الثورة السودانية وآفاق الانتقال الديمقراطي

Eltigani Abdelgadir Hamid التجاني عبد القادر حامد |

الملخّص

تطرح هذه الدراسة تساؤلات من بينها ما يلي: أكان سقوط نظام الإنقاذ في السودان نتيجة ل "مبادرة من الداخل" أم لتحالف المعارضة أم لهذين الأمرَين معً ا؟ وما مدى تأثير العامل الخارجي في مرحلة إسقاط النظام والانتقال إلى الديمقراطية؟ أيُتوق ع أن يت بع نظام ما بعد الإنقاذ مسارًا ديمقراطيًا، أم أنه سيتحوّل إلى نظام تسل طي جديد؟ تنتهي الدراسة إلى القول بأرجحية أن يكون الهدف المت فق عليه بين القوى الدولية وشركائها السلطويين في الإقليم هو الانتقال بالسودان إلى النظام "الهجين"، حيث تبقى عناصر النظام السلطوي القديم مُمسكة بمفاصل السلطة، مع المحافظة على الحدّ الأدنى من الديمقراطية. يُضاف إلى ذلك أن التحالف العسكري - المدني الحاكم سيجد دعمًا من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي (ومن حلفائهما الإقليميّين)، وهو ما يُمك نه من تفكيك مؤسسات النظام السابق، واستيعاب عددٍ من الحركات المسل حة في العملية السياسية، والانخراط المتدرّج في المنظومة الدولية (الأمنية والاقتصادية.) أما من ناحية الداخل السوداني، فستواجِه الحكومة الانتقالية تحدّيات صعبة، قد لا تؤدي إلى انهيار الوضع الانتقالي فحسب، بل إلى انهيار الدولة السودانية ذاتها أيض ا. كلمات مفتاحية: الثورة السودانية، الانتقال الديمقراطي، السودان، الاحتجاج.

Keywords: Sudanese Revolution, Democratic Transition, Sudan, Protest.

The Sudanese Revolution and Prospects for Democratic Transition

This study raises several pressing questions: Was the fall of the Salvation Regime in Sudan the result of an internal initiative or the opposition coalition, or both? To what extent did external dynamics influence the overthrow of regime and the transition to democracy? Is the post-Salvation regime likely to follow a democratic trajectory, or will it turn into another authoritarian regime? The study concludes that it is likely that the agreed goal between the international powers and their authoritarian partners in the region is to move Sudan to a "hybrid" system, where the elements of the old authoritarian regime remain in power, while maintaining a minimum level of democracy. In addition, the ruling military-civilian coalition will find support from the United States and the European Union (and their regional allies), enabling it to dismantle the institutions of the former regime, accommodate a number of armed movements in the political process, and gradually integrate into the international (security and economic) system. Meanwhile, domestically, the transitional government will face challenges that may not only lead to the collapse of the transitional process, but also to the collapse of the Sudanese state itself.

مقدمة1

لا تُعد عملية "الانتقال إلى الديمقراطية" مشكلة من حيث الصعوبات العملية فحسب، بل أيضًا من حيث صعوبة الاتفاق على إطار مفاهيمي واضح يُسهِم في تفسيرها؛ إذ كيف تُقرر مجموعة سياسية متمكنة في السلطة أن تتخلّ عن السلطة، أو تتقاسمها مع آخرين معارضين لها؟ وكيف يمكن مجموعة سياسية حاكمة ومحتكرة للسلاح أن تتفاوض مع مجموعات مدنية ليس لها سلاح؟ تسعى هذه الدراسة إلى النظر في حالة المساومات والتحالفات التي جرت في أعقاب الثورة السودانية (كانون الأول/ ديسمبر 2018)، وتسلّط الضوء بصفة خاصة على تعقيدات الانتقال من نظام "الإنقاذ"، الذي أُسقط بثورة شعبية إلى نظام سياسي بديل، وفقًا للوثيقة الدستورية التي توافقت بشأنها قوى إعلان الحرية والتغيير2. وتهدف الدراسة إلى إلقاء الضوء على أحد النماذج التي وُضعت للتنبّؤ بصورة الانتقال من نظام سلطوي إلى نظام ديمقراطي بديل، ثم تطبيقه على الحالة السودانية، مع إجراء بعض الاستدراكات التي قد تبُرزها ملامسة الواقع. أمّا أهمية هذه الدراسة، فهي تكمن في منهجها القائم على استخدام "دراسة الحالة" لمساءلة النموذج النظري. لم يمرَّ على أحداث الثورة السودانية إلّ عام ونصف العام، ثمّ إنَّ عملية التحوّل الثوري ما زالت جارية، وهو أمرٌ جعل الكتابة العلمية المتعلّقة بها ضئيلة. غير أنه توجد العديد من الوثائق والبيانات المنشورة التي يمكن الاعتماد عليها في تحليل المواقف السياسية للمجموعات المختلفة، إضافةً إلى المقابلات التي أُجريت مع بعض الفاعلين، وهي تتضمن خلفياتٍ مهمّة لما وقع من أحداث. أما البعد النظري للدراسة، فهو يتمثّل خصوصًا بحظوة ظاهرة الانتقال من النظم السلطوية إلى النظام الديمقراطي بدراسات عديدة، وما نقوم به في هذه الدراسة ما هو إلّ اختبار لأحد النماذج التي صيغت لتفسير تلك لظاهرة.

أولا: مدخل نظري للدراسة: نموذج ألفرد ستيبان

لقد انشغل عدد من المنظّرين السياسيين المعاصرين بظاهرة التحوّل من النظم السلطوية إلى النظام الديمقراطي. وقد توصّل بعضهم، بعد بحوث مطوّلة في تجارب أميركا اللاتينية ودول جنوب أوروبا وشرقها، إلى العديد من السيناريوهات والنماذج، على أنَّ النموذجين اللذين نالا قدرًا من القبول لديهم هما نموذج إسبانيا - مرحلة ما بعد فرانسيسكو فرانكو Franco Francisco)1975-1892(- حيث يبدأ الانتقال نحو الديمقراطية بمبادرة من داخل النظام السلطوي ونموذج تحالف القوى المعارضة؛ إذ تتمكن القوى السياسية والمجتمعية المعارضة من إبرام تحالف عريض بينها، ثمّ تنجح في إسقاط النظام السلطوي والاتفاق على صيغة لاقتسام السلطة (بوضع الأسس والمواثيق التي تحكم فترة الانتقال) تؤدّي إلى الانتقال إلى النظام الديمقراطي البديل3. سنحاول في هذه الدراسة أن نختبر القدرة التفسيرية للنموذج الأوّل بتطبيقه على الحالة السودانية، وذلك من خلال الإجابة عن الأسئلة الآتية: هل كان سقوط نظام الإنقاذ نتيجة ل "مبادرة من الداخل"؟ أم هو نتيجة لتحالف المعارضة؟ أم هو نتيجة لهذين الأمرين معًا؟ ما مدى تأثير العامل الخارجي (الدولي والإقليمي) في مرحلة إسقاط النظام، وفي مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية؟ أ مِن المتوقّع أن يتَّبِع نظام ما بعد الإنقاذ مسارًا ديمقراطيًا، أم سيتحوّل إلى نظام تسلّطيٍّ جديدٍ؟ ولماذا؟ لقد اتّجه كثير من الباحثين في النظرية السياسية (وفي النظم السياسية المقارنة) إلى التأمل في ظاهرة "الانتقال من النظم السلطوية إلى النظام الديمقراطي" منذ أواسط السبعينيات من القرن الماضي، حيث شهد العالم، من أميركا اللاتينية إلى جنوب أوروبا وشرقها، تساقطًا للنظم السلطوية مع تصاعد موجات الديمقراطية. وقد رصد صامويل هنتنغتون هذه "الموجات"، وحدّد أماكنها وتواريخ حدوثها في بحثٍ نال شهرة واسعة وأصبح له تأثيرٌ كبير في دراسات التحوّل الديمقراطي4.

  1. كتبت هذه الدراسة في منتصف عام 2021، وقد استجدت أحداث كثيرة في المشهد السياسي السوداني لم يكن من الممكن العودة إليها، ولكن هذه الأحداث لم تغير، كما يرى الكاتب، الفكرة المركزية في الدراسة، إن لم تكن قد زادتها تأكيدًا.
  2. في كانون الثاني/ يناير 2019، أطلقت مجموعة من القوى السودانية إعلانًا باسم "قوى إعلان الحرية والتغيير"، ضم أربع قوى رئيسة، هي: "تجمع المهنيين السودانيين"، و"الإجماع الوطني"، و"نداء السودان"، و"التجمع الاتحادي المعارض"، ودعا الإعلان إلى إسقاط الرئيس السوداني السابق، عمر البشير 2019-1989()، وتحقيق سلام شامل وعادل، وتشكيل حكومة انتقالية لمدة.4 سنوات
  3. Alfred Stepan, "Paths toward Redemocratization," in: Guillermo O'Donnell, Philippe C. Schmitter & Laurence Whitehead (eds.), Transitions from Authoritarian Rule: Comparative Perspectives (Baltimore/ London: John Hopkins University Press,1986), p. 65.
  4. نشر صمويل هنتنغتون 2008-1927() بحثًا عن الموجة الثالثة في عام 1991، وتعود مادة بحثه إلى محاضرة ألقاها عام 1989 في جامعة أوكلاهوما، ونشرتها الجامعة بعد عامين، يُنظر: Samuel P. Huntington, The Third Wave: Democratization in the Late Twenties Twentieth Century (Norman: University of Oklahoma Press, 1991).

ولكن لم يكن هنتنغتون وحده في هذا المجال، فقد تقدّمه آخرون، إذ سبق أن برزت نظريات ونماذج عديدة يحاول أصحابها تفسير تلك الظاهرة، إما عن طريق "المقارنة" بحالات مشابهة، وإما عن طريق التعمّق في دراسة "البنية" الكُليّة للمجتمع وما تتضمن من عوامل اقتصادية وسياسية ودولية، أو عن طريق تتبُّع "الفاعلين" الأساسييّن وما يُضمِرون من قيمٍ ويُبدون من مهارات ويَتّخذون من قرارات. سنحاول أن نختبر في هذه الدراسة واحدًا من نماذج الانتقال إلى الديمقراطية قام بصياغته ألفرد ستيبان، مدير مركز دراسة الديمقراطية وأستاذ العلوم السياسية في جامعة كولمبيا في عام 1986 5، وهو نموذج استنبط في إطار مناقشات وبحوث مطوّلة بين فريق من علماء السياسة الذين اتّجهوا لدراسة ظاهرة "الانتقال" نحو النظام الديمقراطي حتى عُرفوا ب "الانتقالوييّن" Transitologists 6. يبدأ ستيبان تحليله بتأكيد قول مفاده أنه ليس من الضروري وجود مسار واحد للتحوّل الديمقراطي؛ إذ من الممكن أن تتعدّد المسارات وتتداخل، ويرى أنّ ذلك شرط من شروط الانتقال الناجح إلى النظام الديمقراطي. ثم يحدّد ثمانية مسارات لإنهاء النُّظم التسلّطية والانخراط بعد ذلك في عملية العودة إلى الديمقراطية Re-democratization. ولكنه سرعان ما يستبعد ثلاثة منها لاعتمادها على الغزو العسكري الخارجي (كما في بعض الحالات الأوروبية قبل الحرب العالمية الثانية)، ثم ينتهى إلى أنه منذ فترة الستينيات من القرن الماضي كانت أغلب عمليات الانتقال إلى الديمقراطية - وستظلّ كذلك في المستقبل المنظور - عملياتٍ تؤدي فيها القوى الاجتماعية والسياسية الداخلية دورًا أساسيًا (ولن يكون للقوى العسكرية الخارجية دور في ذلك الانتقال)، ويقدّر أنّ القوى العالمية والاقتصادية والتكتلّات السياسية ستظل تضطلع بدور مهم7. ويقسّم ستيبان مسارات العودة إلى الديمقراطية إلى عمليّتين: العملية (أ)، يأتي فيها التغيير من داخل النظام السلطوي (أي من الممسكين بالسلطة Power-holders)، والعملية (ب)، يأتي التغيير فيها من تحالف عريض للقوى السياسية المعارضة للنظام. ويمكن تقديم عرض مختصر للعمليّتين كما يلي: العملية (أ) يأتي التغيير فيها بمبادرة من داخل النظام السلطوي، حيث يسعى قادة النظام (أو المجموعة المبادرة بالتغيير) إلى تخفيف الضغوط الواقعة عليهم، ولكن مع الاحتفاظ، في الوقت نفسه، بأكبر قدر ممكن من مصالحهم. ولا يفوته أن يلاحظ أن مسار الانتقال الديمقراطي النابع من داخل النظام السلطوي مسار عريض، ولذلك يركّز ستيبان على ثلاثة مسارات فرعية بحسب القاعدة المؤسسية التي تستند إليها المجموعة المبادرة بالتغيير في داخل النظام. يرى ستيبان أنّ القابضين على السلطة سيظلّون ممسكين بها إلّ إذا أجبرتهم الظروف على إجراء تغيير في معادلة اقتسام السلطة، وذلك كأن تزداد، وتشتد، المطالب الاجتماعية والسياسية من داخل النظام، أو من بعض المجموعات السياسية النشيطة التي كانت موالية له في السابق، أو يزداد الشكّ في مشروعية النظام خاصة بين القوى التي تُنفّذ القوانين وتفرض الطاعة، أو يحدث شقاق بينها، أو تلوح فرصة للقابضين على السلطة ويحتفظون بقدر منها في منافسة انتخابية قادمة، أو يراودهم الأمل في أن يظلّوا فاعلين في الحياة السياسية المقبلة. وإذا حدث هذا، فإنّ هناك احتمالً كبيرًا في انطلاق مبادرة التغيير من داخل النظام، وتنجح مسيرة الانتقال نحو الديمقراطية. ولن يجري التمهيد للانتقال الديمقراطي إلّ إذا استطاعت القوى السياسية المعارضة التعاون مع القادة المعتدلين في الحكومة في صياغة إطار سلميّ للانتقال نفسه. ولكن حتى مع نجاح تجربة الانتقال إلى الديمقراطية فإنّ أجهزة القمع التي كان يستخدمها النظام القديم ستظل محتفظة بقوّتها في فترة ما بعد الانتقال؛ ما يمثّل معوّقًا قويًّا ضد السياسات الجديدة التي قد تضع قوانين للسيطرة على أجهزة الدولة مستخدمة الإجراءات الديمقراطية. وهذا سيهدّد استقرار النظام الجديد وقد يجعله عرضة لانقلاب داخلي تُدبره أجهزة النظام القديم، خاصة إذا أدركت هذه الأجهزة أنّ الإجراءات الديمقراطية ستشكّل خطرًا أمنيًّا عليها8. إنّ أوضح مثال للانتقال الديمقراطي، الذي ينطلق من داخل النظام السلطوي، هو ما وقع في إسبانيا بعد وفاة الجنرال فرانكو في عام 1975، ثم بعد اختفائه من المشهد السياسي؛ إذ أتاح ذلك فرصةً لطرح أسئلة أساسية عن مشروعية القوانين التي كان يُصدرها النظام. يضاف إلى ذلك اشتداد الضغوط الشعبية التحتية الداعمة لعملية التغيير. ثم تكتمل الحلقة بمواقف المعارضة السياسية التي كانت تضغط من جهة، وتساوم من جهة أخرى، وهو ما أتاح للعملية الديمقراطية أن تتحوّل من مبادرة إصلاحية محدودة من داخل النظام إلى إصلاح

  1. نشر البحث ضمن برنامج "الانتقال من النظم السلطوية إلى الديمقراطية"، وهو مشروع بحثي يُعنى بما عُرف ب "موجة الدمقرطة الثالثة" Democratization of Wave Third، وقد شارك فيه عددٌ من الأساتذة ضِ من هذا العنوان في عام 1979 بمبادرة من غييرمو أودنيل Guillermo A. O'Donnell، وفيليب شميتر Philippe C. Schmitter، ولورنس وايتهيد Whitehead Laurence، ونشرت أعمال المشروع في أربعة مجلّدات عام.1986
  2. Howard J. Wiarda, "Southern Europe, Eastern Europe, and Comparative Politics: Transitology and the Need for New Theory," World Affairs , vol. 164, no. 4 (Spring 2002), pp. 149-156.
  3. Stepan, p. 65.
  4. Ibid., p. 71.

