خطوة إلى الخلف: تداعيات الهندسة الدستورية للانتقال على العملية التأسيسية في مصر وتونس **
الملخّص
Alongside two constitutions, an old one brought down by a revolution and a new one drawn up by the "constituent power", the state enters a transitional phase during which it is usually ruled by "interim constitutions", enforced by the "transitional constituent" to act as a bridge between the two major constitutions in temporarily regulating the transition and the relationship between authorities. Since the "transitional constituent" wields "authority" outside of constitutional legitimacy, and since contingency and intentionality are inherent features of interim constitutions, a question arises about the extent of the "transitional constituent's" impact on shaping the constituent power, and the legacy of the interim constitutions in drawing up the permanent constitution. The study explores this question, addressing the Egyptian and Tunisian experiences in a comparative context, within a timeframe that begins with the regime collapse in early 2011 and ends with the entry into force of the current constitution in both countries in early 2014. The study seeks to understand the repercussions of the constitutional designing of the transition on the foundational process, and the constitutional regime that it has produced today in the two countries.
A Step Backwards: Implications of the Constitutional Engineering of the Transition on the Foundational Process in Egypt and Tunisia
ه "السلطة التأسيسية بين دستورين "كبيرين"، أحدهما سقط بأسلوب ثوري والآخر جديد تسن"، تدخل الدولة في مرحلة انتقالية تحتكم فيها عادة إلى "دساتير صغيرة"، يضعها "المؤسس الانتقالي"، لتؤدي دور الجسر بين الدستورين في تنظيم الانتقال والعلاقة بين السلطات مؤقت ا. ولما كان المؤسس الانتقالي يتولى "السلطة" خارج المشروعية الدستورية، ولما كًانت العرضية والغرضية سمتين أصيلتين للدساتير الصغيرة، فإن هناك سؤالا حول مدى أثر المؤسس الانتقالي في تشكيل السلطة التأسيسية، وإرث دساتيره الصغيرة في الدستور الكبير. أثارت الدراسة هذا السؤال، متناولة التجربتين المصرية والتونسية، في سياقٍ مقارن، ضمن نطاق زمني يبدأ بسقوط رأس النظام مطلع 2011، وينتهي بسريان الدستور الكبير الحالي فيهما مطلع 2014؛ بهدف فهم تداعيات الهندسة الدستورية للانتقال على العملية التأسيسية، وما أنتجته من نظام دستوري قائم اليوم في الدولتين. كلمات مفتاحية: الهندسة الدستورية، الانتقال الديمقراطي، دستور مصر، دستور تونس، الدستور الصغير، القانون الدستوري.
Keywords: Constitutional Engineering, Democratic Transition, Egypt's Constitution, Tunisia's Constitution, Interim Constitution, Constitutional Law.
إن تأسيس تكوينٍ عن طريق الثورة لن يكون مسوّغًا إلا بأمر الواقع، في ظل "فراغ قانوني ناجم عن خلو العرش الدستوري." وخلال ذلك، لن يكون للقدرة التأسيسية للأمة من أجهزة، سوى التي توصلت، بحكم الظروف، لتضع يدها عليه1.
مقدمة
احتكمت مصر وتونس خلال الانتقال إلى وثائق دستورية عارضة، نظمت العلاقة بين السلطات وساهمت في رسم خريطة الانتقال، وذلك قبل صدور دستور الجمهورية الثانية الحالي في البلدين، مطلع عام 2014 (الدستور الجديد)، وفي ضوء "سقوط" دستور الجمهورية الأولى (الدستور الساقط)، عقب تأجج الثورة فيهما مطلع عام 2011. وتُعرف هذه الوثائق فقهيًّا باسم "الدستور الصغير" Constitution Petite 2، أو المؤقت أو الانتقالي، في دلالة مجازية محيلة إلى الدستور القادم بمعنى الدستور "الكبير"، أو "الدائم" أو "المستقر"3. وقد خبرت مصر الدستور الصغير عمليًّا من خلال الإعلانات الدستورية، بينما خبرته تونس من خلال مرسوم وقانون تأسيسي4. تختلف الجهة التي تقوم بسنّ الدستور الصغير ليحكم الانتقال، عادة، عن التي تضع الدستور الكبير، ليستمر إلى ما بعده6. ويطلق على الجهة الثانية "السلطة التأسيسية" constituant Pouvoir، ولم يبلور الفقه مفهومًا محددًا للجهة الأولى. يطلق عليها البعض "السلطة المؤسِسَة" instituant Pouvoir 7، التي تمثل "الجسر أو الوسيط بين العمل غير التأسيسي والعملية التأسيسية في كليتها"8. وبدلً منه، تعتمد هذه الدراسة مفهوم "المؤسس الانتقالي" (المؤسس.) في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون الدساتير الكبيرة معبّة بموضوعية عن العلاقة الواجبة بين السلطات والمؤسسات، "يستشف من أدبيات الانتقال" أنّ الدساتير الصغيرة عادة ما "تعبر عن التوازنات القائمة في الساحة السياسية"9. ويحاول من خلالها المؤسس وضع إطار ل "نظام شبه دستوري"10، لتكون في مقام "الجسر" بين نظامين، وإطارًا للتفاوض على هيكل الحكم وإجراءات وضع الدستور11، لإتاحة الوقت للمشاركة؛ حتى يأتي الدستور في بيئة أكثر استقرارًا وملاءمة12. وفي الوقت الذي يكون في إمكان الدساتير الكبيرة فيه إحداث قطيعة مع الدساتير الكبيرة السابقة لها، فإن الصغيرة بحكم طبيعتها، ووظيفتها "ما قبل التأسيسية"13، في "عكس تداول نظامين قانونيين مختلفين"14، وأداء دور "الوسيط بين الدستور السابق والدستور المقبل"15؛ فهي قائمة على التفاعل بين الماضي (استيعاب جزئي للنظام القانوني السابق) والحاضر (قواعد تخدم الانتقال) والمستقبل (إرساء قواعد أولية للنظام المنشود) 16. وبناء عليه، فإن المؤسس قد يتجاوز "نعته" (الانتقالي)، فيرث من الماضي ويورث للمستقبل. تعاقب على أداء دور المؤسس في مصر كلٌّ من المجلس الأعلى للقوات المسلحة (المجلس العسكري) والرئيسان المنتخب فالمؤقت، أما في تونس فقد قام بهذا الدور الرئيس المؤقت من خلال مرسوم، ثم
المجلس الوطني التأسيسي من خلال قانون تأسيسي. واقتصرت التجربة التونسية على هاتين الوثيقتين، في حين أن مصر خبرت عشرة إعلانات دستورية17، ساهم أغلبها في "هندسة الانتقال." يعبّ مفهوم "الهندسة الدستورية للانتقال" عن "عملية تخطيط ورسم جُمَلية أو جزئية لمؤسسات النظام السياسي" قيد التشكل، خلال مرحلة انتقالية نتجت بفعل ثورة، لتفصل بين عهدين، أو بقيام الدولة في تشكّلها الأول. وهي "عملية مركبة معقلنة وموجهة، إرادية بالأساس[...]تستهدف تشكيل النظام الدستوري والبناء المؤسسي الجديد"18. في هذه العملية، يقوم المؤسس بدور "المهندس"، من خلال تشريعه دساتير صغيرة. وتتقاطع هذه العملية مع "العملية التأسيسية" التي تشمل "عملية وضع الدستور في معناها الشكلي مع نتاجها أي وثيقة الدستور"19. وبناء عليه، فإنّ هذه الدراسة تقوم على إشكالية مؤدّاها فحص تداعيات الهندسة الدستورية للانتقال على العملية التأسيسية من خلال مقاربتين: الأولى، أثر المؤسس في تشكيل السلطة التأسيسية، من حيث مدى تدخله في تشكيلها وتوقيته وحماية التشكيل (أولً.) أما الثانية، فهي إرث دساتيره الصغيرة في الدستور الجديد، بتلمس مواضع القطع والوصل مع الدستور الساقط، في مواضيع دقيقة تقاطعت ما بين التجربتين أو انفردت بها إحداهما (ثانيًا.) وفي ضوء ذلك، ولما كانت هذه الدراسة تقوم على فرضية وجود "الأثر" و"الإرث"، فإن أهميتها تنبع من أصالتها بالخوض في موضوع لم يُطرق سابقًا؛ فما من دراسة سابقة بالمعنى الدقيق؛ إذ جاءت جل الدراسات التي عنيت بمصر وتونس ما بعد الثورة إما لتدرس الانتقال وإما النظام السياسي القائم في الجمهورية الثانية، بمقاربته ومقارنته أحيانًا بالنظام السياسي للجمهورية الأولى. أمّا هذه الدراسة، فإنّها ترسم خطًّا بين تلك الحلقات جميعها؛ بالاعتماد أساسًا على منهج استنباطي مقارن في تحليل النصوص القانونية والوقائع المادية، مدعم بمنهج تأصيلي في استقراء مواقف المؤسس وتدخلاته خلال الانتقال، والمفاضلة بينها في التجربتين.
أولا: أثر المؤسس الانتقالي في تشكيل السلطة التأسيسية
اشتركت التجربتان التونسية والمصرية في سمة المراوغة في إسقاط الدستور القائم قبل الثورة؛ في محاولة، سرعان ما فشلت، لنصرة المشروعية légalité الدستورية على الشرعية légitimité الثورية20. وعندما "اضطر" المؤسس إلى الإقرار بسقوط الدستور، كان إقرارًا ضمنيًّا وليس صريحًا21. وبينما عمد المجلس العسكري في مصر إلى ذلك ليستمر متمسكًا بالسلطة، بعد نجاحه في تمرير استفتاء على تعديل الدستور22، تجاوب الرئيس المؤقت في تونس فؤاد المبزع (كانون الثاني/ يناير – كانون الأول/ ديسمبر 2011) مع ضغط الشارع23. مقابل هذا الاش اررك، تباين سند تولي المؤسّس لهذا الاختصاص في التجربتين، حتى داخل التجربة الواحدة زمنيًّا؛ إذ تميز الدراسة بين فترتين انتقاليتين ضمن كل تجربة24.
