مركزية إقليم الشرق في سلام السودان: التوترات القائمة والوقاية من تصاعد النزاع

Sultan Barakat سلطان بركات | ** Mona Hedaya منى هداية |

الملخّص

Eastern Sudan is in a critical stage, where local fault lines intersect with Horn of Africa tensions and regional and international ambitions. This study traces those fissures and their intersections in order to understand and analyze the conflict in the region. Its basic premise is that eastern Sudan represents the priority and geographical entry point in the Sudanese peace-building process, and that the establishment/strengthening of peace in this region is linked to a reciprocal relationship with the security and stability of the Horn of Africa. The study presents preliminary ideas, in terms of preventive diplomacy, that may contribute to healing the rifts. It is based on a combination of primary sources, literature, and personal interviews with Sudanese academics, diplomats and other actors. In addition, it builds on the outputs of two workshops from the Sudan Track II Peace Dialogue Project. It frames some aspects of the analysis and ideas presented with a set of theories and hypotheses that intersect with the field of conflict studies, following the "combined approach," for studying complex conflict environments.

The Centrality of the Eastern Region in Sudan's Peace: Existing Tensions and Prevention of Escalation of Conflict

يمرُّ إقليم شرق السودان بمرحلة حرجة؛ إذ تتقاطع فيه خطوط التصدعات المحلية مع توترات القرن الأفريقي والأطماع الإقليمية والدولية. تتبع الدراسة تلك التصدعات وتقاطعاتها، بغرض فهم النزاع في الإقليم وتحليله. وتكمن فرضيتها الأساسية في أنّ شرق السودان يمثل الأولوية والمدخل الجغرافي في عملية بناء السام السوداني، وأنّ إحال/ تعزيز السام في هذا الإقليم يرتبط بعاقة تبادلية مع أمن القرن الأفريقي واستقراره. وتقدّم الدراسة أفكارًا أولية قد تسهم في رأب التصدعات من منطلق الدبلوماسية الوقائية. وتستند إلى مجموعة من المصادر الأولية، والأدبيات، والمقابات الشخصية مع الأكاديميين المختصين والدبلوماسيين والفاعلين السودانيين. يضاف إليها مخرجات ورشت ي عمل احتضنتا حوارًا سودانيًا في المسار الثاني. وتستعين الدراسة في تأطير بعض جوانب التحليل والأفكار المطروحة بمجموعة من النظريات والفرضيات المتقاطعة مع مجال دراسات النزاع، اتباعًا لما يسمى "النهج المرك ب"، والمتعارف عليه لدراسة بيئات النزاع المعقدة. كلمات مفتاحية: السودان، القرن الأفريقي، الدبلوماسية الوقائية، تحليل النزاع.

Keywords: Sudan, Horn of Africa, Preventive Diplomacy, Conflict Analysis.

مقدمة

لطالما شهدت الساحة السودانية نزاعات وتوترات توزعت في مختلف أقاليم البلاد، كما أنّ الاضطرابات ليست عَرَضًا طارئًا على القرن الأفريقي، لكنّ السنوات الأخيرة شهدت تحولات عدة عقّدت المشهد وجذبت لاعبين جددًا إلى الميدان؛ ما استلزم إعادة تقييم، ولو كان جزئيًا، للأوضاع. بالتزامن مع تصاعد التنافس الإقليمي والدولي في سباقات الاقتصاد والتمدد الاستراتيجي والأمني في القرن الأفريقي، ومع تفاقم/ نشوء صراعات جديدة في أنحاء المنطقة، كانت حالة عدم الاستقرار السياسي في السودان جلية للمراقب، لا سيما باندلاع الثورة السودانية في كانون الأول/ ديسمبر 2018. ففضلً عن النزاعات الداخلية التي هي بالأساس تحت المجهر، بدت بعض النزاعات الأخرى الكامنة تغلي تحت السطح. تحاجّ هذه الدراسة بأنّ الديناميكيات المحلية والإقليمية والدولية، تجعل من إقليم شرق السودان نقطة تتلاقى عندها مختلف خطوط الصدع في السودان متقاطعة مع توترات القرن الأفريقي. وتكمن فرضيتها الأساسية في أنّ الشرق يمثل أولويةً في عملية بناء السلام السوداني، وإحلال/ تعزيز السلام في هذا الإقليم يرتبط بعلاقة تبادلية مع أمن القرن الأفريقي واستقراره. يأتي تناول هذا الموضوع من منطلق الدبلوماسية الوقائية، أي من اندلاع/ تصاعد النزاعات، وبما أنّ الصعوبة في التوجه إلى ذلك النوع من عمليات إدارة النزاع تكمن في استشراف اندلاعه وتطوره، لا سيما مع كون الأطراف الفاعلة عادةً ما تتحرك وتتفاعل من أجل التسوية بناء على وجود آثار مباشرة وواضحة للنزاع، وحيث إنّ خلق قناعة بضرورة معالجة مشكلة ما يتطلب أولً خلق قناعةٍ بوجود تلك المشكلة، فإن هذه الدراسة تبدأ أولً بتحليل بوادر تصاعد النزاعات وتتبع خطوط الصدع، وذلك من خلال تحليل الأوضاع في إقليم الشرق وبعض التقاطعات الإقليمية والدولية المارة عبره، ومن ثمّ تحاول الدراسة طرح مجموعةٍ من الأفكار والخطوات الممكنة في سبيل الحل وفقًا للوضع الراهن. وتستند الدراسة في فهمها وتحليلها للنزاع إلى مسحٍ وتحليلٍ للأدبيات التي تتناول تاريخ الإقليم وشؤونه المختلفة إلى جانب الاستعانة بعدد من أدبيات دراسات النزاع ذات العلاقة، والأدبيات في الشأن السوداني العام، كما تعتمد في تناولها المستجدات على إجراء مسح شامل للمصادر الأولية من أخبار وتقارير. وقد عُزّز التحليل في الدراسة من خلال إجراء عدد من المقابلات الشخصية شبه المبنية مع الأكاديميين المختصين والدبلوماسيين والفاعلين السودانيين، والاستعانة بمخرجات ورشة العمل التي عقدها مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني بالتعاون مع المركز الأوروبي السوداني لدراسات القرن الأفريقي بعنوان "حوار بناء السلام والإعمار في السودان"، التي عقدت في الدوحة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، وورشة العمل الإلكترونية التي عقدها المركزان بالتعاون مع مؤسسة نيتكسوس إنترناشيونال Netxéos International ضمن منتدى التمكين المدني والتنمية المستدامة في السودان في أيار/ مايو.2020 وتستعين الدراسة في تأطير بعض جوانب تحليلها وفي رؤيتها لسبل حلحلة الأوضاع بعدد من النظريات والفرضيات المتقاطعة مع مجال دراسات النزاع، مثل نظرية "الحرمان النسبي الاجتماعي"، ونموذجي "المركز - الأطراف" و"تشكّل النزاع الإقليمي"، وفرضية "الجيران السيئين"، ونظرية "مجمع الأمن الإقليمي." وتأتي الاستعانة بهذه التوليفة النظرية المتعددة اتباعًا لما يسمى "النهج المركّب"، الذي يُستخدم على نطاق واسع في مجال الأبحاث حول مناطق النزاعات؛ لما له من فاعلية في دراسة تلك البيئات المعقدة، والتي لا يمكن دائمًا معالجة جانبٍ منها بمعزل عن بقية أجزاء المشهد1.

أولا: حول شرق السودان: المكان والتاريخ وجذور النزاع

يضمُّ إقليم شرق السودان ولاية البحر الأحمر وولاية كسلا وولاية القضارف، ويحدّه من الشرق البحر الأحمر وإرتيريا وإثيوبيا، ومن الشمال مصر، ويمتد جنوبًا إلى ولاية النيل الأزرق، بينما يصل غربًا إلى تخوم نهر النيل (ينظر الخريطة)2. ويقدّر عدد سكانه بنحو ستة ملايين نسمة من إثنيات متعددة، النسبة الأكبر منهم هم من شعب "البجا"، وهم قبائل غير عربية، إلى جانب العديد من القبائل العربية، والبدو3 الذين قدموا من شبه الجزيرة العربية، فضلً عن النوبيين والدارفوريين، وبعض القبائل التي تعود أصولها إلى غرب أفريقيا ووسطها4.

  1. Sultan Barakat et al., "The Composite Approach: Research Design in the Context of War and Armed Conflict," Third World Quarterly , vol. 23, no. 5 (October 2002), p. 991.
  2. John Young, "Eastern Sudan: Caught in a Web of External Interests," Review of African Political Economy , vol. 33, no. 109 (September 2006), pp. 594–595.
  3. تعدّ قبيلة الرشايدة من أبرز القبائل التي ظلّت تحتفظ بالعادات والتقاليد العربية القديمة منذ أن قدمت في منتصف القرن التاسع عشر، كما بقيت منغلقة على نفسها، وذلك حتى الأعوام القليلة الماضية. وفيها انفتحت على المجتمع السوداني.
  4. International Crisis Group, Sudan: Preserving Peace in the East, Africa Report no. 209 (November 2013), accessed on 13/9/2021, at: https://bit.ly/36UIhka

ورغم مستويات الفقر المرتفعة لسكانه، فإنّه من أكثر الأقاليم السودانية ثراءً؛ فبحكم موقعه الجغرافي المتميز على البحر الأحمر، يتوفّر على مجموعة من أهم السكك الحديدية وشبكات الطرق، ويحتوي على منجم ذهب كبير، وأراضٍ زراعية واسعة5، كما تعتبر مدينة بورتسودان الميناء البحري الرئيس للبلاد، فهي تصدر من خلاله معظم التجارة الخارجية، وفي مقدمتها النفط. ولطالما اضطلعت الحكومة المركزية بتحصيل جميع العائدات من دون أن تنعكس بوضوح على سكان الإقليم، وبالتوازي مع تكرار الجفاف والمجاعات خلال ثلاثة عقود مدمرة لسبل العيش الريفية؛ ما جعل خريطة أقاليم السودان

كثيرًا من أهل الشرق يعتقدون أنه لا توجد عدالة في توزيع الموارد، ثم ازدادت محنتهم بالتنافس الحاد مع المهاجرين/ اللاجئين على الوظائف والخدمات6. وفي ظل هذا التدهور الاقتصادي، وبالترافق مع ضعف تأثير الإقليم ونفوذ أبنائه في الحكومة، أسس عدد من أبناء قبائل البجا ما يسمى مؤتمر البجا الوطني عام 1958، والذي هدف إلى النضال من أجل التنمية ورفض التهميش7، ثم تحوّل المؤتمر إلى حزب سياسي عام 1965، لينكفئ لاحقًا بصفة مؤقتة حينما حظر الرئيس السوداني

  1. 7  Young, pp. 594-595.
  2. International Crisis Group, Sudan: Preserving Peace in the East , pp. 2-3.
  3. 5  Young, p. 594. المصدر: من إعداد الباحثيَن استنادًا إلى: "السودان: خريطة المدن"، موقع خرائط السودان، شوهد في 2021/9/12، في: https://bit.ly/3yPWGfI

، الأسبق، جعفر النميري 1985-1969(الأحزاب السياسية عام) 1969، ثم ليعود مجددًا إلى الساحة السياسية عام 1986، في السنة التالية من الانقلاب وخروج النميري من السلطة8. وفي منتصف التسعينيات بدأت المجموعات المعارضة في شرق السودان تطوير أجنحة عسكرية بهدف مواجهة حكومة الإنقاذ، لا سيما مع الإجراءات القمعية) قد اتخذها من إلغاء التي كان عمر البشير 2019-1989(للبرلمان وحظر للأحزاب واعتقال للمعارضين، فردّت تلك الأجنحة باستهداف عدد من المعدات العسكرية الحكومية ومعسكرات الجيش وقوافل الإمداد9. ومع حلول عام 1999، أنشأ عدد من أبناء قبيلة الرشايدة حزب "الأسود الحرة"، استجابة لسياسات حكومية رأوا أن لها آثارًا سلبية في مصالحهم الاقتصادية10. انضوت المجموعتان، مؤتمر البجا والأسود الحرة، بعد ذلك تحت "جبهة الشرق" عام 2005، حيث تلقّت الجبهة دعمً سياسيًا ولوجستيًا كبيرًا من إرتيريا11، التي كانت هي ذاتها المستضيف لمفاوضات السلام بين الجبهة والحكومة السودانية في العام نفسه. كما سبق لإثيوبيا كذلك دعم الحركات المعارضة السودانية. ونتيجة لذلك، نشأت تجاذبات بين تلك الدولتين والسودان، لا سيما مع قيام الأخير بدوره بدعم المعارضة الإرتيرية. بعد ذلك، مرّت المعارضة في الشرق بتحولات ومراحل عدة، من دون أن تحقق أهدافها12، ثم خفت تأثيرها في الحياة السياسية وتراجع نفوذ جبهة الشرق منذ انسحاب قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 2005 من الإقليم؛ حيث كانت الحركة تساهم في نشاطات المعارضة هناك تحت مظلة التجمع الوطني الديمقراطي13. وتتداخل تاريخيًا أسباب النزاع والاضطرابات وجذورها بشرق السودان، فمن المظالم التاريخية، ومطالب التقاسم العادل للسلطة، ومشاعر الإقصاء الاجتماعي، والاغتراب السياسي والتهميش الدائم، إلى سوء الأوضاع الاقتصادية والتوزيع غير العادل للموارد، وليس انتهاءً بنقص خدمات التنمية وضعفها، والتي يمكن ملاحظتها من خلال المؤشرات الواردة في التقرير الوطني للتنمية البشرية في السودان، والصادر عام 2013 عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي United Nations Development Programme؛ فعلى سبيل المثال، توضح الإحصائيات في التقرير أنه في عام 2008 كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في إقليم شرق السودان هو الأدنى على مستوى البلاد من بعد إقليم دارفور، وذلك بواقع 1748 دولارًا أميركيًا للشرق مقابل 3508 دولارات أميركية للخرطوم مثلً، و 2628 للمنطقة الشمالية. ويكشف التقرير أيضًا أنّ مؤشر دليل التنمية البشرية Index, Development Human HDI لشرق السودان هو 0.552 مقابل 0.706 للخرطوم، وهو يأتي في المرتبة الثانية الدنيا بعد إقليم دارفور (الأدنى بواقع 0.487) ويساوي تقريبًا مؤشر كردفان. كما يقدم التقرير مؤشرات مماثلة فيما يتعلق بالخدمات الصحية والتعليمية؛ إذ نجد أن شرق السودان يأتي في المرتبة قبل الأخيرة في المعدل المتوقع للحياة عند الميلاد مقارنةً بسائر الأقاليم14. وهو يأتي في المرتبة الأخيرة في معدلات التسجيل للتعليم الأساسي والثانوي15؛ ذلك أنه في ولاية البحر الأحمر يلتحق طفلان فقط من كل خمسة أطفال بمدارس التعليم الأساسي، مقابل أكثر من أربعة من كل خمسة أطفال في ولايتَي الجزيرة والخرطوم16. تفاقم لدى أهل الشرق شعورهم بعدم المساواة، ليس بناء على المظالم الإثنية فحسب بل المظالم الجهوية أيضًا. ويمكن القول إنّ تلك المظالم أدت إلى بروز ما يمكن تشخيصه بالحرمان النسبي الاجتماعي Group Relative Deprivation المزمن لدى السكان، لا سيما مع ما سبقت الإشارة إليه من غنى الإقليم وروافعه الاقتصادية المتعددة؛ وهو ما تؤيده تصريحات متكررة لقادة البجا والرشايدة17. فالحرمان النسبي الاجتماعي هو حالة تنشأ نتيجةً ل "المقارنات الاجتماعية السلبية" بالمجموعات الأخرى المماثلة، وهي تخلق شعورًا لدى عموم أفراد المجتمع بالإحباط وعدم الرضا والغضب من وجود قصور في جوانب، مثل الرفاهية والأمن والتقدير والمكانة، يرون استحقاقهم لها في ظل تلك المقارنات، والتي تخلُص إلى استنتاج وجود ظلمٍ في التوزيع. ويربط عدد من الأبحاث هذه الحالة بنشوء التمرد وحركات الاحتجاج وغيرها من السلوكيات التي تستهدف معالجة الوضع18؛ فتيد روبرت جور يرى، في كتابه لماذا يتمرد البشر Men Rebel Why، أنّ أثر تلك المشاعر السلبية المرتبطة بنظرية الحرمان النسبي قد يصل

  1. International Crisis Group, Sudan: Preserving Peace in the East , p. 3.
  2. Saskia Baas, "Low-Intensity Conflict in Eastern Sudan: A Comparative Approach to the Development of Rebel Groups," Small Wars and Insurgencies , vol. 24, no. 3 (July 2013), pp. 519-521.
  3. Ibid.
  4. كانت إرتيريا كذلك نقطة انطلاق لمختلف مجموعات المعارضة المسلحة في الشرق خلال التسعينيات. ينظر: International Crisis Group, Sudan: Preserving Peace in the East , pp. 3-5.
  5. Young, pp. 594-598.
  6. Baas, p. 521.
  7. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 14 التقرير الوطني للتنمية البشرية في السودان: جغرافية السلام: وضع التنمية البشرية مرتكزًا للسلام في السودان (الخرطوم.)2013:
  8. المرجع نفسه، ص.168
  9. المرجع نفسه، ص.55
  10. Sara Pantuliano, "Comprehensive Peace? An Analysis of the Evolving Tension in Eastern Sudan," Review of African Political Economy , vol. 33, no. 110 (September 2006), pp. 709-711.
  11. Xiang-Yu Chen, et al., "Effects of Relative Deprivation on Intention to Rebel: A Multiple Mediation Model," Journal of Pacific Rim Psychology , vol. 12 (February 2018), p. 1.