أكبر تشترك فيه قوى المعارضة السياسية، ثم إلى ثورة وقطيعة مع الماضي تجري عبر مساومة مع القوى المعارضة. إنّ مثل هذا التعاون بين الحكومة والمعارضة هو ما أدّى إلى إضعاف فرص المؤسسة العسكرية وإنجاح الانتقال إلى الديمقراطية9. ثمّ إنّ اتفاق القوى المعارضة على قانون للانتخابات أتاح أملً لبعض قادة النظام القديم، مثل أدولفو سواريز غونزاليز Suárez Adolfo 2014-1932()، بالفوز في الانتخابات القادمة، أو بممارسة العمل السياسي، حتى إنْ لم يحقّقوا نجاحًا في الانتخابات. ومع كلّ هذا، فإنّ تجربة الانتقال إلى الديمقراطية ظلت هشة في إسبانيا لأسباب تتعلّق بالنزاع الإقليمي في منطقة الباسك، التي صارت مهدّدةً للوحدة الوطنية، وصارت أيضًا حجّة تعتمد عليها الأجهزة الأمنية في عرقلة النظام الديمقراطي.

العملية (ب) تتضمن هذه العملية نمط التغيير الذي يحدث نتيجة لمبادرة يقوم، حيث 10بها تحالف سياسي عريض  Grand Oppositional Pact تَعقد العناصر المعارضة للنظام اتّحادًا فيما بينها، وتتمكّن عن طريق الثورة من هزيمة النظام السلطوي، ثم تشرع في وضع القواعد لنظام ديمقراطي بديل تَكُون الطريق إلى السلطة مفتوحة فيه لمعظم قوى المعارضة. ويحظى هذا المسار باهتمام كبير لدى الباحثين في شؤون الانتقال الديمقراطي، لأنه قد يُسهم في حلّ معضلتين في آن واحد؛ إذ تتعلّق المُعضلة الأولى بتجريف القاعدة التي يستند إليها النظام، في حين تتعلّق الثانية بوضع قاعدة لنظام ديمقراطي بديل يتضمّن صيغة لتقاسم السلطة بين الفرقاء. ويلاحظ ستيبان سهولة نجاح القوى المعارضة في تكوين مثل هذا التحالف الواسع، الذي يعتبر استمراره غير مضمون، إذ من السهل أيضًا أن تنحلّ التحالفات وتتساقط، وقد تُستبعد منها بعض المجموعات السياسية المهمة، وهو مؤِّشٌِّ دالّ على بروز نزعة سلطوية تُعرقل مسار إعادة الديمقراطية. يضاف إلى ذلك أنّ التحالفات الحزبية لا تنشأ في كل النظم السياسية، لأنها بطبيعتها تستلزم شروطًا لا غنى عنها؛ أوّلُها توافر قيادات ذات قدرات تنظيمية وأيديولوجية - تؤهّلها لإجراء المساومات اللازمة - لا تتحقّق التحالفات الكبرى من دونها، وثانيها أن يكون لهذه القيادات أتباع يمكن أن يلتزموا ببنود التحالفات المبرمة وشروطها11. ويرتكز النموذج بصفة عامة على افتراض أول مفاده أنّه يوجد في داخل النظام "إصلاحيّون" Reformers في مقابل وجود "معتدلين" Moderates في جانب المعارضة؛ كما يوجد "متشدّدون" Hardliners داخل النظام في مقابل "أصوليين" Radicals في الجهة المعارضة. ويفترض نموذج ثانٍ أن ينخرط الإصلاحيون من هنا والمعتدلون من هناك في مساومات تتعلّق بطبيعة التغيير ومداه، حيث يُحاول الإصلاحيّون الاحتفاظ بأكبر قدر من السلطة، في حين يدفع المعتدلون في اتجاه الانتقال إلى الديمقراطية بأقصى ما يستطيعون. ويفترض نموذج ثالث أنّ المتشدّدين في النظام والأصولييّن طرفان في المعارضة يملكان القدرة على إحباط أيّ تسوية لا يرضيان عنها؛ ما يعني أنّه لكي يحدث انتقال سلميّ إلى الديمقراطية، لا مناص من التوصّل إلى صيغة يرضى عنها هذان الطرفان، وإلّ كانت النتيجة أن يتّجها إلى العنف السياسي وإحباط محاولات الانتقال12.

ثانيًا: وقائع الثورة السودانية: ماذا حدث؟

1 - القيادة العسكرية - الأمنية

يمكن أن يؤرَّخ لنهاية نظام الإنقاذ13 بالحادي ع رر من نيسان/ أبريل 2019، حينما ظهر على شاشات التلفزيون النائب الأول لرئيس الجمهورية، وزير الدفاع الفريق أحمد عوض بن عوف 2019-2015()، معلنًا أنّه قد جرى "اقتلاع النظام والتحفّظ على رأسه في مكان آمن"، وأنّه قد شكّل مجلسًا عسكريًّا يدير دفّة الأمور مدة

  1. Ibid., p. 74.
  2. Ibid., p. 79.
  3. Ibid., p. 80.
  4. Jakub Zielinski, "Transitions from Authoritarian Rule and the Problem of Violence," The Journal of Conflict Resolution , vol. 43, no. 2 (April 1999), p. 214.
  5. هي تسمية أُطلقت على النظام السياسي الذي ترأسه الرئيس السابق عمر البشير عن حزب المؤتمر الوطني، وحكم السودان مدة 30 عامًا.

عامين، إضافة إلى حل مؤسسة الرئاسة، وإعلان حالة الطوارئ14. ولكن لم يمض سوى يوم واحد حتى أعلن الفريق بن عوف تنازله عن رئاسة المجلس العسكري وتسليمه مقاليد الأمور إلى الفريق أول عبد الفتاح البرهان (نيسان/ أبريل 2019 - آب/ أغسطس)201915. غير أنّ هذا الإعلان الرسمي لنهاية النظام قد سبقته احتجاجات شعبية وتظاهرات في كثير من المدن السودانية بسبب أزمة حادة في الخبز والوقود، فضلً عن شحٍّ غير مألوف في العُملة المحلّية. وقد استمرت الاحتجاجات نحو أربعة أشهر، من 19 كانون الأول/ ديسمبر 2018 إلى 11 نيسان/ أبريل 2019، بلغت فيها أزمة النظام ذروتها، وهي الأزمة التي دفعت ب "اللجنة الأمنية العليا" إلى صدارة الأحداث، وقد طالبت الرئيس عمر البشير 2019-1989() بأن يُعلن توجّهًا سياسيًا جديدًا للخروج من الأزمة يتضمّن أربع نقاط أساسية: أن يتنحى عن رئاسة حزب المؤتمر الوطني؛ وأن يُعلن عدم ترشّحه لدورة رئاسية قادمة؛ وأن يحلّ المجلس الوطني ومجلس الوزراء ويشكّل حكومة انتقالية كاملة الصلاحية؛ وأن يُشكّل مجلسًا عسكريًا تحت رئاسته يكون مسؤولً عن أمن البلاد خلال فترة انتقالية لا تتجاوز عامين16. ولكن فيما عدا النقطة الأولى المتعلّقة بالتخلّ عن رئاسة الحزب، فإن الرئيس البشير لم يكن مستعدًّا للأخذ بأيّ نقطة من النقاط الأخرى، بل يقال إنه طلب من قيادة اللجنة الأمنية العليا أن تتّجه إلى الحسم الأمني17، وهو ما جعلها تحزم أمرها فتعلن الاستيلاء التامّ على السلطة، وقد استطاعت أن تفعل ذلك بيسُر لأن مفاتيح السلطة العسكرية والأمنية كانت تحت تصرّفها، ثم إنها لم تكن تجهل الطرق التي تدخل منها إلى الثوار الذين احتشدوا في ساحة القيادة العامة، إذ كانت على اتصال ببعضهم منذ بداية الاحتجاجات18، فجَرت في هذا السياق مفاوضات ومساومات واتفاقات بين اللجنة الأمنية التي صارت تعرف بالمجلس العسكري وأطراف المعارضة، وهي المفاوضات التي انتهت بإبرام الشراكة بينه وبين قوى إعلان الحرية والتغيير. ويبدو من إفادات كثيرة متواترة أن المجلس العسكري كان له (من خلال جهازه الأمني) اتصالات سابقة مع بعض أطراف المعارضة، وأنه تباعد تدريجيًا عن النظام ومال إلى التغيير. وممّ يدل على ذلك الخطاب الأول الذي أعلنه الفريق بن عوف، إذ أشار، وهو بصدد توضيح الأسباب التي دعته إلى الانقلاب على الرئيس البشير، إلى أنّ: "اللجنة الأمنية العليا"، المكوّنة من القوات المسلّحة وقوات الشرطة وجهاز الأمن والمخابرات وقوات الدعم السريع هي التي قامت بالتغيير. هذه اللجنة كانت تتابع ما يجري في مؤسسات الحكم من سوء إدارة وفساد وانسداد للأفق أمام الشعب، وخاصة أمام الشباب. النظام كان يصُرّ على الحلول الأمنية، لكن اللجنة رفضت ذلك وعملت على تقديم البدائل والمقترحات للخروج من الأزمة بالطرق السياسية. اللجنة العليا قرّرت بكامل مكوّناتها تنفيذ ما لم يأخذه رأس النظام في الحسبان، وقد تحمّلت المسؤولية كاملة بتغيير النظام لفترة انتقالية مدة عامين تتولّ فيها القوات المسلحة - على نحو أساسي - مسؤولية إدارة الدولة والحفاظ على الأمن، مع تمثيل محدود لمكونات تلك اللجنة19. غير أن خطاب الفريق بن عوف لم يتطرّق إلى الأطراف الخارجية، خاصّة الدول الإقليمية الثلاث (المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات ومصر) التي كان لها دور كبير في وضع الترتيبات التي قادت إلى التغيير وفي الدعم المباشر الذي تقدّمت به20. ويعود اهتمام هذه الدول بالسودان إلى مسألتين أساسيّتين: الحرب السعودية-الإماراتية في اليمن، والنزاع الإثيوبي-المصري المتعلق بسدّ النهضة. فقد أعلنت السعودية في 12 شباط/ فبراير 2015 - في إطار صراعها مع إيران - عن خُطة عسكرية أ طلق عليها "عاصفة الحزم"، تهدف إلى التصدّي

  1. الجيش يعلن 'اقتلاع' نظام البشير واحتجازه 'في مكان آمن"'، 14 فرانس 24  "، 2019/4/11، شوهد في 2022/3/13، في https://bit.ly/3KBcsAY:
  2. ابن عوف يتنازل والبرهان خلفا له"، 15 وكالة السودان للأنباء "سونا " "، 2019/4/12، شوهد في 2022/3/13، في https://bit.ly/3tSoA9Z:
  3. أفصح عن هذه النقاط رئيس جهاز الأمن، اللواء صلاح قوش في مقابلة مع رؤساء تحرير الصحف اليومية في 22 شباط/ فبراير 2019، وقد تضمن خطاب الرئيس البشير بعض هذه النقاط ما عدا النقطة المتعلّقة بتخلّيه عن الترشح لفترة رئاسية جديدة. يُنظر: "ضياء باج نيوز الدين بلال: قرارات الرئيس"!،، 2019/2/24، شوهد في:2022/3/13، في https://bit.ly/36fq3Pn
  4. نائب رئيس جهاز الأمن السابق يكشف لأول مرة في حوار معه التفاصيل الكاملة تاق برس لسقوط البشير ودور قوش وبن عوف وحميدتي وخطة قتل المتظاهرين"،، 2020/10/5، شوهد في 2022/3/13، في https://bit.ly/3w2y8lI:
  5. تشير كثير من المصادر إلى أن مدير جهاز الأمن الوطني صلاح قوش كان على اتصال ببعض قيادات المعارضة سعيًا للحصول على تأييدها في الأسابيع التي سبقت عزل الرئيس البشير، خاصة مع زعيم حزب الأمة الصادق المهدي، ورئيس حزب المؤتمر السوداني، عمر الدقير، وأعضاء من حزب البعث، يُنظر: "رويترز تكشف كواليس تورّط الإمارات في الإطاحة الجزيرة نت بعمر البشير"،، 2019/7/3، شوهد في 2022/3/13، في: https://bit.ly/3JbYPYA
  6. بث الخطاب على تلفزيون السودان وعلى قناة الجزيرة مباشر وتناقلته وسائل الإعلام المختلفة. للاطلاع على النص الكامل للخطاب، يُنظر: "نص البيان الأول.. هذا ما أعلنه الجيش الجزيرة نت السوداني"،، 2019/4/11، شوهد في 2022/3/13، في: https://bit.ly/3q1i0wF
  7. من المؤشّات التي تدل على هذا الدور التعاونُ السابق مع كل من الفريق البرهان والفريق محمد حمدان دقلو في حرب اليمن، والدعمُ المتواصل الذي قدّمته هذه الدول للمجلس العسكري لتعزيز موقفه أمام القوى السياسية. للاستزادة في هذا الشأن، ينظر التقرير الذي أعدّه ونشره "مشروع العلوم السياسية للشرق الأوسط" التابع لمعهد دراسات الشرق الوسط في جامعة جورج واشنطن: Jean-Baptiste Gallopin, "The Great Game of the UAE and Saudi Arabia in Sudan," Middle East Political Science , accessed on 13/3/2022, at: https://bit.ly/3tSBYLl

للقوّات الحوثية في اليمن واستعادة الشرعية للرئاسة اليمنية المنتخبة الممثّلة في الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي 2012(.) كانت السعودية تتوقّع دعمً عسكريًّا من مصر وباكستان، ولكنّ ذلك لم يحدث لأسباب مختلفة فاتّجه النظر إلى السودان. وكان المطلب السعودي - الإماراتي من السودان يتلخّص في ثلاث قضايا: قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران، واستبعاد العناصر الإسلامية من القيادة العسكرية والأمنية، وإرسال قوات من الجيش السوداني للمشاركة في حرب اليمن21. ونظرًا إلى الضائقة الاقتصادية التي كانت تعانيها حكومته، وافق الرئيس البشير على تلك المطالب في مقابل الدعم الاقتصادي، وقطع العلاقة مع إيران، وأجرى بعض تغييرات أزاح بموجبها بعض العناصر الإسلامية من قيادة الدولة، وأرسل قوّات عسكرية إلى اليمن تحت إشراف الفريق البرهان وقائد قوّات الدعم السريع السودانية الفريق محمد حمدان دقلو المعروف باسم حميدتي -2010(.) غير أن هذه التنازلات التي تَقدّم بها الرئيس البشير لم تنجح - فيما يبدو - إلّ في إغراء السعودية والإمارات بالتفكير في إسقاط حكومته واستبدالها بالقيادة العسكرية ذاتها التي كانت تشرف على العمليات العسكرية في اليمن (الفريق البرهان، والفريق دقلو)22. وبناءً على هذا يمكن القول إنّ الخطوة الحاسمة نحو التغيير قد أتت من داخل النظام ومن قيادة الجيش والأمن، وبتدبير ودعم من الخارج (السعودية والإمارات)، وإنّ الحكومة الانتقالية - بشقّيها العسكري والمدني - هي نتاج لهذه الترتيبات، مع ملاحظة أن عملية استقطاب بعض عناصر الشقّ المدني لصالح الخطّة السعودية - الإماراتية ظلّت مستمرة خلال الزيارات والتفاهمات الهادفة إلى الاصطفاف ضدّ الإخوان المسلمين23.

