جدلية العلاقة السببية بين الحرية السياسية والحرية الاقتصادية: العالم العربي نموذجًا

Brahim El Morchid إبراهيم المرشيد | * * El Houcine Chougrani الحسين شكراني |

الملخّص

The causal link between economic and political freedom is a complex and interesting debate in the domain of social sciences. To enrich the academic debate on this issue, we have examined the Arab context based on econometric instruments, especially the test of causality. Based on the results of the study, the interactions between economic and political freedom in the Arab world appear to be generally in line with the thesis strongly defended by liberal thinkers, in particular Milton Friedman and Frederick Hayek, that there is a unilinear causality in which the first variable leads to the second. This result may seem self-evident in a transformed Arab context, but the reality seems to be more complex. Economic freedom indeed guarantees freedom, the constructing of the national identity and the conditions necessary to ensure individual well-being. However, such freedom is not understood in isolation from political freedom and its social context interactions and cultural structures, in contrast with restricted collective consciousness.

The Issue of Causal Link between Political Freedom and Economic Freedom: Evidence from the Arab World

تُعد العاقة السببية بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية من العاقات المتشعبة والمثيرة لاهتمام في حقول العلوم الاجتماعية. وللإسهام في إغناء النقاش الأكاديمي حول هذه المسألة، حاولنا دراسة الحالة العربية اعتمادًا على أدوات الاقتصاد القياسي، ولا سيما اختبار السببية. واستنادًا إلى نتائج الدراسة، ظهر أن التفاعات بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية في العالم العربي تتماشى عمومًا مع الأطروحة التي دافع عنها المفكرون الليبراليون، ولا سيما ميلتون فريدمان وفريدريك هايك، والتي تفيد بوجود عاقة سببية أحادية تتجه من المتغير الأول نحو المتغير الثاني. وقد يبدو أن هذه النتيجة بديهية في سياق عربي متحول، غير أن الواقع يبدو أشد تعقيدًا وتركيبا، فصحيح أن الحرية الاقتصادية تضمن التحرر وبناء "الذات" الوطنية وتحقيق شروط الرفاهية للأفراد، لكنها لا تُفهم بمعزل عن الحرية السياسية وسياقاتها الاجتماعية وبنياتها الثقافية، على عكس المجتمع العصباني المقيّد.

كلمات مفتاحية: الحرية السياسية، الحرية الاقتصادية، السببية، العالم العربي.

Keywords: Political Freedom, Economic Freedom, Causality, Arab World.

مقدمة

شهدت المنطقة العربية، في العقدين الثاني والثالث من القرن الحادي والعشرين، محاولات للتغيير والتغيير المضاد في سياق اتسم بتحولات اجتماعية وديموغرافية وسلوكية عميقة؛ وكان من البديهي أن تثير هذه المحاولات جدلً واسعًا داخل الدوائر الأكاديمية والأوساط البحثية المهتمة بالعلوم الاجتماعية في الوطن العربي، ذلك لأنها رفعت من وتيرة النقاش حول الأعطاب التي تشوب عملية التنمية، وكذلك حول مسار الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، التي انخرط فيها الكثير من الدول العربية منذ تسعينيات القرن العشرين، وتناغمها. مر مسلسل الإصلاحات في بعض الدول العربية بثلاث مراحل رئيسة؛ فخلال المرحلة الأولى، التي ظهرت في فترة ثمانينيات القرن الماضي، كان الاهتمام منصبًّا على الجانب الاقتصادي فحسب، ولا سيما استعادة التوازنات الماكرو-اقتصادية، وإعادة هيكلة النظام الاقتصادي ليتلاءم مع مقتضيات اقتصاد السوق. وخلال المرحلة الثانية، التي ظهرت في تسعينيات القرن الماضي، انتقل الاهتمام إلى الجانب المؤسسي، ولا سيما القواعد الرسمية (أي القوانين الاقتصادية) التي تنظم المعاملات الاقتصادية الهادفة إلى تقليل حالة عدم اليقين، ووضع الحوافز المناسبة لبناء ما أعلن عنه من منظومة اقتصادية رشيدة وشفافة وتنافسية. وخلال المرحلة الثالثة التي ظهرت بداية الألفية الثالثة، وتحت ضغط الشارع والخوف من المجهول، فُتحت ورش إصلاحاتٍ سياسية ودستورية في بعض الدول العربية (كالمغرب مثلً) بهدف تحقيق انتقال ديمقراطي وفقًا للتطلعات المجتمعية. لكن سرعان ما تبين أن تلك الإصلاحات كانت ظرفية بعدما أخمدت الثورات العربية التي بدأت في أواخر عام.2010 صحيح أن الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية، التي تبنتها معظم الدول العربية، أدت إلى تحسن نسبي في مناخ الأعمال، وساهمت في الرفع التدريجي لمستوى الحرية الاقتصادية، غير أنها في المقابل ساهمت في اتساع دائرة الفوارق الاجتماعية التي تشكل مصدر اختلال يمس الاستقرار والسلم الاجتماعي. وإذا أضفنا إلى هذا الواقع الجديد اتساع دائرة البطالة في أوساط الشباب عمومًا وفي أوساط الشباب المتعلم خصوصًا، وتأخرَ مسار الانتقال الديمقراطي الحقيقي في الوطن العربي أو تعثره، فإننا نحصل على بيئة مواتية لتوليد الاضطرابات الاجتماعية والسياسية، وهو ما تأتّ من خلال حركات احتجاجية ضخمة شملت تدريجيًا، وبدرجات مختلفة، حوالى نصف الدول التي تشكل جامعة الدول العربية. وإضافة إلى الكرامة والعدالة الاجتماعية، طالبت الجماهير العربية بالحرية، مع العلم أن هذه الجماهير اتخذت في البداية، وعلى نحو عام، الطابع السياسي؛ أي المطالب الديمقراطية بالمعنى الواسع، وهذا أمر مشروع في بيئة عالمية تتميز بالدينامية والتحول السريع. ومع ذلك، وبالاستناد إلى تحليل أعمق وأشمل للأحداث، يتضح أن هذه الجماهير كانت تتطلع أيضًا إلى تصحيح مسار القوانين المنظمة للحقوق والحريات الاقتصادية من خلال توجيهها نحو تمكين الناس من التوفر على الوسائل المادية الضرورية لحياة أفضل، وضمان كرامتهم واستقلاليتهم في سياق العدالة والإنصاف. لقد ثارت الجماهير العربية ضد الممارسات التي تؤثر سلبيًا في وضعهم الاقتصادي والمعيشي، ولا سيما الفساد والمحسوبية والزبونية واقتصاد الريع. من هنا نستحضر مدى أهمية دراسة العلاقة السببية بين الحرية الاقتصادية، والحرية السياسية، في سياق عربي متقلب يتسم بالتعقيد وعدم اليقين. فهل الحرية الاقتصادية تسبب الحرية السياسية، أو تعد مسببًا لها؟ للإجابة عن هذا السؤال المحوري ارتأينا استخدام أدوات الاقتصاد القياسي، ولا سيما اختبار السببية Test Causality الذي يجمع بين المنهجين الاستقرائي والاستنباطي، والذي يستند إلى مبدأين أساسيين، هما: أن السبب يسبق المعلول أو يعاصره، وأن السلسلة الزمنية السببية تحوي معلومات حول المسبب. تحيل "الحرية السياسية" إلى إمكانية التحرك في المجالين السياسي والمدني من دون إكراه أو قمع من طرف السلطة الحكومية بمختلف أجهزتها الردعية، وغالبًا ما يرتبط هذا المفهوم بالعوامل التي تساهم في صيرورة الديمقراطية مثل حرية التعبير، والحق في التصويت، وحرية الصحافة، وحرية التنقل والإقامة، وحرية التفكير، وحرية التجمع والتكتل، وحرية الولوج إلى الوظيفة العمومية باعتماد مبدأ تكافؤ الفرص. في هذا السياق، يرى عالم الاقتصاد أمارتيا سن -1933() أن الحرية السياسية هي مجموعة من الإمكانيات المتاحة للأفراد سواء للاختيار بين مختلف الأحزاب السياسية من أجل التصويت، أو من أجل تحديد من سيحكم وعلى أساس أي مبدأ سيتم ذلك1. أما "الحرية الاقتصادية" فتشير، من وجهة نظر المدرسة الليبرالية، إلى كل ما يرتبط بالاستقلال الذاتي للأفراد وفقًا لقيمهم وأهدافهم الشخصية، حيث تمثل الفرص المتاحة لأي فرد من أجل استخدام الموارد الاقتصادية لغايات استهلاكية وإنتاجية وتبادلية من دون الخضوع لأي إكراهات، مثل القوة أو السرقة أو الاحتيال2. وإضافة إلى وظيفتها المؤسسية، تؤدي هذه الحرية وظيفة فردية، حيث تمكن

  1. Amartya Sen, Development as Freedom (New York: Oxford University Press, 1999), p. 38.
  2. James Gwartneya & Robert Lawsonb, "The Concept and Measurement of Economic Freedom," European Journal of Political Economy , vol. 19, no. 3 (September 2003), p. 406.

من ممارسة أنشطة اقتصادية من دون قيود، وتخلق سوقًا تضمن انتقال السلع والأشخاص والرساميل من دون حواجز، كما تمكن أيضًا من الحق في نقل الملكية بشكل طوعي، والحق في التعاقد، وتعد المنافسة الحرة أهم آلية لتنظيم العلاقات الاقتصادية بين الأفراد داخل المجتمع، بينما يقتصر دور الدولة على التنظيم والتشجيع والحماية. للإحاطة بمختلف جوانب هذا الموضوع، قُسم محتوى هذه الدراسة إلى محورين رئيسين. يقدم الأول جردًا لأهم الأدبيات المتعلقة بالعلاقة السببية بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية. أما الثاني، فيشرح الإطار المنهجي، ويعرض أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة. وأخيرًا، تقدم الخاتمة أهم الاستنتاجات المنبثقة من هذه الدراسة مع بعض التوصيات ذات الطبيعة السياسية.