إلى التصعيد واندلاع العنف السياسي الجماعي على نطاق واسع19. ويتعزز الربط بين ماهية الأوضاع في شرق السودان والحرمان النسبي بصورة أكبر بالاطلاع على ما ذهب إليه جيمس أ. ديفيز الذي صاغ النظرية منهجيًا للمرة الأولى؛ فقد أشار إلى أنّ الحرمان النسبي يرتبط بثلاثة محددات رئيسة: أولها أنّ الفرد/ المجموعة تدرك أن المجموعات الأخرى المماثلة لها تملك ما تفتقده هي (في هذه الحالة السلطة والتنمية والثروة والاعتراف ... إلخ)، وثانيها وجود رغبة لديه/ لديها في الحصول على ذلك المفتقد (وهو ما نلمسه من مختلف التوترات وحركات التمرد في الشرق والتي سبق التطرق إليها أو حتى التي سيتم التطرق إليها لاحقًا)، وثالثها وجود شعور بالأهلية والاستحقاق لذلك المفتقد (وهو الحال في الشرق خاصة مع وجود عوامل الثروات الطبيعية والموقع الجيوستراتيجي والديموغرافيا وحتى مجرد الانتماء والمواطنة)20. في العموم، لم يكن كثير من تلك الجذور وليد الحاضر أو الماضي القريب جدًا؛ إذ يُرجعه البعض إلى السياسات الاستعمارية أثناء الحكم الإنكليزي - المصري للسودان 1956-1899()، والتي أسهمت في تقويض الرفاه الاقتصادي والاجتماعي، وأثرت في الحياة الريفية21. واستمر تفاقم الأوضاع؛ فحتى بعد أن لجأ كثير من السكان إلى المدن الرئيسة، فقدوا أيضًا سبل عيشهم الجديدة، بعد أن جرت ميكنة ميناء بورتسودان. ولم يكن الأمر أفضل حالً لدى فئة الشباب المتعلم؛ إذ لم يحصلوا على فرص عمل مناسبة، وشعروا أنّ انتماءهم الإثني كان سببًا للتمييز السلبي ضدهم عند تقدمهم إلى الوظائف. واستمرت التوترات العرقية في تهديد النسيج المجتمعي للإقليم؛ ففي ولاية كسلا مثلً، استاء البجا من نقل ملكيات كثير من الأراضي الزراعية الكبيرة إلى ملاك من غير "السكان الأصليين"، وتعرضهم لسلسلة من التمييز ضد ثقافتهم ولغتهم من مختلف الحكومات الوطنية المتعاقبة22. وفي القضارف، يعتقد أن إلغاء الحكومة للإدارة الأهلية؛ أي نظم الحوكمة المحلية، مطلع السبعينيات، أدى إلى تصاعد الصراعات على الأراضي بين المزارعين والرعاة، إلى جانب المشكلة ذاتها المتعلقة بنقل ملكية الأراضي على حساب المجتمعات الرعوية؛ ما أجّج التوتر الإثني والقبلي23. ومع حلول عام 2005، كانت الأمور تتجه نحو التسوية في المنطقة؛ إذ برز لدى الحكومة الإرتيرية وحكومة الخرطوم عدد من الدوافع لإصلاح العلاقات المشتركة، وحيث إنّ إقليم الشرق كان ميدانًا رئيسًا للنزاع بينهما، فقد كان موقعه الاستراتيجي الحيوي لتصدير واستيراد النفط والأغذية والمواد الخام محرّكًا وميدانًا كذلك لإصلاح العلاقات. هذا فضلً عن أنّ حزب المؤتمر الوطني كان قد توصل في ذلك الوقت إلى تفكيك التجمع الوطني الديمقراطي عبر إبرام اتفاقيات فردية مع مختلف فصائله؛ ما أشعره أنه الوقت المناسب لتسوية ملف الشرق والالتفات إلى سواه24. وقّعت حكومة الخرطوم في كينيا اتفاق السلام الشامل مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في مطلع العام25، ليتبعه في تشرين الأول/ أكتوبر  2006 توقيع اتفاقية سلام شرق السودان بين حزب المؤتمر الوطني الحاكم وجبهة الشرق26، في العاصمة الإرتيرية أسمرة. تضمنت الاتفاقية خططًا للتنمية في ولايات الشرق27، ونصّت على مجموعة من الترتيبات فيما يتعلق بتوزيع الثروة والسلطة وتقاسمهما28. وقد كانت البداية مشجعة من حيث رفع حالة الطوارئ من جميع الولايات الشرقية، وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين السياسيين، والبدء في تنفيذ البنود المتعلقة بالتنمية والعدالة السياسية والانتقالية29. فاتجهت الأوضاع إلى الاستقرار في الإقليم مؤقتًا، ثم عادت لتتدهور تدريجيًا30. رأى كثيرٌ من أبناء الإقليم أنّه لم يكن للاتفاقية تأثيرٌ تنموي، لا سيما أنّ

  1. Ted Robin Gur, Why Men Rebel (New Jersey: Princeton University Press, 1970).
  2. James A Davis, "The Campus as a Frog Pond: An Application of the Theory of Relative Deprivation to Career Decisions of College Men,"
  3. 29  Ibid., p. 10.
  4. 30  Ibid., p. 1.
  5. Yasin Abdalla, Eltayeb Elhadary & Narimah Samat, "Pastoral Land Rights and Protracted Conflict in Eastern Sudan," The Journal of Pan African Studies , vol. 4, no. 8 (April 2011), p. 4; Emile LeBrun (ed.), "Development Deferred: Eastern Sudan after the ESPA," Small Arms Survey , Graduate Institute of International and Development Studies-Geneva (May 2015), p. 9.
  6. International Crisis Group, Sudan: Preserving Peace in the East , pp. 6-7.
  7. LeBrun, pp. 6-7.
  8. للاطلاع على نص وثيقة اتفاق سلام شرق السودان، ينظر: جمهورية السودان، 26 اتفاق سلام شرق السودان بين حكومة السودان وجبهة شرق السودان (أسمرا،)2006/10/14، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/2UKY989:
  9. توقيع اتفاقية السلام بين الخرطوم وجبهة ال قرر بأسمرا"، الجزيرة نت، 2006/10/14، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/3kdUU44: 28  International Crisis Group, Sudan: Preserving Peace in the East , p. 1.
  10. American Journal of Sociology , vol. 1, no. 72 (1966), p. 34.
  11. 21  Pantuliano, p. 710.
  12. 22  Ibid., pp. 711-712.

معدلات الفقر31 والبطالة استمرت في الارتفاع32، إضافة إلى توقف أكثر من 55 مصنعًا (في القطاعين العام والخاص) عن العمل وإغلاق أبوابها في وجه القطاعات العمالية33، فضلً عن تصفية عدد من المؤسسات الكبرى مثل "سودان لاين"، وهي من أقدم شركات النقل في أفريقيا، وتراجُع المنتجات النباتية في الإقليم مثلما حدث في ولاية كسلا "عقب انهيار مشروعها الزراعي"34، بينما أشارت نتائج بحث نشره مشروع "مسح الأسلحة الصغيرة" أُجريت خلاله مقابلات مع أصحاب المصلحة في الإقليم إلى أنّ المنطقة كانت تسير بالفعل نحو التنمية، ولكن عبر خطط غير عادلة إلى حدٍ بعيد، ولا تراعي مصالح العمال والبسطاء35. لقد كان المسؤولون السودانيون يعدّون اتفاقية شرق السودان نموذجًا ناجحًا، لكنّ عددًا من الناشطين السياسيين والمدنيين كانوا متفقين على أنها لا تعكس تطلعات أهالي الشرق، لا سيما أنه لم يجرِ إشراكهم في صياغة محتواها. ورأى البعض أنّ الاتفاقية لم تكن عمليًا سوى تعزيز لقبضة الحكومة المركزية في الإقليم؛ إذ عمدت الحكومة بعد التوقيع إلى القمع الأمني للاحتجاجات الشعبية ضد التهميش36. كما أن هنالك من يرى أن الاتفاقية في حقيقة الأمر لم تكن سوى حلٍ وعربون لتحسين العلاقات مع أسمرة37.

ثانيًا: خطوط الصدع الداخلية

اليوم، وبعد مضيّ نحو عقد ونصف من توقيع الاتفاق، يبدو الشرق على وشك الانفجار، وتصدّعاتٌ عدة تهدّد بتصاعد التوتر. داخليًا، استمرت جذوة النزاع تستعر تحت السطح طيلة سنين حتى بعد توقيع اتفاقية 2006؛ نظرًا إلى ما وصفه البعض بإخفاق الحكومة المركزية في تطبيق كثير من البنود38. فقد رأوا أن الاتفاق لم يكن سيئًا في حد ذاته، لكنه لم يقض على جذور التوتر نظرًا إلى الفشل في تطبيق البنود المتعلقة بالشؤون الاقتصادية من إنشاء صندوق إعادة الإعمار والتنمية ومدى تحقيق فوائد اقتصادية ملموسة للسكان، علاوةً على البنود الخاصة بإشراك الشرقيين في السلطة التشريعية والتنفيذية بمؤسسات الدولة، والتطبيق الجزئي لعمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج وبعض الأحكام الأخرى39. وثمة من يرجع تقوّض الاتفاقية إلى ما وصفه باستبعاد عدد من الفاعلين الرئيسين في الشرق من عمليات صنع القرار، وعقد الصفقات واستمالة بعض النخب على حساب الأخرى، والخلافات بين أحزاب الشرق ذات الأساس العرقي40. تجلّت تبعات ذلك، منذ أن أعلنت الجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة، وهي جهة سياسية مدنية أنشئت حديثًا لتمثيل قبائل البني عامر، منتصف عام 2013، تحركها لإطاحة النظام القائم.

  1. يذكر تقرير للبنك الدولي عام 2014، أن حوالى 62.1 في المئة من سكان ولاية البحر الأحمر يرزحون تحت خط الفقر المعتدل (أي الفقر عند خط الفقر 3.20 دولارات أميركية)، مما يضعها في مصاف الولايات السودانية ذات النسب الأكبر في الفقر المعتدل، وهي كل من وسط دارفور 67.5 في المئة وولاية جنوب كردفان 63.2 في المئة وولاية جنوب دارفور 62.8 في المئة. ونسبتهم في ولايتي كسلا والقضارف لا تعد منخفضة؛ إذ وصلت إلى 0.14 في المئة و 36.4 في المئة لكل منهما على التوالي في العام ذاته. ينظر: The World Bank, Sudan Programmatic Poverty Assessment: Poverty and Inequality in Sudan: 2009-2014 (Washington: June 2019), accessed on 13/7/2021, at: https://bit.ly/3hAdlOA
  2. يذكر أنه في عام 2008، قاربت نسبة الشباب خارج المدرسة (من عمر)24-15 العاطلين عن العمل في إقليم شرق السودان حوالى 60 في المئة من الذكور (النسبة الأعلى من
  3. تتالت بعد ذلك إغلاقات المصانع في عموم السودان بما فيه الشرق؛ فقد توقفت 70 في المئة منها عن العمل عام 2015 نظرًا إلى ما تعانيه من عدم استقرار توافر الطاقة والارتفاع النسبي للضرائب والرسوم الحكومية في ظل المنافسة الشديدة للمنتج المستورد، ينظر: "توقف 70 بي بي سي عربي بالمئة من المصانع في السودان"،، 2015/10/7، شوهد في 2021/9/13، في https://bbc.in/2TWpMeJ:
  4. أحداث عنف شرق السودان.. ما دلالاتها؟ [صور"]، 34 الجزيرة مباشر، 2019/11/20، شوهد في 2021/7/13، في https://bit.ly/3r4D8l4:
  5. LeBrun, p. 10.
  6. Ibid., pp. 9-10. 37 أحمد حسين آدم (باحث وأكاديمي وسياسي سوداني)، مقابلة عبر برنامج "زووم "،
  7. بعد إقليم دارفور)، و 90 في المئة من الإناث (النسبة الأعلى مقارنةً بسائر الأقاليم السودانية.) ينظر: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ص.48
  8. International Crisis Group, Sudan: Preserving Peace in the East ; الشرق الأوسط سيدريك بارنيز، "الحفاظ على السلام في شرق السودان"،، 2013/12/10، شوهد 2021/9/13، في https://bit.ly/3xyhSqi:
  9. International Crisis Group, Sudan: Preserving Peace in the East , p. 1.
  10. Munzoul Assal, "Six Years after the Eastern Sudan Peace Agreement: An Assessment," in: Sørbø G.M. & Ahmed A.G.M. (eds.), Sudan Divided: Continuing Conflict in a Contested State (New York: Palgrave Macmillan, 2013), pp. 141-142, 156-157.