2. الجبهة السياسية: ماذا حدث؟

مثلما صار المجلس العسكري في السودان حكومة أمرٍ واقع في كل الميادين، صار الحراك الشعبي في ميدان الاعتصام "حكومة الثورة" أيضًا، لكنّها حكومة مع وقف التنفيذ، لأن المسافة بين ميدان الاعتصام ومجلس الوزراء ليست مسافة جغرافية تقاس بالأميال، بل هي مسافة سياسية معقّدة كليًّا؛ كالمسافة بين الثورة والدولة. ولمّا كانت مرحلة الثورة لا تحتاج إلى أكثر من ضم الصفوف وتزكية الحماسة والاستعداد للتضحية، فقد تولّ قيادتها "تجمُّع المهنيين"24، الذي سرعان ما انخرط مع عدد آخر من التنظيمات في كيان سياسي واسع تحت اسم "قوى إعلان الحرية والتغيير."

  1. Ibid.
  2. نظرًا إلى الطبيعة السرية لمثل هذه الأدوار، فليس أمامنا إلّ الاعتماد على تقريرين صحفييّن تضافرت شواهد عديدة على صدقيتهما. التقرير الأول نشرته مجلة فورن بوليسي بعد شهر واحد من سقوط نظام البشير. وقد كتب التقرير الصحافي الفرنسي جوروم تبيانا Tubiana Jerome المتخصص في الشؤون الأفريقية، مشيرًا فيه إلى مشاركة فرقة من الجيش السوداني ضمن قوات التحالف الذي قادته السعودية في حرب اليمن، حيث عمل عبد الفتاح البرهان وأحمد دقلو (حميدتي) في قيادة الفرقة السودانية التي شاركت في الحرب السعودية - الإماراتية في اليمن، وكيف أنهما قابلا مسؤولين إماراتيين وسعوديين وتفاهما على ترتيبات ما بعد الرئيس البشير، إذ تأكد للجانب السعودي -الإماراتي أن هذين الرجلين (البرهان - حميدتي) يستوفيان تمامًا شروط القادة الجدد الذين تبحث عنهم الإمارات والسعودية ممّن ليست لهم علاقة مع إيران أو قطر أو الإخوان المسلمين. يُنظر: Jérôme Tubiana, "The Man Who Terrorized Darfur Is Leading Sudan's
  3. Supposed Transition," Foreign Policy (May 2019), accessed on 13/3/2022, at: https://bit.ly/3KEbofB رويترز في أما التقرير الثاني، الذي يعضد هذه الوقائع، فقد نشرته وكالة 3 تموز/ يوليو عام 2019 (بعد ثلاثة أشهر من سقوط النظام.) وجاء في ذلك التقرير، الذي أعدّه ثلاثة من مراسلي الوكالة اعتمادًا على مقابلات أجروها مع أكثر من عشرة مصادر مطلعة على الأحداث،
  4. أن الرئيس البشير توصل إلى تفاهم مع الشيخ محمد بن زايد يقضي بأن يتخلّص البشير من الإسلاميين، وأن يرسل قوات عسكرية لدعم الإمارات والسعودية في حرب اليمن، مقابل دعمٍ مادي تقدمه الإمارات إلى السودان. ولكن الرئيس البشير لم ينجز كلّ ما تعهد به، فقطعت الإمارات إمدادات الوقود عن السودان، في كانون الأول/ ديسمبر 2018، تعبيرًا عن استيائها، ما فاقم الأزمة الاقتصادية التي أودت بالنظام. ينظر: Khalid Abdelaziz, Michael Georgy & Maha El Dahan, "Abandoned by the UAE, Sudan's Bashir Was Destined to Fall," Reuters , 3/7/2019, accessed on 13/3/2022, at: https://reut.rs/36gQXXq 23 من الشخصيات التي شاركت في تلك اللقاءات: مريم الصادق المهدى (حزب الأمة)، وخالد عمر يوسف (المؤتمر السوداني)، وياسر عرمان (الحركة الشعبية قطاع الشمال.) يُنظر: "ثورة ديسمبر:" السياقات والفاعلون وتحدّيات الانتقال الديمقراطي في السودان"، تقارير، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020/6/2، شوهد في:2022/3/13، في https://bit.ly/35TXtn1 24 تجمّع المهنييّن السودانييّن هو أبرز مكونات قوى إعلان الحرية والتغيير. وتعود نشأته إلى عام 2018 حينما ابتدأ نشاطه بدراسة عن الأجور ورفع بشأنها مذكرة إلى حكومة الرئيس البشير. وكان يضم في ذلك الحين نحوًا من ستة أجسام مهنية، هي: لجنة أطباء السودان، والتحالف الديمقراطى للمحامين، وتجمّع المهندسين، وشبكة الصحافيين، ولجنة المعلّمين، ولجنة البيطرييّن، ولجنة الصيادلة. ثمّ بدأ في الظهور الإعلامي مرة ثانية بعد أسبوع من بداية الثورة الشعبية التي انطلقت على نحو عفوي في 13 كانون الأول/ ديسمبر 2018، وقد انضم إليه عدد كبير من التنظيمات والأجسام المهنية وأصدر بيانًا باسم قوى إعلان الحرية والتغيير (قحت)، وهو الكيان الذي صار منذئذ منصّة للقيادة الجماهيرية.

استطاعت قوى إعلان الحرية والتغيير إبرام تحالف سياسي فضفاض يتكوّن من أربع مجموعات سياسية كبرى، وتشمل كلّ مجموعة عددًا من الأحزاب (والجماعات المسلّحة وغير المسلّحة)، يضمُّها تحالفٌ هشٌّ وتُديرها كلّها لجنة "تنسيقية" محدودة الصلاحيات، بسبب ظروف الاستعجال التي لازمت الأسابيع الأولى من الثورة. أمّا في مرحلة إدارة "الدولة"، فقد تضاءلت الرومانسية الثورية لتحلّ مكانها الواقعية السياسية، وهذه الأخيرة تستلزم أن يقوم كل حزب بمراجعة استراتيجيته، ويُجري ما يشاء من تفاهمات سياسية، وقد يفضُّ، بناءً على ذلك، تحالفاته القديمة ويبرم أخرى جديدة. هنا تتباين المواقف وتُطلّ مرحلة "التخلّص من الشركاء." وهنا يَكمُن الإشكال؛ إذ صار بعضهم يرى بوضوح مواقع الخلل في تشكيلة قوى إعلان الحرية والتغيير، فهو جسم سياسي كبير، ولكن ليس له قيادة تنفيذية موحّدة ولا رؤية استراتيجية (ما عدا إعلان الأول من كانون الثاني/ يناير 2019، وهو إعلان مبادئ، وليس برنامج عمل)، وقد انعكس ذلك سلبيًّا على أدائه في التفاوض مع المجلس العسكري. غير أن صيغة "القيادة الموحّدة"، وإن كانت ستُكسِب قوى إعلان الحرية والتغيير مزيدًا من القوة، فإنّ المستفيد الأكبر منها سيكون الإمام الصادق المهدي، صاحب المشروعية القديمة والثّقل الحزبي التاريخي، وهو خيارٌ لا تحبّذه المجموعات السياسية الأخرى. اتّضح أنّ لبعض القيادات السياسية25 المنضوية تحت مظلّة قوى إعلان الحرية والتغيير أجندة إقليمية تتناغم مع أجندة المجلس العسكري أكثر من تناغمها مع المزاج العام للحراك الشعبي، الذي يرفض التدخلّات الإقليمية في الشأن السوداني. وبهذه التقاطعات، في داخل قوى إعلان الحرية والتغيير، تأكّد أنّ الخلافات بينها لم تكن تتعلّق بأمور تكتيكية يُ كن تجاوزها في إطار هدف أكبر، بقدر ما كانت تناقضات أساسية يصعب تجاوزها، وهي تتعلّق بإدارة الدولة للاقتصاد وللعلاقات الخارجية، وقد تنتهي عاجلً أو آجلً إلى المفاصلة التامة. وبناءً على ذلك، صار من الراجح أنّ هذه الخلافات ستضعف وحدة الصف والهدف، وإذا اتّسعت هذه الخلافات فإنها ستؤدي - خاصة في أجواء التعبئة الإعلامية - إلى نوع من الصِّدام الذي ستتعذّر أي محاولة للسير في اتجاه الانتقال الديمقراطي المأمول في حال حدوثه. رغم هذه الهشاشة والضعف التنظيمي (أو بسببه)، اختارت قوى إعلان الحرية والتغيير أن تدخل في شراكة مع الجناح العسكري من النظام السابق وأن تتقاسم معه السلطة التنفيذية وفقًا للوثيقة الدستورية الموقّعة بينهما26، إذ نالت عددًا من المقاعد في مجلس السيادة، ونالت أيضًا كلَّ الحقائب الوزارية، ما عدا وزارَتَ الداخلية والدفاع. وبهذا، تكون قد انتهت رئاسة المجلس العسكري، وبدأت دورة الحكومة الانتقالية في أيلول/ سبتمبر 2019، فقد صار عبد الله حمدوك 2022-2019() رئيسًا للوزراء، والفريق البرهان رئيسًا لمجلس السيادة، في تحالف عريض يقف من خلفه نحو سبعة أحزاب سياسية27.

3. الائتلاف الهش بين المكوّن العسكري والمدني

يمكن الإشارة إلى مرحلتين أساسيّتين مرّت بهما العلاقة بين الشريكين العسكري والمدني في الحكومة الانتقالية: مرحلة الاندفاع الثوري، ومرحلة الواقعية السياسية. تميّزت المرحلة الأولى بتضاؤلٍ نسبيٍّ لدور الحزبين الكبيرين تاريخيًّا (حزب الأمة، والحزب الاتحادي الديمقراطي)، وبروز أكبر لأحزاب الأقلّيات اليسارية الثلاثة (الحزب الشيوعي السوداني، وحزب البعث السوداني، والحزب الوحدوي الديمقراطي الناصري)، إلى جانب حزب المؤتمر السوداني، وبعض التنظيمات المهنية وتجمعات المجتمع المدني. فهذه التنظيمات هي التي تصدّت للقيادة تحت اسم "إعلان الحرية والتغيير"28، ومثّلت الحاضنة السياسية لحكومة الثورة، فأعدّت الوثيقة الدستورية، وحدّدت هياكل الحكم ومستوياته، وتقاسمت السلطة مع المجلس العسكري، وكانت ترى نفسها بوصفها الصانع الحقيقي للثورة والفاعل الأكبر في الساحة السياسية، فتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، بحسب محمد ناجي الأصم، وهو أحد قاداته، هو الذي نسّق الجهود الشعبية وبلْوَر خياراتها النضالية. أمّا القوّات المسلحة، فقد سارت معهم في طريق الثورة والتغيير، ومن أجل تأسيس "ديمقراطية مستدامة في السودان"29. غير أن هذا التصوّر المتفائل لدور القوّات المسلّحة لم يكن محلَّ اتّفاق بين مكوّنات قوى إعلان الحرية والتغيير؛ فالحزب الشيوعي السوداني مثلً لا ينظر بإيجابية

  1. الإشارة هنا إلى بعض القيادات السياسية التي تتجاوب مع خط دولة الإمارات: خالد عمر يوسف، ومريم الصادق، وياسر عرمان وغيرهم.
  2. الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية بجمهورية السودان"، 26 وحدة حساسية النزاعات، 2021/2/19، شوهد في 2022/3/13، في https://bit.ly/35NCBOr:
  3. الأحزاب السبعة الرئيسة المشاركة في الحكومة هي: حزب الأمة القومي، وحزب المؤتمر السوداني، والحزب الشيوعي السوداني، وتجمع الاتحاديين الديمقراطيين، وحزب البعث السوداني، والحزب الوحدوي الديمقراطي الناصري، والحزب الجمهوري الاشتراكي.
  4. إعلان الحرية والتغيير"، فيسبوك، 2019/1/1، شوهد في:2022/3/13، في https://bit.ly/3q0Rrb6
  5. انتصرنا ونطالب بحق شهدائنا.. كلمة محمد ناجي الأصم بعد توقيع الاتفاق التاريخي في السودان"، يوتيوب، 2019/8/17، شوهد في 2022/3/13، في: https://bit.ly/3CDvow5؛ إسماعيل محمد علي، "صديق يوسف: رئيس الوزراء السوداني ليس شيوعيًّا"، إ ندبندنت، 2019/12/20، شوهد في 2022/3/13، في https://bit.ly/3KzhMok: عربية

