eds.).Johns Hopkins University Press مطبعة جامعة جونز هوبكنز الناشر: مكان النشر: بالتيمور/ مريلاند.Baltimore, Maryland سنة النشر:.2020 عدد الصفحات: 472 صفحة.

"Covid- 19 and World Order: The Future of Conflict, Competition, and Cooperation"

.Covid-19 and World Order: The Future of Conflict, Competition, and Cooperation عنوان الكتاب بلغته الأصلية:

مقدمة

مع تفشّ جائحة كورونا، ولج العالم أزمة وبائية غير مسبوقة، لعلّها الأشدُّ خطورة في التاريخ الحديث؛ فقد أثبتت هذه الجائحة "أن الأوبئة مصدر مروّع للاضطراب والدمار العالمي، وهي شكل من أشكال الكوارث التي يجب أن يُحسب حسابها بوضوح في مستقبل البشرية"1. وهددت هذه الجائحة العالم بأسره، مرغِمة الدول على اتخاذ إجراءات لمواجهة المخاطر الجسيمة الناتجة من تفشّيها، فانكفأت كل دولة على نفسها، ما أدى إلى تقلص التعاون بينها في مواجهة آثارها، وغابت عنها دروس التجارب الآفلة، القائلة "إن الموقف الانعزالي لا يؤدي إلى نتائج إيجابية في الصحة العامة العالمية"2. وبانت سوْءات العالم المُعولَم، مثل التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة وهشاشة التعاون والإمدادات الدولية؛ ما فاقم التوترات الدولية القائمة أصل3. وتحوّلت الجائحة إلى أزمة عالمية، فاتحة الباب على مصراعيه أمام مجموعة من السجالات بين الباحثين والمتخصصين الراصدين للآثار التي أحدثتها الجائحة في النظام الدولي. في هذا السياق، يأتي كتاب ف وررس كورونا والنظام العالمي: مستقبل الصراع والتنافس والتعاون؛ وهو نتاج يومين من مؤتمر افتراضي استضافته جامعة جونز هوبكينز Hopkins Johns، في حزيران/ يونيو 2020، حيث اجتمع ثلة من الباحثين والسياسيين لتدارس مستقبل النظام العالمي بعد جائحة كورونا4. وجُمعت أوراق المؤتمر في كتاب جماعي حرره هال براندز وفرانسيس غافين. يحاول الكتاب الإجابة عن سؤال مفتاحي: "إلى أين تتجه الولايات المتحدة الأميركية والنظام الدولي الليبرالي بعد جائحة كورونا؟"، وانبثقت منه أسئلة فرعية عدة، منها: هل ستشكل هذه الجائحة بداية لنظام دولي جديد؟ ما إمكانات التعاون واحتمالات الصراع في ظل الجائحة وبعدها؟ وكيف تعاملت الدول العظمى مع انعكاساتها؟ وهل ستساهم الجائحة في إعادة صوغ علاقات جيوسياسية مغايرة؟ وليس من اليسير الإجابة عن هذه الأسئلة؛ لأن "الحاضر يتحرك [في أثناء تفشي الجائحة] على نحوٍ أسرع، ويبدو الماضي أكثر تلاشيًا، أما المستقبل فيبدو غير قابل للتنبؤ تمامًا"5. قُسّم الكتاب سبعة أقسام أساسية، اشتملت أربعة وعشرين فصلً، إضافة إلى المقدمة. يتناول كل قسم جانبًا من جوانب موضوع الكتاب، على النحو الآتي: التاريخ التطبيقي والسيناريوهات المستقبلية، يقدم منظورًا تاريخيًا لدراسة الأوبئة، ويمثل توطئة ضرورية لفهم الشؤون العالمية؛ تلاه محور استراتيجيات الصحة العامة العالمية؛ ثم القضايا عبر الوطنية: التكنولوجيا والمناخ والغذاء؛ ومستقبل الاقتصاد العالمي؛ والسياسة العالمية والحكم؛ والاستراتيجية الكبرى وفنون الحكم الأميركي؛ والتنافس الصيني - الأميركي. أثبتت الجائحة أنه لا يمكن فصل القضايا الأمنية التقليدية عن الجديدة، أو القضايا الأمنية "الصلبة" عن "الناعمة"، بحسب توصيف براندز وغافين6. فقضايا الأمن الصحي وتغير المناخ والمؤسسات الدولية والتنافس بين القوى العظمى، متداخلة ومترابطة. وتجسيدًا لهذه الفكرة، عالج الكتاب تلك القضايا على نحوٍ متداخل ومتكامل، في محاولة لتصور مآلات النظام الدولي بعد انحسار جائحة كورونا. بُنيت مراجعة الكتاب هذه استنادًا إلى مصدرين: الأول، أطروحة إليزابيث إيكونومي التي لخّصت فيها أهم مكامن الخلل في النظام الدولي الذي عرّته الجائحة، وحاجّت بأنه "أولً، يفتقر إلى قائد جدير مستعد وقادر على وضع مصالحه الذاتية الضيقة في المقام الثاني بعد المنفعة العالمية الأكبر؛ وثانيًا، لا يمكن الاعتماد على مؤسساته لتنظيم استجابة فعالة لتحدٍ عالمي كبير؛ وثالثًا، والأهم، تواجه قواعده ومؤسساته، على المدى القريب، تهديدًا خطرًا ومستمرًا، مصدره الصين"7. أما المصدر الثاني، فيتمثل في القضايا الجوهرية التي ركز عليها المشاركون في الكتاب، على الرغم من أنهم درسوا الجائحة وتأثيراتها من زوايا مختلفة. فاتّجهت المراجعة إلى استخلاص مقاربة الباحثين لأربع قضايا جوهرية: تأثيرات الجائحة في النظام الدولي، والدفاع عن النظام الدولي الليبرالي وقدرة الولايات المتحدة على تخطي الجائحة والمخاوف على هيمنتها، والخطر الصيني على النظام الدولي الليبرالي والهيمنة الأميركية، ومستقبل الولايات المتحدة والنظام الدولي الليبرالي بعد الجائحة.

