الجزائر: تجربة تحول ديمقراطي في سياق فشل اقتصادي

Nouri Dris نوري دريس |

الملخّص

This study reassesses the experience of political openness in Algeria within the analytical and explanatory categories of political economy. It is built on the premise that the transition from a totalitarian authoritarian regime to a democratic one presupposes the transition from a rentier economy linked to the external market and dominated by rentier groups, to a productive economy based on the national bourgeoisie exploitation of local labour to create wealth. The study argues that the experience of democratic transition in Algeria faltered due to the failure of the rentier groups to undergo capitalist transformation that could have allowed the emergence of the two main sides of the democratic equation: the bourgeoisie and the working class. The political elites that control the rentier economy were willing to accept political but not economic reforms that could have led to a reconsideration of the hegemonic relations within society and liberated it from the grip of power. In this regard, the failure of the economic reforms introduced by the Hamrouche government (1989 - 1991) was a prelude to the disruption of the democratic transition and prevention of the development of a civil society capable of gaining its independence from authority and, on the other hand, the independence of the Algerian state from the global market.

Algeria: Democratic Transition in the Context of Economic Failure

تحاول هذه الدراسة أن تعيد مناقشة تجربة الانفتاح السياسي في الجزائر ضمن المقولات التحليلية والتفسيرية لاقتصاد السياسي. وتنطلق من مسل مة مفادها أن الانتقال من نظام شمولي تسلطي إلى نظام ديمقراطي يفترض الانتقال من اقتصاد ريعي مرتبط بالسوق الخارجية وتهيمن عليه الجماعات الريعية، إلى اقتصاد منتج يقوم على استغال البرجوازية الوطنية لليد العاملة المحلية لخلق الثروة. وتجادل بأن تجربة الانتقال الديمقراطي في الجزائر تعثرت بسبب إفشال الجماعات الريعية التحول الرأسمالي الذي كان في إمكانه أن يسمح بنشوء طرفي المعادلة الديمقراطية الأساسيين: البرجوازية، والطبقة العمالية. وتبيّن أنّ النخب السياسية المتحك مة في الاقتصاد الريعي كانت ستتقبل إصاحات سياسية، ولكن ليس إصاحات اقتصادية يمكن أن تؤدي إلى إعادة النظر في عاقات الهيمنة داخل المجتمع وتحريره من قبضة السلطة. وفي هذا الصدد، كان إفشال الإصاحات الاقتصادية التي جاءت بها حكومة حمروش (1989 - 1991) مقدّمة لتعطيل مسار الانتقال الديمقراطي ومنع تطور مجتمع مدني قادر على اكتساب استقاليته تجاه السلطة من جهة، واستقالية الدولة الجزائرية تجاه السوق العالمية من جهة أخرى. كلمات مفتاحية: الديمقراطية، التحول الديمقراطي، التحول الرأسمالي، برنامج التصحيح الهيكلي، حكومة الإصاحيين.

Keywords: Democracy, Democratic Transition, Capitalist Transition, Structural Adjustment Program, Reformist Government.

مقدمة

أفضت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، التي دخلت فيها الجزائر منذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين، إلى اندلاع ثورة شعبية في 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1988 خرج فيها الجزائريون منتفضين ضد غلاء المعيشة، وندرة السلع الأساسية، والبطالة، والفساد، ومطالبين بإصلاحات سياسية شاملة. وقد واجهت السلطة المظاهرات بالعنف في البداية1، إلا أنها أطلقت برنامجًا إصلاحيا شاملًانتهى إلى إقرار دستور جديد في 23 شباط/ فبراير 1989 أقر التعددية السياسية والنقابية والليبرالية الاقتصادية. شكليًا، في الإمكان القول، حتى لحظة إنجاز هذه الدراسة، إن ما يسمى في العلوم السياسية وفي أدبيات التحول الديمقراطي تحديدًا ب "الاستثناء العربي" سيصبح شيئًا من الماضي، مع أنه ليس ثمة ضمانة تاريخية لذلك باعتبار الجزائر بلدًا عربيًا أخذ يعرف تحولً ديمقراطيًا، وفعلً عرفت الجزائر، خلال الفترة 1992-1989 حياة سياسية تعددية نُظمت فيها انتخابات محلية وبرلمانية حصلت فيها المعارضة (الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وجبهة القوى الاشتراكية) على أغلبية المقاعد2. ولكن السلطة في الجزائر آنذاك رأت في نتائج الدور الأول للانتخابات التشريعية (البرلمانية) في كانون الأول/ ديسمبر 1991، التي حصدت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ 188 مقعدًا من أصل 228 مقعدًا، خطرًا وجوديًا على الدولة والنظام، فتدخلت في 12 كانون الثاني/ يناير 1992، وأوقفت المسار الانتخابي رافضة إجراء الدور الثاني، وشكلت مجلس حكم يتكون من شخصيات مدنية وعسكرية (المجلس الأعلى للدولة) أعاد ترتيب المشهد السياسي لحظر الجبهة الإسلامية للإنقاذ، فضلً عن إعلان حالة الطوارئ. بعد ثلاث سنوات من ذلك، وفي مناخ ساده العنف المسلح، عادت السلطة إلى المسار الانتخابي، فبدأت في تنظيم انتخابات رئاسية عام 1995، أسفرت عن وصول الرئيس الجزائري اليمين زروال 1999-1995() إلى الحكم، ثم استفتاء على الدستور في عام 1996 3، وانتخابات تشريعية في عام 1997 أفرزت التجمع الوطني الديمقراطي قوةً سياسية أولى بعد أشهر فقط من تأسيسه. ومنذ تلك الفترة إلى يومنا هذا لم يفلت البرلمان من بين أيدي الحزبين المتحالفين مع السلطة، وهما التجمع الوطني الديمقراطي، وجبهة التحرير الوطني. يبدو أن تجربة التحول الديمقراطي المجهضة، التي عرفتها الجزائر، سرعان ما تناستها العلوم السياسية العربية ونظريات التحول الديمقراطي حينما واجهت فجأة ثورات الربيع العربي أواخر عام 2010 ومطلع عام 2011 في مرحلة أولى، ثم الانقلاب عليها في مرحلة ثانية، إذ لم ينتظر بعضها طويلً ليدعو إلى مراجعة كل ما كتب حول الجذور الرأسمالية للديمقراطية، وحول "الاستثناء التسلطي العربي"، واستعصاء الدولة الريعية على الدمقرطة؛ أي حول كل ما سماه 4. في عام عزمي بشارة "المسألة العربية" 2012، بعد عام واحد من اندلاع الثورات العربية، نقرأ في مجلة العلوم السياسية الفرنسية مقالً للباحث الجزائري محمد حشماوي5 يدعو فيه إلى ضرورة مراجعة "البراديغم الريعي"، باعتبار ما حدث في مصر وتونس يُفند المقولات التي يقوم عليها هذا البراديغم Paradigm. أما ما كتب في الدوريات العربية فمن الصعب إحصاؤه، في حين نظمت عشرات الندوات والمؤتمرات حول الثورة والتحول الديمقراطي والربيع العربي وغيرها من المواضيع ذات الصلة6.

  1. تشير بعض المصادر غير الرسمية إلى سقوط أكثر من 500 قتيل.
  2. للاطلاع على هذه التجربة السياسية القصيرة، نوجه القارئ إلى آخر ما صدر حولها، وهي دراسة للباحثة مريم آيت عودية، حملت عنوان "التجربة الديمقراطية في الجزائر: 1992-1988"، وقد صدرت باللغة الفرنسية. وتكمن أهميتها العلمية في حجم الوثائق
  3. أدخلت تعديلات جديدة على دستور التعددية عام 1996، من بينها إقرار غرفة ثانية في البرلمان الجزائري، سميت بمجلس الأمة، يعين الرئيس ثلثًا من أعضائه (الثلث الرئاسي)، والباقي ينتخبهم الناخبون المحليون سريًا على مستوى الولاية والبلدية، وبالنظر إلى الوظيفة الرقابية التي مُنحت لمجلس الأمة، حيث لا تعتمد قوانين البرلمان إلا إذا وافقت عليها أغلبية أعضائه، اعتبر دستور 1996 دستور التراجع عن الانفتاح، لأنه أفرغ مؤسسة البرلمان من أي سلطة سياسية فعلية. نوجه القارئ في هذا الصدد إلى دراسة ميدانية للباحث محمد حشماوي حول التمثيل النيابي والوساطة الزبونية في الجزائر، ينظر: محمد حشماوي، "التمثيل السياسي في الجزائر: بين علاقات الزبونية والنهب 2002-1997 "، نقد: مجلة الدراسات والنقد الاجتماعي، العددان 20-19 2004()، ص 87-11. أما بخصوص دستور 1996، فيمكن الاطلاع عليه على موقع مجلس الأمة الجزائري، شوهد في 2021/8/30، في: https://bit.ly/3x70zM2
  4. في كتابه في المسألة العربية، يحدد عزمي بشارة ست قضايا أساسية تُستحضر بوصفها معيقات أبدية وجوهرانية للديمقراطية في العالم العربي، وهي على النحو الآتي: الديمقراطية والدولة الريعية، والثقافة عائقًا، وإشكالية القبيلة والدولة، والقومية والدين وإشكالية الهوية، والمواطنة بين التجانس والتعدد، والديمقراطية، والجماعة السياسية والهوية. وقد خصص لكل قضية فصلً في هذا الكتاب. يُنظر: عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2014
  5. Mohammed Hachemaoui, "La rente entrave-t-elle vraiment la démocratie? Réexamen critique des théories de 'l'État rentier' et de la 'malédiction des ressources'," Revue française de sciences politiques , vol. 62, no. 2 (2012), pp. 207-230. 6 قد يكون المؤتمر السنوي للتحول الديمقراطي، الذي ينظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات منذ عام 2011، الأهم على الإطلاق، ويمكن العودة إلى أعمال دوراته في: https://bit.ly/3rJI1k0
  6. والمحاورات ونوعية الشخصيات التي تحدثت إليها الباحثة، ينظر: Myriam Ait-Aoudia , L'expérience démocratique algérienne 1988-1992 (Paris: Presses de Sciences Po, 2015).

لكن، بعد التطور المأساوي الذي آلت إليه الأمور في معظم البلدان العربية التي عرفت ثورات، باستثناء تونس، اندفع كل المتحمسين والمتفائلين إلى البحث عن كبش فداء لتبرير "الانحراف"، وبالسرعة نفسها، التي رُميت بها كل الأدبيات المتعلقة بتفسير "الاستثناء العربي"، وجدت العلوم السياسية العربية في التدخل الخارجي عاملً مفسرًا أساسيًا، ليس لديمومة الاستبداد وتقوية أرضيته فحسب، بل لإفشال التحول الديمقراطي. وبدلً من أن تتم مراجعة الموقف النظري انطلاقًا من الاستثناء التونسي، باعتبار تونس البلد الوحيد الذي لم يعرف حتى الآن ثورةً مضادة ولا انحرافًا نحو حرب أهلية، فضل النقاش استحضار العامل الخارجي معوقًا رئيسًا للتحول الديمقراطي انطلاقًا مما حصل في مصر، وليبيا، واليمن، وسورية، التي تدخل فيها بعض دول الخليج العربي ودولٌ غربية لدعم الثورات المضادة والأنظمة التقليدية أو لعسكرة الحراك السياسي، من دون الاهتمام بما يكفي بالشروط التاريخية والنظرية لاستحضار العامل الخارجي في مناقشة التحول الديمقراطي في سياق عربي. على خلفية "الدرس الجزائري"، وإيمانًا بأنه لا يمكن استبعاد دور العامل الخارجي الإقليمي والدولي في دعم الاستبداد وقوى الثورة المضادة، وبضرورة الانتباه إلى أن امتناع القوى الخارجية عن دعم الاستبداد لا يعني بالضرورة حدوث تحول ديمقراطي، وأنه يجب التمييز بين تفسير مرتكزات الاستبداد وشروط التحول الديمقراطي؛ تفترض هذه الدراسة أن ارتباط المجتمعات العربية اقتصاديًا بالريع، بمختلف أنواعه، هو أحد أهم أسباب تعثر التحول الديمقراطي، لأن هذا الأخير مرتبط بدوره بالتحول اقتصاديًا نحو الرأسمالية المنتجة. وتدرك الجماعات الريعية7 أن فقدان السلطة، يعني فقدان كل الامتيازات الاقتصادية التي تتمتع بها، ولهذا، تعمل على إجهاض كل تحول نحو الرأسمالية المنتجة وتفادي الخضوع لقوانين السوق. ولفحص هذه الفرضية، نعتمد على مقاربة من الاقتصاد السياسي، حيث يقدم لنا جهازًا مفاهيميًا يستطيع إدراك العلاقة التاريخية بين السياسي والاقتصادي. ويسمح لنا وضعُ مفهوم الديمقراطية في السياق التاريخي الذي نشأ فيه أول مرة بإدراك أبعاده البرجوازية وعلاقته بالتسوية التاريخية بين رأس المال والعمل، في حين أن مقاربة الاقتصاد السياسي لتجربة التحول الديمقراطي في الجزائر تتيح لنا فهم رهانات السلطة السياسية في سياق اقتصاد ريعي، وتساعد كل من مفاهيم النقابة، والحقوق النقابية، والقوى العمالية في فهم "الاستثناء التونسي" وتفسيره في أعقاب ثورات الربيع العربي، والفشل الجزائري في مطلع تسعينيات القرن الماضي. سنتفحص تجربة الانفتاح السياسي والاقتصادي المتعثر في الجزائر، لنحاول عبرها أن نختبر صحة المقولة التي تستند إليها فرضيتنا بأن التحول الديمقراطي مشروط بتحول نحو الرأسمالية المنتجة، أي تحول في القواعد الموضوعية لإعادة الإنتاج المادي للمجتمع، وفشل الانفتاح (و/ أو إفشاله) هو إجهاض للتحول الديمقراطي. ولكن قبل ذلك يجب أن نبين علاقة هذه الفرضية بالعامل الخارجي معوقًا أو مسهلً للتحول الديمقراطي.

