إعادة بعث البناء الوطني والمدني في الجزائر من منظور توظيف التاريخ والهوية في زمن الحراك

Salim Chena سليم شنة |

الملخّص

تتناول هذه الدراسة الكيفية التي يقوم بها الحراك في تجديد بناء الدولة والممارسات المدنية في الجزائر المعاصرة. وتلقي نظرة على استعمال التاريخ والهوية في أثناء التعبئة الشعبية لعامي 2019 و 2020. أنتج الحراك عملية تمييز اجتماعي وسياسي مشترك من خ لاا تبادل الخطابات والتمثي تاا حول تاريخ الجزائر في لحظة خلافية سياسية. استعمل الحراك صورًا لشخصيات سياسية سابقة وأحداث ا تاريخية لاقتراح وجهة نظر بديلة لتاريخ الجزائر، التي استولى عليها الشعب. فيما يتعلق بالهوية، فإن الاستعمال الواسع لعلم الأمازيغ وممارسات التضامن في جميع أنحاء التراب الوطني، بعد حظرها غير الرسمي، يدل على ظهور مفهوم تعددي للمجتمع الجزائري. خلصت الورقة إلى أن الجزائريين في طريقهم لتأسيس نظام حكم يتخطى البدائية وعلاقات البطرياركية، وأن أمة المواطنين الحديثة على وشك الظهور. كلمات مفتاحية: الجزائر، الحراك، الهوية الوطنية، الدولة الأمّة. This article examines how the Hirak illustrates a renewal of nation-building and civic practices in contemporary Algeria. To do so, it takes a look at the use of history and identity during the mobilization of 2019 and 2020. The Hirak has produced a joint social and political distinction process through the exchanges of discourses and representations about Algeria's history in a moment of contentious politics; doing so, the Hirak has used portraits of former political figures and historical events to propose an alternate view of Algeria's history, now appropriated by the people. Concerning identity, the widespread use of the Berber flag and solidarity practices throughout the national territory, following its informal ban, shows the emergence of a pluralist conception of the Algerian society. The paper concludes that Algerians are on the way to establish a polity beyond primordialism and patron-client's relationships, and that a modern citizens' nationhood is on the brink of emergence. Keywords: Algeria, Hirak , National Identity, Nation State.

The Revival of National and Civil Reconstruction in Algeria from the Perspective of the Use of History and Identity in the Time of the Hirak

مقدمة

كان الحراك، وتتسمَّى به الحركةُ الديمقراطيةُ والمدنيةُ التي انطلقت في شباط/ فبراير 2019، حركةً تعبويةً نافحت عن رؤيةٍ تعددية للجزائر1، على الرغم من وطأة الظروف المصاحبة، الطارئةِ منها (كالانقطاعات التي حدثت بسبب انتشار جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) عبر العالم برمته)، والبنيوية (عودة القبضة التسلّطية في حقبة ما بعد بوتفليقة.) فقد كشف الحراك، في هذا الصدد، عن إجماعٍ شعبيٍّ التأم فيه المجتمع السياسي الجزائري حول مفهوم الأمّة وعلاقتها بالتاريخ، وذلك من شرق البلاد إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، بل حتى في أوساط الجالية الجزائرية في المهجر2. ولهذا أمكننا أن نلحظ الشعارات المشتركة التي رُفعت في أنحاء التراب الوطني جميعِها، والاسترداد الجماعيِّ لصور الشخصيات الوطنية التي استعاد المتظاهرون تملُّكَها، بل أنْ يُرفع العلم الأمازيغي حتى خارج المناطق الناطقة بالأمازيغية ذاتها. وربما أثبتت هذه التعبئة غير المسبوقة في الجزائر، بطبيعتها ونطاقها ومجالها الزمني، التأثيرَ الذي قد يمارسه العمل العام في بناء الجماعة السياسية وقيادتها؛ وهو التأثير الذي يَعدُّه البعض ضروريًا، لكن الأهم منه هو أنها دفعت إلى الواجهة مسألة استقلالية المجتمع إزاء القواعد السياسية الرسمية المقررة. هنا لا بد من طرح سؤال أعمق يتعلق بالتوتر الكامن في المواجهة بين التمثُلّات والخطابات حول التاريخ والهوية، والاستقلالية المتبادلة التي تُبديها هذه التمثلّات والخطابات. وهذا يعني أنّ الخطابات الرسمية التي توظّفها الأجهزة المؤسسية والهيئات الوسيطة (الأحزاب والنقابات وغيرها)، فقدت فاعليتها وتأثيرها في تمثلّات المواطنين ومدركاتهم؛ حيث يشهد ذلك على الاستنزاف الذي يعانيه المشروع السوسيوسياسي الجماعي لدى الدولة والنخب السياسية والمثقفة، وكذلك المنظمات (الأحزاب والنقابات وغيرها.) وقد نتساءل في هذه الحالة: أكان ذلك يعني، بأيِّ حالٍ، فقدانَ الالتزام بالوطنية بوصفها شعورًا بالانتماء إلى جماعة سياسية مشتركة؟ وتهدف مثل هذه الأسئلة إلى تسليط الضوء على المكتسبات التي أضافها الحراك إلى عملية بناء الأمّة في الجزائر. فهذه المكتسبات، مثَلها كمثَل عقارب الساعة التي لا يمكنها العودة إلى الوراء cliquet de Effet، هي قفزة نوعية عميقة3، أو بصورة أدق دليلٌ على وجود جماعة وطنية تؤسس على روابط مدنية، في طريقها إلى تجاوز الأسس الأولى التي قام عليها عقدها الاجتماعي والسياسي التأسيسي. تهتم المقاربة المستندة إلى التاريخ والهوية بإلقاء الضوء على استراتيجيات التحييد المتبادل لخطابات الشرعنة/ نزع الشرعنة التي اعتمدتها الفواعل (من سلطات ومواطنين)، وللآليات المتنافسة التي تروم إعادة تملُّك الأمّة وتعريفِها وبنائِها وتوصيفِها. وهنا يبرز التمييز بين رغبة الدولة في تأميم الحراك ودسترته من جهة، وما يعكسه المجتمع من تنشئةٍ اجتماعية وإدارة مشتركة هادئة وسلمية لقضايا التاريخ والهوية من جهة أخرى. وبذلك تتعاقب مرحلة أمننة securitization هذه الرهانات4، ومرحلة نقلها مجددًا، بحسب أول ويفر، إلى المجال السياسي desecuritization بإعادتها إلى نقاشٍ عامٍّ مفتوح وتعددي عن التاريخ والهوية، وذلك في مقابل ميدان الأمن الذي يهيمن فيه مهنيُّو الأمن والمصلحة العليا للدولة وغياب النقاش. إذًا، تتعلق الفرضية التي تدافع عنها هذه الدراسة، في شقها الأول، بالتحييد الذي شمل الصراعات السوسيوسياسية، على النحو الذي أنتجها ووظّفها أهل السلطة حتى اليوم، بفعل الممارسات التي استخدمها المتظاهرون (من شعارات وأغانٍ ولافتات وغيرها)5؛ وهو ما يمثل، تبعًا للشق الثاني من الفرضية، التعبيرَ السياسي عن التحولات الاجتماعية العميقة الحاصلة في الجزائر، والكاشفة عن خطوةٍ نحو بناء أمّة مدنية. يكشف الحراك عن اتجاه نحو مأسسةٍ تخضع لها "السياسة التنازعية" Contentious Politics6 في الجزائر، وذلك في غياب انتقالٍ