في مصر، جاهد المجلس العسكري ليجمع بين سندَي الشرعية الثورية والمشروعية الدستورية، اللذين يتناقضان كثيرًا؛ الأوّل بداعي دوره في تحييد رأس النظام، والثاني بتأويلات "واهية" لواجب الجيش، بموجب الدستور القائم قبل الثورة، في "حماية البلاد"، و"تكليف" الرئيس "المتنحّي" له بإدارة شؤونها25، ولكنه في المحصلة، اضطلع بدور المؤسس، وأصدر خمسة إعلانات دستورية، خلال المدة بين سقوط الرئيس المصري حسني مبارك 2011-1981() وتنصيب محمد مرسي 2013-2012()، إعلانان منها أساسيّان، وثلاثة معدلة. وأصدر مرسي ثلاثة إعلانات بعد انتخابه رئيسًا للجمهورية26. وما إن صدر دستور 2012، حتى ألغى صراحة جميع الإعلانات السابقة. سقط الرئيس مرسي، بعد عام على انتخابه. ودشنت فترة انتقالية ثانية أ، كان فاتحتها صدور بيان يوليو عن القيادة العامة للقوات المسلحة، متّخذًا صبغة "دستورية"27، وإن لم يحمل اسم "إعلان دستوري"؛ فإضافة إلى نشره في الجريدة الرسمية28، عُطل بموجبه دستور عام 2012، وتولى عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية، رئاسة الجمهورية مؤقّتًا 2014-2013()، مانحًا إيّاه "سلطة إصدار إعلانات دستورية"؛ حيث تعلّم الجيش من تجربته بتولي الحكم المباشر خلال الفترة الانتقالية الأولى، أنّ الأفضل له أن يتولى الحكم من خلف ستار رئيس مؤقت29. وبالفعل، فقد أصدر الرئيس المؤقت إعلانين، أرسى ثانيهما مجموعة الأحكام الدستورية التي ستحكم الفترة الجديدة من الانتقال30. ومن ثم، فقد احتكم الانتقال بفترتيه إلى عشرة إعلانات إضافة إلى بيان يوليو. أمّا في تونس، فقد كان الحال أقلّ تعقيدًا؛ فمع شغور منصب الرئيس بمغادرة زين العابدين بن علي 2011-1987()، جرى الاحتكام إلى الدستور القائم قبل الثورة، وبعد مراوغة، فشلت سريعًا، بإسناد الرئاسة مؤقّتًا إلى الوزير الأول محمد الغنوشي 2011-1999()، تولاها رئيس مجلس النواب فؤاد المبزع. لم يستند هذا الترتيب كليًا إلى المشروعية الدستورية31، خلافًا لتحليل بعض المراقبين32، بل بدا ك "نصف حل دستوري"33، ب "التمسك بحد أدنى" بالدستور34، إلى أن تجلت الشرعية الثورية بانبثاق فكرة الجمعية التأسيسية المنتخبة، بوصفها ثمرة لاعتصام "القصبة "235. وقد أقر بها الرئيس المؤقت، المبزع36، في ضوء التأييد الذي حظيت به37. لم تتشكل الجمعية إلا بعد نحو تسعة أشهر من بداية الانتقال، وقد احتاجت نحو شهرين لتسنّ القانون التأسيسي ب "التنظيم المؤقت للسلط العمومية"، وهو بمكانة ثاني، وآخر، دستور صغير. أما الأوّل، فقد حكم الفترة السابقة، وكان في هيئة "مرسوم" أصدره الرئيس المؤقت38، استنادًا إلى "الشرعية الثورية"، وليس المشروعية الدستورية؛ حيث صدر بعد انتهاء مدة الستين يومًا، كما حدّدها الدستور السابق لولاية الرئيس المؤقت. وهكذا يلاحظ أن صفة المؤسس تحققت في التجربتين لدى مؤسسات جميعها قائم أصلً قبل الثورة، باستثناء المجلس الوطني التأسيسي التونسي الذي جاء مستحدثًا. وهو الوحيد الذي جمع من بينها بين دورين: دور المؤسس ودور السلطة التأسيسية39. كما يلاحظ أن المؤسس قد اضطلع في التجربتين بدور السلطتين التشريعية و/أو التنفيذية، خلال فترات متباينة40. وفي ضوء ما أرساه المؤسس من أحكام في دساتيره الصغيرة، تباين أسلوب تشكيل السلطة التأسيسية بين التجربتين؛ ففي الوقت الذي أخذت فيه تونس بأسلوب الجمعية المنتخبة (المجلس الوطني التأسيسي)، كان تأليفها في مصر أشد تعقيدًا؛ لخبرتها في انعقادها مرّتين، قاسمُهما المشترك السير في فلك "الاستفتاء التأسيسي"؛ فخلال الفترة الأولى (التي أنتجت دستور 2012)، رسم "إعلان مارس" أسلوبًا لانتخاب الجمعية من طرف البرلمان، يليها استفتاء. أما في المرحلة الثانية (التي أنتجت دستور 2014)، فقد رسم إعلان يوليو أسلوبًا
يعيِّ فيه المؤسس (الرئيس المؤقت) لجنتين دستوريتين، لاقتراح وإجراء تعديلات على الدستور، يُستفتى فيها الشعب. وفي الوقت الذي كانت فيه آلية تشكيل السلطة التأسيسية سلسة في تونس، ما انعكس على تعجيل انعقادها واستمرارها 2()، شهدت مصر كثيرًا من الإشكاليات؛ فكان التشكيل معقّدًا 1(.) وفي كلتا التجربتين كان للمؤسّس دور مؤثر في ذلك.
1. علاقة المؤسس الانتقالي المصري بتعقيد تشكيل السلطة التأسيسية
أُخذ على المؤسس المصري عمومًا تفرّده في اختيار أسلوب التشكيل؛ إذ أصدر أغلب الإعلانات من دون أي مستوى من النقاش المجتمعي41، وإن كانت آلية التشكيل في الفترة الأولى غُلفت باستفتاء، عليه كثير من الملاحظات42. كما كان للمؤسس دور مؤثر في آلية التشكيل واختيار توقيته. وبينما اقتصر دوره على ذلك خلال الفترة الثانية (ب)، فقد اضطلع، إضافة إلى ذلك، بحماية التشكيل خلال الفترة الأولى (أ.)
أ. التدخل في آلية التشكيل وتوقيته وحمايته خلال الفترة الانتقالية الأولى
رسم "إعلان مارس" آلية لتشكيل الجمعية التأسيسية (مادة 60)، تنيط اختصاص انتخاب أعضائها بالبرلمان عقب انتخاب غرفتيه (الشعب والشورى.) ومنح المجلس العسكري ذاته، بموجب ذلك الإعلان، اختصاص دعوة الغرفتين لاجتماع مشترك لهذا الغرض. وعلى الرغم من مماطلة المجلس العسكري في إجراء الانتخابات البرلمانية (المعلّق عليها تشكيل الجمعية)، ليبقى متمسكًا بالسلطة التشريعية أطول فترة ممكنة، كان من اللافت تعجله في دعوة البرلمان للانعقاد لينتخب أعضاء الجمعية43؛ فعلى الرغم من أن الإعلان يمنحه ستة أشهر لذلك، فإنه اختار دعوته في اليوم الأول. لم يضع الإعلان معايير واضحة لانتخاب الأعضاء، ومدى تمثيلهم للحساسيات والانتماءات، وإن كان انتخابهم من بين أعضاء البرلمان أم خارجه؛ ما قاد في النتيجة إلى تشكيل جمعية ذات أغلبية إسلامية متوقعة، كحال البرلمان، فتأججت اعتراضات بقية الحساسيات44. في النتيجة، أدّت طعون قُدمت أمام محكمة القضاء الإداري إلى وقف تشكيل الجمعية45. قبل صدور ذلك الحكم، انخرطت أطراف، ضمن مسارات متعددة، في جهد للتوافق على معايير انتخاب الأعضاء ونسبه، بصورةٍ تلقى قبولً عند أغلبيّة التيارات. وكان للمجلس العسكري في ذلك الجهد مساهمات محدودة46؛ إذ كان لافتًا للانتباه عدم اعتراضه على التشكيل أو على إبطاله؛ فبدا أنه لم يكن معنيًّا بالتفاصيل، بل بالنتيجة (التشكيل)، وكأنه يأمن جانب الأغلبية الإسلامية في ترسيخ مكانته دستوريًا47. وعقب نحو شهرين من بطلان التشكيل، كثف فيهما المجلس العسكري جهده وضغطه في جلسات الحوار، إلى حدّ التهديد بإصدار إعلان يمنحه اختصاص التشكيل48، دعا البرلمان لتشكيل جمعية ثانية49. وعلى الرغم من ملاحقتها قضائيًّا هي الأخرى للأسباب ذاتها التي أبطلت الأولى50، وتتالي الانسحابات منها51، فقد نجحت في الاستمرار حتى وضعت الدستور وجرى استفتاء الشعب فيه.