أولا: العلاقات الدولية والتحول الرأسمالي والتحول الديمقراطي

يختلف السياق التاريخي، الذي تطورت فيه الديمقراطية الحديثة خلال القرن الثامن عشر في أوروبا الغربية، عن السياق الجديد الذي تجري فيه عمليات التحول الديمقراطي خارج أوروبا. لقد تشكلت الدولة القومية في أوروبا قبل عولمة الاقتصاد، وتطور السوق محليًا (الحامل التاريخي للديمقراطية البرجوازية والمجتمع المدني)، على نحو طبيعي نسبيًا، من دون وجود أسواق خارجية تنافسه وتخنقه بالحدة التي تخنق بها الأسواق العالمية اقتصادات دول الجنوب في عصرنا الحالي. أما المجتمعات العربية، التي كان معظمها تحت وطأة الاستعمار الأوروبي (الرأسمالي)، فقد عرفت تأثيرات السوق الرأسمالية الغربية فيها، وهي لا تزال في مرحلة ما قبل الدولة الحديثة. إنها مجتمعات تحولت بعد ذلك إلى دول تعيش تحت انعكاسات التقسيم الدولي للعمل، بين مركز غربي منتج للسلع والخدمات، ومحيط وأطراف مستهلكة ومصدرة للمواد الأولية. لقد بحث المفكر الألماني هارتموت إلسنهانس طويلً في هذه الإشكالية، وهو من الذين ما زالوا يتمسكون بقوة بفكرة ارتباط التحول نحو الديمقراطية بنجاح التحول إلى الرأسمالية، وقد بحث في معوقات هذا التحول

  1. نقصد بالجماعات الريعية، في هذه الدراسة، شبكات المصالح التي تشكلت داخل قلب الدولة باستغلال النفوذ والسلطة، لتأسيس شركات عائلية أو شركات مع الأصدقاء، تتخصص أساسًا في التجارة الخارجية والصفقات العمومية، وتمارس تأثيرًا كبيرًا في عملية صنع القرار في خدمة مصالحها وإضعاف منافسيها. وتستمد قوتها من نفوذها السياسي وموقعها داخل أجهزة السلطة، ونقطة ضعفها تكمن في طبيعة الأنشطة التي تخصص فيها، والتي تتميز بالمضاربة، وتحتاج دائمًا إلى نسج علاقات قوية داخل السلطة للحصول على امتيازات تُقصي المنافسين وتخرجهم من السوق. وقد رفع الرئيس الجزائري محمد بوضياف (كانون الثاني/ يناير - حزيران/ يونيو 1992) شعار مكافحة المافيا المالية والسياسية حين وصل إلى السلطة، معتبرًا أنها السبب الرئيس في الوضع الذي آلت إليه الجزائر. لكنه تعرض للاغتيال بعد ستة أشهر فقط من تقلده منصب رئيس المجلس الأعلى للدولة، الهيئة التي استحدثت لتسيير الدولة بعد إلغاء انتخابات كانون الأول/ ديسمبر 1991، واستقالة/ إقالة الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد 1992-1979(.) حول الريعيين، والجماعات الريعية، ينظر: Smail Goumeziane, Le pouvoir des rentiers: Essai sur l'histoire de la rente et des rentiers des origines à nos jours (Paris: Méditerranée; Alger: EDIF, 2000).

في البلدان العربية وبلدان الجنوب، وتوصل إلى أن الإشكال يكمن في غياب تصور للانتقال بالاقتصاد من طابعه الريعي إلى اقتصاد رأسمالي منتج8، ومقاومة الجماعات الريعية لكل مبادرات الانفتاح الاقتصادي خارج ما يدعى مجازيًا رأسمالية الأحباب أو المحاسيب، وقد كتب في هذا الصدد أن 9 Capitalisme des copains "التوجه نحو تخصص الشمال في تطوير الرأسمالية، واكتفاء الجنوب بتحمل انعكاسات دخول العلاقات الاقتصادية والاجتماعية للسوق إلى المجتمعات المحلية من دون تحويل خصائص الرأسمالية إليها (وبالخصوص خاصية خلق القدرة على التفاوض للقوى العمالية)، قد أدى إلى زيادة حدة الإفقار، ومن ثم انسداد التحول نحو الرأسمالية10." ويوافق سمير أمين هذه الفكرة، على الرغم من تقديمه تصورًا مخالفًا لما يجب القيام به، إذ كتب في مناظرة له مع برهان غليون "أعتقد أن هناك سببًا واضحًا لغياب الديمقراطية في جميع مناطق رأسمالية الأطراف، وهو سبب يجب البحث عنه في خصوصيات التراكم الرأسمالي المتماهية هنا مع رأسمالية 'متوحشة' بال ورررة، على عكس ظروف التراكم في المراكز التي أنتجت شروطًا موضوعية أتاحت تحقيق حلول اجتماعية وسطى بين رأس المال والعمل11". هذا التقسيم الدولي للعمل هو أحد الأسباب التي جعلت البلدان العربية، لا سيما بلدان الجنوب، عاجزة عن إحداث تحول اقتصادي نحو الرأسمالية؛ إذ إن ارتباطها بالسوق العالمية جعل اقتصاداتها عاجزة عن المنافسة وعن خلق فائض في القيمة. إن العالم اليوم مهيكل حول العولمة والسوق التي تتبادل فيها المجتمعات المدنية المحلية ما تنتجه من سلع وخدمات، ومقدار استقلالية مجتمع مدني12 عن السوق العالمية يرتبط بمقدار مساهمته في الإنتاج العالمي للثروة، وهذا ما يجعل عملية التحول نحو الرأسمالية بالنسبة إلى بلدان الجنوب أمرًا بالغ التعقيد باعتبار التنافس لم يعد داخليًا ومحليًا بين الدولة والمجتمع، وبين جماعات اجتماعية ذات مصالح متصادمة ومتداخلة، بل بين دول متفوقة ومهيمنة اقتصاديًا وعسكريًا، وأخرى تابعة لها هيكليًا. أي إن المجتمعات هذه تواجه خصمين، هما: السلطة السياسية وهامش الاستقلالية الذي تحظى به بسبب امتلاكها للريوع، والسوق العالمية التي ربطها بها التاريخ والأنظمة السياسية المحلية التي تعوق ممارساتُها صعود برجوازية وطنية منتجة. مرت دولة القانون بفترة طويلة من الاستبداد المطلق تشكّل خلالها مركز سياسي مستقل ذو سيادة. برز ذلك في مرحلة الملكيات المطلقة في أوروبا، وتطور لاحقًا إلى دولة – أمة بعد معاهدة ويستفاليا عام 1648. إحدى معضلات دول الجنوب اليوم عدم قدرتها على المحافظة على سيادتها السياسية والاقتصادية إلى أن تصبح قادرة على المنافسة دوليًا، أي عدم قدرتها على الاستفادة من عزلة دولية على غرار ما فعلته اليابان والولايات المتحدة في القرن التاسع عشر. لقد تم دمجها في النظام الدولي الويستفالي عشية ميلادها من دون أن تكتمل فيها صيرورة حيازة السيادة الداخلية والاستقلالية الخارجية. إنها حلقة مفرغة، باعتبار أن عولمة الاقتصاد والفجوة الهائلة بين الشمال والجنوب تجعل الحفاظ على السيادة أمرًا غير ممكن، في حين أن الدفع نحو التطور إلى دولة القانون يحتاج أولً إلى اكتمال شروط تحقيق السيادة بمختلف أشكالها، بما فيها الأمن الغذائي والاقتصادي. ما من مصلحة للدول الرأسمالية الكبرى في فقدان أسواقها التقليدية، بل ما من استعداد لديها للسماح بذلك، والمنطقة العربية هي من بين هذه الأسواق الكبرى التي تصرف إليها السلع، وتجلب منها المواد الأولية وعلى رأسها منتوجات الطاقة. وتعمل هذه الدول الرأسمالية بمختلف الوسائل للحفاظ على هذه العلاقة التجارية غير المتكافئة مع الدول العربية من خلال تدعيم الأنظمة السياسية التي تحفظ لها مصالحها في الوصول إلى الأسواق ومصادر الطاقة، وهو ما يعني

  1. طرح هذه الفكرة في فترة مبكرة حينما كان يشتغل مع عالم الاجتماع الجزائري جيلالي اليابس، وأعاد تأكيدها بعد ثورات الربيع العربي، وسنشير إلى ذلك في سياق لاحق، ينظر: Hartmut Elsenhans, "Gestion de la rente," in: Djilali Liabès (ed.), La quête de la rigueur (Alger: Casbah Édition, 2002), pp. 75-92.
  2. نستخدم مفهوم "رأسمالية الأحباب" لوصف ذلك الانفتاح الاقتصادي المجزأ والمعد على مقاس أصدقاء وأقارب المسؤولين النافذين في السلطة في مصر، وفي بلدان أخرى، حيث تم استبدال دور الدولة في قطاعات تجارية برجال أعمال مقربين من السلطة. وبخصوص هذا المفهوم، وللتعمق أكثر في هذه الحالة، ينظر: Eric Gobe, "Secteur privé et pouvoir politique en Egypte: Entre réformes économiques et logique rentière et autoritarisme néo patrimonial," in: Gérard D. Khoury & Nadine Mouchy (eds.), Etat et société de l'orient arabe en quête d'avenir 1995-2005, dynamiques et enjeux (Paris: Geuthner, 2007), pp. 253-265.
  3. Hartmut Elsenhans, "Global South: Transition vers le Capitalisme Contre la Rente, Chances et Obstacles," Naqd , vol. 36, no. 1 (March-April 2018), p. 35.
  4. سمير أمين وبرهان غليون، حوار الدولة والدين (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1996)، ص.16
  5. نعرف المجتمع المدني هنا بأنه المجتمع كله، ويستند هذا التعريف إلى أدبيات الاقتصاديين الإنكليز الذين كانوا ينظرون إلى المجتمع المدني على أنه المجتمع الاقتصادي (البرجوازية على نحو أساسي.) وينقسم كل مجتمع إلى: مجتمع مدني ومجتمع سياسي. الثاني يشمل النظام السياسي عمومًا، في حين أن كل ما ليس بمجتمع سياسي هو مجتمع مدني. في النظام الاقتصادي الرأسمالي، ليست الدولة هي التي تنتج السلع والخدمات، بل المجتمع المدني الذي يتشكل من أرباب العمل والعمال. وبقدر ما يستقل المجتمع المدني المحلي عن الخارج، في ضمان أمنه الغذائي وازدهاره الاقتصادي، يستطيع تقييد السلطة السياسية المحلية، وجعلها أكثر ديمقراطية. أما إذا كانت السلطة السياسية وسيطًا بين السوق العالمية والمجتمع المدني المحلي، فإن هذا الأخير يجد نفسه مرتبطًا على نحو مزدوج: أولً: بالسلطة السياسية، وثانيًا: بالسوق العالمية التي يتموّن منها.

الحفاظ على الطابع الريعي لاقتصاداتها أطول فترة ممكنة، حتى وإن استلزم الأمر ضخّ أموال في الاقتصادات المحلية على شكل مساعدات أو قروض مشروطة في فترات انهيار أسعار النفط، أو في فترات الأزمات الأمنية التي تضعف إيرادات السياحة. وبحسب إلسنهانس، فإن هذا العامل هو أحد أشكال خنق التحول الديمقراطي في المنطقة، لأن تدعيم الاقتصادات الريعية والأنظمة السياسية المحلية يعني إعاقة التحول نحو الرأسمالية، أي منع القوى العمالية من اكتساب القدرة التفاوضية أمام الدولة لتغيير طبيعة العلاقة السياسية بين الدولة والمجتمع، فيقول: "إن الدول النامية هي دول ما قبل رأسمالية، لأن دخول علاقة السوق إليها من الخارج أدى إلى تقوية العلاقات الريعية فترة أطول، وانعكس ذلك بشدة على عملية خلق مناصب شغل جديدة كافية لإعطاء قوة تفاوضية للجماهير الشعبية"13. إننا لا ندافع هنا عن نظرية التبعية بصيغتها الشعبوية14، وهي التي كانت انعكاساتها وخيمة على تصورات النخب الثورية العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال للشأن الاقتصادي التي لا نختلف معها في التأكيد على وجود تبعية للغرب، ليس فقط اقتصاديًا، بل في كل المجالات الأخرى. لكننا نختلف معها في تصور طريقة التعامل مع هذه التبعية للتخلص منها، وفي تصور تبعاتها وانعكاساتها السياسية على التحول الديمقراطي والتحول الاقتصادي15. ولأسباب تاريخية متعلقة أساسًا بالماضي الاستعماري، انغرست صورة سلبية عن الرأسمالية في المخيال الاجتماعي "العالمثالثي"، والمخيال السياسي لنخبها التي استلمت السلطة بعد الاستقلال. لقد تم استيعاب الرأسمالية من خلال العلاقة التاريخية بين "الأنديجان"16 و"الكولون" (المستوطنون) من جهة، ومن خلال الصورة التي روج لها الاتحاد السوفياتي من جهة أخرى، وهي صورة تطابقت بقوة مع المخيال الاجتماعي (للأنديجان) والثقافة التقليدية ما قبل الرأسمالية. وكذلك، وهذا هو الأهم في نظرنا، توافقت مع استراتيجيات النخب السياسية في الحفاظ على السلطة، إذ قدمت نسخة بدائية عن الرأسمالية في الخطاب السياسي والأيديولوجي على أنها "استغلال للإنسان من قبل أخيه الإنسان"، وأن الاشتراكية هي الحل من حيث إن الدولة تضمن العدالة الاجتماعية. لقد اعتقد القوميون العرب أن الغرب تطوّر بفعل نهبه لثروات بلدان الجنوب واستغلاله لسكانها، وأن تأميم هذه الثروات وتعبئتها للقيام بعملية التنمية يكفيان لتدارك الفجوة17. لم يكن ثمة وعي بالثورة الجذرية التي حصلت في الاقتصاد السياسي منذ آدم سميث Smith Adam 1790-1723()، والتي جعلت من العمل المصدر الوحيد والشرعي لتراكم الثورة، ولم يكن ثمة كذلك وعي بوجود اختلاف كبير بين الانعكاسات الاجتماعية والسياسية للرأسمالية داخل المجتمع، وعلاقة البلدان الرأسمالية بالدول الناشئة بعد الاستعمار. في ظل هذه التصورات، أفضت نظرية التبعية إلى هيمنة الدولة على الاقتصاد ومحاربتها السوق بأدوات سياسية، وكانت النتيجة فشلً اقتصاديًا وسياسيًا انتهى بفتح الأسواق المحلية أمام الشركات الأجنبية وظهور "طبقة - دولة" تحتكر السيطرة على مفاصل الاقتصاد وقنوات توزيع الريع18. ولهذا، لا التنمية الاقتصادية تحققت، ولا هي تجنبت الوقوع فريسة للنيوليبرالية. لقد ثأرت السوق بطريقة وحشية من خصومها في النظم السياسية الثورية العربية، وأجبرت الانفتاح السياسي الذي أُقر هنا وهناك على أن يكون مجرد واجهة حداثوية لاستمرار النظام القديم، والانفتاح الاقتصادي لصالح الشركات المتعددة الجنسيات وممثلي مصالحها محليًا.