إلى ما قامت به القوات المسلّحة، بل يراه "انقلابًا عسكريًا" قُصد به ألّ تصل الثورة إلى نهاياتها الكاملة30. وهذا الاختلاف في الرؤية سيتّسع فيما بعد وسيؤدي إلى انهيار قوى إعلان الحرية والتغيير، بحسب ما يتوقّع الباحث. وقد يرد تساؤل عن الكيفية التي يرى بها المجلس العسكري نفسه، فضلً عن الدور الذي كان يريد أن يضطلع به في مرحلة ما بعد البشير؛ أيرى نفسه شريكًا في السلطة أم مالكًا لها؟ تأتي الإجابة عن مثل هذا التساؤل في واحدٍ من الخطابات المبكِّرة لرئيس المجلس العسكري، الفريق عبد الفتاح البرهان، بمناسبة تعليق المفاوضات مع قوى إعلان الحرية والتغيير، في 15 أيار/ مايو 2019؛ إذ يرى أنّ العناصر المكوّنة للمجلس العسكري، بما فيها قيادة الدعم السريع، أتت من رحم هذا الشعب، وأدّت دورًا مهًّمًّ وفاعلً في مساندة الثورة، وأنها قد انحازت إلى خيار الشعب، وأمّنت انتصاره31. ويبدو أنّ هذا الخطاب يمثّل الخط الاستراتيجي الثابت للعسكرييّن. ولا شك في أن الجيش - أو المنظومة الأمنية بعبارة أدق - قد رفض إطلاق النار على المتظاهرين في السادس من نيسان/ أبريل 2019، وأنه قام بحمايتهم، في مخالفة جريئة لأوامر الرئيس المخلوع؛ ما عجّل بنهاية نظام الإنقاذ. لكن تجب الإشارة إلى أن الاندفاع الشعبي التلقائي قد وصل حينئذ إلى مرحلة من الغليان لم يكن من الممكن إخمادها. ولذلك، من الإنصاف أن يقال إنّ الجيش والشعب اشتركا في نجاح الثورة وإزاحة النظام السابق (دستورًا ومؤسساتٍ وأشخاصًا.) غير أنّ ذلك أحدث "فراغًا" كان لزامًا على الجيش - من ناحية عملية وقانونية - أن يملأه، وقد فعل؛ ليصبح بذلك أمينًا على السلطة، زيادة على كونه شريكًا فيها. ثمّ صار المجلس العسكري هو حكومة "الأمر الواقع"، تشريعًا وتنفيذًا. ومع أنه ليس من العسير على المجلس العسكري أن يُسوِّق شراكته في السلطة استنادًا إلى مساندته للثوار، فإنّ هناك قضايا أخرى ستظلّ تلاحقه، فضلً عن صعوبة تسويقها، ومنها أنّ هذا المجلس كانت له "خيوط" تربطه بالنظام القديم، سواء من حيث الترقيات إلى رتبة فريق أوّل ركن، وقد حصل عليها بعض أعضائه قبيل الثورة بأسابيع، أو من حيث العمليات التي شاركوا فيها، أو تجاوزات "مجزرة القيادة العامّة" التي سكتوا عنها. ولكي يتمكّن من طيّ هذه الصفحة وإثبات أنه قطع كلّ خيط يربطه بنظام البشير، فقد وقّع باسم مجلس السيادة قرارًا بتشكيل لجنة لإزالة النظام القديم وتفكيكه؛ إذ لم تكد تمضي أسابيع قليلة على تنصيب الحكومة الائتلافية بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير، في أيلول/ سبتمبر 2019، حتّى أصدر رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قرارًا قضى بتكوين لجنة لإزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة. وبموجب ذلك القانون حُلّ حزب المؤتمر الوطني وحذف من سِجِلّ التنظيمات والأحزاب السياسية وصودرت ممتلكاته، ثمّ حلّت كلّ الواجهات الحزبية والنقابات والاتحادات المهنية والمنظمّات التابعة له أو لأي شخص أو كيان يعتبر من نتائج التمكين32. أمّا الشخصيات الأساسية من الإسلاميين، التي كانت الإمارات والسعودية تُطالبان بإبعادها من السلطة، ولا سيما علي عثمان محمد طه، وبكري حسن صالح، ونافع علي نافع، وعوض أحمد الجاز، فقد زُجّ بها في السجن منذ الأسبوع الأول لإطاحة النظام33. وكما هو متوقّع، نالت هذه الإجراءات قبولً وثناءً من بعض "قوى إعلان الحرية والتغيير"، ولا سيما حزب البعث والحزب الشيوعي، وأحسّت بأنّ واحدًا من أهم أهدافها الاستراتيجية قد صارت تقوم به لجنة إزالة التمكين. ولذلك، انخرطت هذه الأحزاب في محاصصة حزبية محمومة، وسعى كلّ منها ل "تمكين" عناصره في مفاصل الدولة، ثم أ ضفِيَ على عملية الإحلال والإبدال تلك طابعُ الصراع الأيديولوجي القديم - المتجدّد بين تيار الإسلام السياسي وتيار اليسار العلماني الذي يسعى في عجَلٍ لإعادة تأسيس المجتمع السوداني برمّته، والتحوّل به نحو وِجهة جديدة (ثقافةً وسياسةً واقتصادًا)، وصار الهدف الاستراتيجيّ للحكومة الانتقالية وحاضنتها السياسية هو القضاء على نظام الإنقاذ، وتصفية المنتمين إليه في كل أجهزة الدولة ولا سيما القوات النظامية والاقتصاد والتعليم والقضاء. غير أنَّ هذا المشهد لم يستمرّ طويلً، حيث برزت للشريكين ملفّات عالقة يصعب التوافق فيها، ثمّ نمَت لكلّ منهما رؤى وتطلّعات يصعب تحقيقها في إطار الوثيقة الدستورية المُوقَّعة بينهما، ولا نسعى في هذا السياق إلى عَرض جميع الملفّات الشائكة بين الشريكين، ولكن قد يكون مناسبًا أن نشير إلى أكثرها بروزًا، وهي تتمثّل بما يلي: الشركات المملوكة للقوات المسلّحة وقوات الأمن والشرطة (كيفية استعادتها.)

  1. مقابلة أجراها إسماعيل محمد علي مع صديق يوسف، عضو اللجنة المركزية للحزب إندبندنت عربية الشيوعي،، 20 كانون الأول/ ديسمبر.2019
  2. شاهد.. بيان رئيس المجلس العسكري الفريق عبد الفتاح البرهان"، يوتيوب، 2019/5/16، شوهد في 2022/3/13، في https://bit.ly/3pVRkh1:
  3. عبد الحميد عوض، "السودان: تشكيل لجنة لإزالة وتفكيك نظام البشير"، 32 العربي الجديد، 2019/12/10، شوهد في 2022/3/13، في: https://bit.ly/3MHity5
  4. بدء محاكمة الرئيس السوداني السابق عمر البشير بتهمة 'الانقلاب على الحكومة لوسيل المنتخبة"'،، 2020/7/21، شوهد في 2022/3/13، في: https://bit.ly/3t7iZh2

العلاقة مع الحركات المسلّحة (كيفية إدراجها في إطار الوثيقة الدستورية.) إدارة الاقتصاد (طبيعة الإصلاح الاقتصادي المطلوب، والعلاقة مع وصفة البنك الدولي)34. إدارة العلاقات الخارجية (كيفية التعامل مع البعثة الدولية، والتحالف الإماراتي - السعودي، والاعتراف بدولة إسرائيل.) إدارة النزاع الإثيوبي - المصري (أين يقف السودان في هذا الملف؟ وإلى أي مدى؟.) إنّ فتح هذه الملفّات ومحاولة الإجابة عمّ فيها من أسئلة جعلا كلّ فريق يعيد حساباته كليًّا، ويعيد النظر في تحالفاته أيضًا.

4ّ. مرحلة الواقعية والملف ات الشائكة بين الشريكين

لم يصمُد "تجمّع المهنييّن" الذي أوكلت إليه قيادة الثورة طويلً بعد نجاحها؛ إذ سرعان ما شهد انشقاقًا أَخمد بريقه الثوري وأقعده عن الحركة. وتعود أسباب الانشقاق إلى الاتهام الذي وُجّه إلى قيادات في "التجمع" محسوبة على الحزب الشيوعيّ باختطاف التجمع نفسه، وتسخيره لمصالح حزبية ضيّقة، ولأهداف مناهضة للثورة، ولتفتيت وحدة قوى الثورة أيضًا. أمّا من "الجهة الأخرى"، فقد جاءت ردّة الفعل أشدّ قسوة؛ إذ اتّهم الحزب الشيوعي عناصر من قوى إعلان الحرية والتغيير بأنّها تعقد الاتفاقات السرية والمشبوهة داخل البلاد وخارجها، وتقود التحالف نحو الانقلاب على الثورة، والموافقة على السياسات المخالفة للمواثيق والإعلانات المتّفق عليها، وظلّت هذه العناصر رغم موقفها الشكلي في مجلس الحرية والتغيير تتآمر على توصيات اللجنة الاقتصادية للحرية والتغيير، وتقف مع سياسات الحكومة الداعمة لتحرير السلع الأساسية ورفع الدعم واعتماد توصيات صندوق النقد الدولي. ولقد أدى ذلك إلى تدهور معيشة المواطنين وارتفاع معدلات التضخم، مع استمرار البطالة وسط الشباب، وتدهور أحوال النازحين، والتحيز للرأسمالية الطفيلية ضدّ الرأسمالية الوطنية العاملة في الصناعة والزراعة والانقلاب الكامل على الثورة بوثيقة دستورية جديدة35. وينتهي الحزب الشيوعي، بعد هذه السلسلة الطويلة من الاتهامات، إلى القول إن لجنته المركزية قد قرّرت "انسحاب الحزب من قوى الإجماع الوطني، والانسحاب من قوى الحرية والتغيير، والعمل مع قوى الثورة والتغيير المرتبطة بقضايا الجماهير وأهداف وبرامج الثورة"، وإنّ الحزب يختار "الوقوف مع الجماهير وقضاياها بدلً عن تضليلها وزراعة الآمال الكاذبة لخديعتها"36. لقد أوضح هذا التصدّع الداخلي أنّ القوة التي كانت تعتمد عليها قوى إعلان الحرية والتغيير لم تكن نابعة من توافق استراتيجي راسخ بقدر ما كانت مستمدّة من اشتراك في الرفض لنظام الإنقاذ، فلمّ سقط هذا النظام تساقطت معه قوى إعلان الحرية والتغيير؛ لتَضارب الرؤى، ولتَناقض المصالح. غير أنّ العامل الآخر الذي فاقم الخلاف قد يعود إلى التخوّف من تبعات الفترة الانتقالية وتحمّل مسؤولية الفشل المتوقّع، خاصة في المجال الاقتصادي. لقد ثبت للأحزاب اليسارية الحاكمة (والمجلس العسكري أيضًا) أنّ هناك واقعًا اقتصاديًّا مترديًا لا يمكن تجاوزه، وأنّ تغييره يحتاج إلى إرادة سياسية قوية تستطيع أن تتّخذ القرارات الصعبة وتتحمّل المسؤولية الكاملة عن نتائجها. وكلّ هذا يعني أن المعركة الحقيقية بدأت تتحوّل من آفاق الأيديولوجيا العليا إلى المعاناة اليومية للمواطن، ومن ثنائية اليمين واليسار إلى ثلاثية الخبز والوقود والدواء. وصارت الأسئلة الجوهرية هي: من يستطيع من الوزراء الذين اختارتهم قوى إعلان الحرية والتغيير أن يتصدّى لهذه المهمّة؟ ومن يقف وراءه من الداعمين الإقليمييّن والدولييّن؟ وهل سيظلّ الشارع السُّوداني يساند حكومة الحرية والتغيير، في حين أنها لا تستطيع أن تتّفق على برنامج اقتصادي، أو تجيز ميزانية عامة، أو تسدّد مديونية الدقيق؟ وبناءً على هذا، صار كلّ فريق يشكّك في الآخر، ويعيد حساباته، ويبحث عن شراكة أصلَب عودًا وأوفر عائدًا. وصار من بقي في قوى إعلان الحرية والتغيير مقتنعًا بأنّ "الشراكة" بينه وبين المجلس العسكري قد لا تستمرّ طويلً، في حين ازداد اقتناع المجلس العسكري بأنّ قوى إعلان الحرية والتغيير فقدت زَخَمها الأول، وأنها لن تكون حاضنته السياسية المأمونة، وأنّ أمامه أحد خيارين: فإمّا أن يتمهّل ويَصِبِ على مصاعب المرحلة الانتقالية إلى حين انقضاء دورته المقرّرة في الوثيقة الدستورية، مع احتمال أن يؤدّي ذلك إلى خروج خاسر من العملية السياسية (مع ما قد يترتّب عليه من ملاحقات جنائية)، وإمّا أن يقوم بقفزات استباقيّة يتجاوز بها قوى إعلان الحرية والتغيير، ويشكّل تحالفًا جديدًا تدخل فيه الحركات المسلّحة وترضى عنه القوى الإقليمية والدولية، فيكون بذلك قد ضرب العصافير كلّها بحجر واحد. وهذا هو الخيار الذي انتهى

  1. يرى الحزب الشيوعي السوداني أنّ الحكومة الانتقالية قد استسلمت للرأسمالية العالمية الساعية للسيطرة على الاقتصاد السوداني، وأنها تسير في طريق التبعية للغرب وتستجيب لكلّ الشروط بدلً من الاعتماد على الموارد الذاتية والإصلاح الداخلي. يُنظر: الحاج الميدان عبد الله (أجرى الحوار)، "مقابلة مع صديق كبلو، عضو اللجنة المركزية"، 3797()،
  2. بهرام عبد المنعم، "الحزب الشيوعي السوداني يعلن انسحابه من الائتلاف الحاكم "،
  3. وكالة الأناضول، 2020/11/7، شوهد في 2022/4/20، في: https://bit.ly/3OpgAXt " بيان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي"، 36 الميدان،.2020/11/8

إليه وجعله يسارع إلى توقيع "اتفاقية جوبا للسلام" (كما سنوضّ ح لاحقًا.) أمّا الحزب الشيوعي - وهو أكثر هذه المجموعات تنظيم - فقد ثبت له أنّ الجناح العسكري الحاكم ليس حليفًا له؛ ولذلك فقد صار يجاهر بعداوته للحكومة الانتقالية، وبدأ منذ مطلع عام 2021 يطالب بإسقاطها واستبدال حكومة أخرى بها.

