الديمقراطية التوافقية في العراق: إعادة إنتاج الأقليات الإثنية والدينية واللغوية بوصفها أقليات سياسية

Saleem Suzah سليم سوزه |

الملخّص

تجادل هذه الدراسة بٔان النظام السياسي، الذي ٔانتجته العملية السياسية في العراق ما بعد 2003، ساهم في ٕاعادة ٕانتاج الأقليات الإثنية والدينية واللغوية ضمن هوية سياسية واحدة ومتجانسة، من دون أخذ تعدد التوجهات الفكرية داخل تلك الأقليات في الاعتبار. وغدت هذه الأقلياتُ ٔاقلياتٍ سياسية، بعد أن كانت أقليات اجتماعية فحسب في عهد الحزب الواحد قبل عام ‬ 2003 ‪، وكانت غير قادرة على التغيير ٔاو التٔاثير في عملية صناعة القرارات السياسية. إن الممارسة السياسية في العراق، ومن ضمنها الممارسة الانتخابية عمومًا، ظلت قائمة على ٔاساس إعادة ٕانتاج الجماعات، بما فيها الأقليات الإثنية والدينية واللغوية، ولم تتحول ٕالى ممارسة سياسية حقيقية. بمعنى ٓاخر، ئاتي المكون (الطائفة، الإثنية... ٕالخ) أولا، ثمّ ئاتي بعد ذلك البرنامج السياسي. وقد فرَض هذا الواقع السياسي على ٔاتباع تلك الأقليات سلوك ا سياسيا، يتمثل في التصويت لمصلحة قوائمها الإثنية والدينية واللغوية، على غرار أتباع المكونات الكبرى. كلمات مفتاحية: العراق، الديمقراطية التوافقية، الأقليات. This study argues that the political system resulting from the post- 2003 political process in Iraq contributed to the reproduction of ethnic, religious and linguistic minorities within a homogeneous political identity, without taking into account the multiplicity of ideological orientations within the minorities themselves. These minorities have become political minorities, but they are powerless and unable to change or influence the political decision-making process in Iraq. This means that political practice in Iraq, including general electoral practice, remained a practice based on the reproduction of ethnic, religious and linguistic minorities, and did not turn into a real political practice. In other words, the identity marker (sect, ethnicity, etc.) comes before the political manifesto. This political reality imposed on ethnic, religious and linguistic minorities a political behaviour represented in voting for their ethnic, religious and linguistic parties, just as they were in the one-party era. Keywords: Iraq, Consociational Democracy, Minorities.

Consociational Democracy in Iraq: Reproducing Ethnic, Religious, and Linguistic Minorities as Political Minorities

الديمقراطية التوافقية: تقديم

في بلد كالعراق، لا فاعلية لمؤسساته غير الرسمية، كمؤسسات المجتمع المدني، في صناعة القرار السياسي، يصبح التنافس على الدخول في مؤسسات الدولة الرسمية ومجالسها التشريعية الهمّ الأوحد لدى كل مكونات المجتمع الإثنية والدينية واللغوية. ليس هذا التنافس من أجل التمثيل السياسي فحسب؛ إذ يمكن أن يمثل خيارها السياسي عبر غيرها، بل أيضًا من أجل ضمان وجودها المكوناتي داخل بنية صناعة القرار في البلد. ربما يرى بعضنا أن الديمقراطية التوافقية، في العراق ما بعد 2003، قد وضعت الأقليات في نسقها التمثيلي الصحيح وأنصفتها ب " كوتا" ثابتة في المجلس التشريعي، وهو ما قد يُعتبر "تمييزًا إيجابيًا" لها. لكن هذه الدراسة تعرض زاوية نظرٍ أخرى، فهي لا تحاكم النيات في تطبيق نظام التمثيل النسبي وكوتا الأقليات، بل تسلط الضوء على الآثار السلبية التي لحقت بتلك الأقليات من جراء تطبيق هذا النوع من الديمقراطية. لقد ساهمت الديمقراطية التوافقية في خنق الأقليات، وأعادت إنتاجها بوصفها أقليات سياسية، بعدما كانت أقليات إثنية ولغوية ودينية. قبل عام 2003، في ظل عدم وجود انتخابات وفي ظل الغياب التام لمفاهيم سياسية كالحرية والديمقراطية، لم تكن الأقليات في العراق تشعر بأنها أقليات سياسية، ما دامت الدولة العراقية كانت مرهونة كلها بخيار سياسي واحد؛ هو خيار حزب البعث الحاكم الذي وضع جميع مكونات المجتمع العراقي في خانة الإرادة السياسية المسلوبة، التي ليس لها سوى التسليم بقرارات القيادة العليا وقتئذ. وبعد سقوط نظام البعث في عام 2003، وتجربة حكم الديمقراطية التوافقية الذي تلاه، هيمنت أحزاب المكونات (طوائف وأعراق) على المشهد السياسي في العراق، وصارت العملية السياسية محض تنافس مكوناتي يسوقها هدف واحد هو تأمين مصالح الطائفة أو العرق قبل مصالح البلد العليا. وفي ظل الاستقطابات الطائفية والعرقية الحادة، التي تشهدها الساحة السياسية في العراق، وفي ظل وجود أحزاب تمثل مكوناتها وطوائفها وعدم وجود حركات سياسية عابرة للطائفية حقًا (إلا ما ندر)، صار على الأقليات أن تعيد رص صفوفها هي الأخرى، وخلق هوية مكوناتية خاصة بها تؤهلها للدخول في تنافس مع الهويات الطائفية والإثنية الرئيسة التي تبنّت نظام التمثيل النسبي هذا (أو ما يعرف بالمحاصصة على المستوى الشعبي في العراق)، ورعته. ولأن من الصعب على هذه الأقليات الحصول على أي مقعد انتخابي، سواء في مجلس النواب أم في مجالس المحافظات، نظرًا إلى قلة عددها وتشتتها على مجمل الأرض العراقية، فقد صارت تطالب بكوتا محددة في المؤسسات التشريعية تضمن لها صوتًا ووجودًا داخل مؤسسة الدولة الرسمية عمومًا. لقد وُضِ عَت الأقليات في العراق بين خيارين لا ثالث لهما: إما التصويت لممثل الأقلية بصرف النظر عن كفاءته لضمان وجودها داخل المؤسسة التشريعية، أو التصويت لبرنامج سياسي تقدمه قائمة أخرى. وفي كلتا الحالتين، صارت تلك الأقليات تعاني اغترابًا نفسيًا في اندماجها مع المزاج السياسي العام في البلاد. فهي تعيش لحظتين في آنٍ معًا، لحظة اندماج مع النظام السياسي، لكن في الوقت ذاته لحظة اغتراب نفسي حاد نظرًا إلى عدم وجود بديل بالنسبة إليها. وفي ضوء ما ورد، فإن هذه الدراسة تجادل بأن النظام السياسي الذي أنتجته العملية السياسية في العراق ما بعد 2003، قد ساهم في إعادة إنتاج الهوية الأقلوية، لا بوصفها هوية مكوناتية فحسب، وإنما بوصفها أيضًا هوية سياسية واحدة ومتجانسة Homogeneous، من دون أن يؤخذ في الاعتبار تعدد التوجهات الفكرية داخل تلك الأقليات نفسها. ومن ثمّ لم تعد تلك الأقليات أقليات مكوناتية فقط، كما كانت في زمن الحزب الواحد قبل عام 2003، بل غدت أيضًا أقليات سياسية عاجزة وغير قادرة على التغيير أو التأثير في عملية صناعة القرارات الحيوية في البلد. ولتحقيق ذلك، تنقسم هذه الدراسة خمسة أقسام رئيسة. جاء القسم الأول منها بعنوان "نبذة مبسطة عن الديمقراطية التوافقية"، وفيه عرض مبسط عن نظام الديمقراطية التوافقية وأهم ما جاء بشأنها من آراء مؤيدة ومعارضة. أما القسم الثاني الذي جاء بعنوان "التمثيل السياسي للأقليات: نظام الكوتا"، فيتحدث عن نظام الكوتا في تمثيل الأقليات، وكيف خلق حاجزًا نفسيًا بين الدولة وأقلياتها بوصفها جماعاتٍ غير قادرة على الوصول إلى المؤسسات التشريعية بنفسها وعددها وإنما بالمقاعد التي "تصَدَّقت" بها عليها المكونات الكبرى في البلد. في هذا القسم ثمة عرض لأهم الآراء التي ناقشت إيجابيات نظام الكوتا وسلبياته. وجاء القسم الثالث بعنوان "السلوك السياسي للأقليات: مقاربة نفسية"، وهو أحد الموضوعين الأساسيين لفكرة هذه الدراسة؛ إذ يقدم مقاربة نفسية للسلوك السياسي، بما في ذلك السلوك الانتخابي للأقليات، اعتمادًا على تحليل فرانز فانون Fanon Frantz 1961-1925() لسلوك الأفارقة السود في المجتمعات الغربية البيضاء، ويبين كيف صنع العراق ما بعد 2003 حدودًا نفسية بينه وبين الأقليات، ما جعلها تعاني "اندماجًا بطعم الاغتراب." إنه الاندماج ذاته الذي يفرض عليها القبول بموقع الأقلية السياسية بوصفها الوسيلة الوحيدة لإثبات وجودها في ظل هذا النظام الحالي، حتى لو كان هذا

الوجود مشروطًا بوجود الآخر (الأغلبية.) يشرح هذا القسم الوضع النفسي العام الذي صنع من الأقليات أقلياتٍ سياسية إلى جانب كونها أقليات مكوناتية بعد أن قايض النظام التوافقي فردانيتها وتوجهاتها المتعددة بهوية سياسية واحدة اختارها لها. وأما القسم الرابع، الذي جاء بعنوان "السلوك السياسي لأحزاب الأقليات: مقاربة غرامشوية"، فيسلط الضوء، بالاعتماد على تحليل غرامشي لمفاهيم مهمة كالهيمنة والكتلة التاريخية الكبرى والمنطق السليم الشائع، على السلوك السياسي لأحزاب الأقليات هذه المرة، وعلى كيفية تحول هذا السلوك إلى هيمنة داخل هيمنة كبرى بعد أن أغلقت الديمقراطية المكوناتية المجال الاجتماعي للسياسة وحصرت الفعل الحزبي داخل الحدود المكوناتية كي تنعدم إمكانية قيام قوة اجتماعية عابرة للمكونات تهدد الهيمنة الحالية. ففي الوقت الذي تعرف فيه أحزاب الأقليات جيدًا أن الديمقراطية التوافقية صنعت من مكوناتها أقليات سياسية إلى الأبد، فإنها تتمنى ألّ تصوت جماهيرها لأحزاب وطنية عابرة للمكونات ومقاوِمة لهذا النوع من الديمقراطية، ما دام هذا الأمر سيقوض جوهر وجودها هي الأخرى. فهي أيضًا لا تريد خسارة موقعها ومكاسبها السياسية التي حققتها في ظل نظام مكوناتي مثل النظام التوافقي العراقي. هذه الأحزاب شريكة لأحزاب المكونات الكبرى في جعل مكوناتها أقليات سياسية مدى الحياة. أما القسم الخامس والأخير، فيقدم خلاصة البحث، وفيه إعادة تذكير بمحتويات الدراسة وفكرتها الرئيسة وأهم الاستنتاجات التي توصلت إليها.