وفي حينها، تداول البعض وجود اتصالات وتحالفات بين الجماعات الشرقية المسلحة وجماعات أخرى معارضة في أنحاء البلاد، منها حركات دارفور والحركة الشعبية وبعض الأحزاب الشمالية. كما تصاعدت دعواتٌ صريحة ل "تقرير المصير والاستقلال"41. لتتوالى بعدها التوترات والأفعال الاحتجاجية ضد "فشل الحكومة في الوفاء بالتزاماتها" المالية والسياسية42. وقد مثّل هذا إرثًا حيًا من التصدعات في السلام الداخلي، وارتبط عديد منها بمثيلاتها في مختلف أقاليم البلاد، بدرجات متفاوتة. ومن التصدعات الموروثة التي برزت مع تفاقمها، في ظل الظروف الحالية، طبيعة العلاقة في السودان بين المركز والأطراف، والتي اتسمت تاريخيًا بتهميش الأطراف (ومنها الشرق)، في حين سعى المركز لبسط سيطرته عليها من دون تحقيق ذلك فعليًا ومن دون الحفاظ على إيجابية العلاقة في الوقت ذاته. بدأ هذا النمط من العلاقة أكثر حدةً بعد الاستقلال عام 1956؛ وهو ما قاد الحكومات المتعاقبة إلى مختلف التسويات السياسية بما فيها اتفاق الشرق المذكور آنفًا43. لقد تكوّن لدى السودانيين في الأقاليم الطرفية تصورٌ يضعهم ك "مهمشين" في مواجهة النخبة (الأطراف في مواجهة المركز)، وتداخل ذلك أحيانًا مع التفسيرات القبلية والدينية وحتى الأيديولوجية للتوزيع غير العادل للموارد والسلطة، وللقصور الشديد في الحاجات الأساسية والخدمات وحتى توزيع المساعدات الخارجية؛ ما ضاعف من مخاوف التصعيد44. ومن أحد تجليات نموذج (المركز - الأطراف) تحركات الشرقيين المتكررة لمنع بعض تدخلات الحكومة المركزية، كدعمها لمجموعات ما ضد أخرى أو فرضها لشخصيات أو هياكل سلطة معينة على السكان المحليين لتعزيز سيطرتها مما يقوض سلطة النخب المحلية45. ويرى البعض تجليًا للنموذج فيما جرى خلال النصف الثاني من عام 2020 مؤخرًا في أزمة والي كسلا (صالح عمار)؛ فقيام الحكومة المركزية بتنصيب والٍ بالتعيين المباشر وكونه من قبيلة البني عامر أثار حفيظة عدة مكونات قبلية. فأشعل اشتباكاتٍ أدت إلى وقوع قتلى وجرحى، لتقوم الحكومة بعد ذلك بإعفائه بالأمر المباشر كذلك، فتندلع الاحتجاجات والاشتباكات مرة أخرى من جانب النوبيين46. هذه الأحداث، رغم أبعادها القبلية، تظهر أيضًا دليلً على تنامي غضب أبناء الشرق من تدخلات الحكومة المركزية؛ إذ رأوا أنها أصدرت قراراتٍ سياسية من دون الرجوع إليهم، وأنها تدعم مجموعة دون أخرى47. وهذه التهمة طالما وجهت إلى الحكومة التي يرى الناقدون أن سياستها عمّقت القبلية من خلال مثل هذه الممارسات، كدعم الجنجويد في دارفور مثلً. ويعتقد هؤلاء أنّ القبلية أو الإثنية قد لا تكون أحيانًا السبب الفعلي للصراع، لكن يتم توظيفها فيه أو يتم اختلاقه بالأساس لدعم مصالح لأفراد أو جهات ما48. ومن ثمّ، فحتى بعد أن انتهت مشكلة تعيين حكام الإقليم من خارجه49، ظهرت مشكلة الممارسة السياسية غير الراشدة من المركز تجاه الإقليم50. ومن هنا تُطل التصدعات المتعلقة بالتوترات الاجتماعية؛ فبالنظر إلى ما نوقش آنفًا من أوضاع الشرق، إضافة إلى كون مدن الشرق، لا سيما مدينة بورتسودان، إحدى أهم المدن التي اندلعت منها ثورة كانون الأول/ ديسمبر 2018، تبدو حالة الحرمان النسبي المشار إليها تاريخيًا لا تزال جليةً لدى أهالي الشرق. فالناس يشعرون "بغبن شديد تجاه الدولة" كما أشار أحد المستجيبين51، وقد عبروا عنها باستمرار الاحتجاجات الشعبية الواسعة حتى الآن، واستمرار النظرة السائدة المقارِنة بين توقعات الاستحقاق وواقع الحال. وفي ظل حالة عدم الاستقرار، طفت التجاذبات القبلية المحلية على السطح. ومن مظاهر ذلك أحداث العنف التي اندلعت بين قبائل بني عامر والقبائل النوبية ولم تتوقف إلا بتدخل عسكري، وبعدها تجدد النزاع والاشتباكات المسلحة في بورتسودان في تشرين الأول/ نوفمبر 2019 بين البني عامر والهدندوة؛ نتيجة الخلاف في إقامة ندوة سياسية

  1. 47 أحمد جمال، "أسامة سعيد رئيس وفد مسار الشرق: أنصار البشير اختاروا بعناية شرق العرب السودان لخنق حكومة الثورة"،، 2020/10/23، شوهد في 2021/7/13، في: https://bit.ly/3i3cJ2T
  2. LeBrun, pp. 6, 31-32.
  3. Robert Collins, "Civil Wars in the Sudan," History Compass , vol. 5, no. 6 (September 2007), pp. 1778-1805.
  4. International Crisis Group, Sudan: Preserving Peace in the East ; Jok Madut Jok, Sudan: Race, Religion, and Violence (New York: Simon and Schuster, 2015).
  5. Bert Useem, "Center-Periphery Conflict: Elite and Popular Involvement, in the Boston Anti-Busing Movement," Working Paper no. 224 , Center for Research on Social Organization (January 1981), accessed on
  6. إعفاء والي كسلا: 6 قتلى في اشتباكات بين محتجين وقوات الأمن شرقي السودان"، بي بي سي عربي، 2020/10/15، شوهد في:2021/9/13 https://bbc.in/3yVyvML
  7. 41  International Crisis Group, Sudan: Preserving Peace in the East , pp. 23-24.
  8. عبد الوهاب الأفندي (باحث وأكاديمي ودبلوماسي سوداني سابق)، مقابلة شخصية، معهد الدوحة للدراسات العليا، 2021/3/1؛ عبد الله خالد (اسم مستعار، ناشط شبابي في شرق السودان)، مقابلة عبر الهاتف،.2021/2/21؛ آدم
  9. سابقًا، بحسب مصطفى عثمان الأمين، كانت الحكومة المركزية في عهد البشير تقوم بتعيين الولاة من خارج الإقليم في محاولة لتجنب المشاكل القبلية التي قد يثيرها تعيين وال من أحد مكوناته المحلية.
  10. مصطفى عثمان الأمين (باحث وأكاديمي ووزير خارجية سوداني سابق)، مقابلة عبر برنامج "زووم"،.2021/2/21 51 آدم.
  11. 13/9/2021, at: https://bit.ly/3wD0Hm0

لرئيس الجبهة الشعبية المتحدة الأمين داؤود، وهو من بني عامر52. وقد كان ثمة اشتباك سابق بين أبناء القبيلتين، بخصوص احتفالية استقبال الأمين داؤود، انتهى إلى توقيع ما يسمى اتفاق "القلد"53، الذي مُدّد ستة أشهر إضافية54، تلاها تمديدان آخران55. لقد وجّه البعض أصابع الاتهام إلى نظام البشير وأجهزة دولته في إشعال هذه الأحداث56، لكنّ النزاع القبلي  - الإثني بين الهدندوة والبني عامر لا يفتأ يظهر إلى السطح من حين إلى آخر وبصورة مختلفة. وبطبيعة الحال تلقي مثل هذه النزاعات والاضطرابات بظلالها على نسيج المجتمع السوداني المتعدد الأعراق، إضافة إلى كونها تمثل عامل جذب للأطراف الخارجية التي قد ترغب في استثمارها لخدمة مصالحها بما يهدد استقرار الوضع السياسي للبلاد. وقد تزايدت أيضًا مظاهر التوتر الناشئة عن التدهور الاقتصادي المستمر في ولايات ال قرر بخاصة، ليس آخرها ما اندلع في شباط/ فبراير 2021 من مظاهرات واشتباكات مع قوى الأمن في ولاية القضارف، في استمرار لسلسلة الاحتجاجات التي بدأت أواخر عام 2018، تعبيرًا عن الغضب الشعبي واتهامًا للحكومة "بالعجز عن السيطرة على الأوضاع الاقتصادية" و"الفشل في احتواء أزمة المواصلات وتوزيع السلع التموينية والغذائية والوقود"57، أو الاحتجاجات العنيفة المندلعة مطلع شباط/ فبراير 2021 في كل من بورتسودان في ولاية البحر الأحمر وولاية القضارف وأنحاء أخرى من البلاد بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، وما أدى إليه من أزمة الخبز وارتفاع أسعار السلع التموينية58، إضافةً إلى ما أعلن عنه مطلع كانون الثاني/ يناير 2021 من تشكيل عدد من الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية في الإقليم تحالفًا جديدًا "للمطالبة برفع التهميش السياسي والاقتصادي عن شرقي البلاد"59. وفي وقت كان يفترض أن يكون سعيًا لإرساء السلام في الإقليم وترسيخه، عبر إضافة مسار الشرق في مفاوضات جوبا60، ظهرت نزاعات داخلية بين المجموعات المشاركة بسبب خلافات تتعلق بالتمثيل61. وقد بذلت محاولات متتالية لحلحلة الأزمة62، كان منها عقد مؤتمر شرق السودان التشاوري في قصر الرئاسة في العاصمة منتصف كانون الثاني/ يناير 2020. وقد تجاهل هذا المؤتمر في حد ذاته مقاطعة الإدارات الأهلية من ولاية البحر الأحمر له63؛ إذ اكتفى مجلس السيادة بحضور ممثلي ولاية كسلا وولاية القضارف، رغم أنّ هدف المؤتمر هو التنسيق لرؤية مشتركة لمسار الشرق في قضايا الإقليم مثل الحكم والتنمية والمصالحات القبلية وغيرها65. تبادلت الأطراف الاتهامات في حينها، وحذّرت القيادات المقاطعة في مذكرة الرفض من أنّ الإصرار على تمرير أجندة المؤتمر، مع حضور آخرين باعتبارهم ممثلين للشرق، قد يكون فتيلً لإشعال الصراعات. وفي المذكّرة ذاتها، التي وقّعها ثلاثون من نُظّار القبائل الرئيسة ومجموعة من العمد والأعيان، وُجّهت انتقاداتٌ إلى الحكومة والجبهة الثورية والوسطاء في جوبا لعدم استجابتهم لمطالب عدم فتح المسار66. وفي ظل ما سبق، تم استئناف مفاوضات مسار الشرق، ليتم بعدها توقيع ما أشير إليه باتفاق السلام النهائي، حيث وقّعه ممثلً عن الشرق رئيس مؤتمر البجا المعارض، أسامة سعيد، ورئيس الجبهة الشعبية المتحدة، خالد إدريس. وقد ضم الاتفاق ما رآه مراقبون بنودًا تعالج الإشكالات التاريخية وقضايا التهميش الاقتصادي والتنموي والسياسي67، لكن رغم تغطيته مختلف القضايا الحيوية

  1. أحداث عنف شرق السودان.. ما دلالاتها؟ [صور."]
  2. مصطلح "القلد" هو المسمى الشعبي للصلح القبلي؛ "توقيع اتفاق 'صلح قبلي' شرقي القدس العربي السودان عقب أعمال عنف"،، 2019/11/20، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/3ileZTB
  3. جمهورية السودان، مجلس الوزراء السوداني، "مجلس الوزراء يستعرض إعداد الموازنة العامة للعام المالي 2020، وتمديد القلد"، 2019، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/3wIopxC
  4. تمديد اتفاق القلد بين النوبة والبني عامر بكسلا للمرة الرابعة"، 55 وكالة السودان للأنباء، 2020/9/22، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/3AToW33
  5. محمد جميل أحمد، "ما وراء الفتنة في شرق السودان"، 56 إندبندنت عربية، 2019/9/1، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/2VxfB0l:
  6. السودان.. تأجيل إعلان الحكومة ومظاهرات بالخرطوم والقضارف احتجاجًا على تردي الجزيرة نت الاقتصاد"،، 2021/2/3، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/2UCw2rT
  7. مظاهرات طلابية ببورتسودان احتجاجًا على أزمة الخبز"، وكالة السودان للأنباء، 2021/2/9، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/3kbKaD4؛ "الشارع السوداني يغلي:
  8. طلال إسماعيل، "تشكيل تحالف جديد ل 'رفع التهميش' عن شرق السودان"، 59 وكالة الأناضول، 2021/1/2، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/3efNEAV
  9. ارتباك مفاوضات السلام السودانية في جوبا يشرع الباب أمام مزيد من الوسطاء"، العرب، 2019/12/23، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/3i2j2nz
  10. صراعات الفصائل تهدد مفاوضات السلام السودانية في جوبا"، الشرق الأوسط، 2019/12/17، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/36yMxrC:
  11. جوبا.. تعليق مفاوضات مسار شرقي السودان 3 وكالة الأناضول أسابيع"،، 2019/12/23، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/3yPgksc:
  12. أحمد فضل، "مؤتمر شرق السودان.. هل يشعل الفتنة أم يخمدها؟"، 63 الجزيرة نت، 2020/1/16، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/3yXjIS1؛ أحمد فضل، "تبنّاه 'كيان' الجزيرة نت مثير للجدل.. أي مكاسب لاتفاق 'مسار الشمال' بالسودان؟"،، 2020/1/26، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/3wAeJFi: 64 فضل، "مؤتمر شرق السودان.. هل يشعل الفتنة أم يخمدها؟."
  13. المرجع نفسه. " جوبا.. الحكومة السودانية و'مسار الشرق' يوقعان اتفاقًا نهائيًا للسلام"، 66 وكالة الأناضول، 2020/2/21، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/36EO1R3
  14. العربي الجديد شحّ الوقود والتضخم يدفعان الآلاف إلى الاحتجاج"،، 2021/2/10، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/3nwkdjk:

للإقليم، فإنّ المخاوف ظلت تتنامى بشأن ما قد ينتج من عدم التمثيل الكامل لمكوناته. وهي مخاوف كانت حاضرة منذ بدايات الحوار حول عملية السلام، حين شدد ممثلو الحركات والأحزاب على أنّ إشراك المجتمع المدني، بمختلف فئاته في العملية السياسية السلمية، شرط ضروري لنجاحها واستدامتها، وضمان لدعمهم، حيث يحقق ملكيتهم لها. لذا، فغياب هذا الشرط في جوبا والاستعاضة عن الزعماء الشعبيين وعن المشاركة الواسعة للمكونات السياسية والأهلية ب "مجموعات جديدة" ليس لها قاعدة وسند شعبي كافٍ وأشخاص غير واسعي التأثير كممثلين للشرق يُعدّ مهددًا أساسيًا لنجاح الاتفاق، لا سيما مع أهمية مكانة نظام القبائل في الإقليم69. وقد ذهب البعض إلى أبعد من ذلك، بالإشارة إلى أنّ هذه الاتفاقية تسببت في تعقد الأوضاع أكثر من حلحلتها؛ ففقدان شروط الملكية والشمول في كل مراحلها، سيجعل منها اتفاقية فوقية تتجاهل الجذور وتخلق نزاعات عبر استعداء جهات ذات جماهيرية واسعة لصالح جهات أخرى. وينطبق هذا بالخصوص، عندما يجري التفاوض مع شخوص تمثل المجموعات المسلحة والتي غالبًا لا تكون ممثلة للشريحة الأوسع، ومن ثم فتحقيق مطالبها في المشاركة في الحكم مثلً لن يعالج مطالب المشاركة70. هذا بخلاف المخاوف بشأن عدم تقديم الاتفاق لجدولٍ زمني للتنفيذ، وخشية الوقوع في الإخفاقات ذاتها التي أدت إلى فشل اتفاقية عام 2006؛ ما قد ينذر بتصعيدات خطيرة. وبالفعل، فالاحتجاجات لم تتوقف مع المضيّ في التوقيع؛ إذ أغلق محتجون من فصائل من الجبهة الثورية ومن مؤيدي المجلس الأعلى لنظارة وعموديات البجا محطة الحاويات في ميناء بورتسودان، وقطعوا طرق الإمداد بينه وبين العاصمة، مهددين بالتصعيد، ومتهمين الحكومة بالخضوع لمصالح جهات خارجية في هذا المسار لها مطامع في الميناء71، في مقابل اتهامات آخرين لإرتيريا بتأجيج هذا الصراع عبر حلفائها خدمة لتوجهاتها72. وكانت هناك أيضًا اعتراضات تخص حتى محتوى الاتفاقية؛ إذ أشار ناظر الهدندوة، سيد محمد الأمين ترك، إلى أنّ "ما ناله إقليم الشرق أقل بكثير من الذي تحصّل عليه إقليم دارفور وإقليم جنوب كردفان وإقليم جنوب النيل الأزرق"، موضحًا أن الأمر يبدو على نحو يدعو فيه الاتفاق أهالي الشرق إلى الاتجاه إلى العنف بغية تحقيق مطالبهم تأسيًا بالأقاليم الأخرى73، وهي الفكرة ذاتها التي حذّر من نشوئها عدد من المشاركين في "حوار بناء السلام والإعمار في السودان"74. وتتزايد خطورة مختلف التوترات السابقة؛ بسبب إمكانية تأثيرها في الوضع السياسي والاقتصادي للبلاد كافة، لا سيما أنّ سواحل شرق السودان هي الواجهة البحرية الوحيدة لها، وغياب الاستقرار فيها قد يعني انقطاعًا عن التحكم في المنافذ البحرية التي ترتبط بحركة الاستيراد والتصدير وبالأمن والسياسة. كما تتفاقم المخاوف؛ بسبب دعوات حق تقرير المصير، والتي لها جذورها التاريخية، حتى إن كان ثمة من يرى أنها ليست سوى "مكايدة/ مناورة سياسية" غير ممكنة التطبيق لأسباب متعلقة بغياب الإجماع وعدم كفاية الموارد. لكنها تبقى خطيرة، لا سيما أنّ القوميات المكونة للشرق ليست بعيدة عن تلك المكونة لبقية أقطار السودان، وفي الوقت ذاته تمتد بعضها إلى الدول المجاورة مثل إثيوبيا وإرتيريا اللتين لهما أطماع توسعية في بعض أراضي الإقليم75. أضف إلى كل هذا أنّ الوضع الاقتصادي السوداني المتدهور عمومًا لا يحتمل مزيدًا من التصدعات والتصعيد، في ظل استمرار انخفاض الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع نسب التضخم التي وصلت عام 2020 إلى 81 في المئة على أقل تقدير، بخلاف تأثير جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) والإجراءات الاحترازية على النشاطات الاقتصادية ونسب البطالة76.