  1. Tom Inglesby, "Make Pandemics Lose Their Power," in: Hal Brands & Francis J. Gavin (eds.), COVID-19 and World Order: The Future of Conflict, Competition, and Cooperation (Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press, 2020), p. 90.
  2. Lainie Rutkow, "Origins of the COVID-19 Pandemic and the Path Forward: A Global Public Health Policy Perspective" in: Brands & Gavin (eds.), p. 105.
  3. Margaret MacMillan, "The World after COVID: A Perspective from History," in: Brands & Gavin (eds.), p.  42.
  4. Ronald J. Daniels, "forward," in: Brands & Gavin, p. xi.
  5. Jeremy A. Greene & Dora Vargha, "Ends of Epidemics," in: Brands & Gavin (eds.), p. 36.
  6. Hal Brands & Francis J. Gavin, "COVID-19 and World Order," in: Brands & Gavin (eds.), p. 6.
  7. Elizabeth Economy, "The United States, China, and the Great Values Game," in: Brands & Gavin (eds.), pp. 381-382.

أولا: تأثيرات جائحة كورونا في النظام الدولي: تسريع للأحداث أم إعادة ترسيم؟

لا يعدّ تفشّ الأوبئة ظاهرة جديدة على الصعيد العالمي، لذلك يفترض المشاركون في الكتاب أنّ تفشّ جائحة كورونا كان صدمة، وليس مفاجأة؛ إذ كانت ثمة تحذيرات عدة من استمرار انتشار الأوبئة، أطلقها خبراء الصحة العالمية منذ سنوات. ونبَّه تفشّ فيروسات سارس وأنفلونزا الخنازير وإيبولا ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية إلى مخاطر الأوبئة على العالم أجمع8. كما أسهمت زيادة عدد السكان والضغط على المناطق الطبيعية البرية وسهولة السفر حول العالم، من فرص انتشار متسارع لفيروسات جديدة9. ظهرت جائحة كورونا في عالم مضطرب، أو كما ينعته ريتشارد هاس "عالم في حيص بيص"  A World in Disarray10؛ لأن النظام الدولي الليبرالي الذي أُرسي بعد الحرب الباردة – بقيمه ومعاييره ومؤسساته وهيمنته الأميركية – يواجه ضغوطًا كبرى. ومردّ هذا إلى عوامل متعاضدة عدة، أهمها: "عودة التنافس السياسي بين القوى العظمى، الذي تميز بتدهور متزايد للعلاقة بين أكبر قوتين عالميتين، الولايات المتحدة والصين؛ وصعود الشعبوية والقومية؛ فضلً عن فقدان الإيمان الظاهر بالديمقراطية، حيث تتّسع قبضة الاستبداد على أجزاء كثيرة من العالم، إضافة إلى الآثار المذهلة والمربكة للتكنولوجيا الجديدة. وتفاقمت التحديات مع تزايد عدم اليقين في الدور العالمي للولايات المتحدة، وفقدان كثيرين حول العالم الثقة بفوائد العولمة والاعتماد المتبادل، باعتبارها مجموعة من الاهتمامات العابرة للحدود الوطنية، بدءًا بتغير المناخ، وصولً إلى المعلومات المُضلِّلة، ما يكشف عن أوجه القصور في المؤسسات الدولية القائمة"11. تطرح جائحة كورونا تساؤلات مهمة ومربكة، مثل: هل يمكن اعتبار الجائحة من الظواهر التي سترسم شكلً جديدًا للنظام الدولي؟ هل ستتفكك لَبنات النظام الدولي الليبرالي بمؤسساته وقواعده وسياساته ويصير عاجزًا عن التكيّف؟ انقسم المشاركون حيال ذلك اتجاهيْ رئيسيْ: يرى الأول أن جائحة كورونا لن تغير طبيعة العلاقات بين الدول، ولن ترسم معالم جديدة للنظام الدولي. ويُعدّ هاس من بين هؤلاء؛ إذ لا يُرجّح "أن يكون العالم الذي يعقب الوباء مختلفًا جذريًا عن العالم الذي سبقه. فلن تغير الجائحة الاتجاه الأساسي لتاريخ العالم بقدر ما تعمل على تسريع وتيرته"12. من جانبه، يؤكد غراهام أليسون ذلك، قائلً: إن "المصلحة المشتركة في هزيمة فيروس كورونا لن تطغى على التنافس بين الولايات المتحدة والصين، ولن تُعيد تحديد مستقبل العلاقة بينهما. بدلً من ذلك، سيصبح فيروس كورونا عنصرًا آخر في أكبر تحدٍّ جيوسياسي في حياتنا"13. وتشاطره جانيس ستين هذا الرأي، قائلة: "قيل إن فيروس كورونا سيغيّ كل شيء. نحن نعلم، بشكل شبه مؤكد، أن ذلك غير صحيح. يُعدّ هذا الفيروس مسُرّعًا للتغييرات العالمية التي كانت جارية بالفعل، أكثر بكثير من كونه مولّدًا لتحولّات حادّة في هذا الاتجاه. كان التأثير التراكمي لهذه الاتجاهات التي سبقت الوباء هي البادئة بالانتقال بعيدًا عن الهيمنة الأميركية نحو نظام عالمي مؤطر بالعلاقة بين الصين والولايات المتحدة"14. أمّا الاتجاه الثاني المغاير، فيحاجّ بأن "الجهود المبذولة لبناء ترتيبات دولية فعالة غالبًا ما تظهر بعد فترات الحروب والأزمات والاضطرابات"15. ويمثل هذا الاتجاه هنري كيسنجر، مؤكدًا فرضيةً يراها حقيقة، مفادها "أن العالم بعد فيروس كورونا لن يكون كما كان عليه من قبل"16. وتشاركه كاثلين هيكس هذا الرأي، معتقدة "أن التنبؤ في خضمّ تفشّ الجائحة أمر محفوف بالمخاطر"، إلّ أن "التاريخ والأحداث الأخيرة تقدم قرائن، وتشير إلى أن هذا الوباء ذو أهمية كبرى. ولن يؤدي إلى تسريع التغييرات الجارية فحسب؛ لكن إذا كان صانعو السياسات على استعداد لمواجهة التحدي، فإنه يوفر فرصة لإعادة تشكيل مستقبل النظام العالمي والأمن القومي"17. فتكون المحصلة إعادة رسم معالم النظام الدولي18.