أولا: نبذة مبسطة عن الديمقراطية التوافقية

لا بد من التذك رر بأن فكرة الديمقراطية التوافقية Consociational Democracy السلطة شراكة ومبدأ، Power-Sharing، كانا قد وُجِدا في الأساس بوصفهما حل للمجتمعات المنقسمة التي يصعب فيها بناء نظام ديمقراطي حقيقي قائم على مبدإ الأغلبية السياسية. يعتبر آريند ليبهارت الأب المؤسس لمفهوم الديمقراطية التوافقية بعد كمّ الكتب والمقالات التي نشرها مدافعًا عن هذه الفكرة ومعتبرًا إياها الأنسب لحل مشكلة المجتمعات المنقسمة. يعتقد ليبهارت أن هذا النظام من أفضل الأنظمة التي في استطاعتها استيعاب التنوع الاجتماعي الحاد، وخلق ما يسمى "توافق النخب" الممثلة لمكوناتها في دولة يحكمها دستور وعملية ديمقراطية. ففي كتابه التفكير في الديمقراطية: شراكة السلطة وحكم الأغلبية في النظرية والممارسة، يخلص ليبهارت إلى أن الديمقراطية، بصيغة الأغلبية السياسية، ليست قادرة على ضبط الاستقرار وصناعة سلام مجتمعي مستدام في المجتمعات التي تعاني انقسامًا إثنيًا أو طائفيًا أو قوميًا؛ ذلك أن الصراع في أصله وطبيعته مختلف عن الصراعات السياسية الاعتيادية. إنه صراع على الهيمنة، يحاول فيه كل مكون فرض ثقافته وتصوراته على الدولة بكليتها، ولا يقبل بأن يكون تابعًا لمكون آخر. ليست التسوية سهلة في صراع كهذا، ما لم تضمن تلك المكونات حصصها ونفوذها داخل حجرة الحكم1. لهذا يدعو ليبهارت إلى اعتماد صيغة من صيغ الديمقراطية التوافقية حلً لمشكلة النزاعات المحلية بين مكونات الدولة الواحدة. في هذا النظام يجتمع ممثلو المكونات المتنازعة تحت سقف الدولة، وتحدد مصالحُ تلك المكونات شكلَ المشاركة السياسية وصيغتها النهائية بما يدعم استقرار الدولة ويخلق توازنًا مكوناتيًا مطلوبًا للتغلب على أسباب النزاع ونتائجه. وبعكس ليبهارت، يرى دونالد هورويتز ثلاث مشكلات خطيرة في الديمقراطية التوافقية، أثبت العديد من التجارب أنها غير قابلة للتسوية أو الاستيعاب. والمشكلات الثلاث هي مشكلة التبني، ومشكلة التدهور (أو الانحطاط)، وأخيرًا مشكلة الجمود2. يتساءل هورويتز: تحت أي شروط يمكن للمكونات المتنافسة أن تتبنى مبدأ التوافق؟ وهل تتغير تلك الشروط بتغير الظروف؟ ويجادل بأن مبدأ التوافق يخضع في الأساس لشروط المقايضة على مصالح المكونات بين نخب السياسة المتحالفة، وأن هذه المقايضة غالبًا ما تخضع لظروف معينة تكون فيها الأغلبية ضعيفة ومستعدة للتفاوض مع الأقلية والقبول بالحلول الوسطى. ومع ذلك فإن تلك الظروف لن تبقى على حالها؛ لأن المنطق يقول إن الأغلبية تريد حكم الأغلبية دائمًا، والأقلية في كل الأحوال تبحث عن ضمانات لها ضد حكم الأغلبية ذاك. وحين تتغير الظروف وتملك الأغلبية القوة الكافية، فإن الاتفاق غالبًا ما ينتهي، وتنهار أسس ذلك النظام بفوضى أشد شراسة من ذي قبل، كما حدث مع القبارصة اليونان عام 1963 3. أما المشكلة الثانية، فهي مشكلة التدهور (الانحطاط) التي يقدمها هوروفيتز على أنها المشكلة الأكثر تعقيدًا في أنظمة الديمقراطية التوافقية. لقد وُضع هذا النظام في الأساس بوصفه حلً لصراع المكونات داخل البلد الواحد، لكنه قد يكون أحد أسباب اندلاعه مجددًا. وعلى الرغم من أن هورويتز يعتقد أن هذه المشكلة تحصل بكثرة في الأنظمة

  1. Arend Lijphart, Thinking about Democracy: Power Sharing and Majority Rule in Theory and Practice (London/ New York: Routledge, 2008).
  2. Donald L. Horowitz, "Ethnic Power Sharing: Three Big Problems," Journal of Democracy, vol. 25, no. 2 (2014), pp. 5-20.
  3. Ibid., p. 8.

التوافقية ذات مبدأ القائمة الكبيرة متداخلة المكونات Interethnic Coalition، وليس في نظام قوائم المكونات المنفصلة، إلا أنه لا يفرق كثيرًا بين الاثنين ما دام النظامان توافقييَن وينتهيان إلى النتيجة ذاتها في النهاية؛ فأنظمة التوافق، التي تتفق فيها بعض المكونات على دخول الانتخابات في قائمة واحدة كبيرة، عادةً ما تقود إلى ما يسميه هورويتز التدهور، وهو أن يزداد جمهور بعض المكونات أو ينقص في منطقة نفوذ المكون الآخر الحليف بسبب حوافز مادية أو معنوية، أو بسبب قوانين انتخابية وُضِ عَت وفق مقاسات الطرف الأقوى. وبمرور الوقت، فإن مقاعد المكونات تتأثر زيادةً أو نقصانًا، فيخضع التحالف برمته لفك ارتباط تدريجي يؤدي إلى تدهور الأوضاع وخروج الحليف الخاسر من التحالف نحو خيارات أشدّ قسوة لإعادة التوازن إلى نصابه. قد يعيد الحليف (المكون) الخاسر النظر في خياراته، ويتخذ أكثرها دموية هذه المرة كي يجبر المكون المهيمن على الجلوس إلى طاولة التفاوض مرةً أخرى والقبول بمقايضة جديدة وشروط جديدة، والتجربة الماليزية أنموذج4. ولا يتطور هذا النظام نحو نظام الأغلبية السياسية، بل يتدهور في غالب الأحيان وينحط نحو خيارات تقوض ديمقراطية البلد من أساسها. أخيرًا، يتحدث هورويتز عن الجمود Immobilism الذي يصنعه هذا النظام في ثنايا الدولة ومؤسساتها، في حال عدم انهيار التوافق، وبقاء تحالف نخب المكونات قائمًا بنجاح، فعند هورويتز، مستوى آخر من الفشل يضاف إلى هذا النظام، حين تصبح مؤسسات الدولة مشلولة وغير قادرة على القيام بواجباتها ومسؤولياتها تجاه مواطنيها، لأنها مرهونة برضا نخب المكونات المتحالفة أو عدم رضاها، ما يمنح الأقلية الحق في الاعتراض لتعطيل الدولة برمتها إن لم تلبّ الأغلبية مطالبها، بينما لا تستطيع الأقلية تمرير قانونٍ معين هي الأخرى ما لم تَرضَ به الأغلبية أول5. يدور مثل هذا النظام في دائرة مغلقة من الجمود والشللية، وليس في استطاعته بناء دولة حديثة منسجمة وغير مفككة ما دامت المكونات تجيد لعبة ليّ الذراع، ولا تحبذ الخروج منها خشية أن تضعف ويضعف معها جمهورها ومكونها. ليس هناك إرادة أو رغبة لدى النخب في الخروج من هذا النظام؛ لأنها لا تضمن نظامًا آخر يلبي مصالحها مثل هذا النظام، ولأن وجودها قائم في الأساس على وجود نظام كهذا، وبذلك تبقى الدولة مفككة ومنقسمة طائفيًا، ودينيًا، وإثنيًا على مستوى نخبها وقواعدها إلى وقتٍ غير معلوم. وعلى الرغم أن نظرية ليبهارت عن الديمقراطية التوافقية تبدو مقنعة في ظاهرها، فإننا إزاء نظرية ضبابية، ليس فيها معايير واضحة لذلك النجاح. فليبهارت نفسه كان قد غيّ الكثير من شروط نظريته واشتراطاتها، عند كل تناول جديد لتجربة توافقية جديدة في دولٍ أخرى غير دولته (هولندا) ودولة بلجيكا. في كتابه الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، يتعرض عزمي بشارة بشيء من التفصيل لفكرة ليبهارت الأساسية حول مفهوم الديمقراطية التوافقية وكيف إنها، بسبب عدم ثبات ليبهارت على شروط معيارية محددة يمكننا تتبعها في تحديد نجاح النظرية أو فشلها في التطبيق، ليست نظرية ثابتة، بل "مجرد وسيلة (قد تنجح، وقد تخفق) في منع الحرب الأهلية[...] إنها بمنزلة تعميمات من حالات عينية، لا تلبث أن تُعَدَّل كل مرة من جديد، بناءً على حالات عينية أخرى. وهي غالبًا ما تخفق في التنبؤ بسلوك النخب والجمهور6." الحق، إننا أمام نظرية تدعو لما يُعرف ب "شراكة السلطة"، وهو المفهوم الذي يستخدمه ليبهارت نفسه بطريقة تبادلية Interchangeably مع مفهومه الأساس "الديمقراطية التوافقية"، بين الجماعات الاجتماعية المتنافسة كي تمنع انزلاق البلد إلى حربٍ أهلية، ولسنا أمام نظامٍ ديمقراطيٍ يستند إلى المواطنة7.

لقد مَوضَ ع نظام الديمقراطية التوافقية العراقي، رغم ضبابية التطبيق في العراق وافتراقه عن أسسه النظرية في كثير من التفاصيل8، المواقفَ السياسية للمكونات، بما فيها الأقليات، داخل المجال المكوناتي فقط (الإثني، الطائفي، الديني... إلخ)؛ بمعنى أنه أغلق أمامها المجال الاجتماعي العام للسياسة ليصنع منها أداةً غير قادرة على التأثير

  1. Ibid., pp. 10-11.
  2. Ibid., p. 12.
  3. عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، الفقرتان 34 و 37 (نسخة كندل الإلكترونية.)
  4. للمزيد في هذا الخصوص، يُنظَر: المرجع نفسه. يقدم عزمي بشارة في هذا الفصل مراجعة مهمة لمفهوم الديمقراطية التوافقية وكيف أنها ليست ديمقراطية بالمعنى المعروف وإنما اقتسام سلطة بين أطراف اجتماعية متخاصمة لتجنب الحرب الأهلية.
  5. حارث حسن، "التجربة التوافقية في العراق: النظرية والتطبيق والنتائج"، 8 سياسات عربية، العدد 23 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، ص.53-39

والتأثر خارج محيطها المكوناتي. علاوة على ذلك، تجاهل هذا النظام كل الاختلافات الفكرية بين أفراد المكونات (الأقليات منهم)، وكأنهم كتلة متجانسة موحدة هدفها التمثيل السياسي في مؤسسات الدولة التشريعية، في حين أنهم، مثل أي جماعة أخرى في أي مكان آخر أغلبيةً كانت أم أقلية، ليسوا متماثلين في خياراتهم السياسية، بل هم خليط من أفراد ذوي توجهات فكرية مختلفة: دينية، وليبرالية، ويسارية، وقومية ... إلخ، إضافة إلى خلافاتهم الجندرية وأولويات برامج النساء التي لا تتطابق مع برامج الرجال بالضرورة. وبناء عليه، فقد منح هذا الواقع السياسي الأقليات هوية وهمية مشكلة لا تعبر عن هويتها "الأصلية"، فأصبحت من ثمّ أسيرةً لمسرح صممه لها آخرون، وكان عليها التماهي معه والقبول بقواعده وشروطه. لقد صار وجودها مشروطًا بحضور "الآخر" وليس منفصلً عنه. هذه ربما إحدى أبرز مساوئ نظام التمثيل النسبي؛ إذ يرمي، من حيث لا يقصد أحيانًا، إلى نوع من أنواع الجوهرانية عندما يقترح، بالاعتماد على المظهر أو لون البشرة أو العرق أو الطائفة، أن ثمة طبيعة جوهرية تربط جميع أفراد المكون الواحد على السواء، ولا يمكن هذه الطبيعة أن تتغير مستقبلً. فتكلفة تطبيق هذا النظام عالية؛ لأنه قد يدفع الأحزاب والناس إلى تبني سياسات الهوية، وذلك ما قد يشجع على الفرقة والانقسام الاجتماعي، ويجعل المكونات الاجتماعية تلتصق بهوياتها الفرعية، بدلً من الهوية الوطنية الجامعة9.