  1. وهو ما حاولنا إثباته من خلال الملاحظات الميدانية التي سجّلناها عن الحراك في مدينة بجاية؛ ينظر: Salim Chena, "'Ats ruhem': Le mouvement démocratique en Petite-Kabylie entre appropriation locale et affirmation nationale," Maghreb-Machrek , no. 145 (2020), pp. 75-91.
  2. Didier Le Saout, "Faire hirak à Paris: Les mises en scène d'une révolution contre le 'système algérien'," L'Année du Maghreb , vol. 21 (2019), pp. 131-146. سياسات عربية ينظر أيضًا الترجمة العربية لهذه المقالة في هذا العدد من.
  3. Omar Carlier, "Hirak: Un mouvement socio-politique inédit et inventif: Temps suspendu et/ ou en devenir," Insaniyat , no. 87 (2020), pp. 13-45.
  4. Ole Weaver, "Securitization and Desecuritization," in: Ronnie D. Lipschutz (ed.), On Security (New York: Columbia University Press, 1995), pp. 46-87.
  5. في مسألة العلاقة بين الحراك والتاريخ؛ ينظر: Giulia Fabbiano, "Le temps long du Hirak: Le passé et ses présences," L'Année du Maghreb , vol. 21 (2019), pp. 117-130; Amar Mohand-Ameur, "La recherche et l'écriture de l'histoire en Algérie: réalité et enjeux politiques et mémoriels," Maghreb-Machrek , no. 245 (2020), pp. 33-42; Saphia Arezki, "Notre histoire on l'écrira nous-mêmes: Les réinvestissements de l'histoire par les protestataires à Alger," in: Amin Allal et al., Cheminements révolutionnaires: Un an de mobilisations en Algérie (2019-2020) (Paris: CNRS Editions, 2021), pp. 185-218.
  6. Charles Tilly & Sydney Tarrow, Contentious politics (Oxford: Oxford University Press, 2015). تقول هذه النظرية إنّ العمل الجماعي والدولة يتفاعلان حول قضية أو أكثر، اعتمادًا على مستوى الحقوق السياسية و الحريات المدنية، وكذلك بناءً على قدرات السلطات القائمة على فرض إرادتها.

ديمقراطي حقيقي "خالص ومكتمل" لم يزل في جملته نظريًا7؛ وهو تحوّلٌ عميق، حلّ محل فضاء عامّ هيمن فيه منطق الإبعاد والاستبعاد المتبادليَن بين أطراف الخطاب والعمل السياسييَن، باسم مرجعيات كثيرًا ما عُدَّت مرجعيات مطلقة (من أمّة ودولة ودين وحزب وغيرها)؛ إذ يُعدّ الحراك خطوة نحو أشكال بنّاءة من التعبير والاستخدام للتاريخ والهوية، انطلاقًا "من أسفل"، تعيد تحديد وتأطير إنتاج التحكيم وآلياته خارج الأطر التسلّطية التي جُرّبت حتى ذلك الوقت. ولقد صار تكفل المواطنين بهذه القضايا ممكنًا نتيجة الضعف الذي طاول البنى والمنظمات التي اضطلعت، تقليديًا، بأدوار التنشئة السياسية. بهذا المعنى، يشير الحراك وعلاقتُه بالتاريخ وتعبيرُه عن الهوية الجزائرية8 إلى عملية تعلُّمٍ، واعية وإرادية إلى حدٍ ما، تقف في المنتصف ما بين تأمليةٍ سياسية جماعية، وتجديدٍ جيلي "عفوي" لتجارب سابقة، سواء في الجزائر (الانقلابات التي جرت في أعوام 1965 و 1967 و 1992؛ وأزمة صيف 1962؛ والحركات الاجتماعية في أعوام 1980 و 1988 و 2001؛ و"التجربة الديمقراطية"9 المجهَضة بين عامي 1988 و 1992)، أو التي تشهدها المنطقة منذ عام 2011 (ديناميات الثورة المضادة وتصلُّب الحروب الأهلية وتشظّي الجماعة السياسية وانحلال والدولة.)

أولا: التبادلات في خطابات التاريخ والهوية وتمثُّلاتهما: عمليتان مترابطتان للتمييز الاجتماعي والسياسي

تستند عمليات البناء الوطني، منذ ظهر إلى الوجود نموذج الدولة القومية وانتشر في القرن التاسع عشر، إلى مبدأ إعادة تنظيم التراتبيات الاجتماعية والسياسية والقيم والمعايير وقواعد اللعبة التي تحكم المنافسة على وظائف صنع القرار وممارسة السلطة. وقد ألقى مؤرخو السياسة الضوء على أهمية أفعال الانتقاء وإعادة التفسير والتشديد المتعمَّد على الماضي (كالشخصيات والوقائع التاريخية)، أو التي سمّ ها إريك هوبسباوم "ابتكار التقاليد"10 في بناء الأمم الحديثة الذي يتم عبر غرس النزعة القومية11. وتسمح عملية التمييز هذه، بدورها، بتشكيل دولة قومية ذات سيادة من الناحية السياسية، ومستقلة "ثقافيًا"، تحظى بشرعية متأصِّلة فيها.

الحال أنّ الحراك الجزائري ينطوي على اختلاف ملحوظ مع هذه البناءات القومية، الأوروبية والقديمة؛ إذ تشكلت الدول والأمم في القارة العجوز معًا بالتزامن، تصاحبهما عملية الدمقرطة. أما في الأنظمة السياسية الناتجة من السيطرة الكولونيالية، فقد عانى الإنتاج الجماعي والمؤسسي للأمة والدولة والديمقراطية برمّته اضطرابًا؛ إذ جرت تعبئة التاريخ والهوية من النخب بغرض الشرعنة بالعمل، لكن بسبب غياب الدمقرطة، بالمعنى السياسي والسوسيو - اقتصادي الذي