أولا: في العلاقة السببية بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية

شكلت العلاقة السببية بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية موضوع نقاش نظري وإمبريقي عميق في الأوساط البحثية. وعلى الرغم من غنى هذا النقاش، لم يحصل توافق حول اتجاه السببية بين هذين المتغيرين، فبينما يرى بعض الباحثين أن الحرية السياسية تعتبر شرطًا أساسيًا لتعزيز الحرية الاقتصادية، يدافع آخرون عن فكرة مفادها أن الحرية الاقتصادية يمكن أن تساهم في خلق ظروف مواتية لأي انفتاح سياسي وديمقراطي. 1. الحرية الاقتصادية بوصفها شرطًا مسبق ا للحرية السياسية تبنّت مجموعة من المفكرين والباحثين، في حقول العلوم الاجتماعية، المنتمين إلى المدرسة الليبرالية فكرة العلاقة السببية التقليدية التي تتجه من الحرية الاقتصادية إلى الحرية السياسية. ويعتبر فريدريك باستيا 1850-1801() من الاقتصاديين الأوائل الذين تناولوا هذا التوجه، حيث كتب قائلً: "الاقتصاد السياسي يأتي قبل السياسة؛ على الأول أن يبين إذا كانت المصالح الإنسانية متجانسة (الأطروحة الليبرالية) أو متعارضة (الأطروحة الاشتراكية)، وهو ما يجب على الثانية إدراكه قبل تحديد اختصاصات الحكومة"3. وفي الاتجاه نفسه، تحدث الفيلسوف والاقتصادي النمساوي فريدريك فون هايك Hayek Friedrich 1992-1899() عن أهمية كلتا الحريتين، معتبرًا أن أفضل نظام اقتصادي هو اقتصاد السوق وليس الرأسمالية، لما له من دور في تعزيز الحرية الاقتصادية؛ وأن أفضل نظام سياسي هو الديمقراطية الليبرالية لأنه يضمن للأفراد أكبر قدر ممكن من الحرية السياسية. لذا أكد هايك أن الحرية الاقتصادية هي وسيلة لا غنى عنها لتحقيق الحرية السياسية، ففي كتابه الشهير الطريق إلى العبودية، كتب قائلً: "لقد تخلينا تدريجيًا عن الحرية الاقتصادية، التي من دونها لم يكن للحرية الشخصية والسياسية أي وجود"4. وبما أن الديمقراطية ليست معصومة عن الخطأ، فقد ذهب إلى حد تفضيل الدكتاتورية الليبرالية على الديمقراطية الشمولية طالما أنها تؤيد الحرية الاقتصادية حسب فهمه.

، دافع عالم الاجتماع الأم وفي مقال نشُر سنة 1959 كيرر سيمور مارتن ليبسيت 2006-1922() عن الفكرة نفسها، مؤكدًا أن الحرية الاقتصادية ترفع من احتمال إرساء أسس مجتمع ناضج سياسيًا من خلال تعزيز روح المبادرة والقدرة التنافسية اللتين تساهمان في زيادة مستوى الدخل القومي، وتحسين مستوى عيش السكان؛ وهذا من شأنه أن يُحدث تغييرًا تدريجيًا في الهياكل الاجتماعية في ظل التحول الصناعي مع ما يترتب على ذلك من ظهور طبقة متوسطة كبرى، جزء وتَبَجُز Embourgeoisement من المجتمع، وهما شرطان أساسيان لتحقيق تطلعات المجتمع في الحياة الديمقراطية، وجعل النخب الاستبدادية أكثر قابلية لفكرة التغيير الديمقراطي؛ ويؤمن

  1. 4  Friedrich A. Hayek,  La route de la servitude  (Paris: PUF, 1985), p. 17.
  2. 3  Frederic Bastia, La loi (Paris: Institut Coppet, 2011 [1850]), p. 37.

ليبسيت بأنه "كلما زادت الدولة غنى، كانت فرصتها أكبر للمحافظة على الديمقراطية"5. من المنظور نفسه، بيّ الاقتصادي الأم كيرر ميلتون فريدمان) في كتابه الرأسمالية والحرية Friedman Milton 2006-1912(، أن الحرية السياسية ظهرت بعد توطيد دعائم المؤسسات الرأسمالية، وظهور الأسواق الحرة، وهو يرى أن "اليد الخفية" تضمن الحماية الأكبر للحريات الفردية، وأن آليات اقتصاد السوق توفر بطبيعتها قيودًا على سلطة الدولة، وقد أصر على أن "الحرية السياسية لم توجد - ولن توجد - من دون جرعة أكبر من الحرية الاقتصادية"6، مضيفًا أن هناك إجماعًا، عبر التاريخ، حول هذه العلاقة السببية، حيث لا يوجد أي مجتمع في أي زمانٍ وأي مكان يتمتع بقدر كبير من الحرية السياسية، إلا إذا كان يعتمد على آليات السوق التي تعمل على تنظيم أغلب أنشطته الاقتصادية7. ومع ذلك، يعترف فريدمان بأن العلاقة السببية بين الحريتين مركبة وشديدة التعقيد. ومن جهته، أكد المفكر الأميركي صمويل هنتنغتون)2008-1927(8 على أن مسلسل التحول إلى الرأسمالية ونظام اقتصاد السوق يعدّ تمرينًا صعبًا يحتاج إلى قدرات وسنوات طويلة من العمل الجاد تحت نظام قمعي، وغالبًا ما ينتهي إلى تحول سياسي مجتمعي حقيقي يؤدي إلى تعزيز الحريات السياسية في زمن قياسي. ويرى هنتنغتون أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا تتفقان بالضرورة مع الديمقراطية9، ومن ثمّ، فإن الانخراط في التحول السياسي، قبل الانتهاء من تقوية الحريات الاقتصادية، يعدّ مغامرة غير محسوبة العواقب، لأنه يخلق جوًّا من عدم اليقين يساعد مختلف جماعات الضغط الشعبية على تنظيم صفوفها، والتحرك من أجل عرقلة التحول إلى نظام اقتصاد السوق، ثم إن تزامن التحوليَن السياسي والاقتصادي يبدو صعب التحقيق في غياب حكومة تحظى بتأييد شعبي قوي، وتقدر على اتخاذ قرارات مؤسسية جريئة وسريعة من أجل إنجاح الانتقال نحو اقتصاد السوق، ومعالجة الآثار السلبية التي قد تنجم عن ذلك، في الوقت نفسه. وعلى غرار هنتنغتون، يقترح الباحثان الأميركيان راكيل فرنانديز وداني رودريك10 تقوية حقوق الملكية الاقتصادية، وإدخال الإصلاحات الاقتصادية الضرورية قبل الانخراط في مسلسل الانفتاح السياسي؛ وقد عللا هذا الموقف بكون الحرية الاقتصادية تهمّ، في المقام الأول، النخب، أي أصحاب الأملاك والمستثمرين. أما الحرية السياسية فتهمّ أساسًا الجماهير، ومن هنا يتضح أن البدء في منح مزيد من الحقوق السياسية من شأنه تقوية صفوف الجماهير، ودفعها إلى تقويض إجراءات التحرر الاقتصادي بسبب الخوف من آثارها السلبية المحتملة في مستقبلهم. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما يعارض العمال مسلسل خصخصة الشركات العمومية حتى لو كانوا يدركون أن هذه العملية قد تفيدهم على المدى الطويل، نظرًا إلى عدم استعدادهم للتخلي عن مكاسبهم والانخراط في تطوير مهاراتهم الفردية، ومن ثم، العمل أكثر بعد الإصلاح، ثم إن الأفراد في النظام الديمقراطي غالبًا ما يميلون إلى استغلال الاستحقاقات الانتخابية للضغط على السياسيين قصد الحصول على مزيد من الامتيازات من دون الاكتراث للإكراهات الاقتصادية. ويُعدّ تراجع ثقة رجال الأعمال من بين النتائج المحتملة لمثل هذه السلوكات، حيث يضطر الكثير منهم إلى إرجاء استثماراتهم أو نقلها الى أماكن أخرى، وهو ما من شأنه أن يفرض تكاليف باهظة على بقية مكونات المجتمع. وقد ذهب جون بيلسون في هذا الاتجاه حين أشار إلى أن "التنمية الاقتصادية تمكّن عناصر المجتمع الديناميكية من أن تصبح مستقلة عن الحكومة سواء على المستوى الاقتصادي أو على مستوى الوضع الاجتماعي، وهو ما يساعد على تعزيز الديمقراطية"11. ويعتقد غييرمو أودونيل O'donnell Guillermo 2011-1936() أن التحول الاقتصادي يعدّ ضامنًا للتحول الديمقراطي، بل إن غياب الحريات الاقتصادية يشكل تهديدًا مباشرًا للديمقراطية. وعلى المستوى الإمبريقي، حاول بعض الباحثين التحقق من فرضية هايك وفريدمان من خلال استعمال أدوات الاقتصاد القياسي. وفي

  1. Seymour Martin Lipset, "Some Social Requisites of Democracy: Economic Development and Political Legitimacy," The American Political Science Review , vol. 53, no. 1 (March 1959), pp. 69-105; خالد عثمان الفيل، "سياسات التحرير الاقتصادي وأثره في العلاقات المدنية – العسكرية: سياسات عربيّة، العدد 44 (أيار/ مايو حالات عربية مختارة"، 2020)، ص.39
  2. Milton Friedman, Capitalism and Freedom (Chicago: Chicago University Press, 2002), p. 8.
  3. Ian Vásquez, "The Central Role of Economic Freedom in Democracy," Issues of Democracy (December 2005), accessed on 25/8/2021, at: https://bit.ly/3rseNFi
  4. Samuel Phillips Huntington, The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century (Norman: University of Oklahoma Press, 1993).
  5. Samuel Phillips Huntington, "Democracy's Third Wave," Journal of Democracy, vol. 2, no. 2 (Spring 1991), p. 30.
  6. Raquel Fernandez & Dani Rodrik, "Resistance to Reform: Status Quo Bias in the Presence of Individual- specific Uncertainty," American Economic Review , vol. 81, no. 5 (December 1991), pp. 1146–1155.
  7. John F. O. Bilson, "Civil Liberty-An Econometric Investigation," Kyklos: International Review for Social Sciences , vol. 35, no. 1 (February 1982), pp. 94-114.