  1. Brands & Gavin, p. 1; MacMillan, p. 44.
  2. MacMillan, pp. 44-45.
  3. 17  Kathleen H. Hicks, "Could the Pandemic Reshape World Order, American Security, and National Defense?" in: Brands & Gavin (eds.), p. 348.
  4. 18  Ibid.
  5. Richard Haass, "The Pandemic Will Accelerate History Rather Than Reshape It: Not Every Crisis Is a Turning Point," Foreign Affairs , 7/4/2020, accessed on 20/5/2021, at: https://fam.ag/3gREvQT
  6. Graham Allison, "The US-China Relationship after Coronavirus Clues from History," in: Brands & Gavin (eds.), p. 390.
  7. Janice Gross Stein, "Take It Off-Site World Order and International Institutions after COVID-19," in: Brands & Gavin (eds.), p. 265.
  8. Brands & Gavin, p. 6.
  9. Henry Kissinger, "The Coronavirus Pandemic Will Forever Alter the World Order," The Wall Street Journal , 3/4/2020, accessed on 20/5/2021, at: https://on.wsj.com/3f20sLM; Allison, p. 390.
  10. ريتشارد هاس، 10 عالم في حيص بيص: السياسة الخارجية الأمريكية وأزمة النظام القديم، ترجمة إسماعيل بهاء الدين سليمان (بيروت: دار الكتاب العربي،.)2017
  11. 11  Brands & Gavin, p. 2.

ثانيًا: الدفاع عن النظام الدولي الليبرالي والهيمنة الأميركية

يوحي عنوان الكتاب، فيروس كورونا والنظام العالمي، بأن هدفه يكمن في دراسة مآلات النظام الدولي بعد الجائحة، لكن جوهر الكتاب، في تقديري، هو وصف الاستراتيجيات التي يجب على واشنطن القيام بها داخليًّا وخارجيًا، في عالم يعاني اضطرابات من أجل الإبقاء على الهيمنة الأميركية والنظام الدولي الليبرالي. فهناك توجّسات بشأن مستقبلهما، خصوصًا بعد اتفاق معظم الباحثين في هذا الكتاب على فشل الولايات المتحدة في معالجة هذه الجائحة داخليًا وخارجيًا، ووسم سياساتها بالفشل الذريع19. الخوف على مستقبل الولايات المتحدة وهيمنتها ليس أمرًا جديدًا، والدليل على ذلك انشغال الباحثين بهذا الموضوع منذ عقود20. وفاقمت أحداث دولية، مثل انهيار الاتحاد السوفياتي وهجمات 11 سبتمبر 2001، هذه المخاوف؛ فانبرى الباحثون الأميركيون يدافعون عن مستقبل دولتهم في كتاباتهم، موجّهين النصح إلى البيت الأبيض وصانعي القرار الأميركي. ويأتي هذا الكتاب ضمن هذا السياق، مجاهرًا بالإيمان بأهمية الهيمنة الأميركية ودورها في الحفاظ على النظام الدولي الليبرالي. ففترة الاضطرابات التي تعصف بالعالم، بالنسبة إليهم، "ليست الوقت المناسب للاستسلام إلى اليأس، ولا للتخلي عن الأعراف والمؤسسات والتحالفات التي استند إليها النظام العالمي الحديث ما يقرب من ثمانين عامًا. فهناك احتمالية للتجديد"21. ولنجاح ذلك، لا بد من العمل على تجديد الهياكل التي يقوم عليها النظام الدولي الليبرالي، وبعثها وحقنها بأفكار جديدة لعصر جديد22. يمكن تشبيه المشاركين في هذا الكتاب بيورغن هابرماس، الفيلسوف الألماني الذي لم يفقد الإيمان بمشروع الحداثة، باعتباره لم يكتمل بعد، وأصرّ على رفض التخلّ عنه، على الرغم من عيوبه الجلية، وعلى الرغم من الانتقادات اللاذعة التي وُجّهت إليه، معتقدًا أن الحكمة تكمن في عدم التضحية بالمكاسب التي جلبتها إلينا الحداثة23. فالباحثون ما فتئ يحدوهم الأمل في استمرار الهيمنة الأميركية المتصلة بخيوط النظام الليبرالي، على الرغم مما يعانيه من قصور. يأتي التخوّف على الهيمنة الأميركية ومستقبلها، بحسب المشاركين في الكتاب، من ثلاثة مصادر أساسية: أوهام الرئيس الأميركي دونالد ترامب وسياساته، والمؤسسات الدولية وفاعليتها، والصين ومنافستها الولايات المتحدة. أولً، ثمة مخاوف متزايدة من إعادة انتخاب ترامب، خصوصًا أن سياساته تسبّبت في الإضرار باستراتيجية واشنطن داخليًا وخارجيًا، وهذا ما يؤكده بن ستيل، بقوله إن "المسار الانعزالي الذي سارت فيه الولايات المتحدة، منذ عام 2017، ولّد شعورًا بالمرارة والاستياء في الخارج، بينما لم يحقّق أيًّا من الأهداف المرسومة في الداخل. على الصعيد الاقتصادي، كان من المفترض أن ينتعش التصنيع المحلي والتوظيف في القطاع الصناعي؛ ومع ذلك، بعد ما يقرب من أربع سنوات من التعريفات الجمركية المتزايدة الاتساع والمتعلقة بالواردات – أي الضرائب المفروضة على مشتريات الأميركيين في الخارج – لم تُظهر هذه الجهود أي علامات على النجاح"24. كما أثّر ترامب سلبيًا أيضًا في الصحة العالمية؛ إذ انتهج خلال حقبته سياسات أدت إلى تراجع الولايات المتحدة عن قيادة الصحة العامة العالمية خلال فترة تفشّ الجائحة، على عكس ما فعله سلفاه، جورج بوش الابن وباراك أوباما اللذان خصّصا ميزانيات ضخمة لمواجهة الأوبئة، كما عمل أوباما على تنسيق الجهود العالمية لمواجهة وباء إيبولا25. ويمكن أن تكون هذه المخاوف قد تلاشت مع وصول رئيس أميركي جديد (جو بايدن) إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/ يناير 2021، غير أن تركة ترامب تبقى ماثلة، ومن الصعب تجاوز مخلفاتها، حيث تحتاج إلى سنوات من الإصلاح، هذا إن نجحت إدارة بايدن في مساعيها.