  1. في هذا الصدد، ينظر: الانتقادات التي يوجهها علم الاجتماع السياسي الفرنسي إلى "علم الانتقال"، ولا سيما: Michel Dobry (dir.), "Les transitions démocratiques: regards sur l'état de la transitologie," Revue française de science politique , vol. 50, no. 4-5 (2000); Guy Hermet, "Les démocratisations au vingtième-siècle: Une comparaison Amérique latine/ Europe de l'Est," Revue international de politique comparée , vol. 8, no. 2 (2001), pp. 285-304; Caroline Dufy & Céline Thiriot, "Les apories de la transitologie: Quelques pistes de recherche à la lumière d'exemples africains et post-soviétiques," Revue internationale de politique comparée , vol. 20, no. 3 (2013), pp. 19-40.
  2. الحراك هو حركة انتشرت على مستوى الوطن، حيث امتدت مسيراتها إلى ولايات الجنوب والهضاب العليا ذات الكثافة السكانية المنخفضة. وهكذا، بدأ قبل كل شيء من المناطق النائية: في خنشلة في 19 شباط/ فبراير، بعد رفض رئيس البلدية السماح لمرشح معارض يحظى بشعبية بين الشباب (رشيد نكاز) بعقد اجتماع عامٍّ والسماح لمؤيديه بإيداع توقيعاتهم. حينها تظاهر أنصاره، و أزاحوا صورة عملاقة لعبد العزيز بوتفليقة وداسوا عليها ستتكرر في مدن أخرى. وفي بالأرجل. وهي البادرة التي 23 شباط/ فبراير في عنابة، رفضت مجموعة من فِرق الكشافة حمل صورة رئيس الدولة في عرضها، وفي اليوم السابق لذلك أسقط المتظاهرون صورة أخرى لبوتفليقة، وأحرقوها. للاطلاع على دراسة نقدية عن الموقع الذي احتلته المساحات الطرفية في الحراك؛ ينظر:
  3. Myriam Aït-Aoudia, L'expérience démocratique en Algérie (1988-1992): Apprentissages politiques et changement de régime (Paris: Presses de Sciences Po, 2015). 10  Eric Hobsbawm & Terence Roger, The Invention of Tradition (Cambridge: Cambridge University Press, 1983). 11 في الحالتيَن الأوروبية والفرنسية على سبيل المثال، ينظر: Anne-Marie Thiesse, La création des identités nationales: Europe XVIIIe-XXe siècle (Paris: Seuil, 1999); Suzanne Citron, Le mythe national (Paris: Editions ouvrières, 1987).
  4. Ali Bensaâd, "L'entrée en dissidence dans les espaces de loyauté du régime: Une maturation et un prélude à l'avènement du Hirak," Maghreb-Machrek ,
  5. no. 244 (2020), pp. 25-49.

أورده ألكسيس دي توكفيل، وُلد البناء الوطني ضعيفًا. لهذا السبب تمامًا، احتكم المتظاهرون في حركة الاحتجاج الشعبي التي عرفتها الجزائر في عام 2019، إلى هذين الموضوعيَن، أي التاريخ والهوية، ليطعنوا في التوظيف الرسمي لهما في شرعنة المؤسسات. ثم أطلق "الشعب"، بوصفه فاعلً سياسيًّا جماعيَّا، أو التعبيرَ النشط عن الجماعة السياسية، عمليةً جديدة للبناء الوطني في صورة نموذجٍ متميز وبديل من النموذج الذي اقترحته السلطات "من أعلى" منذ الاستقلال. في سياق الاحتجاج الشعبي لعام 2019، حشد المحتجون مرجعياتهم التاريخية الخاصة، فتواجهت بذلك، داخل الفضاء الرمزي، تمثلّاتٌ مختلفة للتاريخ، تحيل في الوقت نفسه على تصوراتٍ مختلفة عن الأمّة. ما يؤكد مسلَّمة باتريك كراولي في كتابه عن العلاقة بين الثقافة والأمّة في الجزائر؛ إذ يقول: "عبر نسيج تاريخها، حيكت عن 'الجزائر'، بوصفها صورة وفكرة عن الأمّة، نسخٌ مختلفة؛ بدءًا من فترة الحكم الكولونيالي الفرنسي 1962-1830()، ومرحلة بناء الأمّة في عهد هواري بومدين 1978-1965()، ثم ردًا على عنف التسعينيات، وعبر خمسة عشر عامًا من السلم غير المستقر. فأنتجت الدولة نسختها الخاصة عن 'الجزائر'، وقدمت مجموعة غير اعتيادية من الفواعل الثقافية، في لغاتها الأربع وعبر أداءاتهم المنوعة، أفكارًا عن الجزائر، ومنحوها شكلً وتعبيرًا غالبًا ما ترافق Contrapuntal مع ذلك الخاص بالدولة"12. وها هنا يبدو الدفع برؤيةٍ بديلة للتاريخ "وسيلةً للتشارك والتجمع، لكن أيضًا، وضمنيًا، وسيلةً للطعن ونزع الشرعية عن النظام وتاريخه الرسمي"13. من المهم التشديد في هذا الصدد على أنّ تفكيك السردية التاريخية الرسمية هو ما سمح بهذه العودة لتملُّك الخطابات والتمثلات الخاصة بالتاريخ الوطني؛ وقد تجَّلَّ ذلك خاصة في رد الاعتبار للشخصيات التي كثيرًا ما تعرَّضت للتهميش في السردية المهيمنة حتى ذلك الحين. خلال تظاهرات الجمعة الرابعة في آذار/ مارس 2019، على سبيل المثال، ظهر تيار يسمي نفسه "الباديسية النوفمبرية"، حيث سعى بهذا اللقب للتمايز من التيارات التعبوية الأخرى التي ادَّعت لنفسها إرثَ مؤتمر الصومام الذي عُقد في آب/ أغسطس 1956 14. وقد تراكب هذا الانقسام، في اللحظة نفسها، مع مسألة القَبول أو عدم القَبول بالانتخابات الرئاسية التي كان قد تقرَّر إجراؤها في تموز/ يوليو من العام نفسه. واستُخدم مصطلح "الباديسية" للإحالة على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي أسسها الشيخ عبد الحميد بن باديس 1940-1889() في عام 1931؛ ترافقها النوفمبرية التي تُحيل على اندلاع الثورة في الفاتح من تشرين الثاني/ نوفمبر 1954 على يد مؤسسي جبهة التحرير الوطني؛ ليُحيل المصطلح ضمنًا على الاتحاد الأصلي بين التيار الإسلامي الإصلاحي الذي يمثله العلماء، والتيار الوطني الثوري من المنتمين السابقين إلى حزب الشعب الجزائري السري15 ومنظمته الخاصة16. لكن، حتى عام 1956، كان التيار الجزائري، المستوحى من النهضة الإصلاحية، يؤيد الاندماج والتعاون مع السلطات الكولونيالية، وذلك حتى يدعم تأثيره في الحياة الاجتماعية للجزائريين عبر الإشراف على مجالات الأحوال الشخصية، ومعارضته ممارسات الإسلام التقليدي المرتبطة بالأولياء والزوايا17. ولم يتحقق التحاقه بجبهة التحرير الوطني فعليًا إلّ بعد مؤتمر الصومام؛ في صيف 1956، عقب القرار الذي اتّخذه مؤتمرٌ لجمعية العلماء المسلمين عُقد في كانون الثاني/ يناير من العام نفسه. وهكذا ظهر تيار الباديسية النوفمبرية، وعُدّ ممثِّلً لتوجهات18 الحراك الموالية للنظام، بوصفه التعبيرَ عن الجزء