هذا الصدد، توصل روبرت لوسون وجيف كلارك12، بالاعتماد على بيانات مجمعة لمئة وثلاثة وعشرين بلدًا خلال المدة 2005-1970، إلى نتيجة مفادها أن نجاح التحول الديمقراطي رهين بمستوى الحرية الاقتصادية التي يتمتع بها الأفراد. هذه النتيجة نفسها، أكدها الباحث التركي حسن كيرمانوغلو13 في دراسة شملت تسع عشرة دولة، حيث قدّم دليلً عمليًا على أن معظم الدول المكونة للعينة، وهي أربع عشرة دولة، نجحت في تطوير اقتصاداتها من خلال توسيع هامش الحرية الاقتصادية على حساب الحرية السياسية. وقد سبق لعالم الاقتصاد الأميركي روبرت بارو14 أن تحقق من هذه العلاقة السببية في تسعينيات القرن العشرين، مع التأكيد على أنها ليست مباشرة بل تمر عبر قناة النمو الاقتصادي، أي إن الحرية الاقتصادية لا تؤدي إلى الحرية السياسية، إلا إذا أنتجت نموًا اقتصاديًا ينعكس إيجابيًا على حياة الأفراد. وبناء على معطيات بعض الدول الصاعدة في جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية، بينت شان هينغ شي أن الحرية الاقتصادية المتجسدة في الأسواق الحرة كانت شرطًا أساسيًا لإط قاا مسار المسلسل الديمقراطي في دول مثل كوريا الجنوبية وإندونيسيا وتشيلي15، حيث تحولت الأنظمة الاستبدادية تدريجيًا إلى أنظمة ديمقراطية حقيقية مع تحسين جودة المؤسسات الاقتصادية، واعتماد آليات اقتصاد السوق، وقد أكدت الباحثة أن النجاح الاقتصادي المترتب على ذلك ساهم، على نحو كبير، في إنتاج طبقة وسطى حيوية أدت دور الجسر الطبيعي بين المجتمع وعالم السياسة. أما في دول أخرى مثل سنغافورة، فقد فشلت الحرية الاقتصادية في إنتاج مؤسسات سياسية ديمقراطية بمفهومها الغربي، نظرًا إلى وضعها الاستثنائي المتمثل في صغر حجمها، واحتوائها على نسيج سكاني متعدد الأعراق، وتبنّيها النموذج الهيكلي الذي تؤدي بموجبه الدولة دورًا استباقيًا في تحديد مسار التحولات الهيكلية، وهيمنة حزب وحيد على دواليب الحياة السياسية. وبين الأكاديمي الدنماركي يورغ سورنسن Georg Sørensen أن السلطوية تتمتع بقدرٍ كبير من الشعبية في شرق آسيا، ففي دراسة مسحية شملت اليابان، وهونغ كونغ، وكوريا الجنوبية، والصين، ومنغوليا، والفلبين، وتايوان، وتايلند، كشف هذا الباحث عن شيوع ثقافة انعدام الثقة بالمؤسسات الديمقراطية، وشيوع النظرة النقدية لأداء الديمقراطيات، فيما يتصل بالفساد واحترام القانون والنظام والتنمية الاقتصادية والعدالة16. وخلاصة القول إن أنصار المدرسة الليبرالية الجديدة يدافعون عن الفكرة القائلة بأن الإصلاحات الاقتصادية الضرورية للتنمية لا يمكن أن تعرف طريقها نحو النجاح إلا تحت مظلة نظام سياسي سلطوي قادر على قمع الحركات المعارضة المختلفة (احتجاجات نقابية، احتجاجات اجتماعية، واحتجاجات سياسية)، التي قد تفشل التحول الاقتصادي المأمول، ومن ثمّ يكون "القمع المحدد زمنيًا" هو الثمن الذي يجب على الشعوب أن تدفعه مقابل الحصول على الحرية السياسية والكرامة.

2. الحرية السياسية بوصفها شرطًا أساسيًا لرفع القيود عن الحرية الاقتصادية

تناولت مجموعة ثانية من المفكرين والباحثين فكرة العلاقة السببية العكسية، أي المتجهة من الحرية السياسية إلى الحرية الاقتصادية،، رر كان جورج بنتهام ففي بداية القرن التاسع ع George Bentham 1884-1800() والفلاسفة الراديكاليون يعتبرون الحرية السياسية ضامنًا لكل حرية اقتصادية، ثم إنهم كانوا يعتقدون أن القيود المفروضة آنذاك كانت تحدّ من حركة الجماهير، وبناء عليه، لو أتاح الإصلاح السياسي حق التصويت لعامة أفراد الشعب لفعلوا ما يخدم مصالحهم، أي دعم اختيار مسار التحرير الاقتصادي بالمعنى الشائع "دعه يعمل، دعه يمرّ"، وقد شاطره المفكر الفرنسي بينجامين كونستان)1830-1767(17 هذا الرأي في كتابه "دروس في السياسة الدستورية"، حيث أشاد بالحرية السياسية، وطالب الأفراد بعدم التخلي عنها لأنها تضمن لهم حريتهم في مجالهم الخاص، إلا أن تصوره للديمقراطية ظل مرتبطًا بنظام الحكم التمثيلي البرجوازي، فهو يعتقد مثلً أن حق التصويت يجب أن يقتصر على دافعي ضريبة الاقتراع، أي الملاكين والطبقة البرجوازية18.

  1. Robert Lawson & Jeff Clark, "Examining the Hayek-Friedman Hypothesis on Economic and Political Freedom," Journal of Economic Behavior & Organization , vol. 74, no. 3 (June 2010), pp. 230-239.
  2. Hasan Kirmanoğlu , "Political Freedom and Economic Well-being: A Causal Analysis," ECOMOD Annual Meeting, Istanbul, 3-5/7/2003, pp. 1-10,
  3. Robert Barro, "Democracy and Growth," Journal of Economic Growth ,
  4. Chan Heng Chee, "Democracy: Evolution and Implementation; An Asian Perspective," in: Robert Bartley et al.,  Democracy and Capitalism:
  5. accessed on 25/8/2021, at: https://bit.ly/3Cr9vzG
  6. vol. 1, no. 1 (March 1996), pp. 1-27.
  7. Asian and American Perspectives  (Singapore: Institute of Southeast Asian Studies, 1993), pp. 1-27. 16 يورغ سورنسن، إعادة النظر في النظام الدولي الجديد، ترجمة أسامة الغزولي، سلسلة عالم المعرفة 804 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2020)، ص.257 17  Benjamin Constant, "De la liberté des Anciens comparée à celle des Modernes," in: Benjamin Constant, Œuvres politiques , texte établi par Charles Louandre (Paris: Librairies-éditeurs, 1874 [1819]), p. 284. 18 عبد الوهاب الكيّالي، موسوعة السياسة، ج 5 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1985)، ص.275

أما الفيلسوف الأميركي المعروف جون رولز 2002-1921()، فقد اعترف ضمن نظريته حول العدالة بسموّ الحرية السياسية وعدالتها، حيث اعتبرها بمنزلة أداة مؤسسية مهمة تحفظ وتدعم منظومة الحريات الأساسية الأخرى بما فيها الحرية الاقتصادية في سياق الدولة الحديثة19؛ وقد شكل التيار المساواتي، الذي قاده رولز، نوعًا من التمرد على الليبرالية الكلاسيكية، ولا سيما من منظور تصورها لعلاقة الفرد بالجماعة، حيث دافع عن الدور المحوري للبنية الاجتماعية في تحديد مفهوم الحرية ومساحتها، كما دافع عن التلازم بين الحرية والعدالة بما يخدم الصالح العام؛ وفي هذا الإطار أكد على أن المساواة تقتضي أن لا يؤثر الأصل الاجتماعي سلبيًا في مستقبل الأفراد، بحيث ينبغي الجمع بين الحرية الاقتصادية التي يستفيد منها من هم أكثر حظًا، ودعم التشريعات والقوانين التي تسمح بتحسين وضعية من هم أقل حظًا (مبدأ المساواة في الفرص.) الاقتصاد والمجتمع المنشور أول مرة سنة وفي كتابه الشهير 1922، يرى عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر)1920-1864(20 أن وجود نظام ديمقراطي أمر أساسي لتحديد الخيارات الاقتصادية المثلى، لأن ذلك من شأنه أن يقلل من مخاطر عدم الاستقرار السياسي، ولا سيما أثناء عملية تداول السلطة المؤطرة دستوريًا من خلال مجموعة من القواعد والقوانين، وهو ما لا ينطبق على الأنظمة الاستبدادية. وشدد فيبر على أن الديمقراطية هي في آنٍ واحد نظام عقلاني حر ومنظومة لشرعنة الهيمنة البيروقراطية الضرورية بغرض نمو الأنشطة التجارية والصناعية، فالإدارة الفعالة للأعمال، في المجتمعات المنظمة مثلً، تحتاج إلى وسط سياسي وقانوني متوقع السلوك، كما تحتاج إلى جهاز إداري لتنفيذ القرارات والإجراءات وفق هيكل تنظيمي هرمي فعال21. ويرى دارون أسيموغلو وآخرون22، أن المؤسسات الاقتصادية الجيدة بمعناها الحديث، أي مجموع القواعد الاقتصادية التي تحرص على ضمان أمن حقوق الملكية والعقود، تظهر وتتطور مع وجود مؤسسات ديمقراطية من قوانين وتشريعات ونظم وأعراف تنظم المشاركة السياسية، وتحدّ من سلطة النخبة الحاكمة، وفي غياب هذا الشرط الأساسي، يميل أعضاء هذه النخبة إلى بناء مؤسسات اقتصادية تعظم مكاسبهم الشخصية على حساب المصلحة العامة للمجتمع؛ ومن هنا يتضح أن اتساع نطاق المشاركة السياسية من شأنه أن يرفع من جودة المؤسسات الاقتصادية، ومن ثم، حماية حقوق الملكية الخاصة. وفي السياق نفسه، يعتقد جوزي تافاريس ورومان واتشيارغ أن السياسات الاقتصادية الليبرالية تحتاج إلى الشرعية الديمقراطية إطارًا أنسب لإدارة النزاعات الاجتماعية التي قد تنتج من عملية التحرير الاقتصادي (إعادة توزيع الدخل مثلً)، وأنها تقلل من احتمال نشوب الفتن والحروب الأهلية. ويرى الباحثان أن النظام الاستبدادي يستطيع تفادي بعض النزاعات على المدى القصير. لكنه لا يمتلك المؤسسات المناسبة لحلها عند الضرورة23. وقد شدد المفكر الاقتصادي الهندي أمارتيا سن على أهمية الحرية السياسية من خلال وصفها بالأولوية الإجرائية، واعتبارها مصدر تفوق عام24؛ وهو يرى، في إطار أطروحته "التنمية كحرية"، أن فرض قيود شديدة على المشاركة السياسية من شأنه أن "يقوض إلى حد بعيد الفرص المتاحة للأفراد لاستخدام الموارد الاقتصادية لأغراض الاستهلاك والإنتاج والتبادل"25، بل إنه ذهب إلى حد تقديس الحرية السياسية حين أكد أن تبريرها لا يرتبط بآثارها في الجانب الاقتصادي فقط، بل بقيمتها الجوهرية التي تجعل منها حرية إنسانية وكونية26. وعلى الرغم من هذا الموقف القوي، فإن سن لم يبتّ بشكل قاطع في طبيعة العلاقة السببية بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية، إذ يعتقد أن كلتا الحريتين متلازمتان وتتفاعلان فيما بينهما باستمرار بوصفهما عاملً محفزًا للتنمية، وأن تعزيز أي منهما يعني تعزيز الأخرى. وفي السياق العربي، يُعدّ عزمي بشارة، وعبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري 2010-1935()، من أبرز المدافعين عن سمو الحرية السياسية، فمن وجهة نظر الجابري، تحيل الديمقراطية، في الوطن العربي في المقام الأول، إلى الحرية السياسية حتى يتمكن المواطنون من أداء واجبهم الانتخابي، وتحيل، في المقام الثاني، إلى الحرية