ثانيًا: التمثيل السياسي للأقليات: نظام الكوتا

تتمثل إحدى أهم مشكلات الديمقراطية أنها نظام يعبر عن رأي الأغلبية، بما لا يسمح أحيانًا للأقليات بأن تصبح طرفًا فعالً في عملية صنع القرار السياسي. وتغدو المشكلة أكثر تعقيدًا في المجتمعات الهشة التي تعاني انقسامًا عموديًا في بنيتها الاجتماعية؛ إذ إن الأحزاب السياسية في مجتمعات كهذه غالبًا ما تكون أحزابًا ممثلة لطوائفها ومكوناتها وليست أحزابًا سياسية وطنية عابرة للمكونات. وفي النتيجة، فليس ثمة من يمثل الأقليات في بنية تلك الكتل الحزبية، حتى لو وجد بعض من مرشحي الأقليات في هذه الكتل؛ فوجود هؤلاء متماهٍ تمامًا مع سياسة تلك الكتل وتوجهاتها. في مثل هذه المجتمعات المنقسمة، يصبح من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، وصول الأقليات إلى مؤسسات القرار السياسي الرسمية؛ نظرًا إلى أن الممارسة الانتخابية هي، في الغالب، ممارسة مكوناتية تصوت فيها الجماهير لممثلي مكوناتها وليس لبرامج سياسية. ولكي تنقذ الديمقراطية التوافقية نفسها من ورطة النقص الحاد في التمثيل السياسي للأقليات، عملت بنظام الكوتا لتحدد عددًا معينًا من المقاعد التشريعية للمكونات "الصغرى"، بحسب حجمها ونسبتها في المجتمع. وهي بهذا إنما تريد ضمان تمثيل سياسي لها داخل المؤسسة الحكومية، ما دام ليس في مقدورها الحصول على ذلك بأصواتها القليلة تلك. هناك آليات متعددة لتطبيق نظام الكوتا وضمان تمثيل الأقليات في المؤسسات التشريعية وفقًا لتجارب كل بلد وسياقه السياسي. ولعل الأكثر شهرةً ثلاث آليات تستخدمها دول عدة في انتخاباتها التشريعية: حجز مقاعد محددة للأقليات عبر ترشح أتباعها في قوائم انتخابية خاصة بهم، وحجز مقاعد محددة لهم عبر ترشحهم ضمن قوائم الكتل الأخرى (مثلما يحصل مع تمثيل النساء في العراق ضمن تسلسل معين لهنّ في القوائم الانتخابية لضمان صعودهن إلى البرلمان)، وحجز مقاعد محددة لهم يصلون إليها عبر انتخابات خاصة مغلقة على مناطق وجودهم الكثيف10. وبصرف النظر عن آليات الكوتا وتفاصيلها وتعدد تصاميمها، فإنها تسعى كلها لهدف واحد هو ضمان حضور الأقليات وتأثيرها في القرار السياسي العام في البلد؛ فالمهم ليس حضورها في مقاعد محددة، بل مدى تأثير ذلك الحضور في المناخ السياسي ومناقشة قضايا البلاد الرئيسة، ولا سيما تلك التي تمس الحياة اليومية لأبناء الأقليات أنفسهم. لكن هل في استطاعة الكوتا أن تضمن لهم ذلك حقًا؟ في هذا السياق، تقول كريستينا إيزابيل زوبر، في معرض مقارنتها بين أنظمة كوتا متعددة ونظام الكوتا للأقليات في البوسنة والهرسك، إن هذا النظام يضمن حضورًا مهمً للأقليات في المؤسسات الرسمية المهمة. ولكنه لا يضمن فاعلية ذلك الحضور، ولا يجعله مؤثرًا تأثيرًا ملحوظًا في صناعة التغيير أو مجاراة الأحزاب السياسية الكبيرة في استراتيجياتها العامة لبناء الدولة؛ فهو غالبًا ما يكون حضورًا رقميًا بسيطًا وغير مؤثر، بل سرعان ما يتماهى مع سياسات الكتل المهيمنة فيضيع معه حق التمثيل الحقيقي للأقليات11. ويحدث الأمر نفسه مع تمثيل النساء عبر الكوتا، وفي هذا الإطار، يقول بار زيتربيرج إن نظام الكوتا عزز حضور المرأة في المؤسسات الرسمية، وطوّر من

  1. Jane Mansbridge, "Should Blacks Represent Blacks and Women
  2. Mona Lena Krook & Par Zetterberg, "Electoral Quotas and Political Representation: Comparative Perspectives," International Political Science Review , vol. 35, no. 1 (2014), pp. 3-11. 11  Christina Isabel Zuber, "Reserved Seats, Political Parties, and Minority Representation," Ethnopolitics , vol. 14, no. 4 (2015), pp. 390-403.
  3. Represent Women? A contingent 'Yes'," The Journal of Politics , vol. 61, no. 3 (August 1999), pp. 628-657.

قدراتها السياسية سلوكًا وممارسة، إلا أنه لا يمكن تعميم هذه المكتسبات الإيجابية على كل المجتمعات التي تطبق هذا النظام؛ فلكل مجتمع ظروفه، وما نجح في مجتمع قد لا ينجح في مجتمع آخر. تبقى المشكلة الأكبر في هذا التمثيل أنه تمثيل رقمي لا يسمح للمرأة، في أحيان كثيرة، بأن تغير الواقع "الرجالي" المهيمن على عالم السياسة12. تشاطره ميلاني هيوز الرأي في ذلك تمامًا، حين تصل إلى نتيجة مفادها أن نظام الكوتا، على الرغم من أنه استوعب جزءًا من العنصر النسائي في البنية التشريعية في محاولة تهدف إلى عدالة جندرية، فإن سياسات الكوتا نفسها ليست عملية وليست قادرة على كسر سيادة الرجل على مهمة التشريع الوطني العام13. وما ينطبق على كوتا المرأة ينطبق على كوتا الأقليات أيضًا. وفي مقالتها الموسومة "العِرق والإثنية والسلوك السياسي"، تنتهي عايدة جست إلى استنتاج مهم؛ إذ تقول، عبر بحثها في حالات التمثيل السياسي للأقليات الإثنية في بعض بلدان أوروبا وأميركا الشمالية، إن الأقليات (خصوصًا المهاجرة منها) غالبًا ما تكون غير مهتمة بالسياسة ربما لشعورها باليأس من التغيير، ولكنها إن دعمت فإنما تدعم، على نحوٍ ملحوظ، الأحزاب اليسارية التي عادةً ما تهتم بمصالح الأقليات مقارنةً بأحزاب اليمين14. ذلك يعني أن اهتمام تلك الأقليات بالتصويت لبرامج اليساريين أكثر من اهتمامها بالتصويت لمَن يمثل مكونها سواء أكان بالكوتا أم من دونها. هذه مفارقة لافتة، يمكن التأسيس عليها نظريًا لصالح فكرة ديمقراطية الأغلبية السياسية في مواجهة الديمقراطية التوافقية ونظامها للكوتا، مع ملاحظة أن الكوتا ليست في الديمقراطيات التوافقية فقط، بل هي مطبقة أحيانًا في بعض الأنظمة التي تتبع مبدأ الأغلبية السياسية في ديمقراطيتها. مع هذا النوع من الديمقراطيات أيضًا، تستخدم بعض الأنظمة الكوتا في نظامها الانتخابي، لضمان عدالة التمثيل لكل مكوناتها المجتمعية في سياستها العابرة للمكونات. ويتمثّل الفارق في مثل هذه الأنظمة في أنها لم تشيَّد على أساس عرقي أو طائفي توافقي، بل شُيدت على أحزاب سياسية عابرة للمكونات، وما تطبيقها الكوتا إلا لضمان حضور الأقليات والنساء في تلك السياسة العابرة للمكونات، وليس لترسيخ فكرة العرق أو الطائفة في بنية مؤسسات الدولة. تتمثل مشكلة نظام الكوتا في الديمقراطيات التوافقية بأنه يفضح المسافة النفسية التي تضعها الدولة بكليتها بينها وبين أقلياتها، في الوقت الذي تحاول فيه ضمان مقاعد محددة لها. والنقاش هنا عن شعور الأقليات، وإن لم يكن مسموعًا بصوتٍ عال أحيانًا، أن نظام الكوتا يقول في طياته ألا إمكانية لمشاركة الأقليات في صناعة القرار السياسي بنفسها وإنما بالمقاعد التي "تتصدق" عليها بها الأطراف المهيمنة. تبدو الأقليات هنا جزءًا مكملً وليس أصيلً من بنية الدولة بكليتها. تلك هي الحدود النفسية التي يصنعها نظام كهذا بين الدولة وأبنائها من الأقليات. مع ذلك فإن معضلة العراق الرئيسة، من وجهة نظري، ليست في الكوتا ذاتها، بل في شيء أكبر وأشدّ تعقيدًا منها هو ذلك النظام التوافقي "التحاصصي" الذي حكم بنية العملية السياسية منذ عام 2003، وصنع للأقليات، أحزابًا وجماهير، مصائرها ومساراتها السياسية رغمً عنها.

ثًالث ا: السلوك السياسي للأقليات: مقاربة نفسية

أحد أهم محركات هذا السلوك هو الحاجز النفسي الذي صنعه النظام بين أبناء الأقليات و"ديمقراطية" دولتهم المفترضة، فمثلما أن ذلك الحاجز النفسي كان فاعلً رئيسًا في شعور الأقليات بالإحباط واليأس من أي تغيير حقيقي يخص حضورها السياسي في البلد، فإنه يصبح أيضًا فاعلً ومحركًا أساسيًا لتفاعلها مع هذا النظام وقبولها بشروطه واشتراطاته (اندماج بطعم الاغتراب كما سنأتي على ذلك لاحقًا.) لا بديل للأقليات من القبول بالوصفة التي كتبها لها المهيمنون على السلطة، والاندماج التام في بنيتها لتحقيق الذات وفق شروط الأغلبية نفسها. ولعل أفضل من كتب عن هذه المفارقة فرانز فانون في كتابه بشرة سوداء، أقنعة بيضاء، الذي يحاول فيه تحليل "عقدة الدونية" لدى ذوي البشرة السوداء في فرنسا. إن كل ما يملكه الأسود هو لون بشرته، وليس عليه سوى المغامرة بسواده حينما يدرك خيارَيه الاثنين

  1. Par Zetterberg, "Do Gender Quotas Foster Women's Political Engagement?" Political Research Quarterly , vol. 62, no. 4 (December 2009), pp. 715-730.
  2. Melanie M. Hughes, "Intersectionality, Quotas, and Minority Women's Political Representation Worldwide," American Political Science Review , vol. 105, no. 03 (2011), pp. 604-620.
  3. Aida Just, "Race, Ethnicity, and Political Behavior," in: W.R. Thompson (ed.), Oxford Research Encyclopedia of Politics (Oxford: Oxford University Press, 2017).