ثًالث ا: أطماع وتجاذبات إقليمية ودولية

يمثّل السودان نقطة التقاء عدد من الصراعات الإقليمية والدولية يتردد صداها خاصة في إقليم شرق السودان، مثلما تشتبك تلك الصراعات وتتداخل في أحيان عديدة مع التوترات الداخلية، كما اتضح من الخلفية التاريخية، وكما سيتضح فيما يلي، وبصورة خاصة في ما شهده السودان مؤخرًا من تنافس إقليمي استراتيجي اقتصادي وسياسي وأيديولوجي بين المحور السعودي – الإماراتي - المصري من جهة، والقطري - التركي من جهة أخرى، لا سيما بعد اندلاع الأزمة

  1. الأمين؛ خالد؛ حامد علي التيجاني (باحث وأكاديمي سوداني)، مقابلة عبر برنامج ""زووم،.2021/3/3 68 آدم؛ الأفندي.
  2. رفضًا للأجندة الخارجية بالتدخل في اتفاق سلام السودان بجوبا.. محتجون يغلقون الجزيرة نت ميناء بورتسودان"،، 2020/10/5، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/3B0SefV
  3. جمال.
  4. الشفيع خضر سعيد، "دروس أخرى من 'هدندوة' شرق السودان"، 71 القدس العربي، 2021/3/7، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/3ed5wwm:
  5. تقرير موجز حول حوار بناء السلام والإعمار في السودان"، مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني،.2019/11/29
  6. أحمد فضل، "بين المحركات والكوابح.. هذه أسباب بعث النزعات الانفصالية بشرق الجزيرة نت السودان من جديد"،، 2020/10/12، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/3k9XEiQ
  7. خالد عثمان الفيل، "التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لفيروس كورونا المستجد في تحليل سياسات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات السودان"،، 2020/10/22، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/3yS2RzP:

الخليجية في 5 حزيران/ يونيو 2017. مثلت الموانئ السودانية العنوان الرئيس للتنافس الاقتصادي والاستراتيجي، لا سيما في ظل مبادرة الحزام والطريق الصينية التي يرى فيها كثيرون مستقبل المنطقة، كما مثّل التسابق العربي والإسرائيلي مع إيران على النفوذ في البحر الأحمر عاملً مهمً أيضًا. ليست الصورة واضحة إثر توقيع اتفاقية المصالحة الخليجية في العلا، مطلع كانون الثاني/ يناير 2021، لكن الواضح أن من شأن مثل هذه السباقات العمل على تأجيج واستغلال النزاعات المحلية من بعض الأطراف، وتحويل الإقليم إلى ميدانٍ لتصفية حسابات إقليمية ودولية، لا سيما مع وجود اتهامات متبادلة بين المكونات الداخلية بالتعاون مع مختلف المحاور التي تستثمر في مظالم الناس وفي النزاع الداخلي، ما يعقد كل الأوضاع الاقتصادية والأمنية والسياسية77

ومن الأمثلة على التصدعات المتعلقة بما يسمى "حرب الموانئ"، محاولات كلا المحورين، لا سيما الإمارات العربية المتحدة، حيازة تأثير ما في ميناء "بورتسودان"، ضمن تنافسهما، إلى جانب الدول الكبرى، خلال السنوات الأخيرة، على التحكم في أكبر عدد من الموانئ قرب مضيق باب المندب78. وبالفعل، فقد سبق أن تسبب اتفاق الحكومة السودانية مع شركة خدمات محطات الحاويات الدولية International Container Terminal Services، الفلبينية ومقرها في دبي، لتشغيل ميناء بورتسودان وإدارته، في إضراب عمال المرفأ السودانيين الذين وجدوا فيه خطرًا يهدد وظائفهم79. إثر ذلك، اضطرت الحكومة إلى تعليق الاتفاق نظرًا إلى تهديد حركة الصادرات والواردات بسبب الإضراب80، ومن ثم قامت بإلغاء العقد قانونيًا، لكونه يمنح دولة أجنبية سيطرة على شريان حيوي وحساس للبلاد81. لاحقًا، في مطلع عام 2020، عاودت الإمارات محاولاتها للاستحواذ على الميناء، مستغلةً في سبيل ذلك علاقاتها في واشنطن لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مقابل منحها موانئ السودان82. ومن الجدير ذكره هنا أنّ موقف بعض النخب السودانية من محاولة الاستحواذ أو الاستثمار مبني على قناعتهم بأنها محاولة للاستثمار في تحييد الميناء أو المنافسين أكثر من كونها استثمارًا في تطويره. فمحاولات تجيير الميناء لموانئ دبي العالمية لا تشتمل على جدوى اقتصادية تعود عليها، وإنما هدفها فقط احتكار موانئ البحر الأحمر ومنع الأطراف الأخرى من الاستثمار فيها لمنافسة موانئها. فدبي تدير خمسة موانئ في البحر الأحمر، إلى جانب محاولاتها تشغيل بعض الموانئ الإرتيرية أيضًا. ومن ثمّ، فبورتسودان لن يمثل سوى عبء إضافي من دون مردود اقتصادي مجزٍ، في ظل محدودية حجم التجارة المتداولة في المنطقة، والتي لا تتجاوز 5-3 ملايين حاوية. كما أن رفض السودانيين الاستحواذ على الميناء يرجع إلى إدراكهم أنّ الشركات التي أتت سابقًا لم تقدم شيئًا يذكر للميناء، ولأنّ تجربتهم مع الخصخصة في البلاد ترتبط بضعف المعايير وقلة التطوير وغياب الشفافية وعدم وضوح تفاصيلها خاصة في قطاع النقل. وهو ما يدلّ على معقولية هذا التخوّف، فيما يخص هيئة موانئ دبي، بالإشارة إلى تعاقدها عام 2008 لتشغيل ميناءَي المكلا وعدن في اليمن؛ حيث كان معدل المناولة في محطة حاويات عدن يقارب 700 ألف حاوية في العام، ووعدت الهيئة برفعه إلى 1.5 مليون حاوية في العام بحلول 2012، لكن ما حدث هو أنّ المعدل هبط إلى 146 ألف فقط عام 2011، أي بعد ثلاث سنوات من الاتفاق، وهو ما أغضب اليمنيين وجعلهم يتهمون موانئ دبي بتحييد ميناء عدن الاستراتيجي لصالح ميناء جبل علي83.

  1. أحداث عنف شرق السودان.. ما دلالاتها؟ [صور"]؛ آدم.
  2. 81 أمين موسى الحاج (أكاديمي متخصص باقتصاديات النقل البحري والمدير التجاري الأسبق للموانئ البحرية في السودان)، مقابلة عبر برنامج "زووم"،.2021/3/24
  3. الإمارات تفجر أزمة في ميناء بورتسودان"، ال 77 قرر، 2019/2/21، شوهد في 2021/7/14، في https://bit.ly/3B1Q8wn:
  4. أحمد فضل، "بقرار من البشير.. عقد الشركة الفلبينية لإدارة أكبر موانئ السودان في الجزيرة نت مهب الريح،"، 2019/3/9، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/2UNSVZl
  5. عسكر السودان يعلقون عقد شركة فلبينية لإدارة ميناء بورتسودان"، الجزيرة نت، 2019/4/24، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/3i6uXki:
  6. محمد المنشاوي، "شركة موانئ دبي تعود لواشنطن من بوابة السودان"، 80 الجزيرة نت، 2020/1/11، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/2UbkrjJ:
  7. 76   " سيطرة الإمارات على الموانئ.. طموح اقتصادي أم مشروع سياسي؟"، الخليج أون، لاين 2020/1/13، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/2UIfK0D:

كما قد وُجّهت اتهامات إلى الإمارات بخوض سباق الموانئ بالوكالة لصالح الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل؛ نظرًا إلى الاهتمام الإسرائيلي القديم بهذا الممر المائي منذ حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1974. جاءت هذه الاتهامات بقرينة حضور إسرائيل في جزيرتي "دهلك" و"أبو فاطمة" المقابلتين لسواحل إرتيريا، والقريبتين نوعًا ما من جزيرة/ ميناء سواكن84. وكانت تركيا قد حصلت في أواخر عام 2017 على حق ترميمها وإعادة تأهيلها سياحيًا، مقابل الاستفادة منها مدة محددة. وهذا الاستثمار التركي في سواكن مثّل كذلك خطوة مستفزة للمحور المضاد وحلفائه؛ ذلك أنّ الجزيرة هي الميناء السوداني الأقرب إلى ميناء جدة الاستراتيجي85، فضلً عن قربها من بورتسودان86. وعطفًا على الأمثلة الآنفة الذكر، فالموانئ السودانية تمثل حتى اليوم أحد أهم خطوط التصدعات الإقليمية والدولية التي تمر عبر الشرق، وعدم استتباب الوضع بخصوصها قد ينعكس سلبيًا على الأمن وحركة الملاحة في البحر الأحمر. ويبرز عامل جديد داخلي بالتشابك مع هذه التوترات الخارجية، وهو تأثير حالة العسكرة الكبيرة في الساحة السياسية السودانية على القرار فيما يخص قضايا مماثلة؛ إذ أدى تحويل موضوع ثقافي، اقتصادي، سياسي، كمشروع سواكن، إلى إشاعة عسكرية لخسارة فرص عمل واستثمارات كبيرة كان يمكن أن تعود بنفع كبير على سكان الإقليم المتدهور اقتصاديًا87. حدث ذلك، عقب إطاحة الرئيس السوداني السابق البشير في نيسان/ أبريل 2020، وصعود المجلس العسكري إلى رأس السلطة. فقد خاض عدد من الصحف التركية والمصرية والناشطين السودانيين نقاشًا حول مصير الاتفاق، لا سيما أن الإعلام المصري سبق أن وجّه اتهامات إلى الخرطوم بأنها تفتح بذلك موانئها لتهريب ونقل سلاح "الإرهابيين" إلى مصر88. وقد نفى الجانب التركي حينها كل الأنباء عن إمكانية إلغاء الاتفاقية89، لكن القاهرة استمرت في الضغط لتعليقها خشية تهديدها لمصالحها ومصالح حلفائها90، حتى تم ذلك أخيرًا في وقت لاحق91. مثل هذه الأجواء ليس من شأنها التأثير في المناخ الاستثماري، أو الاقتصادي، المرتبط بالاستقرار فحسب، بل حتى إثارة النزاعات أو تأجيجها على المستويين الدولي والمحلي الذي تعبر عنه خلافات الإدارات الأهلية ورؤوس الأموال المستفيدة من بقاء الموانئ على وضعها الحالي92. علاوة على ذلك، بالتأمل في اتفاق التطبيع السوداني - الإسرائيلي المعلن عنه في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، وإبرامه ثمنًا سياسيًا لرفع السودان من قائمة الدولة الراعية للإرهاب، نجد أن ذلك في حقيقته يمثل جزءًا من ديناميات النزاع الإيراني/ الفلسطيني - الإسرائيلي، لا قربانَ مودة أو دعمً لمصلحة السودان، وأنّ له صدى في شرق البلاد؛ إذ تقطع إسرائيل بالتطبيع الطريق القديم الذي كانت تعبره السفن الإيرانية نحو غزة مارةً بالموانئ السودانية على سواحل الإقليم بدعم من نظام البشير بحسب الاتهامات الإسرائيلية. لذا فلا مناص من اشتباك خطوة كهذه مع الشأن السوداني الداخلي، حيث استغلت إسرائيل حالة اللااستقرار والوضع الهش للدفع بفئة من السودانيين للمسارعة بالتطبيع، لرفع البلاد من قائمة الدول الداعمة للإرهاب93. وقد سبق أن حُذر من خطر خطوة كهذه على الاستقرار الداخلي، وزيادة تصدعه94، وكونها تهدد بفقدان الحكومة في هذه المرحلة الانتقالية لدعم الشارع95، لا سيما أن غالبية السودانيين يبدون مواقف غير متوافقة مع القرار. فوفقًا لنتائج المؤشر العربي 2020/2019 عبر 79 في المئة من السودانيين عن معارضتهم لاعتراف بلادهم بإسرائيل، بينما وافق 13 في المئة فقط، وتجنب الباقون الإجابة96. ومن ثم،ّ فخطوة كهذه تعقّد العلاقات التي تبدو تبادلية بين نزاعات الخارج والداخل، وتنذر بمضاعفات غير محسوبة قد تنعكس في الإقليم.