  1. John Rawls, Justice et Démocratie (Paris: Éditions du Seuil, 1987),
  2. Max Weber, Economy and Society, Guenther Roth & Claus Wittich (eds.) (London: University of California Press, 1978), p. 1469.
  3. Jean-Yves Capul & Olivier Garnier,  Dictionnaire d'Économie et de Sciences sociales (Paris: Hatier, 2015), p. 696.
  4. Daron Acemoglu, Simon Johnson & James Robinson, "Institutions as the Fundamental Cause of Long-Run Growth," in: Philippe Aghion &
  5. Joseph Tavares & Romain Wacziarg, "How Democracy Affects Growth," European Economic Review , vol. 45, no. 8 (August 2001), pp. 1341-1378.
  6. Sen, pp. 65, 148.
  7. Amartya Sen, Un nouveau Modèle Economique: Développement, Justice, Liberté (Paris: Odile Jacob, 2003), p. 59. 26 رضوان بروسي، "جدلية العلاقة بين الديمقراطية والتنمية: نحو مقاربة غير معيارية "، المستقبل العربي، العدد 094 (آذار/ مارس 2013)، ص.23
  8. Steven Durlauf (eds.), Handbook of Economic Growth (Amsterdam: North- Holland, 2005). p. 165.

الاقتصادية الليبرالية حتى يتمكن كل شخص من القيام بنشاطه الاقتصادي حسب وسائله وإمكانياته27. والحرية عند عزمي بشارة هي في الوعي وفي الممارسة الإنسانية، وليست في الكون القائم خارج الوعي الإنساني28. ويوصي بشارة بأهمية تطوير مفاهيم "حرية الإرادة" و"الحرية السياسية" و"الحرية المدنية" وغيرها29، وهو يرى أن ممارسة الحريات السياسية على أنها حرياتٌ مدنية تتُرجم إلى حرية سياسية من خلال ممارسة حق التنظيم السياسي والدعوة إلى دعمه وتأييده، وحقوقٌ سياسية تنظم ممارسة التأثير بدءًا بممارسة حق الانتخاب وحق الترشح، اللذين يتطلبان درجة من المسؤولية عن هذه الحرية30، مع العلم أن هذه المسؤولية مقرونة بالوعي والإدراك لشروط ممارسة الحرية وتبعات خيارات الإنسان ذي الإرادة الحرة. ويرى عبد الله العروي31 أنّ الممارسة السياسية في العالم العربي تلح على أن تحرير الفرد يمر حتمً عبر تحرير المجتمع، وأن حرية الفكر مرتبطة بالحرية السياسية، وهذه مرتبطة بالحرية الاجتماعية والاقتصادية؛ وكلما توسعت الممارسة وعمّت التجربة انتشرت المقولة الماركسية على حساب المقولة الليبرالية: أولً دعوة سياسية ثم نظرية فلسفية، بعد أن يُعاد ربط تلك المقولة بجذورها الهيغلية؛ وفي سياق الترابطات بين الحرية السياسية أولً، والحرية الاقتصادية يقرّ العروي32 بأن تقدّم علم الاقتصاد يدل، في حد ذاته، على إرادة تحررية عميقة. إلا أن الاقتصاد وحده لا يضمن التحرر، بل يعطي فقط وسائل التحرر في ظروف معينة. لا بد إذًا من تحقيق تلك الظروف السياسية والثقافية والنفسية، فعلم الاقتصاد لا يكفي وحده لإنارة طريق الحرية الفعلية، ولا بد من مساعدة العلوم الاجتماعية الأخرى. عمومًا، حاول العديد من الباحثين المنتمين إلى حقل العلوم الاجتماعية تقديم أدلة إمبريقية على وجود علاقة سببية ذات اتجاه واحد من الحرية السياسية إلى الحرية الاقتصادية، ومن بين هؤلاء نذكر كريستوفر كلاك وآخرين33 الذين قاموا بتحليل تأثير مستوى الحرية السياسية وامتدادها الزمني في مؤشر مؤسسات حقوق الملكية، باستخدام بيانات طولية Data Panel شملت 123 دولة خلال المدة 2005-1970. وقد بينت نتائج هذه الدراسة أن التحول الديمقراطي يوفر ضمانات أحسن لحماية حقوق الملكية الفردية على المدى الطويل، ثم إن الامتداد الزمني للتجربة الديمقراطية يعتبر عاملً مساعدًا على انبثاق مؤسسات اقتصادية جيدة. وبالاعتماد على اختبار سببية غرانجر Causality Granger، قام يي فينغ34 بدراسة شملت مجموعة من البلدان المتقدمة والسائرة في طريق النمو خلال المدة 1995-1975، وقد خلصت إلى أن الحرية السياسية تُنمّي الحرية الاقتصادية، وأن العكس غير صحيح؛ وباستعمال تحليل الانحدار الخطي Standard Regression Analysis، توصّل جون داوسون35 إلى وجود دليل قياسي قوي على أن الحرية السياسية تسبب الحرية الاقتصادية، في حين أن دليل السببية العكسية يشوبه الضعف والغموض. عمومًا، يرى المدافعون عن فكرة أسبقية (أو أولوية) الحرية السياسية على الحرية الاقتصادية أن الأولى تعدّ أصل باقي الحريات وشرط تحققها بحسب تعبير مونتسكيو Montesquieu 1755-1689()، ومن دونها تتعذر ممارسة حرية التملك التي تعتبر عماد الحرية الاقتصادية؛ وتأسيسًا على هذه الفكرة يمكن القول إن مكونات الحرية السياسية، مثل حرية الرأي والتفكير والمعتقد والتصويت والترشيح وتأسيس الأحزاب والجمعيات، ليست حريات مهمة في حد ذاتها، لكنها ضرورية لحماية حرية الأفراد في متابعة مصالحهم الاقتصادية والتنصيص عليها قانونيًا، ودعمها وتأطيرها وتمتينها.

ثانيًا: قياس العلاقة السببية بين الحرية السياسية والحرية الاقتصادية

كما تمّت الإشارة سلفًا، اهتم العديد من الدراسات الإمبريقية بقياس العلاقة السببية بين الحرية السياسية والحرية الاقتصادية في سياقات متعددة ومختلفة، غير أن نصيب المنطقة العربية (بوصفها كيانًا

  1. محمد عابد الجابريٍ، في غمار السياسة: فكرًا وممارسة، ج 1 (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2009)، ص.310
  2. عزمي بشارة، مقالة في الحرية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.56-55
  3. المرجع نفسه، ص.107
  4. المرجع نفسه، ص.110-109
  5. عبد الله العروي، مفهوم الحرية (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،)1983، ص.77
  6. المرجع نفسه، ص.96
  7. Christopher Clague et al., "Property and Contract Rights under Democracy and Dictatorship," Journal of Economic Growth , vol. 1, no. 2 (June 1996), pp. 243-276.
  8. Yi Feng, Democracy, Governance, and Economic Performance: Theory and Evidence (Cambridge/ London: The MIT Press, 2003).
  9. John Dawson, "Causality in the Freedom–Growth Relationship," European Journal of Political Economy , vol. 19, no. 3 (September 2003), pp. 479– 495.

واحدًا) من هذه الدراسات لا يكاد يُذكر، ومن هنا تبرز أهمية القيام بهذا التمرين في السياق العربي استرشادًا بالإطارين النظري والمنهجي للدراسات السابقة.