ثًالث ا: معوّقات الانتقال نحو النظام الديمقراطي

1. معوقات مشتركة: البحث عن ديمقراطية "مضمونة العواقب"

بين يدي الحديث عن الانتقال إلى الديمقراطية يرد السؤال: أيّ ديمقراطية يراد الانتقال إليها؟ ومن يريد ذلك الانتقال؟ مع أنّ أيًّا من المجموعات المشاركة في الحكومة الانتقالية لم تتعرّض صراحة لهذه القضية على نحو فكري معمّق، حيث إنّ بعضها لا يرغب أساسًا في عملية الانتقال إلى نظام ديمقراطي (حزب البعث مثلً)، فإنّ بعضها الآخر يُضمر معنى مغايرًا للمعنى المتعارف عليه للديمقراطية. فالديمقراطية، في أبسط تعريفاتها، لا تعدو أن تكون "منهجًا للحُكم" يستطيع الشعب من خلاله أن يختار قيادة تُوكَل إليها أمور التشريع وإصدار القوانين الملزمة في شؤون المجتمع العامة37. لكنّ مثل هذا التعريف يمثّل إشكالات عديدة لشركاء الحكومة الانتقالية، ويجعل كلّ فريق منهم يتردّد في مسألة الانتقال إلى الديمقراطية. وأوّل هذه الإشكالات أنّ الانتقال إلى الديمقراطية سيعني - في أدنى مستوياته - الرجوع إلى الشعب ليختار قيادة للحكومة، ولا توجد وسيلة لذلك إلّ عن طريق الاستفتاء أو الانتخاب. لكنّ أيًّا من هاتين الوسيلتين ستقود إلى نتائج غير حميدةٍ، وقد لا تَصبّ في صالح الائتلاف العسكري - المدنيّ الحاكم؛ فالعسكريون لا يحبّذون الانتخابات لأنها تعني خروج مجموعتهم الحاكمة بصورة كاملة من العملية السياسية، مع ما يترتّب على ذلك من إرباك شديد لمجمل التعهّدات والاتفاقات التي أبرموها مع القوى الإقليمية الدّاعمة لهم، ولا سيما الإمارات والسعوديّة ومصر، فضلً عمّ قد يترتّب على الانتخابات من أضرار مباشرة تلحق بالقيادات العسكرية؛ سواء من ناحية المساءلة القانونية، أو الضرر الاقتصادي؛ ولذلك فإنّ أجندة الجناح العسكري لا تتضمّن الرجوع إلى الانتخابات، بل تسعى من خلال طرق شتّى لإطالة الفترة الانتقالية. ولكي يتحقّق له ذلك، حاول الاستفادة من ثلاثة ملفّات أساسية آلت إليه، وصار يأمل من خلالها أن يبقى في السلطة أطول مدّة مُمكنة. يتعلّق الملف الأول بتحقيق السلّام الداخلي مع الحركات المسلّحة، ويتعلّق الثاني بتطبيع العلاقة الخارجية مع إسرائيل في تماهٍ كاملٍ مع المحور الإماراتي - السعودي. أمّا الملف الثالث فيتعلّق بترتيب العلاقة مع المنظومة العسكرية المصرية في نزاعها مع الحكومة الإثيوبية حول سُدّ النهضة. وسيؤدّي أيّ ملفٍّ من هذه الملفّات (في نظر المجموعة العسكرية) إلى تعزيز موقف الجناح العسكري في السلطة، فيكون بمنزلة حكومة أمرٍ واقع لا يمكن لأيّ طرفٍ من الأطراف الاستغناء عنها كما سيتّضح ذلك لاحقًا.

2. معوّقات من صنع الجناح العسكري

العلاقة مع الحركات المسلّأ-حة

يرى الجناح العسكري في الحكومة الانتقالية أنّ ملف السلام يمكن أن يصير "طوق النجاة" الذي يبحث عنه، إذ يستطيع من خلاله أن يدخل في مفاوضات مطوّلة مع الحركات المسلّحة، فيتمكّن في حال نجاحه من إحراز نقاط تضمن بقاءه في السلطة، كما يتمكّن في حال إخفاقه من أن يجِد مبرّرًا لتمديد الفترة الانتقالية بدعوى مواصلة السّعي نحو تحقيق السلّام. وفي هذا السياق، استطاع الجناح العسكري بالفعل أن يتفاهم، بعد وساطة من حكومة جنوب السودان، مع بعض حركات المعارضة المسلّحة، كالجبهة الثورية مثلً، وأن يوقّع في تشرين الأول/ أكتوبر 2020 ما عرف ب "اتفاقية جوبا للسلام"38، التي اتّفقت الأطراف فيها على أن تكون هناك فترة انتقالية جديدة تستمر 39 شهرًا بدايةً من تاريخ توقيع الاتفاق، وهذا يعني - ضِ من أمور كثيرة - إسقاط السَّنة الأولى من فترة الانتقال، والشروع في دورة جديدة وفقًا لشراكة جديدة تبدأ بتوقيع الاتفاقية. وسيترتّب على ذلك، بطبيعة الحال، إعادة تشكيل هياكل السلطة القائمة، ولا سيما مجلسي السيادة والوزراء، وإنشاء مجلس تشريعيّ، وهو ما يشير، صراحة، إلى عملية تحوّل من نظام "الحرية والتغيير" القائم على بنود "الوثيقة الدستورية" إلى نظام جديد للحُكم تكفّلت بنود اتفاقية السلام بوضع أركانه الأساسية. وقد لا نستطيع في هذا المقام أن ننظر في كلّ بنود الاتفاقية، ولكن يكفي أن نتوقّف عند نقطة واحدة تمثّل

  1. Joseph A. Schumpeter, Capitalism, Socialism and Democracy (New York: Harper & Row Publisher, 1942), p. 243.
  2. وقّع عن المعارضة المسلّحة الجبهة الثورية السودانية، وهي تضم أربع حركات سياسية، وخمس حركات مسلّحة هي: حركة العدل والمساواة، وتجمع قوى تحرير السودان، وجيش تحرير السودان، وجيش تحرير السودان - المجلس الانتقالي، والتحالف السوداني. وقد تخلّفت عن الاتفاق الحركة الشعبية - شمال برئاسة عبد العزيز الحلو، وحركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور. للاستزادة بشأن أهم بنود الاتفاقية، ينظر: صحيفة الشرق الأوسط، 15286،.2020/10/4

جوهر هذه الاتّفاقية، وهي توضّ ح العلاقة بين اتفاقية جوبا للسلام والوثيقة الدستورية؛ إذ يلُاحَظ أنّ اتفاقية السلام لا تعتبر "الوثيقة الدستورية" مرجعية عليا، بل تجعلها تتساوى مع بنود الاتفاقية، وتؤكد أنّ التناقض، في حال التعارض بين الوثيقة الدستورية وبنود الاتفاقية، يُزال بتعديل الوثيقة الدستورية، ثم تكوّن بموجب هذه الاتفاقية (المادة 80) ما عُرف ب "مجلس شركاء الفترة الانتقالية"، وقد تمثّلت فيه أطراف الوثيقة الدستورية ورئيس الوزراء والأطراف الموقّعة اتفاقية جوبا للسلام. وكل هذا يؤكد أنّ الجناح العسكري لا يتّجه نحو الانتقال الديمقراطيّ، بل يسعى بقوة للتحوّل من "المرحلة الثورية" وما تولّد منها من مواثيق إلى مرحلة جديدة يحتضن فيها الحركات المسلّحة، ويتقاسم معها السلطة والثروة أطول فترة زمنية ممكنة.

ب- العلاقة مع إسرائيل

مثلما هرعت قيادة الجناح العسكري إلى التفاوض مع الحركات المسلّحة، هرعت أيضًا إلى الدخول في مفاوضات سرية مع إسرائيل. ففي زيارة سرية إلى أوغندا، التقى البرهان، في شباط/ فبراير 2020، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو، في محاولة لفرض الأمر الواقع، غير مكترث بما يجده من معاتبة أو نقد من بعض قوى إعلان الحرية والتغيير، التي كانت ترى في التطبيع خيانة للقضية الفلسطينية وخروجًا على اختصاص الحكومة الانتقالي39. إنّ إعادة فتح "الملف الإسرائيلي" لم تكن وليدة طبيعية للعقل العسكري في حكومة السودان الائتلافية بقدر ما كانت وليدة ضغطٍ وإلحاحٍ من دول التحالف العربي (الإمارات والسعودية.) فكما ضغطت هذه الدول من قَبلُ على البرهان وحميدتي للانخراط معها في حرب اليمن، ضغطت عليهما أيضًا لاحقًا للانخراط في "السلام الإبراهيمي" الذي يسعى لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، والذي تتزعمه دولة الإمارات40.

ج. العلاقة مع مصر

تكاد تجمع مختلف القوى السياسية التي تعاقبت على الحكم في مصر على أنّ السودان يقع ضمن المجال الحيوي لأمنها القومي، وأنه يمثل عمقها الاستراتيجي الجنوبي؛ ما يجعلها تحرص باستمرار على وجود علاقات قوية بينها وبين النظام الحاكم في السودان. وفي هذا الإطار، أ وْلَت حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي اهتمامًا كبيرًا بالعلاقة مع الحكومة الانتقالية في الخرطوم. وتأتي محاربة تنظيم الإخوان المسلمين وملاحقة أعضائه ضمن اهتماماتها بالشأن السوداني، إلّ أن الاهتمام الأكبر يتّجه نحو إقامة علاقة وثيقة مع المكوّن العسكري في الحكومة الانتقالية وإدراجه في إطار الاستراتيجية الأمنية المصرية، خصوصًا في ضوء ما تحسّ به مصر من خطر إثيوبي عليها بسبب مشروع "سدّ النهضة." أمّا المكوّن العسكري في الحكومة الانتقالية، فهو يدرك ما لمصر من تأثير داخل التحالف الإماراتي - السعودي - الإسرائيلي، ويُدرك أنّ انخراطه في هذه المنظومة، وأنّ ما يقدمه من خدمة لوجستية أو عسكرية، سيجعلان منه فاعلً لا غنى عنه؛ سواء في حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة، أو في المشاركة الفعلية في القتال؛ ولذلك توالت الزيارات بين العسكريين في الخرطوم ونُظرائهم في القاهرة، ثم تُوّجت بتوقيع اتفاقية للتعاون العسكري بينهما في 2 آذار/ مارس 2021 41، أعقبتها مناورات مشتركة بين الجيش السوداني والمصري في أيار/ مايو 2021 42. لقد حاولنا أن نشير إلى بعض السياسات التي اتخذها المكوّن العسكري في الحكومة الانتقالية لتطويل بقائه في السلطة ولتنويع مصادر قوّته. ويبدو جليًّا أنه قد نجح في ذلك واستطاع الانخراط

  1. لمزيد من التفصيل حول العلاقة بين البرهان وإسرائيل، يُنظر: عبد الباقي الظافر، "رحلة البحث عن التطبيع مع إسرائيل.. لماذا طلب البرهان أن يخلد إلى النوم عند العودة من الجزيرة نت أبوظبي؟"،، 2020/9/25، شوهد في 2022/3/13، في: https://bit.ly/3CFeMnZ؛ وكان البرهان قد أوضح لاحقًا أنّ قرار التطبيع مع إسرائيل جاء بعد مشاورات واسعة مع القوى السياسية والمجتمعية التي لم تمانع في هذه الخطوة، وأنّ شركاء الحكم الانتقالي شركاء في إنهاء العداء مع إسرائيل. وكمثال على اعتراض حزب البعث العربي الاشتراكي المشارك في الحكومة الانتقالية، يُنظر: عبد الحميد عوض، "السودان: حزب سوداني شريك في الحكم العربي الجديد يطالب بمحاكمة المشاركين في التطبيع"،، 2020/10/25، شوهد في 2022/3/13، فh يttps://bit.ly/34E9lZH:؛ وتشير المصادر إلى أنّ الولايات المتحدة اشترطت، خلال زيارة وزير خارجيتها مايك بومبيو Pompeo Mike 2021-2018() إلى الخرطوم، تطبيع العلاقات بين الخرطوم وإسرائيل لشطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. ينظر: "بومبيو يجري اتّص لً مع حمدوك بشأن إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب"، سي إن إن عربية، 2020/10/22، شوهد في 2022/3/13، في https://cnn.it/3i4ryCS:؛ وقد زار وزير الاستخبارات الإسرائي، يي إيلي كوهين، والوفد المرافق له، الخرطوم بعد شهر من موافقة حكومة السودان على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وذلك في 26 كانون الثاني/ يناير 2020، في إشارة إلى تاريخ فتح الخرطوم على يد أنصار المهدي عام 1885. ومن اللافت للانتباه أنّ وسائل الإعلام الرسمي في السودان لم تشر إلى تلك الزيارة. وذكر الوزير الإسرائيلي أنّ الوفد قد التقى رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ووزير
  2. يجدر بنا في هذا المقام أن نتذكّر العامل الإقليمي في الحالة السودانية؛ إذ يلاحظ أن القيادات العسكرية الأساسية التي ساهمت في إسقاط حكومة البشير (بن عوف، وحميدتي، والبرهان) كان لها ارتباط مباشر بمعسكر السعودية - الإمارات - مصر، بل إن هذه القيادات كانت تشارك على نحو مباشر في الحرب السعودية - اليمنية، وذلك من خلال إرسال وحدات من الجيش السوداني أو قوات الدعم السريع إلى أرض المعارك.
  3. في خضم النزاع بين السودان وإثيوبيا وأزمة سد النهضة.. اتفاقية جديدة توطد الجزيرة نت التعاون العسكري بين الخرطوم والقاهرة"،، 2021/3/3، شوهد في 2022/4/20، فh يttps://bit.ly/3xFF60B: 42  " تستمر 5 أيام.. انطلاق مناورات 'حماة النيل' العسكرية بين الجيشين السوداني الجزيرة نت والمصري"،، 2021/5/26، شوهد في 2022/4/20، في: https://bit.ly/3Mm7yJ9
  4. الدفاع ياسين إبراهيم، وتناول اللقاء قضايا دبلوماسية وأمنية واقتصادية. والجدير بالذكر أنّ السودان قد وقّع الوثيقة الإبراهيمية في السادس من كانون الثاني/ يناير.2021

في التحالف الإقليمي الذي تقوده الإمارات والسعودية ومصر. ويبدو من الواضح أيضًا أن قائد المكوّن العسكري، الفريق البرهان، استطاع أن يبرهن لحلفائه في الإقليم على أنّه "الرجل القويّ" الذي لا غنى لهم عنه في المحافظة على مصالحهم. وفيما يلي، سننظر في المكوّن المدني إنْ كان يسعى بدوره إلى الهدف ذاته، أو أنه جادٌّ في التحوّل إلى الديمقراطية.