  1. Elsenhans, p. 35.
  2. يسميها لهواري عدي بالأيديولوجيا "العالمثالثية"، التي تتصور أن الغرب حقق تفوقه الاقتصادي بسبب نهبه ثروات العالم الثالث، وليس بفضل العمل، وخلق القيمة المضافة.
  3. تختزل نظرية التبعية التخلف في الشأن الاقتصادي، وتتصور هذا الأخير مجموعة من الإجراءات التقنية المحضة التي يمكن تداركها، ولهذا اعتقدت أنه في الإمكان "تنمية التخلف" عن طريق تأميم وسائل الإنتاج ووضع الدولة اليد عليها. لقد انتهى المناخ الدولي العدائي غير المتوازن بتحويل هذه الدول إلى زبائن لدى دول غربية، يتلقون الحماية والمساعدة مقابل إبقائهم على وظيفتهم سوقًا للشركات الرأسمالية الكبرى. وانطلاقًا من هنا، يرفض برتران بادي نظرية التبعية بنسختها الاقتصادوية، ويشدد على أبعادها السياسية، وعلى دور النخب القومية في تكريسها، ينظر: برتران بادي، الدولة المستوردة: تغريب النظام السياسي، ترجمة لطيف فرج، مراجعة عومرية سلطاني (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2016)، ص.48–39
  4. الأنديجان ترجمة حرفية ل indigènes Les، وهي الصفة القانونية التي أطلقها الفرنسيون على سكان مستعمراتهم. سُن هذا القانون أول مرة في الجزائر عام 1881، وتم تعميمه على باقي المستعمرات عام 1887. يقوم هذا القانون على مبدأ (الفصل العنصري) - إذا ما أردنا استخدام هذا التعبير بأثر رجعي - بين الفرنسيين والسكان المحليين، حيث يفرض شروطًا عنصرية عليهم للاستفادة من الجنسية الفرنسية والحقوق المرتبطة بهم.
  5. في خطاب للرئيس الجزائري هواري بومدين 1978-1976()، بمناسبة المؤتمر الثالث للاتحاد العام للعمال الجزائريين المنعقد في 5 أيار/ مايو 1969، قال حول شروط التصنيع: "إن الاستعمار لم يترك لنا صناعة لأنه كان ينهب مواردنا الأولية وينقلها إلى فرنسا لتصنيع بلاده، وبعد حصولنا على الاستقلال أصبح يتهكم علينا[...]وتساءلت في بداية كلامي عما إذا كانت شروط التصنيع متوفرة في الجزائر، فأقول إن شروط التصنيع متوفرة في الجزائر، فما هي إذن هذه الشروط؟ إنها المواد الخام والمواد الأولية، وبلادنا كما تعلمون غنية بالحديد والزنك والرصاص[...]وشروط التصنيع أيها الإخوة هي الطاقة، وقد رزق الله بلادنا بكميات هائلة من البترول والغاز[...]ومن هذه الشروط أيضًا اليد العاملة، وهي متوفرة لدينا بكثرة حيث العديد من أبناء شعبنا لا يعملون"، ينظر: خطب الرئيس بومدين: 19 جوان 1965 – 19 جوان 1970، ج 3 (الجزائر: منشورات وزارة الإعلام والثقافة، 1970)، ص.49
  6. توجد أدبيات كثيرة حول السياسات الاقتصادية للدول العربية ما بعد الاستقلال، ويكاد ينتهي الجاد منها إلى النتيجة نفسها: سقوط الاقتصاد المخطط بين أيدي برجوازية الدولة (جيلالي اليابس)، أو برجوازية الأحباب والأصدقاء (إيريك جوب، إيفان إيفيكوفيتش)، أو إلى ظهور طبقة الدولة (هارتموت إلسنهانس)، ينظر: إيفان إيفوكوفيتش، "ربيع 2011 نقد: مجلة الدراسات والنقد الاجتماعي، العدد المصري"، ترجمة سناء بوزيدة، 29 (خريف- شتاء 2011)، ص 70-31؛ رشيد أوعيسى، "الطبقات المتوسطة الجزائرية"، نقد: مجلة الدراسات والنقد الاجتماعي، العدد 36 (آذار/ مارس-نيسان/ أبريل 2018)، ص 2–5.4

على هذه الخلفية، سنناقش فشل تجربة الانتقال الديمقراطي في الجزائر، ولكننا قبل ذلك نحتاج إلى تقديم المزيد من التوضيح بشأن مفهوم الديمقراطية، وهذا بسبب الالتباس الكبير الذي ما زال يسوده.

ثانيًا: حول مفهوم الديمقراطية

لا يمكن استيعاب العلاقة بين التحول نحو الرأسمالية والتحول إلى الديمقراطية إلا بتقديم مزيد من التوضيحات بشأن مفهوم الديمقراطية. هذا الأخ، رر يلاحظ أنه ليس واضحًا بالقدر الذي يسهل عملية استخدامه مفهومًا تحليليًا وتفسيريًا لتطور العلاقة بين الرأسمالية ودولة القانون. وعلى غرار مفاهيم أخرى مرتبطة به، مثل المجتمع المدني، والفضاء العمومي، والحرية السياسية، والعلمنة، وغير ذلك، تلُاحَظ هيمنة مقاربات ثقافوية مقتطعة من الظروف التاريخية التي أنتجتها، وانتهت إلى الخلط بين السبب والنتيجة، على حد تعبير عزمي بشارة حينما وصف نظريات التحول الديمقراطي ب "البائسة"19، أو انتهت إلى إقامة علاقة سببية آلية متوهمة (بالإيجاب أو السلب) بين الثقافة والديمقراطية، والدين والديمقراطية، والإسلام والعلمنة، والإسلام والاستبداد، وغيرها من المواضيع التي لقيت رواجًا كبيرًا في الإعلاميَن الغربي والعربي.

1. الديمقراطية ظاهرة مرتبطة بالحداثة

غالبًا ما تُقَدم الحداثة، في الكتب المدرسية للطلبة في الجامعات العربية، على أنها نظرية فكرية وفلسفية سياسية أنتجها مفكرو عصر الأنوار وفلاسفته، ولهذا يطغى على مؤلفات الحداثة والديمقراطية سرد أفكار منظّرين من أمثال جورج هيغل Georg Wilhelm Friedrich Hegel 1831-1770()، وكارل ماركس Marx Karl 1883-1818()، وجان)، وجون 1778-1712(Jean-Jacques Rousseau جاك روسو لوك 1704-1632(John Locke، ومونتيسكيو Montesquieu) 1755-1689()، وغيرهم من فلاسفة أوروبا الأنوار، مع العودة إلى أفلاطون وأرسطو والديمقراطية اليونانية لتفسير جذورها الأوروبية. ويلاحَظ أن العلوم الاجتماعية العربية قد تخلت منذ عقود عن الاقتصاد السياسي والأنثروبولوجيا في بناء موضوعاتها البحثية، أو في تحليل ما يحدث حولها من تحولات عميقة ومتسارعة. ويمكن القول، من دون مبالغة، إن النقاش السياسي والأكاديمي حول الديمقراطية والتحول الديمقراطي هو أكبر ضحية لهذا الطلاق بين العلوم الاجتماعية والاقتصاد السياسي والأنثروبولوجيا20، إذ فَصَلَ النقاش حولها بين الديمقراطية وشروط تحقيقها التاريخية، وظل يقدمها بوصفها فكرةً مثالية مطلقة يُفترض أن تستجيب لها النظم السياسية بحكم مثاليتها، وهو ما اختزل مطالب الحركات الثورية والمعارضة العربية في الشأن السياسي بالمشاركة أحزابًا في السلطة من دون التأكيد على الحريات الاقتصادية، أي من دون استيعاب الحامل المادي الموضوعي لتحقيق تلك الحريات. وتستند مناقشتنا في هذه الدراسة لمفهوم الديمقراطية إلى المقدمات الآتية: إن مضمون "الديمقراطية" في التاريخ اليوناني ليس نفسه في الحداثة، ولا علاقة لديمقراطية القرنين 18 و 19 بما كان يجري في أثينا اليونانية قبل الميلاد؛ إذ إن ديمقراطية أثينا ظاهرةٌ ما قبل حداثية وما قبل دولتية، كانت حاضرة بأشكال ومسميات أخرى حتى في مجتمعات بدائية غير يونانية21. إن ديمقراطية الحداثة مرتبطة أساسًا بوضع قيود قانونية ومؤسسية على ممارسة السلطة السياسية، في حين أن ديمقراطية أثينا هي أقرب إلى الشورى بين مجموعة من الناس يعرف بعضهم بعضًا في المدينة.

  1. بشارة، ص.106-73
  2. من أهم المؤشرات الميدانية على هذا الطلاق بين العلوم الاجتماعية والاقتصاد السياسي فصل كليات العلوم الاقتصادية عن كليات العلوم الاجتماعية والإنسانية في الجامعات العربية، إذ لم تعد تدرس علوم الاقتصاد والاقتصاد السياسي بوصفها فرعًا من فروع علوم الإنسان والمجتمع، بل غرقت في الاقتصادوية الكمية الصماء، في حين فقد الاقتصادي صبغته السياسية والاجتماعية بالنسبة إلى الباحثين في العلوم الاجتماعية. وحسب التقرير، الذي أعده المجلس العربي للعلوم الاجتماعية في بيروت حول وضعية العلوم الاجتماعية في العالم العربي، لوحظ وجود أكثر من 124 مركز بحثٍ متخصصًا في العلوم الاجتماعية، و 5 في الأنثروبولوجيا، و 54 في علم الاجتماع، ولم يوجد أي مركز بحث في الاقتصاد السياسي، ولا في علم الاجتماع السياسي. ومع ملاحظة الحضور المكثف لعلم الاجتماع، إلا أن التخصصات المفتوحة في داخله هي في التنظيم والعمل وإدارة الموارد البشرية أو علم اجتماع التنمية.
  3. يمكن أن نأخذ، على سبيل المثال، نمط تسيير شؤون القرية القبائلية في شمال أفريقيا بوصفه أحد نماذج الديمقراطية ما قبل الحديثة، حيث كانت تسير القرية (أو العرش) عن طريق مجلس يسمى (تاجماعث)، أي الجمعية، تكون فيها جميع العائلات ممثلة ولو شكليًا، وتتخذ القرارات بالتداول والتشاور. هذه ليست ديمقراطية، بل هي شكل ما قبل دولتي لتسيير الجماعة الاجتماعية.

يمكن التأريخ للحداثة ودولة القانون من دون العودة إلى الفكر اليوناني، بل من دون المغالاة في شرح أفكار روسو، وتوماس هوبز Hobbes Thomas 1679-1588()، وماركس، وآدم سميث، وهو فعلً ما نجده في مؤلفات مرجعية حول الحداثة نذكر من بينها كتاب نوربرت إلياس في ديناميكية الغرب22، وكتاب بارينغتون مور Moore Barrington 2005-1913() الأصول الاجتماعية للدكتاتورية والديمقراطية23، وكتاب هيلتون روت بناء الدولة الحديثة في أوروبا24. الديمقراطية الحديثة لم تنشأ بوصفها حلً للمشكلة الطائفية والقبلية والتعددية الإثنية في المجتمع، بل بوصفها حلً للصراع والتناقض الموجود بين رأس المال (البرجوازية)، والعمل (القوى العمالية.) لقد حُلت الصراعات الدينية والطائفية والإثنية، ولو نسبيًا، في إطار الدولة التسلطية بأشكال ووسائل مختلفة، ابتداءً باستعمال القوة والعنف، ووصولً إلى حد إعادة تشكيل حدود الدولة – الأمة الجغرافية والإثنية والعرقية، مرورًا بتأثير السوق في الرابط الاجتماعي داخل مجتمع متعدد الإثنيات والطوائف الدينية.

2. الديمقراطية ورأس المال والعمل

إن ما يجعل الديمقراطية ظاهرة حديثة/ حداثية، هو ارتباط ظهورها بتطور الرأسمالية أو نضجها، وارتباط اشتغالها بشروط اشتغال النظام الاقتصادي الرأسمالي. الديمقراطية هي إفراز لتطور الرأسمالية، والدولة الحديثة هي تطور للسوق إذا ما أردنا استعارة عبارة عدي لهواري25، ولا يمكن فهم نمط اشتغالها من دون العودة إلى فهم نمط اشتغال الرأسمالية في حد ذاتها، وقد ربط لهواري، في كتابه الدولة: مقاربة منهجية وسوسيولوجية، بين اشتغال "التسوية الديمقراطية" والشروط التاريخية والسياسية - الاجتماعية لاشتغال قانون القيمة26، وهو الموقف نفسه الذي نجده في الفكر الاقتصادي الحديث منذ آدم سميث إلى غاية إلسنهانس. وفي الحقيقة، أشارت العلوم السياسية والسوسيولوجية العربية، ولكن باحتشام، إلى علاقة البرجوازية بالديمقراطية، ولكن لم تذهب إلى حد ربط الثانية بالأولى وجعلها شرطًا ضروريًا لإنتاجها. إنها تستحضرها فقط بوصفها معلومةً تاريخية عند التأريخ للديمقراطية على نحو عاجل، وبدلً من إقامة علاقة شرطية بينهما، كثيرًا ما حاولت اللف والدوران والتلفيق مثلما فعل فكر النهضة مع علاقة الحداثة بالإسلام27. ولأسباب تاريخية، اصطبغت الثقافة السياسية العربية بالأيديولوجيا الشعبوية، حيث شعارات المساواة والعدالة الاجتماعية تسبق التطلع إلى الديمقراطية والحرية، ولهذا ليس من السهل أن يواجه السياسي العربي جماهيره بخطاب ليبرالي من دون أن يخاف من أن تلصق به تهمة خدمة مصالح الإمبريالية العالمية. إنها لحظة التقاء النهضة مع الحداثة الغربية نفسها، لكن بتحدٍ جديد وشعار جديد وسياق جديد، وإنه التردد نفسه يعاد إنتاجه، والتلفيق نفسه أيضًا حدث وما زال يحدث. ربما يفسر هذا مطالبة الأحزاب العربية، لا سيما في البلدان التي عرفت تعددية حزبية، بالحرية السياسية ونزاهة الانتخابات من دون المطالبة بالحرية الاقتصادية ورفع السلطة يدها عن الاقتصاد وخصخصة القطاع الاقتصادي العام الذي يمثل القاعدة الاجتماعية والوعاء السياسي للأنظمة التسلطية العربية. إن السياسي العربي ليفكر في الحرية السياسية من دون أن يستطيع إدراك شروط تحققها وإنتاجها، ومن دون أن يميز بين كون الحرية قيمةً أخلاقية وفكرةً فلسفية، وكونها حقًا سياسيًا قابلً للممارسة والتحقيق في ظل شروط تاريخية محددة28.

  1. Elias Norbert, La dynamique de l'occident (Paris: Calmann-Lévy, 1975).
  2. بارينجتون مور، الأصول الاجتماعية للدكتاتورية والديمقراطية، ترجمة أحمد محمود (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2008
  3. Hilton L. Root, La construction de l'Etat moderne en Europe, la France et l'Angleterre (Paris: PUF, 1994).
  4. Lahouari Addi, L'impasse du populisme (Algeria: Entreprise nationale du livre, 1990), p. 11.
  5. 28 نستعير هذا التشبيه من: عزمي بشارة، مقالة في الحرية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2016
  6. راجع على سبيل المثال النقاشات حول المجتمع المدني ودوره في تحقيق الديمقراطية، والتي نشرت في: سعيد بنسعيد العلوي [وآخرون]، ا لمجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1992
  7. 26  Lahouari Addi, Etat et pouvoir: Approche méthodologique et sociologique (Algeria: Office des publications universitaires, 1991), p. 89.