فقط: خيار الاندماج في المجتمع الفرنسي الأبيض وفقدان خصوصيته الثقافية والمكوناتية، ومن ثمّ فقدان وجوده بوصفه أسود، وخيار الاغتراب عن ذلك المجتمع والانعزال والتهميش وعدم المساهمة في صناعة مستقبل يلفه وأبناءه إلى الأبد. الخيار الأول صعب لأنه سيفقده هويته واحترام أبناء مكونه. أما الثاني، فهو أشدّ صعوبة لأنه سيبقيه أقلية هامشية ليس في استطاعتها تغيير ما يمكن تغييره في بنية الأبيض السياسية والفكرية والاجتماعية؛ فالأسود، من وجهة نظر السود، إما أن يكون أسود نقيًا أو أبيض منحرفًا، في حين أنه يبقى في عين البيض أسود همجيًا مهما اندمج15. تلك هي المفارقة التي يعانيها بعض السود في مجتمعاتهم. اندماجهم في مجتمع البيض لا يعطيهم امتياز البيض ولا يؤهلهم لأن يكونوا أشخاصًا غير سود، بقدر ما يجردهم من وجودهم المعنوي والنفسي لدى أبناء مكونهم الأسود. هذا الاندماج هو اغترابٌ من نوعٍ ثان، لا يقل سوءًا عن اغتراب الانعزال وعدم مخالطة البيض. يعاني الفرد الأسود هنا عصابًا نفسيًا رهيبًا وحيرةً بين أن يبقى أسيرًا لقيم مكونه ويعيش إلى الأبد مع ما ربّته عليه عائلته منذ صغره، وأن يزحف نحو مجتمع "أكثر تحضرًا" ويقرّ بدونيته أمام فوقية الرجل الأبيض، دونية هي صنيعة البيض وليس صفة السود بأنفسهم. تنزع هذه المعادلة المعقدة عن الرجل الأسود فردانيته، حين لا تتيح له سوى خيار البقاء مع العائلة (المكون الأسود "الهمجي)"، أو تركها والذهاب نحو المجتمع (قيم الأبيض "المتحضر:)" العائلة الفرد المجتمع16. يقول فانون إن الأسود لا يكتشف معادلة الاضطراب هذه حين يبقى ضمن عائلته وحاضنته الاجتماعية. لكنه سرعان ما يكتشفها حين يتواصل مع الأبيض، ويدرك أن عليه حينها الاختيار بين أن يرفض سلوك الأبيض الفوقي ويقاومه، وأن يتبنى ذلك السلوك ويتنصل من بشرته السوداء، وأي خيار يتخذه سيحتم عليه إيجاد كل صفات الحسن والجمال في خياره هذا، بينما سيلصق كل ما هو قبيح وسيئ بالخيار الآخر. هذا عصاب نفسي يجعل المرء قلقًا وغير مستقر نفسيًا. فلنرَ ما يقوله فانون في علاج هذا العصاب النفسي: "كلما عرفت أن الأسود هو رمز الخطيئة، قبضت على نفسي متلبسًا بكره الأسود. لكنني سرعان ما أكتشف أنني أنا أسود. هناك طريقان للخروج من هذا الصراع: إما أن أطلب من الآخرين تجاهل لون بشرتي أو أن أعرفهم بها، وحينها سأحاول إيجاد قيم لما هو سيئ ما دمت اعترفت بلا شعور مني أن الأسود لون الشر. ولكي أنهي هذا الوضع العصابي الذي عليّ فيه أن أختار حلً صداميًا غير صحي يعيش على الأوهام والعدائية والوحشية، فإن لديّ سيناريو واحدًا هو التعالي على هذه الدراما العبثية التي وضعني فيها الآخرون، ورفض هذين الخيارين غير المقبولين حتى يمكنني الوصول، أنا الإنسان، إلى الكونية"17. لقد قفز فانون من مركب السود والبيض واكتشف طريقًا آخر يعالج فيه عصابه النفسي، طريق الإنسانية الكونية بوصفه حلً مثاليًا لهذه المعضلة. لكن السؤال الأهم هنا هو: هل في إمكان جميع الناس، سودًا وبيضًا، أن يكونوا مثله؟ إن أرادوا ذلك فلا بد لهم من أن يكونوا فانون: أن يقرؤوا ما قرأه، وأن يمروا بما مر به هو ذاته. إنه لمن المحال أن ينطبق هذا على جميع البشر بالتأكيد. وما يهمني هنا من كلام فانون تلك المقاربة النفسية التي اعتمدها في تحليله سلوكيات السود النفسية في مجتمع يهيمن عليه البيض. هذه المقاربة النفسية ذاتها تنطبق على وضع الأقليات في العراق مع بعض الفروق هنا وهناك. لقد كانت الأقليات في زمن النظام البعثي، الذي لا يجرؤ فيه أحد على الخوض في السياسة، أقليات مكوناتية لديها همومها التاريخية واللغوية والفكرية في الغالب. لكن سرعان ما اكتشفت أنها أقليات سياسية أيضًا في العراق ما بعد 2003، الذي وضع بعضها في مواجهة بعضٍ في العملية السياسية التوافقية. لقد فقدت الأقلية فردانيتها في ظل النظام التوافقي، وحارت بين خيارين لا ثالث لهما: إما المضي مع خيار "العائلة"، أي التصويت لابن المكون بصرف النظر عن كفاءته لغرض الحفاظ على الحضور البرلماني، أو الخروج إلى "المجتمع" واختيار مرشح ينتمي إلى قوائم أخرى، ومن ثمّ فقدان ذلك الحضور المعنوي المهم. لقد صنع كلا الخيارين من الأقليات أقليات سياسية غير قادرة على التأثير في بنية المؤسسة الرسمية؛ إذ إن تصويتها سواء أكان لابن المكون أم لا، وسواء أكان بكوتا أم من دونها، لن يجلب لهم سوى عدد قليل جدًا من المقاعد البرلمانية التي لن تستطيع، على أي حال، منافسة قوائم المكونات الكبرى في المجتمع العراقي. أما سلوك الأقليات السياسي، والانتخابي منه على وجه الخصوص، فلا تحدده طبيعة التنافس الحزبي والسياسي بل الوضع النفسي العام الذي وضعتها فيه العملية السياسية. ما معنى أن تكون مسيحيًا مثلً في بلد مثل العراق وفي نظام توافقي مثل نظامه؟ عليك أن تمارس مسيحيتك ليس في الكنيسة فقط بل في السياسة أيضًا، فأنت من ثمّ لست علمانيًا أو يساريًا أو قوميًا أو شيوعيًا أو ليبراليًا بل مسيحي فقط. تلك هي الصفة التي عليك قبولها والاستسلام لها إن أردت أن تصبح جزءًا من بلدك العراق، جزءًا فاعلً في عمليته السياسية. بهذا

  1. Frantz Fanon, Black Skin, White Masks , Charles Lam Markmann (Trans.) (London: Pluto Press, 2008).
  2. Ibid., p. 115.
  3. Ibid., p. 153.

الخيار، يدرك المسيحي أن ليس في وسعه أن يصبح أغلبية سياسية يومًا ما، بل سيبقى حبيس مسيحيته التي لن يتعدى تأثيرها السياسي حجمها ونسبتها في المجتمع العراقي. لقد صاغت العملية السياسية في العراق هوية المسيحيين السياسية، وحصرتها في مكونهم الديني ليتحولوا إلى كتلة متماثلة يفقد فيها الأفراد نزعتهم الفردانية لصالح هوية الطائفة الكلية. ليس هناك خيار سوى القبول بهذا الأمر، والدخول إلى العمل السياسي باسم المكون لا باسم التوجهات السياسية لأفراده، وإلا فلن يكون هناك حضور مسيحي مهم في العملية السياسية. هكذا أصبحت العملية السياسية هنا أداةً من أدوات صناعة الاختلاف Difference-making، ولم تعد الهوية، كما تجادل ريتا دامون، "أساسًا للذات، بل أثرًا ناجمً عن عملية إنتاج تلك الذات عبر معاني الاختلاف. هذه الهوية، في المحصلة، رمز للاختلاف بدلً من كونها مرادفًا للفرد. ببساطة، الهوية هنا هي الاختلاف"18. وليست الأقليات العراقية مختلفة هنا لأنها مختلفة ثقافيًا أو جوهرانيًا بذاتها، بل لأن "السيستم" أنتجها لتكون مختلفة؛ إذ إن الاختلاف هنا "لا يمكن إرجاعه إلى الثقافة، بل إنه يشير دومًا إلى السلطة. الاختلاف هنا أداة وأثر للسلطة، وليس وجودًا جوهريًا أو كيانًا غير فاعل"19. على الفرد أن يتخلى عن فردانيته وهويته الفكرية الخاصة لصالح هوية جماعية إثنية أو طائفية، كي يندمج في "السيستم" التوافقي، وإلا صار مغتربًا وشاذًا في نظر "الآخر." هذا الاندماج اغتراب من نوع آخر، نوع يشبه اغتراب العامل عن المنتج الذي يصنعه بيده في المجتمع الرأسمالي. وبالعودة إلى تحليل كارل ماركس لنمط الإنتاج، فإنه كلما زاد إنتاج العامل في نظام الإنتاج الرأسمالي، صار أكثر اغترابًا عن منتجه ما دام هذا المنتج ليس له بل للرأسمالي مالك وسائل الإنتاج20. وباستخدام المقاربة ذاتها، يمكننا القول إنه كلما اندمجت الأقليات في "السيستم" السياسي التوافقي، اغتربت عن هويتها ما دامت لم تُنتَج للأقليات بل أ نتجت لِ "السيستم" الذي يطلبها منها. لا يستطيع المسيحي، وكذلك بقية الأقليات، رفض هذا الأمر أو مقاومته، ولا يمكنه أيضًا القبول به إلا على مضض، وبذا فهو يعيش الحالتين في آنٍ معًا: موافقٌ رافض (اندماج بمعنى الاغتراب.) ومثلما قالها ذلك الشاب المسيحي العراقي بلغته العفوية: "أحيانًا أجد نفسي هنا [يقصد في بلده العراق.] لكن في أغلب الأوقات لا أشعر أن لي مكانًا، بمعنى أن الوضع لا يتناسب مع عملي وتفكيري وما أسعى لتطويره بنفسي"21. تشاطره الرأي فتاة مسيحية عراقية بالقول: "لدى المسيحيين شعور بأن الدولة تتحول إلى دينية، ولا يستطيع المسيحي أن يعيش فيها، وحتى المسلم العلماني لا يستطيع أن يعيش فيها"22. هذا العصاب النفسي هو ما يحدد السلوك السياسي والانتخابي للأقليات، وهو ما يدفعهم نفسيًا للقبول بموقع الأدنى من الآخر نظرًا إلى عدم وجود خيارات أخرى تنهي هذه المعضلة الوجودية لصالح نظام وطني غير طائفي. إنها معادلة ظالمة تشبه كثيرًا معادلة السود في المجتمعات البيضاء التي تحدث عنها فانون؛ إذ لا يملك السود غير القبول بالهوية "الدونية الهمجية"، التي يصنفهم بها البيض إن هم اختاروا الاندماج في مجتمع البيض، أو الاغتراب والعزلة داخل حيز البشرة السوداء وفقدان إمكانية التأثير والتأثر بالمحيط الاجتماعي العام للدولة. ولو تفحصنا سلوك السود وخياراتهم في تلك المجتمعات، فسنجدها كلها صنيعة هيمنة الطبقة البيضاء في النهاية، فالحاجز النفسي، الذي وضعه البيض بينهم وبين السود، هو الذي خلق خيارَ السود: الاغتراب أو الاندماج (والأخير أيضًا اغتراب من نوع آخر كما فصلنا سابقًا)، وكلاهما رد فعل أو انعكاس للوضع النفسي العام الذي يعيشه السود في مجتمعاتهم البيضاء.