ما كان للجمعية أن تنجح في الاستمرار حتى نهاية وظيفتها، لولا تحصينها من طرف المؤسس (الرئيس المنتخب، وعلى نحو أقل وسابق، المجلس العسكري)؛ فقد أصدر المجلس العسكري إعلان يونيو، طارحًا بموجبه خيارًا بديلً لتشكيل الجمعية التالية حال إبطال تشكيل الثانية، وهو تشكيلها من طرفه. وبتنصيب الرئيس المنتخب، محمد مرسي، وإصداره إعلان أغسطس، ملغيًا إعلان يونيو، نقل إلى نفسه اختصاص التشكيل. وهكذا، لوّح المؤسس أمام التيارات المعارضة بخيار بديل أكثر سلامة تقنيًّا من آلية المادة 60()، لكنه أقل ديمقراطية52. عمليًّا، لم يتم اللجوء إلى هذا الخيار؛ كون الآليات الأخرى لحماية الجمعية الثانية قد أدّت الغرض. كانت البداية بعدم اعتراض المجلس العسكري (بصفته قائمًا بأعمال رئيس الجمهورية) على مشروع قانون معايير انتخاب أعضاء الجمعية الذي سنّه مجلس الشعب (قبل أيام من حلّه) 53، حتى جرى تنصيب الرئيس وأصدره54. من بين 13 مادة احتواها القانون، واحدة فقط كانت ذات صلة بعنوانه وهدفه (مادة 3)، وجاءت بحكم مراوغ وفضفاض: "يراعى في تشكيل الجمعية -قدر الإمكان- تمثيل كافة أطياف المجتمع." أريد من هذا القانون وضع عائق أمام محكمة القضاء الإداري التي أبطلت تشكيل الجمعية الأولى. وبعد تأجيل المحكمة جلسات عدّة، تباينت الآراء حول تفسير موقفها في ذلك55، قررت وقف الدعوى وإحالة أوراقها إلى المحكمة الدستورية56. مع تحويل الدعوى إلى المحكمة الدستورية "استلزم" وجود آليات أخرى للتحصين من القضاء الدستوري هذه المرة؛ فقبل أيام من موعد نظر الدعوى، أصدر الرئيس إعلان نوفمبر محصنًا بموجبه الجمعية من الحل القضائي؛ على نحو أثار موجة عارمة من النقد، متفاعلة مع أزمات أخرى بين جماعة الإخوان المسلمين ومؤسّسات الدولة (بالأخص القضاء)، ما تسبب في تأجيل نظر الدعوى حتى صيف عام 2013، لتقرر عدم دستورية القانون57، من دون أن تتطرق إلى آثار حكمها (إن كان يبطل تشكيل الجمعية والدستور الذي سنّته) كما فعلت في سابقة تقريرها بعدم دستورية قانون انتخاب مجلس الشعب وتصريحها ببطلان الانتخابات، ما قاد إلى حلّه58. وفي الواقع، فإن تأخر المحكمة في نظر الدعوى أفقدها جدواها؛ فالدستور كان قد صدر قبل أشهر، والجمعية انقضت طبيعيًّا بحكم انتهاء مهمّ تها. ومن ثم، فقد نجح المؤسس في حماية الجمعية.
ب. التدخل في آلية التشكيل وتوقيته خلال الفترة الانتقالية الثانية
صدر قرار المحكمة الدستورية ذاك قبل شهر من إسقاط الرئيس المنتخب، محمد مرسي. وبسقوطه، بدأت فترة ثانية للانتقال، ودخلت مصر مجدّدًا في أسلوب جديد لتشكيل سلطة تأسيسية جديدة أصلية وليس مشتقة؛ إذ لم يجر الاحتكام إلى مواد دستور 2012 ذات العلاقة بتعديله (المادتان 218-217)، بل لإجراء ثوري، أسس له بيان يوليو، واستنادًا إليه، أصدر الرئيس المؤقت إعلان يوليو، ليرسم فيه أسلوبًا جديدًا لتشكيل السلطة التأسيسية.
وفقًا لذلك الإعلان، تتشكل السلطة التأسيسية من لجنتين: لجنة الخبراء العشرة التي تقترح التعديلات، ولجنة الخمسين التي تنظر في المقترحات وتعدّ "المشروع النهائي"، ليُستفتى فيه الشعب. وقد منح الرئيس المؤقت نفسه (المادتان 29-28) اختصاص تشكيل اللجنتين على أن "تختار" (حالة لجنة العشرة) أو "ترشح" (حالة لجنة الخمسين) كل جهة "ممثليها." وعلى خلاف "إعلان مارس" أكد إعلان يوليو ضرورة تمثيل مختلف الحساسيات (السياسية والنقابية والمؤسساتية) في عضوية اللجنة، من خلال تطرقه إلى معايير الاختيار. وعملً بتلك الأحكام، أصدر الرئيس المؤقت قرار تشكيل كل لجنة59. ولكن ذلك، لم يحم لجنة الخمسين من طعون قضائية في محاولة لحلّها، قدّمت أمام محكمة القضاء الإداري، بداعي عدم تمثيلها "كافة" فئات المجتمع وطوائفه وتنوعاته السكانية. وقد فصلت المحكمة في أحدها، مؤيدة قرار التشكيل60. كما قُدّمت طعون أخرى، مؤسسة على ادعاءات مختلفة، إلا أن أيًّا منها لم يؤدّ إلى بطلان تشكيلها61. وبناء عليه، نجحت هي الأخرى في سنّ الدستور والاستفتاء عليه. لم تحتَج السلطة التأسيسية خلال هذه الفترة إلى حماية المؤسس، كما في الفترة الأولى؛ ليس لعدم وجود طعون، بل لسلامة إجراءات التشكيل نسبيًّا. مع ذلك، حصلت بعض الخروقات التي كانت موضع طعون، كإحياء دور جديد للجنة العشرة ضمن لجنة الخمسين، وتجاوز الثانية مدة عملها المحددة. إلا أن قلة التجاذبات السياسية خلال هذه الفترة مقارنة بالسابقة، وخروج الإخوان من دائرة التنافس، لم يشجعا القضاء على "الانحياز" في أحكامه أو الاستعجال في نظر الطعون، فكان الفصل المتأخر فيها غير منتج عمليًا62.
2. علاقة المؤسس الانتقالي التونسي بسلاسة تشكيل السلطة التأسيسية
على خلاف نظيره المصري، كان اختيار المؤسّس التونسي (الرئيس المؤقت) للأسلوب متجاوبًا مع المطالبات الشعبية63؛ إذ جرت المناداة بالجمعية المنتخبة في تظاهرات شعبية. وبينما نظم المؤسس المصري التشكيل بموجب الدساتير الصغيرة (مردفًا إياها بتشريعات أدنى مفصّلة، مستعينًا بدوره بوصفه قائمًا بأعمال البرلمان في سَنّها، ورئيس الجمهورية في إصدارها)، فإن نظيره التونسي اكتفى بتحديد الأسلوب في الدستور الصغير64، ونظم التشكيل في تشريعات بدرجة قانون، صدرت على شكل مراسيم65. ولوحظ سابقًا أن المؤسس المصري قد تدخّل في تشكيل السلطة التأسيسية أيضًا من حيث آلية التشكيل وتوقيته وحمايته، في حين أن دور نظيره التونسي انصبّ على آلية التشكيل (دون توقيته وحمايته) 66. وكان دوره "شكليًّا" عمومًا67، وطفيفًا في الأغلب، موسّعًا النقاش في صياغة أحكام التشريع الانتخابي، متدخلًّ شكليًّا في ذلك (أ)، وغير متدخلٍ في تنظيم إجراء الانتخابات، موكلً ذلك إلى هيئة مستقلة (ب.) وقد أشيد بالانتخابات، من حيث تنظيمها القانوني والإجرائي68.
أ. التدخل شكليًا في التنظيم التشريعي للتشكيل
ما إن تبلورت فكرة الجمعية المنتخبة، حتى استلزم ذلك "إعادة تشكيل النصوص الانتخابية الناظمة للانتقال، بناءً على انتهاء 'صلاحية' النصوص القديمة"69. ولما كان البرلمان منحلًّ، وقد أناط المؤسس بنفسه الاختصاص التشريعي من خلال مراسيم تجري "مداولتها في مجلس الوزراء"70؛ وفي ضوء إدراك الرئيس والحكومة ضعف شرعيتهما71، جرى استحداث هيئة مختصة بمسائل برلمانية، من بينها التشريع. أطلق عليها اسم الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة
والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، وقد تطوّرت أساسًا من كونها لجنة خبراء (لجنة الإصلاح السياسي)، بادر إليها الوزير الأول72، قبل أن يُحدثها رسميًّا الرئيس المؤقت (المؤسس) بموجب مرسوم73، بصفتها إحدى خمس مؤسسات "استشارية" انتقالية مستحدثة74. وفقًا لذلك المرسوم (الفصول 3-1)، فالهيئة "عمومية مستقلة"، تضم إطارين: الأول تمثيلي، "مجلس متكون من شخصيات سياسية وطنية وممثلين عن مختلف الأحزاب السياسية والهيئات والمنظمات والجمعيات ومكونات المجتمع المدني"، بينما الثاني فني، "لجنة خبراء متكونة من أخصائيين." وقد أنيط بها "السهر على دراسة النصوص التشريعية ذات العلاقة بالتنظيم السياسي." على الرغم من الطبيعة الملتبسة للهيئة وفقًا لمرسومها، استشارية كانت أم مقررة، تابعة أم مستقلة؛ فإنها قدّمت "خدمات حاسمة"، مضطلعة عمليًّا بدور بارز في إعداد مشاريع أبرز المراسيم المنظمة للانتقال75، ما قبل انتخاب المجلس الوطني التأسيسي، تؤدي دور البرلمان76، أو "بمثابة هيئة تشريعية "77. وكان أبرز التشريعات مرسوم انتخاب المجلس78، وقبله، مرسوم إحداث "الهيئة العليا المستقلة للانتخابات"79. وهما المرسومان اللذان مثلّا "النصوص الانتخابية الكبرى"، وقد استغرقا أغلب جلسات الهيئة80. "في أغلب الأحيان [جرت] المصادقة على المشاريع كما أقرتها الهيئة مع حصول بعض الاختلافات"81؛ إذ تدخلت "الحكومة" في تعديل بعض الفصول؛ أحيانًا عقب "مشادات" مع الهيئة، كحال الفصل 15() من مرسوم الانتخابات، بتدخلها في آلية تضييق نطاق حرمان رجالات النظام السابق من الترشح؛ وأحيانًا أخرى بشكل مفاجئ عند التصديق والنشر، كحال الفصل 8() من مرسوم إحداث هيئة الانتخابات، بتدخلها في آلية اختيار الأعضاء من الترشيحات التي يقدّمها القضاء82. وبناء عليه، يلاحظ أن الرئيس المؤقت، وإن كان خوّل ذاته السلطة التشريعية، وشرّع كثيرًا من المراسيم من دون إسهام من الهيئة83، فإن من اضطلع بتشريع القوانين الانتخابية، هو الهيئة والحكومة، بينما اقتصر دوره على إجراء شكلي تمثل في إصدارها. وقد أشار رئيس الهيئة إلى أن الرئيس المؤقت قد اضطلع بدور تحكيمي بين الحكومة والهيئة، كلما استلزم "فضّ بعض النزاعات أو تهدئة الأجواء"84.