  1. Philip Bobbitt, "Future Scenarios: We are all failed states, now," in: Brands & Gavin (eds.), p. 58.
  2. لمزيد من الاطلاع على اهتمام الباحثين بمستقبل الهيمنة الأميركية، ينظر: John Ikenberry, "Rethinking the Origins of American Hegemon," Political Science Quarterly , vol. 104, no. 3 (Autumn 1989); Robert Kagan, The World America Made (New York: Vintage Books, 2013); "، في: الجدل حول مستقبل القوة الأمريكية روبرت كاجان، "ضد خرافة الانحطاط الأمريكي، ترجمة وتعليق محمد العربي، سلسلة أوراق 4 (الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية، وحدة الدراسات المستقبلية، 2012)، ص 54-27، شوهد في 2021/5/20، في: https://bit.ly/2SuZu1N جوزيف ناي، هل انتهى القرن الأمريكي؟ ترجمة محمد إبراهيم العبد الله (الرياض:
  3. Daniels, p. x.
  4. Ibid. يورغن هابرماس، "الحداثة مشروع ناقص"، ترجمة بسام بركة، 23 الفكر العربي المعاصر، العدد 39 (أيار/ مايو-حزيران/ يونيو.)1986
  5. )؛ وليم وولفورث، استقرار عالم القطب الواحد العبيكان للنشر، 2016، سلسلة دراسات عالمية 36 (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2001)؛ ستيفن والت، "نهاية الجدل حول مستقبل القوة الأمريكية العصر الأمريكي"، في:.
  6. Benn Steil, "Models for a Post-COVID US Foreign Economic Policy," in: Brands & Gavin (eds.), p. 198.
  7. Rutkow, p. 104.

ثانيًا، ما يثير هواجس الباحثين أيضًا المؤسسات الدولية ودورها وفاعليتها في النظام الدولي؛ إذ عادةً، المؤسسات الدولية "تتطور أو تختفي أو تتكيّف مع النظام العالمي الذي تعمل فيه"26. والسؤال هنا: هل قامت المؤسسات الدولية بدورها في ظل جائحة كورونا؟ وهل تكيّفت مع التطورات التي أحدثتها الجائحة؟ الإجابة جلية وتحظى بإجماع المشاركين في الكتاب؛ وهي أن الفشل لم يقتصر على الدول في تعاملها مع الجائحة، بل تعدّاها إلى المؤسسات الدولية في أداء وظيفتها، فالهيئات التي أُسّست وتطورت خلال القرن العشرين لم ترتقِ إلى مستوى التحدي. ويشير براندز وغافيز إلى أننا "نعيش في زمن يخيّم عليه الظلام؛ إذ يواجه العالم أزمات وطنية وعالمية متداخلة. وغالبًا ما تبدو الحكومات والمؤسسات الدولية غير ملائمة لهذه المهمة"27. فالمؤسسات الدولية وقعت في بؤرة فشل كبرى، والاستجابات الفورية للجائحة كانت وطنية بامتياز، في ظل غياب واضح للمؤسسات الإقليمية والدولية، ولا سيما في بداية تفشّ الوباء28. أفلحت هذه المؤسسات (مثل حلف شمال الأطلسي "الناتو" وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية)، وفقًا لفيليب بوبيت، "في القيام بدورها سابقًا، لكنها اليوم ما عادت قادرة على القيام بذلك." وسواء قلنا إن هذه المؤسسات الدولية في فترة ما بعد الحرب كانت قادرة، لكنها وصلت إلى طريق مسدودة، أو أنها لم تصمّم أبدًا للتعامل مع التعقيدات عبر الوطنية في عالم مترابط، فإن النتيجة هي نفسها. وكشفت جائحة كورونا أنها عديمة الجدوى في التعامل مع التهديدات العالمية التي يضع بعض الدول في مواجهة بعضه"29. وهذا ما تؤكده إيكونومي بقولها إن "مؤسسات النظام الدولي الحالي ومعاييره وقيمه غير كافية لتلبية حاجات شعوب العالم ومطالبها؛ فبعضها يحتاج إلى التعزيز، بينما يحتاج بعض الآخر إلى الإصلاح"30. ويجادل ستين بدوره بأن المؤسسات الدولية القائمة تعاني اختلالً وظيفيًا، يدلّل على أن النظام العالمي يمر بمرحلة انتقالية، فيرى أن "أداءها ضعيف ليس بسبب الأخطاء في أنظمتها، لكن لأن ميزات التصميم الخاصة بهم لا تتناسب مع النظام العالمي المتطور"31. يشدد المشاركون في الكتاب على أهمية هذه المؤسسات ودورها في النظام الدولي، فلا مناص من الإبقاء عليها والدفاع عنها وحمايتها؛ حتى لا تُختطف من الصين. وهذا ما أكدته إيكونومي بقولها "إذا تُركت المؤسسات الدولية، مثل منظمة الصحة العالمية، من دون رعاية، فثمة خطر أن تستولي الصين عليها، بطرائق تضر بمصالح المجتمع الدولي الأوسع"32. وانطلاقًا من هذه الأطروحات، انبرى الباحثون لنقاش الطرائق المثلى لتفعيل المؤسسات الدولية، وكيفية الحفاظ عليها وتفعيلها، وتبلورت رؤيتهم في ما يلي: "يجب أن تأخذ ديمقراطيات السوق العالمية على رأس أولوياتها استراتيجية إعادة الالتزام بالمعايير والقيم، فضلً عن المؤسسات التي يقوم عليها النظام الدولي الحالي[...]يجب عليها استخدام هياكل ومنظمات التحالف الديمقراطي الموجودة سلفًا، مثل الناتو ومنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي ومجموعة الدول السبع، لتطوير شراكات مع الاقتصادات التي لا تزال في طور النمو، من أجل تعزيز قيمة معايير النظام الدولي ومؤسساته"33. ولا يكفي الدفاع عن النظام الدولي ومؤسساته، بل يجب الشروع في عملية إصلاح شاملة34.