رابعًا: السلوك السياسي لأحزاب الأقليات: مقاربة غرامشوية

لقد استيقظت الأقليات العراقية بعد التاسع من نيسان/ أبريل 2003 على واقع سياسي جديد لم تألفه من قبل؛ واقع يرتبط ارتباطًا ميكانيكيًا بفكرة المكونات الاجتماعية. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون الأحزاب السياسية الوطنية نواة لتشكيل الممارسة الديمقراطية في العراق، كانت المكونات هي الرافد الأهم للعمل الحزبي، بمعنى أن الأحزاب السياسية بعد سقوط البعث صارت تمثل مكوناتها بدلً من تمثيل برنامج وطني عام. ولم يعد أمام المكونات "الصغرى"، التي لم يكن يُعرف للكثير منها أي نشاط سياسي داخل البلد باسم مكوناتها، أو على الأقل لم يكن نشاطها السياسي بارزًا وملحوظًا داخل حدود العراق، سوى أن تقوم هي الأخرى بتنظيم صفوفها وتشكيل أحزاب سياسية تمثّلها وتمثّل مصالحها في حفلة التنافسات الطائفية تلك. نعم، ثمة بعض الأحزاب التي مثلت الأقليات في جسم المعارضة السياسية لنظام البعث السابق إبان وجودها في المهجر، مثل الحركة

  1. Rita Dhamoon, Identity/ Difference Politics: How Difference is Produced, and Why it Matters (Vancouver: UBC Press, 2010), p. 11.
  2. Ibid., p. 12.
  3. Karl Marx & Friedrich Engels, The Marx-Engels Reader , Robert C.
  4. داعش ليست السبب الوحيد..' هجرات مستمرة للمسيحيين من العراق"، 21 الحرة، 2020/11/22، شوهد في 2021/8/26، في https://arbne.ws/3DlzZmP: 22 المرجع نفسه.
  5. Tucker (ed.) (New York: W. W. Norton, 1978), pp. 52–103.

الديمقراطية الآشورية والجبهة التركمانية. لكنني أتحدث حصرًا عن انفجار هذه الظاهرة على مستوى الممارسة السياسية داخل حدود العراق، فمثلً، شكل الأيزيديون بعد عام 2003، في ظل سلطة الائتلاف المؤقتة ومجلس الحكم، حزبًا سياسيًا باسم "الحركة الأيزيدية من أجل الإصلاح والتقدم" انبثق منه حزبٌ أيزيدي آخر في سنجار اسمه "حزب التقدم الأيزيدي"23. وكذلك الشبك شكلوا "تجمع الشبك الديمقراطي" و"تجمع أحرار الشبك"، أما التركمان فشكلوا "حزب الحق التركماني القومي" و"حزب العدالة التركمانية" إضافة إلى ثلاثة أحزاب كانت موجودة أصلً في المهجر إبان حكم البعث هي حزب الاتحاد الإسلامي لتركمان العراق، وحركة الوفاء التركمانية، والجبهة التركمانية24. وشكل الكرد الفيليون من جانبهم عدة حركات وتجمعات وتحالفات خاصة بمكونهم الاجتماعي بعد عام 2003، منها التجمع الوطني للكرد الشيعة، وحركة المسلمين الفيليين، ومنظمة الكرد الفيليين الأحرار، والتجمع الفيلي الإسلامي، والاتحاد الإسلامي لكرد العراق الفيليين، والاتحاد الديمقراطي الكردي الفيلي، والمؤتمر الوطني العام للكرد الفيليين25. ولم يكن ليحدث هذا الانفجار المكوناتي لولا أن العملية السياسية الطائفية دفعت إليه وشجعت عليه. لقد مثل نظام الديمقراطية التوافقية في العراق دافعًا أساسيًا للمكونات الكبرى والصغرى نحو الانغلاق والتكور على نفسها سياسيًا. المشكلة هنا أكثر تعقيدًا من إعادة إنتاج الأقليات وجعلها أقليات سياسية؛ المشكلة في سلب قدرة تلك المكونات على إعادة صياغة المشروع السياسي العام للبلد مستقبلً، وذلك بسبب غلق المجال الاجتماعي للسياسة، فالعمل السياسي عمومًا لا ينفصل عن العمل الاجتماعي، وقدرة الأحزاب على استيعاب الموقف الاجتماعي وتهذيبه من خلال اختراق الفضاءات الاجتماعية المختلفة والتركيز على الحدود الدنيا للتوافق هو ما يصنع الموقف السياسي في النهاية. إن المجال الاجتماعي للسياسة لا يعترف بالحدود المكوناتية، بل بالمصالح المشتركة بين المكونات المتجاورة والمتداخلة والتي يمكن استثمارها في صناعة هوية وطنية واحدة تعزز قيم الفرد والجماعة على حدٍ سواء. وحين تنغلق الأحزاب على مكوناتها، فإنها تخسر فرصة صناعة الموقف الاجتماعي الموحد، فتخسر معها القدرة على خلق إجماع سياسي وطني وأغلبية سياسية تحقق مصالح الدولة العليا بما فيها مكوناتها الاجتماعية. قد لا تكون هناك مصلحة لأحزاب المكونات الكبرى في خلق موقف اجتماعي موحد وإج عاا سياسي وطني كهذا، لأن في ذلك تهديدًا حقيقيًا لوجودها وشرعيتها وهيمنتها على السلطة، ذلك الوجود المشروط بإدامة الانقسامات المجتمعية لما له من مصلحة في إعادة انتخابها وبقائها في سلطتها اعتمادًا على أصوات أبناء مكوناتها (طوائفها وإثنياتها.) هذا الأمر مفهوم جدًّا بالنسبة إلى أحزاب المكونات الكبرى في عملية توافقية مكوناتية كعملية العراق السياسية. لكن رُب سائل يسأل: لِمَ تنخرط أحزاب الأقليات في لعبة مكوناتية كهذه، وهي تعرف أنها الخاسر الأكبر فيها؟ الجواب هو أن أحزاب الأقليات اصطفت مع نظام كهذا؛ لأنها أُجبِ ت عليه، ليس بمعنى أنه فُرِضَ عليها بالقوة، بل بمعنى أنه لم يوجد لديها خيار آخر، ولو قُدر لها الاختيار فستختار بالتأكيد نظامًا سياسيًا غير توافقي ما دامت المتضرر الأكبر من الديمقراطية التوافقية. مثل هذا النظام (الديمقراطية التوافقية) يُشعِر الأقليات بقلق وجودي Anxiety Existential، ليس المقصود بالضرورة وجودها المادي/ الجسدي، بل وجودها المعنوي والثقافي. وحين تحل فكرة الأغلبية المكوناتية محل الأغلبية السياسية، فإن الأقلية لغةً وثقافةً وعرقًا وعقيدة تقع تحت رحمة المكون الأكبر الذي لا يشاركها هذه الخصائص. لهذا السبب فإن الأقليات تنحاز إلى أنظمة علمانية وطنية تتشكل حكوماتها وفق الأغلبية السياسية لا وفق التوافقات المكوناتية، تلك التوافقات التي لن تسمح للأقليات بأن تكون مؤثرة في المشهد السياسي والتشريعي في البلاد. من هنا يصبح تصويت الأقليات لأحزاب وطنية غير طائفية مفهومًا جدًّا، ويصبح سلوكها الانتخابي

  1. سعد سلوم، 23 حماية الأقليات الدينية والإثنية واللغوية في العراق: دراسة تحليلية في الأطر الدولية والإقليمية والوطنية (النجف: جامعة الكوفة، 2017)، ص.190
  2. المرجع نفسه، ص 192،.195-194
  3. الباحث على اطلاع ومعرفة بهذه الحركات وشخصياتها؛ نظرًا إلى قربه من بعض قياداتها وحضوره مؤتمرات افتتاح معظم هذه الأحزاب، بل مشاركته في الكثير من فعاليات تلك الحركات وقتئذ.

