جيش المهدي والتيار الصدري: الصراع على الهوية والتحوّل
الملخّص
موضوع هذه الدراسة هو الشيعية المسلحة في العراق، وتجسدها الأبرز، جيش المهدي. وهي تتناول طبيعة العلاقة بينه وبين التيار الصدري، في إطار دراسة العلاقة بين التنظيمات السياسية وأذرعها المسلحة، وخصوصية هذه العلاقة، التي تتمثل في أن جيش المهدي نشأ في إطار المؤسسة الدينية الشيعية في النجف، وأنه كان يمثل إطارًا واسعًا من الوظائف. من هنا، لم يكن جيش المهدي فصيلا مسلحًا، بالمعنى التقليدي، وكان أشبه بحالة تعبئة عامة للمجموعة الشيعية في العراق. وبقدر ما كان جيش المهدي الخطوة التنظيمية الأولى للتيار، ظل وجود الذراع المسلحة ركن ا جوهريًا، يتحكم ويحدّد تطورَ التيار. وتحاجّ الدراسة بأن السجال على حجم العمل المسلح أفضى إلى صراع على هوية التيار، بين جناحين: جناح مع أن يبقى التيار تنظيمً ا مسلحًا، وآخر مع أن يتحول إلى العمل السياسي. ولذلك، كان مسعى قيادة التيار ضبط جيش المهدي يتداخل بالصراع السياسي بين أجنحته. كلمات مفتاحية: التيار الصدري، جيش المهدي، شيعة العراق. The study concerns the armed Shiism in Iraq and its most prominent embodiment, the Mahdi Army (MA). It deals with the relationship between the MA and the Sadrist movement, as a case og the relationship between political organizations and their armed wings. It explores the specificity of this relationship, whereby the MA arose within the Najaf Shiite’s Hawza. Hence, the MA was not a typical armed wing, but was more like a general beacon of mobilization for the Shiite community in Iraq. MA was the first organizational step for the movement as much as its presence as the armed wing remained an essential pillar, controlling and determining the development of the movement. The study argues that the debate over the extent of armed action led to a struggle over the identity of the movement, between two wings: remaining an armed organization, or turning to political action. Therefore, the leadership’s efforts to control MA were intersects with the political struggle between its wings. Keywords: The Sadrist Movement, the Mahdi Army, Shia of Iraq.
The Mahdi Army and the Sadrist Movement in Iraq: The Struggle for Transformation
مقدمة *
لعلّ الوصف الأول والأكثر شيوعًا ل "جيش المهدي"، الذي اعتمدته الدراسات المعنية، هو أنه ذراع مسلحة لتنظيم سياسي، وهو "التيار الصدري"1. بهذا المعنى، فهو صيغة نمطية لا تختلف عمّ تعرفه العديد من الأحزاب الأيديولوجية الجماهيرية في العالم، التي تتأسس بنيتها على زعامات، وإطار أيديولوجي واضح، وقاعدة جماهيرية عريضة. وكما كان لهذا النمط من الأحزاب الأيديولوجية الكبرى عبر العالم أذرع مسلحة، كان لبعض نظائرها من أحزاب جماهيرية أيديولوجية تقليدية في تاريخ العراق الحديث مثل هذه الأذرع المسلحة (الميليشيات)، كالحزب الشيوعي وحزب البعث، اللذين كانت لهما مثل هذه التنظيمات التي ترتبط ارتباطًا بنيويًا بالأحزاب. وإلى جانب حزمة من الوظائف التي تؤديها الأذرع المسلحة2، كان ملمحها الأهم، في نسختها العراقية، أنها كانت "أداة" الأحزاب في الوصول إلى السلطة، في ظل سيطرة النموذج الانقلابي في تلك المرحلة. ولذلك، كان الأهم، في تفكير هذه الأحزاب هو بناء تنظيمات داخل الجيش، أو المؤسسة العسكرية، للسيطرة عليها، فهي الأداة المثلى والناجعة للوصول إلى السلطة. وهو ما تحقق لحزب البعث الذي أنشأ عددٌ من الضباط المنتمين إليه "مكتبًا عسكريًا"، أسهم في انقلابين قادهما الحزب في العراق 1963(و 1968)، وشكّل عدد من الضباط السوريين المنتمين إلى حزب البعث "لجنة عسكرية"، نفّذت انقلاب عام 1963 في سورية. وبما أن حزب البعث كان يدرك محورية هذه المسألة (التنظيم داخل الجيش)، حظر، في دستور الدولة التي أقامها في العراق (دستور 1970)، على الأحزاب السياسية إقامة تنظيمات داخل الجيش3. إن تركيز الأحزاب الأيديولوجية التقليدية على هذا المفهوم (السيطرة على الجيش) جعل تجاربَ أذرعها المسلحة محدودة وغيرَ متطورة تنظيميًا (كتجربة "الحرس القومي"، الذي أنشأه حزب البعث، و"حركة الأنصار" التي أنشأها الحزب الشيوعي.)
أولا: جيش المهدي على طاولة مراكز التحليل السياسي
تذكر الأدبيات المختصة بالميليشيات والفصائل المسلحة في العالم أن أكبر فصيلين مسلحين من الفصائل الإسلامية الشيعية في العراق هما فيلق بدر وجيش المهدي4. يمكن أن يشكّل هذا الجمع، والمقارنة التي يمكن أن تنشأ بسببه، مدخلً مناسبًا لفهم طبيعة جيش المهدي، التي تختلف اختلافًا نوعيًا عن فيلق بدر. وما الجمع بينهما إلا شكل تقتضيه البيانات الإحصائية الكمية، التي لا تعبأ بالتحليل البنيوي أو السياقي، بقدر ما يعنيها انطباقُ مواصفات عامة وفضفاضة، في كثير من الأحيان. ففي الوقت الذي نشأ فيه فيلقُ بدر في سياق المعارضة الإسلامية الشيعية لنظام صدّام حسين في الثمانينيات، عاش جيشُ المهدي تجربةً تاريخية مختلفة، إذ نشأ في سياق الدولة الناشئة ما بعد الاستبداد. وفي حين كان فيلقُ بدر خاضعًا للنمط العام والتقليدي للعلاقة بين الأحزاب وأذرعها المسلحة، في كونه نشأ بوصفه ذراعًا مسلحة لتنظيم سياسي، هو المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، قبل أن ينفصل عنه ليشكّل تنظيمَه الخاص، ولهذا السبب ظل محدودًا في عدد مقاتليه5، يبدو جيش المهدي، على مستوى البنية التنظيمية، أشد تعقيدًا من هذا بكثير، فهو ذو أبعاد سياسية واجتماعية شائكة، وهو ليس تنظيمً محدود العدد، وقد أصبح الحاضنةَ التي وُلدت منها الفصائل الشيعية المسلحة كلُّها. وهذه الخصوصية، في الحقيقة، هي موضوع هذه الدراسة. بدءًا من عام 2008، وغداة معارك "صولة الفرسان"، في آذار/ مارس 2008، التي تعرّض فيها جيشُ المهدي لضربة قاصمة،
وبعد إع ناا الصدر تعليق عمليات جيش المهدي وحصرها في فئة محددة، لا تمارس نشاطًا مسلحًا إلا بقرار قيادة التيار (وهو أمر سنتابعه، لاحقًا، ونضعه في سياقه التاريخي والبنيوي)، ظهر كمّ كبير من الدراسات والتقارير والمقالات عن التيار الصدري وجيش المهدي، نسبةٌ كبيرة منه أنجزتها مراكزُ التحليل السياسي Tanks Think الأميركية، التي قدّرت، في ذلك الوقت، أنّ جيش المهدي هو أحد ثلاثة أخطار أساسية تواجه العراق، إلى جانب تنظيم القاعدة، والصراع الطائفي والإثني، بل هو في صدارة تلك الأخطار6، وهو تقدير يتوافق مع تقدير المؤسسة العسكرية الأميركية التي باتت ترى أنه مع صيف 2007، أصبح خطرُ الميليشيات الشيعية أكبرَ من خطر "دولة العراق الإسلامية"7. والمقصود الرئيس بتعبير "الميليشيات الشيعية"، في هذا السياق، هو جيش المهدي. نشرت كبرى هذه المراكز دراسات تحليلية عن جيش المهدي، مما لا نظير له، كمًّ ونوعًا، قبل عام 2008، ولا حتى عام 2004، حين خاض جيشُ المهدي معاركَ ضد القوات الأميركية. وبالتأكيد، يرتبط الأمر ارتباطًا مباشرًا بتضخم خطر هذا الجيش، بحسب التقديرات الأميركية السالفة، ولكنه لا يبتعد أيضًا عن أزمة التيار، من مطلع عام 2007 إلى أواسط عام 2008، وتحديدًا مع بدء خطة زيادة عديد القوات الأميركية في العراق، المعروفة باسم Surge، والتي أعلنها الرئيس جورج بوش الابن في كانون الثاني/ يناير 2007. وإذا كانت الخطةُ قد استهدفت مواجهةَ تنظيم القاعدة، و"دولة العراق الإسلامية"، الناشئة للتوّ، فإنها شملت جيش المهدي، بسبب دوره في الحرب الأهلية عام 2006، وهو أمر منطقي لخطة كانت تستهدف أساسًا مخاطبةَ المجتمع السني وإشراكه في قتال القاعدة. ولذلك، كان السؤال المركزي للدراسات التي أنتجتها مراكزُ التحليل السياسي الأميركية هو: كيف سيتطور التيار، ومعه جيش المهدي؟8 وإذا كانت هذه الدراسات والتقارير تضم معلومات وتفصيلات مهمة جدًا عن جيش المهدي، من الأرجح أنها مستقاة من الأجهزة الاستخبارية الأميركية، فإنها حكمتها ثلاثة ثوابت أو مقولات: أن جيش المهدي هو ميليشيا تتبع تنظيمً سياسيًا، وأن وظيفته هي كسب النفوذ في الدولة لصالح التنظيم السياسي، وأن "الموديل" أو النموذج الذي ينبغي أن يُفهَم من خلاله هو نموذج حزب الله اللبناني. وقد كانت سيطرة نموذج حزب الله على فهم التيار الصدري وجيش المهدي وتطورهما أمرًا مركزيًا في هذه الدراسات9، من جهة أن كل واحد من هذين الاثنين، بحسب هذه الدراسات، يقوم على ثلاثة أركان: أنه تنظيم سياسي يقوم على أساس ديني، وأنه يحقق نفوذَه الاجتماعي من خلال تقديمه خدمات اجتماعية (بما فيها خدمة الأمن للمجتمعات، والمناطق التي سيطر عليها وحقق نفوذًا فيها)، وأنه يضم ذراعًا مسلحة (ميليشيا) تساعده، على نحو حاسم، في تحقيق نفوذه في الدولة والمجتمع (وهذه وظيفة شائعة للميليشيا)، فضلً عن كون الاثنين حظيا برعاية إيرانية10. ومن ثمّ، وإجابةً عن السؤال السالف "كيف سيتطور التيار الصدري وجيش المهدي؟"، تكون الإجابة بحسب منطق هذه الدراسات واضحة: أنه سيتطور على نموذج حزب الله. وبحسب دراسة موسّعة نشرها أنتوني كوردسمان وخوزيه راموس في ذلك الوقت، لتفصّل في هذا الجواب، فإن قوات نخبة مدرَّبة تدريبًا عاليًا ستكون الأساس في تحصيل النفوذ السياسي11. و"قوات النخبة"، هنا، هي إشارة إلى منظمة "المجاهدون"، في إطار التمييز الذي قام به مقتدى الصدر بين "الممهدون" و"المجاهدون" (وسنفصّل في هذا الأمر لاحقًا.) وفي الحقيقة، ليس لدينا دليل على أن الصدر كان يفكر في نموذج حزب الله، غير أن الدراسات التي تناولت التيار الصدري ظلت تقارنه بحزب الله، بسبب فرادته في التجربة الإسلامية الشيعية العراقية، وظل ثمة توقع دائم مفاده أنه سيتطور على طريقة هذا الحزب، أو أنه أريد له أن يكون كذلك؛ بمعنى أن هناك قوى من خارج التيار فهمته على هذا الأساس، وحاولت أن تصمّم له مسارًا ليتطور على طريقة حزب الله.
ثانيًا: الوظائف الجديدة للأذرع المسلحة: جيش المهدي في قلب المؤسسة الدينية الشيعية
يبدو جيش المهدي أشد تعقيدًا من هذا التعريف المستعجل، الذي ربما تُفضي إليه كلمة "جيش"، أو سيطرة نموذج حزب الله على فهمه. وتكشف دراسة بواكير التأسيس هذا التعقيد، ولا سيما أنه تشكّل
حتى قبل تشكّل التيار الصدري تنظيمً سياسيًّا واضحًا، وهو ما تحاول هذه الدراسة أن تشرحه.