ثًالث ا: الخطر الصيني على النظام الدولي الليبرالي والهيمنة الأميركية

يشدد جلُّ المشاركين في الكتاب على مخاوفهم من الصين؛ باعتبارها قوة منافسة للولايات المتحدة، مؤكدين الطبيعة التسلطية لنظام الحكم فيها. ويمكن بوضوح رؤية بصمة أفكار نظرية السلام الديمقراطي في أطروحات الباحثين التي تعتبر الدول غير الديمقراطية تهديدًا للسلم العالمي؛ لذا، فالصين من وجهة نظرهم تمثل خطرًا أساسيًا يتهدّد النظام العالمي، وربما يؤدي صعودها إلى تقويض دعائم النظام الليبرالي العالمي الذي أُرسِ بعد الحرب العالمية الثانية، معتبرين أن القيم التي تحملها الصين تهدّد منظومة القيم الليبرالية. وبدلً من التعاون وتقاسم أعباء القيادة العالمية لمواجهة هذه الجائحة، انخرطت الولايات المتحدة والصين في سياسات عدائية متبادلة، ما زاد الأمر تعقيدًا35. فالتعاون بين أقوى دولتين في العالم لا غِنى عنه لمواجهة معظم التحديات العالمية، لكن، يشهد واقع

  1. Stein, p. 265.
  2. Brands & Gavin, p. 16.
  3. Stein, p. 264.
  4. Bobbitt, p. 59; Jessica Fanzo, "No Food Security, no World Order," in: Brands & Gavin (eds.), p. 161.
  5. Economy, p. 382.
  6. Stein, p. 260.
  7. Economy, p. 382.
  8. Ibid.
  9. Ibid.
  10. Eric Schmidt, "Building a New Technological Relationship and Rivalry: US-China Relations in the Aftermath of COVID," in: Brands & Gavin (eds.), pp. 406-407.

العلاقات الأميركية - الصينية تدهورًا منذ سنوات، ولم تؤد جائحة كورونا إلّ إلى تفاقم الوضع36. ويرى الباحثون أنفسهم أن الصين تعمل على إزاحة الولايات المتحدة من صدارة القيادة العالمية37، ويعتقدون أن الوباء كشف عن نطاق طموح بيجين وحجمه لإعادة تشكيل المشهد الجيوستراتيجي، ومراجعة المؤسسات الدولية لتعكس معاييرها وقيمها وتفضيلاتها38. يؤكد الكتاب أنّ مصدر الخطر الصيني ليس التنافس على قيادة العالم فحسب، بل الاختلاف الأيديولوجي والقيمي بين الدولتين أيضًا. فالصين، بحسب رؤيتهم، صارت من الناحية الأيديولوجية أشدّ عداءً للغرب مما كانت عليه سابقًا39. ومن هذا المنطلق، ترى إيكونومي أن "الصين تمثّل تهديدًا مباشرًا ومستدامًا للأعراف والقيم الدولية، بما في ذلك حرية الملاحة والتجارة الحرة والحكم الرشيد وحقوق الإنسان"40. فالصين صارت مهدِّدة للدول، وبات خطرها يتجاوز حدودها. وتكشف علاقات بيجين بباقي العالم؛ إذ غدت "أكثر عدوانية وحزمًا وتنمّرًا. ففي شباط/ فبراير 2020، فرضت ضغوطًا كبرى على الدول لعدم تقييد السفر مع الصين[...]وانخرطت القوات الصينية في اشتباك مميت مع القوات الهندية على طول الحدود، وهي أول مرة تزهق فيها أرواح في اشتباك حدودي كهذا منذ خمسة وأربعين عامًا. كما فرضت قانونًا أمنيًا جديدًا قاسيًا في هونغ كونغ، ما أدى فعليًا إلى إنهاء مبدأ دولة واحدة ونظامين"41. في ضوء ما سبق، كيف يمكن وصف العلاقات الأميركية - الصينية؟ وهل وصلت إلى حالة الحرب الباردة؟ هناك موقفان حيال ذلك؛ طائفة ترى أن حربًا باردة بدأت؛ إذ يعتقد نيل فريغسون أنه كان من الواضح بالفعل في أوائل عام 2019 أن حربًا باردة جديدة – الحرب الباردة الثانية، بين الولايات المتحدة والصين – قد بدأت. إن ما بدأ في أوائل عام 2018 كحرب تجارية، تحوّل بحلول نهاية العام إلى حرب تكنولوجية بشأن الهيمنة العالمية؛ مواجهة أيديولوجية، ردًّا على معاملة بيجين لأقلية الأويغور في منطقة شينجيانغ الصينية والمتظاهرين المؤيدين للديمقراطية في هونغ كونغ؛ وتصاعد الخلافات القديمة بشأن تايوان وبحر الصين الجنوبي. واعترف كيسنجر نفسه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 بأننا "في سفوح حرب باردة"42. على النقيض من ذلك؛ ترى إيكونومي أن "هناك أيضًا شهية قليلة على مستوى العالم، ولدى الولايات المتحدة والصين، للسماح بالتوترات في العلاقة لتتحوّل إلى حرب باردة جديدة. فقلةٌ من الدول، هذا إن وجدت، سترحّب بمطلب التوافق مع قوة عظمى واحدة أو أخرى والتضحية بالمزايا الاقتصادية والأمنية لعالم أقل استقطابًا. علاوة على ذلك، فإن احتمالات مواجهة التحديات العالمية – تغيّ المناخ والأوبئة واللاجئين والأزمات المالية – تتضاءل كلها في عالم يتّسم بانقسامات حادة وعقلية محصلتها صفرية"43. وتؤيدها في هذا هيكس؛ معتقدةً أن هذا العداء من غير المتوقع تحوّله إلى حرب باردة، على شاكلة الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، خصوصًا أن واشنطن وبيجين فشلتا في مواجهة الجائحة44. سواء كانت هناك حرب باردة أم لا، فإن الباحثين، تقريبًا، يستبعدون تحوّل الصراع إلى حرب فعلية. يقول أليسون: "هل المواجهة والتنافس حتميان؟ بلى. لكن، هل الحرب – حرب دموية حقيقية – حتمية؟ لا. مرة أخرى، لا"45. وقدّم الباحثون استراتيجيات للحيلولة دون الحرب، وقدّموا في سبيل ذلك مزجًا بين الطرح النظري الواقعي والليبرالي، فالتنافس هو المناخ الذي سيسود في العلاقات بين الدولتين، وحتى لا يتحوّل الصراع هوبزيًّا، لا بد من التعاون بينهما في مجالات معينة. طرحت إيكونومي استراتيجية سمّتها "التعاون والتطور المشترك"، تقوم على الاعتراف "بحتمية التنافس بين البلدين، لكنها تحاول تحقيق الاستقرار فيها، من خلال إدخال تركيز متجدد على التعاون. في حالة التعاون، على سبيل المثال، تحدّد العلاقة الشاملة بين الولايات المتحدة والصين من خلال التنافس، لكن البلدين سيعملان على تحديد تحديات سياسية معينة يمكن معالجتها على نحوٍ أفضل من خلال التعاون، خصوصًا القضايا العابرة للحدود46. أما أليسون، فاستدعى، من جانبه، استراتيجية صينية قديمة، اسمها "شراكة التنافس"، تعود في حضارة الصين القديمة إلى ألف عام خلت. مؤكدًا أنه "من أجل

  1. Haass.
  2. Allison, pp. 402-403.
  3. Economy, p. 370.
  4. Niall Ferguson, "From COVID War to Cold War: The New Three- Body Problem," in: Brands & Gavin (eds.), p. 420.
  5. Economy, p. 382.
  6. Thomas Wright, "COVID-19's Impact on Great-Power Competition," in: Brands & Gavin (eds.), p. 322. للمزيد، ينظر: Christine Fox & Thayer Scott, "Flat No Longer: Technology in the Post-
  7. Ferguson, p. 420.
  8. Economy, p. 380.
  9. Hicks, p. 349.
  10. Allison, p. 393. 46  Economy, p. 380.
  11. COVID World," in: Brands & Gavin (eds.), pp. 169-187.