تبدو الديمقراطية الحديثة كما لو أنها ظاهرة برجوازية رأسمالية، لأن شروط تحقيقها وأدوات إعادة إنتاجها مرتبطة بنمط الإنتاج الرأسمالي وليس بالفلسفة الليبرالية. جاءت هذه الأخيرة لتشرعنها وتقدمها نظريةً سياسية واجتماعية، ولكنها في الحقيقة نظرية في الاقتصاد السياسي. كتب بارينغتون مور حول أسبقية البرجوازية والرأسمالية على الفلسفة الليبرالية الآتي: "في إنجلترا، وقبل آدم سميث بزمن بعيد، بدأت جماعات متناثرة من الإنجليز، تقيم في الريف، بقبول المصلحة الذاتية والحرية الاقتصادية على أنها الأساس الطبيعي للمجتمع الإنساني"29. وبالنظر إلى تاريخ أوروبا الغربية، مهد دولة القانون، يتجلى أن البرجوازية في مسار تطورها وتراكم ثروتها أدركت بالتجربة أن العائق الأكبر أمامها هو السلطة السياسية بشكلها التقليدي الباتريمونيالي Patrimonial، وأنه لا يمكن في ظلها أن تضمن المحافظة على شروط اشتغال قانون القيمة، أي مسار العمل الذي يسمح بتحقيق فائض في القيمة، وهذا هو السبب تحديدًا الذي كان وراء إصرار البرجوازية على الضغط لتغيير شكل السلطة السياسية وجعله يتوافق مع شروط اشتغال قانون القيمة. تحقق هذا بمحاربة السلطات الفرعية التي تفرض ضرائب واقتطاعات إضافية غير قانونية وغير شرعية على النشاط الاقتصادي البرجوازي، وتقييد السلطة عن طريق الفصل بين السلطات والرقابة البرلمانية، والمشاركة في انتخاب المسؤولين لعهدة محددة، ولكن أيضًا مع احتفاظ البرجوازية بحقها في استغلال قوة العمل داخل المصنع. البرجوازية ليست طبقة ديمقراطية بحكم ثقافتها، ولكن بوصفها قوة اجتماعية صاعدة مستقلة عن السلطة (سلطة الملك والإقطاع)، وخلال سعيها للحفاظ على وتيرة معينة من تراكم رأس المال انتهت إلى إنتاج ديناميكيتين كانتا منعرجين حاسمين في صيرورة الحداثة، هما: ديناميكية أولى متعلقة ببناء مؤسسات سياسية مضادة للسلطة وموازنة لها (الفصل بين السلطات، والتمثيل السياسي.) وديناميكية خلق المجتمع المدني التي يتحرر فيها المجتمع من هيمنة السلطة السياسية عليه. ولكن، لماذا البرجوازية، في أوج نفوذها وقوتها الاقتصادية والسياسية، لم تُعِد إنتاج النمط الباتريمونيالي للسلطة؟ تكمن الإجابة في أن البرجوازية لم تكن تنظر إلى السلطة السياسية بوصفها غايةً في حد ذاتها، بل تحاول فقط أن تجعل السلطة متوافقة مع مصالح رأس المال ولا تُخلّ باشتغال قانون القيمة. وفي اللحظة التاريخية التي نضجت فيها البرجوازية، واستطاعت أن تتحول إلى طبقة في حد ذاتها، كانت قد أحدثت تحولات بنيوية في المجتمعات الأوروبية أهمها القضاء على البطالة، وخلق ندرة في اليد العاملة، وخلق سوق صبغت التبادلات الاجتماعية بمنطقها. إن القاعدة الاجتماعية التي كانت تقوم عليها الملكية الأرستقراطية الإقطاعية ليست هي ذاتها تمامًا قاعدة الدولة البرجوازية. الملكية الإقطاعية كانت مستقلة عن المجتمع، وكان مسار تراكم الثروة عندها يعتمد على الإقطاع، في حين أن مسار التراكم الرأسمالي يعتمد على الإنتاج باستغلال قوة العمل. ومصالح المجتمع البرجوازي مرتبطة مباشرة بالطبقة العاملة التي يشتري منها قوة العمل بأجر يسمح له بتحقيق الأرباح. إن شروط استمرار هذه العلاقة بين رأس المال والعمل هي ما سيعرف لاحقًا بالتسوية الديمقراطية. لقد قامت البرجوازية بزحزحة علاقة الاستغلال من الحقل السياسي (إقطاعية) إلى داخل المصنع، فتنازلت للعمال عن حقوق سياسية ثم اجتماعية مقابل حقها في شراء قوة العمل، وبذلك حولت العمل إلى سلعة مستقلة عن كيان الفرد، قابلة للبيع والشراء في السوق؛ لكن في مقابل الاعتراف لكيان العامل بالمساواة مع البرجوازي في الحقوق السياسية. البرجوازية، بتثمينها قوةَ العمل وارتباط تراكم ثروتها به، حولت العمال إلى قوة اجتماعية سياسية تتمتع بقدرة تفاوضية. بقي لنا أن نعرف الآن: من أين تستمد الحركات العمالية قوتها التفاوضية؟ وكيف أصبحت قوة سياسية لا يمكن تحييدها؟ ولماذا تحولت الطبقات العمالية في أوروبا الغربية إلى قوة سياسية، في حين عجزت عن ذلك في السياق العربي؟ هذه من الأسئلة المهمة التي لم تناقش بما يكفي في الأدبيات العربية التي تناولت التحول الديمقراطي. إنها تفكر في الديمقراطية بوصفها أفكارًا فلسفية ومُثلً عليا تفرض نفسها على/ وفي المجتمع مع مرور الزمن بحكم كونها مُثلً عليا متجاوزة. على سبيل المثال، فكّر برهان غليون في الديمقراطية على أنها نشأت من صراع أيديولوجي بين الدين والسياسة، وأن سبب غيابها في العالم العربي هو سوء فهم العلاقة بين التيارات الإسلامية والدولة العلمانية. وعلى الرغم من مرور عقود على هذه الفكرة، التي تكرست أكثر مع ترويج أميركا والغرب عمومًا لفكرة حقوق الإنسان والديمقراطية، والاختزالات التي أُوجدت بين الإسلام والعنف والاستبداد، فإن الخطاب الأكاديمي والسياسي لا يكاد يتحرك قيد أنملة. إننا نجد كاتبًا مثل محمد عابد الجابري يستعمل "تأجيل الديمقراطية30 من طرف النخب القومية العربية بعد

  1. مور، ص.32
  2. محمد عابد الجابري، الديمقراطية وحقوق الإنسان، سلسلة كتاب في جريدة 95 (لندن: مؤسسة محمد بن عيسى الجابر؛ باريس: اليونسكو،.)2006

الاستقلال"، ويقول إنه "ما من مبرر الآن لهذا التأجيل." هذه فكرة رائجة كثيرًا في الفكر العربي، وتعكس نظرة لاتاريخية للديمقراطية، كما لو أن الحكام العرب هم من رفضوا منح الديمقراطية لشعوبهم، أو كما لو أنها كانت فكرة مطروحة على الطاولة، واتُّفق على تأجيلها لأسباب جيوسياسية وتنموية. إنه تصور لاسياسي للسياسي، أي النظر إلى السلطة على أنها توافق حول الخير العام للمجتمع، وهذه نظرة ما قبل حداثية، تنظر إلى المجتمع على أنه جماعة اجتماعية واحدة متجانسة، وليس أفرادًا متنافسين على الموارد المادية والرمزية. استند الانفتاح، الذي شُِع فيه في بعض البلدان العربية تحت ضغط أزمة اقتصادية خانقة، على نحو مباشر أو غير مباشر، إلى هذه الرؤية للديمقراطية، وهي إقرار مجموعة من الحقوق والحريات في الدستور، وإقرار الانتخابات والتعددية الحزبية، ولا حاجة إلى أن نذكر مجددًا أن هذا الانفتاح كان في صالح الأنظمة القائمة، التي عرفت كيف ترمم واجهتها من أجل إبطال مفعول ضغوط المنظمات الدولية وتهديدات الولايات المتحدة الأميركية ومساوماتها. أما الحقوق الاقتصادية، والتفكير في الانتقال نحو اقتصاد رأسمالي منتج، والمطالبة بتحرير الاقتصاد من الإقطاعيات العائلية ومما يوصف مجازيًا ب "رأسمالية الأحباب"، فتلك مسائل لم يفكر فيها أصلً على أنها جزء من الديمقراطية إلا على نحوٍ هامشي31. وبطبيعة الحال، ثمة ما يبرر هذا التناقض في طرح مسألة الديمقراطية في العالم العربي؛ فالسياق الريعي لا يمكن أن ينتج وعيًا بالديمقراطية خارج الوصفات الجاهزة التي يتداولها الإعلام والخطاب السياسي، ولهذا ظلت كل المطالب الديمقراطية المنتجة داخل هذا السياق لا يخرج أغلبها عن دمقرطة الوصول إلى الريع، وهو ما فهمته الأنظمة واستجابت له بمقادير مختلفة حسب الزمان والمكان32. وإضافة إلى ما استعرضناه حول الأصول البرجوازية والرأسمالية للديمقراطية، يقدم إلسنهانس33 تحليلً دقيقًا لعلاقة التحول الديمقراطي بالتحول الاقتصادي نحو الرأسمالية، وكيف حققت القوى العمالية (أي المجتمع) القدرة على التفاوض، فيقول إن ثمة علاقة قوية بين الديمقراطية وتشبّع سوق العمل، ونقصد بهذا الأخير ندرة اليد العاملة وانخفاض البطالة إلى مستويات دنيا شرط أن يكون هذا التشبّع في سياق إنتاج رأسمالي، لأن المعادلة قد تتحقق في ظروف أخرى ولا تنتج تسوية ديمقراطية34. ويتوافق هذا الطرح مع ما كتبه عدي لهواري حين قال: "إن دول العالم الثالث، التي تحتل البرجوازية فيها السلطة، لا يمكن أن تعرف حياة ديمقراطية على غرار المجتمعات الغربية[...]في هذه البلدان حيث الحركات العمالية ضعيفة، يعاني قانون فائض القيمة العجز بسبب طبيعة الأنشطة الاقتصادية (صناعة تركيبية، فلاحة مضارباتية، ارتباط التجارة بالعلاقات الدولية... إلخ)، وهي كلها عوامل قادرة على تفسير أسباب غياب الديمقراطية. وإذا كانت البرجوازية ذات طابع تهيمن عليه التجارة أو الزراعة، وإذا كان الهامش الأكبر من رأس المال الاجتماعي يقع على هامش الإنتاج أو حافته أو كان ضعيف الانخراط داخل حقل الإنتاج، فالنتيجة هي أن الحركة العمالية لن يكون لديها تأثير مباشر في إعادة إنتاج رأس المال وتراكمه، وذلك ما يمنعها من احتلال موقع قوة يمكنها من انتزاع فضاءات للحريات العامة"35. في ضوء هذا الفهم للديمقراطية، الذي لا شك في أن فيه الكثير من الاختصار الذي يبرره عدم اتساع حجم الدراسة للمزيد من التفصيل، سنحاول العودة إلى ظروف فشل التحول الديمقراطي في الجزائر وأسبابه، معتقدين أنه مرّ من الوقت ما يكفي لاستجماع الصورة كاملة حول الظروف التاريخية التي حدث فيها الانفتاح من جهة، ووقع فيها إفشاله وإفراغه من محتواه ورهاناته من جهة أخرى. سنسترشد بما يحدث اليوم في تونس وبقية البلدان العربية من انفتاح وتحوّل وتعثّ، ولهذا سنوضح أولً لماذا يمكن الحديث عن استثناء تونسي؟ وما الغاية منه منهجيًا ونظريًا؟

ثًالث ا: حول الاستثناء التونسي

يجب أولً أن نؤكد أن ما نعتبره استثناءً في تونس يبقى مجرد حكم على اللحظة الراهنة، وما من ضمانات حول استمرار هذا الاستثناء. إنّ وصفنا هذا مؤسس على مجموعة من العناصر التي تم استقاؤها من قراءات تاريخية للتحول الديمقراطي، ومقارنات بين تجارب تحول ناجحة وفاشلة، وعناصر مرتبطة بالمجتمع التونسي وتركيبته

  1. هذا إن لم نقل تم تصويرها على أنها تهديد للديمقراطية والعدالة الاجتماعية. لم تطرح الأحزاب السياسية مسألة الحريات الاقتصادية، وفكرت في الديمقراطية من دون وضع الدولة الريعية محل إدانة وتساؤل، ينظر: نوري دريس، "المجتمع المدني في الجزائر: اقتصاد سياسي سياسات عربية، العدد لتجربة انفتاح ديمقراطي غير مكتملة"، 19 (آذار/ مارس 2016.)
  2. نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، موقف بعض الأحزاب المسماة ديمقراطية في الجزائر من إصلاحات حكومة مولود حمروش 1991-1989()، فحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، كان من الداعين إلى إعادة جدولة الديون، ووقف مع قرارات الجيش في وقف المسار الانتخابي، وشارك في كل حكومات التراجع عن الانفتاح. بحسب شهادة غازي حيدوسي، فإن معظم الصحف (المستقلة)، التي منحتها حكومة حمروش الحق في الحياة، وقفت مع النظام في معركته ضد الإصلاحيين والإصلاحات الاقتصادية، ينظر:
  3. Hartmut Elsenhans, "Révolution démocratique, révolution bourgeoise, révolution arabe: L'économie politique d'un possible succès," Naqd , no. 29
  4. Hidouci Ghazi , La libéralisation inachevée (Paris: La Découverte, 1995), p. 235.
  5. (2011), pp. 51-61. 34 نشير هنا إلى تلك الدول التي تستورد العمالة من الخارج بسبب النمو الاقتصادي المتسارع الناتج من ارتفاع المداخيل الريعية، أو إلى تلك الدول التي تقوم بخلق مناصب شغل سياسية في قطاعات غير منتجة (الإدارة والخدمات) ويتم دفع أجور سياسية لها. 35  Addi, Etat et pouvoir , p. 94.