على نحو عام، تختلف تجربة جيش المهدي عن النموذج الذي حكم العلاقة بين الأحزاب الجماهيرية الأيديولوجية التقليدية وأذرعها المسلحة، بما في ذلك "فيلق بدر"، الذي كان - ما قبل تشكيل جيش المهدي - أكبرَ وأهم فصيل مسلّح في التجربة الإسلامية الشيعية العراقية، وقد كان خاضعًا للنمط العام للأحزاب الجماهيرية الأيديولوجية في علاقته بالحزب وكونه ذراعًا مسلحة له. لم ينشأ جيش المهدي بوصفه ذراعًا مسلحة لتنظيم سياسي قائم، بل أنشأه تيار أو مجموعة من رجال الدين، من داخل المؤسسة الدينية الشيعية في النجف، لتنفيذ ما تراه "المرجعية من مهمات"، بحسب ما جاء في إعلان إنشائه، الذي تولاه مقتدى الصدر، نجل أحد كبار مراجع الشيعة في العراق، محمد الصدر، الذي اغتيل في شباط/ فبراير 1999، ويرجَّح أن نظام البعث هو الذي يقف وراء اغتياله. وكان قد شاركه في التأسيس مجموعة من تلاميذ الصدر الأب. وقد أعلن مقتدى الصدر عن ولادة جيش المهدي في خطبة الجمعة التي ألقاها في جامع الكوفة يوم 18 تموز/ يوليو.2003 ومن ثم، يبدو لي من المهم أن نشدِّد في هذا السياق على هذه النتيجة: أن جيش المهدي أُسِّس داخل إطار المؤسسة الدينية الشيعية. غير أن التيار الذي أنشأه لا يعبِّ عن الاتجاه الرئيس في الحوزة، فقد قاده مجموعة من رجال الدين الشباب والثانويين. ثمة اتجاه سائد بين الباحثين يقصر فهمَه للمؤسسة الدينية الشيعية على الأفعال التي يقوم بها المراجع الكبار. غير أنني أحاجّ في الاتجاه المعاكس، فالمؤسسة الدينية الشيعية مؤسسة واسعة، والديناميكيات داخلها قد تأتي من مواقع غير المواقع المركزية فيها. ولذلك، ينبغي أن يكون ثمة تغيير في المنظور الذي ندرس من خلاله هذه المؤسسة، فنعدّ أيَّ فعل يصدر من الإطار العام لهذه المؤسسة، سواء من طلبة أو مراجع كبار أو رجال دين شباب أو علماء ينتمون جهويًا إلى مناطق لا تنتج تقليديًا المراجعَ الكبار، أو سوى ذلك، جزءًا من الديناميكيات العامة لهذه المؤسسة. وهكذا، وبهذا المنطق، لا يمكن فصل جيش المهدي عن الديناميكيات العامة للمؤسسة الدينية الشيعية. ومع أن مقتدى الصدر هو نجل أحد كبار مراجع النجف، لم يكن يُنظَر إلى الصدر الأب نفسه بوصفه معبِّ ا عن التيار العام والتقليدي في الحوزة، الذي يُفهم بأنه متحفظ عن أداء أي دور اجتماعي أو سياسي، في حين قاد الصدر حركة واسعة في التسعينيات، نجحت في تعبئة أعداد كبيرة من الشباب الشيعة في جنوب العراق وبغداد. وعُدَّ هذا كسرًا لأنماط العمل التقليدية في الحوزة. ولذلك، كان مقتدى الصدر يتحدث باسم المرجعية (وهو، إلى الآن، يتحدث باسمها، فهو لا يستطيع أن يضع نفسه خارجها، وإن كانت طبيعة الصلات الآن بالمرجعية التقليدية مختلفة، على نحوٍ جذري، عمّ كانت عليه عام.)2003 ومع ذلك، ينبغي القول إن المخاض آنذاك، الذي كان تشكيلُ جيش المهدي جزءًا منه، هو مخاض سياسي، وهو المخاض الذي أولد، بدءًا من تلك اللحظة، ما سيُعرف ب "التيار الصدري." ولذلك، كانت وظائفُ جيش المهدي، على نحو ما تضمنها إعلانُ تشكيله، وظائفَ عامة، بمعنى أنه كان "جيشًا تحت الانتظار"، ولم تشمل هذه الوظائفُ، لحظةَ الإعلان، حتى مقاومة الاحتلال الأميركي للبلاد، وهو الأمر الذي سيتولاه جيش المهدي لاحقًا. يمثّل جيش المهدي إطارًا واسعًا وفضفاضًا لمجموعة من الوظائف التي تنهض بها، أو يمكن أن تنهض بها، أو تطمح إلى أن تنهض بها، أو اضطُرت إلى أن تنهض بها، مؤسسة مجتمعية واحدة هي المؤسسة الدينية، التي لا يرتبط نهوضها، ما بعد عام 2003، بقوتها الذاتية فقط، بل يرتبط أيضًا بضعف القوى المجتمعية الأخرى، بل انعدامها؛ إذ قضى النظام السلطوي على سائر القوى المجتمعية (الأحزاب، والمجتمع المدني، والنقابات... إلخ.) وهكذا، لم تكن ثمة، لحظةَ سقوط النظام والدولة في نيسان/ أبريل 2003، من قوى مجتمعية مهيَّأة لأن تؤدي دورًا اجتماعيًا وسياسيًا كما المؤسسة الدينية. وهذه المؤسسة نفسها كانت منكفئة عن أداء أدوار كهذه، ولم تكن مهيَّأة في هذا الجانب، إذا استثنينا حالة الحركة الصدرية، التي لم تكن تخلو من ملابسات سياسية، على نحو ما سيتوضح لاحقًا. إنّ ما ساعد المؤسسة الدينية على أن تتهيّأ لأداء هذا الدور هو أنها حافظت على بناها التقليدية. وقد كان تماسكُ بنى المؤسسة الدينية الشيعية وديمومتها
أمرين حاسميَن في أنها كانت تستطيع أن تتهيأ لأداء دور، ولا سيما أن الجمهور دفعها إلى ذلك، وقد عدمَ قوةً مجتمعية تستطيع أن تنهض بدور تمثيي، يعبّ عنه وعن مطالبه12. كانت فكرة قدرة المؤسسة الدينية على "تمثيل" الجمهور الشيعي حاضرة في مخيال هذا الجمهور منذ الأيام الأولى التي تلت إسقاط نظام صدّام حسين. ومن دون أن نبتّ فيما إذا كانت المؤسسة الدينية تخطط لأداء دور اجتماعي وسياسي منذ تلك الأيام، فالأكيد أن الجمهور كان أحد العوامل التي دفعتها نحو ذلك، ليصل بها الأمر إلى أنها باتت تحاول تعويض غياب الدولة وفشلها، إلى الحد الذي كرّس فيها سلطات موازية خارج سلطة الدولة. ولعل جيش المهدي هو مثال عن الوظائف المتعددة التي يمكن أن تنهض بها المؤسسة الدينية؛ فهو ميليشيا، وهو تنظيم سياسي، وهو مؤسسة خدمات. يرى عدد من الباحثين أن الإعلان عن جيش المهدي جاء رد فعل على تشكيل "مجلس الحكم"، الذي أعلن عنه قبل خمسة أيام فقط من الإعلان عن جيش المهدي، ويرى هؤلاء أنه، تحديدًا، رد فعل على إقصاء الصدر عن المجلس. وفي تقديري، إن الإعلان عن جيش المهدي هو تعبير عن مقاربة سياسية مختلفة عن المقاربات التي راجت غداة الاحتلال الأميركي للبلاد، في الأقل في الوسط الشيعي، فهو تعبير عن نخبة محلية (مقيمة في داخل العراق) في مواجهة الكتلة الكبرى من النخبة الشيعية، وهي نخبة المعارضة السياسية التقليدية خارج العراق لنظام صدّام، وهي تعبير عن مقاربة معارضة للتصور الأميركي عن عراق ما بعد صدّام. وقد وصلت هذه المقاربة المعارضة، وما أثارته من صراعات داخل النخبة الدينية، إلى حد الصدام المسلح مع الأميركيين. وكان ذلك يتغلف دائمًا بغلاف أيديولوجي، وهو موقف تقليدي، طبع النخبة الدينية الشيعية في عموم المنطقة، على الأقل ما بعد الثورة الإسلامية. وفي النهاية، وفي خلاصة مكثفة؛ على الرغم من كل السياقات المباشرة التي أحاطت بتأسيس جيش المهدي، يمكن القول إنه لم يكن فصيلً مسلحًا، بالمعنى الدقيق والتقني والتقليدي للفصائل المسلحة. وقد شكّك كثير من الخبراء في إمكان إطلاق تسمية "ميليشيا" على جيش المهدي بالفعل، بالنظر إلى ضعف كفاءته وقدرته القتالية المتردية، على الرغم من أنه تلقى تدريبات من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني؛ فهو يضم شبابًا قليي التدريب والانضباط، وغير مؤهلين للقتال العسكري المنظّم، ويفتقر إلى بنية تنظيمية تراتبية. ويتعلق بعض "النجاحات" التي حققها بردود الأفعال وأعمال العنف ذات الطابع الطائفي، التي أتت في سياق حالة الفراغ الأمني13. وإذا كان هذا الحكم ناتجًا من النظر إلى البنية التنظيمية، فإننا نرى، على المستوى الوظيفي، أن جيش المهدي لم يكن فصيلً مسلحًا، بل كان أشبه بحالة "تعبئة عامة:" أكثر مما هو ميليشيا منظّمة، هو تعبئة للشيعة لتشكيل قوة في مواجهة التحول الكبير الذي حدث في عام 2003، تدافع عمّ يمكن أن يكسبوه في لحظة القطع المفصلية هذه في تاريخهم. وقد كان واضحًا، في خطاب التأسيس الذي ألقاه مقتدى الصدر، أنّ جيش المهدي هو الخطوة الأولى نحو الدولة القادمة، التي انفتح أفق لقيامها مع هذا الحدث المفصي، وهي ليست دولة إسلامية فقط، بل إنها تخضع لتوجيه المرجعية الدينية ولإشرافها، إذ يقول: "سأسعى [...]إلى تأسيس أكبر مقومات الدولة، وهو تأسيس جيش إسلامي، مطيع لمراجعه وقوّاده.[...]وإن شاء الله، يكون هذا الجيش تحت اسم 'جيش الإمام المهدي'،[...]وسيكون مدافعًا عن العراق وحوزته، ومراجعها وقياداتها.[...]وهذه ستكون البذرةَ الأولى لتأسيس الدولة المستقلة المسلمة"14. وقد تكون هذه الدولة هي دولة الشيعة، التي سينتصرون فيها بعد مدة الحرمان الطويلة من الحكم. ولذلك، لا ينبغي لهم تفويت هذه الفرصة. وقد كان هذا المعنى واضحًا جدًا في خطاب التأسيس. يقول الصدرُ مخاطبًا أتباعه: "لا تقصّوا في ذلك، لأن الدين والمذهب في أعناقكم وفي ذمتكم، ولا يجوز لنا ولكم التفريط،[...]وإلّ، فستكون وصمةَ عار تلاحقنا عبر العصور"16. وفي العموم، يتحدث خطاب التأسيس عن ثلاثة أركان للدولة القادمة: قيادة المرجعية، وجيش المهدي (الذي لا يكتفي الصدرُ بالحديث عن كونه أداة تشكيل هذه الدولة، بل يضع عليه وظائف ثيوقراطية، ليكون "اليد الضاربة، الآمرة بالمعروف، والناهية عن المنكر)"، وعلاقات خارجية تتجسد عبر فتح مكاتب (بمنزلة السفارات) في عدد من البلدان، لتمثلها. يقول متحدثًا عن الدولة: "ها هي تقوم بأركانها، وهي قياداتها الحوزوية، وجيشها المسلم، وسفاراتها في البلدان"17.
كان يسيطر على تصورات الصدر كونُ نيسان/ أبريل 2003 لحظة مفصلية ينبغي لها أن تفضي إلى وضع جديد، ولو بالحد الأدنى، من دون أن يفصح، بلغة المعجم السياسي المتداول، عن الحد المقبول، هل هو استقلال فدرالي؟ أم تقسيم للعراق؟ يقول: "إن كان ولا بد، فستكون هناك دولتان، دولة حق، في وسط دولة لا تمتّ للحق بصلة. [...]لهم دينهم ولنا دين، وإلا سنكرر المأساة الأولى مع النظام الظالم البعثي الإرهابي." من هنا، لم يقبل الصدرُ، في أول مؤتمر صحفي له بعد الغزو الأميركي18، بتشبيه جيش المهدي بفيلق بدر، الذي ذكر أنه يضم (في سياق تقليله من قيمته، مع أنه أكبر ميليشيا شيعية إسلامية ما قبل تشكيل جيش المهدي)، ما بين 10 و 12 ألف مقاتل تقريبًا. وعلى الرغم من أن هذا العدد من المقاتلين كبير جدًا، بالمعايير العامة للميليشيات، فإنه بالنسبة إلى الصدر يعني أن فيلق بدر فصيل مسلح تقليدي، في حين أن "جنود الصدر هم ثلاثة أرباع العراق"، بتعبيره. وبالتأكيد، يؤسس الصدرُ هذا التعبير، في هذا الوقت المبكر بعد الغزو الأميركي للبلاد، على الشبكة الاجتماعية الواسعة التي بناها أبوه، وحركته ذات الطابع الفريد بين مراجع النجف، التي لم تُتَح للمعارضة الإسلامية الشيعية. ولكن الأهم من ذلك، أن فكرة أن "جنود الصدر هم ثلاثة أرباع العراق" تنطلق من الرغبة في خلق حالة تعبئة عامة في هذه اللحظة المفصلية. ويمثل تشكيل جيش المهدي، بعد مرور أقل من ثلاثة أشهر على الغزو الأميركي وسقوط نظام صدّام حسين، تجسيدًا لهذه التعبئة وعنصرًا أساسيًا فيها. وفي هذا الإطار، يمكن فهم مواقف مقتدى المبكرة، ولا سيما رفضه إعلان الجهاد، بدعوى أن ضرر الجهاد الآن أكثر من فوائده، بسبب عدم التكافؤ بين الطرفين. وفي تقديري، إنّ المسكوت عنه، هنا، هو أن جيش المهدي أُنشئ لحماية الشيعة، في الأساس، وليس لقتال الأميركيين. ومع أن الكثيرين كانوا يعدّون الحركةَ الصدرية الخصمَ الشيعي الرئيس للنظام السياسي الناشئ ما بعد عام 2003 19، أرى أن الشيعية المسلحة، في النهاية، وعلى نحو عام، وتجسيدها الجوهري والرئيس هو جيش المهدي، لا تختلف عن سائر المبادرات التي أطلقها فاعلون من داخل المؤسسة الدينية الشيعية في النجف مع فراغ السلطة الناشئ ما بعد الغزو الأميركي للبلاد في عام 2003، والتي كانت تستهدف إعادة تحديد العلاقة بين المؤسسة الدينية والدولة، بمعنى أن الشيعية المسلحة الناشئة بُعيد عام 2003 لا تختلف عن مبادرة عي السيستاني في الإسهام في كتابة الدستور. كلا الأمرين استجابة لفراغ السلطة الناشئ، ومحاولة لتحصيل مصالح الجماعة الشيعية، وإعادة رسمٍ للعلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية. قد يكون الاختلاف هو في شكل هذه الاستجابة، ولكنْ للأمرين معنى واحد.