البقاء، يجب اتّباع هذه الطريقة على الرغم من صعوبتها؛ باعتبارها تسمح بالتغلب على ما يسمى فخ ثيوسيديس"47. لن تحظى استراتيجية التعامل مع الصين بأي نجاح، إذا لم يسبقها تحصينٌ للتحالفات مع الدول الديمقراطية. ومن هذا المنطلق، يجب تعميق التعاون مع المجتمعات الحرة والديمقراطية الأخرى، وفي جميع القضايا، لتشمل التحديات المحلية المشتركة التي تواجهها هذه الدول. ومن شأن التعاون بين الدول الديمقراطية أن يُ كّنها من الاتفاق على موقف مشترك، وهذا سيساعدها في التفاوض جماعيًا من موقع قوة مع الصين. ويجادل رايت بأن "التعاون بين الديمقراطيات والقوى الاستبدادية سيكون صعبًا ومحدود النطاق، لكنه قابل للتحقيق إذا كان قائمًا على المعاملات، وعلى المصلحة المشتركة. ومع ذلك سيتعيّ على الديمقراطيات أن تفكر من جديد، بشأن ما سيترتب على التعاون مع الصين"48.

رابعًا: الولايات المتحدة والنظام الدولي الليبرالي بعد جائحة كورونا: إلى أين؟

في خضم الكوارث والجوائح، غالبًا ما يجري تضخيم الأمور، وربما تعود المياه إلى مجاريها بعد انتهائها. وقد يستقيم هذا الطرح لو كانت هذه الجائحة هي الأزمة اليتيمة التي يعانيها النظام الدولي، لكن الجائحة بمنزلة القشة التي قصمت ظهر البعير، مؤجّجة الصراعات وكاشفة عن إخفاقات النظام الدولي بمؤسساته وقيادته. ينشغل الكتاب، بشكل أساس، بمصالح الولايات المتحدة ومستقبلها؛ لذلك، نجد في ثناياه استفسارات كالتي طرحها شميدت: ماذا على الأميركيين أن يفعلوا للظفر في مثل هذا العالم؟ ويجيب بأن علينا [أي على الأميركيين] "التأكيد على نظامنا الأميركي، مع الحفاظ على القيم الديمقراطية القابعة في صميمه. وهذا يعني معالجة الانقسامات العميقة وعدم المساواة، وأن نتذكر أن المهاجرين يمنحوننا قوتنا؛ إن تحالفاتنا وحجمنا وأفكارنا وقدرتنا على الإبداع، لَهِي مكامن قوتنا. إذا قدنا بهذه الطريقة – الطريقة الأميركية – فإن حلفاءنا سينضمون إلينا، وفي النهاية سيلتحق بنا باقي العالم"49. وفي معمعة ثورة المعلومات؛ يشدّد الباحثون المشاركون في الكتاب على أهمية استثمار الحكومة الأميركية في مجال التكنولوجيا، معتقدين أن تدعيم الولايات المتحدة وتقويتها يجب أن يبدآ من الداخل، قبل الولوج إلى محاولة إضعاف الصين وغيرها من الدول50. يُحاجّ الكتاب بأن مستقبل النظام مرتبط بالقيادة الأميركية وقراراتها. ومن هذا المنطلق، ترى كوري شايك أننا [الأميركيين] "يجب أن نعود إلى العمل المشدد المتمثل في بناء التحالفات والتسوية والقيادة المؤسسية، حتى نحظى بالقدرة على رؤية المشكلات في أثناء تطورها ومعالجتها، قبل أن تؤثر في حياة الأميركيين وتنمو إلى أبعاد أكثر تكلفة. وتجعلنا البدائل الوحيدة أكثر فقرًا، وأكثر انكشافًا أمام الآخرين؛ ما يخلق نظامًا معاديًا لمصالحنا"51. وترى شايك أيضًا في الجائحة فرصةً أمام الولايات المتحدة: "خلق الوباء وإخفاقات السياسات المرتبطة به في الولايات المتحدة فرصة لتجديد تقدير التعاون الدولي، لخلق عمق استراتيجي، ولتحديد المشكلات والشروع في حلّها، قبل أن تصل إلى السواحل الأميركية"52. إن صدى ما سبق بارزٌ عند المشاركين في الكتاب؛ فهم يدعون إلى إصلاح السياسات الأميركية لتواكب التغييرات، وإلى عدم الانسحاب من الساحة الدولية، فعلى عاتقها تقع مسؤوليات القوة المهيمنة، ولزامًا عليها حماية نفسها عن طريق دعم النظام الدولي الليبرالي ومؤسساته وقيمه. فالجائحة جَلَت الخلل الموجود في سياسة الولايات المتحدة، والفرصة للإصلاح والتجديد سانحة، فالولايات المتحدة في حاجة إلى إعادة تقييم الوضع الداخلي والخارجي. ويجب على عملية الإصلاح أن تشمل القضايا الأمنية الصلبة والناعمة، فلعلّ الوباء يكون، كما قيل، "مجرد لحظةٍ طال انتظارها، لحظة تحتاجها الولايات المتحدة لإحداث تحسينات كبرى في مؤسستها العسكرية والدفاعية"53. تصنَّف سيناريوهات مستقبل النظام الدولي: متشائمة ومتفائلة؛ منطلقةً من قاعدة المصالح الأميركية. عرض هال براندز وبيتر فيفر وويليام إنبودن سيناريوهين أساسيين54: سيناريو متشائم يفضي إلى أفول العولمة وتغيّ التوازن العالمي ونهاية النظام الليبرالي الدولي وتراجع الديمقراطية وصعود الدول الشمولية والأنظمة الشعبوية. ويشير ثلاثتهم إلى وجود ميل بين الباحثين بعامة نحو هذا السيناريو؛

  1. Allison, p. 388.
  2. Wright, p. 327.
  3. Schmidt, p. 417.
  4. Fox & Scott, p. 183.
  5. Kori Schake, "Building a More Globalized Order," in: Brands & Gavin (eds.), p. 332.
  6. Ibid.
  7. Hicks, p. 362.
  8. Hal Brands, Peter Feaver & William Inboden, "Maybe It Won't Be So Bad: A Modestly Optimistic Take on COVID and World Order," in: Brands & Gavin (eds.), pp. 302-309.