1. منهجية الدراسة والبيانات المستخدمة

تعدّ السببية Causality من المفاهيم المهمة التي تم اعتمادها في حقول العلوم الاجتماعية، وتدل على الروابط الممكنة بين ظاهرتين، حيث تسبب الواحدة منها (وتسمى السبب أو العلة) الظاهرةَ الأخرى (وتسمى المسبّب أو المعلول)، ورغم الطابع الفلسفي المعقد لهذا المفهوم، فقد حاول بعض علماء الاقتصاد القياسي بناء نماذج رياضية من أجل تحديد طبيعة العلاقة السببية واتجاهها في إطار تحليل السلاسل الزمنية، ويعتبر اختبار سببية غرانجر الأكثر شيوعًا والأكثر استعمالً في أوساط الباحثين، بيد أن تطبيقه رهين بتحقق شرطين متلازمين يصعب استيفاؤهما، وهما: ثبات السلسلة أو استقراريتها، والتكامل المشترك، وهو ما دفع الباحثين الاقتصاديين، من بينهم إيلينا ديميتريسكو وكريستوفر هورلان36 إلى تطوير نموذج أكثر مرونة وأكثر واقعية. في هذه الورقة البحثية، نقترح القيام باختبار العلاقة السببية بين الحرية السياسية والحرية الاقتصادية بالاعتماد على نموذج ديميتريسكو وهورلان نظرًا إلى عدم تجانس بياناتنا المجمعة، ومن ثم، استحالة استخدام الطريقة التقليدية التي اقترحها غرانجر، ثم إن هذا النموذج يتوافق مع استعمال بيانات السلاسل الزمنية القطعية ذات العينات الصغيرة، كما هو الحال في دراستنا هذه، والتي تغطي 16 بلدًا عربيًا خلال 15 سنة. وطبقًا لهذا النموذج، فإن متغيرًا معينًا وليكن X، يسبب متغيرًا آخر وليكن Y، إذا كان من الممكن التنبؤ بشكل أفضل بالقيم الحالية للمتغير Y باستخدام القيم السابقة للمتغير X عما يمكن أن يكون عليه الحال فيما لو لم يتم الرجوع إلى هذه القيم. ويمكن طرح أربعة احتمالات لاتجاهات السببية: اتجاه أحادي السببية من Y إلى X، واتجاه أحادي السببية من X إلى Y، وسببية ثنائية الاتجاه، وأخيرًا انعدام السببية أو الاستقلالية؛ ومن هنا ينبغي وضع فرضيتين واختبارهما: فرضية العدم أو الفرضية الصفرية التي تشير إلى عدم وجود أي علاقة سببية دالة بين المتغيرين، والفرضية البديلة التي تقرّ عكس ذلك، وسيجري اختبار هاتين الفرضيتين من خلال تقدير المعادلة التالية:

حيث: يمثل عدد فترات التباطؤ الكافية لإلغاء الارتباط الذاتي لحد الخطأ. يمثل معلمة الانحدار الذاتي. يمثل معلمات الانحدار التي تتغير من بلد إلى آخر. يمثل الحد العشوائي لكل بلد i خلال السنة t. وقد تم الحصول على البيانات المتعلقة بالحرية الاقتصادية من خلال قاعدة بيانات مؤسسة هيريتج الأميركية  American Heritage 37، حيث طورت هذه الأخيرة مؤشرًا مركبًا بالاعتماد على عشرة متغيرات، وهي: حرية الأعمال (عدد المساطر وسرعتها وتكاليفها)، وحرية التجارة (الحواجز السعرية واللاسعرية)، والحرية الجبائية (العبء الضريبي)، وحجم الحكومة (ثقل الإنفاق العمومي)، والحرية النقدية (مراقبة الأسعار ومستوى التضخم)، وحرية الاستثمار (حدة القيود المفروضة على تدفق الرساميل الأجنبية)، والحرية المالية (القيود على الخدمات المالية، ومدى صعوبة الاشتغال في المجال المصرفي، إلخ)، وحقوق الملكية (تدخل الدولة في القضاء، عدم احترام قانون الملكية، نزع الملكية، إلخ)، والحرية من الفساد (مؤشر تمثل الفساد الذي تنشره سنويًا منظمة الشفافية الدولية Transparency International الأدنى (الحد العمل وحرية)، للأجور، درجة مراقبة الدولة لسوق العمل، وغير ذلك.) ويأخذ كل متغير قيمةً معينة على سلّمٍ من صفر إلى 100 نقطة، مع العلم أنه كلما كانت النقطة المحصّل عليها مرتفعة، تحسَّن مستوى الحرية الاقتصادية، فإذا أخذنا مثلً متغير حرية الاستثمار، فالنقطة القصوى 100() تشير إلى انعدام أي قيود على الاستثمار، بينما تحيل النقطة الأدنى 0() إلى وجود قيود قصوى على هذا المتغير، وانطلاقًا من التقديرات المعطاة لكل متغير من المتغيرات العشرة المذكورة، يمكن احتساب نقطة متوسطة من أجل تقويم مستوى الحرية الاقتصادية الكلية التي تراوح بين صفر و 100. ويبين الجدول 1() توزيع الحرية الاقتصادية الكلية من خلال النقطة المحسوبة. أما البيانات المتعلقة بالحرية السياسية، فقد تم استقاؤها من قاعدة بيانات المنظمة غير الحكومية فريدوم هاوس Freedom House التي

  1. Elena-Ivona Dumitrescu & Christophe Hurlin, "Testing for Granger non-Causality in Heterogeneous Panels," Economic Modelling , vol. 29, no. 4
  2. (July 2012), pp. 1450-1460. 37 لزيارة الموقع الإلكتروني لمؤسسة هيريتج، ينظر www.heritage.org: من 0 إلى 49.9 من 50 إلى 59.9 من 60 إلى 69.9 من 70 إلى 79.9 من 80 إلى 100 النقطة حرية مقموعة حرية شبه مقموعة حرية معتدلة المصدر: إعداد الباحثين استنادًا إلى: "2021 Index of Economic Freedom," Heritage , accessed on 25/8/2021, at: https://herit.ag/3AhoRVq المصدر: إعداد الباحثين استنادًا إلى: "Freedom in the World," Freedom House, accessed on 25/8/2021, at: https://bit.ly/2WfCkyZ

الجدول)1(توزيع الحرية الاقتصادية من خلال النقطة المحسوبة

دأبت، منذ عام 1973، على نشر مؤشر مركب للحرية السياسية في كل بلدان العالم على أساس احترام القيم الديمقراطية والحقوق المدنية38. فالحقوق السياسية ترتبط بسير العملية الانتخابية، والتعددية والمشاركة السياسية، والأداء الحكومي، أما الحقوق المدنية فتضم أربع فئات هي: حرية التعبير والمعتقد، وحقوق منظمات المجتمع المدني، وسيادة القانون، والاستقلالية الشخصية والحقوق الفردية. وترتكز منهجية احتساب هذا المؤشر على منح نقاط تراوح بين 0 و 04 لمجموع المعايير المحددة للحقوق السياسية، والباقي أي 60 نقطة حدًّا أقصى للمعايير المعتمدة لقياس الحقوق المدنية. وكلما ارتفع المؤشر، تحسَّن مستوى الحرية السياسية بحيث يتم تصنيف الدول إلى ثلاث مجموعات: الدول ذات الحرية التامة، والدول ذات الحرية الجزئية، والدول غير الحرة كما هو موضح في الجدول.)2(الجدول)2(توزيع الحرية السياسية

الحقوق املدنيةالنقط5-011-617-1223-1829-2435-3040-36
60-53جزئيةجزئيةجزئيةتامةتامةتامةتامة
52-44جزئيةجزئيةجزئيةجزئيةتامةتامةتامة
43-35جزئيةجزئيةجزئيةجزئيةجزئيةتامةتامة
34-26منعدمةجزئيةجزئيةجزئيةجزئيةجزئيةتامة
25-17منعدمةمنعدمةجزئيةجزئيةجزئيةجزئيةجزئية
16-8منعدمةمنعدمةمنعدمةجزئيةجزئيةجزئيةجزئية
7-0منعدمةمنعدمةمنعدمةمنعدمةجزئيةجزئيةجزئية

وتهم البيانات التي جُمعت من 16 دولة عربية هي: المغرب، وتونس، والجزائر، والسعودية، ومصر، وموريتانيا، والسودان، والعراق، وعمان، والبحرين، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، ولبنان، والأردن، والكويت، وجزر القمر39، وتغطي البيانات المجمعة المدة.2019-1999

2. عرض نتائج الدراسة ومناقشتها

في البداية لا بد من الإشارة إلى أن قراءة تطور مؤشرَي الحرية الاقتصادية والحرية السياسية، في الدول العربية المعنية بهذه الدراسة منذ عام 1999، مكنت من استخلاص ثلاث ملاحظات أساسية. تشير الملاحظة الأولى إلى عدم تجانس عينة الدراسة، سواء على مستوى الحرية السياسية أو على مستوى الحرية الاقتصادية، ففيما يخص

  1. يمكن زيارة الموقع الإلكتروني لمؤسسة فريدوم هاوس في https://freedomhouse.org: حرية نسبية حرية تامة مستوى الحرية
  2. تمّ استثناء ستّ دول عربية من هذه الدراسة بسبب الافتقار إلى البيانات الإحصائية المحيّنة المتعلقة بها، ويتعلق الأمر بسورية وليبيا واليمن والصومال وفلسطين وجيبوتي. المصدر: إعداد الباحثيَن استنادًا إلى قاعدة بيانات فريدوم هاوس: "Freedom in the World," Freedom House, accessed on 25/8/2021, at: https://bit.ly/2WfCkyZ
دول ذات حرية معتدلةدول ذات حرية نسبية
دول ذات حرية مقموعةدول ذات حرية مقموعة نسبيًا

الحرية الاقتصادية، وكما يوضح الشكل 1()، فإن غالبية الدول العربية ما زالت تئن تحت وطأة القمع الاقتصادي النسبي أو التام، وتأتي على رأس الدول العربية التي تنعم بحرية اقتصادية نسبية كل من قطر، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، فيما تتذيل ثلاث دول الترتيب، هي: السودان والعراق وجزر القمر، مع التذكير بأنه لم تتمكن أي دولة عربية من الوجود ضمن نادي الدول التي تتمتع بحرية اقتصادية كاملة أو مطلقة. تنطبق الملاحظة نفسها تقريبًا على الحرية السياسية. صحيح أن بعض الدول، مثل لبنان والأردن والكويت والمغرب وجزر القمر، استطاعت بناء نماذج سياسية متقدمة ومنفتحة نسبيًا انطلاقًا من واقعها الاجتماعي، ما جعلها تتبوأ مرتبة الدول "الحرة جزئيًا"، إلا الشكل)1(تطور الحرية الاقتصادية في الدول العربية في المدة 2019-1999