سلوكًا سياسيًّا بحتًا تحدده برامج الأحزاب السياسية لا خلفياتها المكوناتية. هذه هي القاعدة المنطقية لسلوك الأقليات السياسي والانتخابي. لكن العراق لم يشهد مثل هذا السلوك لدى أغلبية أفراد الأقليات، والسبب يعود إلى الممارسة "السياسية" لأحزاب الأقليات نفسها هذه المرة، فحتى لو وُجِدَت تحالفات انتخابية وطنية، وهي موجودة بالتأكيد على قلتها، فإن أحزاب الأقليات لا يمكنها أن تثقف ناسها لانتخاب تلك القوائم وإلا فقدت هي الأخرى شرط وجودها كحال أحزاب المكونات الكبرى. وسلوك أحزاب الأقليات هذا جزء من السلوك العام لأحزاب العراق بكليته، ولا يمكن فصله عن السياق الطائفي الكلاني للنظام السياسي إلا بتفكيك بنية النظام نفسه. لذلك، تمارس أحزاب الأقليات التخويف والتهويل ذاته لجمهورها، وتدفع إلى الخيار المكوناتي وديمومة الممارسة الانتخابية المكوناتية على حساب الممارسة الانتخابية السياسية. لهذا السبب، فإن مشكلة الأقليات في العراق (مجتمعًا وليس قادة سياسيين) مركبة من مستوَيين: هيمنة أحزاب المكونات الكبرى على المشروع السياسي في المستوى الأول، وعدم رغبة أحزاب الأقليات في كسر تلك الهيمنة، أو على الأقل تحدّيها، من خلال عدم الحث على انتخاب قوائم وطنية في المستوى الثاني. وبكلمات أخرى، فإنه لا أحزاب المكونات الكبرى تريد الخروج من الديمقراطية التوافقية "التحاصصية"، ولا أحزاب الأقليات ترغب في مغادرة لعبة المكونات هذه، على الرغم من أن الأخيرة هي الأكثر تضررًا من هذه اللعبة، ما دامت مكوناتها قد تحولت إلى أقليات سياسية إلى الأبد. ولعل من المفيد هنا الاطلاع على الموقف الذي أدلى به ائتلاف الرافدين، الذي يتزعمه السياسي المسيحي يونادم كنا إلى صحيفة العرب اللندنية قبيل انتخابات عام 2018، والذي مفاده "أن التحالف مع الطرف الأقوى في البلاد سيحقق مصلحة المكون المسيحي أفضل مما لو بقي خارج التحالفات، إذ إن تمرير القوانين المهمة للمسيحيين يحتاج إلى تحالف سياسي كبير"26. يكشف هذا التصريح المهم كيف أن الديمقراطية التوافقية وحصص المكونات قد صنعت من هذه الأقليات أقليات سياسية لن تستطيع التأثير في العملية التشريعية ما لم تتحالف مع قائمة سياسية كبرى. مع ذلك، ما زالت الممارسة السياسية في العراق ممارسة مكوناتية تدعو فيها الأغلبية من أحزاب المكونات الكبرى والصغرى - ولا أقول كلها طبعًا - أنصارها إلى الانتخاب على أساس الخلفيات المكوناتية لا البرامج السياسية، وهكذا تم حصر السياسة داخل حدود المكونات، وإغلاق المجال الاجتماعي العام أمامها. السياسة هنا ليست فعلً له القدرة على استيعاب الديناميات الاجتماعية وتنظيم نتائجها وتطويرها لبناء دولة حديثة، بل هي مجرد أداة امتناع تحافظ على الوضع الراهن وتمنع النظام الطائفي، بشقيه الإثني والمذهبي، من أي "انهيار إيجابي." إنها ليست أداة تغيير هنا بل ماكنة إنتاج مستمر للثقافة المكوناتية (الطائفية، الإثنية، الدينية، اللغوية... إلخ) حتى يستمر الانقسام الطائفي والإثني، ويستمر معه تصويت جماهير تلك الطوائف والإثنيات لأحزابها الطائفية والإثنية. ففي كل مرة تقترب فيها الانتخابات، تبدأ أحزاب المكونات حملة تخويف وتحريض شديدين ضد الآخر كي تضمن أصوات أتباعها وولاءهم لها. مثال على ذلك، ما قاله الشيخ المعمم عامر الكفيشي، وهو أحد أعضاء حزب الدعوة الإسلامية في العراق، في فيديو له انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي قبل أعوام، يحرض فيه ضد العلمانيين والمدنيين والشيوعيين بوصفهم ملحدين ومفسدين ينشرون مبادئ الكفر والإلحاد في البلد، وبوصفهم مصدر تهديد للقيم الإسلامية في المجتمع العراقي27. هنا تتحول الممارسة الانتخابية إلى ذلك العنف الرمزي الذي يسبق دومًا العنف الجسدي ويبرره، والهدف هو إرهاب أعداء وهميين مفترضين أولً، والاستمرار في التشبث بالسلطة عبر خطاب الكراهية والتخويف ثانيًا. سيطرت البنية الذهنية الطائفية، بشقيها الإثني والمذهبي، على مجمل السلوك السياسي لأحزاب المكونات بما فيها أحزاب الأقليات وجماهيرها، وصار الحديث عن مفاهيم كالحرية والمدنية والمواطنة نشازًا عند قاعدة كبيرة من الناس. كل ذلك بسبب سيطرة الأحزاب المكوناتية (الطائفية منها على وجه الخصوص) على مقدرات السلطة، وهيمنتها على الدولة بمالها وإعلامها وسلاحها منذ عام 2003. إن محاولة كسر هذه الهيمنة وخلق هيمنة أخرى ليست مهمة سهلة في ظل تغوّل الفكرة الطائفية، بشقيها الإثني والمذهبي، في أجهزة الدولة القانونية والثقافية، وانعكاساتها العميقة في المجتمع العراقي. لكنها ليست مهمة مستحيلة في الوقت ذاته، فالهيمنة في النهاية ليست بناءً صلبًا لا يُكسر، بل هي صيرورة سائلة تتغير باستمرار كلما تغيرت الظروف الطبيعية وتغيرت معها تحالفات القوى في المجال الاجتماعي للعمل السياسي. يتمثل الأمر عند أنطونيو غرامشي بأنه تكتيك، يبدأ من مساحته الاجتماعية عبر تحالفات القوى التابعة والمهمشة التي يجمعها هدف استراتيجي واحد وطويل الأمد. إن الهيمنة، كما يراها غرامشي،

  1. مصطفى حبيب، "خارطة التحالفات الانتخابية تعكس واقع المسيحيين في العراق "،، 2018/3/17، شوهد في 2021/8/26، في https://bit.ly/2UQZkUc: العرب
  2. عامر الكفيشي يجيز بقتل العلمانيين والشيوعيين والمدنيين. هؤلاء أصعب من داعش يجب قتالهم"، يوتيوب، 2018/3/6، شوهد في 2021/8/26، في: https://bit.ly/3kqHyQn

لا تعني قدرة الفكرة السائدة في الحفاظ على سيادتها وسلطتها على الأفكار الأخرى دائمًا، بل هي صيرورة مستمرة متغيرة ناتجة من صراع نقيضين تاريخيين تتبدل مراكزهما باستمرار حين تتقن قواها المؤثرة التكتيكات اللازمة لتحريك الفئات الاجتماعية المهمشة نحو هدف استراتيجي واحد، وهو تشكيل ما يسميه "الكتلة التاريخية الجديدة"28. فالعلاقة الجدلية بين القوى المهيمنة والقوى المهمشة هي علاقة ثابتة وصارمة، علاقة السيد بالعبد، ما دامت تلك القوى المهمشة مفككة ومتباعدة وغير متحالفة فيما بينها، في حين تتخلخل تلك العلاقة (علاقة السيد بالعبد) وتتخلخل معها العلاقات الفوقية المنتجة لقوى الهيمنة من الأعلى عندما تتحالف القوى المهمشة من الأسفل وتتحد على فكرة جديدة قابلة للتطبيق ومناهِضة للطبقة المهيمنة. الهيمنة هنا ذات طبيعة سائلة وغير متماسكة، وما يجعلها تبدو متماسكة وصلبة هو تفكك القوى التابعة والمهمشة وكسلها تجاه المحاولة. هذا التفاعل والتنافر المستمر بين قوى المجتمع بمجمله هو مركب الهيمنة ومادتها، ولا يمكن فهم فكرة الهيمنة عند غرامشي على أنها تعني فقط مَن يملك سلطة السياسة والثقافة والاقتصاد في البلد. هذا فهم سطحي لصورة واحدة من صور الهيمنة وليس لها كلها، تلك الصورة التي يسميها غرامشي تحديدًا السيطرة Domination، وليس الهيمنة Hegemony، على الرغم من أنه يستخدم المصطلحين بصورة تبادلية في أحيان عديدة. وباختصار، ليس ثمة هيمنة واحدة (سياسية، ثقافية، اقتصادية... إلخ) بمعناها الثابت والصلب، بل ثمة هيمنتان سائلتان في وقتٍ واحد تتصارعان لركوب ظهر التاريخ كلما سنحت الظروف لهما. إن ما تقوله ليزا لو Lisa Law في الأسطر القليلة التالية يعبّ بدقة عن رؤية غرامشي للهيمنة: "الهيمنة لا تشير حصرًا إلى العملية التي تمارس بموجبها الطبقة المهيمنة نفوذها، وإنما تشير أيضًا إلى السياق الذي تنظم فيه قوى الأقلية نفسها وتصارع الطبقة المهيمنة الموجودة. الحقيقة بالنسبة إلى أي هيمنة هي أنها ليست نهائية ومطلقة. عند غرامشي، الهيمنة مفهوم يشير إلى السياقين الاجتماعيين معًا: السياق الذي تحاول فيه الطبقة المهيمنة الحفاظ على هيمنتها، والسياق الآخر الذي تتشكل فيه قوى جديدة تتحدى هذه الهيمنة. وجود الهيمنة الممثلة لمصالح طبقةٍ ما غير منفصل عن وجود القوى التابعة الآخذة في التشكل والانبثاق. يصح القول إن الهيمنة لا تعني فقط ذلك السياق السياسي الذي تشكل فيه قوى معينة نفسها بوصفها أغلبية (الأنا) في علاقتها مع قوى تابعة تُعرف بالأقلية (الآخر)، بل أيضًا السياق الذي قد تتحالف فيها قوى 'الآخر' بعضها مع بعض وتشكل أغلبية جديدة تُعرف بالهيمنة المضادة Hegemony Counter.[...] لدينا الآن صورة واضحة عن مفهوم الهيمنة ليس بمعناها الشائع والسائد 'صيانة الهيمنة' Hegemony-maintenance، بل بمعناها الآخر المُهمَل 'صناعة الهيمنة' "Hegemony-creation29. نحن إذًا أمام هيمنتين إن صح القول: هيمنة موجودة حقًا وأخرى مضادة آخذة في التشكل. ما يجعل الثانية (الهيمنة المضادة) مؤثرة وقريبة من إسقاط الأولى هو حجم المساحة الاجتماعية التي تعمل فيها القوى التابعة، فكلما كان المجال الاجتماعي للسياسة مفتوحًا ومتنوعًا، زادت فرصة القوى التابعة في تشكيل كتلتها التاريخية الجديدة وفرض هيمنتها على الهيمنة الحالية. وأخيرًا، لا يمكن أن تنبثق الهيمنة المضادة هذه وتُ ارَس إلا "بواسطة حزب"30. كان من الممكن أن تقوم أحزاب الأقليات بمثل هذا الدور، أو على الأقل أن تقاوم، بشراسة أكبر، سطو أحزاب المكونات الكبرى على تمثيل المكونات الأقلوية، ذلك السطو الذي جرى عبر الدفع بأفراد تابعين لها من تلك الأقليات نفسها للترشح على قوائم الكوتا الخاصة بهم31. لكن ما حصل هو أن أحزاب الأقليات هذه قد سقطت في ما يسميه غرامشي "الثورة السلبية أو غير الفاعلة" Revolution Passive؛ إذ إن هيمنتها لم تعد هيمنة مضادة، بل صارت هيمنة تشبه تلك التي "يمارسها قسم من مجموعة اجتماعية على كامل المجموعة، وليس المجموعة على قوى أخرى"32. أحزاب الأقليات اليوم شريك أساس

  1. Antonio Gramsci, Selections from The Prison Notebooks of Antonio Gramsci , Quintin Hoare & Geoffrey Nowell-Smith (Trans.) (London:
  2. Julie Rivkin & Michael Ryan (eds.), Literary Theory: An Anthology (Oxford: Blackwell Publishing, 2004), p. 1036.
  3. Gramsci, p. 203.
  4. يتحدث التقرير الصحافي التالي على موقع "كركوك الآن" عن أحد أسباب ضياع التمثيل الحقيقي للأقليات بسبب ترشيح أحزاب المكونات الكبرى شخصياتٍ تابعة لها لتمثيل تلك الأقليات على قوائم الكوتا، ينظر: عمار عزيز، "مقاعد كوتا المكونات بين مخاوف التشتت وطمع الأحزاب كركوك الآن الكبيرة"،، 2020/5/7، شوهد في 2021/8/26، في: https://bit.ly/2WpUKfY 32  Gramsci, p. 288.
  5. ElecBook, 1999).