فكتب جون إيكنبري أن فيروس كورونا تسبب في "نهاية النظام العالمي الليبرالي." بينما أشار آخرون إلى ميل التوازن الأيديولوجي العالمي نحو الاستبداد والتعجيل بصعود الصين؛ وهذا قد يؤدي إلى تراجع العولمة أو نهايتها؛ ما سيدفع واشنطن إلى إعادة ترتيب مقاربتها للأمن القومي على نحوٍ أساسي55. خلافًا لهذا السيناريو، يقول السيناريو المتفائل بانتصار الليبرالية والديمقراطية وتجديد العولمة والنظام الدولي الليبرالي. في ظل هذا السيناريو، ستدفع الحاجة إلى إحياء شبكة العولمة، مع عدم وجود إمكان لحدوث تغيير في نظام التوازن العالمي، فتراجع واشنطن لم ترافقه مع ذلك زيادة في قوة دول أخرى تدفع إلى تغيير النظام. فإضافة إلى أن النظام الدولي الليبرالي ما زال متماسكًا وأُعيد تنشيطه، هناك عيوب وتحديات وضعف في المؤسسات الدولية، وهذا ليس جديدًا، لكن بديله لم يولد بعد، لذا ما زالت هناك حاجة إلى هذه المؤسسات56. لم يستبعد المشاركون في الكتاب مستقبلً يتزاوج فيه السيناريوهان المتفائل والمتشائم، ما يعني أن الواقع الجيوسياسي الجديد قد يقع في مكان ما بين هذين النقيضين57؛ معتبرين أن الذي سيحسم الغلبة لأحد الاتجاهين يعتمد في الأساس على السياسة الأميركية، وقدرة النظام الأميركي على القيام بدوره وإصلاح الخلل الذي يعتريه. ومن هذا المنطلق، فهم يرون أن القيادة العالمية الأميركية الرشيدة ستساعد في دفع النتيجة نحو أقصى درجات التفاؤل. وانتهوا إلى التشديد على "مدى التغيير الدراماتيكي لأداء الولايات المتحدة في قلب التوازن العالمي من مستقبل مظلم إلى مستقبل أكثر إشراقًا"58.

خاتمة

يشدّد الكتاب على فكرة مركزية، هي ضرورة استمرار هيمنة الولايات المتحدة والنظام الدولي الليبرالي والدفاع عنهما، لأنهما النموذج الأنسب لتحقيق مصالح الولايات المتحدة وحماية النظام الديمقراطي. وسخّر المشاركون جهودهم لصوغ استراتيجيات لصانع القرار الأميركي من أجل مجابهة القضايا الأمنية الصلبة والناعمة التي واجهها النظام الدولي قبل الجائحة، وتفاقمت مع تفشّيها. إذًا، المصالح الأميركية هي منطلق الكتاب؛ لذا وُصمت الصين بغير الديمقراطية والمعادية للنظام الدولي الليبرالي. فيُظهِر الكتاب المخاوف الكبرى من بيجين، ليس في إطار التنافس الجيوسياسي فحسب، لكن أيضًا في إطار الصراع الأيديولوجي والقيمي مع الولايات المتحدة. فساق الباحثون صورة نمطية عن الصين بأنها تهدّد السلام العالمي، وتحاول إحلال النموذج الاستبدادي محل الديمقراطي ومراجعة المؤسسات الدولية. ويأتي هذا المسوّغ لتبرير السياسة الأميركية لوأد محاولات الهيمنة الصينية. واتخذ المشاركون سياسة الصين الخارجية تجاه أستراليا وهونغ كونغ والهند زمن الجائحة، التي شُيّدت على الإكراه والسيطرة، قرينةً على النهج الذي ستتّبعه الصين في سياستها مستقبلً. وهم ينطلقون من الإيمان بالليبرالية والديمقراطية، ويعتبرونها معيارًا للحكم على الدول الأخرى، وهذا نمّى توجساتهم تجاه الصين، وكأنها رهاب يلازمهم، ما قد يؤثر في صنع القرار الأميركي، خصوصًا أن قسمً من الباحثين يعمل في مراكز بحثية مرموقة وغرف تفكير مؤثرة. تُدرج أهمية الكتاب في إقراره بأن الولايات المتحدة تواجه تحديات داخلية وخارجية، وأن مستقبلها منوطٌ بالإصلاحات الكفيلة بتحييد تلك التحديات. فالمشاركون على يقين من أن الهيمنة الأميركية والنظام الدولي الليبرالي مشروع لا تدوم حياته، إذا دأبت واشنطن على اجتراح أخطاء شبيهة بسياسة ترامب الخارجية، أو في حالة عدم قيامها بإصلاحات داخلية. وهذا يذكرنا بالانحدار النسبي والمطلق الذي تحدث عنه جوزيف ناي في كتابه هل انتهى القرن الأمريكي؟ معتبرًا أن الدول تنهار إما بسبب مشكلات داخلية، يسميها حالة الانحدار المطلق، وإما نتاج تقدم قوى أخرى، ويسمى حالة الانحدار النسبي59. فالولايات المتحدة، بحسب هذا الكتاب، تعاني الحالتين معًا؛ ولذلك، يؤكد الباحثون المشاركون في الكتاب أهمية قيام الولايات المتحدة بإصلاحات، وضرورة دعمها المؤسسات الدولية والدول الديمقراطية وتعزيزها التحالفات والسعي وراء استقطاب أكبر عدد من الدول، ليكون ذلك قاعدةً لها في مواجهتها الصين. ويعتقدون أن على واشنطن أن تستمر في قيادة النظام العالمي، فهي تمتلك الإمكانات في جميع المجالات، وستكون هي المستفيدة من هذا النظام. إضافة إلى أن الولايات المتحدة لن تكون آمنة ولا مزدهرة، إذا عملت منفردةً، من دون التعاون مع الدول الديمقراطية الأخرى. وتحتاج إلى الحزم مع الصين إذا اتجهت نحو الهيمنة الإقليمية، حتى لو أدى