  1. أحمد فضل، "الوجود الإماراتي بالسودان.. استثمارات تحت المساءلة"، 82 الجزيرة نت، 2018/11/30، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/3r6QGwm:
  2. هذه هي جزيرة 'سواكن' التي منحتها السودان لتركيا"، 83 النهار، 2017/12/27، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/3kijFMy:
  3. تركيا تحوّل سواكن السودانية إلى مركز سياحي"، 84 روسيا اليوم، 2018/1/24، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/3xEvwIl:
  4. وفقًا للحاج، المشروع التركي في سواكن هو مشروع ذو معايير سياحية بالدرجة الأولى، وقد شهد بالفعل ترميم كثير من الآثار بواسطته، وليس ثمة أي إنشاءات أو حتى تفكير لإقامة قاعدة عسكرية تركية هناك.
  5. جزيرة سواكن: ما مصير الاتفاق التركي السوداني حولها بعد الإطاحة بالبشير؟"، 86 بي بي سي عربي، 2017/12/30، شوهد في 2021/9/13، في: https://bbc.in/2U2NlTc
  6. تركيا تعلق على اتفاقية جزيرة سواكن السودانية"، 87 الجزيرة نت، 2019/4/24، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/3yWIeTm:
  7. مروة شبنم أوروتش، "من المنزعج من وجود تركيا في جزيرة سواكن"، 88 ترك برس، 2019/5/11، شوهد في 2021/7/14، في https://bit.ly/3eh3Rpp:
  8. David H. Shinn, "The Red Sea: A Magnet for Outside Powers Vying for its Control," The African Report , 27/11/2020, accessed on 13/9/2021, at: https://bit.ly/3hzBtRs
  9. الأمين؛ خالد؛ التيجاني.
  10. Sudan-Israel Relations Agreed, Donald Trump Announces," BBC , 24/10/2020, accessed on 13/9/2021, at: https://bbc.in/3ATQzZA
  11. Payton Knopf & Jeffrey Feltman, "Normalizing Sudan-Israel Relations now is a Dangerous Game," Brookings , 24/9/2020, accessed on 13/9/2021, at: https://brook.gs/3AYRUyh
  12. Sultan Barakat, "What is behind the Talk of Sudan-Israel Normalisation?" Al Jazeera , 6/2/2020, accessed on 13/9/2021, at: https://bit.ly/3r9d20m
  13. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 94 المؤشر العربي 2020/2019   في نقاط، برنامج قياس الرأي العام العربي (الدوحة: تشرين الأول/ أكتوبر 2020)، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/3xIB58P

من ناحية أخرى، يمكن الربط بين التوتر في الشرق والسودان عمومًا وبين التصدعات في الجوار الإقليمي (القرن الأفريقي)؛ فوفقًا للنموذج النظري "تشكّل النزاع الإقليمي" Formation Conflict Regional، فإن النزاع العنيف على مستوى إقليم ما عادة ما يكون نتيجة مزيج متشابك من النزاعات الداخلية (المحلية) في دول الإقليم والنزاعات فيما بينها؛ ما يعقد عملية تسوية تلك النزاعات ويمأسس حالة النزاعات العنيفة في الإقليم. وهذا عادة ما يحدث نتيجة لأحد أشكال النشاطات العنيفة المستمرة مثل: الحرب الأهلية، والنزاعات الحدودية، والتدخلات في البلدان الأخرى ضمن الإقليم ذاته97. وفي حالة السودان والقرن الأفريقي، نجد أن هذه الأشكال الثلاثة حاضرة، وإن كان بدرجاتٍ مختلفة. كذلك، ووفقًا لفرضية "الجيران السيئين" Neighbors Bad، غالبًا ما تتمدد النزاعات والحروب الأهلية القائمة في دولة ما أو حالة عدم الاستقرار المتمثلة في انهيار الدولة أو فشلها إلى الدول المجاورة لها؛ إذ تجتاز الحدود لأسباب متعددة، مثل أن يلجأ الطرف الضعيف في النزاع إلى استقطاب حليف من الدول المجاورة، أو أن يكون ثمة نوع من الأسباب البنيوية المتمثلة في طبيعة المجتمعات القاطنة على حدود البلدين (من حيث العرق أو الدين مثلً)، أو سهولة تهريب الأسلحة عبر الحدود الرخوة، أو أن يسهّل ذلك لجوء القوات المسلحة المعبّأة إلى استهداف الدولة المجاورة. وقد يرجع الأمر إلى أنّ تلك النزاعات غالبًا ما تصدّر اللاجئين إلى دول الجوار؛ ما قد يشعل فتيل التوترات والنزاعات لأسباب اجتماعية أو اقتصادية. فمثلً سبق أن ارتبطت الحرب بتدفق اللاجئين في حالة كمبوديا ولاوس وفيتنام، أو في حالة نيكاراغوا والسلفادور، كما قد أثرت الحرب في أفغانستان في كل من كشمير وطاجيكستان، وولّد النزاع في الشيشان تداعيات عدّة في دول الجوار98. وبحسب مايرون وينر فالقرن الأفريقي يعد أحد تلك "الأحياء السيئة"99. وكما يشير آيدين صالحيان، فإنّ تحليل الوضع في دولة ما لا يمكن أن يكون في معزلٍ عن دول الجوار، وفي حالة وجود جماعات مسلحة قادرة على عبور الحدود، فمن شأن ذلك إطالة أمد النزاع لا خلقه فقط، إضافة إلى تهديد العلاقات بين تلك الدول؛ ما قد يؤدي إلى أزمات دولية100. وبصفة عامة، يتضاعف الخطر في حالة عدم استقرار الوضع المحلي بدرجة كافية لمقاومة آثار هذا النوع من الجوار101. في إطار هذه الفرضية، يمكن القول إنّ وجود إقليم الشرق على الحدود مع إثيوبيا وإرتيريا أدى إلى أن يكون محط توترات عدة بينهما وبين السودان، لا سيما خلال التسعينيات102. قامت الحكومة السودانية بعد ذلك بإعادة حساباتها، وسعت لإرساء السلام معهما، وذلك عبر المصالحة السودانية - الإرتيرية عام 2005، واتفاق سلام شرق السودان عام 2006، ومجموعة من معاهدات التعاون الاقتصادي واللوجستي عام 2011، حمايةً لمصالحها الاستراتيجية في إقليم الشرق. لكن منذ مطلع عام 2018، تجددت التوترات وتبادل الاتهامات بين السودان وإرتيريا، وحَرّك السودان تعزيزات عسكرية من الجيش وقوات الدعم السريع نحو ولاية كسلا، بهدف حماية الحدود، كما كان قد أغلق معابره الحدودية قبل ذلك مع إرتيريا خوفًا من تهديدات محتملة نفتها الأخيرة103. وفي حزيران/ يونيو 2020، برزت من جديد اتهامات لأسمرة بدعم قيادات سودانية محلية واستقطابها وخدمة مصالحها عبر تعزيز مكانة "حلفائها"104. أما عن إثيوبيا، فرغم اضطلاعها عام 2019 بدور الوساطة بين تحالف المعارضة والمجلس العسكري الانتقالي لتحديد الهياكل الحكومية خلال الفترة الانتقالية في السودان105، ونجاحها في إعادتهما إلى طاولة المفاوضات106، فإنّ مشكلةً حدوديةً ظلت قابلة للانفجار في أي وقت بينها وبين السودان107. فالبلدان يختلفان منذ مطلع القرن العشرين في أحقية أي منهما في منطقة الفشقة بولاية القضارف السودانية على الحدود مع شمال غرب أمهرة الإثيوبية108، والتي حكمت معاهدات الحقبة الاستعمارية بها للسودان فيما تحتج إثيوبيا بملكيتها بكون

  1. Raimo Väyrynen, "Regional Conflict Formations: An Intractable Problem of International Relations," Journal of Peace Research , vol. 21, no. 4 (1984), p. 344.
  2. Zaryab Iqbal & Harvey Starr, "Bad Neighbors: Failed States and Their Consequences," Conflict Management and Peace Science ,
  3. 106  Ibid., p. 448.
  4. Idean Salehyan, "Transnational Rebels: Neighboring States as Sanctuary for Rebel Groups," World Politics , vol. 59, no. 2 (2007), pp. 241-242.
  5. Iqbal & Starr, p. 319.
  6. LeBrun, pp. 25-26.
  7. العلاقات السودانية الإريترية.. محطات الهدوء والتوتر"، 101 الجزيرة نت، 2018/1/15، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/3xIBAjd:
  8. من المستفيدون من تأجيج الصراع القبلي في شرق السودان؟،" تي آر تي عربي، 2020/6/30، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/3r5AjjO:
  9. الأزمة في السودان: المعارضة توافق على مقترح الوسيط الإثيوبي بشأن المجلس بي بي سي عربي السيادي"،، 2019/6/23، شوهد في 2021/9/13، في: https://bbc.in/36x2ZIY
  10. السودان.. جهود الوساطة الإثيوبية تنجح ودول تدفع نحو "حكم عسكري"، 104 تي آر تي عربي، 2019/6/12، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/3xGCfS7 105  Mulatu Wubneh, "This Land Is My Land: The Ethio-Sudan Boundary and the Need to Rectify Arbitrary Colonial Boundaries," Journal of Contemporary African Studies , vol. 33, no. 4 (2015), p. 441.
  11. vol. 25, no. 4 (December 2008), p. 319; Myron Weiner, "Bad Neighbors, Bad Neighborhoods: An Inquiry into the Causes of Refugee Flows," International Security , vol. 21, no. 1 (Summer 1996), pp. 28-29.
  12. 97  Ibid., p. 27.

سكانها من المزارعين الإثيوبيين109. ومع استمرار الشد والجذب خلال العقود التالية للحكم، أفضى اشتباكٌ حدودي بين المواطنين السودانيين والفلاحين الإثيوبيين إلى توغل أولئك الفلاحين في المنطقة الزراعية110، ليتوافق الطرفان بعدها على الاعتراف بالحدود القانونية مع سماح السودان ببقاء الفلاحين كنوع من "الحدود الناعمة"111. ثم اتفقا لاحقًا عبر اللجنة السودانية - الإثيوبية المشتركة على إعادة 44 كيلومترًا مربعًا من المنطقة إلى السودان (تبلغ مساحة الفشقة نحو 250 كيلومترًا مربعًا)، وذلك إثر موقف السودان المؤيد لبناء سد النهضة في إثيوبيا112. واستمرت تمثلات فرضية "الجار السيئ" تلك، فبعد عامين، مع تكرار التجاذبات اتهم الجانب السوداني نظيره الإثيوبي بالتقاعس عن وقف الاعتداءات التي نفذتها ميليشيات إثيوبية مسلحة داخل أراضي السودان عبر الشريط الحدودي114. ومن جديد، كان الطرفان في عام 2017 يختلفان في عملية ترسيم المنطقة، والتي توقفت في العام التالي، وظهرت مطالبات من بعض السياسيين السودانيين بإعلان الحرب رغم استبعاد الحكومة السودانية اللجوء إلى السلاح115. وبعد إخراج جبهة تحرير تيغراي من دائرة الحكم في إثيوبيا، ارتفعت الأصوات المعترضة هناك بخصوص الاتفاقات السابقة116، وعادت المحاولات في شباط/ فبراير 2019 لتعزيز العلاقات وحل المشكلة117، وذلك قبيل عزل البشير. وبتولي عبد الله حمدوك رئاسة الوزراء في 21 آب/ أغسطس 2019، عاود إثارة القضية نهاية عام 2020 مع الجانب الإثيوبي، لكن لم يصلا إلى اتفاق، ونتج من ذلك اندلاع اشتباكات حدودية جديدة118؛ لتظل الأزمة قائمة بلا حل جذري حتى اللحظة. واقتربت حالة التوتر في المنطقة من مرحلة الغليان ببروز النزاع في إقليم تيغراي على الحدود الإثيوبية - السودانية. فبعد وصول آبي أحمد إلى رئاسة الحكومة في 2018، عكف على "تطهير" أركان السلطة من المنتمين إلى جبهة تحرير شعب تيغراي، والذين كانوا يهيمنون على البلاد عقودًا قبل حالة الاضطرابات التي شهدتها. أدى ذلك في نهاية المطاف إلى اشتعال الاشتباكات المسلحة في الإقليم بين قوات الحكومة الفدرالية والجبهة119. تبادل الطرفان الاتهامات، ونتج من القتال مئات الضحايا وعشرات الآلاف من اللاجئين الذي عبروا الحدود إلى السودان120. ورغم أن النزاع إثيوبي  - إثيوبي، فإن موقعه على حدود الشرق يجعله يؤثر ويتأثر بالديناميكيات السياسية في السودان، ونظرًا إلى الحالة المعقدة لهذه الصراعات، يُحتمل تمدد آثارها إلى أجزاء أوسع من القرن الأفريقي. بدايةً، باتت الموجات الكبيرة من اللاجئين المنضمين إلى أولئك الموجودين سابقًا في الشرق، تشكل تهديدًا إضافيًا للاستقرار؛ إذ إن وتيرة النزوح بحسب المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين "تهدد باستنزاف القدرة الحالية على تقديم المساعدات"121. ويأتي هذا بالتزامن مع أزمات اقتصادية طاحنة يعيشها سكان الشرق أنفسهم، وأزمات عرقية وقبلية تدور رحاها في الإقليم وإن لم يكن ذلك بطاقتها القصوى. ولعل المخاوف في هذه النقطة تحديدًا تبرز أثناء معرفة أنّ أهم القبائل في تيغراي تستوطن في كل من السودان وإرتيريا كذلك، وأن ثمة مجموعات مشتركة عابرة للحدود؛ ما ينذر بأنّ أراضيهما الحدودية مشمولة أصلً في الصراع123، وفي حال استمراره فمن غير المستبعد اندلاع مواجهات مسلحة عبرها، لا سيما مع انتشار السلاح الذي يدّعي البعض أن إمداداته تأتي عبر الأراضي السودانية، ما يشكل تهديدًا أمنيًا للمنطقة برمتها، تظهر بوادره في القتال الذي حدث بمنطقة "حميرة" ذات الحدود المشتركة مع تيغراي والسودان124. هذا بخلاف احتمالية

  1. أليكس دي وال، "إثيوبيا والسودان: لماذا تتنازعان على منطقة الفشقة؟"، 107 بي بي سي، 2021/1/4، شوهد في 2021/9/13، في https://bbc.in/2T7zMkG: عربي
  2. Alemayehu Erkihun, "The Boundary Tensions and Frontier Claims between Ethiopia and the Sudan, 1950s-1974: The Case of Sätit-Humära and Mätäma," International Journal of History and Cultural Studies , vol. 5, no. 4
  3. دي وال.
  4. سيد خميس، "الصفقة.. السودان يسترد 44 كيلومترًا من إثيوبيا مكافأة لتأييده الوطن 'سد النهضة"'،، 2013/12/13، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/3r9NwIh
  5. السودان وإثيوبيا.. حسابات المصالح تخفف احتقانات الحدود"، العرب، 2015/11/24، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/3yX2x2M:
  6. أحمد يونس، "رئيس الوزراء الإثيوبي يبدأ اليوم زيارة إلى السودان وزير الداخلية الشرق الأوسط يستبعد مواجهة حدودية مع أديس أبابا"،، 2015/5/2، شوهد في 2021/9/13، فh يttps://bit.ly/3rfVjEv: 113 دي وال.
  7. البشير وأحمد يبحثان تشكيل 'قوات مشتركة لحماية الحدود' بين السودان روسيا اليوم وإثيوبيا"،، 2019/2/11، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/3ejzM8D
  8. دي وال. " النزاع بين إقليم تيغراي والحكومة الفدرالية الإثيوبية: أسبابه ومآلاته"، 116 تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020/11/15، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/3wEHkZS
  9. (2019), p. 8.
  10. Jason Burke, "Fears of Regional Conflict in Horn of Africa after Rocket Attacks on Eritrea," The Guardian , 15/11/2020, accessed on 13/9/2021, at: https://bit.ly/39IyAc3
  11. باسيليوه موتاهي، "أزمة تيغراي: لماذا تمثل المعارك في تيغراي تهديدًا بي بي سي عربي للدول المجاورة لإثيوبيا؟"،، 2020/11/15، شوهد في 2021/9/13، في: https://bbc.in/3xEeOJr
  12. آدم؛ الأفندي؛ وكذلك: Mohammed Amin, "New Regional Tensions Threaten Sudan's Fragile Democratic Transition," Middle East Eye , 22/11/2020, accessed on 13/9/2021, at: https://bit.ly/3oH0UBN
  13. Burke.