ثالث ا: جيش المهدي تجسيدًا للتيار الصدري
يصف فالح عبد الجبار20، جيدًا، "المفاجأة الشيعية"، التي انفجرت ساعاتٍ قليلةً بعد سقوط نظام صدّام: الطقوس الشيعية التي حشدت الملايين، واغتيال عبد المجيد الخوئي، نجل أحد أكبر مراجع حوزة النجف في القرن العشرين والقادم من بريطانيا، ومعه سادن الروضة العلوية في النجف حيدر الرفيعي، ومظاهرات النجف والناصرية وبغداد التي شارك فيها عشرات الآلاف. وقد كان الأهم في "صندوق باندورا" الشيعي والمفاجأة الكبرى هو مقتدى الصدر، الذي برز على نحوٍ مُدَوٍّ في الأسابيع القليلة التي تلت سقوط نظام صدّام، وبات بسبب فراغ السلطة يسيطر (ويحكم، في الحقيقة) على جزء غير قليل من العاصمة بغداد، وهو الضاحية الواسعة التي بات اسمها، منذ نيسان/ أبريل 2003، مدينة الصدر. لم يدر بخلد أحد من الأطراف الفاعلة التي خططت لعراق ما بعد صدّام، سواء كانت أميركية أو أطرافًا في المعارضة العراقية القادمة من الخارج، أنها ستُصدَم بظاهرة مقتدى الصدر والصدريين، وعلى هذا النحو السريع. من هنا، أثار صعود الصدر جدلً كبيرًا، عراقيًا وأميركيًا، تايم الأميركية (مطلع أيار/ مايو توثّقه مقالة مبكرة لمجلة 2003)، بين من يستخف به ومن يرى أنه يخطط لأداء دور كبير في العراق، ومن كان ينظر إليه على أنه إيراني الهوى أو تحرّكه إيران، ومن كان يرى فيه مجرد زعيم لعصابة مشاكسة21. غير أنه سرعان ما أصبح واضحًا أن الصدر يتهيأ للقيام بدور سياسي، وقد بات المجالُ واسعًا ما بعد سقوط الدكتاتورية، يساعده في هذا أنه يستند إلى القاعدة
الجماهيرية الواسعة التي خَلَّفتها حركةُ الصدر الأب، وكان الجميع يتعامل معها بوصفها مشروعًا وإمكانية محتملة لحركة سياسية قادمة، وكان ثمة سباق للاستئثار بها. ومع ذلك، لم يكن الدور الذي يمكن أن يؤديه الصدر، أو شكله، واضحين. وإلى لحظة الإعلان عن إنشاء "جيش المهدي" لم يكن من الممكن الحديث عن تنظيم أو حركة أو جماعة سياسية أو دينية أو اجتماعية واضحة ومحددة، مرتبطة بالصدر أو تدور في دائرته. إلى تلك اللحظة، كان الصدر والصدريون مفاجأة صادمة، وظاهرة لم تكتمل ملامحها بعد. يثير كثير من الباحثين أسئلةً عن صعود الحركة الصدرية بهذا الشكل ما بعد عام 2003، وهي تفتقر إلى زعامات كبيرة، سواء على مستوى التحصيل الديني أو على مستوى السمات الشخصية للزعامة. ولا يمكن تفسير هذا الصعود من خلال شخصية مقتدى الصدر أو الطقم القيادي معه من تلاميذ الصدر الأب من رجال الدين الشباب، فإلى جانب افتقارهم إلى الكاريزما الشخصية والتحصيل الديني الكبير، لم يكونوا يتوافرون على قدرات مالية، ولا على تنظيم سياسي راسخ، ولا على دعم خارجي قوي22. وفي تقديري، لا يمكن فصل هذا الصعود عن الأساس المتين الذي وضعه محمد الصدر في التسعينيات، فالتيار الصدري، على نحو ما عرفناه بعد عام 2003، يجد جذوره، بلا ريب، في حركة الصدر الأب. ولا يُختزَل الأثر الحاسم للأب في نهوض التيار ما بعد عام 2003 بالنزعة الثورية التي صنعها، في معارضته لنظام صدّام حسين، وهو ما شكّل حالةً فريدة في تقاليد المرجعية الدينية في النجف؛ فهناك عوامل كان لها أثر أكبر، ولا سيما الشبكة الواسعة التي بناها الصدر الأب، وكان من الممكن (إن لم نقل من السهل) إعادة إحيائها وتفعيلها، مباشرة ما بعد سقوط نظام صدّام. ومع ذلك، تنبغي الإشارة، هنا، إلى أنّ كونَ جذور التيار الصدري تعود إلى حركة الصدر الأب لا ينفي أنّ التيار وصل إلى نتائج وتحولات لا تتطابق مع ما أرساه الأب، وهو ما سنبسطه لاحقًا. ثمة ثلاثة أسس وضعها الصدر ما كان يمكن للتيار الصدري ما بعد عام 2003 أن ينمو لولاها، ولا يمكن فهم ديناميكيته من دون الوعي بها. أوّل هذه الأسس أنّ الصدر الأب، وهو سليل إحدى أهم العوائل العلمائية، اختلف عن تقاليد مدرسة النجف في فاعليته السياسية وانفتاحه الاجتماعي. ولا يمكن فصل انبثاق الظاهرة الصدرية، في اللحظة التالية لسقوط نظام صدّام، من السجال الذي استعاده محمد الصدر في التسعينيات، عن الدور السياسي والاجتماعي للحوزة، في مواجهة تقاليد حوزة النجف، التي يُفهَم منها أنها تعارض أن تتصدى الحوزةُ للعمل السياسي المباشر، سواء بالمعنى المهني المحترف (بتعبير ماكس فيبر)، أو التدخل العام في السجال السياسي، وهو ما يصدق على الحوزة، في الأقل، في العقود القليلة التي سبقت ظهور محمد الصدر، ولا سيما حقبة زعامة أبي القاسم الخوئي 1992-1970()، التي ترافقت مع صعود نظام البعث، والتزام الحوزة بتعففٍ وصمتٍ شبه مطلقيَن عن التدخل أو إبداء الرأي في الشأن السياسي. من هنا، كان النشاط السياسي لمحمد باقر الصدر في السبعينيات، في منطق هذه الحوزة نفسها، خروجًا على تقاليدها23. ولذلك، كان محمد الصدر، في استعادته لهذا السجال في التسعينيات، يضع نفسه امتدادًا لخط محمد باقر الصدر؛ ليس بوصفه خطًّا عائليًّا فقط، بل باعتباره خطًا فكريًا أيضًا. ولم يتورع الصدر، فيما كتبه في التسعينيات (وقبل ذلك) من نصوص تدخل في إطار الفقه السياسي، عن أن يضع نفسَه في السجال الفقهي الشيعي العام في هذه المسألة، بما يتجاوز حوزة النجف، ويقترب من السجال الفقهي الإيراني ومدرسة ولاية الفقيه (وسيأتي تفصيلُ ذلك لاحقًا.) وقد كان ظهور مقتدى الصدر وعدد من تلاميذ أبيه، في الأيام الأولى التي تلت سقوطَ نظام صدّام، كأنهم كتلة، سرعان ما بدأت الدوائر السياسية والإعلامية تطلق عليها اسم "الحركة الصدرية"، أو "الصدريون"، من جهة أنهم يقدّمون أنفسَهم على أنهم امتداد لمحمد الصدر، كان هذا الظهور ينطلق، بلا شك، من هذه الرؤية المتعلقة بالدور السياسي والاجتماعي للحوزة. ولا ينفصل هذا بالنسبة إلى مقتدى الصدر، في أقل التقديرات، عن كون هذه الرؤية جزءًا من إرث عائي، وهو يرى في نفسه أمينًا على "وديعة آل الصدر"، بتعبير فالح عبد الجبار24. وإجمالً، ثمة ثنائيتان متمايزتان كانتا تتحكمان في السجال داخل التيار الصدري على العلاقة بالمجال السياسي، وإمكانية ممارسة
السياسة على نحو محترف، والتحول إلى تنظيم حزبي. وترجع جذور بعض مكونات هاتين الثنائيتين إلى الحركة الصدرية أيامَ الصدر الأب. الثنائية الأولى هي "حوزة/ سياسة:" هل تبقى فاعلية التيار الصدري فاعلية حوزوية؟ أم يبدأ في ممارسة السياسة على نحو محترف، فيأخذ مواقعَ في البرلمان والسلطة التنفيذية والحكومات المحلية، وما إلى ذلك؟ بحسب ما تفيد الشهادات، التي جمعها الباحث لإنجاز هذه الدراسة، لم يكن مقتدى الصدر يرغب في أول الأمر في الانخراط في السياسة، أي ممارستها على نحو محترف، من خلال تأسيس تنظيم سياسي، والدخول في المؤسسات السياسية، الرسمية وغير الرسمية، فقد كان يرى أنّ على التيار أن يكون امتدادًا لإرث الصدر الأب، الذي لم يكن يرى أنّ للحوزة دورًا سياسيًا25، وكان يميّز بين السياسة والدور الاجتماعي؛ ففي حين أنه كان يوجب على من ينخرط في الدرس الديني معه كتابةَ تعهّد بعدم ممارسة السياسة26، كان يرى في الوقت نفسه أنه ينبغي أن يكون للحوزة دور اجتماعي، تحتّمه الوظيفة الشرعية، بحسب فهمه27، وهو ما لم تكن تنهض به الحوزةُ التقليدية التي كان يسميها "الحوزة الصامتة." غير أن رؤية الصدر إلى "السياسة" تنطوي على كثير من التعقيدات، فالتمييز بين "السياسة" و"الدور الاجتماعي" بهذه الطريقة لا يبدو تمييزًا متماسكًا، ذلك أنّ جزءًا كبيرًا من "الدور الاجتماعي" هو فعل سياسي، بما أنه تدخلٌ في المجال العام والشأن العام. ومن ثم، لفهم طبيعة التمييز الذي يقصده الصدر بدقة وفي تعقّده، قد يقتضي الأمر فهمَ دلالة "السياسة" في لغة الحوزة واستعمالاتها. ومن جهة ثانية، وعلى الرغم من موقف الصدر من عمل طلاب الحوزة والمشتغلين فيها في المجال السياسي، كان يتبنى نظريةَ ولاية الفقيه العامة، بصيغة أقرب إلى الصيغة الخمينية، وقد أنجز نصوصًا نظرية واضحة في هذا المجال. وعلى نحو عام، لم يكن الصدرُ بعيدًا عن الجو الإسلاموي، الذي نشأ في الوسط الحوزوي الشيعي العراقي منذ الخمسينيات، فمن يرجع إلى مجموعة المقالات التي كتبها ونشرها في الستينيات والسبعينيات (ومنها مجموعة نشُرت في مجلة الأضواء، التي نشط فيها عدد من الفاعلين في الحركة الإسلامية الشيعية، وكانت تُعَدّ بمنزلة ناطق بلسان حزب الدعوة الإسلامية آنئذ)، يجد أن نزعة الأسلمة، الاجتماعية والسياسية، تسيطر عليها، انسجامًا مع المناخ العام الذي نما وتبلور آنئذ في الوسطيَن السنّي والشيعي، إذ يكثر فيها الحديثُ عن "الدولة الإسلامية"، و"الدعوة إلى الإسلام"، و"التربية الإسلامية"، و"الدعاة الإسلاميين"، وما يدور في هذه الدائرة المفاهيمية28. يعود أول نصوص الصدر في مبحث "ولاية الفقيه" إلى وقت مبكّر من عمره، ففي عام 1970، كتب نصًّا عنوانُه مبحث ولاية الفقيه29، فيما يبدو أنه استمرار لجهود الخميني في هذا المجال، الذي كان قد قدّم، في منفاه في النجف في أواسط الستينيات من القرن العشرين، الحكومة الإسلامية محاضراتِه التي نشُرت في كتاب بعنوان 1970(.) ينشغل الصدرُ في هذا الكتاب بالإثبات النصي والعقي لولاية الفقيه العامة، وهو يتبنى أفكارَ الخميني تبنّيًا كليًّا؛ ليس فقط في الاتفاق معه على مصادر الاستدلال على ولاية الفقيه العامة في المتن الأصولي الشيعي، وليس فقط في ضبط أسانيدها وتفسيرها، بل كذلك في تبنّيها بوصفها دعوةً وبرنامج عمل، لا تمنع الفقيه من أن يتولى السلطة السياسية المباشرة، فولايةُ الفقيه لا ينبغي أن تقف عند الفتوى والقضاء، وينبغي للفقيه أن يكون "مبسوطَ اليد"، بالتعبير الفقهي، لينفّذ مضمونَ الفتاوى، أي أن تكون له الصلاحيات التنفيذية للدولة جميعًا. من هنا، يحدّد الصدر صلاحيات الفقيه على النحو الآتي: "هذه هي جملة الأعمال المتصوّرة للفقيه العادل بصفته وليًّا، وقد ثبت منها ما يعود إلى الفتوى من ناحية، وإلى تنفيذ الحكم الإسلامي في المجتمع من ناحية أخرى.[...]وتندرج في ضمن هذه الأعمال سائر ما تقوم به الحكومات عادة من التصرفات، كتأسيس الجيش والشرطة والسجون والمدارس والمستشفيات والإشراف على المؤسسات العامة، كالبريد والبنوك والشركات والإشراف على الكمارك وحركة الاستيراد والتصدير، إلى غير ذلك من الصلاحيات التنفيذية للدولة"30. غير أن ما يميز تصوّرات الصدر في هذا الكتاب من تصورات الخميني هو مفهوم "المرجعية الواعية"، وهو نوع في تصنيف للقيادات الدينية من ستة أنواع، يصمّمه الصدرُ في هذا الكتاب، ويضم كلًّ من النبوة، والقيادة المعصومة، والقيادة على مستوى النيابة الخاصة
بالنص الشخصي المباشر من قبل المعصوم، والقيادة غير المعصومة، والمرجعية الواعية، والمرجعية بشكلها التقليدي31. ساد نمطُ المرجعية التقليدية في المؤسسة الدينية الشيعية، منذ قرون عدة وامتد إلى العصر الحاضر، بحسب الصدر32، ولم تعرف هذه المؤسسةُ، إلا على نحو محدود، نمطَ المرجعية الواعية33، التي يصفها الصدر بأنها "المرجعية كما ينبغي أن تكون." أما أهدافها فهي أنها "لا تتولى الحكمَ الفعي، وإنما تحاول المحافظةَ على المستوى العقائدي والسلوكي في قواعدها الشعبية في المجتمع المنحرف." ولذلك، تأخذ هذه المرجعية "زمام المبادرة الواسعة لنشر الثقافة الإسلامية الواعية بين الناس على أوسع نطاق، لكي تصل إلى[...]تعميق الثقافة الصحيحة الواعية لدى قواعدها الشعبية، دفعًا للفراغ العقائدي والتيارات المنحرفة والكافرة، والتوصل في نتيجة المطاف إلى إيجاد مجتمع إسلامي يتمتع أكثر أفراده بفهم الإسلام طبقًا لمصادره الأصلية"34. وفي تقديري، إن "المرجعية الواعية" ليست غاية أو مشروعًا بالنسبة إلى الصدر بل هي أشبه بالمرحلة الانتقالية، التي تخرج من حالة المرجعية التقليدية، وصولً إلى تولي السلطة السياسية، ما سمح السياق بذلك. ثم عاد الصدر إلى الكتابة في مبحث "ولاية الفقيه"، في موسوعته الأصولية ما وراء الفقه، التي بدأ في كتابتها في أواخر الثمانينيات ونشرها في التسعينيات، في أثناء تصدّيه للمرجعية. وهذه المرة، لم يكن الصدر واضحًا وصريحًا على نحو كامل في أن الولاية العامة للمرجعية تشمل (أو يمكن أن تشمل) تولّيها السلطةَ السياسية، على النحو الذي كان عليه في عام 1970، إلا في فقرة واحدة تبدو عابرة، إذ يقول: "هنا لا نريد التعرض إلى شكل أو مضمون العنوان الظاهري الذي يتخذه [الولي الفقيه] من الناحية الدنيوية، كالمرجع أو الملك أو القائد أو أي شيء آخر، فهو أعلم بمصلحة ذلك المكان والزمان الذي هو فيه].[الاختيار [كذا] أي عنوان دنيوي يوفّقه الله سبحانه إليه، وأي شيء اختاره وفعله، كان ذلك في مصلحته، في الدنيا والأخرى [كذا]، ما لم يحلّل حرامًا، أو يحرّم حلال "35. ولعل السياق السياسي وسلطوية نظام البعث فرضا عليه ذلك، فلم يفصّل في الأمر "(لا نريد التعرض "[...])، ولكن من الواضح أنه يعتقد أن من حق الولي الفقيه اتخاذ أحد أشكال الزعامة السياسية الدنيوية العليا، إذا رأى ذلك مناسبًا. من هنا، يمكن القول إن التصورات التي وضعها الصدر في التسعينيات عن وظائف الولي الفقيه وصلاحياته، حين يتصدى للولاية العامة (وقد نضج هذا المصطلحُ والمفهوم لديه، بعد استعماله المحدود في السبعينيات)، إنما تهدف إلى تحديد الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه هذه الصلاحياتُ في خلال المرحلة الانتقالية (مرحلة "المرجعية الواعية"، مع التذكير بأن الصدر لم يعد إلى استعمال هذا المصطلح في التسعينيات.) ومن ثم، فإن "السياسة" التي يعارض الصدرُ انخراطَ الحوزويين فيها هي السياسة بمستوياتها الدنيا، أي التحزب (الانتماء إلى الأحزاب السياسية)، وتولي مناصب فرعية في الدولة، سواء كان ذلك في السلطة التنفيذية أو التشريعية. ومع أن ثمة حاجة إلى دراسة معمقة أكثر وأوسع لدلالة كلمة "السياسة" في استعمالات الحوزة الشيعية الحديثة، ولا سيما في العراق، أحاجّ، هنا، بأنّ الاستنتاج السالف يمكن الوصول إليه عبر وضع تصورات الصدر في سياقها، إذ دار نقاش في تلك المرحلة (مطلع السبعينيات) والعقدين اللذين سبقاها، على وجاهة التحزب بالنسبة إلى الفقهاء، أو تشكيل أحزاب، أو ما إلى ذلك. وهو نقاش أطلقه تشكيل حزب الدعوة الإسلامية في أواخر الخمسينيات، على أيدي مجموعة من رجال الدين الشباب من داخل الحوزة العلمية في النجف. ولعل أفكار محمد الصدر، في تلك المرحلة، تتصادى مع تطور أفكار محمد باقر الصدر، الذي كان من مؤسسي حزب الدعوة الإسلامية، ثم اتخذ موقفًا متحفظًا من التحزب. الولاية العامة، بالنسبة إلى الفقيه المتصدي لها، تعني أن يتصدى للسلطة السياسية العامة، بأن يقف على رأسها، ولا شيء غير ذلك. وبكلمة، إن الموقع الذي يتصوره الصدر للولي الفقيه وهو يتصدى لأداء الدور السياسي، مهما توسّع تصوّرُه في هذا المجال، يبقى موقعًا دينيًّا، يتحرك نحو السياسة من الحوزة، بشروط الحوزة للتصدي للمرجعية العامة (النابعة من هيراركية يحددها مفهوم "الأعلمية)"، ولا يقبل بغير تولي السلطة العامة، مع توافر شروطها. هذا التحديد لفهم الصدر لموقع الولاية العامة يعزّزه أن تصوّره الموسّع لها ظل مجرد مشروع، وأنّ نموذجه الذي قُدِّم للناس هو الذي تشكَّل في التسعينيات. ومهما يكن من أمر، وحتى لو اعترض أحد بأن الولي الفقيه، في حال تصديه للسلطة السياسية وتوليه إيّاها يكون قد انتقل من الموقع
الديني إلى الموقع السياسي، فإنني أحاجّ بأن الحدود التي يتصورها الصدرُ الأب لدور الفقيه تختلف اختلافًا نوعيًا بيّنًا عن الديناميكية التي تطور من خلالها التيار الصدري ما بعد عام 2003، وأن فهم التيار للموقع الذي يدير منه الدورَ الاجتماعي والسياسي كان قطيعةً مع إرث الصدر الأب ذات ثلاثة أركان: أنه، وإن سعى إلى السلطة السياسية العامة، لم ينطلق إليها بالشروط الحوزوية السالفة للتصدي للولاية العامة. وأنه لم يتحفظ عن ممارسة السياسة في مستوياتها الدنيا. وأنه لم يعمل ضمن "الولاية العامة"، بوصفها نظامًا شاملً، بل قبل بأن يكون جزءًا من مجتمع سياسي تقليدي، تتعايش فيه تنظيمات سياسية قادمة من أيديولوجيات مختلفة. هذا كلّه يجعل الموقع الذي ينطلق منه التيار الصدري موقعًا سياسيًّا، بخلاف الموقع الديني الذي ينطلق منه الوليُّ الفقيه المتصدي للمرجعية العامة، بحسب تصورات محمد الصدر. وفي الخلاصة، لم يقدّم التيارُ الصدري فهمً مغايرًا لدور الحوزة فقط، امتدادًا لإرث الصدر الأب، بل قدّم أيضًا فهمً مغايرًا ل "الموقع" الذي تؤدي منه الحوزةُ هذا الدور، يختلف عن فهم الصدر الأب. ومن ثمّ، إذا كان سجالُ الصدر الأب مع حوزة النجف سجالً على الدور، وليس على الموقع، فإن التيار الصدري عمل على تغيير الموقع، ولم يعمل على تغيير الدور فقط.