  1. Patrick Crowley, "Algeria: Nation, Culture and Transnationalism: 1988-2015," in: Patrick Crowley (ed.), Algeria: Nation, Culture, Transnationalism: 1988-2015 (Liverpool: Liverpool University Press, 2015), p. 1.
  2. Arezki, p. 188.
  3. عُقد المؤتمر سرًّا في مناطق جبلية عدة في وادي الصومام، في منطقة القبائل، وسعى لمنح جبهة التحرير الوطني قيادة سياسية من خلال برلمان تمثيلي أولي (المجلس الوطني للثورة الجزائرية) وهيئة تنفيذية (لجنة التنسيق والتنفيذ.) وتبنَّى المؤتمر ميثاقًا يؤكد مبدأ ي "أولوية الداخل على الخارج" و"أسبقية المدني على العسكري." وقد فقد هذان المبدآن التأسيسيان للثورة الجزائرية، تدريجًا، وحتى تاريخ الأزمة التي هزت صفوف الثورة في صيف 1962، كلَّ قوةٍ لهما على النفاذ. ولهذا السبب انتهى جزء كبير من الحراك إلى الإرث ذاته الذي تركه عبَّان رمضان ممثَّلً في شعار "دولة مدنية لا عسكرية."
  4. أُنشئ حزب الشعب الجزائري على يد مصالي الحاج قبل أن تحظره السلطات الفرنسية في عام.1946
  5. المجموعة شبه العسكرية التابعة لحزب الشعب الجزائري، التي أوكلت إليها مهمة التحضير للكفاح المسلح، وإليها تنتمي أغلبية مؤسسي جبهة التحرير الوطني.
  6. يمكن الإشارة في هذا الصدد إلى: James McDougall, A History of Algeria (Cambridge: Cambridge University Press, 2017). ومن منظور يتعلق بالذاكرة، ينظر: Emmanuel Alcaraz, Histoire de l'Algérie et de ses mémoires. Des origines au hirak (Paris: Karthala, 2021). ينظر أيضًا: أطروحة شارلوت كوراي التي تميز فيها بين "الالتزامات الفردية" و"الاحتراز الجماعي" داخل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في: Charlotte Courreye, "L'Association des Oulémas Musulmans Algériens et la construction de l'État algérien indépendant: Fondation, héritages, appropriations et antagonismes (1931-1991)," Thèse pour obtenir le grade de Docteur de l'INALCO. Discipline Littératures et Civilisations, Paris, INALCO. 2016.
  7. للاطلاع على لمحة مبسطة عن الاتجاهات المختلفة داخل الحراك في هذه اللحظة تمامًا، ينظر: Abdelhafid Oussoukine, 2019 en Algérie: Chronique d'une révolution inachevée (Oran: Editions Enadar, 2020), pp. 161-180. إذ يحدد المؤلف هنا أنصار الوضع القائم quo statu، وأنصار الحوار السلمي مع السلطة القائمة وقتها، و"أنصار القطيعة" مع النظام السياسي المهيمن ومختلف منظمات المجتمع المدني التي تدفع بالتغيير السلمي واحترام الحقوق الأساسية. وعلى الرغم من محاولات التنسيق بين أحزاب المعارضة والمجتمع المدني، وصل الحراك في صيف 2019 إلى مأزق؛ ما بين رفض السلطة فكرة الجمعية التأسيسية، ورفض أغلبية الحراك حل الانتخابات الرئاسية (أو ما عُرف وقتها باسم "الحل الدستوري.)"

المحافظ من الأمّة، المتذمر من العجز في نظام بوتفليقة الذي سبق ومنحه ضمانات كثيرة، وبوصفه رغبةً في الاستحواذ على التعبئة، إسلامية الشعبية وتوجيهها نحو إعادة تأسيسٍ - وطنيةٍ، للميثاق الاجتماعي والسياسي19. في مقابل ذلك، جاهر معظم المشاركين في المسيرات بولائهم للشخصيات المهمَّشة والمنشقَّة في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية، على رأسها عبَّان رمضان 1957-1920()، المسؤول عن تنظيم مؤتمر الصومام الذي استكمل توحيد التوجهات المختلفة في الحركة الاستقلالية المسلحة تحت راية جبهة التحرير الوطني؛ قبل أن يستحوذ عليها "العقداء" في جيش التحرير الوطني، ولا سيما بدءًا من اغتيال عبَّان في العام الموالي من ذلك التاريخ. وهكذا، من خلال انخراطهم في السياسة التنازعية الجديدة التي أطلقها الحراك، "غذَّى الحكام إذًا وشجعوا ظهور الاختلافات الأيديولوجية والسياسية داخل الحركة الشعبية"20؛ ما أدى إلى مواجهةٍ غير عنيفة بين الصور الاجتماعية والسياسية للتاريخ والأمّة وهويتها. والحال أنّ هذا الانقسام يشير إلى مشكلة تأريخيةٍ نتج منها آثار سياسية مركبة21. غير أنّ حراك عامَي 2019 و 2020، وفي دينامية أفقية غير مسبوقة حتى ذلك الوقت، أماط اللثام عن مستوى مزدوج من النقاش أنشأه المتظاهرون وأضفوا عليه الطابع المؤسسي: النقاش بين الدولة والمجتمع الذي ما عاد أحاديَّ الجانب، والنقاش داخل المجتمع الذي تعبّ فيه عن نفسها تيارات وتقاليد فكرية مختلفة. بالفعل، بنت جبهة التحرير الوطني هيمنتها السياسية بعد الاستقلال بفضل هيمنتها الثقافية على السردية التاريخية للتحرير؛ ما أسفر عن ذاكرة أحادية جرى تمريرها عبر الخطابات والكتب المدرسية. فقد أعادت السلطات الجزائرية "روايةَ قصة التأسيس وتقييمَ العناصر المكوّنة لها، وأعادت صياغةَ تعريف الوحدة الوطنية[...]وتشير الأمثلة العديدة لإعادة تشكيل الأساطير المؤسِّسة أو إعادة صياغة مفاهيم الهوية والرسالة الوطنية[...]وبقوة، إلى أنّ القادة[...]قد آمنوا بأهمية السردية واستخدموها في محاولاتهم ترسيخ السلطة أو الحفاظ عليها"22. ولهذا السبب تجَّلَّ الحراك أيضًا في صورة سرديةٍ منافِسة بديلة من السردية الرسمية؛ ومن وحدة الشعب، ومن الحركة الوطنية، ومن جبهة التحرير الوطني بوصفها طليعة الثورة؛ إذ رفع المتظاهرون منذ بدء الحركة صور القادة التاريخيين في الكفاح المسلح ممن ماتوا في ساحة المعركة، أو اغتيلوا أو هُمِّشوا، ليؤكدوا تمسُّكَهم بالوطن؛ وتحسُّبًا منهم للاستراتيجيات الرسمية التي تُوظَّف لنزع الشرعية عنهم باتهامهم بمناهضة الوطنية والارتباط بالنفوذ الأجنبي. يحجب التأريخ الرسمي شخصيات معيّنة نعم، لكنه يلقي حُجُبًا أيضًا على تعدديةٍ وسمت مكوّنات الحركة الوطنية التي وُلدت منذ بداية القرن العشرين بوصفها تيارًا سياسيًا قوميًا بالمعنى الحديث للمصطلح، مثلما يرِد في العلوم الاجتماعية. وقد أعاد الحراك، جزئيًا، الاعتبار إلى هذه التعددية في الوطنية الجزائرية باستعادته، عبر أغانيه وشعاراته وراياته وأعلامه، صور العديد من التوجّهات المحجوبة في الحركة الوطنية وأسمائهم وقيمهم: أمثال حركة الشباب الجزائري بقيادة الأمير خالد 1936-1875()، وتأثير الشيوعيين والنقابيين الفرنسيين في العمال المهاجرين؛ على رأسهم عبد القادر حاج علي 1957-1883() ومصالي الحاج 1974-1898()، والتيار الثقافي ممثَّلً في العلماء الذين سيمنحون الأمّة الجزائرية القِوامَ الهوياتي قبل أن يتلقفه مصالي الحاج في الثلاثينيات من القرن الماضي بتأثير من شكيب أرسلان 1946-1869()، يُضاف إلى هؤلاء الليبراليون من أنصار فرحات عباس 1985-1899()، بل حتى الاتجاهات الاشتراكية والشيوعية داخل القومية الحبلى بفروقها الدقيقة؛ بدءًا من محمد بوضياف 1992-1919()، مرورًا بصادق هجرس (مواليد 1928)، ووصولً إلى أحمد بن بلة في شبابه 2012-1916(.) لقد أسهمت كل هذه التيارات في تشكيل الوطنية الجزائرية وألَّفت أمتَها. ثم وإنْ كانوا قد تأرجحوا باتجاه المواقف التصالحية مع القوة الكولونيالية وبدرجات متفاوتة، ضمن التيار المصاليِّ وحتى داخل جبهة التحرير الوطني نفسها، فإنهم جميعًا قد انتهوا لاحقًا إلى الالتزام بمبدأ النضال الكامل بالوسائل الضرورية كلها حتى الوصول إلى الاستقلال – وهذه الراديكالية كانت، على وجه التحديد، الإسهام الذي ارتبط بجبهة التحرير الوطني. تتألَّف الوطنية الجزائرية، في نهاية المطاف، من نزعة الزعامة23، ومن النزعة الثقافوية والنزعة الجمهورية والليبرالية، أكثر مما تتألَّف من الاشتراكية. وبقدر ما شكلت هذه المكونات ثروةَ الحركة الوطنية، أسفرت عن صعوبات عدة؛ ليس أقلّها تلك المتعلقة بالانقسامات والتحالفات، المستقرة إلى حدٍ ما، بين كل هذه التوجهات. بيد أنه