ب. عدم التدخ ل في التنظيم الإجرائي للتشكيل
أُحدثت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وفقًا لمرسومها، متمتعةً "بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري" (فصل 3)، ل "تشرف على انتخابات المجلس الوطني التأسيسي وتنتهي مهامها بالإعلان عن النتائج النهائية لهذه الانتخابات" (فصل 1.) وقد أناط بالهيئة العليا - لتحقيق أهداف الثورة - اختصاصَ اختيار أعضاء الهيئة المركزية لهيئة الانتخابات، بناء على ترشيحات من جهات عدّة، لتجري تسمية الأعضاء المختارين بأمر (فصل 8)، على أن تتوافر فيهم شروط معينة (فصل 6.) ويبدو أن دور المؤسس (الرئيس المؤقت) قد اقتصر شكليًّا على إصدار ذلك الأمر85. بالإمكان أيضًا التقصي حول وجود تدخل للمؤسس في التنظيم الإجرائي لتشكيل السلطة التأسيسية، فيما يتعلق بتوقيت إجراء الانتخابات. كانت خريطة الانتقال ذاهبة في اتجاه إجراء انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في تموز/ يوليو 2011، وهذا ما أكد عليه الرئيس
المؤقت (قبل اضطلاعه رسميًّا بدور المؤسس.) وعندما تقرر تأجيلها ثلاثة أشهر (أجريت فعلً في تشرين الأول/ أكتوبر)، كان من قرر ذلك فعليًا الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وليس المؤسّس، بعد إجرائها مشاورات مع ممثلي الأحزاب. وهو الخيار الذي لم يُرض بعضها (حزب النهضة خصوصًا)؛ حيث تشكلت هيئة الانتخابات، وعقدت اجتماعها الأول، في الثلث الأخير من أيار/ مايو، ووجدت أنّ من المتعذر عليها تقنيًّا إجراء انتخابات سليمة خلال أقل من شهرين86. بناء عليه، عندما قررت هيئة الانتخابات الموعد الجديد، ودعمتها الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة87، ما كان من الرئيس المؤقت سوى التدخل شكليًّا بإصدار أمر بالدعوة للانتخابات88، بينما أصدرت هيئة الانتخابات بذاتها ضبط الرزنامة الانتخابية89.
ثانيًا: إرث الدساتير الصغيرة في الدستور الكبير
اشتركت التجربتان في تبنّيهما دساتير صغيرة منظمة للانتقال، بصفتها تشريعات مؤقتة وغرضية، ذات طبيعة دستورية، تسمو على بقية مفردات الإطار القانوني القائم قبل الثورة وخلال الانتقال. وتتباين تسمية الدستور الصغير بين دولة وأخرى90، ويشمل أصنافًا متنوّعة من الوثائق التي تخدم الغرض ذاته91. فقد اختارت مصر تسمية فريدة عمّ يخبره نظامها القانوني في الظروف العادية (إعلان دستوري)، أما تونس فقد اختارت تسميتي "مرسوم" و"قانون تأسيسي." فالثانية فريدة كليًّا من نوعها في مجمل نظامها القانوني92، في حين تحيل الأولى إلى مفهوم التشريع الذي يصدره رئيس الجمهورية، بدرجة قانون، في حالات الضرورة أو بتفويض البرلمان93. ولكن في الواقع، فإن ذلك المرسوم متمايز عن بقية المراسيم الصادرة قبل الثورة وبعدها94، كونه يأخذ مفهوم "المرسوم الثوري"95. ولكن مع ذلك جرى منح الوثيقتين رقمً تسلسليًّا96. وقد شهدت بعض التجارب الأخرى مثل هذا الإرباك97. تولد الدساتير الصغيرة من رحم "الأزمات الوطنية الكبرى"، ما يجعل من اللجوء المباشر إلى "الدستورية الكلاسيكية" متعذّرًا98؛ إذ عادة ما يجري إنفاذها "في سياقات شديدة التأثر بالصراع آليةً لمعالجة المطالب السياسية العاجلة، مع وضع إطار قانوني لمناقشة تسوية سياسية نهائية"99. وبناء عليه، فإنّ العبور إلى الدستورية الكلاسيكية يتطلّب جهدًا ضخمً يستغرق وقتًا للتهدئة وبناء الثقة، فتأتي الدساتير الصغيرة لتسهم في توفير الإطار القانوني لذلك العبور. ولذلك يعدّها بعض المحلّلين أقرب إلى "الاتفاقات السياسية من الصكوك القانونية." وتحكّم، من ثم، بعدم ملاءمة مقايستها في ضوء "المعايير الدستورية الكلاسيكية"100.
للدستور الصغير خاصيتان أساسيتان: الطبيعة الدستورية والصفة المؤقتة؛ "حيث يستوفي آثاره باستيفاء دوره وذلك بالمرور من دستور لآخر ومن نظام سياسي لآخر"101. ولما كان له هذه الوظيفية المؤقتة، فسيُطرح التساؤل حول إرثه الموضوعي في الدستور الكبير، وإن كان هنالك "استمرارية" لما هو في الأساس "وقتي"، من خلال "دور استباقي" اضطلع به المؤسس102، يتنكّر لحقيقة أن الرابط بين الدساتير الصغيرة والكبيرة هو رابط يقوم على "الشرعية" وليس "المشروعية"؛ كون الكبيرة "ذاتية المرجعية"103. وتتعزز أهمية هذا التساؤل في ضوء فشل التجربتين في تمرير قواعد فوق دستورية، تكون حاكمة للسلطة التأسيسية والفاعلين خلال الانتقال104. وبناء عليه، فإنّ هناك احتمالية أن تكون الدساتير الصغيرة قد أدّت دورًا مبطّنًا في ذلك. إنّ مقاربة كهذه لن تكون بالمقارنة الشاملة بين أحكام الدساتير الصغيرة والكبيرة، بل تحدّها جملة من المحدّدات، بما ينعكس على ما يتناوله هذا المبحث وما يستبعده. من تلك المحدّدات عوامل متصلة بالتمايز في الطبيعة بين نوعي الدساتير، وأخرى متصلة بالتمايز بين محتوى مضمون الدساتير الصغيرة في التجربتين: يستبعد "أوّلً " المضمون الإجرائي للدساتير الصغيرة105. ويقتصر التناول على المضمون الموضوعي؛ بمعنى الأحكام التي ترسم طبيعة النظام السياسي أو تكفل الحقوق والحريات أو تؤكد المبادئ العامة للدولة. من بينها، وحده النظام السياسي كان موضوعًا مشتركًا بين التجربتين؛ إذ إن الدستور الصغير في التجربة التونسية لم يتعرض للموضوعين الآخرين106، على خلاف التجربة المصرية. وبناء عليه، فإنّه يستبعد "ثانيًا" هذين الموضوعين. وبخصوص النظام السياسي؛ ولما كانت الدساتير الصغيرة قائمة على ترجمة اللحظة الانتقالية، وقتيًا وغرضيًا، فتنيط بجهات معينة اختصاصات استثنائية، لغياب الجهات الأصيلة؛ فإنها تميل غالبًا إلى تركيز السلطات لدى السلطة التنفيذية التي اضطلعت أيضًا بالسلطة التشريعية، إضافة إلى اضطلاعها بدور المؤسس107. ومن ثم، فإنّ محاولة تحليل طبيعة النظام السياسي القائم خلال الانتقال، لن تخرج بنتائج علمية دقيقة؛ كون السلطة التشريعية مناطة بغير البرلمان بصفتها مؤسسة أصيلة الاختصاص108. وبناء عليه، فهي تستبعد "ثالثًا" السلطة التشريعية. وهكذا، ستقتصر دراسة النظام السياسي على نطاق محدد: توزيع الاختصاصات داخل السلطة التنفيذية 1()، بعدّه الموضوع المشترك الوحيد بين التجربتين؛ في ضوء سمة الاختصار في الدساتير الصغيرة التونسية، مقابل سمة التفصيلية في نظيرتها المصرية التي شهدت عناية بالتنصيص على مكانة مؤسسات الدولة، وبخاصّة تلك التي نشطت خلال الانتقال وكان لها دور مؤثر فيه 2(.) للوقوف على إرث الدساتير الصغيرة109 في الدستور الجديد، لا بد من تقفّي مستوى التباين بين أحكام كل منها تجاه المسألة ذاتها، من خلال المقارنة "العمودية" (داخل كل تجربة على حدة) والأفقية (بين التجربتين.) ولتعرف مدى إسهام الدساتير الصغيرة في الوصل مع الدستور الساقط أو القطع معه، كان لا بد من تضمين ذلك الدستور في تلك المقارنة. وبخصوص الحالة المصرية، ولمّا كانت شهدت صدور دستور كبير (دستور 2012) سابق للدستور الجديد، وسابق أيضًا للدستور الصغير الثاني، ما يطرح إمكانية أن يكون الأخير جاء متأثرًا بدستور 2012 الذي وضعته السلطة التأسيسية وليس المؤسس، فستجري الإشارة إلى ذلك حيثما يلزم، لنفي الأثر أو تأكيده. فقد شهد الدستور المصري الجديد، أيضًا، تعديلً عام 2019. ولمّا كان خارج نطاق الدراسة الزمني، فسنعتمد النسخة الأصلية للدستور110.