ولم يتوقف التيار الصدري على استعادة سجال الصدر الأب على الدور الاجتماعي والسياسي للحوزة، بل إنه استعاد الصراعات التي خاضها الأب في التسعينيات مع كبار مراجع النجف، هذه الصراعات التي قرأها البعض (أو أنها تبدو في جزء منها) صراعًا للسيطرة على النجف وفضائها الرمزي، في لحظة فراغ السلطة في نيسان/ أبريل 2003. وقد استمر التيار الصدري، مدةً بعد ذلك، ينظّر لهذه الصراعات ويدمجها بالتمايزات والاختلافات في فهم الدور السياسي والاجتماعي للحوزة، فأطلق في أدبياته ثنائية "الحوزة الناطقة/" "الحوزة الصامتة"، في إشارة إلى أن تقاليد حوزة النجف، البعيدة عن أداء دور سياسي والمتعففة عن خوض السجال السياسي، صيّ تها "حوزةً صامتة"، في حين تريد مساعي الصدريين، امتدادًا لرؤية محمد الصدر ولحركته، لهذه الحوزة أن تنطق، أي أن يكون لها خطاب سياسي، وأكثر، فتؤدي دورًا اجتماعيًا وسياسيًّا، لا عهد سابقًا لحوزة النجف به36. غير أن الأمور تغيّ ت منذ ذلك التاريخ، وهذه الثنائية اضمحل استعمالُها في أدبيات التيار الصدري نفسه، فلحظة 2003 كانت لحظة تغيير شاملة، حتى في فهم الحوزة لنفسها، إذ لم يعد الأمر للطرفين كما كان قبل عام 2003، أو الأشهر الأولى التي تلت سقوط نظام صدّام. ولا يتسع المجال، هنا، للتفصيل في ذلك، ولكنني أود القول إن الأمر تجاوز لدى التيار الصدري مسألة الدور السياسي والاجتماعي للحوزة، ليصل إلى تحديد موقعه من دولة، بات هو أحد أطرافها الأساسية، ثم مأسسة هذا الدور، أي شكل التنظيم السياسي الذي يأخذه، وما يطرحه كل ذلك من تحديات الحكم الديمقراطي، ودور الشعب، وسوى ذلك من أسئلة جوهرية، وهو ما عددتُه، فيما تقدّم، فهمً مغايرًا لفهم الصدر الأب للدور الاجتماعي والسياسي للحوزة. وما يُعرف ب "الخط التقليدي" في حوزة النجف، وجد نفسَه كذلك أمام لحظة جديدة، وضعته في مواجهة إرث أكثر من ثمانية عقود من علاقة الحوزة بالدولة، ومن ثم، وجدت حوزةُ النجف نفسَها تنخرط في تأسيس دولة ما بعد عام 2003، ليكون لها دور كبير فيها. وفي إحدى الخلاصات المهمة، وجد الاثنان (الحوزتان، الصامتة والناطقة) نفسيهما في موقع واحد تقريبًا من دولة 2003، جعلهما، كلتيهما أيضًا، تفكران فيما تعنيه لحظة 2003 للجماعة الشيعية في العراق ومسؤوليتهما عن ذلك.
رابعًا: الشبكة الاجتماعية "الصدرية" ونهضة "التيار"
الثنائية الأخرى التي تتحكم في سجال التيار الصدري هي "ميليشيا/ حزب:" هل يحافظ التيار على هويته التي فرضتها نشأتُه بوصفه فصيلً مسلحًا؟ أم يتحول إلى تنظيم سياسي، بالمعنى الدقيق (حزب)؟ بدأ هذا السجال، في وقت مبكّر من نشأة التيار، سجالً على حجم العمل المسلح، وحجم الفصيل المسلّح، وعلاقة التيار بإيران، وأدوار الفاعلين في قيادة التيار في الأمرين: العمل المسلح، والعمل السياسي. وقد قاد هذا الأمر إلى قسمة التيار إلى جناحين متصارعين (وسأبسط هذا الأمر كاملً في المبحث الأخير من هذه الدراسة.) وفي تقديري، لا يمكن توصيف طرفَ هذا ال اررع بأن أحدهما كان مع أن يبقى التيارُ تنظيمً مسلّحًا، والآخر كان مع أن يتحول التيار إلى العمل السياسي على نحو كامل. فليس هناك طرفان خالصان، يمثل كلاهما قطبًا مناقضًا للآخر بصورة كاملة. ومع ذلك، كانت هذه الإشكالية، في بعض اللحظات المفصلية، تتجرد بصيغة (ميليشيا/ حزب)، وتتمحور حول هذا التعارض. وهو ما حدث مع هزيمة جيش المهدي في معارك صولة الفرسان التي أطلقت سؤالً كبيرًا عن جدوى العمل المسلح وآفاق التحول إلى تنظيم سياسي. وبغضّ النظر عن الكيفية التي مضت بها الأمور، استطاع السجالُ الذي خاضه التيار أن ينتقل من هلامية الفصيل المسلح، إلى تحديده. وعدنا من نموذج الفصيل المسلح الذي كان جوهرَ التنظيم القائم إلى أن يكون الفصيل هو الأداة المسلحة للتنظيم السياسي، كما هو الشأن في النموذج الكلاسيكي التقليدي. أما الأساس الثاني الذي وضعه الصدر الأب، ولا يمكن فهم الصعود الكبير والسريع للظاهرة الصدرية بعد عام 2003 من دون وضعه في الاعتبار، فيتمثل بالشبكة الواسعة التي بناها الأب في التسعينيات، والتعبئة التي بثّها في جمهوره، وكان منها خطبة الجمعة التي أحياها من نيسان/ أبريل 1998 إلى يوم مقتله في شباط/ فبراير 1999، للمرة الأولى في تاريخ المرجعية الشيعية في العراق منذ قرون. وفي حين كانت المعارضة الشيعية تعمل من الخارج، كان الصدر يبني صلات على الأرض37، وهذا ما يفسر جماهيريته وحضوره الكبير في المجتمع الشيعي ما بعد عام 2003، وتميزه في ذلك من سائر التنظيمات السياسية الشيعية. وهذه الشبكة ذات طابع ديني - اجتماعي، تتكون من عدد كبير من الوكلاء (وكلاء المرجع، بالمعنى المتعارف عليه في الحوزة)، والخطباء، ورجال الدين الشباب، والمكاتب، والجوامع والحسينيات التي يشرف عليها هؤلاء. وقد اكتست هذه الشبكة بعد عام 2003 طابعًا سياسيًّا. وكل ذلك ينتشر فيما بات يُعرف ب "مناطق نفوذ التيار الصدري." وهي مناطق لا يمكن أن تعرّف تعريفًا طائفيًا، بمعنى أننا لا يمكن أن نعرّفها بأنها "مناطق شيعية" فحسب؛ ذلك أن المناطق الشيعية تتنازع عليها تيارات سياسية مختلفة. وإلى جانب الهوية الشيعية، كان هناك عامل آخر (أو عوامل أخرى) في تعريف التيار الصدري. وفي تقديري، ينبغي إنجاز عمل سوسيولوجي ميداني لتحديد مناطق انتشار التيار الصدري ونفوذه؛ ومن ثم، رسم نوع من الهوية الاجتماعية للتيار، أي ربط التيار بفئات أو وضع اجتماعي قدر الإمكان. ويمكن، مبدئيًا، اللجوء في ذلك إلى نتائج الانتخابات البرلمانية والمحلية، التي جرت في العراق منذ 2005، لتحديد مناطق نفوذ التيار على نحو أكثر دقة. لقد شاعت نسبة التيار الصدري إلى أحد إقليمين كبيرين يشكلان الجغرافية الشيعية في العراق، هما: الفرات الأوسط، والجنوب. غير أن التعامل مع التيار الصدري، بوصفه تعبيرًا عن شيعة الجنوب، فيه قدر من الاختزال والتبسيط، هذا مع أن الصدر الأب فتح الباب واسعًا لانخراط أبناء الجنوب في الحوزة الدينية في النجف، وهو ثاني دخول لشيعة الجنوب في الحوزة، بعد هجرة عوائل من الجنوب إلى النجف للانخراط في الدرس الحوزوي، شكّلت بالتدريج جزءًا من العوائل العلمائية في النجف (شبّ، والشبيبي، والمظفر، والجزائري، وكاشف الغطاء... إلخ.) منذ التسعينيات، بدا واضحًا أن ضواحي المدن الكبرى، وتحديدًا بغداد والبصرة، وإلى حدٍّ ما النجف (مدينة الصدر ومنطقة الشعلة في بغداد، وحي الحيانية في البصرة، والكوفة في النجف)، ستشكل قاعدة الحركة الصدرية، فالانتفاضتان اللتان أعقبتا مقتل محمد الصدر حدثتا في مدينة الصدر والبصرة. ولكن لمَ هذه المدن، وهي ليست مدنًا دينية، والقمع كان يشمل كل العراقيين، وجزء غير قليل من الشيعة كان يعرّف هذا القمعَ بأنّه قمع طائفي؟ نعتقد أنه لا يمكن وصف الحركة الصدرية بأنها حركة طائفية، بقدر ما هي حركة هامش، يختلط سعيها للتغيير السياسي بعوامل اجتماعية. وبالأحرى، هي تعبير عن مناطق الهامش والحرمان الشيعية، بل يمكن القول، على نحو أكثر دقة، إن التيار أصبح، بالتدريج، معبّ ا عن شيعة ضواحي المدن الكبرى.
ويمكن، هنا، أن نمضي أبعد، فنقول إن التيار يستند، بالمعنى السوسيوسياسي، إلى مفهوم "الضاحية"، وهو مفهوم لا يتشكل بوصفه مفهومًا نفسيًّا فقط، بل بوصفه أيضًا قيمة سوسيوسياسية تنتج خيارات سياسية. ومع كل ذلك، ظل التيار الصدري يتمتع بمفارقة مفادها أن عناصره من شيعة هذه الضواحي، وقادته من العوائل الدينية في المدن المقدسة، ولا سيما النجف. الأساس الثالث الذي استندت إليه الحركةُ الصدرية فيتمثل بأن الصدر الأب حاول، فيما حاوله في التسعينيات، أن يؤسس ل "أخلاق طاعة" لرجال الدين لدى المجتمع الشيعي (أو لدى أتباعه ومقلّديه)، تقوم - أساسًا - على نزع طاعتهم لأي شكل من أشكال السلط الاجتماعية والسياسية، وتمحّضها لرجال الدين. يفتتح الصدر خطبة الجمعة الأولى من الجمع التي أقامها في العامين 1998 و 1999 بالقول: "لا ينبغي أن يتصرف الإنسان إطلاقًا إلا بإذن العلماء.[...]إذا كُنتُم تعتقدون بولايتي[...]فيجب أن تطيعوني.[...]أَطِيعُوا علماءكم فقط"38.، بعنوان فقه العشائر ولعلّ الكتاب الذي أصدره، في عام 1997، واضح في الكيفية التي ينازع فيها الصدر سلطات شيوخ العشائر، التي توسعت في العراق في التسعينيات، بسبب ضعف الدولة آنئذ، وبدعم منها في الوقت نفسه لتحل محلها فيما تعجز عنه، وعلى أكثر من مستوى: الأمن، والضبط الاجتماعي، وما إليهما. وهذا الكتاب فريد وغير مسبوق بين علماء النجف في تناول المسألة العشائرية. وقد فهم البعض أنه محاولة لكسب ودّ أبناء العشائر الريفية في جنوب العراق39. غير أن هذا الفهم غير دقيق، في تقديري، فلم يكن واضحًا لدى عدد من الباحثين ممّن قرؤوا الكتاب أن المقصود منه لم يكن التودد إلى شيوخ العشائر، بل تحرير أبنائها من سلطتهم، بالكشف عن تعارض هذه السلطة مع الشريعة. ومن ثم، كانت الغاية الأساسية من هذا الكتاب تبيان تعارض القوانين العشائرية (ما يُعرَف في العراق ب "السنينة)" مع الشريعة، وفي النهاية، ترك المجال لسلطة رجل الدين. ومن دون أن أُجري مسحًا لفهم علاقة المؤسسة الدينية في النجف بالمسألة العشائرية وشيوخ العشائر، أظن أنه يمكن القول إن الصدر شكّل استثناء في فهم علاقة رجل الدين بالمشايخ في تاريخ الحوزة؛ ففي حين كان رجل الدين يحاول توظيف نزاعات العشائر مع الدولة (محمد حسين كاشف الغطاء، ومحسن الحكيم)، وفي حين كان المشايخ وزعماء العشائر، بعد عام 2003، يتقربون من رجال الدين بسبب ما حازه هؤلاء من قوة بعد هذا التاريخ، كان الصدر يسعى إلى تحرير الجمهور من سلطة شيوخ العشائر، ليؤسس لسلطة رجل الدين، التي تتجاوز التقوى التقليدية بين المكلفين. غير أن بناء أخلاق الطاعة لم يكن إلا عنصرًا واحدًا في العلاقة التفاعلية، أو طبيعة التبادل بين الصدر ومقلّديه، فلا يمكن أن تكون الطاعةُ منفصلة عن البعد القداسي (بالمعنى الأنثروبولوجي)، الذي يحظى به رجل الدين، غير أن هذه الطاعة، في حالة محمد الصدر، لم تشكّلها الجذورُ الدينية التقليدية وحدها، بل شكّلها أيضًا الدور الاجتماعي الذي أدّاه الصدر، وشكّل نافذة رمزية لتعبير المجتمعات المهمشة وتمكين صوتها (إلى درجة الثورة، الاجتماعية والسياسية)، ومن ثم هويتها. وهذا ما يفسر كيفية تحوُّل "الصدر" إلى هوية اجتماعية. ولا تتوقف العلاقة التفاعلية بين الصدر ومجتمعه على هذه العناصر الثلاثة: الطاعة، والقداسة، والدور الاجتماعي؛ فحضوره في مجتمعه، وزعامته، لم يتأسسا فقط على الزعامة الدينية، التي ترافقها نزعة ثورية، بل كان الصدر في مقابل ذلك يتوسع في الدعم المالي للفئات الفقيرة والمحتاجة، الذي كان يقدّمه وكلاؤه مباشرة أو عن طريق الجوامع والحسينيات، التي يتخذونها مقارّ لهم. والأموال التي كانت تصُرَف، في هذه الحالة، هي من "أموال الحقوق الشرعية"، التي ينبغي أن تذهب ل "قضاء حوائج المحتاجين"، بحسب المنطق الفقهي. ومع ذلك، كانت لهذا الأمر أهمية شديدة في التسعينيات، إذ كان العراق يرزح تحت العقوبات الدولية40.