  1. Oussoukine, pp. 114-116; Fabbiano, pp. 117-130: ينظر في هذا الصدد 19
  2. Louisa Dris-Aït Hamadouche & Chérif Dris, "Le face à face hirak-pouvoir: La crise de la représentation," L'Année du Maghreb , vol. 21 (2019), pp. 57-68.
  3. للاطلاع على خلاصة عن المواجهة الخطابية والسياسية بين هذين التيارَين، ينظر: Hassan Remaoun, "Référence à l'histoire et enjeux mémoriels lors du hirak algérien (2019-2020). Autour du slogan Novembriya-Badissiya et de son envers Dawla madaniya (État civil)," Insaniyat. no. 87 (2020), pp. 47-76; Amar Mohand-Amer, "Deux éclairages sur le moment présent. Elections et protestations; Etat civil vs. Etat militaire," in: Allal et al. , pp. 243-252.
  4. Laurie A. Brand, Official Stories: Politics and National Narratives in Egypt and Algeria (Stanford: Stanford University Press, 2014), p. 187.
  5. الإيماءة هنا هي إلى شكل من أشكال النزعة القيصرية التي تتسم بشخصنة السلطة، والعلاقة المباشرة بين القائد والجماهير، والشرعية التي تعتمد على الاستفتاء بدلً من التمثيل.

لا بد من الإشارة إلى أثر هذا التنوع في الأصول في عملية بناء الهوية الوطنية؛ حيث تظهر محاولة التوحيد الكلي التي انتهجتْها جبهة التحرير الوطني، على الطريقة اليعقوبية24 على نحو ما. وفي حين تتنوع الأمّة الجزائرية في تياراتها السياسية، تتنوع أيضًا في أبعادها الثقافية والمذهبية: فعلى الرغم من الأغلبية الساحقة من المسلمين السُّنة، ثمة أقلية إباضية في منطقة غرداية، وتوجد بالمثل تجمعات مسيحية ويهودية وإنْ كانت محدودةً جدًا. وفوق ذلك كله، ومن وجهة ثقافية ولغوية، فرض التمييز بين "العرب" و"الأمازيغ" نفسه بالتدرج في المخيال السياسي والاجتماعي. بيد أنها نتيجة تتعلق ب اررث جانبي أنتجتْه الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا واللسانيات الكولونيالية التي استخدمت اللغة في إضفاء الطابع الجوهراني على الأعراق والربط بينها وبين مناطقَ بعينها، ولا سيما عبر فصل شمال أفريقيا عن صحرائها، وعن أفريقيا جنوب الصحراء، والدفع باللغة العربية بوصفها لغة غريبة عن أفريقيا. ويوضح عبد المجيد حنوم هنا كيف "استُخدمت دراسة اللغات الأفريقية بحد ذاتها أداةً في إنشاء كيانات جغرافية وهويات عرقية ووَحدات لغوية، وأسهمت هذه العمليات في خلق القارة الأفريقية مثلما تبدو عليه اليوم، مع تمييز وفصل الجزء الشمالي منها عن البقية[...]ثم بُنيت اللغة العربية تبعًا لأيديولوجيا كولونيالية عن العرق، تجاهلت الخصوصية الثقافية والتعددية الثقافية في آنٍ واحد. باختصار، كانت اللغة العربية تعني لغة العرب، ومن ثم فهي غريبة عن أفريقيا[...]ثم خضعت الأمازيغية، على النقيض من ذلك، للبناء والتطبيع والمأسسة على يد القوى الكولونيالية[...]؛ لقد جرى بناؤها في مواجهة العربية، وفي علاقة تبعيةٍ لكلٍّ من العربية والفرنسية"25. لقد تَردد صدى هذا التراث الكولونيالي داخل الحركة الوطنية، ثم في جزائر ما بعد الاستعمار. تجلّ ذلك أولً، في ما سُمي الأزمة "البربرية"26 داخل الحركة المصالية في عام 1949. فمن الناحية السياسية، انعكس الانقسام بين السكان الجزائريين بشأن التصدّع العربي/ الأمازيغي الذي يمتد بأصوله إلى تلك العلوم الكولونيالية الزائفة، في صورة تنافسٍ على الهيمنة داخل الحركة الوطنية، ولا سيما بين التيارَين "التطورييَن" Evolués (بالمصطلحات الكولونيالية وقتها:) فالعلماء و"البربر المتأثرون بالثقافة الكولونيالية"، إذا ما استعرْنا تصنيفات علي قنون، اشتركا في المواقف السياسية (من الكفاح المسلح إلى العلاقة مع الحزب)، والمواقف التنظيمية (منها الديمقراطية الداخلية والتقارب بين الفصائل)، لكن قيادة الحزب جعلت أحدهما في مواجهة الآخر على أسس هوياتية27. ولم يزلْ هذا الانقسام القديم المصطنع محمولً على كاهل بعض الفواعل السياسيين إلى اليوم، سواء في جانب الائتلاف الإسلامي - الوطني أو الأمازيغ الليبراليين28. وبعد الاستقلال الذي عرَّف الأمّة بطريقة تعسفية وتسلطية بوصفها عربية ومسلمة واشتراكية حصرًا، وحينها انتهى الشعور بالتهميش الذي استشعره سكان منطقة القبائل إلى ظهور حركات اجتماعية كبرى (الربيع الأمازيغي 1980، والربيع الأسود 2002-2001)، وظهرت المطالب الثقافية التي بلغت مرحلة الراديكالية مع بزوغ توجه انفصالي ثم استقلالي بعدها29، وإن كان أقلية جدًا. ويفسر محمد حربي هذه المطالب المتعلقة بالخصوصية الثقافية على أنها فشلٌ في الوصول إلى بناء مدني مشترك، وفشلٌ في الربط ما بين الأمّة والمواطنة30. لكن، عند هذه النقطة، يمثّل الحراك بداية القطيعة مع التصور الكلاسيكي لإشكالية الهوية الوطنية ومكوّناتها دون الوطنية. تضع الأبحاث الحديثة، المستوحاة من مناهج العلوم الاجتماعية المعاصرة ونظرياتها، مثل هذه "التوترات" في إطار عسُر بناء المجتمع الوطني، في السياقات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، حين يقوم حول