1. توزيع الاختصاصات داخل السلطة التنفيذية في التجربتين
غلب على الدستورين الجديدين سمة التشابك بين اختصاصات رئيس الجمهورية من جهة، ومجلس الوزراء ورئيسه من جهة أخرى. وفي حين يظهر هذا التشابك في صيغ تعاونية بخصوص ممارسة
اختصاصات دقيقة، تناوبت بخصوصها الدساتير الصغيرة في التجربتين بين القطع والوصل مع الدستور الساقط (ب)، فإنّ الدساتير التونسية الصغيرة جنحت نسبيًّا للقطع في التوزيع العام للاختصاصات بين الجهتين (أ.)
أ. جنوح الدساتير الصغيرة التونسية نسبيًّا للقطع في التوزيع العام للاختصاصات
ورد في الدستورين الجديدين صفات أو اختصاصات فضفاضة لرئيس الجمهورية، كنص الدستور المصري على أن "يرعى مصالح الشعب ويحافظ على استقلال الوطن ووحدة أراضيه وسلامتها، ويلتزم بأحكام الدستور" (مادة 139)، ونصّ نظيره التونسي على كونه "رمز وحدتها، يضمن استقلالها واستمراريتها، ويسهر على احترام الدستور" (فصل 72.) وهي اختصاصات لها إرث في الدستورَين الساقطين (مادة 73/ فصل)41 111. ويلاحظ أن الدستورين الصغيرين المصريين كانا حريصين على وصلها بصيغة ومضمون أقرب إلى ما وردت في الدستور الساقط من الدستور الجديد112، بينما لم يتطرق إليها نظيراهما التونسيان. فيما يتعلق بتعريف رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء نسبة إلى السلطة التنفيذية، فقد كان الدستوران الساقطان يقدّمان رئيس الجمهورية شبه متفرد بالسلطة التنفيذية (مادة 137/ فصل 37)، ليأخذ مجلس الوزراء موقعًا خلفيًّا (مادة 1/153/ فصل 37.) وبينما لطّف الدستور المصري الجديد صيغة صفة الرئيس شكليًّا (مادة 139)، فإن نظيره التونسي ساوى بين رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء في ممارسة السلطة التنفيذية (فصل 71.) ويلاحظ أن الدساتير الصغيرة (التونسي الثاني خصوصًا) كانت لها نزعة في اتجاه تعزيز مكانة مجلس الوزراء، على هذا الصعيد113. وبالإمكان استشفاف العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء/ الحكومة115 من مدخل اختيار أعضاء مجلس الوزراء116. نص الدستوران الجديدان على آليات تتيح المشاركة بين "الرئيسين" بخصوص وزارات سيادية محددة (الدفاع والخارجية في التجربتين، مضاف إليهما العدل والداخلية في حالة مصر)، إما أن تكون على نحو دائم، يكون فيه الاختصاص للثاني ويشاور فيه الأول (حالة تونس)، أو في ظرف معين، يكون فيه الاختصاص للأول يشاور فيه الثاني (حالة مصر.) وهي من الأحكام التي شكلت نقلة في معادلة السلطة بين "الرئيسين"، مقارنة بالدستورين الساقطين اللذَين كانا يمنحان رئيس الجمهورية اختصاص تعيين الوزراء، باقتراح من رئيس الحكومة (حالة تونس) أو أخذ رأيه (حالة مصر) 117. ويلاحظ أن الدستورين المصريين الصغيرين والدستور التونسي الصغير الأول حاولت الوصل مع الدستورين الساقطين، وفشلت، في حين منح الدستور الصغير التونسي الثاني الاختصاص كليًّا رئيس الحكومة118. وبناء عليه، يعدّ نص الدستور المصري الجديد قطعًا مع الدستور الساقط والدستورين الصغيرين، أما نص نظيره التونسي فيُعدّ قطعًا مع الدستور الساقط ووسطيًّا بين الدستورين الصغيرين.
ب. مناوبة الدساتير الصغيرة عمومًا بين القطع والوصل في توزيع اختصاصات دقيقة
من بين جملة الاختصاصات التي تجري عادة الدساتير على توزيعها بين رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ورئيسه، فإن ستة اختصاصات فقط تدخل ضمن نطاق المقاربة المعتمدة119: 1() إبرام/ تصديق/ ختم المعاهدات الدولية، 2() وضع السياسة العامة للدولة، 3() إصدار اللوائح/ التراتيب، 4() إعلان حالة الطوارئ/ الحالة الاستثنائية، 5() العفو الخاص، 6() تعيين الموظفين المدنيين والعسكريين والدبلوماسيين. فيما يتعلق بالمعاهدات الدولية، أشرك الدستوران الجديدان مجلس الوزراء (حالة مصر) أو رئيس الوزراء/ الحكومة (حالة تونس) في هذا الشأن الذي كان ينفرد به رئيس الجمهورية (على مستوى السلطة التنفيذية) في الدستورين الساقطين؛ وذلك بطلب أخذ الرأي (حالة مصر) أو اقتطاع طائفة بسيطة من المعاهدات لتكون اختصاصًا لرئيس الوزراء/ الحكومة (حالة تونس.) ويلاحظ أن الدستورين الصغيرين
المصريين حاولا أن يستمر تفرّد رئيس الجمهورية في هذا المجال، بينما أسهم نظيراهما التونسيان في إحداث ذلك التحول الطفيف. ويلاحظ، أيضًا، أنّ الدستورين الجديدين أشركا مجلس الوزراء (حالة مصر) أو رئيس الوزراء/ الحكومة (حالة تونس) في وضع السياسة العامة للدولة. وما جاء به الدستور المصري الجديد هو بمنزلة إرث من الدستور الساقط، حافظ الدستوران الصغيران على وصله، ويتمثل في مشاركة مجلس الوزراء رئيس الجمهورية في وضع السياسة العامة، في حين أنّ ما جاء به نظيره التونسي يعدّ اختراقا جوهريًّا لمعادلة السلطة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء/ الحكومة؛ حيث حصر اختصاص الأول في مجالات معينة (الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي)، يشاور فيها الثاني الذي ترك له المجالات الأخرى من دون أيّ مشاركة من الأول. وذلك على خلاف الدستور الساقط الذي كان ينيط الاختصاص كليًا برئيس الجمهورية. ويلاحظ أن الدستور الصغير التونسي الثاني كان له أثر في إحداث هذا الاختراق. أما ما يعدّ اختراقًا جوهريًّا على مستوى التجربتين فهو التغيّ ات في صلاحية إصدار اللوائح/ التراتيب؛ فبينما باتت بموجب الدستورين الجديدين اختصاصًا لرئيس الوزراء، فقد كانت في الدستورين الساقطين حقًّا لرئيس الجمهورية، بموافقة مجلس الوزراء (حالة مصر) أو تأشير رئيس الوزراء/ الحكومة (حالة تونس.) ويلاحظ أنّ الدستور الصغير الثاني في كلّ تجربة قد أنبأ بهذا التغير120. أمّا إعلان حالة الطوارئ/ الحالة الاستثنائية، فهي أكثر الصلاحيات استقرارًا؛ حيث جرى الوصل فيها بين الدستورين الساقطين والدستورين الجديدين، بمساهمة من الدساتير الصغيرة؛ إذ كان - وما زال - يعلنها رئيس الجمهورية بعد أخذ رأي مجلس الوزراء (حالة مصر) أو استشارة رئيس الوزراء/ الحكومة (حالة تونس.) ومن الصلاحيات الأخرى التي شهدت استقرارًا "العفو الخاص"، بمساهمة الدساتير الصغيرة في الوصل؛ إذ كانت وما زالت حقًّا لرئيس الجمهورية، باستثناء أن الدستور المصري الجديد تطلّب أخذ رأي مجلس الوزراء. وشهدت صلاحية تعيين الموظفين استقرارًا في التجربة المصرية ووصلً مع الدستور الساقط، بمساهمة الدساتير الصغيرة؛ إذ كانت وما زالت اختصاصًا لرئيس الجمهورية. أما في حالة تونس، فجرى التضييق من اختصاص الرئيس لمصلحة رئيس الوزراء/ الحكومة؛ حيث أناط الدستور الجديد بالأوّل التعيينات في مجالات محددة (العسكرية والدبلوماسية والأمن القومي)، باستشارة الثاني، الذي تركت له الوظائف المدنية العليا، فيما كانت معادلة الصلاحيات في الدستور الساقط تخص رئيس الجمهورية بالتعيينات الدبلوماسية، وبالوظائف العليا الأخرى أيضًا، ولكن معلّقة على اقتراح مجلس الوزراء. ويلاحظ أن الدستور الصغير الأول قد وصل مع الدستور الساقط، ليأتي الثاني منبئًا بإحداث التغيرات التي شهدها الدستور الجديد.
2. المكانة الدستورية لمؤسسات مؤثرة خلال الانتقال في التجربة المصرية
انتقد البعض الدستور المصري الجديد، فور صدوره، كونه مثل "دستور الدولة لا دستور الثورة"، في إشارة إلى كون الرابح الأكبر فيه ليس الشعب، وإنما "الدولة ومؤسساتها وبخاصة القوات المسلحة والقضاء"121. وفي الواقع، فقد أدّت هذه المؤسسات دورًا مؤثرًا في الانتقال، وهو ما عكس سعيها نحو تكريس ترسيخها الدستوري. لعل أبرز تلك المؤسسات، بعد الجيش، هي المحكمة الدستورية ومجلس الدولة؛ حيث قررت الأولى عدم دستورية قانون العزل السياسي، وأنتج حكمٌ آخر لها حل مجلس الشعب، وتصدّت لمحاولة الرئيس المنتخب في دعوة المجلس بعد حلّه، ولاحقت مجلس الشورى والجمعية التأسيسية الثانية، وتولى رئيسها رئاسة الجمهورية مؤقتًا. كما أبطلت محكمة القضاء الإداري (التابعة لمجلس الدولة) تشكيل الجمعية التأسيسية الأولى، ولاحقت الثانية، وأيدت تصرفاتٍ للمجلس العسكري عندما تولى الحكم، وبخاصة تعامله مع الدستور القائم قبل الثورة122. وعلى الرغم مما حققته تلك المؤسسات من مكانة في الدستور الجديد، يلاحظ أنّ الدساتير الصغيرة لم يكن لها سوى إسهام محدود في الترسيخ الدستوري للجيش (أ)، مقابل عدم إسهامها أصلً في تعزيز الترسيخ الدستوري للمحكمة الدستورية ومجلس الدولة (ب.)