وهكذا، تحققت ظاهرة الصدر ونفوذه في مجتمعات مريديه ومقلديه في التسعينيات من كل هذه العناصر. ولذلك، أكسبه اغتياله، في شباط/ فبراير 1999، معنى الثورة، ولا أقصد بتعبير "الثورة" هنا الانتفاضة الفعلية التي حدثت عقب اغتياله في بعض مناطق نفوذه، بل كونه أصبح معبّ ا ورمزًا لثورة اجتماعية. وبغض النظر عن التفاصيل السياسية التي قادت إلى زعامة ولده مقتدى، بعد عام 2003، كان طبيعيًا أن يرث مقتدى رمزية قيادة هذه الثورة. وهذا كله كان يحدث في سياق إطار عام للقداسة الدينية، وفهم ثقافي بانتقال القداسة عبر النسب. وقد يحتاج كل هذا إلى وقفة أنثروبولوجية تخصصية أطول، تساعد في فهمٍ أكثر قبولً لنموّ الظاهرة الصدرية. الأسس الثلاثة التي خلّفها الصدر الأب، واستند إليها التيارُ الصدري في نهضته ما بعد عام 2003، بصورة حاسمة، إذًا، هي: الإيمان بالدور الاجتماعي والسياسي للحوزة، والشبكة الدينية - الاجتماعية الواسعة، والخدمات الاجتماعية. ومباشرة، في الأيام الأولى بعد الغزو الأميركي للبلاد وسقوط نظام صدّام، وانطلاقًا من الإيمان السالف الذي كرّسه الأب، قام عدد من تلاميذه وابنُه مقتدى بعمليةٍ أساسية، شكّلت عماد النهوض الكبير الذي عاشه التيار في الأشهر اللاحقة، وهي إعادة تفعيل الشبكة الاجتماعية - الدينية التي خلّفها الأب، فأعادوا فتحَ الجوامع والحسينيات التي كانت مقارّ لوكلاء الصدر، وأعادوا بناء شبكة الوكلاء في مناطق نفوذ التيار من جديد، وفتحوا مكاتب مثّلت جزءًا من هذه الشبكة، التي كانت المادةَ الأساسية التي تشكّل عليها التيار. وفي الوقت نفسه، وفّر الصدريون، بسرعة، الخدمات الاجتماعية لهذه المناطق، ومنها خدمة الأمن، الذي افتُقد بسبب فراغ السلطة آنئذ41. وقد كان ذلك من العوامل الأساسية في نفوذ التيار، بل في إعادة بناء نفوذه42، وهو الذي مهّد لأن يبسط التيارُ سيطرتَه على هذه المناطق، ومنها مدينة الصدر، التي سيطر الصدريون على إدارتها منذ وقت مبكّر، وهو أمر ما كان ممكنًا من دون إحياء الشبكة القديمة التي بناها الأب. هل استعد الصدريون لهذا الأمر قبل إسقاط نظام صدّام؟ وهل كانوا مستعدين للمرحلة التي تعقب سقوطه؟ وهل قرؤوا، في لحظة ما، بين اغتيال الصدر وسقوط النظام أن متغيرات السياسة الدولية والخطط الأميركية ستفضي إلى غزو أميركي للبلاد وإسقاط نظامها؟ تذكر بعض أوساط المعارضة العراقية ما قبل الغزو الأميركي للبلاد أن مؤتمر المعارضة العراقية، الذي عُقد في لندن أواخر عام 2002، شهد مشاركة تيار باسم "تيار الإمام الصدر"43، وتذكر بعض المصادر الصحفية أن هناك "قيادة سرية"، تتكون من مجموعة من تلاميذ الصدر المقربين، قادت الحركة الصدرية في السر، بعد مقتله، حتى سلّموا مقاليد الأمور لابنه مقتدى ما بعد الغزو الأميركي، ولم يكن الأخير من ضمن هذه الهيئة القيادية، لأنه كان رهن الإقامة الجبرية44. غير أن المقابلات التي أجريتُها لغايات هذا البحث نفت، على نحو قاطع، وجود أي تنظيم لتلاميذ الصدر وأتباعه، قبل نيسان/ أبريل 2003، فضلً عن وجود "قيادة سرية"، فاغتيالُ الصدر، وقمع انتفاضة أتباعه التي تلت الاغتيال، وشدة القبضة الأمنية، وتشتت القاعدة الصدرية، كل هذه الأمور إن لم نقل إنها فكّكت شبكة الصدر، فإنها أضرّت بها إلى حد بعيد، وحجّمتها، وجمّدتها. ولم تكن ثمة سوى بعض المبادرات المسلحة التي حاولت الانتقام لمقتل الصدر. إن افتراض وجود "قيادة سرية" إنما يُستعمَل لتفسير النهوض الكبير للحركة الصدرية ما بعد عام 2003. وبهذا المنطق، لم يكن هذا النهوض ممكنًا لولا وجود جسر يصله بالصدر الأب، مثّلته هذه القيادة السرية، غير أنني أتصور أنه لم يكن من العسير إحياء شبكة الوكلاء والخطباء والجوامع والحسينيات، وإعادة بنائها وتفعيلها، مباشرة ما بعد الغزو الأميركي. ومن ثم، ليست ثمة جذور تنظيمية قبل عام 2003 لما سيُعرف بعد هذا التاريخ ب "التيار الصدري." يدعم هذا ما تكشفه التنقيبات والمقابلات من أن الشكل التنظيمي الذي أخذته الحركةُ الصدرية ما بعد عام 2003 لم يكن حتميًا بالضرورة، بل كان خيارًا من خيارات عدة. وإذا كانت الشبكة الواسعة التي بناها محمد الصدر في التسعينيات قابلة لإعادة البناء والنهوض، على الرغم من التفكك والأضرار التي تعرضت لها بعد مقتله، فإن ما لم يكن واضحًا وحتميًا وأكيدًا هو الشكل التنظيمي الذي ستنتظم فيه هذه الشبكة، بعد إعادة بنائها وتفعيلها.
وقد كان أحد الأشكال المحتملة أن تتطور إليها الحركةُ الصدرية وأتباع الصدر، وكانت ذاتَ حظ قوي، في المرحلة التي أعقبت مقتله، وإلى الأسابيع الأولى بعد سقوط نظام صدّام، هو أن يقود محمد اليعقوبي الحركةَ، وكان يُنظَر إليه على أنه من أبرز تلاميذ الصدر الأب45، غير أن الخلاف بينه وبين مقتدى الصدر على الإطار الذي يعمل منه اليعقوبي وموقعه، أفضى به إلى أن يؤسس له وضعًا حوزويًا وسياسيًا مستقلً، بعيدًا عن اسم الصدر46. ولا شك في أن اليعقوبي استند في حركته إلى جزء من القاعدة التي بناها الصدر في التسعينيات47. إن هذا يجعلني أفترض أن مجموعة من تلاميذ الصدر، ممّن لهم طموحات واندفاعات سياسية، لم ينخرطوا في حركة اليعقوبي، بل سعوا ودفعوا إلى تحقيق طموحاتهم عبر ولده مقتدى، وقد يكونون هم الذين دفعوا إلى تشكيل التنظيم الذي أصبح عليه التيار الصدري ما بعد عام.2003 ولعل فهم هذه النقطة أساسي لفهم الديناميكية اللاحقة في الصراع على وجود ذراع مسلحة للتيار. ظل وضع أتباع الصدر رجراجًا ومن دون ملامح مؤكدة، نحو ثلاثة أشهر بعد سقوط نظام صدّام. ويمكن القول إن الإعلان عن ولادة جيش المهدي، في صيف 2003، كان الخطوة التنظيمية الأولى للتيار الصدري. يرى عدد من الباحثين أن إع ناا مقتدى الصدر عن تشكيل جيش المهدي، خ لاا خطبة الجمعة في مسجد الكوفة، يوم 18 تموز/ يوليو 2003، جاء رد فعل على تشكيل "مجلس الحكم"، وهو أول هيئة سياسية عراقية تشكّلت بعد الغزو الأميركي للبلاد، شكّلتها سلطة الائتلاف المؤقتة في 13 تموز/ يوليو، أي قبل خمسة أيام فقط من الإعلان عن تشكيل جيش المهدي. ويرى هؤلاء أن هذا الإعلان هو، تحديدًا، رد فعل على إقصاء الصدر عن المجلس. وفي الحقيقة، ليس هناك دليل على صحة هذه الآراء، فالصدر كان يصرح، منذ نيسان/ أبريل 2003، بأنه لا يريد المشاركة في العملية السياسية، لأنها ستجبره على الاتصال بالأميركيين48. وإذا أعدنا التذكير بأن التيار الصدري كان تعبيرًا عن مقاربة سياسية لعراق ما بعد صدّام، معارضة ومختلفة عن المقاربات التي راجت غداة الاحتلال الأميركي للبلاد، ولا سيما مقاربة الأميركيين أنفسهم ومعهم قوى المعارضة العراقية القادمة من الخارج، وخصوصًا الشيعية، من جهة أنه تعبير عن نخبة سياسية داخلية في مواجهة الكتلة الكبرى من النخبة الشيعية (كتلة المعارضة التقليدية في الخارج)، فإننا سنفسّ الإعلان عن ولادة جيش المهدي، أيامًا قليلة بعد الإعلان عن مجلس الحكم، بأنه إعلان رمزي عن هذا الاختلاف. ومع كل النهوض الكبير للصدريين والحركة الصدرية، منذ نيسان/ أبريل 2003، كان هذا الإعلان هو الخطوة الأولى المنظّمة للتيار، فلم يكن ثمة أي إطار تنظيمي قبل جيش المهدي. وحتى على مستوى الإحصاء، كان جيش المهدي هو أول تسجيل تنظيمي، وأول تعداد داخل التيار، إذ شهد اليوم التالي للإعلان عن الجيش حملة واسعة لتسجيل أسماء المتطوعين فيه. ومن ثم، لم تكن العلاقة بين جيش المهدي والتيار الصدري كالعلاقة التقليدية بين الأحزاب الأيديولوجية التي تنشأ ثم تؤسس لاحقًا ذراعًا مسلحة لها، ولا تشبه هذه العلاقةُ حركات التحرر المسلحة التي تتطور إلى حزب سياسي، وهي صيغة شائعة كثيرًا، بل إن الاثنين (جيش المهدي والتيار الصدري) نشآ معًا. كان وجود الذراع المسلحة ركنًا جوهريًا تأسيسيًا، نشأ بالتفاعل مع نشوء التنظيم السياسي، ذي الوظائف الاجتماعية. وإذا كنّا أسّسنا افتراضنا، هنا، على أن جذور الحركة الصدرية ما بعد عام 2003 ترجع إلى التسعينيات، فإن نشوء جيش المهدي (تموز/ يوليو 2003) هو الركن الذي أكمل الحركة، ومن ثم أولدها. وأكثر من ذلك، لا تتوقف أهمية جيش المهدي بالنسبة إلى التيار على كونه أول إطار تنظيمي، بل إنه الأساس الذي انبنى عليه تنظيمُ الشبكة الصدرية في مخاض ولادتها. يرى بعض الباحثين أن المهم ليس معرفة وجود الشبكات والروابط، على أهميتها، من جهة أن هذه المعرفة ليست كافية، بل المهم هو معرفة كيفية إدارة هذه الروابط49. كانت الشبكة التي أوجدها الصدر مهمة جدًا، ولكنني أفترض أن جيش المهدي، بسبب الدور الذي أدّاه في التنظيم والتعبئة على أساس أهداف سياسية موحّدة، قد يكون أحد أشكال إدارة هذه الروابط، بل إنه الشكل الأول لإدارة التيار ومأسسته. وستبقى هذه العلاقة علاقة جوهرية بين التنظيم العسكري والتنظيم السياسي.
وكما كان الإعلان عن ولادة التنظيم العسكري إعلانًا رمزيًا عن ولادة التيار السياسي، سيظل أيّ تطور تنظيمي داخل التيار يتحدد من خلال علاقته بالتنظيم العسكري. وباختصار، ستكون ثمة علاقة تناسب عكسي بين قوة جيش المهدي وضعفه وبين الديناميكية التنظيمية للتيار ومدى اقترابه من فكرة الحزب. ولعل هذه هي الأطروحة الأساسية في هذه الدراسة. وقد كانت اللحظة الأهم في هذا المجال هي لحظة ضرب القوات العراقية الرسمية جيشَ المهدي، في معارك صولة الفرسان، إذ أطلقت تلك اللحظة سؤالً عميقًا عن إمكانية اقتراب التيار من الصيغة الحزبية التقليدية، على نحو ما قدّمنا.
خامسًا: التصنيف الحزبي للتيار الصدري
يرى اتجاه غالبٌ في أدبيات العلوم السياسية عبر العالم، من التي تمحّضت لدراسة الأحزاب السياسية، أن هذه الأخ ةرر تعيش حالة تراجع غير مسبوقة، من حيث هي مؤسسات، وأنها فقدت دورها الحاسم في الأنظمة الديمقراطية، وأن وظائفها بدأت تؤديها مؤسسات أخرى، ولا سيما الحركات الاجتماعية، والمجتمع المدني، وجماعات المصالح50. ومع ذلك، يحاجّ بعض منظّري العلوم السياسية51 بأنّ هذه الحالة ليست تراجعًا، بل هي انتقال من نمط Type إلى نمط آخر من الأحزاب، بدأ يظهر كأنه تراجع لعموم الظاهرة الحزبية، ولا سيما مع التراجع التدريجي لنمط محدد من الأحزاب، وهو الأحزاب الجماهيرية Parties Mass-based 52، إذ نشأت حديثًا، في الديمقراطيات الجديدة، أشكالٌ تنظيمية أكثر تكيّفًا مع البيئة الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية المعاصرة، لا تبدو شبيهة بالنماذج الحزبية التي ظهرت في أوروبا الغربية في أوائل القرن العشرين، وأن هذا التحول ليس تحولً شكليًا Formal فقط، فالأشكال الجديدة تستلزم أن تؤدي الأحزابُ وظائفَ لم تكن الأحزابُ القديمة تؤديها، مثلما أن هذه الأخيرة كانت تؤدي وظائف لم تعد الأحزاب الجديدة تؤديها. وفي العموم، هناك نقد واسع، في الدراسات المعاصرة المختصة بالأحزاب، لطريقة تصنيف الأحزاب السائدة، بسبب ما يشوبها من اضطرابات ناتجة، من جهة، من تنوّعها المفرط، فبعضها Organizational، Functionalist تنظيمي وبعضها، وظيفي وآخر سوسيولوجي يصنف الأحزاب بوصفها تعبيرًا عن مجموعات اجتماعية، طبقية، أو إثنية، أو طائفية، أو ما إلى ذلك، وبعضها يخلط بين كل تلك المداخل. وتنتج هذه الاضطرابات، من جهة أخرى، من كون طريقة التصنيف هذه تركز على بعد واحد وتهمل الأبعاد الأخرى، كأن تركز على البنى التنظيمية للأحزاب وتهمل الأبعاد المهمة الأخرى (وظائفها، وأهدافها، وأيديولوجياتها، وعلاقتها بمجتمعاتها، وما إلى ذلك)53. من هنا، يرى هؤلاء المنظّرون أنه، قبل الحديث عن تراجع الظاهرة الحزبية عبر العالم، تنبغي ملاحظة أن تصنيفات الأحزاب السائدة في العلوم السياسية - ومن ثم فهمنا الأكاديمي لها - ذات طابع "اختزالي"، لا تستطيع أن تلمّ بالتنوع الكبير للظاهرة الحزبية، فقد بُنِيت هذه التصنيفات، أساسًا، على التجربة الحزبية في أوروبا الغربية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، من دون أن تأخذ في الحسبان التطورات المعاصرة، أو التجربة الحزبية في مناطق أخرى من العالم، ولا سيما تلك المتنوعة إثنيًا ودينيًا إلى حد بعيد54. يحدد لاري دايموند وريتشارد غونتر سبع وظائف للأحزاب السياسية، في إطار وظيفة محورية، وهي أن تكون الأحزاب إطارًا للعمل السياسي للنخبة. ولا تشمل هذه الوظائفُ الأحزابَ جميعًا، بالضرورة، فهناك أحزاب تغلب عليها وظائف محددة على أخرى55. ويحدّد هذان الباحثان تصنيفًا للأحزاب متداخل المعايير، يقوم على أساس خمس فئات كبرى، تتفرع إلى 15 نمطًا. وهذه الفئات الخمس الكبرى، هي: أحزاب النخبة، والأحزاب الجماهيرية، والأحزاب الإثنية، والأحزاب الانتخابية، وأحزاب الحركة56. ولم يكن العراقُ بدعًا عمّ شهده العالم من تحولات في الظاهرة الحزبية؛ فمتابعة التغيرات التي شهدتها الأحزاب في البلاد، ما بعد الغزو الأميركي للبلاد في عام 2003، يمكن أن تزوّدنا بمادة مهمة عن التحولات الكبيرة في الظاهرة الحزبية، في بلد شهد عبر تاريخه الحديث تجربة ثرية لأحزاب أيديولوجية كبيرة منضبطة، ثم فترة من سيادة الحزب الأيديولوجي (القائد)، وموت الحياة الحزبية خلال حقبة البعث، ولا سيما أواخر السبعينيات إلى عام 2003. فمع استعادة الحياة الحزبية في العراق بعد عام 2003، لم تستطع الأحزاب الأيديولوجية، أو هذا النموذج من الأحزاب، استئناف حياته،
إلا الأحزاب التاريخية ذات الطابع الهوياتي (الإثني والطائفي)، التي كانت فاعلة في المعارضة العراقية خارج البلاد ما قبل عام 2003، ولا سيما الأحزاب الكردية والإسلامية (الشيعية، على نحو خاص.) أما الأحزاب الأخرى، ذات الطابع الليبرالي أو القومي، فقد ضعفت على نحو ملحوظ. ويشمل هذا الحكم حتى الأحزاب الأيديولوجية التاريخية. وما نشأ جديدًا من أحزاب بدا كأنه أقرب إلى نموذج الأحزاب الانتخابية الجامعة Model Catch-all Electoral، أو حتى أقرب إلى التنظيمات والائتلافات التي تتهيأ لدخول الانتخابات، ثم تختفي بعدها.