  1. تُشير اليعقوبية Jacobinisme هنا إلى العقيدة السياسية الراديكالية اليعقوبية (نسبة إلى نادي اليعاقبة الفرنسيين) المرتبطة بالثورة الفرنسية، التي كانت تقول بسيادة الشعب ووحدة الجمهورية (واحدة لا تتجزأ) ومركزية قوية للدولة.
  2. Abdelmajid Hannoum, The Invention of the Maghreb: Between Africa and the Middle East (Cambridge: Cambridge University Press, 2021),
  3. أزمة عام 1949 هي "أزمة متعددة الأبعاد" داخل الحركة المصالية. تواجَه فيها الجناح العسكري مع قيادة الحزب، فضلً عن التعارض بين اتجاه محافظ وهوياتي داخل الحركة الوطنية، وآخر اتّسم مفهومه عن الأمّة بجرعة أكبر من الماركسية والتعددية. علاوة على ذلك، اتسم الحزب بشخصنة متزايدة للسلطة، وقد ردت قيادته بطريقة استبدادية وعنيفة على النقد الداخلي الذي واجهته. ومن ثمَّ، يمكن تفسير الأزمة أيضًا بوصفها صراعَ مواقع داخل
  4. Ali Guennoun, La question kabyle dans le nationalisme algérien 1949-1962 (Paris: Editions du Croquant, 2021).
  5. ينظر على سبيل المثال: Hend Sadi, "Les Oulamas que l'on propose en guides de février sont-ils des précurseurs de Novembre?," El Watan , 26-27/6/2019; ينظر أيضًا حجاجه مع الهواري عدي بشأن شخصية الأمير عبد القادر، في صحيفة ليبرتي Liberté اليومية في تموز/ يوليو 2021. في المقابل، يُشار إلى استخدام مصطلح "الزواف" لتشويه سمعة ناشطي الحراك في منطقة القبائل على الشبكات الاجتماعية، أو في تصريحات نعيمة صالحي أو عبد القادر بن قرينة، وكذا تصريحات قادة الأحزاب الوطنية المحافظة. 29  Mohand Tilmatine, "Des revendications linguistiques aux projets d'autodétermination: Le cas de la Kabylie (Algérie)," in: Mohand Tilmatine & Thierry Desrues (dir.), Les revendications amazighes dans la tourmente des "Printemps arabes". Trajectoires historiques et évolutions récentes des mouvements identitaires en Afrique du Nord (Rabat: Centre Jacques Berque, 2017), pp. 125-159. 30  Mohammed Harbi, "La crise de 1949 ou l'entrée en scène du particularisme berbère," Naqd , no. 4 (1993), pp. 28-31.
  6. pp. 131, 133.
  7. حزب الشعب الجزائري - حركة الانتصار للحريات الديمقراطية بعد مؤتمر عام 1947، حين ثار الاحتجاج ضد مصالي الحاج وبعض قيادات الحزب.

تفسيرات انتقائية ومتحيِّزة للتاريخ والأرشيف التاريخي31. ثمّ إن كان ثمة من مطالبَ، غير انفصالية، رُفعت في منطقة القبائل خلال التظاهرات الجارية وقتها، باحترام اللغة والثقافة الخاصة بالمنطقة، فهي إنما تُدرج ضمن المطالب الديمقراطية والتعددية؛ ففي النهاية، ظهرت في مناطق أخرى من البلاد شعارات تضامنية في أعقاب الحظر غير الرسمي على رفع العلم الأمازيغي في تظاهرات الحراك الأسبوعية في حزيران/ يونيو 2019؛ مثل شعار "باب الواد، القصبة، أمازيغ"32 في الجزائر العاصمة، واستمر المتظاهرون في رفع العلم الأمازيغي خارج منطقة القبائل (على الرغم من القمع.) وفي ذلك تأكيدٌ على أنّ الأمازيغية مكوّن من مكوّنات الهوية الوطنية الجزائرية33، وأن محاولات تحيين العداء الذي أنشأته السلطات في السابق ما عاد لها تأثير يُذكر في أغلبية السكان. يبدو إذًا أنّ المعضلة السوسيوسياسية التي تحدّث عنها محمد حربي ربما تتجه لتصير نسجًا من الماضي. بالفعل؛ إذ على الرغم من أنّ الحراك والأمازيغية كانا قد أُدرجا في ديباجة القانون الأول في البلاد في أثناء التعديل الدستوري في عام 2020؛ وهو ما عُدّ أداة لتحييد المطالب الشعبية والاستحواذ عليها، فإنّ ذلك لم يُحدث تأثيرًا يُذكر، لا في كثافة التعبئة التي تأثَّرت في غضون ذلك بجائحة كورونا وعُسف السلطة، ولا في تعدّديتها. لقد عرَّفت الدولة الجزائرية الوليدة مبدأ الدفاع عن الأمّة وعزّزته بالاعتماد على الأيديولوجيا القومية، وهي في ذلك عملت على صياغته بطريقة أُريد لها أن تتعارض مع النموذج الكولونيالي الفرنسي؛ الاستيعابي والمركزي، لكنها كانت تحاكيه34 في الوقت نفسه. لذلك حين ينتهي سياق العمل الجماعي الشعبي الهائل هذا إلى مساءلة المفاهيم المهيمنة عن الأمّة والتاريخ؛ أي السردية الوطنية نفسها، وتتراجع معه فاعلية المفردات التعبوية في اللغة القومية المعتادة35، تبرز مقولة العدو الخارجي وأذنابه المفترَضين في الداخل، لخلق "أثر Rally-round-the-flag-effect 36الالتفاف حول العلم الوطني " بهدف تقوية الإجماع حول سلطة الدولة. ومثلما تمكَّن التأكيدُ على وجود بديلٍ من التاريخ الرسمي، الناتج من النقل السردي في صفوف المهمشين والعائلات، من تحييد الخطاب الرسمي الهادف إلى نزع الشرعية عن الحراك، فإن إعادة تعريف الهوية الجماعية والوحدة الوطنية عبر الاعتراف بالتنوع ليست محضَ احتجاج فحسب، بل تُعدُّ أيضًا مسكِّنًا لمواطن الضعف في الأجهزة الأيديولوجية المختلفة للدولة37. لقد لحظ تشارلز تيلي وسيدني تارو أنّ الاستقطاب بين الأطراف في السياسة التنازعية داخل النظم الهجينة، الذي يسعى له طرفان في أقصى الطيف السياسي، إنما ينتهي إلى إدامة الصراع الأولي38؛ أما في جزائر ما بعد الحراك، فيبدو أنّ بعض الخطابات الراديكالية التي شهدت ثباتًا واستمرارًا، سواء أكانت هوياتية أم دينية متشددة أم قومية متطرفة، قد ارتدَّ إلى الهامش، وهي اليوم محظورة بموجب القانون ومهمّشة من المجتمع. والاستقطاب الذي جرت إدامته في المجال السياسي الرسمي بصورة أو بأخرى، كما هي الحال قبل عام 1988 أو في عامي 1992 أو 2001، ما عاد له تأثير في الجماهير كسابق عهده.