أ. محدودية إسهام الدساتير الصغيرة في الترسيخ الدستوري للجيش
حظي الجيش في الدستور المصري الجديد بترسيخ غير مسبوق123. إلا أن إسهام الدساتير الصغيرة في ذلك كان محدودًا، اتصالً بمحدودية الأحكام ذات الصلة التي تضمّنتها؛ فعلى سبيل المثال، رسخ الدستور
الجديد للقضاء العسكري، مانحًا إياه نطاقًا موضوعيًّا وشخصيًا موسّعًا، بصورة غير مسبوقة على مستوى النص الدستوري ما قبل الثورة. ولكن، لم ينبئ أيّ من الدساتير الصغيرة بذلك الترسيخ124، سوى السعي شكليًّا لإقحامه ضمن باب السلطة القضائية. وتكاد هذه "المعركة" الوحيدة التي خسرها ممثلو الجيش في الجمعية التأسيسية (دستور 2012) ولجنة الخمسين (الدستور الجديد) 125. ومن الأمثلة الأخرى على الترسيخ الدستوري للخلفية العسكرية لوزير الدفاع، أن الدستور الجديد (مادة 201) أقدم على ذلك، ومن قبله دستور 2012 (مادة 195)، في حين لم يرد ذلك في الدستور الساقط، ولم تنبئ به الدساتير الصغيرة. لقد رسخ الدستور الجديد ثلاثة مجالس مختصة برسم السياسات الأمنية العامة، تشرك العسكريين في اتخاذ القرار: مجلس الدفاع الوطني، ومجلس الأمن القومي، والمجلس العسكري. وبينما تضمن الدستور اختصاصين متفرقين للمجلس الثالث، محيلً إلى القانون تنظيم بقية اختصاصاته وعضويته (مادة 2/200) فجاءت عسكرية محضة126، فقد نظم مباشرة أبرز اختصاصات المجلسين الآخرين والعضوية فيهما، فجعلها بأغلبية عسكرية في مجلس الدفاع الوطني (مادة)203 - وهو صاحب الاختصاصات الأهم - ومدنية في مجلس الأمن القومي (مادة 205) – وهو صاحب الاختصاصات الهامشية نسبيًّا - الذي لم يذكر إطلاقًا في أيٍّ من الدساتير الصغيرة. ويلاحظ أنّ أيًّا من الدساتير الصغيرة (المادتان 54 من الأول و 22 من الثاني) لم ينظم عضوية المجلس الأول، محيلة إلى القانون بهذا الخصوص. وهو مسلك الدستور الساقط (مادة.)182 فيما يتعلق بالاختصاصات، فقد نص الدستور الجديد على أن اختصاصات مجلس الدفاع "النظر في الشؤون الخاصة بوسائل تأمين البلاد، وسلامتها، ومناقشة موازنة القوات المسلحة، وتدرج رقمً واحدًا في الموازنة العامة للدولة، ويؤخذ رأيه في مشروعات القوانين المتعلقة بالقوات المسلحة (مادة 2/203)، إضافة إلى أخذ رئيس الجمهورية رأيه قبل إعلان الحرب وإرسال القوات في مهمّ ت قتالية خارج الدولة. وذلك في حال كان مجلس النواب (المختص الأصيل بالموافقة) قائمًا. أما في حال كان غير قائم، فينتقل اختصاص الموافقة إلى مجلس الدفاع ومجلس الوزراء، وينتقل اختصاص إبداء الرأي إلى المجلس العسكري (مادة 152.) كما أورد الدستور الجديد اختصاصًا آخرَ للمجلس العسكري، يتمثل بتعليق تعيين وزير الدفاع على موافقته (مادة)234 127. في المقابل، يلاحظ أن الدستور الصغير الأول لم يُِ سوى إلى الاختصاص العام لمجلس الدفاع المتعلق ب"النظر في "[...](مادة 54)، وهو مسلك الدستور الساقط (مادة 182.) وبناء عليه، لم يكن لهذا الدستور الصغير دور في ترسيخ بقية الاختصاصات، وإن كانت صيغة ذلك الاختصاص العام المستمر "تفتح الباب أمام التدخل العسكري في العديد من قضايا السياسة الداخلية"128. أما الدستور الصغير الثاني فقد أورد بقية اختصاصات مجلس الدفاع التي تضمّنتها المادة 2/203() من الدستور الجديد، إضافة إلى إشارته إلى ذلك الاختصاص العام. ولكن ذلك ليس بمحدث؛ إذ سبق ترسيخ تلك الاختصاصات في دستور 2012 (مادة 2/197.) كان يمكن القول إن موضوع إعلان الحرب وحده قد أنبأت الدساتير الصغيرة بترسيخه؛ حيث علّق تعديل للدستور الصغير الأول (بموجب إعلان يونيو) إعلان الحرب على موافقة المجلس العسكري (مادة 53 مكرر 1.) ولكن حتى هذا الاختصاص إن جرت قراءته في ضوء الظرف الذي جاء فيه التعديل، فبالإمكان القول إنه اختصاص استثنائي أسند إلى المجلس العسكري، بحكم غياب البرلمان وقيامه باختصاصاته129. تجدر الإشارة إلى محورين أخيرين، يتمثل المحور الأول بتعريف الجيش ومهماته؛ حيث توافَقَ الدستوران الجديدان (مادة 1/200) والساقط (مادة 1/180)، وما بينهما من دستورين صغيرين (مادة 1/53 في الأول ومادة 1/21 في الثاني)، على تعريف القوات المسلحة بأنّها "ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد، والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها"، مع تعديلات طفيفة في الصياغة130. أما المحور الثاني فيتمثل بالإشارة إلى الجيش في الديباجة؛ حيث أشارت إليه ديباجة الدستور الجديد في عبارات تؤكد وثاقة الصلة بين الجيش والشعب،
ودور الأول في حماية إرادة الثاني، وتحمّله "أمانة ومسئولية حماية الوطن." ويلاحظ أنّ مضامين كهذه وردت في دستورين من الدساتير الصغيرة ذات المضمون الإجرائي131، في حين لم يُشَ إليها في الدستور الساقط. يلاحظ أنّ الترسيخ الدستوري للجيش هو نتيجة تفاعل وضغط لحظة صوغ الدستور، وليس بوصفه إرثًا للدساتير الصغيرة؛ حيث كان للجيش ممثلان في الجمعية التأسيسية (من أصل 100) وممثلٌ واحد في لجنة الخمسين. وتدخّل مساعدان من مساعدي وزير الدفاع (وهما ليسا عضوين في اللجنة) في اجتماع مع بعض أعضاء اللجنة ومكتب رئاستها. وجرى الحديث عن عقد اجتماع آخر بين وزير الدفاع ورئيس اللجنة، في ضوء فشل الاجتماع السابق132.
ب. عدم إسهام الدساتير الصغيرة في تعزيز مكانة المحكمة الدستورية ومجلس الدولة
عرّف الدستور الساري المحكمة (مادة 191) والمجلس (مادة 190) كونهما جهتين قضائيتين، لكل جهة القيام على شؤونها، وموازنة مستقلة، وأخذ رأيها في "مشروعات القوانين المنظمة لشئونها" (مادة 185.) في المقابل، كان الدستور الساقط يكتفي بتعريف المحكمة كونها "هيئة قضائية مستقلة قائمة بذاتها" (مادة 174)، وتعريف المجلس كونه "هيئة قضائية مستقلة" (مادة 172)، وهو ما قلّده الدستوران الصغيران133. وبينما كان الدستور الساقط، ووافقه الدستوران الصغيران، ينص على اختصاصات المحكمة في "الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح"، و"تفسير النصوص التشريعية"، واختصاصات المجلس في "الفصل في المنازعات الإدارية وفي الدعاوى التأديبية"، محيلً إلى القانون تعيين الاختصاصات الأخرى، فقد أضاف الدستور الجديد اختصاصات عدّة أخرى. وبناء عليه، يلاحظ أن الدستورين الصغيرين لم ينبئا بتعزيز الاستقلالية أو توسيع الاختصاصات. كما عني الدستور الجديد بتنظيم تشكيل المحكمة وآلية اختيار رئيسها، مسندًا ذلك الاختصاص إلى جمعيتها العامة (مادة)193 134، فيما عُدّ تطورًا لمصلحة تعزيز مكانة المحكمة واستقلاليتها مقارنة بالدستور الساقط، الذي كان يحيل للقانون تشكيلها واختيار رئيسها (مادة 176)، الاختصاص الذي أسنده ذلك القانون إلى رئيس الجمهورية135. وفي المقابل، يلاحظ أن الدستورين الصغيرين لم يتطرقا أصلً إلى هذه المسألة. كما لم يتطرقا إلى حصانة القضاة من العزل وآلية مساءلتهم وتأكيد استقلاليتهم، على خلاف الدستورَين: الجديد (مادة 194) والساقط (مادة 177.) أما تعيين رئيس المجلس فلم يشر إليه أيٌّ من الوثائق الدستورية136. وبناء عليه، يلاحظ أنه لم يكن للدساتير الصغيرة أثرٌ (أو تنبؤ) في تعزيز مكانة المحكمة والمجلس في الدستور الجديد، على الرغم من أن المحكمة كانت في أمسّ "الحاجة" إلى ذلك، في ظل الاستهداف الذي تعرضت له في دستور 2012، فيما عُدّ "تقليمً لأظافر[ها"]137؛ ردّةَ فعل على دورها خلال الانتقال الذي بدت فيه مناكفة للإخوان المسلمين. ويلاحظ، أيضًا، أن المكانة هي نتيجة تفاعل وضغط لحظة صوغ الدستور، وليس بوصفه إرثًا للدساتير الصغيرة. ومن ذلك على سبيل المثال ما جرت الإشارة إليه حول تدخّل الرئيس المؤقت (القاضي في الأصل) في أعمال لجنة الخمسين لمصلحة مجلس الدولة138.