إن هذا النموذج من الأحزاب قد يكون نتاجَ التنافس على السلطة، من خلال انتخابات سريعة، صمّمها المخططُ الانتقالي لمرحلة ما بعد صدام، غير أنه بالتأكيد جزء من اتجاه عالمي نحو تحوّل الأحزاب الجماهيرية والإثنية المنظمة تنظيمً عاليًا إلى أحزاب انتخابية ذات تنظيم ضعيف57. وبسبب سيطرة السياسة القائمة على هويات طائفية وإثنية، كانت هذه التنظيمات تأخذ شكلً هوياتيًا. غير أن الديناميكية الحزبية في عراق ما بعد صدّام لم تتوقف عند هذا الحد، بل إنها أنتجت نموذجًا يتجسد في التيار الصدري، الذي كان يبدو غريبًا ومخالفًا لكل الإرث الحزبي في العراق، ولنمط الأحزاب الانتخابية، الذي نشأ ما بعد عام 2003. وفي الوهلة الأولى، يبدو التيار الصدري كأنه "ظاهرة ما بعد حزبية" Post-Partisan، ترث وتتجاوز الحزب التقليدي، أو كأنه تعبير عن التنظيم السياسي ما بعد الحزب التقليدي Post Partisan Political Organization، من جهة أن بنيته لا تشبه بنى الأحزاب التقليدية التي اعتمدتها جل أحزاب الإسلام السياسي الشيعية، ولا سيما الحزبان الرئيسان فيه (حزب الدعوة الإسلامية، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق)، بمعنى وجود تنظيم هيراركي، وتسجيل منضبط للمنتمين إلى الحزب، في حين أن التيار الصدري لم يقم على تشكيلات تندرج في بنية هيراركية، فهو تنظيم أفقي، له رأس محدد، هو القائد مقتدى الصدر، ولم يعتمد التيار على منتسبين محددين، ينظَّم انتماؤهم من خلال نظام محدد ومغلق للعضوية، ويوزعون على تشكيلات مناطقية. وبدلً من الأعضاء، يقوم التيار على "أنصار"، و"أتباع"، و"موالين"، و"مؤيدين"، و"مريدين"، و"مقلدين"، بالمعنى الديني، مفتوحي العدد، يشكلون كتلة جماهيرية واسعة ورجراجة، مفتوحة، من دون إطار لتنظيمها. ولعله يستمد هذا من الحركات الدينية. ولذلك، لا يتبنى التيار تسمية "حزب"، بل هو "تيار"، وهو ما يشير إلى أصوله بوصفه حركة اجتماعية. وإذا كان التيار الصدري يعلن اتّباعه مرجعية دينية محددة، وهو أمر درجت عليه سائر أحزاب الإسلام السياسي، التي تعلن اتّباعها فقهاء محددين، فإنه في المقابل لا يعتمد نظامًا داخليًا، أو مبادئ أيديولوجية محددة منصوص عليها، ويكتفي بأنه يستند إلى الإرث الديني الواسع الذي خلّفه الصدر الأب، وابن عمه محمد باقر الصدر قبله. يرتبط التيار بقائد واحد، هو مقتدى الصدر، وهو قائد يتمتع بشرعية دينية، كونه نجل محمد الصدر. ومع ذلك، هناك طقم قيادي محيط بالصدر. ولا يمتلك هذا الطقم إطارًا قياديًّا منظّمً، أو بالأحرى لا يرتبط جزء منه بإطار، وجزؤه الآخر ارتبط واندرج في أُطر قيادية مختلفة، فجزء من هذا الطقم ذو صلة قرابية بالصدر، كحالة ابن أخيه أحمد مصطفى الصدر، وبعضهم من أصدقائه ورفاقه، يديرون ملفاتٍ أساسيةً داخل التيار، من دون أن يندرجوا بالضرورة في أشكال مؤسسية محددة، وجزؤه الآخر اندرج في أُطر مختلفة، لكن أشدّها ثباتًا هو ما عُرف ب "الهيئة السياسية"، وهي هيئة يعيّنها الصدر ويغيّ ها باستمرار. من هنا، وبسبب هذه التركيبة النادرة، كان التيار يعمد، حين كان يريد الانخراط في العملية السياسية فيخوض الانتخابات ليدخل البرلمان ويسهم في تشكيل الحكومة أو المجالس المحلية بوصفه كتلة نيابية أو ما شاكل ذلك، إلى إنشاء تنظيمات سياسية مختلفة، ومغلقة، ذات اسم محدد، وأكثر تنظيمً، تشرف عليها الهيئة السياسية. وتظل هذه الكتل، في العادة، كتلً برلمانية، ولم تتحول إلى تنظيمات حزبية. وهو أمر يشبه ما قامت به جماعة الإخوان المسلمين في مصر، في وقت لاحق للتيار الصدري، بتشكيل حزب تخوض به الانتخابات البرلمانية في مصر ما بعد ثورة 25 يناير 2011، هو حزب الحرية والعدالة. ومع ذلك، لم ينشئ التيار كتلة واحدة ينخرط من خلالها في مؤسسات الدولة، كما هي حال جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي أنشأت
حزبًا ثابتًا، مع وجود علاقة منظمة بين الجماعة والحزب، بل كانت هذه الكتل تتغير باستمرار؛ فمن كتلة "الأحرار"، التي شكَّلها التيار لخوض انتخابات مجالس المحافظات لعام 2009 والانتخابات البرلمانية لعام 2010 (ولم تكن هذه الكتلة تقتصر على أتباع التيار، بل إنها ضمّت أشخاصًا من خارجه)، وصولً إلى كتلة "سائرون"، التي خاض التيار بها الانتخابات البرلمانية لعام 2018، وهو ائتلاف، يشكّل فيه التيار الجسم الأكبر. ومع ذلك، تتيح القراءة المدقّقة لتصنيفات الأحزاب السياسية إعادةَ تصنيف التيار الصدري في هذه المنظومة، فالوظائف التي يؤديها لا تُخرجه عن دائرة الأحزاب، حتى إن كان له بعض الخصوصية في بنيته التنظيمية. وهو ما سنحاول إثباته هنا، ولا سيما إنه يؤدي، على نحو صميم، الوظيفة الرئيسة التي تؤديها الأحزاب، وهي أنه إطار لخوض الانتخابات واتخاذ مواقع في السلطات العامة. ومن ثم، تتعلق إمكانية عد التيار شكلً ما بعد حزبي ببنيته التنظيمية تحديدًا، التي جرى وصفها آنفًا. يبدو، على نحو مباشر، أن التيار الصدري قريب من نمط الأحزاب الجماهيرية Party Mass، بالمعنى الذي استعمله موريس دوفرجيه، في تصنيفه الكلاسيكي للأحزاب. غير أننا نعتقد أن تصنيف التيار على هذا النحو تصنيف سطحي وسريع، لسببين، أولهما أن دوفرجيه يتحدث عن بنى تنظيمية واسعة ومعقدة لهذا النمط من الأحزاب، وهو ما لا يتوافر عليه التيار، وثانيهما أن التيار يقترب في الوقت نفسه من أن يكون "حزب كادر"، بمنطق دوفرجيه، بما أن قيادته تستند إلى المكانة Status وتتشكل على هذا الأساس، بمعنى أننا إذا وافقنا على أنه حزب جماهيري، فسيكون كذلك من جهة القاعدة، و"حزب كادر" من جهة القيادة. وإذا كانت قيادة التيار تتشكل على أساس المكانة، فهل يمكن عدّه "حزب نخبة"؟ يبدو لي أن التيار الصدري يضمّ عناصر من فئات مختلفة للأحزاب، فهو، من جهة، يضم بعض العناصر المميزة لما يُعرَف ب "أحزاب النخبة"، من قبيل أنه يستند إلى زعامات ذات وجاهة اجتماعية Notables، وهي الزعامات الدينية، والعلاقة بين قياداته ومرشحيه السياسيين هي علاقة ولاء Loyalty 58. وقد يكون حزبًا إثنيًا، بما أن جمهوره يقتصر على طائفة محددة، وهو واعٍ بالتعبير عن هذه الهوية الطائفية. غير أنني أحاول أن أثبت أنه يمكن تصنيف التيار الصدري، بدقة، بوصفه حزب حركة Party Movement، بحسب التصنيفات الجارية في بعض أدبيات العلوم السياسية59. ومع أن عالم السياسة الأميركي، هيربرت كيتشليت، يستعمل، في تصنيفه الرباعي، تعبير "الحزب الجماهيري اللامركزي" Decentralized Party Mass، في الإشارة إلى نمط من الأحزاب يتجاوز الأحزاب الجماهيرية التقليدية60، أرى أن هذا يقرّبنا من مفهوم "حزب الحركة"، الذي يحفظ للتيار الصدري الوظائفَ التي يؤديها وبنيتَه التنظيمية. فحزبُ الحركة نموذج يشغل الفضاء المفاهيمي بين الحزب والحركة، إذ إنه في الحقيقة أقرب ما يكون إلى حركة اجتماعية، حاولت أن تبني لنفسها لاحقًا بنية تنظيمية حزبية. وحتى من دون ذلك، فإن مجرد قدرة الحركة على تقديم مرشحين للانتخابات أو المشاركة في ائتلاف حكومي يعني أنها اقتربت من أن تكون حزبًا61. وأحزاب الحركة تجعل مسألة العضوية مفتوحة، فلا قيود عليها؛ ذلك أنها تستند إلى قاعدة اجتماعية في الأساس، كما أنها تذهب بعيدًا أحيانًا إلى رفض التنظيم المركزي والقيادة المركزية وتجاوزهما62. يقول كيتشليت إن أحزاب الحركة تقوم، على المستوى التنظيمي، على "شبكة فضفاضة من دعم القاعدة الاجتماعية Grassroots، مع قدر قليل من البنية الرسمية، والهيراركية، والسيطرة المركزية"63.