بدءًا من شباط/ فبراير 2019، يمكن أن نتحدث عن انطلاق عمليةٍ حصل فيها تمييز مزدوج: فمن جهة، تباينت التمثلات والخطابات التي يحملها المواطنون على نحوٍ متزايد عن تلك الخاصة بالسلطة؛ ومن جهة أخرى، صار المجتمع، بالتدرج، مستقلً عن مؤسسات السلطة ومنظماتها. ويبدو لنا أنّ التغيير الذي أحدثه الحراك هو

  1. نُشير في هذا الصدد أيضًا إلى أعمال ياسين تملالي؛ في: Yassine Temlali, La genèse de la Kabylie. Aux origines de l'affirmation berbère en Algérie (1830-1962) (Paris: La Découverte, 2016); Karima Dirèche, "La vulgate historique berbère en Algérie: savoirs, usages et projections," in: Tilmatine & Desrues, pp. 67-89.
  2. باب الواد والقصبة هما اسما حيين كبيرين يقعان في الجزائر العاصمة، والقصبة هي الحي التاريخي فيها.
  3. جرت دسترة اللغة الأمازيغية بوصفها لغة وطنية في عام 2002، ثم بوصفها لغة رسمية
  4. Alain Dieckhoff & Christophe Jaffrelot, Repenser le nationalisme:
  5. إذ وُصم الاحتجاج بأنه مناهض للوطنية، ويخدم نفوذًا أجنبيًا ومشروعًا انفصاليًا. 36  John Mueller, "Presidential Popularity from Truman to Johnson," American Political Science Review , vol. 64, no. 1 (1970), pp. 8-34. 37  Louis Althusser, Positions (1964-1975) (Paris: Editions sociales, 1976).
  6. في عام 2016. وتُعدُّ تلك وسيلة لتحييدها، ورفض الادعاءات بشأنها وإفراغها من معناها.
  7. Théories et pratiques (Paris: Presses de Sciences Po, 2006), p. 100.
  8. Tilly & Tarrow, p. 93.

كونه علامة فارقة نحو تكوين مجتمع سياسي وطني قائم على الروابط المدنية، لا على الانتماءات الأولية (الدينية والإثنية) التي ارتبطت بمسارات الثورة والاستقلال في الجزائر؛ بعبارة أخرى، يبدو أنّ حراك عام 2019 قد خطا خطوة في اتجاه أحد أشكال المصالحة التي خاضها المجتمع مع نفسه عبر الاعتراف بتنوّعه، سواء في أبعاده الهوياتية أو التاريخية.

ثانيًا: من التحييد إلى الاستقلالية الذاتية؛ نحو ميثاق اجتماعي وسياسي جديد

يتسم سجل الأداء d'action Répertoire Le الذي استخدمه متظاهرو39الحراك، بالسعي الحثيث لتحييد الانتقادات والاعتداءات المعتادة التي تخوضها السلطات في مواجهة الحركات الاحتجاجية؛ إذ اتجه أطراف التنازع Contention بشعاراتهم نحو بقية السكان أيضًا؛ وهكذا شهدنا ظهور شعارات تدعو إلى تجنّب ما سمّي "محاولات صرف الانتباه." ثم إنّ العديد من الأداءات المرتبطة بالأحداث الجارية في حينه، التي تشهد على سرعة استجابةٍ أبداها المتظاهرون، كانت قد استحضرت الأحداثَ الرياضية الكبرى (مثل مباريات البطولة الوطنية ومسيرة المنتخب الوطني في كأس الأمم الأفريقية لعام 2019) والسياحة والسفر (حيث دُعي الناس إلى مواصلة المشاركة في التظاهرات، بدلً من الذهاب إلى الشاطئ) والقلق من جائحة (كوفيد 19-) (في بداية الوباء حين لم تتوافر المعلومات الكافية عن الفيروس قبل أن يتّخذ المتظاهرون، باستقلالية، قرار تعليق المسيرات لاحقًا) ومنع التلويح بالعلم الأمازيغي (حيث اتُّهمت السلطة بالسعي لتقسيم الحراك)، بوصفها مخاطرَ كانت تُهدّد بزوال التعبئة وانتشار الفُرقة. وهكذا، فإن أشكال الاحتجاج التي أتقنها المتظاهرون وشهدت على التعلّم السياسي الذي حصَّلوه من أشكال التعبئة السابقة في الجزائر والمنطقة، سعت دائمًا لتجنّب العنف والتوترات والنأي بالمشاركين عن الأساليب القمعية. ويبدو أنّ الهدف المنشود لم يكن ضمان السلامة العامة وسلامة الجمهور فحسب، بل ضمان استمرار الحركة أيضًا، وذلك عبر النداءات الرسمية إلى حدٍ ما، التي كانت تدعو إلى الاحتجاج بوسائل أخرى، أو إلى استئناف التعبئة لاحقًا. بهذا المعنى، لا يقف الحراك بوصفه قوة معارِضة فحسب "(معارَضةٌ من أجل المعارضة" بالمفردات القديمة للنظام الاشتراكي)، بل أيضًا بوصفه قوةَ اقتراح وبديلً من النظام السياسي القائم. ومثلما يحدث في حالات أخرى، كالتضامن المغاربي، أو كما في التعامل مع الهجرة غير النظامية، يُثبت المجتمع كل مرة أنه يتقدم خطوات عن الحكومات والنخب المهيمِنة. تجَّلَّ هذا الإعداد لمرحلة الانتقال أيضًا في العدد الهائل من مقترحات الانتقال التي قُدّمت خلال بدء الحركة (حتى بداية ربيع 2019)، سواء في الصحافة أو عبر الشبكات الاجتماعية أو خلال النقاشات العامة التي نظمتها الفواعل أو مكوّنات المجتمع المدني، على الرغم من أهميتها العملية والسياسية الضئيلة40. ولذلك كله صار خيار وصم الحراك بأنه غير وطني أكثر صعوبة بفضل الاستراتيجيات الخطابية والعملية التي اتّبعها المتظاهرون. تكمن ها هنا فرضية تفسيرية محتملة، وفي إطار الإشكالية التي اعتمدناها، في المفارقة المتعلقة بذيوع القومية في الجزائر. فمن جهة، وبحسب نظرية إرنست غيلنر41، أسهمت السياسات العامة التي انتهجتْها الدولة منذ الاستقلال، على الرغم من جوانبها التقديسية، بالفعل في تذويت الشعور بالانتماء إلى جماعة سياسية وطنية (من خلال النصب التذكارية42 والاحتفالات الرسمية والتعليم العام43).