خاتمة
لتحقيق فهمٍ أعمق للنظام الدستوري القائم اليوم، كان لا بد من "خطوة إلى الخلف"؛ لتقفّي تداعيات الهندسة الدستورية للانتقال على العملية التأسيسية التي أنتجت الدستور الجديد. وهذا ما حاولت هذه الدراسة الاضطلاع به، انطلاقًا من فرضية مؤدّاها وجود أثر للمؤسس الانتقالي في تشكيل السلطة التأسيسية وإرث لدساتيره الصغيرة في الدستور الكبير. بالنتيجة، وبينما تَبين بخصوص مقاربة "الأثر" أن المؤسس المصري قد تدخّل في تشكيل السلطة التأسيسية وتوقيته وحمايته، مسهمً في تعقيد الانتقال، لوحظ أنّ نظيره التونسي لم يكن له سوى تدخل شكلي في التنظيم التشريعي للتشكيل، ما انعكس على سلاسته وسلاسة الانتقال ككلّ (نسبيًّا.) أما بخصوص مقاربة "الإرث"، فلوحظ أنه كان طفيفًا عمومًا. وخصوصًا إذا ما فهمنا أن الاختراقات التي أنبأ بها الدستور الصغير الثاني، تُردّ في تونس إلى أنّ من وضعه هو الجهة ذاتها التي وضعت الدستور الجديد (المجلس الوطني التأسيسي)،
بينما تُردّ في مصر إلى كونه جاء وسطيًّا بين دستورين كبيرين (دستورَا 2012 و 2014)، ثانيهما هو بمنزلة المعدّل للأول. وقد لوحظ أنّ الترسيخ الدستوري الذي حظيت به مؤسسات فاعلة خلال الانتقال في مصر، لم تنبئ به الدساتير الصغيرة (حالة المحكمة الدستورية ومجلس الدولة) أو أنبأت به على نحو محدود (حالة الجيش.) ومن ثم، فإن ذلك الترسيخ يُردّ إلى لحظة صوغ الدستور ذاتها، وهي التي تحكّم فيها المؤسس من خلال مقاربة "الأثر." هكذا نفهم، أيضًا، أنّ ما بدا من "ترشيد" لصلاحيات رئيس الجمهورية في التجربتين، مردّه على الأغلب وضع النص الدستوري في ظل غياب رئيس مستقر يدافع عن اختصاصاته عند لحظة الصياغة139. وذلك على خلاف الجيش في التجربة المصرية الذي بقي حاضرًا؛ إذ حصل المجلس العسكري على مكافأته بحماية تشكيل الجمعية في الفترة الأولى (علاوة على تحكّمه في الآلية والتوقيت) بأن رسّخت له تلك الجمعية، في دستور 2012، مكانة دستورية غير مسبوقة، لم تضف إليها كثيرًا نسخته المعدلة (دستور 2014) الذي كان شديد الحرص على تعديله، وليس صوغ دستور جديد، لخشيته على ما حققه فيه من ترسيخ140. كان لا بد من فحص فرضية كهذه، لخطورة صحتها، في ضوء كون صفة المؤسس تحققت في عموم التجربة المصرية، والفترة الأولى من التجربة التونسية، لجهات إمّا فردية (الرئيس في الحالتين) أو عسكرية (حالة مصر.) وذلك في الوقت الذي تشيد فيه أدبيّات الانتقال بالحالات التي "تقودها [جهات] بأكبر قدر من الاتفاق"، كآلية "المؤتمر الوطني الجامع"، بما يحقق "استراتيجية النظر إلى الآخر من منظور اللعبة غير الصفرية"141. وبالفعل، لوحظ أنّ الاختراقات الجدية (نسبيًّا)، بالقطع مع النظام القديم، كانت أكبر في تجربة المجلس الوطني التأسيسي التونسي. وفي ضوء التطلّع إلى وضع الدستور الصغير ضامنًا لاستمرارية الدولة ومجسّدًا، في الوقت ذاته، للقطع مع النظام القائم قبل الثورة142، من دون التنكر لوجاهة المقاربة القائمة على التطلع إلى كتابة الدستور، عقب ثورات المواطنة، بصفته فعلً تراكميًّا143، ولما كان من تحققت له صفة المؤسس، بداية الانتقال، جهات تُعدّ امتدادًا للنظام السابق (المجلس العسكري في مصر والرئيس المؤقت في تونس)، كان هنالك ضرورة لفحص مدى حرص المؤسس على محاولة الوصل مع ذلك النظام. وبالفعل، لوحظ أن الدستور الصغير الأول في كل تجربة كان أقرب إلى الدستور الساقط، ما أنبأ به الدستور الصغير الثاني في الدستور الجديد. وبالأخص في تونس؛ حيث بدا أنّ "أثر النظام التونسي السابق وترتيباته المؤسسية في عملية وضع الدستور كان أقل وضوحًا ممَ حصل في مصر"144. ولما كان يُنصح بألّ تكون الدساتير الصغيرة "سميكة" (مفصلة)، خشية تقرير المؤسس لكل شيء دفعة واحدة، وتحول "المؤقت" إلى دائم ""145؛ فقد كانت التجربة المصرية (التي خبرت دساتير صغيرة مفصلة)، معرّضة للوقوع في هذه المعضلة أكثر من التجربة التونسية. ولمّا كان يُنظر إلى الوقت (فرض مواعيد نهائية على عملية وضع الدستور) بوصفه عاملً ثانويًّا من حيث الأهمية في الانتقال146؛ إذ تكون الأولوية لإجراء مصالحة وطنية ولإعلاء قيمة التوافق، فيتحقق "الاستخدام الاستراتيجي" للدستور الصغير بمنح الفاعلين فرصة لالتقاط الأنفاس وتحقيق تلك الأولوية147، غير أنّ التجربة المصرية كانت متعجّلة في صوغ الدستور، مع تحديد أسقف زمنية، أما التجربة التونسية فقد تحررت من تلك القيود148. وفي ظل الخشية من استخدام الدساتير الصغيرة في مماطلة "أصحاب السلطة الذين يعملون داخل النظام الدستوري المؤقت" في "صنع إصلاح دستوري أكثر ديمومة"، وهم "مرتاحون في أدوارهم الجديدة"، فإن التعجيل في وضع الدستور الجديد يُفقد الدساتير الصغيرة أهميتها وفوائدها. وقد دخلت مصر في هذا المأزق مع بداية الانتقال وتولي الجيش الحكم، ما عزز الطلب الشعبي للانتقال السريع، لعدم الثقة بالحاكمين. ومع فشل هذا المسار، بفشل التوافق الحقيقي على دستور 2012، لم تجر الاستفادة من تلك التجربة عند رسم خارطة الطريق للانتقال الجديد الذي أنتج دستور 2014. وهكذا استخدمت الدساتير
الصغيرة "محض نافذة قانونية" للإسراع في صياغة الدستور. ويبدو أن التجربة المصرية دفعت بعض المراقبين كي ينظر إلى الدساتير الصغيرة عمومًا بمنظار قيمي سلبي، في الوقت الذي تُعبّ فيه عن حاجة موضوعية ضرورية للوصل بين دستورين كبيرين. ختامًا، وإن كانت الدراسة لم تُعْن أساسًا بالمقارنة تاريخيًا داخل كل تجربة، بين الانتقال الأخير وخبرة الانتقال السابق خلال الخمسينيات
الملحق)1(الدساتير الصغيرة الصادرة خلال الانتقال من القرن الماضي، فقد لوحظ توافق بنسبة كبيرة بين الحقبتين؛ بينما بدا ك "استنجاد" من المؤسس الجديد بخبرات المؤسس القديم وخياراته. ويلاحظ ذلك بصورة خاصة فيما يتعلق بأسلوب تشكيل السلطة التأسيسية، الدساتير الصغيرة من حيث تعددها وتسميتها، وتولي السلطة التنفيذية التشريع خلال الانتقال. ولعل هذه الملاحظة بمنزلة دعوة لباحثين آخرين ليتناولوها بالدراسة.