لأحزاب المكونات الكبرى في جعل مكوناتها ضعيفة، مهمشة، وأقلية سياسية؛ ذلك أنها استسلمت لتلك الأحزاب الإثنية والطائفية الكبيرة، وضحت باستقلالية مجتمعاتها لصالح ما يصفه غرامشي ب "الهيمنة الفكرية للطبقة الحاكمة"33. قد يعتقد أحد أن الهيمنة في العراق نتاج الديموغرافيا وليس الأفكار، وأن حديث غرامشي كان عن هيمنة أفكار الطبقة في المجتمعات الرأسمالية الغربية، ولا علاقة له بالإثنيات والطوائف. والحق، أن غرامشي لم يتحدث عن الإثنيات والطوائف، ولكنه في الوقت ذاته لم يكن يحصر الأفكار في الطبقة قط. كان يراها نتاج خلطة معقدة من تداخل الطبقة والدين والثقافة والأيديولوجيا والسياسة والجماعة الاجتماعية، بل إن الخلاف الأكبر بينه وبين ماركس يعود إلى أن الأخير قد أرجع الأفكار إلى الطبقة وحصرها بها بوصفها خصوصية طبقية Class-specific، بينما وضعها غرامشي في إطار أوسع وعدّها خصوصية تاريخية History-specific. وهذا يعني أن غرامشي لا يرى الأفكار محصورة في طبقة ما، ولا يرجعها إلى الاقتصاد بصورة خطية، بل يعتبرها نتاج سيرورة معقدة لتلك الأفكار التي تشكلت عقب تفكيك أفكار قائمة أصلً، وتمّت صياغتها بطريقة جديدة لتكسب قبولًاجتماعيًا واسعًا وتصبح هي المنطق السليم والشائع Sense Common (بتعبير غرامشي) في مسار تشكيل الهيمنة المضادة. فأفكار البروليتاريا، مثلً، ليست أفكارهم تمامًا، بل هي مزيج من عدة اتجاهات فكرية ومنها أفكار البرجوازية ذاتها، والصراع إلى حد ما ليس بين هذه الأفكار، بل بين مَن يمثلها حقًا. الأفكار، عند غرامشي، أكبر من الطبقة؛ فهو ولوي آلتوسير Althusser Louis وستيوارت هول Stuart Hall عارضوا اختزالية ماركس الاقتصادية Marx's Economic Reductionism؛ بوصفها أحادية البعد وغير دقيقة في وصف واقع اجتماعي أشدّ تعقيدًا من الاقتصاد وأكبر من فكرة الطبقة، واقع يتداخل فيه الديني والسياسي والأيديولوجي والثقافي بالاقتصادي إلى درجة لا تصمد فيها الطبقة بوصفها وحدةً واحدة ومتماثلة دومًا وإلى الأبد. يضرب هول أمثلة بليغة على عدم انسجام الطبقة هذا مثل ذلك الذي حصل في جنوب أفريقيا، حيث استمر تحالف الطبقة البرجوازية الحاكمة البيضاء مع الطبقة الفقيرة العاملة البيضاء ضد ذوي البشرة السوداء (العرق هو الحاسم هنا وليس الطبقة)، وكذلك التحالفات المهمة بين خليط من الطبقات والقوى الاجتماعية في نضالها ضد الاستعمار ونخبته الحاكمة من أجل الاستقلال وتأسيس ما يعرف اليوم بدول ما بعد الكولونيالية34. نعم، لم يكتب غرامشي عن الإثنية والعرق والطائفة بعناوينها عند تحليله للهيمنة، بل بالمفهوم الذي وسعه عن مجال تشكل الأيديولوجيا وعدم اختزالها في الطبقة والاقتصاد. لقد صاغ لنا نظرية يمكننا الاستفادة منها في تحليل الإثنية والطائفة بوصفها أيديولوجيا سياسية. لقد تحدث غرامشي نفسه عن سياق تطور الأفكار في "الغرب" بوصفه هوية جغرافية هنا، وليس هوية طبقية مرهونة بنمط الإنتاج الرأسمالي، هوية جغرافية أصبحت هي المجال الجديد للسياسة35. هو نفسه أيضًا الذي قال "إن الاعتقادات الشعبية والأفكار التي من جنسها هي القوى المادية نفسها" التي تشكل الأساس لفلسفة التطبيق العملي36. وهنا استفاد ستيوارت هول من هذا التحليل الذي تخلص من الاختزالية الاقتصادية/ الطبقية، فأدخل مفهوم "الهيمنة" في حيز جديد هو حيز الدراسات العرقية والإثنية، ما دامت هذه "الاعتقادات الشعبية" تشمل اتجاهات عدة: كالدين، والثقافة، والطائفة، والعرق، والإثنية، والعنصرية... إلخ. وحتى لو كانت الهيمنة هنا نتاج الأفكار، فإن هذه الأفكار لا تنشأ حصرًا من الطبقة، بل من سياق معقد يتداخل فيه عدد من المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والأيديولوجية، بما فيها الإثنية والدين والطائفة طبعًا. وهي، أي هذه المجالات، لا تتسيد وحدها بمعزل عن الديموغرافيا، بل هي مرهونة بها في أحيانٍ عدة، كتلك الأفكار المرهونة ب "الكتلة التاريخية الكبرى." الهيمنة "لا تُ ارَس في الحقول الاقتصادية والإدارية فقط"، كما يقول هول، "بل تحيط أيضًا بالمجالات الحرجة للقيادة الفكرية، والأخلاقية، والقيمية، والثقافية"37. وفي استطاعتنا إدراج الطائفة والدين والإثنية بوصفها أيديولوجيات سياسية تحت مظلة الفكري والأخلاقي والقيمي والثقافي، لنخلص إلى حقيقة مُفادها أن هذه التشكلات (الطائفة، والدين، والإثنية) هي في النهاية أفكار مهيمنة اليوم في العراق، سواء فرضتها الديموغرافيا أم لم تفرضها. وبكلمات أخرى، فإن الهيمنة، وإن كانت نتاج الديموغرافيا في العراق، لم تكن ولم تنشأ إلا عبر الأفكار أصلً، إذ لم تهيمن أحزاب الإسلام السياسي الشيعي على الواقع السياسي في العراق عبر تفضيلها فقهها وعقيدتها ومذهبها على الآخر، بل عبر الدفاع عن صيغة سياسية معينة تخدم مصالحها وأهدافها في السلطة. ثم إن هذه الأحزاب لم تهيمن بسبب حجم مكونها الاجتماعي، على أهمية هذه النقطة طبعًا، بل بسبب قبول الأطراف المكوناتية الأخرى (السنة والكرد) وصْفةَ الحكم القائمة على التمثيل النسبي، هذا التمثيل الذي يجعل مكون هذه الأحزاب الشيعية في

  1. Ibid., p. 372.
  2. Stuart Hall, "Gramsci's Relevance for the Study of Race and
  3. Ibid., p. 18.
  4. Gramsci, p. 378. 37  Hall, p. 17.
  5. Ethnicity,"  Journal of Communication Inquiry , vol. 10, no. 2 (1986), pp. 5-27.

صدارة المكونات الأخرى في المؤسسة التنفيذية والتشريعية والقضائية تبعًا للحجوم الديموغرافية في العراق. وفي النتيجة، فالتمثيل النسبي هنا فكرة مهيمنة بصرف النظر عن كونها نتاج الديموغرافيا أو نتاج "الكتلة التاريخية الكبرى"، فالاثنان (المكون الديموغرافي في العراق والكتلة التاريخية الكبرى عند غرامشي)، لا يختلفان، عند التحليل، في حقيقة أنهما ليسا وجودين متماسكين وصلبين جوهريًا وإلى الأبد، بل هما من الكيانات الاجتماعية والأيديولوجية السائلة التي تتغير وتتشكل باستمرار. وبناءً عليه، يقول هول إن الاختلافات العرقية والإثنية [والطائفية، يضيف الباحث] يمكنها أن تتشكل هي الأخرى "على هيئة خصومات أيديولوجية وسياسية واقتصادية"38. وهو أمر يشبه أيضًا ما يقوله عزمي بشارة عن الطائفية كيف أنها تتحول إلى "بنى وعلاقات اجتماعية مفروضة على الفرد حتى لو يكن طائفيًا... إذ أصبحت البنية الطائفية تحدد كل نواحي الحياة في لبنان وشمال ايرلندا؛ فعبرها يعيش الناس طبقاتهم الاجتماعية وهويتهم ’الجندرية‘ وأماكن اقامتهم ومدافنهم. تعني الطائفية في هذه الحالة مجموعة من التحديدات التي يتأثر بها وعي الفرد لذاته وأنماط سلوكه وعلاقات التبادل الاجتماعية والسياسية في حياته"39، لينتهي بشارة إلى خلاصة مهمة للغاية ويضعها عنوانًا لقسم من أقسام فصول كتابه مفادها أن الطائفية المتخيّلة (وهو المفهوم الذي يطلقه على الطائفة عندما تتحول في ذهن الطائفيين إلى جماعة متخيلة أكبر من كونها مجتمعًا مذهبيًا محليًا)، كما أن الإثنية، تتحول هي الأخرى إلى "بنية اجتماعية فكرية مهيمنة على الأفراد"40. بمعنى أن الأعراق والطوائف يمكنها أن تتحول إلى ما يشبه الطبقة، فتسلك في المجتمعات المنقسمة عرقيًا وطائفيًا سلوك الطبقة في المجتمعات الرأسمالية المنقسمة طبقيًا. هنا فحسب تتحول الهيمنة من هيمنة الطبقة إلى هيمنة العرق أو الطائفة، أو بالأحرى هيمنة أفكار العرق أو الطائفة، وهنا تكمن مرونة فكرة غرامشي وإمكانية توظيفها في مجالات تحليل أخرى، كما يستخلص هول الذي قال عن غرامشي إنه المفكر الذي "يثبت، عند الفحص الدقيق، على الرغم من مركزيته الأوروبية Eurocentric فيما يبدو، أنه أحد أكثر منتجي الأفكار الجديدة والنماذج والتنظيرات المثمرة، بقدر ما هو أحد أقل منتجي الأفكار الجديدة شهرةً وسهولة فهمٍ في الدراسات المعاصرة للظاهرة الاجتماعية المبنية عرقيًا"41. ليس ثمة حل في كسر هذه الهيمنة، سواء في المجتمعات الغربية المنقسمة طبقيًا أم في المجتمع العراقي المنقسم طائفيًا وإثنيًا، سوى بفتح المجال الاجتماعي للسياسة، وبث الأفكار أفقيًا بين الجماعات الاجتماعية المختلفة. ولا نقصد بكسر الهيمنة في المجتمع العراقي هيمنةَ إثنيةٍ أو طائفةٍ أقلية على إثنية أو طائفة أغلبية، بل نعني بها هيمنة أفكار وطنية جامعة تدعو إليها الجماعات المهمشة والتابعة، ومنها الأقليات الإثنية والطائفية، لتخترق بها الفضاءات المكوناتية والديموغرافية الأخرى، وتحظى بقبول مجتمعي واسع يؤهل تلك الأفكار لأن تصبح المنطق السليم والشائع الجديد. هذا الأمر مرهون بالمجال الاجتماعي المفتوح للأحزاب، ومنها أحزاب الأقليات تحديدًا؛ باعتبار أحزاب المكونات الكبرى مستفيدة من الوضع الراهن ولا يهمها فتح المجال الاجتماعي هذا. لكن، هل ثمة مجال اجتماعي مفتوح ومتنوع لأحزاب الأقليات في العراق؟ الإجابة قطعًا لا، والسبب ليس فقط نظام الديمقراطية التوافقية، ولا أحزاب المكونات الكبرى المهيمنة - على أهمية هاتين النقطتين - وإنما السبب أيضًا أحزاب الأقليات نفسها. ربما تريد هذه الأحزاب حقًا إنهاء الوضع السياسي الشاذ الذي جعلها أقليات سياسية إلى جانب كونها أقليات مكوناتية. لكنها حتمً لا ترغب في خسارة مكاسبها السياسية الحالية وامتياز تمثيلها مكوناتها في الوقت ذاته. هي فشلت، غالبًا، في أن تجمع أبناء مكوناتها خلفها، فكيف ستنجح في اختراق المجال الاجتماعي لباقي المكونات! يقول سعد سلوم، في كتابه حماية الأقليات، في معرض حديثه عن المكون التركماني في العراق، "وكما هو واضح من المقابلات التي أجريت مع ممثلين للتركمان، فإن عدم التنسيق بين التيارات السياسية التركمانية لتوحيد المطالب ترك أثره على فاعلية مشاركتهم السياسية، ويرى السيد محمد مهدي البياتي أن الحركات والأحزاب والشخصيات التركمانية تتحمل مسؤولية كبيرة بسبب عدم قدرتها على تشكيل مشروع تركماني موحد، خوفًا من فقدان امتيازات بعض نخبها السياسية مع الأحزاب الكبيرة"42. ينطبق هذا الأمر على الكثير من أحزاب الأقليات الأخرى التي استوعبتها أحزاب المكونات الكبرى، وصار وجودها مشروطًا بوجود الأخيرة وهيمنتها. تمارس أحزاب الأقليات هنا هيمنة داخل هيمنة كبرى؛ هيمنة على مكونها داخل هيمنة أخرى هي هيمنة القوى الكبرى على البلد برمته. أي إنها، مثلما وصف غرامشي هيمنة مثيلاتها آنفًا، هيمنة "يمارسها قسم من مجموعة اجتماعية على كامل المجموعة، وليس المجموعة على قوى أخرى"، فالعلاقة المعقدة بين أحزاب الأقليات وأحزاب