الاجتماعية وبنيته الاقتصادية. ولا شك في أنها عناصر غير دقيقة، لكنها كافية في نظرنا لبناء فرضية بحثية ونموذج للمقارنة. وتكمن استثنائية التجربة التونسية فيما يلي: إنها التجربة الوحيدة التي لم تعرف إلى هذه اللحظة ثورة مضادة (كما في اليمن ومصر)، أو انحرافًا نحو العنف والحرب الأهلية (كما في ليبيا وسورية واليمن.) على خلاف ثورات الربيع العربي الأخرى، يلاحظ في تونس أن الدور الأساسي قام به تنظيم نقابي عمالي هو الاتحاد العام التونسي للشغل36، وهو تنظيم نقابي مستقل مهيكل له جذور تاريخية تعود إلى سنوات العشرينيات من القرن العشرين. في حين أن الثورة في كل من مصر وليبيا وسورية واليمن قادتها حركات سياسية غير منظمة، أو ساهمت فيها تنظيمات حزبية تقليدية. ومن وجهة النظر هذه، فإن التجربة التونسية هي الوحيدة التي اتصفت بالصفات ذاتها التي صبغت ثورات أوروبا الشرقية التي قادتها حركات عمالية (بولندا على سبيل المثال قادتها حركة تضامن.) وعمومًا، فإن النقابات العمالية قادرة على حشد أنصار وجماهير من أكثر من تيار أيديولوجي. لقد بدت الثورة في مصر كأنها "إخوانية"، وقد استُخدمت هذه الحجة للإطاحة بها والانقلاب عليها. ثم إن وعاء النقابة هو وعاء عمالي يمتلك القدرة على الضغط والتفاوض، في حين أن الوعاء الحزبي ليس بالضرورة كذلك. على خلاف الجزائر، ساهمت الحركة النقابية في تونس في بناء الدولة التونسية37 بالقدر نفسه الذي ساهمت فيه الحركات السياسية الأخرى، وطوال عقود الأحادية في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة 1987-1957() والرئيس زين العابدين بن علي 2011-1987()، كان الاتحاد العام التونسي للشغل هو القوة الاجتماعية والسياسية الأساسية الموازنة لحزب السلطة. المجتمع التونسي هو المجتمع الأك رر تمدنًا (نسبة سكان المدن)38 من باقي الحالات الأخرى المذكورة سابقًا، وهو أيضًا الأكثر تجانسًا دينيًا (الإسلام السني) وعرقيًا ولغويًا. إنه مجتمع لا يعاني انقسامات قبلية وعرقية، ولا دينية طائفية. ولذا فإن الدولة-الأمة في تونس ناضجة إلى حد بعيد مقارنة بالعراق وليبيا واليمن. الاقتصاد التونسي هو الأكثر رأسمالية من بين باقي الاقتصادات الأخرى المذكورة سابقًا، وهو الوحيد تقريبًا الذي لا تحضر فيه الريوع بنسبة كبيرة بخلاف ليبيا ومصر واليمن، وبدرجة أقل سورية. لكن هذا لا يعني أن مؤشرات الاقتصاد الكلي التونسي إيجابية، فنحن نستعمل هذه الحجة هنا للتأكيد على ارتباط الاقتصاد التونسي بالطبقة العاملة بوصفها عنصرًا مهمً من عناصر وسائل الإنتاج وتراكم رأس المال، أي توافر ما يسميه إلسنهانس "شروط تحقق القدرة التفاوضية للطبقة العاملة." على كل حال، واستنادًا إلى ما سبق، ستكون هذه هي الحجة الرئيسة لهذه الدراسة، إذ تفترض أن أهم شرط لتحقيق تحول ديمقراطي هو النجاح النسبي للتحول نحو الرأسمالية المنتجة التي سوف تعزز التحول الديمقراطي، وهنا مكمن الأمل في نجاح التجربة التونسية سواء في هذه الدورة، أو في دورات أخرى.

رابعًا: الجزائر: تجربة تحول ديمقراطي متعثرة

لماذا لم يؤدِّ الانفتاح السياسي والاقتصادي، الذي أُقر في الجزائر منذ شباط/ فبراير 1989، إلى إنتاج نخب سياسية جديدة في السلطة ونمط تراكم جديد للثروة؟ ولماذا كان الانفتاح في صالح النخب القديمة التي تهيمن على السلطة منذ الاستقلال إلى اليوم؟ ولماذا عجز دستور الانفتاح عن إحداث قطيعة سياسية واقتصادية؟ غالبًا ما يتم التأريخ لفشل تجربة التحول الديمقراطي في الجزائر بالعودة إلى الثاني عشر من كانون الثاني/ يناير 1992، حين قام الجيش بإلغاء نتائج الدور الأول من الانتخابات التشريعية التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأغلب المقاعد. لكن قلما يُشار إلى حدث آخر أكثر أهمية في نظرنا، وقع قبل ستة أشهر من ذلك، في 4 حزيران/ يونيو 1991، حين أقالت السلطة ما عُرف بحكومة الإصلاحيين التي قادها مولود حمروش 1991-1989()، وتعيين حكومة جديدة برئاسة سيد أحمد غزالي 1992-1991()، كُلفت ظاهريًا بالتحضير للانتخابات النيابية، وقامت عمليًا بإلغاء معظم إصلاحات حمروش الاقتصادية مقابل الاحتفاظ (ولو دستوريًا) بجزء

  1. من أهم ما صدر أخيرًا حول الاتحاد العام التونسي للشغل، مقال: مولدي الأحمر، "النشاط النقابي وتحديات المرحلة الانتقالية في سياق 'الربيع العربي:' مثال الاتحاد العام سياسات عربية، العدد التونسي للشغل"، 30 (كانون الثاني/ يناير.)2018
  2. Najet Mizouni, "L'UGTT, moteur de la révolution tunisienne," Tumultes , vol. 1-2, no. 38-39 (2012), pp. 71-91.
  3. بحسب الإحصاء السكاني لعام 2014، يشكل سكان المدن في تونس نحو 68 في المئة من مجموع السكان، ينظر: الجمهورية التونسية، وزارة الشؤون الاجتماعية، التعداد العام للسكان والسكنى 2014: أهم المؤشرات (تونس: 2014)، شوهد في 2021/8/30، في: https://bit.ly/3j8pbiH

من إجراءات الانفتاح السياسي39. إنه انقلاب اقتصادي على حزمة الإصلاحات التي كانت ستضع، على الأمد المتوسط، حدًا لهيمنة السلطة على الاقتصاد. يتجلى من خلال العودة إلى المسار الانتخابي بدءًا من عام 1995، من دون العودة إلى استكمال الإصلاحات الاقتصادية التي ألغيت عام 1991، أن رهان النظام الأكبر كان داخل الحقل الاقتصادي، وأن الاحتفاظ بالسلطة يمر أساسًا عبر استمرار رقابة الدولة على الاقتصاد. ويتبين كذلك أن إجراءات التراجع عن الانفتاح الاقتصادي، التي شرعت فيها حكومة أحمد غزالي واستكملتها حكومة بلعيد عبد السلام 1993-1992()، لا تقل أهمية عن وقف المسار الانتخابي، بل وربما هو التراجع الأهم الذي مكّن السلطة من إبطال مفعول التعددية. صحيح أن جزائر ما بعد عام 1989 ليست هي ما قبله، وصحيح أن هامشًا واسعًا من الحريات قد تحقق شكليًا على الأقل. لكن المثير للقلق هو إفراغ دستور التعددية من كل مضامينه السياسية وتعطيل دوره في إنتاج نخب جديدة في السلطة، وفي خلق ديناميكية تداول سلمي عليها. في رأينا هنا يجب على نظريات التحول الديمقراطي أن تتخذ من تجربة متعثرة مُبطَلَة المفعول درسًا تاريخيًا لبناء فرضيات جديدة، أو لإعادة اختبار المقولات النظرية التي تأسست عليها. لماذا تراجع النظام السياسي الجزائري عن الإصلاحات الاقتصادية التي كانت تهدف إلى القطيعة مع الاقتصاد الريعي والانتقال إلى اقتصاد السوق المنتج، واحتفظ بإجراءات الانفتاح السياسي؟ لماذا تحقق التحول الديمقراطي في المجتمعات التي استطاعت الانتقال نحو الرأسمالية المنتجة، ولم ينجح في المجتمعات التي لم يتزعزع اقتصادها الريعي؟ نحن ندرك أن من الصعب أن نختزل النجاح في هذا العنصر تحديدًا، أو على الأقل من الصعب أن نبرهن على وجود علاقة ميكانيكية بين التحول الرأسمالي والتحول الديمقراطي بمعادلة رياضية تقنع الجميع كما هو الحال بالنسبة إلى التنظيرات التي تربط بين الثقافة والديمقراطية، وهذا بسبب أن الانعكاسات السياسية للانتقال نحو الرأسمالية تظهر بعد فترة طويلة نسبيًا، بعكس الثورات الشعبية التي قد تُسقط أنظمة بين ليلة وضحاها وتشكل خريطة سياسية جديدة على الفور. لكن هذا التساؤل يعيد النقاش إلى الواقع، والتجارب بعينها تؤكد صحة المقولات التاريخية التي تربط بين الديمقراطية والرأسمالية، وهذا ما ذهب إليه الكثير من الأدبيات التي أرخت للحداثة والديمقراطية ودولة القانون، وقد أشرنا إليها سابقًا. لذلك، فإننا نعتقد هنا أن الظروف التاريخية التي حالت دون أن تتشكل مؤسسات سياسية وقوى اجتماعية قادرة على وضع قيود للسلطة السياسية قبل عام 1989 استمرت ولم تتزعزع، فحين استشعر النظام السياسي خطر إصلاحات حكومة مولود حمروش تدخّل وأوقف الجانب الاقتصادي منها تمهيدًا لتجميد الجانب السياسي. إن الإصلاحات السياسية لا تشكل تحديًا لمصالح النظام ما لم تأتِ بحزب معارض إلى السلطة، في حين أن الإصلاحات الاقتصادية، التي تستعرضها الدراسة، تشكل تحديًا وتهديدًا مباشرًا للجماعات الريعية، ومفعولها آني ومباشر. سيكون من المفيد أن نذكّر بأهم هذه الإصلاحات ومدى أهميتها في تعزيز التحول نحو الرأسمالية المنتجة.

1. تجربة حكومة الإصلاحيين: 1989 - 1991

تشكلت حكومة الإصلاحيين في أيلول/ سبتمبر 1989، وكان برنامجها المعلن يتمثل في إيجاد حل للأزمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي ظهرت عقب الأزمة النفطية عام 1986، حين انهارت أسعار النفط إلى ستة دولارات أميركية للبرميل الواحد. وفي إثر ذلك، قامت حكومة حمروش بعملين متوازيين هما: أولً، إصلاحات اقتصادية للانتقال إلى نمط جديد من تراكم الثروة، ما يعني التحول إلى اقتصاد السوق؛ وثانيًا، إصلاحات سياسية تضع حدًا للأحادية الحزبية والنقابية والإعلامية. لقد فهم فريق الإصلاحيين أن المنطق السياسي والزبوني في تسيير الاقتصاد هو سبب فشل القطاع العمومي، ولهذا أقر ثلاثة إصلاحات أساسية40 كانت في نظرنا السبب المباشر في إقالته بعد أن اكتشف أصحاب القرار أن مصالحهم المالية والسياسية باتت في خطر.

  1. نتحدث هنا عن الاحتفاظ بإجراءات الانفتاح السياسي لأنه لم يتم حل كل الأحزاب السياسية الأخرى وحظرها، ولا غلق الصحف الخاصة، ولا تجميد عمل النقابات العمالية المستقلة عدا تلك التي كانت تابعة للجبهة الإسلامية للإنقاذ.
  2. Mourad Ouchichi, "Les obstacles politiques aux réformes économiques en Algérie," Master Dissertation, Université Lyon 2, France, 2011, pp. 141-145.

إقرار قانون نقد وقرض جديد يمنح استقلالية مطلقة للبنك المركزي الجزائري، وذلك من أجل وقف ممارسات السلطة في اللجوء إلى طبع النقود من دون مقابل اقتصادي لسد العجز في الموازنة، والتلاعب بقيمة صرف الدينار الجزائري. منح الاستقلالية الاقتصادية للمؤسسات العمومية، ومنع أشكال التدخل السياسي والاقتصادي كافةً في تسييرها، بهدف وقف التوظيف السياسي والاجتماعي للعمال (التكدس الوظيفي) الذي كان سببًا في عجزها المزمن واستهلاكها أموالً ضخمة من خزينة الدولة. تحرير التجارة الخارجية من قبضة الدولة، من أجل القضاء على اللوبيات المحلية والدولية التي استنزفت خزينة الدولة بالفساد والعمولات والاحتكار. لم تنزعج السلطة من الانفتاح السياسي بقدر ما انزعجت من هذه الإجراءات التي كانت تهدف إلى تحقيق الآتي: تفكيك أسس النظام السياسي الريعي الذي كان يستعمل مداخيل المحروقات لشراء شرعية اجتماعية سياسية عبر توظيفها بمنطق سياسي داخل الحقل الاقتصادي، وهو الأمر الذي أدى إلى الإخلال بكل التوازنات العامة للاقتصاد الجزائري، وجعله عاجزًا تمامًا عن توفير أبسط السلع للسوق المحلية، ومن ثم انتهى إلى تكريس التبعية للسوق العالمية. تفكيك الأسس القانونية والمؤسسية للنظام (الباتريمونيالي) الزبوني، الذي يستخدم مداخيل النفط لتحييد المجتمع سياسيًا، ومنع تشكل مجتمع مدني من خلال محاربة السوق وبرقرطة المجتمع، ونسج الشبكات Bureaucratisation الزبونية ورعايتها داخل الجسم الاجتماعي. يتضح من خلال إلغاء هذه الإصلاحات أن السلطة تقاوم الانتقال نحو نمط جديد لتراكم الثروة يقوم على استغلال قوة العمل، مقابل الاعتراف للعمال بحقوق سياسية ونقابية واجتماعية واقتصادية. والتطورات التي حدثت بعد ذلك أكدت أن السلطة لم تكن مستعدة لقبول تحول ديمقراطي أو رأسمالي. في الواقع كانت السلطة تعتقد أن حكومة الإصلاحيين لن تجرؤ على الذهاب بعيدًا إلى حد تفكيك البنية التحتية للنظام، وأنها على غرار سابقتها ستكتفي بإجراءات تقنية تعيد التوازن إلى ميزانية الدولة في انتظار عودة أسعار النفط للصعود من جديد. كانت السلطة ترفض أن تنظر إلى أن سبب الأزمة الاقتصادية هو المنطق السياسي الريعي في تسيير الاقتصاد وليس انخفاض أسعار المحروقات في السوق العالمية، ولهذا، فإن فشل التحول الديمقراطي في الجزائر سببه أيضًا الفشل في التحرر من التبعية للاقتصاد الريعي، ومقاومة الجماعات الريعية لكل أشكال الإصلاح والانتقال نحو اقتصاد سوق منتج. لم تعرف حكومة الإصلاحيين كيف تضمن التوفيق بين الإصلاح الاقتصادي والسياسي وحفظ مصالح الجماعات النافذة في كل مفاصل الدولة، لكي تتجنب مقاومة الإصلاح والتحول المزدوج. وكخلاصة بسيطة، يمكن الإجابة عن سؤالنا السابق حول أسباب فشل تجربة التحول، بعدم امتلاك المجتمع الجزائري آنذاك (وإلى غاية اليوم) وسائل تحصيل استقلاليته عن الدولة، ووسائل تقييد السلطة السياسية القائمة التي استفادت من قروض أجنبية بنحو 8 مليارات دولار أميركي في عام 1991، ونحو 4 مليارات دولار أميركي بين عامي 1994 و 1996 41 في مرحلة أولى، ثم استفادت من عودة أسعار النفط إلى الارتفاع بدءًا من عام 1999 42 في مرحلة ثانية؛ من دون أن ننسى تفكيك النسيج الصناعي والزراعي بعد تطبيق برنامج إعادة الهيكلة وجدولة الديون، وتأثير العنف المسلح والإرهاب. أي باستمرار الطابع الريعي للاقتصاد الجزائري، سواء أكان على شكل مداخيل مباشرة من صادرات النفط والغاز، أم على شكل قروض خارجية استعملتها السلطة في تخفيف الضغط عليها وتجنب التفاوض مع القوى العمالية.