الملحق)2(خارطة انتقال "السلطة" خلال الانتقال
الملحق)3(توزيع الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس ومجلس الوزراء/ الحكومة في موضوعات دقيقة
المراجع
العربية
برهومي، منعم. المؤسسات السياسية في المرحلة الانتقالية التونسية. تونس: مجمع الأطرش للكتاب المختص،.2014 بن عاشور، رافع [وآخرون.] معجم ألفاظ وعبارات دستور الجمهورية التونسية. [تونس:] جامعة قرطاج،.2016 بن عاشور، رافع. المؤسسات السياسية والنظام السياسي بتونس. ط 3. تونس: مجمع الأطرش للكتاب المختص،.2019 مرصد الثورة التونسية. ج التميمي، عبد الجليل [مشرف.] 1. تونس: مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات،.2011 الجمهورية التونسية. الهيئة العليا المستقلة للانتخابات. "قرار مؤرخ في 25 جوان [حزيران/ يونيو 2011] يتعلق بضبط روزنامة الانتخابات كما نُقّحت في 5 أوت [آب/ أغسطس 2011]". الرائد الرسمي للجمهورية التونسية. العدد 2011/9/6.67 ____.___ رئاسة الجمهورية. "أمر عدد 1086 لسنة 2011 مؤرخ في 3 أوت [آب/ أغسطس] 2011 يتعلق بدعوة الناخبين لانتخاب أعضاء الرائد الرسمي للجمهورية التونسية المجلس الوطني التأسيسي.". العدد.59.2011/8/9 ________. رئاسة الجمهورية. "أمر عدد 546 لسنة 2011 مؤرخ في 20 ماي [أيار/ مايو] 2011 يتعلق بتسمية أعضاء الهيئة المركزية للهيئة العليا المستقلة للانتخابات." الرائد الرسمي للجمهورية التونسية. العدد.2011/5/20.36 ____.___ رئاسة الحكومة. "مرسوم عدد 27 لسنة 2011 مؤرخ في 18 أفريل [نيسان/ أبريل] 2011 يتعلق بإحداث هيئة عليا مستقلة للانتخابات." الرائد الرسمي للجمهورية التونسية. العدد.27
____.___ رئاسة الحكومة. "مرسوم عدد 35 لسنة 2011 مؤرخ في 10 ماي [أيار/ مايو] 2011 يتعلق بانتخاب المجلس الوطني الرائد الرسمي للجمهورية التونسية. العدد التأسيسي." 33 لسنة
____.___ رئاسة الحكومة. "مرسوم عدد 6 لسنة 2011 مؤرخ في 18 فيفري [شباط/ فبراير] 2011 يتعلق بإحداث الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي." الرائد الرسمي للجمهورية التونسية. العدد.2011/3/1.13 جمهورية مصر العربية. "قرار رئيس المجلس العسكري رقم 310() الجريدة الرسمية لسنة 2012. العدد." 23 مكرر. 2012/6/9. ________. المجلس الأعلى للقوات المسلحة. "قرار رئيس المجلس ". الأعلى للقوات المسلحة رقم 119 لسنة 2012 في: https://bit.ly/30kw8HF ________. "قانون رقم 79() لسنة 2012 بمعايير انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية لإعداد مشروع دستور جديد للبلاد." الجريدة الرسمية. العدد 28 تابع..2012/7/12 ________. "قرار رئيس الجمهورية رقم 489() لسنة 2013." الجريدة الرسمية. العدد 29 مكرر..2013/7/21 ________. "قرار رئيس الجمهورية رقم 570() لسنة 2013." الجريدة الرسمية. العدد 35 مكرر..2013/9/1 ________. مجلس الدولة. محكمة القضاء الإداري. "قرار في الدعوى رقم 26657 لسنة 66 قضائية 2012/4/10." في https://bit.ly/30olpM3:. ________. مجلس الدولة. محكمة القضاء الإداري. "قرار في الدعوى https://bit.ly/3FhGRl1: قضائية". في 66) لسنة 45931(رقم ________. مجلس الدولة. محكمة القضاء الإداري. "قرار في الدعوى رقم 72326() لسنة 67 قضائية." بتاريخ:2013/10/29. في https://bit.ly/3FiFFhB ________. "قانون رقم 48() لسنة 1979 بإصدار قانون المحكمة الجريدة الرسمية. العدد الدستورية العليا.".36.1979/9/6 الحلو، ماجد راغب. "الثورة المصرية بين المشروعية والشرعية." مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية. عدد خاص).2012-2011(دوهاميل، أوليفيه ووايف ميني [إشراف.] المعجم الدستوري. ترجمة منصور القاضي. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.1996 السخيري- زروق، صبرية. انتخاب ومهام المجلس الوطني التأسيسي التونسي. منوبة: مركز النشر الجامعي،.2014 السوسي، أحمد [إشراف.] الثورة والانتقال والتأسيس: أعمال وحدة البحث في القانون الدستوري والجبائي المغربي. كلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة، جامعة سوسة. تونس: مجمع الأطرش للكتاب المختص،.2012 الشكري، علي يوسف. الوسيط في فلسفة الدستور. بيروت: منشورات زين الحقوقية،.2017
الجيش المصري والسياسة والحكم. القاهرة عبد الرازق، حسين.: المكتبة الأكاديمية،.2015 عبد ربه، أحمد. "العلاقات المدنية-العسكرية في مصر: نحو السيطرة عمران. مج المدنية؟." 2، العدد 6 (خريف.)2013 العجمي، محمد [وآخرون.] في الانتقال الديمقراطي والإصلاح الدستوري في البلدان المغاربية: أعمال وحدة البحث في القانون الدستوري والجبائي المغاربي، كلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة. تونس: مجمع الأطرش للكتاب المختص،.2015 عليوة، محمد طه [وآخرون.] جدل الدستور والمرحلة الانتقالية في مصر: بين 25 يناير و 30 يونيو. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 فاسكونسيلوس، ألفارو وجيرالد ستانغ [محرران.] الإصلاح الدستوري في الأوقات الانتقالية: تأمين شرعية مسار بناء المؤسسة الديمقراطية. باريس/ بيروت: مبادرة الإصلاح العربي،.2014 ماضي، عبد الفتاح. "هل يمكن أن تجهض الدساتير الثورات الديمقراطية؟: قراءة في التجربة الدستورية المصرية بعد ثورة يناير." المجلة المغربية للسياسات العمومية. العدد 18 (خريف.)2015 ________._ "تحولات الثورة المصرية في خمس سنوات." سياسات عربية. مج 4، العدد 18 (كانون الثاني/ يناير.)2016 المختار، عبد الرزاق. "الدستور المنسي: حول دور السلطة المؤسسة في روافد ظل دستور 1959. العدد).2010(15 ". ________. "في الهندسة الانتخابية للمراحل الانتقالية: انتخابات سياسات عربية. مج المجلس الوطني التأسيسي في تونس مثالً." 6، العدد 49 (كانون الثاني/ يناير.)2018 ________. الدستور الصغير: في التنظيم الوقتي للسلطات. صفاقس: دار محمد علي للنشر،.2011 مراد، حاتم [محرر.] الحوار الوطني في تونس. تونس: منشورات نيرفانا والجمعية التونسية للدراسات السياسية،.2015 المسلماني، محمد أحمد إبراهيم. حجية القاعدة القانونية في فترة الفراغ الدستوري: دراسة مقارنة. الإسكندرية: دار الفكر الجامعي،.2018 النيفر، رشيدة. التنظيم الانتقالي للسلطة في تونس: من بعد الرابع عشر من جانفي 2011 إلى انتخاب المجلس الوطني التأسيسي. تونس: دار الطائر للنشر،.2011 هلال، علي الدين ومازن حسن ومي مجيب. ال اررع من أجل نظام سياسي جديد: مصر بعد الثورة. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية،.2013 وه رتي، كمال طيب. أثر الثورة على الدساتير في الفقه الدستوري المقارن. الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث، 2020.
الأجنبية
Ben Achour, Rafaa & Sana Ben Achour. "La transition démocratique en Tunisie: Entre légalité constitutionnelle et légitimité révolutionnaire." Revue française de droit constitutionnel. vol. 4, no. 92 (2012). Bernard-Maugiron, Nathalie. "Les réformes constitutionnelles dans les pays arabes en transition." Annuaire IEMed de la Méditerranée 2013. Institut Européen de la Méditerranée
Brown, Nathan J. & Julian G. Waller. "Constitutional Courts and Political Uncertainty: Constitutional Ruptures and the Rule of Judges." International Journal of Constitutional Law. vol. 14, no. 4 (October 2016). Cartier, Emmanuel. "Les petites constitutions: Contribution à L'analyse du droit constitutionnel transitoire." Revue Française de Droit Constitutionnel. vol. 3, no. 71 (2007). Delmas, Yvonne. "L'évolution constitutionnelle de la Pologne, depuis 1919." PhD. Dissertation. Université de Montpellier. Montpellier, 1936. Elsayed, Ahmed. "Post-Revolution Constitutionalism: The Impact of Drafting Processes on the Constitutional Documents in Tunisia and Egypt." EJIMEL. vol. 2 (2014). Fadel, Mohammad H. "The Sounds of Silence: The Supreme Constitutional Court of Egypt, Constitutional Crisis, and Constitutional Silence." International Journal of Constitutional Law. vol. 16, no. 3 (July 2018). Gardbaum, Stephen. "Revolutionary Constitutionalism." International Journal of Constitutional Law. vol. 15, no. 1 (January 2017).
International Foundation for Electoral Systems (IFES). IFES Briefing Paper. Elections in Egypt: The Electoral Framework in Egypt's Continuing Transition: February 2011 – September 2013 (Washington: October 2013). at: https://bit.ly/3d0hRkl International Institute for Democracy and Electoral Assistance (IDEA). Global Justice Academy. Interim Constitutions in Post-Conflict Settings , Discussion Report. Edinburgh: 4-5/12/2014. at: https://bit.ly/3bRfeRF Jamal, Amal & Anna Kensicki. "A Theory of Critical Junctures for Democratization: A Comparative Examination of Constitution-Making in Egypt and Tunisia." The Law & Ethics of Human Rights. vol. 10, no. 1 (January 2016). Lang, Anthony F. "From Revolutions to Constitutions: The Case of Egypt." International Affairs. vol. 89, no. 2 (March 2013). Meyer-Resende, Michael. "Egypt: In-depth Analysis of the Main Elements of the New Constitution." Directorate- General for External Policies of the Union at European Parliament (April 2014). at: https://bit.ly/2yWjlx6 Perlo, Nicoletta. "Les Constitutions provisoires, une catégorie normative atypique au cœur des transitions Laboratoire Méditerranée." en constitutionnelles Méditerranéen de Droit Public (Septembre 2015). at: https://bit.ly/2DvgAWn Riahi, Mouldi. "La Constitution: Elaboration et contenu." Pouvoirs. vol. 1, no. 156 (2016). Rodrigues, Charmaine. "Letting off Steam: Interim Constitutions as a Safety valve to the Pressure-Cooker of Transitions in Conflict-affected States?" Global Constitutionalism. vol. 6, no. 1 (2017). Varol, Ozan O. "The Military as the Guardian of Constitutional Democracy." Columbia Journal of Transnational Law. vol. 51, no. 3 (2013). Ziegler, Kai Peter. "Democratic Republic of the Congo: The Transitional Constitution of April 1, 2003." International Journal of Constitutional Law. vol. 3, no. 4 (October 2005).