  1. Ibid., p. 25.
  2. بشارة، الفصل الأول، القسم ثالثًا، الفقرة 1 و.3
  3. المرجع نفسه.
  4. Ibid., p. 27.
  5. سلوم، ص.195

المكونات الكبرى علاقة تخادم تفرض سلوكًا سياسيًا على الأولى في مكونها هو ذاته السلوك السياسي للثانية مع شرائح المجتمع العراقي عمومًا. وهكذا فمن الصعب تجزئة الهيمنة هنا إلى هيمنتين: هيمنة سلطوية موجودة (أحزاب المكونات الكبرى) وأخرى مضادة آخذة في التشكل (أحزاب الأقليات)، لأنهما واحد في خطهما ومصالحهما. وإذا ما تفككت العلاقة بين هاتين الهيمنتين (علاقة السيد بالعبد) فستتفكك معها، ولو جزئيًا، العلاقات الفوقية المنتجة لهيمنة أحزاب المكونات الكبرى. هذه المعادلة الجدلية والمعقدة أغلقت الفضاء الاجتماعي الواسع للسياسة تمامًا، وجعلت مهمة الأحزاب السياسية مهمة مكوناتية بحتة هدفها تمثيل المكونات والتفاوض على أكبر كمية ممكنة من المكاسب المكوناتية على حساب المصالح الوطنية العليا. ليس في مقدور أحزاب الأقليات مقاومة هيمنة الفكرة الطائفية (بشقيها الإثني والمذهبي) التي يرسخها النظام السياسي الحالي، وذلك لأن الفضاء الاجتماعي للسياسة مغلق على المكونات، ومن الصعب اختراقه لتشكيل تحالفات وطنية عابرة لتلك المكونات ومنافسة لقوى الهيمنة الحالية؛ فضلً عن أن هذه الأحزاب الأقلوية غير مستعدة للمغامرة بمكاسبها السياسية التي حققتها في ظل الديمقراطية التوافقية "التحاصصية"، وأن أي دعوة منها لمقاومة النظام الحالي هي دعوة لمقاومة وجودها هي الأخرى وتفكيكه. لذا، فإن أحزاب الأقليات جزء وشريك أساس في جعل الأقليات أقلياتٍ سياسية وليس مكوناتية فقط، وذلك من خلال مشاركتها، راغبة أو مرغمة، في العملية المكوناتية العراقية المسماة بالديمقراطية التوافقية.

خاتمة

لا تقدم هذه الدراسة رؤية تشاؤمية لواقع عراقي لا يمكن إصلاحه، إنما هي استعراض لدوافع الأقليات ومحركاتها للمشاركة في العملية السياسية. لقد عرضت مفهوم الديمقراطية التوافقية وكيفية مساهمتها في ترسيخ مفهوم المكون أساسًا للعمل السياسي في العراق ما بعد 2003، إضافةً إلى مسؤوليتها في غلق المجال الاجتماعي للسياسة وحصر الممارسة السياسية في حدودها المكوناتية. ثم استعرضت أهم ما كتب عن نظام الكوتا من مؤيدين ومعارضين، وكيف أن الكوتا ساهمت، في طياتها، في صناعة الحاجز النفسي بين الدولة وأقلياتها ما دامت تضمر العلم بعدم قدرة الأقليات على الوصول إلى المؤسسة التشريعية من دون أن "تتصدق" قوى الأغلبية عليها بمقاعد محددة. حللنا، في هذه الدراسة، السلوك السياسي لكل من الأقليات وأحزاب الأقليات عبر مقاربة نفسية للأولى وغرامشوية للثانية؛ لنصل إلى استنتاجين مهمين مفادهما: أولً، أن الأقليات أُجبرت على انتخاب أحزابها المكوناتية لأنها لا تملك خيارًا آخر؛ فالخيار الآخر، بالنسبة إليها، هو انتخاب مرشح من خارج المكون (أو مرشح من مكونها على قائمة انتخابية أخرى يصعب فيها وصول الأقلية إلى مجلس النواب)، ومن ثم يؤدي هذا إلى خسارة الوجود المعنوي للمكون داخل مؤسسة التشريع الحكومي. لذا، فالسلوك السياسي للأقلية أيضًا سلوك مكوناتي لا يختلف عن سلوك المكونات الكبرى في السياسة إلا في كونه خيارًا مفروضًا عليها وليس أمامها خيارٌ آخر غيره. ثانيًا، أن سلوك أحزاب الأقليات السياسي لا ينفصل هو الآخر عن جوهر سلوك أحزاب المكونات الكبرى من حيث دعوتها جماهيرَها لانتخابها ودعمها بدلً من انتخاب أحزاب وطنية عابرة للمكونات ودعمها، وسلوكها هذا يرجع أيضًا إلى أمرين أساسيين: الأول، عدم قدرتها على اختراق الفضاء الاجتماعي للمكونات الأخرى ومحاولة صناعة كتلة اجتماعية كبيرة يمكنها أن تكون نواةً "لكتلة تاريخية جديدة" تتحدى هيمنة النظام الطائفي الحالي بشقيه المذهبي والإثني. ثانيًا، أنها حتى لو رغبت في مقاومة هذا النظام الطائفي الذي جعلها أقلية سياسية إلى جانب كونها أقلية مكوناتية، فإنها غير مستعدة لتثقيف جماهيرها في هذا الاتجاه؛ لأنها، ببساطة شديدة، غير مستعدة للتضحية بموقعها ومكاسبها السياسية التي حققتها في ظل العملية السياسية المكوناتية طوال كل هذه الفترة. لقد صارت هذه الأحزاب جزءًا من بنية النظام نفسه، وهيمنة داخل هيمنة كبرى، وليس لديها سوى العمل على الخطاب التخويفي ذاته وتقديمه إلى مكوناتها من أجل ضمان أصواتها كما تفعل أحزاب المكونات الكبرى. وهكذا في النهاية، تحولت الأقليات المكوناتية في العراق (الإثنية، والدينية، واللغوية)، بفعل ديمقراطية التمثيل النسبي (المحاصصة بلغتها الشائعة) وهيمنة المكونات الكبرى وسلوك تلك الأقليات السياسي هي وأحزابها نفسها، إلى أقليات سياسية عاجزة عن تحقيق أي تغيير حقيقي ومؤثر للبلد على نحو عام ولمكوناتها على نحو خاص. وما لم تُفكك بنية النظام المكوناتي نفسه من خلال هدم الحدود الاجتماعية بين المكونات وفتح المجال الاجتماعي أمام أحزاب وطنية غير مكوناتية لصنع تحالفٍ جديد منافس للهيمنة الحالية، فلن يتغير السلوك السياسي (ومنه الانتخابي) للأحزاب وجماهيرها، وسيبقى العامل المكوناتي حاسمً في صناعة قدر العراق السياسي، وستبقى عمليته السياسية عملية مكوناتية بحتة، فضلً عن أن الأقليات في العراق ستصير وإلى الأبد أقليات سياسية غير مؤثرة بعد أن كانت سابقًا أقليات مكوناتية فقط.

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيّلة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018 (نسخة كندل الإلكترونية.) حسن، حارث. "التجربة التوافقية في العراق: النظرية والتطبيق والنتائج." سياسات عربية. العدد 23 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2016 سلوم، سعد. حماية الأقليات الدينية والإثنية واللغوية في العراق: دراسة تحليلية في الأطر الدولية والإقليمية والوطنية. النجف: جامعة الكوفة،.2017

الأجنبية

Dhamoon, Rita. Identity/ Difference Politics: How Difference is Produced, and Why it Matters. Vancouver: UBC Press, 2010. Fanon, Frantz. Black Skin, White Masks. Charles Lam Markmann (Trans.). London: Pluto Press, 2008. Gramsci, Antonio. Selections from The Prison Notebooks of Antonio Gramsci. Quintin Hoare & Geoffrey Nowell-Smith (Trans.). London: ElecBook, 1999. Hall, Stuart. "Gramsci's Relevance for the Study of Race and Ethnicity."  Journal of Communication Inquiry. vol. 10, no. 2 (1986). Horowitz, Donald L. "Ethnic Power Sharing: Three Big Problems." Journal of Democracy. vol. 25, no. 2

Hughes, Melanie M. "Intersectionality, Quotas, and Minority Women's Political Representation Worldwide." American Political Science Review. vol. 105, no. 3 (2011). Krook, Mona Lena & Par Zetterberg. "Electoral Quotas and Political Representation: Comparative Perspectives." International Political Science Review. vol. 35, no. 1 (2014). Lijphart, Arend. Thinking about Democracy: Power Sharing and Majority Rule in Theory and Practice. London/ New York: Routledge, 2008. Mansbridge, Jane. "Should Blacks Represent Blacks and Women Represent Women? A contingent 'Yes'." The Journal of Politics. vol. 61, no. 3 (August 1999). Marx, Karl & Friedrich Engels. The Marx-Engels Reader. Robert C. Tucker (ed.). New York: W. W. Norton, 1978. Rivkin, Julie & Michael Ryan)eds.(. Literary Theory: An Anthology. Oxford: Blackwell Publishing, 2004. Thompson, W. R. (ed.). Oxford Research Encyclopedia of Politics. Oxford: Oxford University Press, 2017. Zetterberg, Par. "Do Gender Quotas Foster Women's Political Engagement?" Political Research Quarterly. vol. 62, no. 4 (December 2009). Zuber, Christina Isabel. "Reserved Seats, Political Parties, and Minority Representation." Ethnopolitics. vol. 14, no. 4 (2015).