3. معوّقات من صنع الشريك المدني

بما أن الشريك المدني في الحكومة الانتقالية يضم تنظيمات سياسية متعدّدة، ويسعى كلّ منها نحو أهداف خاصة به، فلا مجال للحكم عليه بوصفه جسمً سياسيًّا واحدًا. لكنّ هذا لا يمنع القول إنّ هناك أسبابًا أيديولوجية وعملية تجعل هذه التنظيمات ترغب في تمديد الفترة الانتقالية وعدم الرغبة في إجراء انتخابات عامة، متّفقة في ذلك مع المكوّن العسكري في الحكومة الانتقالية. ورأس هذه الأسباب أنّ بعض هذه التنظيمات ذو توجّه أيديولوجي لا يتّسق مع الديمقراطية، فحزب البعث مثلً يتبنى مفهومًا للديمقراطية "يختلف عن الديمقراطية المعرّفة بالألف واللام، ويستخدم للدلالة على ذلك مصطلحات معيّنة مثل الديمقراطية الشعبية، وديمقراطية المشاركة والإنجاز"43. أمّا الحزب الشيوعي، فهو أيضًا يتردّد في مسألة العودة إلى الديمقراطية لاعتبارات أيديولوجية، إذ يَُلَ حَظ أنه ظلّ يتساءل منذ أواسط الستينيات عن جدوى الديمقراطية الليبرالية، مشيرًا إلى ضعف الأساس الاجتماعي للبرلمانية الغربية تارةً، نتيجة للوزن القويّ للقطاع التقليدي السوداني، وداعيًا إلى ديمقراطية جديدة يُقيَّد فيها نشاط الفئات المعادية للثورة الديمقراطية تارةً أخرى44. واتّساقًا مع هذا الموقف صار ينادي بما أسماه "ديمقراطية المجتمع"، حيث يكون للجماهير دور أصيل في وضع السياسات واتخاذ القرارات، وذلك لكي يتحقق التحوّل الديمقراطي الحقيقي. أما السبب العملي، الذي يجعل هذه التنظيمات تتجنّب الانتخابات، فهو أن أي عملية انتخابية ستفتح نافذة تلِجُ منها القوى السياسية غير المرغوب فيها، ولا سيما حزب الأمة والحزب الاتحادي أو القوى الإسلامية التي كان يعتمد عليها النظام السابق وبعض القوى الاجتماعية التقليدية؛ إذ إن أغلب هذه الأحزاب الصغيرة التي تسيطر على المشهد السياسي في الوقت الرّاهن، خاصّة حزب البعث السوداني والحزب الوحدوي الديمقراطي الناصري والحزب الشيوعي السوداني، ستتضاءل أو تفقد وجودها كليًّا في حال قيام انتخابات حرة؛ وذلك ما جعل الإمام الصادق المهدي، رئيس حزب الأمّة، يهدّدها ب "ورقة الانتخابات"، ويذكّرها بأن حزبه قد نال أكثرية المقاعد في كلّ الانتخابات التي قامت في السودان، وأنّه في حال حدوث أيّ "كاني ماني" (تلاعب) فإنه سيدعو إلى انتخابات مبكِّرة45. وبناءً على هذا، صارت المجموعات السياسية الصغيرة تبحث عن "ديمقراطية مضمونة العواقب"؛ بمعنى ألّ تُجرى انتخابات إلّ حينما تضمن الفوز فيها، ولذلك فهي تعمل على تطويل الفترة الانتقالية، وتشترط ألّ تقام انتخابات إلّ بعد عمليات تصفيةٍ للنظام القديم تشمل إعادة هيكلة الأجهزة العسكرية والأمنية وتحقيق السلام. ولكن بالنظر إلى أنّ هذه العمليات تستغرق وقتًا طويلً، وأنّ "الوقت" هو ما تحتاج إليه هذه المجموعات لتُعزّز وجودها في السلطة والمجتمع، فإنه ليس من المستبعد أن تتوافق مع المكوّن العسكري بشأن تمديد الفترة الانتقالية إلى أطول مدّة ممكنة46. ومع أن الحزب الشيوعي ظلّ يدعم هذا التوجّه، ويؤيِّد عمليات "تصفية النظام السابق"، ويتردّد في مسألة العودة إلى الديمقراطية،

  1. عبد العزيز حسين الصاوي، 43 دراسة نظرية وتطبيقية في تاريخ السودان الحديث: حزب البعث (الخرطوم: دار عزة للنشر، 2016)، ص.7
  2. كمال الجزولي، الشيوعيون السودانيون والديمقراطية (الخرطوم: دار عزة للنشر، 2003)، ص 80-79. للاستزادة بشأن مفهوم الديمقراطية في الفكر الماركسي، يُنظر: Crawford Brough Macpherson, The Real World of Democracy (Oxford: Oxford University Press,1966), pp. 13-17.
  3. كاني ماني الإمام.. الصادق المهدي يطالب بإعطاء حزبه أغلبية اختيارات ولاة الولايات.. ماذا قال ولماذا يعتقد ذلك؟ الإجابة في الفيديو.. # فيديو_بوست # زول_بوست"، فيسبوك، 2020/1/13، شوهد في 2022/3/13، في: https://bit.ly/3J9R6KM
  4. ذكر السيد مبارك الفاضل رئيس حزب الأمة، في مخاطبة عامة، أن قائدًا عسكريًّا في مجلس السيادة أبلغه عن عرضٍ تقدّمت به قوى إعلان الحرية والتغيير لتمديد الفترة الانتقالية.10 سنوات

فإن كلّ ذلك لم يقلّل من حدّة الخلاف الذي بدأ في الاتساع بينه وبين هذه التنظيمات، ولم يمنعه من الانسحاب من تجمّع المهنييّن ومن قوى الحرية والتغيير؛ إذ جاء في تقارير اللجنة المركزية للحزب أنّه قد توصّل إلى أنّ "حكومة الفترة الانتقالية بشقّيها العسكري والمدني تنتهج طريق الهبوط الناعم، وتتبنى ذات السياسات للنظام البائد التي تخدم مصالح فئات الرأسمالية الطفيلية والارتباط بقوى إقليمية ودولية لا مصلحة لها في تقدّم الثورة، وتتآمر لإجهاضها حفاظًا على مصالحها في السودان والمنطقة عمومًا لنهب الموارد والثروات، واستخدام موقعه الجيوسياسي في التحكم على شعوب ودول المنطقة وسواحل البحر الأحمر للتحكم في الطريق التجاري والدولي، والدفع بالسودان للسير على ذات المسار السياسي الذي قاد إلى تخلف الوطن وفقر الشعب، والخضوع لإملاءات القوى الخارجية والدوران في فَلك الرأسمالية العالمية ونفوذها في خدمة مراكمة ومركزة رأس المال في بلدانها على حساب الشعب والوطن"47. وما كان للحزب الشيوعي أن يتّخذ مثل هذا الموقف الراديكالي لولا تخوّفه الشديد من اتفاقية جوبا للسلام التي وقّعتها الحكومة الانتقالية مع بعض الحركات المسلّحة48؛ وذلك لأن الحزب لا يرى فيها إلّ انتصارًا للمكوّن العسكري في الحكومة، ولأنه يرى أنّ الحركات المسلّحة التي وقّعت الاتفاقية ذات توجهات إسلامية سابقة مثل حركة العدل والمساواة. وبناءً على هذا، سارع الحزب إلى التقارب مع الحركة الشعبية شمال برئاسة عبد العزيز الحلو، وهي حركة ذات توجّه يساري يتوافق مع توجّهات الحزب الشيوعي ومواقفه، فوقّع الحزب والحركة، في أيلول/ سبتمبر 2020، اتفاقًا مناوئًا لاتفاقية جوبا أكّدا فيه التمسّك باختيار الثورة في رفض أيّ مساومة أو تسوية نادى بها مشروع الهبوط الناعم، والإصرار على ضرورة إسقاط النظام البائد، وتفكيك ركائز الرأسمالية الطفيلية وتصفية نظامها، والشروع في وضع لَبنات سودان جديد يقوم على منهج سياسي اجتماعي يحقّق ديمقراطية حقيقية، واقتناعًا باستمرار جذوة الثورة متّقدةً. وأكّدا في البيان "إنجاز التغيير الجذري وصنع سودان جديد"، وإصلاح مسار الفترة الانتقالية لتقوم على ديمقراطية لا تتجزّأ عن ديمقراطية المجتمع القائمة على النشاط الجماهيري القاعدي؛ خارج الأطر التنظيمية الرسمية، وعبر المنابر الديمقراطية والمستقلّة التي أبدعتها، وتُبدعها مستقبلً، الجماهير لانتزاع حقوقها والمشاركة في صنع القرار ومتابعة التنفيذ49. وترتّب على هذه الاستراتيجية أنْ صار الحزب الشيوعي يتبنى سياسة المشاركة في الداخل والمعارضة من الخارج، حيث يدفع بعدد من المنتسبين إليه للمشاركة في إدارة الحكومة الانتقالية، في حين أنه يعمل من الخارج على إسقاطها متخلّيًا عن تجمّع المهنييّن ومنسحبًا من قوى إعلان الحرية والتغيير، حتى وصفه بعضهم بأنّه "الحاكم الخفي "50. إنّ هذه المواقف والمفاهيم ذات الطابع الأيديولوجي الراديكالي لا تختلف في شيء عن نموذج الأحزاب اللينينية التقليدية، التي تستبعد أيّ مجموعة سياسية تتبنى رؤية بديلة للمجتمع وتسعى للحصول على السلطة عن طريق الانتخابات الدورية وفقًا للطريقة الديمقراطية المعهودة، وقد يجد مثل هذا الطرح قبولً من قواعد الحزب ومناصريه إلّ أنه طرحٌ لا يعزز التحوّل إلى الديمقراطية. لعلّه بات من الواضح أن أيًّا من المكوّنين العسكري والمدني لا يرغب في الانتقال إلى الديمقراطية، ولا يتبقّى في هذه الحالة إلّ العوامل الخارجية، فهل ستؤدي القوى العالمية والاقتصادية دورًا مهًّمًّ في دفع الحكومة الانتقالية نحو التحوّل الديمقراطي كما توقّع نموذج ستيبان؟

رابعًا: القوى الخارجية والانتقال الديمقراطي

لقد أشار ستيبان، في نموذج الانتقال الذي نتحدّث عنه، إلى بعض الحالات الأوروبية التي نُقلت بنجاح إلى الديمقراطية عن طريق "الغزو العسكري الخارجي"، أي ما قام به الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية بشأن فرض النظام الديمقراطي على ألمانيا وإيطاليا، ولكنه سرعان ما أوضح أن تلك التجربة خاصة، وأنها غير قابلة للتكرار، مقدّرًا أنّ أغلب عمليات الانتقال إلى الديمقراطية كانت منذ الستينيّات من القرن الماضي، وأنها ستظل في المستقبل المنظور عملياتٍ تؤدّي فيها القوى الاجتماعية والسياسية الداخلية دورًا أساسيًّا، وأنه لن يكون للقوى العسكرية الخارجية دور في ذلك الانتقال، غير أنه يقدّر أنّ القوى العالمية والاقتصادية والتكتلات السياسية ستظل تؤدّي دورًا مهًّمًّ. انتهى ستيبان إلى هذه الخلاصة في عام 1986، ولكن بعد أقل من عقدين من الزمان بدأنا نشاهد محاولات فرض الديمقراطية عن طريق "الغزو العسكري الخارجي" تتكرّر في العراق عام 2003،

  1. دورة اللجنة المركزية يناير 2021 م - الورقة السياسية 4/5(")، الحزب الشيوعي 2021/2/27 في شوهد،،، Sudanese Communist Party-SCP فيسبوك السوداني
  2. اتفاق جوبا للسلام في السودان: تحدّياته وفرص نجاحه"، تقدير موقف، المركز العربي
  3. 2022/4/20، في https://bit.ly/37A7xCp:
  4. للأبحاث ودراسة السياسات، 10 كانون الأول/ ديسمبر 2020، ص 3، شوهد في 2022/3/13، فh يttps://bit.ly/3I7e8k6: 49  " اتفاق سياسي بين الحزب الشيوعي والحركة الشعبية الحلو"، سوداني بوست -، شوهد في 2022/3/13، في https://bit.ly/3t2O3hL: 50 ياسر محجوب الحسين، '"الشيوعي' السوداني.. الحاكم الخفيّ المتلوّن"، الشرق، 2020/1/18، شوهد في 2022/3/13، في: https://bit.ly/3CHmu0D؛ محمد علي.

وفي أفغانستان عام 2001، وفي ليبيا عام 2011؛ ما يجعلنا نتساءل: ما الدور الذي يمكن أن تضطلع به القوى الخارجية في دعم مسار الانتقال الديمقراطي؟ هل ستعمل الإدارة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي في اتجاه الانتقال الديمقراطي في السودان؟ هذا ما نحاول التعرض إليه فيما يلي.

1. دول الاتحاد الأوروبي والانتقال إلى الديمقراطية

تبدي مجموعة دول الاتحاد الأوروبي اهتمامًا أكثر بالشأن السوداني، ولها حضور ملحوظ في ساحته السياسية من خلال بعثاتها وسفرائها، ويعود اهتمام هذه الدول بالسودان إلى أسباب جيوسياسية وأمنية، ذلك أنّ السودان له - بحسب تقديرها - تأثير مباشر في القرن الأفريقي والبحر الأحمر وأفريقيا والشرق الأوسط، وأن الأمن في جميع هذه المناطق ينعكس بشكل مباشر، وغير مباشر، على أمن دول الاتحاد الأوروبي وسلامتها، ولهذا فإن هذه الدول تدعم انتقال الشعب السوداني إلى نظام ديمقراطي يوفر السلام والاستقرار في المنطقة. مع ملاحظة أن هذه الدول في حال تعاملها مع الوضع في السودان لا تهتم إلّ بمسألتين: محاربة التطرّف والإرهاب، ووقف عمليّات النزوح والهجرة غير الشرعية إلى الدول الأوروبية. ولتحقيق ذلك، تحتاج إلى حكومات قوية تقوم بدور الحارس الحدودي، وتحافظ على الأمن والاستقرار في المنطقة. ولذلك، ليس من المستغرب أن ينصبّ اهتمام بعثة الاتحاد الأوروبي في السودان على المؤسسة العسكرية، وعلى مستوى التعليم الذي تقدّمه للطلاب ومحتواه؛ من أجل "بناء جيل جديد ومختلف من المهنييّن للسودان وللمنطقة"51، وهو ما يستدعي التحوّل بالمنظومة التعليمية للعسكريين حتى تضمن "مكافحة الإرهاب والاتجار بالبشر وإدارة الحدود ومكافحة التهريب وفضّ النزاعات وحفظ وبناء السلام"52. وكلّ هذا يعني أن دول الاتحاد الأوروبي حينما تتحدث عن مساعدة السودان في عملية "الانتقال إلى الديمقراطية" إنما تقصد، ضمن أشياء أخرى، إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية السودانية، وتغيير محتواها التعليمي، بحيث يمكنها أن تعمل لصالح هذه الدول ولخدمة أهدافها في المنطقة. وفي هذا الإطار، فإن الهدف الاستراتيجي هو ألّ تتُرك الثورةُ السودانية لتنجَح نجاحًا كاملً فتعزّز بذلك موجة الربيع العربي، وألّ تتُركَ ليصيبها فشل كامل فينزلق السودان في حروب أهلية ويصبح مصدّرًا لزعزعة الأمن في المنطقة. ولتحقيق ذلك، تبنّى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في حزيران/ يونيو 2020، بالإجماع القرار رقم 2524 الذي تقدمت به بريطانيا وألمانيا، والذي يقضي بإنشاء بعثة للمساعدة في الفترة الانتقالية53. وجاء في حيثيات القرار أن البعثة تهدف إلى "المساعدة في تحوّل البلاد إلى حكم ديمقراطي"، وتعزيز حقوق الإنسان، والسلام المستدام وتنفيذ اتفاقات السلام54. وفي أول تقرير لفولكر بيرتس Perthes Volker، رئيس البعثة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان يونيتامس UNITAMS، في مجلس الأمن، ذكر أنّ الأهداف الاستراتيجية الأربعة للبعثة هي: دعم الانتقال السياسي، ودعم عمليات السلام وتنفيذ اتفاقاته، وبناء السلام، وتعبئة الموارد الخارجية. ثم صرّح لاحقًا بأنه يتطلّع إلى العمل مع الأمم المتحدة وشركائها لدعم الانتقال السلمي إلى الديمقراطية وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 2524. لكن باستثناء هذه التصريحات، ليس متوقّعًا، في تقديرنا، أن يقدم الاتحاد الأوروبي على اتخاذ خطوة عملية حاسمة تسرّع الانتقال نحو الديمقراطية في السودان.