  1. Ibid., p. 298.
  2. Ibid., pp. 305-309.
  3. Ibid., p. 309.
  4. Ibid., p. 313.
  5. ينظر: ناي.

ذلك إلى تصاعد التوتر بين الدولتين60، مع استبعادهم نشوب حرب دموية. فهم يصفون العلاقات بين الدولتين بالتنافسية، ويعتبرون هذا مسلّمة لا يمكن تغييرها، لكن في الإمكان ضبطها ومنع تصعيدها. ويتحقق ذلك من خلال إيجاد مساحات للتعاون بينهما. يُحسَب للكتاب طرحه التكامل بين القضايا الأمنية الصلبة والناعمة، ونجاحه في توصيف علاقة التأثر والتأثير بين هذه القضايا من جهة، وتأثيرها في النظام الدولي من جهة أخرى. فالقضايا الأمنية الناعمة، مثل المناخ والأوبئة والتكنولوجيا، ما عادت خارج إطار معادلة العلاقات الدولية، بل أصبحت تؤدي، جنبًا إلى جنب مع القضايا الأمنية الصلبة، دورًا مهمً في رسم معالم النظام الدولي. يخبرنا خبراء الصحة والمؤرخون أن الأوبئة لن تختفي إلى الأبد، وأن اللقاح لا يعني نهاية الجائحة؛ فهي من الناحية الاجتماعية ليست مرتبطة بدورة الحياة البيولوجية للوباء، لذا ينتهي اجتماعيًا عندما يخبو الاهتمام بموضوعاته، ولا يعود يثير "الخوف كموضوع إخباري جدير بالنشر، مقارنةً بالعناوين الرئيسة الأخرى المحتملة، مثل التدهور البيئي والإرهاب البيولوجي والقنبلة القذرة وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط أو تفشي وباء آخر"61. لن يختفي الوباء بيولوجيًا، لكن عدد المصابين به سينحسر شيئًا فشيئًا. ومن ثمّ، فإن دورة حياة الفيروس من ناحية بيولوجية واجتماعية لا تنتهي بالقضاء عليه. فالصراع مع المخاطر الصحية لا ينتهي، وهو معركة مستمرة تشتد وتيرتها أو تقل مع انتشار أنواع جديدة من الفيروسات، وبدء دورة حياة فيروس جديد. وهنا يؤكد الباحثون أهمية منظمة الصحة العالمية والتعاون الدولي في حوكمة الصحة العالمية. ويذكّرنا هذا الكتاب بأنواع عدة من الحروب التي سيخوضها العالم، ولن تكون الأسلحة التقليدية كافية لمواجهتها، وهذا أسهم في تغيير مفهوم الأمن التقليدي وتوسيعه. في هذا الإطار، حثّ المشاركون الولايات المتحدة على أن تكون قادرة على توقع الأوبئة المستقبلية والاستجابة لها، وذلك للتقليل من أحداث الفوضى في العالم مستقبل62. يصعب التنبؤ بمستقبل النظام الدولي، والبادي منه هو أن مشهد الصدارة فيه سيكون للعلاقات الأميركية - الصينية، التي ستؤثر فيها مجموعة من القضايا الأمنية الصلبة والناعمة. والسيناريوهات مفتوحة وتراوح بين التشاؤم والتفاؤل، فلا قطع بشأن اتجاهات النظام الدولي بعد جائحة كورونا. فإذا أخفق الرئيس الأميركي الحالي، بايدن، في اقتناص فرصة الجائحة وإصلاح أخطاء ترامب، فستضيع فرصة الإبقاء على الهيمنة الأميركية وتعزيز النظام الدولي الليبرالي. ويقرّ المشاركون بأن الخيارات البديلة، سواء كانت الانسحاب من القيادة العالمية أم إطلاق العنان للشعبوية، ستكون نتائجها وخيمة على الولايات المتحدة، ومن ثم يعلنون أن "ما من خيار سوى معرفة كيفية جعل النظام العالمي متجاوبًا ديمقراطيًا"63. ويبقى السؤال: هل سيكون النظام الدولي ما بعد جائحة كورونا أفضل للولايات المتحدة؟ وستبقى أبواب الإجابة مفتوحة أمام الباحثين.

  1. James B. Steinberg, "A 'Good Enough' World Order a Gardener's Manual," in: Brands & Gavin (eds.), pp. 292-293.
  2. Greene & Vargha, pp. 32-33.
  3. Inglesby, p. 90.
  4. Henry Farrell & Hahrie Han, "Public Governance and Global Politics after COVID-19," in: Brands & Gavin (eds.), p. 253.

المراجع

العربية

الجدل حول مستقبل القوة الأمريكية. ترجمة وتعليق محمد العربي. سلسلة أوراق 4. الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية، وحدة الدراسات المستقبلية،.2012 ناي، جوزيف. هل انتهى القرن الأمريكي. ترجمة محمد إبراهيم العبد الله. الرياض: العبيكان للنشر، 2016. هابرماس، يورغن. "الحداثة مشروع ناقص". الفكر العربي المعاصر. العدد 39 (أيار/ مايو-حزيران/ يونيو.)1986 هاس، ريتشارد. عالم في حيص بيص: السياسة الخارجية الأمريكية وأزمة النظام القديم. ترجمة إسماعيل بهاء الدين سليمان. بيروت: دار الكتاب العربي، 2017. وولفورث، وليم. استقرار عالم القطب الواحد. سلسلة دراسات عالمية 36. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2001.

الأجنبية

Brands, Hal & Francis J. Gavin (eds.). COVID-19 and World Order: The Future of Conflict, Competition and Cooperation. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2020. Haass, Richard. "The Pandemic Will Accelerate History Rather Than Reshape It: Not Every Crisis Is a Turning Point." Foreign Affairs. 7/4/2020. at: https://fam.ag/3gREvQT Ikenberry, John. "Rethinking the Origins of American Hegemon." Political Science Quarterly. vol. 104, no. 3 (Autumn 1989). Kagan, Robert. The World America Made. New York: Vintage Books, 2013.