2. استمرار البنية الريعية للاقتصاد

تشكلت الديمقراطية تاريخيًا في ظل تطور الرأسمالية ونضجها ووضعها حدًّا للبطالة، ما حوّل العمال إلى قوة اجتماعية وسياسية. لكن ما يلاحَظ، في تجربة الانفتاح في الجزائر، أن الدستور التعددي قد أُقر في ظروف أزمة اقتصادية خانقة ارتفعت فيها نسبة البطالة، وتدهورت فيها القدرة الشرائية للطبقة الوسطى. في الحقيقة، إن لجوء السلطة إلى الجيش لوقف المسار الانتخابي لا يكفي لتفسير أسباب فشل تجربة التحول الديمقراطي، فالسؤال سيبقى مطروحًا بصيغة أخرى وفي ظرف آخر: لماذا لم يستطع المجتمع أن يضع قيودًا على هذه السلطة؟ قد نجيب هنا بالقول إن السلطة لجأت إلى الاستخدام المفرط للقمع والقوة. لكن كيف نفسر فوز حزب التجمع الوطني الديمقراطي في الانتخابات التشريعية عام 1997، وهو الذي تأسس

  1. ينظر: حيدوسي غازي، الجزائر: التحرير الناقص، ترجمة خليل أحمد خليل (بيروت: دار الطليعة، 1997)، ص 146. ولمزيد من التفصيل، ينظر: Omar Benderra, "Economie Algerienne 1986-1998: Les réseaux aux commandes de l'Etat," Analyse , Algeria-Watch (Décembre 2009), accessed on 30/8/2021, at: https://bit.ly/3CA9clw; Omar Benderra, "les réseaux au pouvoir: Effondrement de l'Etat et prédation," Confluences méditerranée , no. 45 (2003), pp. 81-94.
  2. Ouchichi, p. 158.

في العام نفسه؟ وكيف نفسر عودة حزب جبهة التحرير الوطني إلى الواجهة السياسية بدءًا من عام 2002؟ سنسقط في السطحية إذا ما اعتبرنا أن التزوير وحده كافٍ لتفسير فوز أحزاب السلطة في جميع الاستحقاقات الانتخابية. التزوير نتيجة وليس سببًا، وهو يعبّ عن ضعف آليات الرقابة على السلطة والإدارة. ربما يفسر حدثًا تاريخيًا (فوز حزب ما بالسلطة في لحظة معينة.) لكنه لن يفسر ديناميكية تاريخية طويلة المدى (استمرار النظام منذ الاستقلال.)

إن الظروف التاريخية الاقتصادية والسياسية، التي أُقرت فيها التعددية الحزبية، لم تكن تسمح بوضع قيود أمام السلطة السياسية، بسبب استمرار هيمنة الدولة على الاقتصاد وضعف تشكّل المجتمع المدني. لقد أدت الممارسات الاقتصادية للدولة الجزائرية، منذ الاستقلال إلى غاية تشرين الأول/ أكتوبر 1988، إلى انعكاسات كارثية على تطور المجتمع الجزائري لاحقًا، نلخصها فيما يلي43: فشل اقتصادي على المستويات كافة، حيث هُدرت أموال طائلة من مداخيل النفط والغاز في قطاع عمومي غير منتج عجز حتى عن توفير أبسط السلع في السوق المحلية، واستهلك ملايين الدولارات الأميركية في عملية مسح ديون دورية للمؤسسات العمومية من دون تقديم أي حصيلة. انتشار الفساد داخل الجهاز البيروقراطي للدولة بسبب مركزية التسيير، وعدم استقلالية القضاء، وانتشار المحاباة والمحسوبية والتبذير. تدمير القطاع الزراعي بسبب سياسة الصناعات المصنعة التي استقطبت ملايين الفلاحين من الريف الجزائري البائس إلى ضواحي المدن التي أقيمت فيها مجمعات صناعية عملاقة. هذا إضافة إلى سياسة الثورة الزراعية التي انتزعت الأرض من ملّ كها، وحولتهم إلى مجرد موظفين فيها. والنتيجة هي أن الجزائر بدءًا من عام 1978 بدأت تستورد من السوق العالمية معظم احتياجاتها من المواد الغذائية والصناعية على حد سواء. تحطيم القطاع الخاص رغم أنه كان يساهم بشكل مهم في الإنتاج الداخلي الخام، فميثاق عام 1976 منع القطاع الاقتصادي الخاص من النشاط، وبرّر ذلك أيديولوجيًا. تَشكّل شبكات زبونية واسعة اغتنت من استغلال نفوذها في الإدارة والجيش والجمارك، وراحت تستعمل كل وسائل الضغط على الدولة لتفسح لها المجال للنشاط في التجارة والأعمال بدءًا من عام 1982. ارتفاع عجز الميزانية العامة للدولة، ودخول الجزائر في فخ المديونية الخارجية التي بلغت في عام 1988 نحو 27 مليار دولار أميركي مع خدمة فوائد الدَيْن التي بلغت نحو 70 في المئة. وببلوغ تشرين الأول/ أكتوبر 1988 تراكمت الأزمات، من بينها: انخفاض إنتاجية المؤسسات العمومية، وعجزها المالي المزمن، وانخفاض عائدات الجزائر من العملة الصعبة بسبب انهيار أسعار المحروقات منذ عام 1985، وارتفاع مديونية الجزائر، وارتفاع البطالة إلى أكثر من 25 في المئة، والنقص الحاد في السلع الأساسية وارتفاع أسعارها في السوق السوداء. كل هذا مع ارتفاع وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية منذ عام 1986، وتزايد انتشار التيارات الأيديولوجية مثل الحركة الإسلامية، والحركة الثقافية البربرية44. على هذه الخلفية أُقر الانفتاح السياسي والاقتصادي في دستور عام 1989، ويلاحَظ جيدًا أنه جاء على خلفية أزمة اقتصادية واجتماعية، حيث إن الدولة بمجرد انخفاض عائداتها من العملة الصعبة، أصبحت عاجزة عن صيانة الشرعية الثورية التي كانت ترتكز عليها.

  1. للاطلاع على حصيلة شاملة للاقتصاد الجزائري خلال هذه المرحلة، ينظر مثل: Omar Akalay, "L'économie algérienne, de l'ère des réformes 1989-1991 à celle de l'ajustement structurel 1994-1998," in: Ahmed Mahiou & Jean-Robert
  2. Henry (eds.), Où va l'Algérie? (Aix en Provence: Institut de recherches et d'études sur les mondes arabes et musulmans; Paris: Karthala, 2003), pp. 179-204; Abderrahmane Mebtoul, "Bilan des politiques économiques de 1963 à 2010," in: Taib Hafsi (ed.), Le développement économique de l'Algérie (Alger: Casbah Édition, 2011). 44 يشير الباحثان طاهر سعود وعبد الحليم مهور باشا إلى أن الجزائر عرفت تصاعدًا بسبب ضغوط الإصلاحات الهيكلية التي شُأكبر في الحركات الاحتجاجية منذ عام 1982 ع في تنفيذها آنذاك، وإلى تنوع حركات الاحتجاج من عمالية إلى إسلامية وثقافية. ينظر: طاهر سعود وعبد الحليم مهور باشا، "المدينة الجزائرية والحراك الاحتجاجي: مقاربة عمران، العدد سوسيولوجية"، 18 (خريف 2016) ص 126-93.

إن الاقتصاد طوال تلك السنين كان يستعمل موردًا سياسيًا، إذ بدل من توفير الشروط الضرورية لتطور السوق، قامت السلطة بإحلال الجهاز البيروقراطي محل السوق بوصفها وسيطًا بين الدولة والمجتمع من جهة، وبوصفها وسيطًا بين السوق العالمية والمجتمع الجزائري من جهة أخرى. وعلى غرار النخب الماركسية السوفياتية، لم تدرك النخب السياسية العالمثالثية الآفاق التاريخية التي يمكن أن تفتحها السوق الرأسمالية المراقبة من قبل الدولة، ولا كانت تحسب حسابًا لمآلات الاقتصاد الممركَز. إنها نخب افتقرت إلى الحس بالآفاق التاريخية على حد تعبير لهواري عدي. رفع الرئيس الجزائري هواري بومدين 1978-1976() خطابًا ضد الإمبريالية والرأسمالية، واعتقد أن السبيل لمواجهتهما هي مراقبة الاقتصاد ودولنته حتى تستطيع الجزائر أن تستقل بقراراتها السياسية والاقتصادية. لم يتصور أن القاعدة الاقتصادية الضخمة التي أنشأها سوف تنهار، وأن الجزائر سوف تستورد كل شيء من السوق العالمية. وفي الوقت الذي كان فيه الرئيس هواري بومدين، والرئيس المصري جمال عبد الناصر 1970-1956()، والرئيس العراقي صدام حسين 2003-1979() يحاربون رأس المال الخاص، ويؤسسون قاعدة صناعية ضخمة من الصناعات المصنعة، كان نظراؤهم في كوريا الجنوبية وتايوان وماليزيا يشجعون القطاع الخاص، ويوفرون له الشروط السياسية والاقتصادية لينمو45. لقد أدار بومدين ظهره لقوانين الاقتصاد السياسي، وأراد أن يسيّ المؤسسات الاقتصادية بقرارات وشعارات سياسية بيروقراطية، مثلما أدار أيضًا ظهره لنظام الأسعار الدولي، واستعمل مداخيل المحروقات لدعم السلع والخدمات متحديًا بذلك أحد أهم مبادئ الاقتصاد: (السعر تحدده قوانين العرض والطلب)، ولا يمكن أن يكون أدنى من تكاليف الإنتاج. طالما توافر فائض في مداخيل الدولة من تصدير المحروقات، سيستطيع النظام تحدي قوانين السوق. لكن بمجرد أن تنقص هذه المداخيل فستكشر السوق عن أنيابها، وتثأر من الطبقات الأكثر هشاشة من ذوي الدخول الثابتة الذين سيجدون قدرتهم الشرائية تتآكل ومستواهم المعيشي ينحدر إلى ما دون خط الفقر، وفي المقابل ستتيح للجماعات المتموقعة جيدًا داخل الإدارة تحقيق ثروات طائلة عبر استغلالها نفوذَها للتحكم في دائرة توزيع السلع التي أضحت نادرة في السوق السوداء. لم يدرك بومدين أن تحدي قوانين السوق والاقتصاد السياسي يعني تحضير المجتمع الجزائري لأن يكون فريسة سائغة لصندوق النقد الدولي IMF والبنك الدولي WB، اللذين كانا يترصدان تهاوي أسعار النفط للانقضاض. التقى هَوس الحفاظ على السلطة مع الجهل بقوانين السوق في لحظة تضخم عائدات النفط، فعمل النظام على منع كافة أشكال التعبير النقابي المستقل، وفرض أحادية نقابية تمثلت في الاتحاد العام للعمال الجزائريين الذي حدد الميثاقُ الوطني لعام 1976 مهمتَه بالسعي إلى تطوير الوعي السياسي والتكوين الأيديولوجي للعمال46. وقد اعتقدت النخب السياسية الحاكمة أن نظام الإنتاج الرأسمالي والقطاع الخاص فقط هما اللذان في حاجة إلى النقابات المستقلة، لأنها هي التي تدافع عن العمال ضد الاستغلال. أما القطاع العمومي، فهو ملك للعمال، ولا حاجة به إلى نقابات مستقلة تدافع عنه؛ فالدولة دولة العمال، والمؤسسات ملك للشعب، وبدلً من أن تدافع النقابة عن العمال، فإنها تقوم بتربيتهم وتأديبهم وتعبئتهم خلف الخيارات الأيديولوجية للسلطة. وقد عبّ الميثاق الوطني عن هذه الفكرة كما يلي: "العهد هو عهد التسيير الاشتراكي للمؤسسات والثورة الزراعية وإنجاز الخطط الوطنية، وهكذا لم تعد النقابة، بفضل توسيع القاعدة الاقتصادية للاشتراكية، وسيلة للنضال ضد دولة مستغلة، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من السلطة القائمة في نطاق دولة اشتراكية تخدم العمال والفلاحين"48. تستند الآلية التي يشتغل بها مسار العمل داخل المصنع الرأسمالي إلى معادلة متكافئة بين رأس المال وقوة العمل. إن العامل الحديث ليس عبدًا، بل هو فردٌ صاحب حق وموضوع قانون على حد تعبير كانط، فمنذ اللحظة التي أدركت فيها القوى العمالية أنها عنصر أساسي في نمط الإنتاج والتراكم الرأسمالي، استعملت هذه السلطة للتفاوض حول شروط العمل والأجر في البداية، ثم حول مَأسسة هذه الحقوق على المستوى السياسي لاحقًا. إن الحق في الإضراب، الذي يتمتع به العامل، هو نفسه الذي يستعمله رب العمل للضغط على العمال لتحسين الإنتاجية، إذ لا يربطه بهم إلا عقد عمل مبنيّ على أجر مقابل حجم معين متفق عليه من الإنتاج، وما عدا ذلك، ليس للعمال أي حسابات أخرى غير اقتصادية يقدمونها لرب العمل، وينطبق الأمر نفسه على رب العمل في علاقته بعماله. لقد اشترى رب

  1. يميز يوسف بن عبد الله بين الدولة التنموية Développementaliste والدولة الريعية rentier L'Etat، وفي حين اختارت البلدان العربية نموذج الدولة الريعية، الذي تحتكر فيه كل العمليات الاقتصادية ويهيمن القطاع العام، اختارت بلدان شرق آسيا النموذج التنموي الذي تكتفي فيه الدولة بتوفير شروط ازدهار القطاع الخاص، ويقدم بن عبد الله نماذج عن هذه التجارب المختلفة: كوريا واليابان مقابل الجزائر ومصر. وقد انتهت الدولة التنموية إلى الديمقراطية، في حين سقطت الدولة الريعية بين أنياب السوق العالمية النيوليبرالية، ينظر: Youcef Benabdellah, "Etat développementaliste vs état rentier: Qu'en est-il en Algérie?" Naqd , vol. 1, no. 36 (March-April 2008), pp. 75-119.
  2. جبهة التحرير الوطني، 46 الميثاق الوطني 1976   (الجزائر: مطبعة المعهد التربوي الوطني، 1976)، ص.69 47 المرجع نفسه.