سادسًا: الصراع داخل التيار الصدري
كانت الفترة 2008-2006 حاسمة في تاريخ التيار الصدري، وقد أفضت إلى تحولات كبيرة فيه، سواء في علاقته بجيش المهدي، التعبير المسلح عنه، أو في الصراع بين أجنحته. وإذا كان التيار قد شارك في الانتخابات النيابية التي جرت في كانون الأول/ ديسمبر 2005 ودخل البرلمان، وشارك في حكومة نوري المالكي الأولى، التي تشكلت في أيار/ مايو 2006، فإنّ ذلك كان يتزامن مع الحرب الأهلية التي تصاعدت بعد تفجير مرقدَي الإماميَن العسكريين في سامراء في شباط/ فبراير 2006، وكان جيشُ المهدي ضالعًا فيها، إذ كان الفصيل
الشيعي الأساسي الذي انخرط في أعمال عنف ذات طابع طائفي؛ ومن ثم، عُدّ أحد عوامل عدم الاستقرار في العراق. وقد بدأت علاقته بالمالكي، رئيس الوزراء آنذاك، تسوء منذ أواخر 2006، إذ اتخذ الأخير قرارًا بمواجهة الميليشيات الشيعية، في سياق الرؤية العامة التي تبنّاها الأميركيون، آنذاك، وبالتنسيق معه، بخفض العنف الطائفي في العراق، من خلال مواجهة الأطراف الأساسية فيه، الميليشيات الشيعية، وفي صدارتها جيش المهدي، وكذلك زيادة عديد القوات الأميركية في العراق لمواجهة تنظيم القاعدة. لقد جر هذا إلى حزمة من الأحداث المتلاحقة والمتسارعة: البدء في اعتقال عدد من القيادات السياسية والعسكرية للتيار (مطلع 2007)، وسفر الصدر إلى إيران في سياق هذه الحملة (كانون الثاني/ يناير 2007)، وعملية مجلس محافظة كربلاء التي اقتحمت فيها قوة من جيش المهدي مجلسَ المحافظة وقتلت خمسة جنود أميركيين كانوا يعقدون اجتماعًا هناك، وتُعدّ هذه العملية أكبرَ عملية نوعية ينفّذها جيش المهدي (كانون الثاني/ يناير 2007)، وإطلاق المالكي خطة فرض القانون (شباط/ فبراير 2007)، واعتقال القيادي في التيار قيس الخزعي (آذار/ مارس 2007)، والمواجهات المسلحة التي حدثت قرب ضريح الإمام الحسين في كربلاء خلال الزيارة الشعبانية (وهي مناسبة دينية موسمية مهمة للشيعة) بين عدد من أتباع الصدر وجيش المهدي من جهة، وقوة حماية العتبات (وهي قوة أمنية رسمية)، بمشاركة عناصر من فيلق بدر، من جهة أخرى، وقد أدت إلى مقتل نحو خمسين شخصًا (آب/ أغسطس)200764. وفي هذا السياق، شهد عامَا 2007 و 2008 حالتين لوقف العنف الصادر عن جيش المهدي، بقرار من قيادته. في الحالة الأولى (أواخر آب/ أغسطس 2007)، أعلن الصدر عن تجميد جيش المهدي ستة أشهر، عقب المواجهات المسلحة في كربلاء، التي مرّ ذكرها. ويعني التجميدُ إيقافَ العنف الصادر من الجيش تجاه أيّ قوة مسلحة أخرى، بما في ذلك القوات الأميركية. وفي أعقاب انتهاء المدة، في شباط/ فبراير 2008، مدّدها الصدر ستة أشهر أخرى. وفي آب/ أغسطس 2008، وعلى إثر الضربة القاصمة التي تعرّض لها جيش المهدي على أيدي الجيش العراقي والقوات الأميركية فيما عُرف ب "معارك صولة الفرسان" و"خطة فرض القانون"، في ربيع 2008، أعلن الصدر عن تمديد التجميد إلى أجل غير مسمى، ما يعني إيقاف جيش المهدي نهائيًّا، وحلّه في منظمتين، واحدة ذات طابع ثقافي، تحمل اسم "الممهّدون"، والأخرى تحمل اسم "المجاهدون"، وهي أشبه بقوات النخبة التي تمارس عملً عسكريًا، ولكنها ترتبط بقرار مركزي بالصدر نفسه. ومع أنّ أغلب المعنيين، حينذاك، لم يتوقع التزام الجزء الأغلب من مقاتي جيش المهدي - وكان مفكّكًا - بهذا القرار، كان ثمة امتثال والتزام من هؤلاء المقاتلين بقرار القيادة، سواء الهدنة أو حل الجيش وإيقاف نشاطه العسكري. وهناك تقييم عامّ بين المختصين الذين تصدّوا لتفسير الانخفاض الواضح للعنف الصادر من جيش المهدي، وحتى بين القادة العسكريين الأميركيين، مفاده أنّ الهدنة التي أعلنها مقتدى الصدر، وإعلانه تقسيمَ جيش المهدي على هاتين المنظمتين، كان له دور كبير في خفض العنف، بدءًا من خريف 2007 65، وهم يعدّون هذا مؤشرًا على سيطرة القيادة الصدرية (وشخص مقتدى الصدر) على مقاتي التنظيم، بحيث استطاع أن يتحكم في وقف إطلاق النار. وفي حين يرى كثير من الباحثين أن هذا دليل على "تماسك" جيش المهدي، يحاجّ إلك وورسنوب بأنه لا يمكن المرادفة بين "التماسك" و"الالتزام"، وأنهما أمران مختلفان، وأنّ مقولتَي "التماسك" و"التفكك" غير قابلتين لشرح الالتزام66، فمقاتلو جيش المهدي التزموا بوقف العنف، مع أن الجيش كان مفكّكًا. وهو أمر ليس طبيعيًا، في نظر الباحثين، الذين لم يتوقعوا التزام المقاتلين بقرارات وقف العنف، على نحو ما تقدَّم، بل هو لغز ينطوي على كثير من التعقيد، ويصلح حالةً دراسية لفصيل مسلح غير رسمي، تعرّض لضربة عسكرية قاصمة، وكان مفكّكًا أو عرضة للتفكك، ومع ذلك استطاعت قيادتُه السيطرةَ على سلوك عناصره والتحكّم في إطلاق العنف وإيقافه، ما جعله عنفًا منظمً. وبالأحرى، حالة جيش المهدي هي حالة أساسية في سؤال ذي طابع نظري؛ هو: كيف يمكن أن يضبط قادة الفصائل المسلحة أتباعَهم ويتحكموا في العنف، حتى وهم خارجون من هزيمة عسكرية، وضعت الفصيل المسلح على حافة التفكك؟67
وإذا كان يمكن تفسير التزام المقاتلين بقرار القيادة من خلال "كفاءة" هذه الأخيرة في إدارة الشبكات الاجتماعية الرابطة لجمهور التيار الصدري، وكذلك جيش المهدي (على أن هذه الإدارة لا تنحصر في القيادات العليا، بل تشمل القيادات والزعامات الثانية والفرعية، والجهوية، التي تمثل عقدًا مفصلية في هذه الشبكة المتسعة)، فإن العنصر الأساسي في الإدارة الكفوءة لهذه الشبكات، بحسب ما يرى معظم المقاربات الأكاديمية المختصة، هو قدرة القيادة على التحكم في الموارد الاجتماعية والمادية وتوزيعها، ولا سيما على المقاتلين68. وهذا أمر إشكالي في حالة التيار الصدري، فمن الصعب تصوّر حيازة التيار موارد، في تلك اللحظة تحديدًا، وقد كان فيها محارَبًا ومحاصًَا. ولم تتحقق مواردُ التنظيمات السياسية العراقية إلا من خلال انخراطها في النظام الريعي (التمتع بحصص من موارد الدولة، تتحقق من خلال الانخراط في المؤسسات الحكومية، والحصول على نسب من الوظائف العامة، ثم ما يجود به هذا من تعاملات الدولة الاقتصادية والمالية)، وما يؤسسه هذا من شبكة زبائنية يخلقها التنظيمُ السياسي نفسه. وإذا كان التيار الصدري قد انخرط، لاحقًا، في هذا النظام، فإن وضعه المضطرب في تلك الأعوام، لم يكن يسمح له بذلك. ولعل الشرعية الدينية التي تتمتع بها قيادةُ التيار، ولا سيما شخص مقتدى، هي أحد العوامل الأساسية في هذا المجال. ومرة أخرى، لا تبدو لي الشرعية الدينية، وحدها، قادرة على أن تكون مقولة تفسيرية كافية ومكتملة، من دون فهم تفاعلاتها مع محيطها الاجتماعي. ومن ثم، لا يبدو كافيًا تفسير التزام مقاتي جيش المهدي بوقف العنف من خلال الشرعية الدينية لقيادته. ولذلك، ينبغي أن نعود إلى وظائف وأدوار الزعامات الدينية، أو ذات البعد القداسي، في مجتمعات الهوامش والأطراف، أو الضواحي، على نحو ما سمّيتها سابقًا، التي تشكّل قاعدة التيار الصدري الأساسية، إذ تكتسب مثل هذه الزعامات الدينية المقدسة بعدًا خلاصيًا، وتكون بمنزلة أداة لثورة اجتماعية، على نحو ما وصفت سابقًا. وفي كل الأحوال، وبغض النظر عن التفسير، خلّفت هذه الحالُ تصورًا أصبح أحد معطيات السياسة العراقية مفاده أنّ جمهور التيار الصدري ثابت، لا ينحسر أو ينمو مثل جمهور التنظيمات السياسية الأخرى، وأنّ في الإمكان حدس ما يمكن أن يحوزه التيار من مقاعد في البرلمان، أو في المجالس المحلية. وكل هذا يعني أن قاعدة التيار الصدري ثابتة، ولاؤها للتيار وقيادتِه لا يتغير، وسلوكُها التصويتي لا يتغير أيضًا. ومع ذلك، لا ينبغي أن تؤدّي مسألة وقف جيش المهدي للعنف الصادر عنه، وتحكّم القيادة في ذاك، وتفسيراته، إلى غضّ النظر عن أمرين أساسيين، يقعان في قلب هذه العملية: أن تحكم القيادة في العنف قد يكون الجانبَ التقني من الأمر، وأنه، أبعد من ذلك، جزء من تعبيرات العلاقة بين التنظيم السياسي والفصيل المسلح المرتبط به، فالتيار الصدري لم تكن تربطه بجيش المهدي علاقة هيكلية تشبه العلاقة بين الأحزاب وأذرعها المسلحة، ولم يكن ثمة عمل على مثل هذه الهيكلة. ومن ثم، قد يكون قرارُ وقف العنف، الذي أنتجه سياق معقّد من التطورات السياسية والعسكرية، مرتبطًا برغبة القيادة السياسية في تحديد وإعادة هيكلة علاقتها بالفصيل المسلح، أو حتى محاولة منها للسيطرة عليه69. قد تكون هذه العلاقة بالفصيل المسلح نتاجَ صراعات سياسية داخل التنظيم السياسي. ومن ثم، لا ينفي الإيقافُ العام للعنف الصادر عن جيش المهدي أنّ هناك بعض الانشقاقات التي حدثت عنه، بعد هزيمة 2008، ليكون حالُه حالَ الفصائل المسلحة التي تعرضت لهزيمة عسكرية مماثلة، مع الإقرار بأن الجسم الأكبر من جيش المهدي ومن التيار بقي ملتزمًا بقرارات القيادة. وعلى الجهة المقابلة من المقاربات الأكاديمية السالفة، التي انشغلت ب "تماسك" جيش المهدي والتزام مقاتليه بقرار القيادة، وكانت تبطن ضمنيًّا أنه لم يتعرض لانشقاقات تُذكر، أو - في الأقل - أن لا قيمة فعلية عسكرية أو سياسية لهذه الانشقاقات، أعتقد أن جيش المهدي، حالُه حال الفصائل المسلحة في لحظات هزيمة عسكرية مماثلة، تعرّض للانشقاقات، وأن الوقوف عند هذه الانشقاقات مهم جدًا لفهم طبيعة العلاقة بين التنظيم السياسي والتنظيم المسلح. وبالأحرى، يتداخل هذان الأمران، على نحو صميمي، فمسعى القيادة لضبط جيش المهدي وتحديده، كان يتداخل مع الصراع السياسي بين أجنحة داخل التيار. ولعل ما تحدَّث به مقتدى الصدر، في أحد الحوارات الصحفية، عن أسباب تجميد جيش المهدي في عموم العراق وحلّه في بغداد، يكشف عن هذا التداخل، وأنّ تجميد جيش المهدي كان جزءًا من الصراع داخل التيار، على توجهاته والعمل المسلّح. ومن
دون أن يُسمّي الصدرُ أحدًا، كان يتحدث عن سلوك أفراد منحرف داخل التيار وتكبّ هم وتفرّدهم وطغيانهم، وهو أمرٌ أدّى إلى التأثير في سمعة الجيش70. وهو يقصد، على الأرجح، قادة الجناح الذي كان ينمّي العمل المسلح، وقد كان جزء منهم خارج سيطرة الصدر وعلمه. ولذلك، كان تجميدُ الجيش أداة يستعملها في هذا الصراع، ليسلبها ممّن يسعى إلى استعمالها. وبالأحرى، هذا الصراع هو صراع للخروج من الحالة الفضفاضة التي يشكّلها جيش المهدي، والتي جعلت منه أقرب إلى "حالة تعبئة" من كونه فصيلً مسلّحًا، وتشكيل منظومة قتالية محترفة، سواء تمثّل هذا بمسعى الصدر لتشكيل تنظيم أخذ تسميات عدة، "المجاهدون" أو "لواء اليوم الموعود"، وأخيرًا "سرايا السلام"، أو بمسعى الخزعي تأسيس "المجاميع الخاصة" التي تطورت عنها "عصائب أهل الحق." إنّ تشكيل تنظيم قتالي احترافي يخضع لقيادة مركزية، كان يؤدي وظيفة أخرى شديدة الأهمية، فقد نشأ جيش المهدي على شكل مجموعات محلية، لا تتعدى حركتُها المناطقَ التي تنشط فيها، للسيطرة عليها، وقد تخوض أحيانًا صراعات فيما بينها71. ومن ثم، كان الصراع على تنظيم أكثر احترافية يعمل على تخليص هذه المجاميع من طابعها المحي ويعطيها طابعًا وطنيًا. وعلى نحوٍ عامّ، لا ينفي الصراعُ على تشكيل منظومة قتالية محترفة داخل التيار الصدري أنّ الصراع الأساسي داخل التيار كان على تحديد ماهية التيار وتعريفه؛ أهو تنظيم مسلّح أم تنظيم سياسي؟ ميليشيا أم حزب؟ كنتُ قد قدّمتُ بأنّ واحدة من ثنائيتين تحكّمتا في تطور التيار هي ثنائية (ميليشيا/ حزب:) هل يحافظ التيار على هويته التي فرضتها نشأتُه بوصفه فصيلً مسلحًا؟ أم يتحول إلى تنظيم سياسي، بالمعنى الدقيق (حزب)؟ وحيث إن هذا الصراع هو صراع على هوية التيار، يمكن القول إن هذا الصراع الداخي يعود إلى بواكير نشأة التيار، أو بعدها بوقت قصير. وهو صراع بين جناحين عريضين ينطلق كلاهما من فهمٍ مختلف لهوية التيار وعلاقته بالتنظيم المسلّح، بل إن الموقف من العمل المسلّح ومساحته وحجم التنظيم المسلّح كان أساس هذا الصراع. يضمّ الجناح الأول الصدر ورجال دين آخرين، ويرى ضرورة أن يركّز التيار على الأبعاد التربوية والاجتماعية، وينهي العمل المسلّح، أو يكون التنظيم المسلّح مكوِّنًا وظيفيًا محدّدًا داخل التيار. ومن ثم، تبدو الخطوات التي اتخذها الصدر، في عامَي 2007 و 2008 (وقف إطلاق النار في آب/ أغسطس 2007، ثم تجميد جيش المهدي، وصولً إلى تحويله إلى منظمة دينية اجتماعية أخلاقية، والتمييز بين "الممهدين" و"المجاهدين)"، منسجمة مع توجهات هذا الجناح، والأهم أنها ترتبط برؤية مزامنة لتأسيس التيار الصدري، إضافةً إلى أن هذه الخطوات كانت تهدف إلى المحافظة على تماسك التيار. أمّا الجناح الآخر، وهو الجناح الذي يفهم التيار الصدري بوصفه حركة مقاومة مسلحة، فيريد أن يبقي على العمل المسلح ومقاومة الوجود الأميركي، وهي صيغة تعوّض الفشل العامّ للتيار. وقد قاد هذا الجناح، على نحو أساسي، قيس الخزعي، وهو من تلاميذ الصدر الأب، وأحد رفاق مقتدى المؤسسين للتيار، وانتهى إلى تشكيل "عصائب أهل الحق"، التي عرّفت نفسها بوصفها جزءًا ممّ يسمَّى "جبهة المقاومة الإسلامية"، الإقليمية والعابرة للحدود. وعلى نحو ما قدّمت، لم يكن هذا الصراعُ صراعًا بين طرفين خالصين، يمثل كلاهما قطبًا مناقضًا للآخر على نحوٍ كامل: طرف يتبنى فكرة أن يبقى التيار تنظيمً مسلّحًا، والآخر يرى أن يتحول التيار إلى العمل السياسي على نحوٍ كامل. والدليل على ذلك أنّ الطرفين لا يزالان يحافظان على الجمع بين العمل السياسي والعمل المسلَّح: الطرف، أو الجناح، الذي يقوده الصدر لا يزال يحافظ داخله على فصيل مسلح (سرايا السلام، أخ ا)، على الرغم من حلّه جيش المهدي، وجناح العصائب، الذي باتت له قوة برلمانية منذ 2018، لا يزال يحافظ على قوّته العسكرية، في إطار ما بات يُعرَف منذ 2014 ب "الحشد الشعبي." يُرجع بعض الباحثين السببَ المباشر لهذا الانقسام إلى ما خلّفته معركتا التيار مع القوات الأميركية عام 2004، من ازدياد التشرذم في قيادات التيار، وشحّ الموارد المالية، واعتراض بعض قادته (ومنهم الخزع)لي على قرار الصدر بوقف إطلاق النار. ولذلك، ظل الخزعي ومريدوه يقاتلون72. وشيئًا فشيئًا، بدأت هذه المجموعة تعمل بصورة شبه مستقلة في قراراتها وخططها عن قيادة جيش المهدي. ثم تجاوز هذا الخلافُ قرارَ الاستمرار في مقاتلة الأميركيين أو وقف إطلاق النار، وتجدد مع قرار خوض انتخابات 2005؛ ومن ثم، دخول العملية السياسية. ودائمًا، كان ثمة نزاع إرادات وتصورات عن مستقبل