أن غالبية الدول العربية لم تتقدم بما فيه الكفاية في مجال الحقوق والحريات السياسية، إذ ما زالت تصنف في خانة الدول غير الحرة، وتمثّل تونس استثناء عربيًا من خلال نجاحها في تأمين مسار سياسي وحقوقي جعلها ترتقي سريعًا في ترتيب الحرية السياسية، إذ انتقلت من دولة قمعية قبل الثورة إلى دولة حرة جزئيًا، قبل أن تصبح دولة حرة تمامًا ابتداءً من سنة.2015 وتتعلق الملاحظة الثانية بخلفيات إطلاق مسلسل الإصلاحات الهادفة إلى توسيع هامش الحريات في المنطقة العربية، فقد بينت التجارب السابقة أن هذه العملية لا تنبع من إرادة مستقلة ومسؤولة للنخب الحاكمة، بل تتحكم فيها توازنات المصالح الداخلية والضغوط التي تمارسها القوى الخارجية، فباستثناء بعض دول الخليج، مثل قطر،

الشكل)2(تطور الحرية السياسية في الدول العربية في المدة 2019-1999

والكويت، والإمارات، التي استطاعت تحسين مستوى الحرية الاقتصادية على نحو إرادي، فإن باقي الدول العربية خضعت ورضخت لضغوط المؤسسات المالية الدولية، ثم إن إطلاق مبادرة الانفتاح السياسي، وتوسيع مساحة الحرية السياسية في بعض الدول العربية هو نتيجة طبيعية لمطالب الحركات الاحتجاجية التي اجتاحت المنطقة العربية في أواخر عام.2010 أما الملاحظة الثالثة، فتخص مسار الحريتين الاقتصادية والسياسية في السياق العربي، فإذا كان مسار الحرية الاقتصادية قد انطلق مبكرًا، ولا سيما في ثمانينيات القرن العشرين، وسجل نوعًا من التحسن التدريجي - ولو أنه بطيء - في جل الدول العربية في إطار مسلسل إصلاحات تدعمها المؤسسات المالية الدولية، فإن مسار الحرية السياسية تأرجح بين بوادر الانفراج والأمل التي جسدها الربيع العربي، ومشاعر التراجع واليأس التي خيمت على المجتمع العربي بعيد وصول الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب Donald Trump 2021-2017() إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأميركية سنة 2017. وعلى كل حال، فجلّ الإصلاحات السياسية اتخذت طابعًا وقائيًا Reform Prophylactic، وهي عملية مدروسة تهدف أساسًا إلى اتقاء غضب الشعب في وقت الشدة، ولا سيما في أوقات الأزمات الاقتصادية. وبغرض التأكد من تجانس البيانات المجمعة أو عدم تجانسها، قُمنا بتحليل التباين الأحادي (أنوفا) الذي يرمز له اختصارًا Analysis Of Variance, ANOVA، وهو اختبار معملي يهدف إلى مقارنة متوسطات كل متغير على حدة من أجل الإقرار بوجود فروق بين الدول المكونة للعينة أو عدم وجودها، ولهذه الغاية يتم إجراء اختبار فيشر لمقارنة المتوسطات مع وجود فرضيتين: الفرضية الصفرية أو فرضية العدم H0 والفرضية البديلة H1، حيث تشير ​ الفرضية الأولى إلى أن الفرق بين متوسط الحرية في بلد ما والمتوسط العام هو صفر، ويعرض الجدول 3() نتائج هذا الاختبار المطبق على متغير الحرية السياسية: يتضح، من خلال قراءة الجدول 3()، أن قيمة احتمال قبول فرضية العدم أقل بكثير من مستوى المعنوية البالغ 5 في المئة، ومن ثم، فليس لها دلالة ومغزى إحصائي، وعلى هذا الأساس يتم رفض هذه الفرضية وقبول الفرضية البديلة التي تشير إلى وجود فوارق جوهرية في متوسطات الحرية السياسية بين الدول العربية موضوع الدراسة. وكما يوضح الجدول)4(، يلاحظ وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين الدول العربية فيما يخص مستوى الحرية الاقتصادية، حيث بلغت قيمة F المحسوبة 53.44، وسُجّل مستوى معنوية (قيمة احتمالية) أقل من المستوى المطلوب 0.05()، ومن هنا تم تأكيد رفض الفرضية

مصدر التغييردرجة حريةإجماليات المربعاتمتوسط المربعاتإحصائية
F
القيمة الاحتمالية
التغيير البيني
التغيير الداخلي
15
320
5.175838
0.511235
0.345056
0.001598
215.98280.000000
المجموع3355.687073
مصدر التغييردرجة حريةإجماليات المربعاتمتوسط المربعاتإحصائية
F
القيمة الاحتمالية
التغيير البيني
التغيير الداخلي
15
320
4.487391
4.487391
0.299159
0.005597
53.447430.0000000
المجموع3356.278515
* ذات دلالة إحصائية عند مستوى معنوية أقل أو يساوي.0.05

الصفرية واستبدالها بالفرضية البديلة التي تنص على عدم تجانس الدول العربية فيما يتصل بتباين بيانات الحرية الاقتصادية. وبهدف تجاوز معضلة عدم تجانس التباين في البيانات المتعلقة بالحرية السياسية والحرية الاقتصادية، قمنا بتحويل سلسلة البيانات الأولية من خلال حساب قيمة انحراف كل مشاهدة عن متوسطها الحسابي وفق الآتي:

حيث إن: الجدول)3(نتائج تحليل التباين (أنوفا) للحرية السياسية

الجدول)4(نتائج تحليل التباين (أنوفا) للحرية الاقتصادية

يمثلان على التوالي متغير الحرية السياسية و ومتغير الحرية الاقتصادية لكل دولة i؛ و يمثلان على التوالي متوسط انحراف قيمة الحرية السياسية والحرية الاقتصادية عن متوسطهما الحسابي لكل دولة i خلال السنة t؛ و يرمزان على التوالي إلى المتوسط الحسابي للحرية السياسية والحرية الاقتصادية الخاص بكل دولة i. وقبل إجراء اختبارات السببية بين المتغيرين قيد الدراسة، قمنا بالتحقق من استقرارية أو سكون السلاسل الزمنية المتعلقة بكل متغير على حدة، والتي تحيل إلى اختبار مدى تذبذب قيمها حول وسط حسابي ثابت وتباين مستقل عن الزمن، ولهذا الغرض التجأنا إلى طريقة Intrusion Prevention System, IPS، والتي تؤدي إلى نتائج جيدة من حيث القدرة على الاختبار حتى في حالة العينات الصغيرة كما هو الحال في هذه الدراسة.

الجدول)5(نتائج استقرارية متغيرات الدراسة

المؤسسات السياسيةالمؤسسات الاقتصادية
الإحصائية المحسوبةالقيمة الاحتماليةالإحصائية المحسوبةالقيمة الاحتمالية
اختبار IPS0.868880.80751.655630.0489

الجدول)6(نتائج اختبار العلاقة السببية بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية

الفرضية الصفريةإحصائية
W-Stat
إحصائية
Zbar-Stat
القيمة الاحتمالية
الحرية السياسية لا تسبب الحرية الاقتصادية4.519760.870540.3840
الحرية الاقتصادية لا تسبب الحرية السياسية6.882973.282080.0010

وتشير النتائج الواردة في الجدول 5() إلى أن السلاسل الزمنية للمتغيرَين، أي الحرية السياسية والحرية الاقتصادية، مستقرة في مستويَيهما، وبناء عليه، فالسلسلتان الزمنيتان كلتاهما متكاملتان من الدرجة الأولى. ويُعدّ هذا التمرين شرطًا ضروريًا لإجراء اختبار السببية، وإلا فلن نستطيع التحقق من وجود علاقة إحصائية بين المتغيرَين موضوع الدراسة على المدى الطويل. كما سبقت الإشارة، فقد وقع الاختيار على اختبار السببية 2012، ونقدم في الجدول 6() نتائج هذا الاختبار. بناء على النتائج المتحصّل عليها، نرفض فرضية العدم أو الفرضية الصفرية التي تشير إلى أنّ الحرية الاقتصادية لا تسبب الحرية السياسية عند مستوى دلالة أو معنوية Significance Level واحد في المئة، أي إن العكس هو الصحيح، فالحرية الاقتصادية تسبب الحرية السياسية. في المقابل، نقبل الفرضية الصفرية التي تُقرّ بأن الحرية السياسية لا تسبب الحرية الاقتصادية في المنطقة العربية (قيمة احتمالية تساوي 38.4 في المئة.) وبغرض دعم هذه النتيجة، ارتأينا اختبار اتجاه السببية من خلال تحليل السلاسل الزمنية الفردية الخاصة بكل دولة من الدول العربية المُشكّلة لعينة الدراسة، وبناء عليه يعرض الجدول 7() نتائج هذا الاختبار بالاعتماد على اختبار فيشر Test.Fisher من خلال قراءة الجدول 7() يتضح أن نتائج اختبار العلاقة السببية بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية على صعيد كل دولة عربية تتوافق مع ما أفرزه نموذج البيانات الطولية أو البانل Model Panel؛ فمن جهة أولى، فإن الفرضية الصفرية مرفوضة في كل الدول العربية المُشكّلة لعينة الدراسة عند مستوى دلالة 10 في المئة، أي إن الحرية السياسية لا تسبب الحرية الاقتصادية في هذه الدول؛ ومن جهة ثانية، بيّ اختبار غرانجر أن فرضية العلاقة السببية المتجهة من الحرية الاقتصادية نحو الحرية السياسية صحيحة في معظم الدول العربية عند مستوى دلالة 10 في المئة؛ وذلك في 7 دول من أصل 16، هي: تونس ولبنان والسعودية والبحرين وقطر وعمان والإمارات، تبدو محايدة إزاء هذه الفرضية. يمكن تفسير هذه الاستثناءات بالظروف الخاصة بكل دولة أو مجموعة دول، ففي تونس مثلً، لا سيما منذ "ثورة الياسمين" أواخر عام 2010، انخرطت الطبقة السياسية الحاكمة في بناء المؤسسات الديمقراطية؛ ما ساهم في تحسّن تدريجي في مستوى الحرية السياسية، غير أن هذا التمرين الديمقراطي كان بطيئًا، واستهلك كثيرًا من الوقت على