2. الولايات المتحدة والانتقال إلى الديمقراطية

من اللّ فت للانتباه أنه بعد أن تحقّق لإدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب Trump Donald 2021-2017() ما كانت تريده من السودان (الانضمام إلى منظومة الدول العربية الموقّعة اتفاقيات السلام مع إسرائيل)، لم تعد تضغط على الحكومة الانتقالية من أجل الانتقال نحو النظام الديمقراطي. وحينما أصدر الكونغرس الأميركي "قانون الانتقال الديمقراطي في السودان والمساءلة والشفافية المالية للعام 2020"، لم يقابل من الرئيس ترامب إلّ بحقّ النّقض. ولكن نظرًا

  1. تناولت الصحف زيارة رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي روبرت فان دن دول Robert Van Den Dool وسفراء الاتحاد الأوروبي لدى السودان لأكاديمية نميري العسكرية العليا في مدينة أم درمان، حيث قال رئيس البعثة: "نحن مهتمون جدًّا بفهم مستوى ومحتوى التعليم المقدّم في هذه المؤسسة الرئيسة لطلّ بها، والتحوّل التعليمي الجاري ليشمل حقوق الإنسان والقانون الدولي والإنساني الذي يؤدّي إلى بناء جيل جديد ومختلف من المهنييّن
  2. هذا ما ذكره اللواء الركن عز الدين عثمان طه، مدير الأكاديمية مرحّبًا بسفراء الاتحاد
  3. للسودان وللمنطقة." وأكّد أن الاتحاد الأوروبي لم يزل داعمً قويًّا لانتقال الشعب السوداني إلى ديمقراطية حقيقية بوصفه منارة للسلام والاستقرار في المنطقة. ينظر: "السفير روبرت فان: أمن السودان مهم جدًّا بالنسبة للاتحاد الأوربي"، وكالة السودان للأنباء "سونا "، 2021/3/3، شوهد في 2022/3/13، في https://bit.ly/35QVFuU:
  4. الأوروبي، مؤكّدًا لهم أنّ الأكاديمية بصدد تطوير "المنظومة التعليمية" في المرحلة القادمة للدارسين العسكريين والمدنيين لتضمن مكافحة الإرهاب والاتجار بالبشر وإدارة الحدود ومكافحة التهريب وفضّ النزاعات وحفظ وبناء السلام، يُنظر: المرجع نفسه. 53 الجدير بالذكر أن هذا القرار سبقه خطاب من رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك في 27 كانون الثاني/ يناير 2020، إلى السكرتير العام للأمم المتحدة يطلب فيه أن تسعى الأمم المتحدة إلى الحصول على ولاية من مجلس الأمن لإنشاء عملية لدعم السلام بموجب الفصل السادس. يُنظر: "السودان يطلب من مجلس الأمن إنشاء بعثة خاصة لدعم وكالة الأناضول السلام"،، 2020/2/9، شوهد في 2022/3/13، في: https://bit.ly/3tWJi8V 54 الأمم المتحدة، أخبار الأمم المتحدة، "مجلس الأمن يقرر إنشاء بعثة أممية جديدة في السودان، ويمدّد مهام بعثة يوناميد حتى نهاية العام الحالي"، 2020/6/4، شوهد في 2022/3/13، في https://bit.ly/3i4ujEe:

إلى أن القانون قد أ جيز في المجلس بأغلبية الثلثين، فقد صار مُلزمًا للإدارة الجديدة. فهل تسعى إدارة الحزب الديمقراطي تحت قيادة الرئيس جو بايدن Biden Joe 2021() إلى أن تحرّك "قانون الانتقال الديمقراطي" فتدفع في اتجاه التطوّر الديمقراطي في السودان؟ أم أنّها ستتبنى الخط السياسي الذي تتّبعه دول التحالف الثلاثي (السعودية والإمارات ومصر) تجاه السودان، وهو خط يهدف إلى صناعة نظام سياسي على صورتها؟ لا يمكن أن تكون الإجابة قاطعة في هذا الأمر؛ لأن الأسلوب الذي اتّبع في صياغة القانون يوحي بأن المشرّع أراد أن يترك الباب مواربًا، فإذا شاءت الإدارة أن تضغط في اتجاه الانتقال الديمقراطي فإن القانون يسمح بذلك، وإذا شاءت أن تضغط في اتجاه الإصلاح الاقتصادي ومحاربة الفساد فهو يسمح بذلك أيضًا؛ ذلك أنّ القانون يدعو إلى حماية حقوق الإنسان، والمحاسبة على الانتهاكات، ومساءلة قوى الأمن والمخابرات، وبسط سلطة القانون والحكم الديمقراطي، ودعم البرامج الهادفة إلى تقدّم النمو الاقتصادي، ودعم إنتاجية القطاع الخاص، وتعزيز فرص السلّام والاستقرار على نحو طويل المدى، واستغلال الموارد الطبيعية، وانتقال الحكم انتق لً سلسًا، وتقوية مؤسسات الدولة، والشفافية المالية ومحاصرة الفساد. يبدو واضحًا م ذكر أنّ هناك توجّهًا من المجتمع الدولي (الأوروبي - الأميركي) لدعم الانتقال إلى الديمقراطية في السودان وتأمين الدعم الاقتصادي لتلك العملية. لكن من الواضح أيضًا أنّ دعم المجتمع الدولي تقابله مطالب؛ مطلبٌ أوّل لا خلاف عليه بين شركاء الداخل والخارج، وهو يتمثّل في تفكيك المؤسسات الأمنية والعسكرية التي أقامها النظام السابق، ثم إعادة هيكلتها؛ بحيث يمكن أن تعمل لخدمة أهداف التحالف الأوروبي - الأميركي وشركائه في المنطقة، أما المطلب الثاني فله شقّان: شقّ سياسي يتعلّق بنقل السلطة من الجناح العسكري في الحكومة الانتقالية إلى الجناح المدني، وهذا ما يصعب على العسكريين وحلفائهم الإقليمييّن تنفيذه، وشقّ اقتصادي يتعلّق بالخضوع لتوصيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (خاصة رفع الدعم الحكومي عن السّلع وتخفيض العملة المحلّية)، وهذا ما يصعب على الشّعب تحمّله، بل إنه قد يؤدّي إلى انتفاضة شعبية أخرى تطيح كلّ أملٍ في الانتقال إلى الديمقراطية؛ ما يعني في الحصيلة النهائية أن عملية الانتقال إلى الديمقراطية ستظلّ منقوصة.

خامسًا: ملاءمة نموذج ألفرد ستيبان للحالة السودانية

قد يكون من المناسب أن نعود إلى ما طرحنا من أسئلة في بداية البحث، لنرى إذا كان نموذج الانتقالويين قد أفادنا في الإجابة عنه. إن القدرة التفسيرية للنموذج في صورته التي صاغها ستيبان تبدو واضحة وقوية في بعض الجوانب، ولكنها تتقلص في جوانب أخرى. توقّع ستيبان في نموذجه أنّ القوى الاجتماعية والسياسية في الداخل ستؤدّي دورًا أساسيًا في أغلب عمليات الانتقال إلى الديمقراطية، لا سيما حينما يقع تغيير في داخل النظام السلطوي، وهذا ما يتطابق إلى حدّ بعيد مع الحالة السودانية، فالتغيير جاء أولً بفعل مجموعة في قمة المؤسسة العسكرية والأمنية داخل النظام، وجاء ثانيًا متجاوبًا مع ضغوط شعبية تنسّقها جبهة سياسية عريضة55؛ إذ لا سبيل إلى إنكار أن "اللجنة الأمنية"، التي تحوّلت إلى المجلس العسكري وصارت شريكًا في الحكومة الانتقالية، قد جاءت من داخل النظام. فالفريق عبد الرحمن البرهان كان هو المفتّش العام للقوات المسلّحة، والفريق عوض بن عوف كان نائبًا أوّل لرئيس الجمهورية ووزيرًا للدفاع، والفريق محمد حمدان دقلو كان قائدًا لقوات الدعم السريع التي كانت بمنزلة القوة الخاصة للنظام، أمّا الفريق صلاح قوش، الذي يعتبر المخطِّط والمنفِّذ للعملية الانقلابية ضد حكومة الإنقاذ، فقد كان واحدًا من ركائز الأجهزة الأمنية في نظام البشير على امتداد سنوات طويلة56. وتوقّع ستيبان في نموذجه أنّ العناصر القيادية العليا في داخل النظام لن تبادر إلى التغيير إلّ حينما تشتدّ القوى المعارضة في مطالبها، وحينما يراود هذه العناصر القيادية العليا أملٌ في أن تظل فاعلة في الحياة السياسية المقبلة. وهذا أيضًا يتوافق مع الحالة السودانية؛ فلولا أنّ العناصر الفاعلة في القيادة العسكرية والأمنية قد أحست بقوة المعارضة الشعبية، ولولا أنّ بعض هذه العناصر، ولا سيما الفريق البرهان والفريق حميدتي، كانت تطمع في تأمين سلامتها الشخصية وتأمين مصالح حلفائها الإقليميين، لما أقدمت على الانخراط في المسار الثوري الجديد. ثمّ إنّ نموذج ستيبان قد أبان أنّ نجاح القوى المعارضة في تكوين تحالف واسع لا يضمن استمرار ذلك التحالف؛ إذ سرعان ما تنحلّ التحالفات وتفقد القدرة على العمل المشترك، ما لم تتوافر لها قيادات ذات قدرات تنظيمية ومرونة أيديولوجية تؤهّلها لإجراء المساومات الكبرى اللازمة. وقد تطابقت هذه الرؤية تمامًا مع الحالة السودانية؛ إذ رأينا كيف أنّ تجمّع المهنييّن قد تهاوى، وأنّ تحالف إعلان قوى الحرية والتغيير قد ظل يعاني الانقسامات والتشظي، ثمّ رأينا أنه لم تكن لقادة هذه الأحزاب

  1. إنّ الحديث عن دور المجموعة الأمنية والعسكرية في التغيير لا يقلل من دور الحراك الجماهيري الضخم الذي شاركت فيه قطاعات اجتماعية وكيانات سياسية تشمل الشباب والمهنيين والأحزاب السياسية. للاستزادة بشأن هذا الحراك الشعبي، يُنظر: "ثورة ديسمبر: السياقات والفاعلون"، ص.4-1
  2. الجدير بالذكر أنه أ قيل عام 2009 من الجهاز، على نحو مفاجئ، وعُيّ مستشارًا قيل مرة أخرى عام للشؤون الأمنية. ثمّ إنه أ 2011، واعتُقل عام 2012 بتهمة المشاركة في فرج عنه بعفو رئاسي عام محاولة انقلابية. وقد أ 2013 (بعد قضاء سبعة أشهر في السجن)، عيد، على نحو مفاجئ، إلى الجهاز في ثمّ أ 11 شباط/ فبراير.)2018

والمجموعات قدرات تنظيمية، أو مرونة أيديولوجية، تؤهلهم لإجراء المساومات التي لا تتحقق التحالفات الكبرى من دونها. غير أن الحالة السودانية تخالف النموذج من حيث إنها شهدت تقاربًا بين القوى الساعية لإسقاط النظام، ولكن من دون أن يتبلور ذلك التقارب إلى انتقال منظور إلى الديمقراطية، سواء كان ذلك من جهة القوى الاجتماعية والسياسية، كما توقّع نموذج ستيبان، أو من جهة المجموعة الأمنية-العسكرية التي خرجت على النظام. أما التنافر الأشد وضوحًا بين الحالة السودانية والنموذج فيتجلّ في جانبين. فالأول مفاده أنّ القوى السياسية المعارضة لم تدخل في مساومة مع المكوّن السياسي المدني في الهرم القيادي الذي تغلب عليه العناصر الإسلامية، بل دخلت في مساومة مع المكوّن الأمني - العسكري، وهو مكوّن لا تدعمه مؤسسة سياسية فاعلة وليست له جذور اجتماعية راسخة؛ ما يشير إلى أن هذه ليست من أنماط التحالفات السياسية الكبرى التي قد ينتظر منها أن تنجز عملية التحوّل الديمقراطي. أمّا الثاني، فهو متعلق بجوانب التنافر؛ فالثورة السودانية، وإن وجدت تأييدًا من القيادات العسكرية والأمنية العليا في داخل النظام، كحالة إسبانيا مثلً، فإنّ موقف تلك القيادات لم يكن صادرًا عن "إرادة إصلاحية" مستقلّة على غرار التجربة الإسبانية في مرحلة ما بعد فرانكو 1975؛ فبعد موته، انتقلت إدارة الدولة إلى خلفه خوان كارلوس في تشرين الثاني/ نوفمبر 1975، فأصبح ملكًا يتمتّع بكامل الصلاحيات الدستورية والإمكانات المادية، وقد اختار بنفسه أن يقود التحوّل الديمقراطي وصار بذلك بمنزلة الآلة المحرّكة للتغيير. ثم اختار غونزاليز أحد رجال الحرس القديم، ليكون رئيسًا للوزراء، وقد استطاع غونزاليز، معتمدًا على خبراته السياسية، أن يجد الطريق سالكًا إلى المؤسسة البيروقراطية في الدولة، في حين كان كارلوس في الجهة الأخرى يتمتّع بثقة المؤسسة العسكرية والأمنية، فاستطاع الاثنان أن يقودا عملية التحوّل إلى الديمقراطية بقدر كبير من المهارة والسلاسة. وقد صارت تلك واحدة من حالات قليلة يقع فيها الانتقال من نظام سلطوي قابض إلى نظام ديمقراطي (تعدّدي - برلماني) عن طريق "الإصلاح من أعلى الهرم"، من دون حرب أهلية، أو ثورة شعبية، أو تدخّل عسكري خارجي57. أما في الحالة السودانية، فلا توجد مقارنة من هذا الوجه، إذ إنّ الرئيس البشير لم يُغادر السلطة بسبب الموت الطبيعي كما حدث لفرانكو، والفريق البرهان لم يصعد إلى السلطة بوصفه وريثًا شرعيًّا للنظام السابق وفقًا للدستور كحال ملك إسبانيا خوان كارلوس Carlos Juan 2014-1975()، بل آلت إليه السلطة بموجب "خطّة" وضعها فاعلون إقليميون (المحور الإماراتي - السعودي - المصري)، وهو محور مناهض للديمقراطية ويعمل جاهدًا على عرقلة أي تحوّل نحوها في الدول العربية58، ثمّ آلت إليه (ظاهريًّا) بموجب وثيقة دستورية جديدة توصّل إليها مع القوى السياسية المعارضة. أمّا رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، فلم يأتِ من داخل النظام السابق، بل جيء به من الخارج، ولم تكن له قدرة، أو خبرة، في تحريك مؤسسات الدولة، أو التواصل مع القوى السياسية والمجتمعية كما كان يفعل سواريز غونزاليز في إسبانيا. وهكذا، فإن الحالة السودانية تكشف لنا عن وجه من القصور في نموذج