انتقال عناصر الجبهة لتنشط من مواقع داخل حدود الشرق. أضف إلى ذلك تبعات تكرار ما ترتب على عدم استقرار الحدود بين البلدين من ضبط كميات من الأسلحة والعملات المزورة والحشيش في ولاية كسلا مطلع آذار/ مارس 2021 125. كذلك ثمة مخاوف من أنّ النزاع قد امتد بالفعل إلى إرتيريا ذات الحدود المشتركة معهما، لا سيما مع عدائها الأزلي لجبهة تحرير شعب تيغراي127، والهجوم الصاروخي الذي اتُهمت الجبهة بشنّه على المطار في أسمرة، والذي بررته باتهام الأخيرة بدعم القوات الإثيوبية في قتالها ضدها لوجستيًا وعسكريًا128، لا سيما بوجود تحالف بين أسمرة وأديس أبابا منذ اتفاقية السلام الأخيرة بينهما عام 2018 129. وبالفعل، أقر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في 23 آذار/ مارس 2021 بوجود قوات إرتيرية في تيغراي، كما صرّح بخصوص الجنود الإرتيريين بما نصه "بغض النظر عن المبالغة في دعاية الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، فإن أي جندي مسؤول عن اغتصاب نسائنا ونهب المجتمعات في المنطقة سيحاسب، لأن مهمتهم هي الحماية"130. وعلاوة على ما سبق، فإن وجود علاقة تاريخية بين التيغراي والبني عامر، ومواجهتهما للقمع في إرتيريا وإثيوبيا، سيتسببان في مزيد من التوتر لدى المكونات الاجتماعية في الشرق، وربما يؤثران في القوى العمالية ونشاطات الزراعة131. كما أن المخاوف قائمة إلى حد ما من دخول مصر وأزمة سد النهضة طرفًا إضافيًا في النزاع عبر انحيازها إلى تيغراي ورقةَ ضغط على الجانب الإثيوبي. وهنا يظهر من جديد تأثير التوترات الداخلية في السودان؛ فالحديث عن تضاد المواقف العسكرية - المدنية، بخصوص تيغراي، سيعني نقطة تشابك جديدة بين ما هو شأن سوداني داخلي وما هو إقليمي، بين داعم للحكومة وداعمٍ للجبهة132. يضاف هذا إلى الصدع الآخر الذي برز مؤخرًا، بانتشار القوات السودانية في الفشقة على الحدود مع إثيوبيا، بعد اتهامها المباشر للقوات الإثيوبية بالاعتداء على أفرادها، وهو ما رأته إثيوبيا استغلالً للوضع الملتهب في تيغراي133، مثّل هذا نقطة ساخنة متجددة أخرى لتقاطع خطوط الصدع الإقليمية والمحلية، خاصة مع فشل المفاوضات في مؤتمر القمة الإقليمي في كانون الأول/ ديسمبر 2020 في الوصول إلى اتفاق134. تلك الآراء التي مفادها أنّ السودان يستخدم نزاع تيغراي ورقةً للضغط بشأن الفشقة، وسد النهضة135، تستند إلى قدرة السودان على التحكم في إغلاق الحدود أو فتحها بين تيغراي وولايات الشرق (كسلا والقضارف)، باعتبارهما النافذة اللوجستية الوحيدة له مع العالم، أي مع الإمدادات من ذخيرة ووقود وحتى الغذاء؛ ما يعني أن موقف السودان سيكون فيصلً في تطورات النزاع وتداعياته على المنطقة.

لكن تبقى حقيقة أن علاقة النظام السوداني بالجبهة لم تعد بقوّتها السابقة حين كان البشير على رأس السلطة، وأن تأثير الجبهة في الخرطوم قد تراجع، عاملً مهدئًا إلى حد ما، وأثره ملحوظ في ضبط الجانب السوداني للحدود حتى الآن رغم المناوشات المتبادلة136. لكن يبقى أيضًا إرثٌ كبير من النزاعات بين البلدين وتدخلاتهما في النزاعات الداخلية لكل منهما على مدى الثمانينيات والتسعينيات137. قد يهدد استمرار النزاع وتداعياته على حدود شرق السودان بتدهورٍ أكبر للأوضاع الاقتصادية للنظام السوداني وجبهة الشرق اللذين يعانيان أصلً ظروفًا سيئة؛ فهو سيؤثر في نشاطات الزراعة

  1. ضبط كميات من الأسلحة والعملات المزورة بولاية كسلا"، 121 راكوبة، 2021/3/3، شوهد في 2021/9/14، في https://bit.ly/3xGE4yr: 122 موتاهي.
  2. Burke.
  3. النزاع بين إقليم تيغراي والحكومة الفدرالية الإثيوبية: أسبابه ومآلاته."
  4. رئيس الوزراء الإثيوبي يقر للمرة الأولى بوجود قوات إريترية في إقليم تيغراي"، 125 بي بي سي عربي، 2021/3/3، شوهد في 2021/9/13، في: https://bbc.in/3B3egik 126 الأمين.
  5. النزاع بين إقليم تيغراي والحكومة الفدرالية الإثيوبية: أسبابه ومآلاته."
  6. إثيوبيا تنتقد سلوك السودان 'غير الودي' مع افتتاح مناقشات لإعادة ترسيم
  7. السودان وإثيوبيا.. نذر حرب أم تمويه على مشاكل داخلية؟"، 129 دويتشه فيله، 2021/1/20، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/3ejTAZs:
  8. Nizar Manek & Mohamed Kheir Omer, "In Ethiopia's Civil War, Sudan Will Decide the Outcome," Foreign Policy , 14/11/2020, accessed on 13/9/2021, at: https://bit.ly/3oFAQa7
  9. Ibid. 132 دي وال.
  10. الحدود"، فرانس 24، 2020/12/22، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/3ATWjT8

في المنطقة والتجارة المتبادلة، علاوة على التدهور الأمني وانفلات الحدود وموجات التهجير والنزوح. قد يهدد هذا كله بتفجر الأوضاع في سائر البلدين وفيما بينهما، بما في ذلك التداعيات التي قد تنشأ عن ذهاب إقليم تيغراي إلى خيار الانفصال، وهو حق يمنحه له الدستور الفدرالي138. وبالعودة إلى الحديث عن خطوط الصدع الدولية والإقليمية الأوسع، سنجد أنّها تستفيد وتتمدد في فراغات هذه التصدعات على حدود السودان الشرقية. فمثلً نجد أن أطرافًا خليجية استغلت النزاعات المختلفة في المنطقة لتأسيس مناطق نفوذ وتأثير، وخاضت عبرها ما يمكن وصفه بحروب الوكالة139، كما وجه إليها ناشطون اتهاماتٍ بإشعال النزاع القبلي في الإقليم بهدف "تقويض صمود عمال الموانئ، عبر إنهاك مجتمعاتهم في صراعات مستمرة"140. كذلك فعلت أطرافٌ دولية مثل الصين وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومنها التحرك الروسي الأخير بعقد اتفاقية لإقامة قاعدة عسكرية للبحرية الروسية على الساحل السوداني، تتم عن طريقها عمليات التموين والصيانة والإمداد، مقابل حصول السودان على السلاح الروسي، الأمر الذي يعزز نفوذ روسيا في المنطقة، إلى جانب اقتحامها سوق السلاح فيها، والذي قد ينذر في حد ذاته بتأجيج القتال. ومع استمرار النزاعات في الإقليم وعلى حدوده، تتنامى المخاوف من إغراء مستفيدين آخرين وجذبهم، واندلاع مزيد من الصراعات وتأجيجها141.

رابعًا: في سبيل رأب التصدّعات

في إطار ما سبق استعراضه من معطيات تتعلق بالتصدّعات المحلية والإقليمية والدولية، في إقليم الشرق السوداني وحدوده المضطربة، فضً لا عن التأثير المتبادل بينها عبر استغلال مختلف الأطراف للنزاعات والأزمات الأخرى، يمكننا المحاجّة بأن الوضع في شرق السودان يستحق اعتباره نموذجًا وميدانًا لممارسة الدبلوماسية الوقائية (من النزاعات ومن تصعيدها)، وبأن من الضروري التركيز في بناء السلام السوداني على إقليم الشرق باعتباره الأولوية الراهنة والمدخل الجغرافي الأهم للسلام في البلاد حاليًا، على الرغم من وجود نزاعات ثانية مستمرة في أقاليم أخرى. ففضلً عن ترابطها مع سائر النزاعات السودانية، فإنّ تدهور النزاعات في الشرق سيمثل كارثة تلقي بظلالها على سائر البلاد التي ليس لديها منافذ بحرية، في وقت يمر السودان بمرحلةٍ انتقالية لن تحتمل سلسلة "الدومينو" التي ستبدأ في التهاوي إن حدث ذلك. وكل هذا ليس بمعزل عن القرن الأفريقي وأزماته، مؤثرًا ومتأثرًا. من هنا، يمكن التقدم خطوةً إلى الأمام، للبحث في الحلول الممكنة؛ ولأن السيناريو معقد ومتشابك، فالحل لا يمكن أن يقتصر على المستوى الداخلي. فرأب التصدعات لا بد أن يكون من خلال العمل على خطة متكاملة لعملية س ماا متعددة المسارات Multitrack Peace Process، بحيث تشمل مسارات محلية، شعبية ومتوسطة ورفيعة المستوى، وأخرى إقليمية ودولية. وهذا بطبيعة الحال سيتطلب إشراك مختلف الأطراف في العملية لتعزيز فرص نجاحها. نعم، على السودان الأخذ بزمام المبادرة والقيادة، لكن لا بد أيضًا من الدعوة أو الاستعانة بتدخلات الأصدقاء وأصحاب المصلحة، وذلك لرأب تلك التصدعات المتشابكة بصورة منفصلة، ولكنها متزامنة وينعكس بعضها على بعض. وتأتي الحلول المقترحة هنا بالأساس من منطلق الوقاية من نشوء النزاعات وتصعيدها، لا سيما أنه إذا ما حدث هذا، فإن مقدار التكلفة والجهد المطلوب للتسوية سيساوي أضعاف ما هو مطلوب لجهود الوقاية، مثلما حدث في حالة دارفور حين كان ثمة مؤشرات واضحة لقرب اندلاع النزاع، لكن لم يتم إعارتها الاهتمام الكافي؛ ما أدى إلى تفجره وامتداد تأثيره داخليًا وخارجيًا. وتهدف عمليات الوقاية من النزاع إلى "منع ظهور الصراعات العنيفة، أو منع الصراعات الجارية من الانتشار، أو منع إعادة ظهور العنف في هذه الصراعات"، إلى جانب سعيها لتقليل الخسائر ووصول جميع الأطراف إلى حالة الربح Situation Win-win 143. وعادة ما يتم ذلك من خلال "مراقبة العلامات التحذيرية المبكرة، وتطوير أجندات للتحرك المبكر، واستدعاء الأطراف المعنية، وتطبيق إجراءات معينة، واستدامة التحرك الجماعي"144. داخليًا، في إقليم الشرق، يمكن اقتراح البدء بتركيز الاهتمام على نزع فتيل مختلف القضايا، عبر توجيه اهتمام الناس إلى الشؤون المتعلقة بتحسين الاقتصاد وتحقيق الرفاه مدخلً لبناء السلام، ذلك أن هذه

  1. النزاع بين إقليم تيغراي والحكومة الفدرالية الإثيوبية: أسبابه ومآلاته ".
  2. Abdeta Dribssa Beyene, "The Horn of Africa and the Gulf: Shifting Power Plays in the Red Sea," The Africa Report , 16/11/2020, accessed on 13/9/2021, at: https://bit.ly/3soT4PA
  3. من المستفيدون من تأجيج الصراع القبلي في شرق السودان؟."
  4. القاعدة' البحرية الروسية في السودان: ماذا نعرف عنها؟"، 136 بي بي سي عربي، 2020/12/10، شوهد في 2021/9/13، في https://bbc.in/3klhwzx:
  5. سامي إبراهيم الخزندار، إدارة الصراعات وفض المنازعات: إطار نظري (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2014)، ص.241-238
  6. بيتر فالنستين، مدخل إلى فهم تسوية الصراعات: الحرب والسلام والنظام العالمي (عمان: المركز العلمي للدراسات السياسية، 2005)، ص.368

الشؤون تبدو مهيمنة على مآلات مختلف النزاعات والقضايا الأخرى في الإقليم، أو تؤثر فيها على أقل تقدير؛ إذ ترتبط بكل من قضايا التنازع حول السلطة والثروة وقضايا التنازع بخصوص مسار الشرق والحكومة المركزية، وحتى القضايا المتعلقة بالموانئ داخليًا وخارجيًا. وهذا يعني بالضرورة التركيز على نشاطات بناء السلام الداخلية، لا سيما النشاطات التنموية، بمختلف مستوياتها. ويمكن لمس الأثر الإيجابي الفعلي للرفاه والتنمية في الإقليم في ما شهده من حالة استقرار نسبي في المدة 2018-2006 نتيجةً لتنفيذ عدد من المشاريع التنموية والخدمية والاقتصادية بواسطة التمويل الذي قدمه مؤتمر الكويت لتنمية شرق السودان الذي عقد في كانون الأول/ ديسمبر 2010 145. ويعزز هذه الفكرة ما أظهرته نتائج "حوار بناء السلام والإعمار في السودان" الذي عُقد بمشاركة واسعة من مختلف أصحاب المصلحة (سياسيون وممثلو منظمات المجتمع المدني والحركات المسلحة والنازحون واللاجئون وسودانيو المهجر والأكاديميون والحقوقيون ومسؤولون حكوميون)، حيث ركّز المشاركون حديثهم بصورة استثنائية على الحقوق الاقتصادية بوصفها أحد أهم محاور العدالة الانتقالية في السودان، وأنها تمثل أولوية في عملية بناء السلام في المناطق المهمشة والمتضررة من النزاعات في البلاد. وتطرقوا إلى ضرورة توجيه ميزانية الحرب إلى مجالات التنمية والتعليم والصحة، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار، وتوفير فرص عمل جديدة، انطلاقًا من أنّ "معاناة الناس تجعلهم يبقون في إطار الجو النفسي للصراع"146، ومن ثمّ، تساهم في استمراره بنيويًا. ومن وجهة نظر خارجية كذلك، ففي تصريح للمبعوث الفرنسي الخاص للسودان وجنوب السودان، جان ميشيل دومون Dumond Jean-Michel، حذر من أنّه إذا ما لم تُحلّ المشكلة الاقتصادية، فإنّ عملية الانتقال والتغيير ستكون برمّتها "في خطر حقيقي"147. ومن المهم التأكيد على كون اقتراح الاقتصاد والتنمية مدخلً لنزع فتيل التوترات لا يعني بحال تجاهل رفع التهميش في الجوانب الأخرى بالتوازي؛ وذلك "من أجل بناء أساس متكامل للسلام المحلي"148. في حين يشير حامد علي التيجاني إلى أنّ المفتاح يكمن في معادلة مشتركة تضمن حدًا أدنى من الاستقرار والمصالحة مع إطلاق برامج التنمية؛ وذلك لاستحالة دفع عجلة الاقتصاد دون هذا الحد الأدنى، وأن يتم تركيز التنمية أولً على ما يلامس حياة الناس اليومية149. ويتفق الأفندي مع هذا؛ إذ يحاجّ بأن النزاع يفاقم سوء الأحوال الاقتصادية وأن موارد الشرق الأساسية من تجارة ومعادن تتطلب سلامًا مستقرًا لاستغلالها، مستدلًّ على ذلك باستخدام البجا تعطيل الميناء وإغلاق الطريق الدائري الذي يربطه بوسط السودان وطريق عطبرة الرئيس في إطار استراتيجية للضغط في نزاعهم بخصوص تعيين والي كسلا150. لكن بصفة عامة، لا يمكن الفصل بين ما هو اقتصادي وتأثيره في ما هو سياسي وثقافي أو اجتماعي؛ إذ إن عدم معالجة الشؤون الاقتصادية والوضع الاقتصادي المتدهور يؤدي إلى "عدم الاستقرار السياسي والثقافي وإلى التشرذم الوطني، ويصعّب من عملية إدارة المجتمعات"، ومع نشوء حركات معارضة "للدفاع عن مصالح الأقليات الثقافية أو اللغوية أو العرقية أو تلك التي تميزت بالتعرض لاضطرابات اقتصادية"، فإنّ الأزمات آنفة الذكر تمضي في طريقها إلى مزيد من التفاقم151. وتبعًا لما أفاد به عدد من المشاركين في "حوار بناء السلام والإعمار في السودان"، فإن عموم عمليات السلام في البلاد، بما فيها المتعلقة بالاقتصاد والتنمية، لا بد لها أن تتم من خلال الجهات المنوطة بها، لا من خلال اللجوء إلى السلطة العسكرية على حساب تعزيز الحكم المدني152، وذلك بالتوازي مع تفعيل مؤسسات الدولة المدنية، وترشيد الخطاب الحكومي لأهالي الشرق عبر إيقاف لهجة التهديد العسكري والخطاب القبلي153. ولا بد من تفعيل بنود الاتفاقيات السابقة الخاصة بالشرق، والمتعلقة بإلغاء التهميش والتحوّل إلى اللامركزية في الحكم وتوزيع المقدرات والفرص، بالتركيز على أهمية تحويل كل المناطق/ الفئات في السودان إلى "مركز" مع التحذير من أنّ استمرار الوضع الحالي (طبيعة علاقة المركز - الأطراف) هو أمر غير صحي من جهة السلام والاستقرار في البلاد154. ولعل المرسوم الدستوري الصادر في 4 آذار/ مارس 2021، بخصوص إنشاء نظام الحكم الإقليمي (الفدرالي)، يُعدّ فرصةً جيدة لتفعيل التحرك في هذا الاتجاه؛ إذ طالما طالب السودانيون في الولايات المهمشة بهذا التغيير155. علاوة على ذلك، يبرز الاقتصاد بوصفه عنصرًا أساسًا في نزاعات المنطقة من خلال الأزمات المتعاقبة المتعلقة باستثمار موانئ الإقليم، والتي إن