الفرضية الصفرية:
الحرية الاقتصادية لا تسبب الحرية السياسية
الفرضية الصفرية:
الحرية السياسية لا تسبب الحرية الاقتصادية
صائية F
القيمة الاحتمالية
الدول
إحص
القيمة الاحتماليةإحصائية Fالدول
3.367
0.0841
الجزائر7100.46870.54941الجزائر
0.754
0.3972
البحرين4320.12702.57479البحرين
4.481
0.0493
جزر القمر1780.24501.45035جزر القمر
6.692
0.0192
مصر2690.43660.63488مصر
9.011
0.0080
العراق1190.78590.07618العراق
3.347
0.0876
الأردن7320.63570.23269الأردن
3.287
0.0895
الكويت7060.11772.71659الكويت
0.487
0.4945
لبنان7380.60110.28383لبنان
3.728
0.0704
موريتانيا8180.38400.79854موريتانيا
5.357
0.0334
المغرب7320.95720.00297المغرب
2.574
0.1270
عمان4790.26081.35300عمان
0.356
0.5582
قطر6780.26821.31052قطر
3.000
0.1013
السعودية0510.82060.05307السعودية
3.068
0.0978
السودان8650.383420.74231السودان
0.061
0.8066
تونس1830.10792.88038تونس
0.788
0.3740
الإمارات العربية8540.61990.25516الإمارات العربية

حساب إصلاح المؤسسات الاقتصادية، أي القواعد المنظمة للحياة الاقتصادية ومزاولة الأعمال. أما في لبنان الذي كان وما زال مضرب المثل في ممارسة الحريات بكل أشكالها، فيبدو أن مسلسل الحرية السياسية لا تحركه بالضرورة آلة الحرية الاقتصادية على الرغم من تطورها النسبي مقارنة بباقي الدول العربية غير النفطية، بل هو نتاج الديمقراطية التوافقية التي يقوم عليها النظام السياسي اللبناني المنبثق من اتفاق الطائف؛ وأخيرًا، فإن دول الخليج، ما عدا دولة الكويت، تشكل استثناءً عربيًا. لقد قطعت هذه الدول أشواطًا مهمة فيما يتعلق بحقوق الملكية، والنظام القانوني للأعمال، وتنظيم النشاط الاقتصادي والسياسة النقدية، غير أن هذا التطور الإيجابي في مستوى الحرية الاقتصادية لم يكن في نظرنا نتيجة لإنجازات معينة على صعيد الحقوق السياسية والحريات المدنية التي ظلت محدودة في أغلب المجتمعات الخليجية، بل نتيجة لعوامل موضوعية ناجمة الجدول)7(نتائج اختبار العلاقة السببية بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية على صعيد كل دولة عربية على حدة

عن طبيعة الأنشطة الاقتصادية المهيمنة، ولا سيما توافر البترول والغاز بكميات كبيرة، مع ما ترتب على ذلك من حضور وازن للقوى الخارجية الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية التي نرى أنها تميل إلى مماشاة أنظمة سياسية سلطوية تحمي الأسواق الحرة على أنظمة ديمقراطية تعيد تصميم (نظام) الأسواق، ومن ثم، تغليب البعد الاقتصادي على البعد السياسي تماشيًا مع مبادئ الليبرالية الجديدة، وحفاظًا على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. عمومًا تتوافق نتيجة هذه الدراسة الكمية نسبيًا مع الأطروحة النظرية التي دافع عنها بعض المفكرين الليبراليين، ولا سيما ميلتون فريدمان وفريدريك هايك، والتي تفيد بأن الحرية الاقتصادية تُعدّ وسيلة لا غنى عنها لتمهيد الطريق أمام تحقيق الحرية السياسية، وكما ورد في التقرير السنوي حول الحرية الاقتصادية في العالم العربي لسنة 2019، يبدو أن من شأن توسيع هامش الحرية الاقتصادية أن يُحسّن مستوى حياة الناس وتحريرهم من الاتكالية أو التبعية، والمضيّ بهم نحو الحريات الأخرى ونحو الديمقراطية40. وبغض النظر عن هذه المقاربة الكمية للعلاقة بين الحرية السياسية والحرية الاقتصادية، التي يكتنفها نوع من اللبس بحكم الطابع الفلسفي والأخلاقي لمفهوم الحرية، وأيضًا بحكم التحفظات التي أثيرت حول اختبار غرانجر41، يمكن القول إن الحالة العربية تتسم عمومًا بالتعقيد والتركيب، فمن خلال تحليل واقع المجتمع العربي، يتضح أن جملة من العوامل البنيوية المتشابكة ربما أعاقت انبثاق الحرية السياسية وتعزيزها، فعلى المستوى الاقتصادي، يُعتبر النمو الاقتصادي والتوزيع العادل، أو على الأقل النسبي المتقارب بين فئات المجتمع للثروة، من الشروط الضرورية ولكن غير الكافية لتعزيز مستوى الحرية السياسية، وهما شرطان غير متوافرين جميعهما في معظم المجتمعات العربية، ففي الدول العربية غير الخليجية ظل معدل النمو الاقتصادي دون المستوى المطلوب وغير شامل للجميع، وذلك ما لم يساعد على بلوغ الغايات المنشودة بما فيها تسهيل التحولات الاجتماعية والثقافية الضرورية لتوسيع هامش ممارسة الحرية السياسية وبناء المؤسسات الديمقراطية. أما في الدول العربية الخليجية، وعلى الرغم من الرخاء الاقتصادي الذي تحقق خلال السنوات الأخيرة، فإن هذا الشرط الضروري للتحرر السياسي لم يواكبه تحديث في المجتمع وتشكيل ثقافة سياسية حاضنة لمنظومة من القيم تؤسس لمجتمع يقوم على التفكير النقدي، فإذا استثنينا التجربة الناجحة نسبيًا في الكويت، فإن المجتمعات الخليجية ما زالت تنظر إلى الحرية السياسية على أنها سلعة كمالية في ظل استغلال الإيرادات النفطية الضخمة، للرفع من مؤشرات الشعور بالرفاه لدى الأفراد، وفي الوقت نفسه تعزيز هيمنة العائلات الحاكمة على مفاصل الدولة وجعلها إحدى أهم أدوات الحكم42. فعلى الرغم من أن الزعماء العرب ليسوا بمخلوقات استثنائية، فإنهم تمكنوا عبر سياسة القمع والبطش تارة، وسياسة التجهيل والتشويش على العقل والحفاظ على تقليد "الدولة الرعوية" الريعية التوزيعية تارة أخرى من إخضاع ملايين الناس البسطاء وتدجينهم، ولا سيما خلال فترات العوز والفقر الشديد، وفي هذه الظروف يمكن أن نفهم أن سبب وجود الحرية (أو عدم وجود الحرية) السياسية في البلدان العربية لا يمكن استيعابه خارج الإنسان بل داخله. إن الأفراد، الذين يخضعون إراديًا لنظام الحكم التسلطي، يصبحون صانعين لعبوديتهم. أما أولئك الذين يخضعون لهم مكرهين، فغالبًا ما تتولد لديهم شخصية مأزومة، ومشاعر الإحباط قد تنتهي بثورات شعبية كما حدث خلال الربيع العربي في عام.2011 إن الحرية السياسية تستوجب أيضًا وجود الثقة وثقافة التوافق، فمن جهة أولى، يجب على كل فرد احترام رأي الآخرين وحقوقهم في التعبير، وتمكينهم من الاستفادة من الامتيازات نفسها والامتثال للواجبات نفسها، إلا أن العكس هو الذي يميز العلاقات بين الأفراد والجماعات في كثير من المجتمعات العربية. ومن جهة أخرى، يعتبر التوافق مكونًا أساسيًا للسوق المفتوحة وعاملً محددًا للديمقراطية، وهي نظام سياسي يقوم على التوافق وليس على الإلزام، كما أنها وسيلة لفض المنازعات التي تميز معظم المجتمعات، وعلى الرغم من ذلك فإن فكرة الوفاق في البلدان العربية تبدو خارجة عن نطاق المكونين العقلي والثقافي للأفراد، ولهذا فإن الصراع وعدم القدرة على تقبّل المعارضين يظلان هما القاعدة، وذلك ما يؤدي في الغالب إلى حلول إقصائية وغير عادلة.

خاتمة

يبدو أن التفاعلات والترابطات بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية في العالم العربي تتماشى عمومًا مع الأطروحة التي دافع عنها بعض المفكرين الليبراليين خصوصًا ميلتون فريدمان وفريدريك

  1. Salem Ben Nasser Al Ismaily, Miguel Cervantes & Fred McMahon, Economic Freedom of the Arab World: 2019 Annual Report (Frazer Institute: 2019), p. 2.
  2. Mariusz Maziarz, "A Review of the Granger-Causality Fallacy," The Journal of Philosophical Economics , vol. 8, no. 2 (2015), pp. 86–105.
  3. دحمان عبد الحق، "دور النفط في تشكيل البنية التحتية السياسية للممالك المجلة الجزائرية للسياسات العامّة، العدد الخليجية"، 2 (تشرين الأول/ أكتوبر)2014، ص 183-155.