التيار بين قيادته. وفي تقديري، إن قرار دخول العملية السياسية هو الخط الذي سيتطور بالتدريج بتشذيب الأجنحة العسكرية داخله، في حين أطلقت المجموعة الأخرى على نفسها اسم "عصائب أهل الحق" عام 2006، قبل أن تنفصل على نحو كامل مع قرار الصدر تجميد جيش المهدي. وعلى الرغم من أن الخزعي اعتُقل، بعد عملية مجلس محافظة كربلاء في كانون الثاني/ يناير 2007، وظل في السجن إلى عام 2010، فإن المجموعة ظلّت متماسكة، وتولّ قيادتها رفاق الخزعي، ولا سيما أكرم الكعبي. لا يذكر تنظيم "عصائب أهل الحق"، في روايته الرسمية عن نفسه، أنه انشقاق عن جيش المهدي، أو تطور عنه، بل إنه يكتب تاريخه بوصفه يبدأ مع تأسيس جيش المهدي، فيذكر أن أول عملية نفَّذها كانت في أواسط آب/ أغسطس 2003 (أي بعد نحو شهر من الإعلان عن تشكيل جيش المهدي)، حين قصف بأوامر من الخزعي معسكرًا للقوات الأميركية في بغداد، ردًّا على تنكيس هذه الأخيرة "راية الإمام المهدي" في مدينة الصدر في بغداد74. وعلى نحوٍ عام، تركّز سردية "العصائب"، عن تأسيسه، على أمرين: أنه نشأ بين مجموعة من طلبة السيد محمد الصدر، وأنه نشأ استجابة للاحتلال الأميركي للبلاد75. وإن كان تأطّر مدة بإطار جيش المهدي، فإنه تطوَّر عن "المجاميع الخاصة"، التي كانت بمنزلة قوات النخبة داخل الجيش، وخاضت معارك 2004 ضد الاحتلال الأميركي (التي تُسمَّى في الأدبيات الصدرية "الانتفاضة)" على شكل حرب عصابات وحرب استنزاف، في حين خاض جيش المهدي المواجهة المباشرة76. ثم أخذت "المجاميع الخاصة "مسارًا أكثر خصوصية واستقلالً عن التيار الصدري. وحينذاك، غيّ مؤسسوها اسمَها من "المجاميع الخاصة" إلى "عصائب أهل الحق"، مستمدين هذا الاسم من التراث المهدوي، الذي يشير إلى مجموعة من المقاتلين الذين يناصرون الإمام المهدي بُعَيد خروجه، ويعينونه، ويمهدون لدولته77. استطاع الجيش الأميركي الوصول إلى تعبير "المجاميع الخاصة"، الذي أطلقه جناح الخزعي على نفسه، وبدأ يستعمله في بياناته منذ تموز/ يوليو 2007، في الإشارة إلى مجاميع من المسلحين الشيعة، المدعومين من إيران، والذين يستهدفون القوات الأميركية في العراق، أو مؤسسات الدولة العراقية الناشئة. وهؤلاء، بحسب إدراك القوات الأميركية آنئذ، مقاتلون من عناصر جيش المهدي ممّن لم يلتزموا بقرار الصدر وقف إطلاق النار في آب/ أغسطس 2007، أو قراره المتمثل بتجميد الجيش في صيف 2008، وانشقوا عنه، ولا سيما بعد معارك صولة الفرسان، وظلوا يقاتلون القوات الأميركية والقوى الأمنية العراقية، سواء نُظِّموا في إطار تنظيمي محدد أو لم يكونوا كذلك. ومنذ آب/ أغسطس 2008، بدأ الجيش الأميركي يستعمل تعبير "عصائب أهل الحق"، بوصفها تابعة للمجاميع الخاصة. وقد سلكت مراكزُ الدراسات التي تستخدم معلومات استخبارية أميركية هذا المسلك نفسه. كان الموقف من إيران جزءًا من هذا الصراع بين أجنحة التيار؛ فعلى الرغم من وجود إجماع على أنّ إيران كانت تدعم جيش المهدي، في التدريب والتمويل، عمل الصدر على أن يبقي مسافة فاصلة بينها وبين التيار. ولعل قراره المتمثل بخوض الانتخابات لم يكن يحظى بقبول إيراني؛ فإيران، وإن كانت قد دعمت التنظيمات الإسلامية الشيعية الصاعدة إلى السلطة، فإنها حرصت على وجود فصيل شيعي مسلَّح، يكون خاضعًا لتأثيرها، على نحو ما. ولذلك، يرى بعض الباحثين أنّ إيران ركّزت على دعم جناح الخزعي، منذ معارك 2004، إذ رفض وقف إطلاق النار، وبدأ يؤسس لوضعٍ خاص داخل جيش المهدي78. وفي عام 2006، حين قرّر الحرس الثوري الإيراني (فيلق القدس) إعادة تنظيم دعمه للميليشيات الشيعية في العراق (في التدريب، والتسليح، والتمويل)، وقع اختياره على الخزعي ليتصدر ذلك، بحسب هؤلاء الباحثين، ليقود شبكة "المجاميع الخاصة"79. ومن ثم، ينبغي التعامل مع الانشقاقات عن جيش المهدي، منذ عام 2008 وقبله، بوصفها حصلت عبر طرف (أو وسيط) أجنبي رعاها ونمّاها. ولولا هذا الطرف الأجنبي لما كان للمجموعات المنشقة أثر يُذكر. وبالأحرى، هذه الانشقاقات هي نوع من التعويض الذي بادرت به إيران، لغياب جيش المهدي أو ضعفه، أو عدم خضوعه للإرادة الإيرانية. من هنا، يمكن أن نفهم انخراط الفصائل المنشقة، سريعًا، في "جبهة المقاومة الإسلامية"، التي تقودها إيران، والتي أدت أدوارًا إقليمية،
ولا سيما في سورية ما بعد 2012، وهي الطريق التي كان ينبغي لجيش المهدي أن يسير فيها80. وفضلً عن الخطوات التي شرحناها سابقًا، سيسمح انفصال الجناحين المتصارعيَن بأن يأخذ الجناحُ الأول خطوات أشد وضوحًا نحو التنظيم السياسي، بعد سنوات التحوّل 2008-2006، التي شهدت ارتباكًا في هذا المجال. وقد شهد عام 2009 حدثًا مهمًّ في هذا المجال تمثّل بمشاركة التيار في انتخابات مجالس المحافظات (كانون الثاني/ يناير 2009)، التي حقق فيها انتصارات لافتة. ولم يخض هذه الانتخابات باسم التيار الصدري، الذي وصفته سابقًا بأنه "حزب حركة"، بل خاضها باسم تنظيم انتخابي مغلق وحصري يحمل اسم "الأحرار." وهو تقليد سيكرره التيار في كل انتخابات نيابية أو محلية قادمة، بأن يشتق منه تنظيمً مغلقًا يحمل اسمً محدّدًا غير التيار الصدري، ويكون هو الكتلة النيابية. وإذا كنّا قد ناقشنا، في المباحث السابقة، شَبَه التيار الصدري بنموذج حزب الله، أودّ أن أعود، هنا، إلى الأمر فأقول: إن التيار الصدري تطور في الاتجاه المعاكس لحزب الله، ذلك أن مساره السياسي لم ينمُ بتقوية الفصيل المسلَّح، ولم يقوَ الحزب من خلال قوّته، كما هو الشأن في نموذج حزب الله، بل إنّ الميليشيا عُزلت لصالح الحزب، وإنّ تقسيم جيش المهدي إلى "ممهدين" و"مجاهدين" هو تقنية لتحديد الجانب المسلح وضبطه، وليس تقويته. "عصائب أهل الحق" هو الأقرب إلى نموذج حزب الله، فقد أصبح الآن أحد أطراف العملية السياسية القائمة، له كتلة برلمانية وازنة ومشاركة في الحكومة، غير أنّ قوّته السياسية تأتّت من قوة الفصيل المسلح، وهو ما يناقض نموذج التيار الصدري وجيش المهدي والعلاقة بينهما.
خاتمة
قد لا تقدّم دراسةُ حالة جيش المهدي إضافة نظرية، جديدة ومهمة وكبيرة، عن الفصائل المسلحة التي تتحول من العمل العسكري إلى العمل السياسي السلمي وتشكيل تنظيم حزبي، وهو تحوّل يمثّل الديناميكية الأكثر شيوعًا في الفصائل المسلحة الكبيرة (التي تضم أكثر من ألف مقاتل)، في إطار ما يُعرَف ب "نبذ الراديكالية "De-Radicalization . ومن ثم، تعزّز دراسةُ حالة جيش المهدي الخطَّ النظري العام Confirming Theory، حتى في حالة علاقة جيش المهدي بالتيار الصدري، الذي قلنا وأثبتنا أنه لا يشبه البنى الحزبية التقليدية. ولكن، يجدر بِنَا أن نقدِّم بعض الخلاصات هنا: إن التحول الحاسم للتيار الصدري نحو العمل السلمي ومأسسة تنظيم سياسي، إنما جرى بدءًا من عام 2009، بعد سنتين انتقاليتين شهد فيهما التيار وجيش المهدي حالات اضطراب كبيرة، ومواجهات كبيرة مع القوات الأميركية والقوات العراقية، بدءًا من خطة زيادة عديد القوات الأميركية في البلاد، المعروفة باسم Surge، في كانون الثاني/ يناير 2007، ثم خطة "فرض القانون" التي أطلقها المالكي، في شباط/ فبراير 2007، وكان جيش المهدي أحدَ أهدافها الأساسية، وصولً إلى معارك صولة الفرسان التي ألحقت هزيمة كبيرة بجيش المهدي. وفي خلال ذلك، أعلن الصدر عن أكثر من مبادرة لتجنب العمل المسلح. ومن ثم، يكون انتقال التيار الصدري من العمل المسلح إلى العمل السلمي خاضعًا للنمط الكلاسيكي الذي يحكم الفصائلَ المسلحة التي تنتقل إلى العمل السلمي، بعد هزيمة كبيرة. إن هذا التحول يعني، أيضًا، غلبةَ جناح على آخر داخل التيار، الذي يشهد منذ نشأته صراعًا على تعريف هويته، بين جناحين: جناح يرى في التيار حركةً مسلحة، لا تقتصر أهدافُها على مقاومة الاحتلال الأميركي للبلاد، بل تمتد إلى دعم "الجماعة الشيعية"، في اللحظة المفصلية التي أطلقها إسقاط نظام صدام، وما يمكن أن تحصل عليه من مكاسب، وجناح يرى أن التيار يمكن أن يتطور إلى أن يكون تنظيمً سياسيًّا، حالُه حال سائر التنظيمات السياسية. وقد كانت مسيرةُ التيار 2008-2003() رحلةَ شدٍّ وجذب بين هذين التيارين؛ يعلو أحيانًا صوت العمل المسلّح، وتعلو أحيانًا أخرى رؤية التنظيم السياسي السلمي. وفي أحيان كثيرة، كان كل طرف يحاول أن يفرض رؤيتَه على الآخر، في صراع غير رسمي، لا يبعد أن يشهد استقواء بعوامل خارجية. إن هذه اللحظة المركّبة (هزيمة، وانتصار في الوقت نفسه)، ستجعل التيار يتعامل مع إمكانية أن يتطور إلى أن يكون تنظيمً سلميًا؛ لا بوصفها خيارًا مفروضًا، بل استراتيجية تحول. ولا تتضمن هذه الاستراتيجية تفكيك الفصيل المسلح، بل إعادة هيكلته، على نحو
يجعل منه جزءًا صغيرًا من التيار، تسيطر عليه القيادة السياسية. وقد اتخذ هذا الجزءُ المسلّح تسميات متعددة داخل التيار بعد "جيش المهدي"؛ منها "لواء اليوم الموعد"، و"سرايا السلام." إن تفوّق الجناح الداعم للتحوّل إلى تنظيم سلمي، لا يعني نهايةَ العمل المسلّح والجناح الداعي إليه، بل إنّ ما سيحدث هو انشقاق الجناح الأخير في تنظيم مستقل. وهذا النمط من الانشقاقات تقليدي، كذلك، في حالات الهزيمة، إذ عادة ما تخرج أطراف من التنظيم المسلّح ترفض أن تتحوّل إلى تنظيم سلمي. غير أن الجديد في حالة جيش المهدي هو أنّ الانشقاق دُعم من طرف خارجي، دخل منذ البدء على خط الصراع بين الجناحين، ودعم أحدهما في مواجهة الآخر. ومن ثم، لا يمكن فهم هذه الديناميكية (التحوّل من العمل المسلّح إلى العمل السلمي، والانشقاق الذي يؤدي إليه هذا التحول) بوصفها ديناميكية داخلية مجردة، وبغضّ النظر عن دور العامل الخارجي.
المراجع
العربية
جمهورية العراق، دستور الجمهورية العراقية المؤقت لعام 1970. حوار مجلة الهدى مع السيد القائد مقتدى الصدر: الحوار الأول والثاني والثالث [شباط/ فبراير 2014 كانون الثاني/ يناير 2015.] العدد 2000. النجف: هيئة تراث السيد الشهيد الصدر،.2016 الصدر، محمد. ما وراء الفقه. تحقيق هيئة تراث الشهيد الصدر. ج 9. بيروت: دار حضارة أكد للنشر والتوزيع،.2007 ________. مبحث ولاية الفقيه. قم: مؤسسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر،.2013 ________. رسائل ومقالات 2: إشراقات فكرية. قم: مؤسسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر،.2014 ________. رسائل ومقالات 1: إشراقات فكرية. قم: مؤسسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر،.2016 الصمانجي، عزيز قادر. قطار المعارضة العراقية: من بيروت 1991 إلى بغداد 2003. لندن: دار الحكمة،.2009 عاشور، عمر. "من الميليشيا إلى الحزب: كيف تتحول التنظيمات المسلحة إلى النشاط السلمي؟ ولماذا؟." سياسات عربية. العدد 44 (أيار/ مايو 2020.) عبد الجبار، فالح. العمامة والأفندي: سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني. ترجمة أمجد حسين. ب وررت/ بغداد: منشورات الجمل،.2010 عصائب أهل الحق: الكتاب التعريفي. [د. م:]. دار الكفيل للطباعة والنشر والتوزيع، [د. ت.]. منبر الصدر: يحتوي على خطب الجمعة التي كان يلقيها الإمام الشهيد السيد محمد الصدر "قُدّس سرّه" في مسجد الكوفة المعظم. تقرير وتنسيق وتحقيق محسن الموسوي. إيران: مؤسسة السيدة المعصومة للطباعة والنشر، [د.ت.].
الأجنبية
Abedin, Mahan. “The Sadrist Movement: Al-Sadriyuun." Middle East Intelligence Bulletin. vol. 5, no. 7 (July 2003).
at: https://www.meforum.org/meib/articles/0307_iraqd.htm.
Bayless, Leslie. "Who is Muqtada al-Sadr?" Studies in Conflict and Terrorism. vol. 35, no. 2 (2012). Berman, Eli. Radical, Religious, and Violent the New Economics of Terrorism. London: The MIT Press, 2009. Cochrane, Marisa [Sollivan]. "Asaib Ahl al-Haq and the Khazali Special Groups Network." Institute for the Study of War. 13/1/2008. at: https://bit.ly/3DYqeLY Cochrane, Marisa [Sollivan]. "The Fragmentation of the Sadrist Movement." Iraq Report 12. Institute for the Study of War (January 2009). at: https://bit.ly/3KvieV1 Cockburn, Patrick. Muqtada: Muqtada al-Sadr, the Shia Revival, and the Struggle for Iraq. New York: Scribner, 2008. Cordesman, Anthony H. & Jose Ramos. "Sadr and the Mahdi Army: Evolution, Capabilities, and a New Direction." Center for Strategic and International Studies (CSIS). 4/8/2008. at: https://bit.ly/3DVg8vh Cordesman, Anthony. Iraq's Insurgency and the Road to Civil Conflict. Washington, DC: Center for Strategic Studies (CSIS); London: Washington D. C. and Praeger Security International, 2008. Counter Extremism Project. Badr Organization. at: https://bit.ly/36ToEz3 Dacin, M. Tina, Marc J. Ventresca & Brent D. Beal. "The Embeddedness of Organizations: Dialogue & Directions." Journal of Management. vol. 25, no. 3
Diamond, Larry & Richard Gunther (eds.). Political Parties and Democracy. Baltimore/ London: The Johns Hopkins University Press, 2001. Felter, Joseph & Brian Fishman. "Iranian Strategy in Iraq Politics and 'Other Means'." Occasional Paper Series. Combating Terrorism Center at West Point. 13/10/2008. at: https://bit.ly/3JmlGjr Freeman, Michael (ed.). Financing Terrorism: Case Studies. London: Routledge, 2012. Hughes, Michelle & Michael Miklaucic (eds.). Impunity: Countering Illicit Power in War and Transition. Washington, DC: Center for Complex Operations "CCO" in National Defense University "NDU"; Peacekeeping and Stability Operations Institute "PKSOI", 2016. International Crises Group, Iraq's Shiites Under Occupation. Middle East Briefing. Baghdad/Brussels: 9/9/2003. at: https://bit.ly/35WI3OQ Johnson, David E., M. Wade Markel & Brian Shannon. The 2008 Battle of Sadr City: Reimagining Urban Combat. Santa Monica, CA: RAND Corporation, 2013. at: https://bit.ly/37zbWp5 Katz, Richard S. & Peter Mair (eds.). How Parties Organize: Change and Adaptation in Party Organization in Western Democracies. London: Sage Publications, 1994. Katz, Richard S. & William Crotty. Handbook of Party Politics. London: Sage Publications, 2006. Kitschelt, Herber. The Logic of Party Formation: Ecological Politics in Belgium and West Germany. New York: Cornell University Press, 1989. _________. The Transformation of European Social Democracy. New York: Cambridge University Press, 1994. Murphy, Dan. "General Petraeus Says Violence is Down in Iraq, but Warns Continued Success is not Guaranteed." The Christian Science Monitor. at: https://bit.ly/37aXH9T