  1. الأمين.
  2. تقرير موجز حول حوار بناء السلام والإعمار في السودان."
  3. ينظر تقرير موجز حول: "منتدى التمكين المدني والتنمية المستدامة في السودان " (ورشة عبر الإنترنت)، مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني في الدوحة بالتعاون مع المركز
  4. التيجاني.
  5. الأفندي.
  6. Väyrynen, p. 345.
  7. تقرير موجز حول حوار بناء السلام والإعمار في السودان."
  8. أشرف عبد الحي (باحث وأكاديمي سوداني)، مقابلة عبر برنامج "زووم "،.2021/3/3 148 تقرير موجز حول حوار بناء السلام والإعمار في السودان."  "
  9. الأوروبي-السوداني لدراسات السلام في القرن الأفريقي في الخرطوم ومؤسسة نيتكسوس إنترناشيونال في باريس، 2020/3/29. (غير منشور) 142 الأمين.
  10. تنفيذًا لاتفاق جوبا.. السودان يتحوّل إلى نظام الحكم الفيدرالي"، 149 التلفزيون العربي، 2021/3/4، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/36F8GEG

لم يجر العمل على تسويتها عبر تحركاتٍ جادة وعاجلة، فمن الصعب تصوّر أنّ السلام يستتبّ فيه، فضلً عن أثرها في الاقتصاد السوداني. هذه الأزمات ذات طبيعة مشتركة محلية وخارجية، لذا فإن حلها قد لا يكون ممكنًا من دون إشراك أطراف خارجية، وهذا في حد ذاته لا يمثل مشكلة، لا سيما في ظل الإمكانات المحلية الحالية. لكنّ المهم في هذا الصدد هو إيجاد صيغة لتلك الشراكات التنموية في الإدارة والتمويل، بحيث تحفظ للدولة سيادتها، وتضمن رقابتها على جميع المنافذ، والفائدة العائدة عليها وعلى مواطنيها. فإلى جانب التأكيد على أهمية جذب الاستثمارات الأجنبية وأثرها في حلحلة الأوضاع، ينبغي التأكيد على أن الأهم هو كيفية إدارة تلك الاستثمارات وما قد ينشأ عنها من نزاعات. وقد سبق أن أشار المشاركون في "حوار بناء السلام والإعمار في السودان" إلى هذه النقطة تحديدًا156. ووفقًا للمختصين، يمكن تحقيق ذلك عبر إيجاد شراكات مع القطاع الخاص أو الشركات من دون الوقوع في "فخ" تأجير الميناء عشرات السنوات، فيما يشكل خطرًا على الأمن الوطني والقومي ويستنزف مقدرات الدولة. ويكون ذلك مقترنًا للأهمية بوضع خطة محكمة وشفافة للشراكة/ الاستثمار تأخذ في الاعتبار الحفاظ على أوضاع أهالي الإقليم والعمال وموظفي الميناء من الشرق وسائر البلاد وتعزيزها، والذين يرون فيه جزءًا أساسًا من تاريخهم وحياتهم ومستقبلهم، عبر توفير تأهيل مناسب وتفعيل برامج التدريب. وهذا ضمن خطة لبناء الثقة بين الأهالي والدولة157، مع التشديد على مراعاة الاحتياجات الآنية للعمال، خصوصًا أنّ النظام الحالي لا ينضوي على أمان وظيفي كافٍ، وهي مسؤولية يجب التعاون بشأنها بين الدولة المركزية والإقليم. ويمكن ملاحظة أثر تجاهل ما سبق بالنظر في نتيجة العقد الذي سبق إبرامه مع الشركة الفلبينية لإدارة ميناء بورتسودان الجنوبي وتشغيله، والذي أدى إلى اشتعال الاحتجاجات؛ إذ رأى السودانيون أن خروج الميناء عن الإدارة السودانية يعني تفكك هيئة الموانئ وتشريد آلاف العمال والمهندسين المحليين في مقابل خدمة مصالح دول بعينها وأغراضها، وأن مثل هذه الاستثمارات ليس سوى "محاصصات فوقية"158، وحرمان لأهل الشرق من مصدر إيرادات رئيس، في ظل انعدام مرافق اقتصادية ونشاطات صناعية كبيرة في الإقليم159. لكنّ إلغاء العقد وانعدام بديل للحل أثّرا في الأداء العام للميناء في إجراءات الاستيراد والتصدير، لوجود قصور في تجهيزاته اللوجستية والتشغيلية تعجز الحكومة المركزية عن توفير التمويل اللازم لتعويضه، وهو ما كان له في نهاية المطاف تداعيات خطيرة تتعلق بشحّ السلع وارتفاع أسعارها، واللجوء إلى موانئ بديلة من خارج البلاد160.

وما يُعد محوريًا هنا أيضًا إذا ما أراد السودان لإقليمه الشرقي، أن يغدو إحدى المنصات الرئيسة للقرن الأفريقي، هو الحرص على تجنب الوقوع في سياسات الاستقطاب الإقليمية أو الدولية ومحاصرة نفسه وسط أي تحالف في المنطقة، لا سيما أنّه مع التركيبة الحالية للدولة في السودان، وما قد يشوبها من توترات، فإن الخيار الأمثل يبدو في البقاء على الحياد والاستفادة من كل الفرص المتاحة، بما يخدم رفاه المنطقة واستقرارها وأمنها، بحيث يجري السعي لتحويل الحضور الدولي والإقليمي إلى حضور إيجابي يساهم في إحلال السلام، عوضًا عن تعقيد النزاعات ومفاقمتها. وفي هذا السياق، لعل من الممكن للسودان أن يستفيد من تجربة جيبوتي في ما يخص الحفاظ على السيادة المحلية وتجنب الاستقطاب لدى اللجوء إلى الاستثمارات الخارجية أو حتى الاتفاقيات الاستراتيجية مثل بناء قواعد عسكرية؛ حيث اتجهت جيبوتي إلى خيار تعدد الممولين والمستثمرين الأجانب غير المنحصر في محورٍ بعينه، فموقعها الاستراتيجي يجذب مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، وهي تحتاج إلى العائدَين المادي والاستراتيجي، إلا أنها لم تقتصر على فتح المجال لطرف دون الأطراف الأخرى. وبالفعل أسست فيها قواعد لكل من الصين وفرنسا والولايات المتحدة؛ ما مكّنها من أن تكون سيدة قرارها أثناء نشوء خلاف مع الإمارات مثلً في صفقة تطوير الميناء161.

  1. تقرير موجز حول حوار بناء السلام والإعمار في السودان."  "
  2. التيجاني؛ الأفندي؛ الأمين؛ آدم.
  3. عبد الله خالد.
  4. الحاج.
  5. نازك شمام، "أزمة ميناء 'بورتسودان' تضيق وفرة السلع بأسواق السودان"، التقارير، وكالة الأناضول، 2020/12/4، شوهد في 2021/9/13، في: https://bit.ly/3ra5D0N
  6. Alex de Waal, "The Red Sea: 'A Vital Artery for the World Economy'," The Africa Report , 13/11/2020, accessed on 13/9/2021, at: https://bit.ly/2M6AsDl

لعل من الممكن استثمار ما حدث من تقارب خليجي، وذلك بموجب بيان قمة العلا، في بناء السلام ومنع النزاعات في القرن الأفريقي؛ باعتباره أيضًا إحدى ساحات المواجهة الخليجية، حيث تمثل المصالحة فرصة لبناء السلام وفتح أبواب الحوار من أجل حل القضايا العالقة والتفكير في سبل التعاون المشترك بدلً من التنافس. ولعل الفرصة سانحة في ظل هذا الوضع للسعي لإعادة تفعيل المشروعات الاستثمارية الزراعية المتوقفة، منذ عام 2015، في الأراضي الشاسعة لسد أعالي نهري ستيت وعطبرة في شرقي الإقليم162. وفي العموم، فأي مشاريع استثمارية ينبغي أن تترافق مع وضع قوانين واضحة للاستثمار وتوفير الأمن اللازم لحمايته، لمنح الثقة للمستثمرين وتمكين السودان من دخول المنافسة مع الدول المحيطة بصفته أحد مراكز الجذب الاستثمارية في المرحلة المقبلة163. وكما أسلفنا، فإنّ هذه المنطقة الاستراتيجية بطبيعتها نظرًا إلى موقعها الجغرافي والظروف الحالية هي محط أنظار مختلف القوى الدولية والإقليمية، من خلال تطلّعها إلى موضع قدم فيها على اختلاف المآرب. كما أنه من غير الواقعي تجنّب ذلك، لا سيما مع الاحتياجات المالية الكبيرة للدول الواقعة ضمنها والتي تدفعها بدورها إلى استقطاب دعم تلك القوى164. وبناء عليه، يبقى لدول المنطقة، لا سيما السودان، السعي للانخراط في منظمة خاصة للعمل المشترك على تنسيق تلك الاستثمارات، بما يخدم مصلحتها جميعًا، ويحافظ على السلام والاستقرار بالمنطقة، ويمنحها موقع قوةٍ تفاوضيًا على قدم المساواة مع الأطراف الخارجية؛ ما يساعد في توجيه استثماراتها وتوظيفها في التنمية، ومنع استغلال النزاعات المحلية أو تأجيجها في سبيل تحقيق المكاسب. وهذه المقترحات السابقة والمرتبطة بالاقتصاد تمثّل أفعال منع وقائي للنزاعات على المدى القصير، وأفعال منع بنيوي على المدى الأطول كذلك في آنٍ واحد. ومن المنطلق ذاته، ضرورة اضطلاع دول المنطقة بإدارة النزاعات فيها وتحويلها؛ فإن ذلك لا بد أن يتم عبر منظمات إقليمية، لا عبر جهات فاعلة عسكرية. ففي السنوات الأخ ةرر، تسبب تهميش المنظمات الإقليمية لمصلحة تلك الجهات أو حلفائها، في قمع الديمقراطية من ناحية، وتقويض عمليات السلام من ناحية أخرى165. فمثلً أعطت مصر – الحليفة للشق العسكري في السلطة - إشارات للسودان باستعدادها لدعمه عسكريًا ضد إثيوبيا، مثل المناورات العسكرية المشتركة بينهما التي جرت في أيار/ مايو 2021. ورأى التيجاني أن هذا آتٍ من منطلق المصلحة المصرية في استمرار توتر علاقات السودان بجارتها الإثيوبية لأجل أزمة سد النهضة، وأنه لا يخدم السودان ولا يخدم حل الأزمة فعليًا. ورأى في الموقف العسكري السوداني حينها في التمترس على الحدود نوعًا من محاولة خلق بطولات شعبوية لدى عموم السودانيين، بينما بدا الشق المدني في المقابل أكثر ميلً إلى التهدئة. وأشار التيجاني في هذا الصدد إلى أنّ من الممكن تحقيق التهدئة واستمراريتها، عبر الحفاظ على نوع من الحدود الرخوة التي تمر عبرها النشاطات الاقتصادية الفردية، ويتم تبادل المنافع من دون التخلي عن معالم الترسيم الأساسية في ظل عدم الحاجة إلى ترسيم كامل166. وبالعودة إلى الحديث عن المنظمات الإقليمية المهمّشة، نذكر أن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية "إيغاد" Intergovernmental Authority on Development, IGAD، والتي جرى تأسيسها عام 1996 لتخلف سالفتها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالجفاف والتنمية "إيغاد" Intergovernmental Authority on Drought and Development, IGADD بعد توسيع نطاق عملها ليشمل التعاون الإقليمي في السلام والأمن، أُنشِئت ضمن رؤية تضعها في مقدمة الجهات المعنية بتحقيق السلام والتنمية المستدامة في المنطقة167. وكانت الفكرة من ذلك تجنب المنافسة السالبة من خارج الإقليم، والتنسيق لقاعدة تعاونية168. وانطلاقًا من هذا، ومن منظورٍ مثالي، لا بد لإيغاد من الدفاع عمومًا أكثر عن دورها وموقعها في الإقليم، والاضطلاع بما يترتب عليها بموجبه، بالتوازي مع توجه دول الإقليم لها بصفتها قبلة أولى لحلحلة نزاعاتها وتخفيفها. وعلى سبيل المثال، يمثل النزاع في تيغراي أولوية في هذا الصدد؛ إذ رغم رفض آبي أحمد سابقًا دعوات وقف إطلاق النار التي تلقّاها من جهات دولية وأممية مثل الولايات المتحدة والأمم المتحدة وبعض دول أوروبا169، ورفضه محاولات وساطتها بادعاء مخالفتها "أحد العناصر الأساسية للنظام القانوني الدولي وهو مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة"170، فإنّ نطاق ولاية إيغاد، إضافة إلى التصعيد الحاصل وتفاقم الوضع

  1. أحمد فضل، "سودان ما بعد الثورة.. فخاخ الاقتصاد تحاصر حمدوك"، 156 الجزيرة نت، 2019/8/26، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/3ekXqli:
  2. الأمين.
  3. Beyene.
  4. Ibid.
  5. التيجاني؛ الأمين.
  6. IGAD, "What We Do," accessed on 13/9/2021, at: https://bit.ly/3r9ApqH
  7. التيجاني؛ الأمين.
  8. Burke.
  9. Jason Burke, "Ethiopian PM Rebuffs Mediation Attempts as Tigray Deadline Nears," The Guardian , 25/11/2020, accessed on 13/9/2021, at: https://bit.ly/2KPDWK1