هايك، والتي تفيد بوجود علاقة سببية أحادية تتجه من المتغير الأول نحو المتغير الثاني، فبالاعتماد على أدوات الاقتصاد القياسي لبيانات البانل، بينّا أن الحرية الاقتصادية في الدول العربية المكونة لعينة الدراسة (وهي 16 دولة) تسبب الحرية السياسية، والعكس غير صحيح. غير أن هذه النتيجة تبقى نسبية نوعًا ما في ظل وجود تفاوتات بين الدول العربية فيما يخص اتجاه السببية وحدّتها. إن تعزيز مستوى الحرية الاقتصادية في السياق العربي يُعدّ أحد الشروط الدنيا لإنجاح مسلسل التحرر السياسي، فالسماح للناس باتخاذ قراراتهم بأنفسهم من دون إكراه وباحترام تام للقوانين، لا يساهم في خلق الثروة فحسب، بل يخلق أيضًا الشروط المادية والسلوكية للحرية السياسية، وقد لا يتم ذلك على نحو مباشر بل عبر قناة الرخاء الاقتصادي، ذلك أن الحرية الاقتصادية تساعد الأفراد في توجيه حياتهم بأنفسهم، كما تساعد على الرفع من روح المقاولة والتمكين الشخصي وأخذ المبادرة بكل استقلالية، وهي عوامل لا غنى عنها بهدف تسريع وتيرة النمو الاقتصادي الضروري وتحسين فرص الحياة للجميع من دون تمييز، ومن ثم، خلق الظروف الموضوعية للارتقاء بالعملية السياسية إلى مستوى ناضج وعقلاني. وتتجلى هذه الظروف أساسًا في بناء طبقة وسطى متينة وداعمة للتحول السياسي والتماسك الاجتماعي، وانبثاق نخبة جديدة من الديمقراطيين الحقيقيين تؤمن بالاختلاف، وتشكل مجتمعًا مدنيًا مستقلً وقادرًا على القيام بأدوار توعوية وتنويرية. ورغم أن اختبار السببية قد أظهر أن الحرية الاقتصادية تؤدي دور القاطرة في تعزيز الحرية السياسية في السياق العربي، فإنّ الواقع يبدو أشد تعقيدًا، ويتسم بنوع من المفارقة، فمن جهة تم استغلال شعار الحرية الاقتصادية لتقوية رأسمالية المحاسيب Crony Capitalism التي تنشأ نتيجة زواج المال والسياسة بطرق غير شرعية، بهدف تحقيق مصالح اقتصادية خاصة، إذ تم استبدال سيطرة نخب قريبة من دوائر الحكم على الاقتصاد عن طريق امتيازات حكومية ممنوحة خارج القواعد المنظمة للسوق بسيطرة النخب نفسها على الاقتصاد في إطار آليات السوق، ولكن بطرق ملتوية وطفيلية (كالتستر على المعلومات، وانتشار المحسوبية والزبونية ... إلخ)؛ ومن جهة ثانية، ومن خلال إطلاق مبادرات إصلاحية انتقائية متعددة، حاول صناع القرار السياسي، في كثير من الدول العربية، إيهام الرأي العام بحسن نيّاتهم تجاه التخلص من العيوب التي تشوب النظام الاقتصادي القائم، غير أنهم في الواقع أبقوا على السلوكات نفسها، وحافظوا تقريبًا على التوجهات نفسها، ربما خوفًا من أن يؤدي أي مجهود إصلاحي حقيقي إلى تقليص الفوارق الاجتماعية وظهور طبقة وسطى مثقفة، مع ما يمثله ذلك من تهديد لمصالح المنتفعين من بقاء الأمور على حالها؛ فكلما ازداد الرخاء الاقتصادي والوعي الثقافي للأفراد، ارتفع سقف المطالب المتعلقة بالحرية السياسية، ومن ثم، طرح قضايا شرعية الأنظمة العربية ذاتها ومشروعيتها، كمجابهة (جديدة) بين المجتمع السياسي من جهة والمجتمع المدني بكل أطيافه من جهة أخرى. وإذا أضفنا إلى هذه المفارقة هيمنة النظام الأبوي، وتفشي ظاهرة العصبية في جزء كبير من المجتمع العربي، وتدجين المجتمع المدني، وترسيخ الأنظمة العربية للتسلطية، فإننا نحصل على بيئة غير مواتية لأي تحرر أو انعتاق سياسي إرادي وانتقال ديمقراطي سلس وسلمي، ومن هنا تبرز أهمية الالتزام الأخلاقي للنخب الحاكمة في الحد من ظاهرة رأسمالية المحاسيب وإطلاق مسلسل إصلاحات اقتصادية ومؤسسية عميقة وجذرية تصب في تطوير نموذج اقتصادي منتج وأكثر عدلً وإنصافًا يفضي على المدى المتوسط إلى بناء أسس تحول ديمقراطي مجتمعي متوافق عليه.

المراجع

العربية

بروسي، رضوان. "جدلية العلاقة بين الديمقراطية والتنمية: نحو مقاربة المستقبل العربي. العدد غير معيارية." 094 (آذار/ مارس 2013.) بشارة، عزمي. مقالة في الحرية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 الجابري، محمد عابد. في غمار السياسة: فكرًا وممارسة. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2009 سورنسن، يورغ. إعادة النظر في النظام الدولي الجديد. ترجمة أسامة سلسلة عالم المعرفة الغزولي. 80.4 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2020 عبد الحق، دحمان. "دور النفط في تشكيل البنية التحتية السياسية للممالك الخليجية." المجلة الجزائرية للسياسات العامة. العدد 2 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2014 العروي، عبد الله. مفهوم الحرية. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.1983 الفيل، خالد عثمان. "سياسات التحرير الاقتصادي وأثره في العلاقات المدنية – العسكرية: حالات عربية مختارة." سياسات عربية. العدد 44 (أيار/ مايو.)2020 الكيالي، عبد الوهاب. موسوعة السياسة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1985

الأجنبية

Aghion, Philippe & Steven Durlauf (eds.). Handbook of Economic Growth. Amsterdam: North-Holland, 2005. Al Ismaily, Salem Ben Nasser, Miguel Cervantes & Fred McMahon. Economic Freedom of the Arab World: 2019 Annual Report. Frazer Institute: 2019. Barro, Robert. "Democracy and Growth." Journal of Economic Growth. vol. 1, no. 1 (March 1996). Bartley, Robert et al.  Democracy and Capitalism: Asian and American Perspectives. Singapore: Institute of Southeast Asian Studies, 1993. Bastia, Frederic. La loi. Paris: Institut Coppet, 2011 [1850]. Bilson, John F. O. "Civil Liberty-An Econometric Investigation." Kyklos: International Review for Social Sciences. vol. 35, no. 1 (February 1982). Capul, Jean-Yves & Olivier Garnier.  Dictionnaire d'Économie et de Sciences sociales. Paris: Hatier, 2015. Clague, Christopher et al., "Property and Contract Rights under Democracy and Dictatorship." Journal of Economic Growth. vol. 1, no. 2 (June 1996).

Constant, Benjamin. Œuvres politiques. Texte établi par Charles Louandre. Paris: Librairies-éditeurs, 1874 [1819].

Dawson, John. "Causality in the Freedom–Growth Relationship." European Journal of Political Economy. vol. 19, no. 3 (September 2003). Dumitrescu, Elena-Ivona & Christophe Hurlin. "Testing for Granger non-Causality in Heterogeneous Panels." Economic Modelling. vol. 29, no. 4 (July 2012). Feng, Yi. Democracy, Governance, and Economic Performance: Theory and Evidence. Cambridge/ London: The MIT Press, 2003. Fernandez, Raquel & Dani Rodrik. "Resistance to Reform: Status Quo Bias in the Presence of Individual- specific Uncertainty." American Economic Review. vol. 81, no. 5 (December 1991). Friedman, Milton. Capitalism and Freedom. Chicago: Chicago University Press, 2002.

Gwartneya, James & Robert Lawsonb. "The Concept and Measurement of Economic Freedom." European Journal of Political Economy. vol. 19, no. 3 (September 2003).

Hayek, Friedrich A.  La route de la servitude.  Paris: PUF, 1985. Huntington, Samuel Phillips. "Democracy's Third Wave." Journal of Democracy. vol. 2, no. 2 (Spring 1991).

._______ The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century. Norman: University of Oklahoma Press, 1993.

Kirmano ğ lu, Hasan. "Political Freedom and Economic Well-being: A Causal Analysis." ECOMOD Annual Meeting, Istanbul. 3-5/7/2003. at: https://bit.ly/3Cr9vzG

Lawson, Robert & Jeff Clark. "Examining the Hayek- Friedman Hypothesis on Economic and Political Freedom." Journal of Economic Behavior & Organization. vol. 74, no. 3 (June 2010). Lipset, Seymour Martin. "Some Social Requisites of Democracy: Economic Development and Political Legitimacy." The American Political Science Review. vol. 53, no. 1 (March 1959). Maziarz, Mariusz. "A Review of the Granger-Causality Fallacy." The Journal of Philosophical Economics. vol. 8, no. 2 (2015). Rawls, John. Justice et Démocratie. Paris: Éditions du Seuil, 1987. Sen, Amartya. Development as Freedom. New York: Oxford University Press, 1999. _______. Un nouveau modèle économique: Développement, Justice, Liberté. Paris: Odile Jacob, 2003. Tavares, Joseph & Romain Wacziarg. "How Democracy Affects Growth." European Economic Review. vol. 45, no. 8 (August 2001). Vásquez, Ian. "The Central Role of Economic Freedom in Democracy." Issues of Democracy (December 2005). at: https://bit.ly/3rseNFi Weber, Max. Economy and Society. Guenther Roth & Claus Wittich (eds.). London: University of California Press, 1978.

مراجع إضافية

بورديو، بيار. عن الدولة. دروس في الكوليج دو فرانس -1989(1992). ترجمة نصير مروة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 معتوق، فريدريك. "العصبيات: آكلة الحريات السياسية." تبين. مج 5 العدد، 17 (صيف.)2016 هلال، علي الدين. الانتقال إلى الديمقراطية. ماذا يستفيد العرب من تجارب الآخرين؟ سلسلة عالم المعرفة 79.4 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2019 Dollar, David & Aart Kraay, "Growth is Good for the Poor." Journal of Economic Growth. vol. 7, no. 3 (September 2002).