ستيبان، وهو أنه لا يلقي ب لً إلى كل ما صدر عن "نظريات التبعية"، ثمّ إنه لا يضع اعتبارًا كبيرًا لما يمكن أن يكون من تأثير للقوى الخارجية (على نحو مباشر، أو غير مباشر) في أيّ عملية من العمليّتين: عملية إسقاط النظام، وعملية الانتقال إلى الديمقراطية. لقد أشار عزمي بشارة إلى هذا القصور حيث قام بتتبّع الدور الذي تؤدّيه العوامل الخارجية في عملية الانتقال إلى الديمقراطية (على المستوى العالمي)، مبيّنًا عجز نموذج الانتقالويين في عدد من الحالات بما فيها الحالة العربية، ومؤكّدًا أنّ البيئة الإقليمية هي أحد العناصر التي تعقّد الانتقال إلى الديمقراطية فّي العالم العربي60. إنّ ما رآه بشارة وعرضه من حالات عالمية أدّى فيها العامل الخارجي دورًا حاسمً في تسريع الانتقال إلى الديمقراطية أو تعويقه قد رأينا مثلها تمامًا في دراسة الحالة السودانية، إذ إنّ العامل الخارجي (الإقليمي) قد أدّى دورًا حاسمً في إسقاط النظام، وظلّ يضطلع بدور حاسم أيضًا في تعويق المسار الديمقراطي، بل يمكن القول

  1. Eric Solste & Sandra W. Meditz (eds.), Spain: A Country Study Washington: GPO for the Library of Congress, (1988).
  2. عزمي بشارة، "ملاحظات عن العامل الخارجي في الانتقال الديمقراطي"، 58 سياسات عربية، العدد 38 (أيار/ مايو 2019)، ص.24-7 59 المرجع نفسه.

إنّ العامل الإقليمي لم يعد (في حالة السودان) عاملً خارجيًّا بقدر ما صار واحدًا من أهم الفاعلين السياسييّن في الداخل. ويلزم، في هذا السياق، أن نتساءل أخيرًا بشأن نموذج ستيبان: إذا افترضنا أنّ الحكومة الانتقالية لا ترغب في الانتقال إلى الديمقراطية، أو لا تقدر عليه، فهل ستتحوّل إلى نظام سلطوي جديد؟ أم أنّها ستنهار وتفتح الباب للفوضى والحرب الأهلية؟ إنّ النموذج في صورته الأولى عام 1986 لا يقدّم إجابة مرضية؛ ما جعل ستيبان ينشر في عام 2013، أي بعد أكثر من خمس وعشرين سنة من مبحثه الأوّل، دراسة بعنوان "نظرية الدمقرطة والربيع العربي"، وقد تساءل فيها عمّ يجب تعديله من مفاهيم، وعمّ يجب استحداثه من مرئيات جديدة يحتاج إليها الباحثون لاستيعاب ما وقع إبان ثورات الربيع العربي وبعدها، وقد كان من اللّ فت للانتباه في دراسته التعديل الكبير (أو التراجع) الذي أجراه في نموذج الانتقال، إذ صار إلى القول إنّ عملية "الانتقال" قد لا تكون من نظام سلطوي إلى نظام ديمقراطي (كما تصوّر سابقًا)، بل إنها يمكن أن تكون من نظام سلطوي إلى نظام "هجين" يمزج بين عناصر سلطوية، 61 Authoritarian-democratic Hybrid ديمقراطية وأخرى موضّ حًا أنه في مثل هذا النظام يعتقد الفاعلون الأساسيون أنهم سيفقدون المشروعية والتأييد الشعبي ما لم يحتضنوا بعضًا من سمات الديمقراطية (كإجراء الانتخابات)؛ ولكنهم يعتقدون في الوقت ذاته أنّ عليهم الاحتفاظ بقدر من السلطة يسمح لهم بالتحكّم في القطاعات الرئيسة للنظام الجديد؛ بحيث يكون في إمكانهم تحقيق أهدافهم، ولكن مع الاحتفاظ بالتأييد الشعبي62.

خاتمة

لا شكّ في أن هذا الموقف الجديد الذي طوّره ستيبان سيكون مخيّبًا لآمال دعاة الانتقال إلى الديمقراطية، ولكنه سيجد ترحيبًا من النظم السلطوية في الإقليم العربي، ثمّ إنه سيصادف هوى في نفوس كثير من صنّاع القرار الأوروبي - الأميركي، خصوصًا أولئك الذين يحسّون بحرج أخلاقي ومعارضة شعبية في مجتمعاتهم وهم يدعمون نُظمً سلطوية تنتهك حقوق الإنسان، ولكنهم يقدّرون من ناحية أخرى أن سقوط تلك النُّظم يهدد مصالحهم في المنطقة. ولذلك، فليس من المستبعد أن يكون الهدف المتّفق عليه بين تلك القوى الدولية وشركائها السلطويين في الإقليم هو انتقال السودان إلى النظام "الهجين"؛ بحيث تبقى عناصر النظام السلطوي القديم مُمسكة بمفاصل السلطة، مع المحافظة على الحد الأدنى من الديمقراطية. وفي هذا الإطار، يمكن القول إنّ التحالف العسكري - المدني الحاكم سيجد دعمً من الولايات المتحدة ومن دول الاتحاد الأوروبي (ومن حلفائهم الإقليميين) يمكّنه من تفكيك مؤسسات النظام السابق، واستيعاب عددٍ من الحركات المسلّحة في العملية السياسية، وتعزيز العلاقة مع الدول الإقليمية الثلاث (الإمارات والسعودية ومصر) والانخراط المتدرّج في المنظومة الدولية (الأمنية والاقتصادية)، والتحوّل تدريجيًّا إلى نظام "هجين." أما من ناحية (الداخل) السوداني فستواجه الحكومة الانتقالية تحدّيات صعبة قد لا تؤدّي إلى انهيار الوضع الانتقالي فحسب، بل إنها يمكن أن تؤدّي إلى انهيار الدولة السودانية ذاتها، ويأتي على رأس هذه التحدّيات الوضع العسكري الشاذّ؛ إذ إنّ هناك أربعة جيوش فاعلة على الأرض، فضلً عن الجيوش التي ما زالت خاضعة لقيادة الحركات المسلّحة، مع ملاحظة أن جزءًا من القوات العسكرية والأمنية والشرطية ما زال يدين بالولاء لحزب المؤتمر الوطني63. وفي هذه الحالة، ليس من المؤكّد القول ما إذا كان الشق العسكري في الحكومة الانتقالية قادرًا على التحكّم في هذا الواقع العسكري المعقّد وإعادة هيكلته (وفقًا لما يطلب الحلفاء) أم أنه سيُطاح كما أ طيح نظام الرئيس البشير. أمّا التحدّيات الأخرى فتتعلّق بالشريك المدني في الحكومة الانتقالية، وتتبدّى أولً في تصدّع التحالف السياسي وعجز المجموعات المكوّنة له عن التوافق في صيغة مقبولة للعمل السياسي المشترك، وتتبدّى ثانيًا في العجز عن بناء مؤسسات جديدة للدولة تستطيع أن تؤطّر من خلالها الزخم الثوري وتحوّله إلى واقع، ثمّ إنها تتبدّى ثالثًا في العجز عن معالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة. وللخروج من هذا المأزق ستجد الحكومة الانتقالية نفسها تسير في خطيّن متوازيين: خطّ الانخراط الكامل في منظومة القوى الإقليمية، وهو الخطّ الذي ستسلكه المجموعة العسكرية ومن ينحاز إليها من المجموعات المدنية؛ وخطّ يسير في اتجاه استعادة الثورة الشعبية بتعبئة الطبقات الفقيرة التي تتأهب في كلّ حين للخروج إلى الميادين والتظاهر، وهو خطّ ستسلكه بعض الأحزاب اليسارية (على رأسها الحزب الشيوعي) وكثير من المجموعات الشبابية التي ناصرت الثورة في بداياتها. ولعل هذه الخيارات الصعبة هي ما جعل رئيس الوزراء يبدو أكثر تشاؤمًا وهو يخاطب الشعب السوداني، قائلً: "إن بلادنا تواجه ظروفًا قاسيةً تهدِّد تماسكها ووحدتها، وينتشر فيها خطاب الكراهية وروح التفرقة القبلية، وهذه التشظيات يمكن أن تقودنا

  1. Alfred Stepan & Juan J. Linz, "Democratization Theory and the 'Arab Spring'," Journal of Democracy , vol. 24, no. 2 (April 2013), p. 20.
  2. Ibid.
  3. ثورة ديسمبر: السياقات والفاعلون."

إلى حالة من الفوضى وسيطرة العصابات والمجموعات الإجرامية، كما تساعد على تفشّ النزاعات بين المجموعات السكّانية كافة، ما قد يؤدّي إلى حرب أهلية تقضي على الأخضر واليابس، وهذا الخطر لن يهدّد بلادنا فحسب، بل سيجرُّ كلّ الإقليم إلى حالةٍ من عدم الاستقرار، فأي تهديد للاستقرار في بلد مثل السودان، سيمثل حالة نوعية فريدة لم يسبق لها مثيل على مستوى العالم"64. ويبدو أنّ إشارة رئيس الوزراء إلى "الحرب الأهلية" التي تقضي على الأخضر واليابس لم تكن مجرّد تشخيص للوضع المحلّ بقدر ما كانت رسالة عاجلة إلى المجتمع الدولي (الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة) لمطالبته بالتدخل قبل فوات الأوان، وذلك على منوال رسالته السابقة إلى السكرتير العام للأمم المتحدة التي تدعوه إلى التدخل لحماية الفترة الانتقالية. على أنه إذا كان هناك درسٌ يمكن أن يستفاد من نماذج الانتقال الناجح (كالنموذج الإسباني مثلً)، فهو - كما يقول أحد الباحثين - أنّ المسار الديمقراطي لن يبدأ إلّ باختيار من قبل فاعلين سياسييّن حقيقييّن يتحرّكون في مساحات كافية تسمح لهم باتخاذ القرارات، قيادات سياسية ذات مشروعية وفاعلية، تدعمها مؤسسات سياسية ذات قدرة تنظيمية عالية، وذات جذور في المجتمع. وحينما نتأمل هذه العناصر، سنجد أنّ أغلبها مفقود في الحالة السودانية الراهنة؛ فالفاعلون السياسيون (بشقّيهم المدني والعسكري) لا يتحرّكون في مساحات تسمح لهم باتخاذ القرارات الكبيرة، وليس لكثير منهم مشروعية شعبية أو فاعلية تنفيذية، ولا تدعمهم مؤسسات سياسية ذات قدرة تنظيمية عالية، وليس لأكثرهم جذور في المجتمع. وقد أكّد ستيبان نفسه أن التحوّل إلى الديمقراطية لا يتوقّف على وجود المؤسسات، بقدر ما يحتاج إلى نوع من القادة الذين يلتزمون بالقيم ويمتازون بالمهارة السياسية.

References المراجع

العربية

"اتفاق جوبا للسلام في السودان: تحدّياته وفرص نجاحه." تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2020/12/10 في https://bit.ly/3I7e8k6:. '"ثورة ديسمبر:' السياقات والفاعلون وتحدّيات الانتقال الديمقراطي في السودان." تقارير. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2020/6/2، في https://bit.ly/35TXtn1: بشارة، عزمي. "ملاحظات عن العامل الخارجي في الانتقال سياسات عربية. العدد الديمقراطي." 38 (أيار/ مايو.)2019 الجزولي، كمال. الشيوعيون السودانيون والديمقراطية. الخرطوم: دار عزة للنشر،.2003 الصاوي، عبد العزيز حسين. دراسة نظرية وتطبيقية في تاريخ السودان الحديث: حزب البعث. الخرطوم: دار عزة للنشر،.2016 "الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية بجمهورية السودان." وحدة حساسية النزاعات. 2021/2/19:. في https://bit.ly/35NCBOr

الأجنبية

Encarnacion, Omar G. "Spain after Franco: Lessons in Democratization." World Policy Journal. vol. 18, no. 4 (Winter 2001/2002). Gallopin, Jean-Baptiste. "The Great Game of the UAE and Saudi Arabia in Sudan." Middle East Political Science. at: https://bit.ly/3tSBYLl Huntington, Samuel Phillips. The Third Wave: Democratization in the Late Twenties Twentieth Century. Norman: University of Oklahoma Press, 1991. J. Wiarda, Howard. "Southern Europe, Eastern Europe, and Comparative Politics: Transitology and the Need for New Theory." World Affairs. vol. 164, no. 4 (Spring 2002).

  1. #" 63 السودان # سونا/ خطاب دولة رئيس مجلس الوزراء د. عبد الله حمدوك للأمة السودانية"، يوتيوب، 2021/6/15، شوهد في 2022/3/13، في: https://bit.ly/3tS2IvB
  2. Omar G. Encarnacion, "Spain After Franco: Lessons in Democratization," World Policy Journal , vol. 18, no. 4 (Winter 2001/2002), p. 43.

Macpherson, Crawford Brough. The Real World of Democracy. Oxford: Oxford University Press, 1966. O'Donnell, Guillermo, Philippe C. Schmitter & Laurence Whitehead (eds.). Transitions from Authoritarian Rule: Comparative Perspectives. USA: Woodrow Wilson International Center for Scholars, 1986. Schumpeter, Joseph A. Capitalism, Socialism and Democracy. New York: Harper & Row Publisher, 1942. Solsten, Eric& Sandra W. Meditz (eds.). "Spain: A Country Study, Washington." GPO for the Library of Congress , 1988. Stepan, Alfred & Juan J. Linz. "Democratization Theory and the 'Arab Spring'." Journal of Democracy. vol. 24, no. 2 (April 2013). Tubiana, Jérôme. "The Man Who Terrorized Darfur Is Leading Sudan's Supposed Transition." Foreign Policy (May 2019). at: https://bit.ly/3KEbofB Zielinski, Jakub. "Transitions from Authoritarian Rule and the Problem of Violence." The Journal of Conflict Resolution. vol. 43, no. 2 (April 1999).