الإنساني، يفترض أن يمنح فرصةً لهذه المنظمة شبه الإقليمية لتدارك الوضع، خاصة أنّ نطاق النزاع لم يعد داخليًا مطلقًا، نتيجة اتهامات متبادلة مفادها أنّ إرتيريا وجبهة تحرير شعب تيغراي شنّتا هجمات171، ثم الاعتراف الإثيوبي والإرتيري الصريح بوجود قوات إرتيرية مقاتلة في تيغراي172، فضلً عن بروز التوتر الحدودي والأمني في شرق السودان نتيجة لتلك الحرب. ومما يعزز أهمية هذه الدعوة إلى التحرك الجاد للمنظمات الإقليمية، هو ما تشير إليه نظرية مجمع الأمن الإقليمي Regional Security Complex Theory, RSCT، والتي تدور حول فكرة مفادها أن عدوى التهديدات الأمنية عادة ما تتسرب عبر المسافات القصيرة (المناطق/ الدول القريبة) أكثر من تسربها إلى المناطق/ الدول الأبعد، ولذا فإنه عادة ما يعتمد أمن دولةٍ ما في إقليم ما بعضها على بعض، فيما يعرف ب "المجمعات الإقليمية." ومن هذا المنطلق، فإن درجة التعاون لحفظ الأمن عادة ما تكون أشد كثافة بين الفاعلين في داخل ذلك المجمع173. وبناءً على المادة 18 أ من اتفاقية 1996، والتي نصّت على "اتخاذ تدابير جماعية فعالة للقضاء على التهديدات للتعاون الإقليمي والسلام والاستقرار" و"إنشاء آلية فعالة للتشاور والتعاون من أجل التسوية السلمية للخلافات والنزاعات"174، وباعتبار رئيس الوزراء السوداني حمدوك يتولى رئاسة إيغاد الدورة الراهنة، فقد يكون سعيه لتحرك دبلوماسي رفيع المستوى ممكنًا في مختلف نزاعات المنطقة، مدفوعًا بمصلحة بلاده في حلحلتها وفقًا لما سبق. لكنّ هذا سيتطلب من السودان إظهار مزيد من الحياد عبر التوقف عن التصريحات الخطرة بدعم جانب دون آخر175، وسيتطلب أيضًا ضغوطًا وتحركات دبلوماسية أوسع وشراكات قوية لدعم المبادرات السودانية176. لا بد من التوقف عن حصر دور إيغاد في الجانب الإنساني، كما يحدث الآن، بدلً من معالجة جذور الأزمة لإيقاف سبب النزيف من الأساس. على الجانب الآخر، وفي ظل وجود السودان في وضع ضعيف، وربما غير محايد في الآن نفسه بالنسبة إلى نزاعات عدة، ثمة من يرى أنّ التدخل الإقليمي الأكثر واقعية أو صاحب الفرصة الأكبر هو وساطة الاتحاد الأفريقي ذي الشراكات الأممية القوية، وأنّ مثل هذه النزاعات القائمة حاليًا هي تحديدًا ما يتطلب من الاتحاد تفعيل شعاره الأساسي "إسكات البنادق"، عبر مفوضية السلام والأمن التي أنشأها عام 2000 . فرغم النقد الموجه إلى تلك الشراكة للاتحاد الأفريقي مع الأمم المتحدة، حيث يُنظر إليها نموذجًا لعلاقة الأب - الابن، لصالح هيمنة الثانية على الأولى أو استغلالها لها أحيانًا، فإن الشراكة ذاتها تضفي ميزةً للاتحاد الأفريقي؛ إذ "تمنح الأمم المتحدة للاتحاد الأفريقي صوتًا عالميًا ومنصة دولية" إلى جانب تأثيره الإقليمي، وهي توافر فرصة للاتحاد للتأثير في عمليات صنع القرار الأممية مثلما يحدث العكس. لقد سبق أن أثبت الاتحاد الأفريقي فاعليته في الوساطة بصفته مظلّة منجِزة، لكنّ نجاحاته تلك كانت دائمًا مقترنة بالعمل المشترك مع دولة ذات قدرات تقنية ومادية وذات خبرة نوعية في الوصول إلى حلول مستدامة، وفي الوقت ذاته تمتلك قبولً عامًا، مثل النرويج أو قطر. وهذه الأخيرة تحديدًا، لها سابقة مميزة في التعاون مع الاتحاد الأفريقي في دارفور. واليوم، قد تكون الفرصة سانحة لتكرار هذا التعاون في النزاعات الأخرى في المنطقة، لا سيما مع عودة العلاقات من جديد للتقارب بين الدوحة والخرطوم، وزيارة نائب رئيس مجلس السيادة السوداني محمد حمدان دقلو (حميدتي) الدوحة في كانون الثاني/ يناير 2021 ، فضلً عن بيان العلا وانعكاساته في العلاقات السياسية بين قطر والدول الخليجية الأخرى وحلفائها، والتعاون المصري القطري، والعلاقات القطرية - الإثيوبية السابقة. إن تدخل الاتحاد الأفريقي للوساطة مع وجود شراكة كالمذكورة هنا، من شأنه

  1. Burke, "Fears of Regional Conflict in Horn of Africa after Rocket Attacks on Eritrea."
  2. الصراع في تيغراي: إريتريا تعترف بمشاركة قواتها في القتال في الإقليم الإثيوبي"، 166 بي بي سي عربي، 2021/4/17، شوهد في 2021/9/13، في: https://bbc.in/3hFTaP8
  3. Barry Buzan et al., Regions and Powers: The Structure of International
  4. Sally Healy, "Seeking Peace and Security in the Horn of Africa: The Contribution of the Inter-Governmental Authority on Development," International Affairs , vol. 87, no. 1 (January 2011), pp. 106-109.
  5. In Addis Ababa, Sudan PM Announces IGAD Summit on Tigray Crisis," Al Jazeera , 13/12/2020, accessed on 14/9/2021, at: https://bit.ly/2U63wPG
  6. الأفندي؛ آدم.
  7. Afolake Oyinloye, "Igad Summit in Djibouti, Devoted to Ethiopia, the Kenya-Somalia Dispute," Africa News , 21/12/2020, accessed on 15/7/2021, at: https://bit.ly/3B1mJ5H 172 آدم.
  8. Security (Cambridge: Cambridge University Press, 2003), p. 4.
  9. الأمين.
  10. Thomas Kwasi Tieku & Tanzeel F. Hakak, "A Curious Case of Hybrid Paternalism: Conceptualizing the Relationship Between the UN and AU on Peace and Security," African Conflict and Peacebuilding Review , vol. 4, no. 2 (2014), p. 131.
  11. حميدتي يزور قطر تأكيدًا على عمق العلاقات"، 175 التلفزيون العربي، 2021/1/30، شوهد في 2021/9/13، في https://bit.ly/3z5PRXH:

أن يساعد في تجنبه الانتقادات التي تلحق آلية عمله في التدخلات؛ حيث يمنحه ذلك استقلالية أكبر، عبر تجاوز مشكلة الموارد والقدرات المحدودة التي تؤدي إلى التبعيّة بسبب اعتماده على الدعم المنفرد للأمم المتحدة.

أخيرًا، فيما يخص عمليات الوساطة، يجدر التنبّه إلى أنّ ثمة اهتمامًا كبيرًا حاليًا بالسودان والقرن الأفريقي، يترتب عليه طرح عروض عديدة للتوسّط، غالبيتها عابرة وزائفة أو لا تمتلك المقومات الأساسية العامة للوساطة الناجحة. وهنا يكمن التحدّي، ذلك أنّ تقديم عرض ما لا يعني بالضرورة نجاح العملية أو حتى جديتها في الأصل، ومن ثمّ ينبغي للسودان الحرص على تحليل هذه العروض ودراستها استنادًا إلى أسس علمية وخبراتية، والتأكّد من تماشيها وتحقيقها للمصلحة العامة للسودان على المدى الأبعد.

خاتمة

يمرّ إقليم الشرق بمرحلة حرجة؛ إذ تجتمع فيه التوترات المحلية، الموروثة والمستجدة، من حيث التهميش السياسي والاقتصادي والتوترات الاجتماعية المبنية على حالة من الحرمان النسبي وعلاقة المركز - الأطراف. وهي تتقاطع مع التجاذبات والأطماع الإقليمية والدولية، والمرتبطة بالتنافس الاقتصادي والجيوسياسي والاستراتيجي وحتى الأيديولوجي، ومع تلك المتعلقة بالنزاعات مع دول الجوار وفيها. ورغم تعقُّد الأوضاع، فإنّ الوقت لم يفت بعد لوضع خطة لتدخلٍ وقائي عاجل؛ إذ بات من الضروري التركيز على عمليات السلام اللازمة لنزع فتيل التوترات في الإقليم، وقايةً من الانفجار المحتمل للأوضاع، ومن انعكاسات ذلك على الاستقرار في السودان، وفي القرن الأفريقي ككل، وفقًا لنموذج "تشكّل النزاع الإقليمي." هذا التدخل الوقائي هو مسؤولية منوطة بالحكومة السودانية بالأساس، لكنّه يحتاج إلى التعاون الدبلوماسي مع مجمع الأمن الإقليمي المتمثل بدول القرن الأفريقي، ومع أطراف خارجية دولية، لديها القدرة على تقديم الدعم المادي والتقني للعملية؛ وذلك من منطلق أنّ النزاع المسلح، إذا ما اندلع، لن يقتصر تأثيره على أمن السودان واستقراره ومصالحه فحسب، فقد يتمدد إلى الخارج، كما أنّ تكلفة جهود الوقاية تظل ضئيلة - مهما كبرت - مقارنةً بتكلفة التسوية. وقد قدمت الدراسة عددًا من الاقتراحات الأوليّة، من أجل البدء في رأب التصدعات المحلية (في الإقليم) وتلك المتقاطعة معها. داخليًا، يبدو أنّ إيلاء الجوانب الاقتصادية وجوانب الرفاه والخدمات والتنمية، التي تؤثر مباشرة في حياة سكان الإقليم، اهتمامًا خاصًا، سيكون مدخلً سريعًا مناسبًا لنزع فتيل مختلف القضايا التي تشغل الأهالي وتذكي دوافع النزاع. هذا إلى جانب تفعيل إلغاء التهميش بأشكاله، والتوجه نحو اللامركزية، والحرص على عدم تمدد السلطة العسكرية على ما هو مدني. ولا بد للحكومة السودانية أن تنأى بنفسها عن سياسة المحاور، وتركز اهتمامها على تحويل الاهتمام والتنافس الدولي والإقليمي السلبي إلى تعاون – وحتى تنافس إيجابي - موجّه إلى خدمة التنمية، عبر جذب الاستثمارات والشراكات الخارجية المدروسة الجدوى والمتعددة، مع ترشيد إدارتها وتوفير مناخ استثماري آمن وعقود محكمة تراعي مصالح الإقليم والأهالي، فضلً عن السيادة والمصلحة العامة للبلاد. كذلك، لا بد للخرطوم من أن تسعى لتعزيز موقعها التفاوضي المستقل، وتفعيل موقعها على رأس إيغاد خدمة للسلام في المنطقة، وتخفيض حدة التوتر مع الجوار والاستعاضة عن ذلك بخلق قنوات مباشرة للتعاون المشترك من أجل الحفاظ على مصالح القرن الأفريقي، والتي تتعارض مع استمرار حالة التوتر والنزاعات القائمة في أيٍ من دول المنطقة.

  1. Tieku & Hakak, p. 151.

المراجع

العربية

"النزاع بين إقليم تيغراي والحكومة الفدرالية الإثيوبية: أسبابه ومآلاته." تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2020/11/15. في https://bit.ly/3wEHkZS:. جمهورية السودان. اتفاق سلام شرق السودان بين حكومة السودان وجبهة شرق السودان. أسمرا. 2006/10/14. في: https://bit.ly/2UKY989 الخزندار، سامي إبراهيم. إدارة الصراعات وفض المنازعات: إطار نظري. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات؛ ب وررت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2014 فالنستين، بيتر. مدخل إلى فهم تسوية ال اررعات: الحرب والسلام والنظام العالمي. عمان: المركز العلمي للدراسات السياسية،.2005 الفيل، خالد عثمان. "التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لفيروس كورونا المستجد في السودان." تحليل سياسات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.:2020/10/22. في https://bit.ly/3yS2RzP المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. المؤشر العربي 2020/2019 في نقاط. برنامج قياس الرأي العام العربي. الدوحة: تشرين الأول/ أكتوبر 2020:. في https://bit.ly/3xIB58P برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. التقرير الوطني للتنمية البشرية في السودان: جغرافية السلام: وضع التنمية البشرية مرتكزًا للسلام في السودان. الخرطوم.2013:

الأجنبية

Abdalla, Yasin, Eltayeb Elhadary & Narimah Samat. "Pastoral Land Rights and Protracted Conflict in Eastern Sudan." The Journal of Pan African Studies. vol. 4, no. 8 (April 2011). Baas, Saskia. "Low-Intensity Conflict in Eastern Sudan: A Comparative Approach to the Development of Rebel Groups." Small Wars and Insurgencies. vol. 24, no. 3 (July 2013). Barakat, Sultan et al., "The Composite Approach: Research Design in the Context of War and Armed Conflict." Third World Quarterly. vol. 23, no. 5 (October 2002). Beyene, Abdeta Dribssa. "The Horn of Africa and the Gulf: Shifting Power Plays in the Red Sea." The Africa Report. 16/11/2020. at: https://bit.ly/3soT4PA Buzan, Barry et al. Regions and Powers: The Structure of International Security. Cambridge: Cambridge University Press, 2003. Chen, Xiang-Yu et al. "Effects of Relative Deprivation on Intention to Rebel: A Multiple Mediation Model." Journal of Pacific Rim Psychology. vol. 12 (February 2018). Collins, Robert. "Civil Wars in the Sudan." History Compass. vol. 5, no. 6 (September 2007). Davis, James A. "The Campus as a Frog Pond: An Application of the Theory of Relative Deprivation to Career Decisions of College Men." American Journal of Sociology. vol. 1, no. 72 (1966). Erkihun, Alemayehu. "The Boundary Tensions and Frontier Claims between Ethiopia and the Sudan, 1950s-1974: The Case of Sätit-Humära and Mätäma." International Journal of History and Cultural Studies. vol. 5, no. 4 (2019). G.M., Sørbø & Ahmed A.G.M. (eds.). Sudan Divided: Continuing Conflict in a Contested State. New York: Palgrave Macmillan, 2013. Gur, Ted Robin. Why Men Rebel. New Jersey: Princeton University Press, 1970. Healy, Sally. "Seeking Peace and Security in the Horn of Africa: The Contribution of the Inter- Governmental Authority on Development." International Affairs. vol. 87, no. 1 (January 2011). IGAD. "What We Do." at: https://bit.ly/3r9ApqH

International Crisis Group. Sudan: Preserving Peace in the East, Africa Report no. 209 (November 2013). at: https://bit.ly/36UIhka Iqbal, Zaryab & Harvey Starr. "Bad Neighbors: Failed States and Their Consequences." Conflict Management and Peace Science. vol. 25, no. 4 (December 2008). Jok, Jok Madut. Sudan: Race, Religion, and Violence. New York: Simon and Schuster, 2015. Knopf, Payton & Jeffrey Feltman. "Normalizing Sudan- Israel Relations Now is a Dangerous Game." Brookings. 24/9/2020. at: https://brook.gs/3AYRUyh LeBrun, Emile (ed.), "Development Deferred: Eastern Sudan after the ESPA." Small Arms Survey. Graduate Institute of International and Development Studies-Geneva (May 2015). Manek, Nizar & Mohamed Kheir Omer. "In Ethiopia's Civil War, Sudan Will Decide the Outcome." Foreign Policy. 14/11/2020. at: https://bit.ly/3oFAQa7 Pantuliano, Sara. "Comprehensive Peace? An Analysis of the Evolving Tension in Eastern Sudan." Review of African Political Economy. vol. 33, no. 110 (September 2006). Salehyan, Idean. "Transnational Rebels: Neighboring States as Sanctuary for Rebel Groups." World Politics. vol. 59, no. 2 (2007). Shinn, David H. "The Red Sea: A magnet for Outside Powers Vying for its Control." The African Report. 27/11/2020. at: https://bit.ly/3hzBtRs The World Bank. Sudan Programmatic Poverty Assessment: Poverty and Inequality in Sudan: 2009–2014. Washington: June 2019. at: https://bit.ly/3hAdlOA Tieku, Thomas Kwasi & Tanzeel F. Hakak. "A Curious Case of Hybrid Paternalism: Conceptualizing the Relationship Between the UN and AU on Peace and Security." African Conflict and Peacebuilding Review. vol. 4, no. 2 (2014). United Nations Development Programme (UNDP), Abdel Ati, Hassan A. Review of UNDP Programming in East Sudan (June 2015). Useem, Bert. "Center-Periphery Conflict: Elite and Popular Involvement, in the Boston Anti-Busing Movement." Working Paper no. 224 , Center for Research on Social Organization (January 1981). at: https://bit.ly/3wD0Hm0 Väyrynen, Raimo. "Regional Conflict Formations: An Intractable Problem of International Relations." Journal of Peace Research. vol. 21, no. 4 (1984). Waal, Alex de. "The Red Sea: 'A Vital Artery for the World Economy'." The Africa Report. 13/11/2020. at: https://bit.ly/2M6AsDl Weiner, Myron. "Bad Neighbors, Bad Neighborhoods: An Inquiry into the Causes of Refugee Flows." International Security. vol. 21, no. 1 (Summer 1996). Wubneh, Mulatu. "This Land Is My Land: The Ethio- Sudan Boundary and the Need to Rectify Arbitrary Colonial Boundaries." Journal of Contemporary African Studies. vol. 33, no. 4 (2015). Young, John. "Eastern Sudan: Caught in a Web of External Interests." Review of African Political Economy. vol. 33, no. 109 (September 2006).