العمل من العمال قوة عملهم فحسب ولم يشتر منهم الولاء السياسي، فهو ليس في حاجة إليه أصلً، لأن فضاء تحقيق الأرباح هو المصنع، وهذا ما يمكن تسميته بزحزحة علاقة الاستغلال من الحقل السياسي إلى داخل أسوار المصنع. في الاقتصاد المسيَّ من طرف الدولة، تظهر الحركات النقابية خصمً سياسيًا للنظام الحاكم، ولهذا يرفض لها الاستقلالية، ثم إنه يرفض للمؤسسات الاقتصادية أن تتمتع بسلطة اقتصادية أيضًا49، ومقابل هذا الرفض يفقد النظام السياسي والاقتصادي قدرته على الضغط على العمال من أجل احترام عقد العمل تجنبًا لأن تتحول الخلافات الاقتصادية إلى خلافات سياسية يستغلها (أعداء النظام)50. لقد ضحى النظام السياسي بمصالح المؤسسة الاقتصادية من أجل الحفاظ على مصالحه السياسية، ما يعني ضمان عمل للجميع، وعدم الضغط على العمال، وعدم تطبيق القانون ضد المتغيبين عن العمل. وقد مكنته مداخيل النفط تارة، واللجوء إلى طبع النقود على نحو اعتباطي تارة أخرى، من سد العجز الهيكلي الذي تعانيه مؤسسات القطاع العمومي، وضمان تسديد أجور العمال، وتأمين نفقات التسيير والتجهيز التي توفرها خزينة الدولة على شكل قروض لا تسترد. وهكذا، بانهيار أسعار النفط في السوق العالمية، اكتشفت السلطة أنه لم يعد في مقدورها تحمّل تكلفة التسيير السياسي والاجتماعي للمؤسسات الاقتصادية، فعمدت إلى القيام بعدة إصلاحات انتهت كلها بالفشل لأنها إصلاحات تدير ظهرها لقوانين السوق، وتستند إلى تصور ساذج للاقتصاد، يجمع بين النظرة الأخلاقية والفهم السطحي للماركسية. وإذا كانت مداخيل النفط الضخمة قد سمحت للنظام بتجنب الخضوع سياسيًا للقوى العمالية، أو على الأقل بقبول تسويات معها، فإنها بمجرد انهيار الأسعار في السوق العالمية دفعته إلى السقوط فريسة سهلة بين أنياب الهيئات المالية الدولية المتحكمة في الاقتصاد العالمي: صندوق النقد الدولي، والقوى الأجنبية المانحة. وبالنسبة إلى السلطة، أن تتفاوض مع مؤسسات مالية دولية حول قروض، أفضل من أن تتفاوض مع الطبقات العمالية لتشتري منها قوة عمل حقيقية مقابل تمثيل سياسي حقيقي. إن فقدان السيادة الاقتصادية هو مقدمة لفقدان كل أشكال السيادة الأخرى، ولا ينجح تحول ديمقراطي واقتصادي تحت ضغوط مؤسسات أجنبية، أي من دون اكتمال السيادة بمعناها الشامل.

3. انفتاح تحت شروط صندوق النقد الدولي

بعد الأحداث التي عرفتها الجزائر في تشرين الأول/ أكتوبر 1988، أدركت السلطة ضرورة الإص حاا، فأتت بفريق الإصلاحيين الذي أدرك بدوره أنه ما من سبيل لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية من دون تفكيك النظام السياسي الريعي، وكانت الفرصة مناسبة بما أن المداخيل الريعية تعيش أسوأ أيامها. وفي الواقع، كان منطق اشتغال النظام السياسي مطابقًا لنمط اشتغال الاقتصاد الجزائري الريعي، وتفكيك أحدهما يعني تفكيك الآخر. لكن بروز الأزمة الاقتصادية إلى العلن، وتهديدها السلمَ الاجتماعي، أجبرا أصحاب القرار الفعليين على قبول الإصلاحات الاقتصادية، التي أقرّتها حكومة حمروش الأولى 1990-1989() والثانية 1991-1990(.) كان أصحاب القرار يبحثون عمن يخرجهم من انعكاسات أزمة عام 1986 عبر إجراءات تكنوقراطية بحتة. لقد دخلت الجزائر إلى التعددية بجيوب فارغة وخزينة مفلسة، حيث كان النظام يضع إحدى عينيه على الانتخابات وترميم الشرعية، والعين الأخرى على خزينة الدولة الفارغة المثقلة بالديون. وخلال فترة الإفلاس غير المعلن لخزينة الدولة، قبلت السلطة بتنظيم انتخابات تعددية. لكنها سرعان ما قامت بإلغاء نتائجها التي لم تكن في صالحها، ثم ما إن حصلت على قروض من المؤسسات المالية الدولية، بشروط قاسية، حتى استعادت زمام المبادرة، وقامت بتنظيم انتخابات رئاسية عام 1995، فاز فيها مرشحها اليمين زروال

وفي عام 1996، بعد أن تراجع خطر انهيار الدولة، قام النظام السياسي الجزائري بإقرار دستور جديد يمكن القول إنه دستور التراجع عن الانفتاح، بسبب الحواجز الدستورية والمؤسسية التي وضعها أمام أي مفاجأة انتخابية تأتي بالمعارضة إلى البرلمان. لقد هيّأ نفسه جيدًا تحسبًا لأي طارئ، لأنه لم يكن مستعدًا لتنفيذ انقلابيَن سياسيين في عشرية واحدة. كانت تكلفة تجميد الإصلاحات الاقتصادية في مرحلة أولى، ثم إلغائها نهائيًا في مرحلة ثانية مع حكومة رئيس الوزراء بلعيد عبد السلام 1993-1992() مرتفعة جدًا. وبرفضها الحرية الاقتصادية للمؤسسات العمومية، واستقلالية بنك الجزائر، والتوقف عن طبع النقود اعتباطيًا، ومراجعة سياسة دعم الأسعار، وجدت الحكومة نفسها،

  1. نستخدم مفهوم السلطة الاقتصادية للمؤسسة بمعنى صلاحياتها في تحديد: حجم القوة العاملة، وحجم الاستثمارات، وأسعار المنتجات، والنظام الداخلي للمؤسسة، وعلاقات العمل... إلخ.
  2. Lahouari Addi, "Forme néo-patrimoniale de l'Etat et secteur public en Algérie," in: Lahouari Addi, Habib El Malki & Jean-Claude Santucci, Etat et développement dans le monde arabe (Paris: CNRS, 1990).

في مطلع عام 1994، مفلسة وعاجزة عن تسديد التزاماتها الداخلية، لا سيما رواتب العمال؛ والخارجية، لا سيما الديون وخدمتها. ولذلك، كانت أمام خيارين، هما: إما التخلي عن شراء السلم الاجتماعي الذي كان سلاح السلطة الضارب في معركتها ضد الإرهاب، وإما الرضوخ لصندوق النقد الدولي من أجل إعادة جدولة ديون الجزائر، وقد كان الأخير مرفوضًا منذ بداية الأزمة الاقتصادية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي. لكن هذه المرة، كان هامش مناورة السلطة ضيقًا، لأن أسعار النفط في الأسواق العالمية لم تتحسن، ففي عام 1991 ارتفعت إلى نحو 21 دولارًا أميركيًا، وبلغت في عام 1993 نحو 17 دولارًا أميركيًا، لتصل في عام 1994 إلى نحو 15 دولارًا أميركيًا، وبات من غير الممكن تحمّل التكلفة السياسية الاجتماعية الباهظة، ولهذا لم يكن في مقدورها تجنب الرضوخ لشروط صندوق النقد الدولي مقابل الحصول على قروض إضافية وإعادة جدولة الديون.

4. انعكاسات برنامج التصحيح الهيكلي على مسار التحول الديمقراطي

نظريًا، يفترض أن يكون برنامج الإصلاح الهيكلي، الذي فرضته الهيئات المالية الدولية على الكثير من البلدان العالمثالثية المدينة لها، عاملً يساهم في الانتقال نحو الليبرالية الاقتصادية من خلال فرض النجاعة الاقتصادية معيارًا أساسيًا في التسيير. لكن، استنادًا إلى ما طرحناه سابقًا عن الشروط الموضوعية لاشتغال التسوية الديمقراطية، فإن تزامن فرض هذا البرنامج مع تحول سياسي (انفتاح سياسي)، قد أدى إلى نسف الحد الأدنى من الشروط الموضوعية لنجاح هذا التحول. إن ما يحتاج إليه نجاح التحول هو معدل منخفض من البطالة، وقدرة المجتمع المدني المحلي على إعادة إنتاج نفسه ماديًا باستقلالية عن السلطة السياسية أولً، وعن السوق العالمية ثانيًا، وهذه العناصر لم تكن متوافرة آنذاك. وتعرض الدراسة في هذا السياق، أهم الإجراءات التي فرضها هذا البرنامج على الجزائر، والتي تتمثل إجمالً في ضبط عجز الموازنة العامة، من خلال51: المزيد من الصرامة في إعداد الميزانية والسياسة المالية للدولة. تخفيض قيمة العملة الوطنية أمام الدولار الأميركي، والعملات الرئيسة الأخرى. تحرير التجارة الخارجية، بهدف وضع حد لاحتكار الدولة لها من جهة، ورفع القيود المفروضة على الواردات من جهة أخرى. تحرير الأسعار ورفع الدعم عنها تدريجيًا. خصخصة المؤسسات العمومية، وفتح المجال أمام القطاع الخاص. إننا لا نحتاج إلى الكثير من الخبرة الاقتصادية لكي نعي آثار هذه التوجيهات في عملية تحول اقتصادي - سياسي، وإلى أيّ مدى يمكن أن تفضي هذه الإجراءات إلى إخراج اقتصاد متخلف ومنهك، ودولة عاجزة ماليًا وهشة مؤسسيًا من الأزمة؟ لكن السؤال الأهم هو ذلك المرتبط بموضوعنا: هل يمكن أن ينجح تحول سياسي نحو الديمقراطية في ظل هذه الشروط المفروضة من الخارج على الجزائر؟ بالنظر إلى المنطق، الذي يحكم العلاقات الدولية، سيكون من الصعب قبول الاعتقاد بأن الهيئات المالية الدولية المانحة، لا سيما صندوق النقد الدولي، تريد تحولًاقتصاديًا وسياسيًا فعليًا في الجزائر، أو في غيرها. في الواقع، ومن خلال الشروط التي وُضعت من أجل إعادة جدولة ديون الجزائر، تبيّ أنها كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى ضمان الهيئات المالية الدولية استعادة قروضها وتحصيل الفوائد منها، وهذا عبر فتح السوق الجزائرية مباشرة أمام السلع الأجنبية، وتقليص الدعم الاجتماعي من أجل تقليص نفقات الدولة. وتبين شهادات كل من محافظ بنك الجزائر عبد الرحمن حاج ناصر)1992–1989(52، ووزير الاقتصاد والمالية غازي حيدوسي 1991-1989()، ووزير الخزينة محمد بن بيتور)1995-1994(53، أن الهيئات المانحة كانت تسعى إلى الحصول على ضمانات لاستعادة قروضها، وتحصيل فوائد الخدمة على الدين التي بلغت في بعض السنوات 70 في المئة، ولم تكن تهمّها الانعكاسات الاجتماعية والسياسية لشروط برنامج إعادة الهيكلة. إنها شركات تجارية مالية لا أكثر ولا أقل54. وعلى الرغم من قساوة برنامج إعادة الهيكلة في المدة 1998-1994، فإن النظام لم يستشعر أنه يهدد مصالحه السياسية والاقتصادية المباشرة، أو أنه يؤدي على المدى القصير أو البعيد إلى إنتاج قوى اجتماعية جديدة يمكن أن تضع قيودًا مؤسسية أمام السلطة. لقد فهم جيدًا أن المانحين الدوليين لم ينزعجوا من وقف المسار الانتخابي بقدر ما انزعجوا من برنامج الإصلاحات الاقتصادية التي أقرتها حكومة حمروش، بما أنها كانت تهدف في المدى البعيد إلى فك ارتباط

  1. 53 ينظر المراجع المذكورة في الهامش رقم 44 في هذه الدراسة.
  2. عيُن عبد الرحمن حاج ناصر محافظًا لبنك الجزائر عام 1989، بوصفه أحد الفاعلين في حكومة الإصلاحيين، لعهدة تمتد ست سنوات. لكن تمت إقالته مع حكومة الإصلاحيين في حزيران/ يونيو 1991. للاطلاع على شهادته، ينظر: Abderrahmane Hadj-Nacer, La martingale algérienne: Réflexions sur une crise (Alger: Editions Barzahk, 2011).
  3. Ahmed Ben Bitour, Radioscopie d'une gouvernance algérienne (Alger: EDIF, 2011 [2000]), pp. 125, 126, 127.
  4. 50 للمزيد من التفاصيل حول هذه النقاط، ينظر.Oucichi, pp. 179-183.:

الدولة الجزائرية بالمحروقات والسوق الدولية من جهة، وفك ارتباط المجتمع بالنظام الريعي من جهة أخرى. في حين تحدّث حيدوسي بكثير من الدقة عن المقاومة الشرسة الداخلية والخارجية، لا سيما من طرف فرنسا، لإصلاحات حكومة حمروش، ولا يستبعد وجود علاقة بين القرض الذي قدمته للجزائر بقيمة 8 مليارات دولار أميركي وإقالة الحكومة55، فبعد أقل من شهر من منح القرض، أُقيلت الحكومة، وشُكلت حكومة جديدة قادت عملية "توبة نصوح" عن الإصلاحات انتهت بسقوط الجزائر مجددًا بين أيدي المانحين الدوليين، والرضوخ لشروط برنامج إعادة جدولة الديون وإعادة الهيكلة. في أقل من 5 سنوات، وفي جولتين متتاليتين، سمحت القروض الخارجية للنظام السياسي الجزائري بتجنب القبول بإصلاحات اقتصادية وسياسية عميقة من شأنها أن تعيد النظر، في المستقبل القريب، في علاقات القوة ونمط تراكم الثروة في المجتمع. القرض الأول سمح للنظام بتجميد حزمة الإصلاحات الجذرية لحكومة حمروش في أيار/ مايو 1991، في حين سمح له الثاني في المدة 1999-1995 بتجنّب الانهيار أمام ضربات الجماعات المسلحة من جهة، وإزالة آثار إصلاحات حمروش من جهة أخرى. وأمام مصالحه الاقتصادية، ما كان لأي شيء أن يردع النظام: لقد قبل بشروط إعادة جدولة الديون، ثم أتى برجل "بومديني" هو بلعيد عبد السلام ليمسح آثار الإصلاح الحمروشي. أما ما كان يحدث في الساحة السياسية من تمرد وعنف، فلم يكن مقلقًا ما دامت المبررات كافية لاستعمال العنف المفرط ضد الخصوم، ولصناعة حلفاء فيما يسمى "المجتمع المدني" (أحزاب، صحف، جمعيات... إلخ.) ومع حلول عام 1999، بدأت أسعار النفط في الصعود في الأسواق العالمية بقوةٍ جعلت المانحين الدوليين يغضون الطرف عن تراجع النظام عن الإصلاحات المفروضة في برنامج إعادة الهيكلة. ولم يعد الأمر مهمً ما دامت مداخيل النفط تسمح لهم باسترجاع ديونهم والفوائد المترتبة عليها، وما دامت الحواجز المفروضة على التجارة الخارجية قد رُفعت. وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لترفع الحرج نهائيًا عن النظام في معركته ضد الإرهاب، وليتحول إلى شريك دولي يعرض تجربته على البلدان الغربية مقابل غضّ الطرف عن تراجعه المطلق عن الإصلاحات السياسية، واكتفائه بديمقراطية شكلية قائمة على عبادة الشخص الواحد، كما برز في عهد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة 2019-1999(.) وقد امتلك النظام شرعية أمنية جديدة تضاف إلى الشرعية الثورية التي عرف كيف يرممها بأموال النفط، سمحت له بتجنب الربيع العربي مؤقتًا، وإبطال مفعول الديمقراطية الشكلية التي يعيد صياغة قواعدها عشية كل موعد انتخابي بحسب الظروف الداخلية والخارجية.

خاتمة

يسمح لنا تفحص تجربة التحول الديمقراطي المتعثرة في الجزائر باستخلاص الكثير من الدروس بالنسبة إلى العلوم الاجتماعية بصفة عامة، ونظريات التحول الديمقراطي بصفة خاصة. يتعلق الدرس الأول بعدم فاعلية أي تحول ديمقراطي من دون تحول اقتصادي نحو الرأسمالية الخلاقة المنتجة للثروة. إن التحول المجزّأ (المختزل في اعتماد الأحزاب السياسية وإقرار الانتخابات) ما هو إلا فرصة جديدة لترميم واجهة النظام التسلطي، وسرعان ما ينتهي إلى تمييع الساحة السياسية، وإخراج المجتمع من السياسة ومن الاهتمام بالشأن العام، حيث يتحول الحزب السياسي إلى شركة تتفاوض على مصالح مادية مباشرة مع السلطة مقابل منحها اعتمادًا وبعض المناصب. لقد أظهرت التجربة الجزائرية أن رهانات النظام في المحافظة على السلطة كانت داخل الحقل الاقتصادي، وأن إحكامه القبضة على الاقتصاد سمح له بإبطال مفعول التعددية الحزبية في إنتاج بديل في السلطة. وحدها البرجوازية المستقلة عن السلطة، والتي تنشط في الإنتاج الصناعي، هي القادرة على وضع قيود قانونية ومؤسسية أمام السلطة السياسية، وإجبارها على تقديم حصيلة أمام الناخبين. إن الديمقراطية الحديثة تعني قدرة المجتمع على فرض قيود مؤسسية وقانونية على السلطة السياسية، وبهذا المعنى فهي نتاج لتسوية تاريخية بين رأس المال والعمل. أما الأطراف التي لها مصلحة فيها فتتمثل في أرباب العمل المنتجين للثروة، والطبقة العاملة التي تبيع قوة عملها في مناخ سياسي وقانوني يحمي حقوقها. وبقدر ما ترتبط الدولة بالجهد الإنتاجي للطبقة العاملة، فإنها تكون مجبرة على الخضوع للمجتمع من جهة، والاستقلالية عن السوق العالمية وضغط القوى الأجنبية من جهة أخرى. يتعلق الدرس الثاني بالآفاق التاريخية للاقتصادات الريعية والاشتراكية. إن قوانين الاقتصاد السياسي موضوعية ولا يمكن تجاهلها أو تحدّيها. إن العمل المنتج وإقحام الجماهير في سوق العمل هما السبيل الوحيدة لخلق الثروة وتحقيق الاستقلالية الاقتصادية والأمن الغذائي والمحافظة على السيادة الوطنية. وهذه المعادلة لا يمكن أن تتحقق إلا ضمن الشروط السياسية

  1. Ghazi, pp. 239, 240.

والتاريخية والقانونية لاشتغال قانون فائض القيمة الذي يعني الرأسمالية المنتجة. وما لم يتم تحصيل الحقوق النقابية للعمال، ونضال أرباب العمل من أجل استقلالية الاقتصادي عن السياسي، وما ينجرّ عن ذلك من تحولات هيكلية داخل البناء الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية، فإنه لا يمكن لمسار العمل والإنتاج أن يشتغل. ومن هنا، فإن تحدي قوانين السوق باستعمال السلطة السياسية، والجهاز البيروقراطي، وأموال الريع، هو الذي أوصل الدول العربية الريعية إلى السقوط فريسةً سهلةً للمديونية الخارجية في مرحلة أولى، ثم لإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في مرحلة ثانية. إن الريع مورد خارجي يُضعف المجتمع ويحيّده ويزيد التبعية للعامل الخارجي، ويهيِّئ له الظروف المناسبة، في حين أن الديمقراطية لا يمكن أن تحصل إلا داخل سوق وطنية إنتاجية، حيث موازنة الدولة تتأتى من أموال دافعي الضرائب الذين سيطالبون مقابل ذلك بالمشاركة في السلطة، وممارسة الرقابة عليها، ومنعها من الإخلال بقوانين السوق. يتعلق الدرس الثالث بشروط صندوق النقد الدولي، التي تبدو كأنها تصبّ في صالح الانتقال نحو اقتصاد السوق. لكن، نظرًا إلى السياق الذي نعيشه اليوم من عولمة الاقتصاد الشاملة وهيمنة الشركات المتعددة الجنسيات عليه، فغالبًا ما ينتهي تطبيق شروط هذه الهيئات المالية إلى فتح الأسواق أمام النيوليبرالية المتوحشة التي تزيد من إفقار المجتمعات العربية وتبعيتها. لقد تفاوضت تونس ومصر، أو هما حتى لحظة إنجاز هذا البحث في طريق التفاوض للحصول على قروض، ومن المحتمل أن يؤثر هذا بشدة في تجربة التحول الديمقراطي في تونس، ويقوي الثورة المضادة في مصر. لقد أدت قروض صندوق النقد الدولي والمساعدات الخارجية، التي منحتها بعض دول الخليج، لا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، دورًا حاسمً في ترميم النظم التسلطية وإفقار المجتمعات وإنهاكها في مقاومة الأنظمة التسلطية، فدخول كتلة نقدية ضخمة إلى الاقتصاد المحلي عن طريق القروض يمنح هامش استقلالية للنظم القائمة، ويضعف القدرات التفاوضية للحركات النقابية، أو يدعم الجهاز القمعي للثورة المضادة، ويمنحها هامش مناورة أوسع لتلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان عن طريق الاستيراد الذي يتحكم فيه زبائن النظام من دون الخضوع لمطالبهم السياسية. إن التحول نحو الرأسمالية الإنتاجية يتوقف على إعطاء سلطة التفاوض للجماهير، وهو أمر غير مطروح إطلاقًا لدى الطبقات المهيمنة صاحبة الامتيازات، ولهذا تفضل هذه الطبقة أن تقامر56 بالمصالح الاقتصادية للأمة بدلً من الرضوخ لقوانين الاقتصاد السياسي أملً في طفرة نفطية جديدة. أخيرًا، إن النضال السياسي من أجل التحول الديمقراطي غير كافٍ ما لم يرافقه نضال آخر للتحرر من التبعية للدولة الريعية. هذه الأخيرة، بحكم تعريفها، غير قابلة للدمقرطة، لأن الديمقراطية تتوافق مع تسوية بين رأس المال والعمل، في حين أن الدولة الريعية لا تعيد إنتاج نفسها باستغلال قوة العمل، بل بربط نفسها بالسوق العالمية مباشرةً. إن رهان التحول الديمقراطي يجب أن يكون أيضًا رهان تحول رأسمالي، لأن الديمقراطية تشترط رقعة جغرافية ذات سيادة كاملة لممارستها، والسيادة اليوم لا يمكن أن تتجزأ عن السيادة الاقتصادية في ظل عالم معولم.

  1. نستخدم كلمة "تقامر" بالمعنى الذي استخدمه مدير البنك المركزي في حكومة الإصلاحيين، السيد عبد الرحمن حاج ناصر في كتابه المقامرة الجزائرية، الذي يبين فيه كيف يقامر المسؤولون الجزائريون بمصالح البلد لصالح الشركات الأجنبية. يُنظر:.Hadj-Nacer
  2. لا يتسع المجال للتفصيل في خصائص الدولة الريعية. ثمة أدبيات ضخمة حول هذا الموضوع، وقد سبق أن أنجزنا أطروحة دكتوراه حول المجتمع المدني والدولة الريعية يمكن القارئ أن يراجعها للتعمق أكثر في مفاهيم: الدولة الريعية، الاقتصاد الريعي، الممارسات الريعية، البارادايم الريعي، المجتمع المدني. ينظر: نوري دريس، "الممارسات الريعية، الزبونية السياسية وإشكالية المجتمع المدني في الجزائر المعاصرة: مقاربة سوسيولوجية لعلاقة الدولة – المجتمع"، أطروحة دكتوراه، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة محمد لمين -، سطيف 2016، شوهد في 2021/8/30، في https://bit.ly/3sW9gIy:

المراجع

العربية

الأحمر، مولدي. "النشاط النقابي وتحديات المرحلة الانتقالية في سياق 'الربيع العربي:' مثال الاتحاد العام التونسي للشغل." سياسات عربية. العدد 30 (كانون الثاني/ يناير.)2018 أمين، سمير وبرهان غليون. حوار الدولة والدين. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.1996 أوعي، ىى رشيد. "الطبقات المتوسطة الجزائرية." نقد: مجلة الدراسات والنقد الاجت عااي. العدد 36 (آذار/ مارس-نيسان/ أبريل.)2018 إيفوكوفيتش، إيفان. "ربيع 2011 المصري." ترجمة سناء بوزيدة. نقد: مجلة الدراسات والنقد الاجتماعي. العدد 29 (خريف-شتاء)2011 بادي، برتران. الدولة المستوردة: تغريب النظام السياسي. ترجمة لطيف فرج. مراجعة عومرية سلطاني. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2016 بشارة، عزمي. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. ط 3. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2014 _______. مقالة في الحرية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 الجابري، محمد عابد. الديمقراطية وحقوق الإنسان. سلسلة كتاب في جريدة 95. لندن: مؤسسة محمد بن عيسى الجابر؛ باريس: اليونسكو،.2006 جبهة التحرير الوطني. الميثاق الوطني 1976. الجزائر: مطبعة المعهد التربوي الوطني،.1976 الجمهورية التونسية. وزارة الشؤون الاجتماعية. التعداد العام للسكان والسكنى 2014: أهم المؤشرات. تونس: 2014. في: https://bit.ly/3j8pbiH حشماوي، محمد. "التمثيل السياسي في الجزائر: بين علاقات الزبونية والنهب 2002-1997 ". نقد: مجلة الدراسات والنقد الاجتماعي. العددان). 2004(20-19 خطب الرئيس بومدين: 19 جوان 19–1965 جوان 1970. الجزائر: منشورات وزارة الإعلام والثقافة،.1970 دستور 1996. مجلس الأمة الجزائري. في: https://bit.ly/3x70zM2 دريس، نوري. "المجتمع المدني في الجزائر: اقتصاد سياسي لتجربة سياسات عربية. العدد انفتاح ديمقراطي غير مكتملة." 19 (آذار/ مارس 2016.) _______. "الممارسات الريعية، الزبونية السياسية وإشكالية المجتمع المدني في الجزائر المعاصرة: مقاربة سوسيولوجية لعلاقة الدولة – المجتمع." أطروحة دكتوراه. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية. جامعة محمد لمين - سطيف. 2016، فh يttps://bit.ly/3sW9gIy: سعود، طاهر وعبد الحليم مهور باشا. "المدينة الجزائرية والحراك الاحتجاجي: مقاربة سوسيولوجية." عمران. العدد 18 (خريف 2016.) العلوي، سعيد بنسعيد [وآخرون.] ا لمجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1992 غازي، حيدوسي. الجزائر: التحرير الناقص. ترجمة خليل أحمد خليل. بيروت: دار الطليعة،.1997 مور، بارينجتون. الأصول الاجتماعية للدكتاتورية والديمقراطية. ترجمة أحمد محمود. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2008

الأجنبية

Addi, Lahouari, Habib El Malki & Jean-Claude Santucci. Etat et développement dans le monde arabe. Paris: CNRS, 1990. _______. Etat et pouvoir: Approche méthodologique et sociologique. Algeria: Office des publications universitaires, 1991. _______. L'impasse du populisme. Algeria: Entreprise nationale du livre, 1990. démocratique L'expérience Myriam. Ait-Aoudia , algérienne 1988-1992. Paris: Presses de Sciences Po, 2015. Ben Bitour, Ahmed. Radioscopie d'une gouvernance algérienne. Alger: EDIF, 2011 [2000].

Benabdellah, Youcef. "Etat développementaliste vs état rentier: Qu'en est-il en Algérie?" Naqd. vol. 1, no. 36 (March-April 2008). Benderra, Omar. "Les réseaux au pouvoir: Effondrement de l'Etat et prédation." Confluences méditerranée. no. 45 (2003). _______. "Economie Algérienne 1986-1998: Les réseaux aux commandes de l'Etat." Analysis. Algeria-Watch (Decembre 2009). at: https://bit.ly/3CA9clw démocratique, "Révolution Hartmut. Elsenhans, arabe: révolution bourgeoise, révolution L'économie politique d'un possible succès." Naqd. no. 29 (2011). _______. "Global South: Transition vers le Capitalisme Contre la Rente, Chances et Obstacles." Naqd. vol. 36, no. 1 (March-April 2018). Ghazi, Hidouci. La libéralisation inachevée. Paris: La Découverte, 1995. Goumeziane, Smail. Le pouvoir des rentiers: Essai sur l'histoire de la rente et des rentiers des origines à nos jours. Paris: Méditerranée; Alger: EDIF, 2000. Hachemaoui, Mohammed. "La rente entrave-t-elle vraiment la démocratie? Réexamen critique des théories de 'l'État rentier' et de la 'malédiction des ressources'." Revue française de sciences politiques. vol. 62, no. 2 (2012). Hadj-Nacer, Abderrahmane. La martingale algérienne: Réflexions sur une crise. Alger: Editions Barzahk, 2011. Hafsi, Taib (ed.). Le développement économique de l'Algérie. Alger: Casbah Édition, 2011. Khoury, Gérard D. & Nadine Mouchy (eds.). Etat et société de l'orient arabe en quête d'avenir 1995- 2005, dynamiques et enjeux. Paris: Geuthner, 2007. Liabès, Djilali (ed.). La quête de la rigueur. Alger: Casbah Édition, 2002. Mahiou, Ahmed & Jean-Robert Henry (eds.). Où va l'Algérie? Aix en Provence: Institut de recherches et d'études sur les mondes arabes et musulmans; Paris: Karthala, 2003. Mizouni, Najet. "L'UGTT, moteur de la révolution tunisienne." Tumultes. vol. 1-2, no. 38-39 (2012). Norbert, Elias. La dynamique de l'occident. Paris: Calmann-Lévy, 1975. Ouchichi, Mourad. "Les obstacles politiques aux réformes économiques en Algérie." Master Dissertation. Université Lyon 2. France, 2011. Root, Hilton L. La construction de l'Etat moderne en Europe, la France et l'Angleterre. Paris: PUF, 1994.