  1. 43  Benjamin Stora, "Guerre d'Algérie et manuels scolaires algériens de langue arabe," Outre-Terre , no. 12 (2005), pp. 175-181
  2. Hassane Zerrouky, "Hirak: La difficile relève politique," Pouvoirs , no. 176 (2021), pp. 81-92.
  3. Ernest Gellner, Nations and Nationalism (Hoboken; New Jersey: Blackwell Publishers, 1983).
  4. Emmanuel Alcaraz, Les lieux de mémoires de la guerre d'indépendance algérienne (Paris: Karthala, 2017).
  5. 39 جمعنا معظم ملاحظاتنا في مدينتَي بجاية وخرَّاطة خلال مسح ميداني أجريناه فترتيَن: صيف 2019، وبين كانون الثاني/ يناير وآذار/ مارس.2020

ومن جهة أخرى، يقول مايكل بيليغ44 إنّ "القومية المعتادة " Banal Nationalisme، التي تديم هذا الشعور بالانتماء عبر ممارسات يومية لا ترتبط على الدوام بالممارسات السياسية التقليدية، توضح التشرُّب العميق بالظاهرة القومية الذي يجري تناقله على مستوى الأَُسَ، والذي يتيحه التاريخ المشترك. وغالبًا ما يتعرض هذا الجانب الأخير للإغفال في الخطابات والأعمال المنجزة عن التاريخ والسياسة في الجزائر؛ مع أنه يسمح، في رأينا، بفهم الارتباط بالقيم الوطنية المدنية، والتاريخ المشترك الذي يُكتب لأجل المستقبل، عبر الاعتراف بالماضي وبعث الحياة في شخصيات وطنية أسطورية أعادت الذاكرةُ الشعبية والمهمَّشة صياغتَها في خضم التظاهرات. وقد يفسر هذا أيضًا ما يبدو أنه قَبول الغالبية من الحراكيين بأنْ يجري التعبيرُ عن الهويات المناطقية داخل الحركة. وهكذا لحظنا في الجزائر العاصمة، أو في بجاية، أو في أي مكان آخر، تلك الرايات الطويلة المكوّنة من أعلام جزائرية خ يط بعضها على بعض، حيث يحمل كلٌّ منها اسم ولاية من ولايات الوطن. هذه الممارسة كانت أيضًا ردَّة فعلٍ على استراتيجيات التفرقة المناطقية التي ربما استُخدمت لإضعاف التعبئة. تكشَّف الالتزام بموضوعات الهوية والذاكرة من خلال عدة دلالات عملية، شكَّلت العديد من الإشارات التي أرسلها أطراف الحراك. فمنذ عام 2019، تزامنت أيام عديدة من التعبئة مع أحداث مهمة في التاريخ السياسي الجزائري45. ففي شباط/ فبراير 2020، رصدنا وقفةً أُقيمت في بجاية دعمً لأحد القضاة46 في الجزائر العاصمة، تعرَّض للنقل من منصبه بسبب مذكرات إفراج أصدرها لفائدة المتظاهرين الذين اعتُقلوا في كانون الثاني/ يناير واعتبرتْها السلطات متساهلةً جدًا؛ دان مشهد هذه الوقفة ما يسميه الجزائريون "عدالة الهاتف" التي تحيل على معنى ممارسة الضغط السياسي على القضاة. وفي 20 نيسان/ أبريل 2021، احتفل المتظاهرون بذكرى الربيع الأمازيغي في عام 1980 في مسيرةٍ طالبيةٍ وشعبية؛ ثم أحيوا في الجمعة التالية في 25 حزيران/ يونيو ذكرى اغتيال المطرب الأمازيغي معطوب الوناس؛ الشخصية المعارِضة المعروفة. أما المثال الأخير، فهو الاستحواذ على موضوع الحرَّاقة والموقف من قضيتهم في الشعارات والأغاني واللافتات47 (وهم المهاجرون الجزائريون غير النظاميين الذين يتنقلون مباشرة إلى أوروبا بطريق البحر.) إنّ ما يبدو، أول وهلة، على أنه محض معارَضةٍ للسرديات والخطابات المهيمنة والرسمية، يمكن مع ذلك تفسيره بأنه تأكيدٌ لبديل حقيقي، بل استقلاليةٍ للمجتمع تجاه تصورات الأمّة والهوية، أو الأجهزة المرتبطة بالسلطات، كما يمكن تفسيره أيضًا بأنه دليل على الإدارة الذاتية للمجتمع خارج الأطر التقليدية للعمل العام. فإذا كان صحيحًا أنّ بُعدًا احتفاليًا ظهر في الأشهر الأولى من التظاهرات، قد كشف عن سبغ النظام السياسي القائم بالكرنفالية48، فإن التعبئة التي ارتبطت بالحراك بوصفه تعبيرًا عن تحوُّلٍ اجتماعي أعاد بناء الروابط الاجتماعية والسياسية بين أفراد المجتمع، تواصلت لاحقًا في صورة استجابةٍ للأزمات التي شهدها في عامي 2020 و.2021 بالفعل، حين ظهر وباء كوفيد 19- في ربيع 2020، ومثلما حدث خلال الحرائق المميتة في صيف 2021، أسهم العديد من مجموعات الناشطين أو المشاركين أو لجان الأحياء في الرفع من الوعي ب  (كوفيد 19-) وتوزيع الكمامات أو تقديم العون لسكان الأوراس وجرجرة ومساعدتهم على مكافحة حرائق الغابات التي كانت تهدد المنازل والغابات والحقول. ويبدو ههنا أنّ الحراك فضَّ ل التعبير العامَّ والجماعي عن مجتمع مدني مواز، لكنه مكمِّل، للجزائر الإدارية والرسمية. ومن الأمثلة الأخرى على هذه الإدارة الذاتية للمجتمع التي ليست منافِسةً؛ لا بل ملطِّفة لل "لا" في العمل العمومي publique action in)(، هي "الهدنات الصحية" التي أقرَّها المتظاهرون باستقلالية (في آذار/ مارس ثم في تموز/ يوليو 2020)، أو تنظيف المتطوعين للساحات العامة بعد انتهاء كل مسيرة. في سياق السياسة التنازعية في الجزائر، تُعدّ إشكالية إحياء ذكرى الحراك أيضًا تيمة واضحة تسِم مأسستَه غير المكتملة في سياق النظام

  1. Michael Billig, Banal Nationalism (London: Sage Publications, 1995).
  2. في عام 2019، صادف الفاتح من تشرين الثاني/ نوفمبر والخامس من تموز/ يوليو 2019 يوم جمعة؛ وفي الجمعة العشرين من الحراك، ظهر الشعار الشهير عن "الاستقلال الثاني" في صيغة "الشعب يريد الاستقلال"، وظل مستمرًا بعدها؛ وهو شعار يعكس التعبير عن تاريخ مضاد، بقدر ما يُعدُّ إسقاطًا يروم المستقبل. ثم أتاحت أيام الجمعة 3 و 17 كانون الثاني/ يناير و 7 شباط/ فبراير 2020 للمتظاهرين فرصة الاحتفاء بالشخصيات التاريخية، أمثال محمد خيضر (اغتيل في مدريد في 4 كانون الثاني/ يناير 1967) وديدوش مراد (توفي في حرب التحرير في 18 كانون الثاني/ يناير 1955) وبن يوسف بن خدة (توفي في 4 شباط/ فبراير 2003.) وفي منطقة القبائل على وجه خاص، كانت مسيرات الجمعة 14 و 21 حزيران/ يونيو 2019 مناسبة للاحتفال بالمسيرة التي انطلقت من القبائل باتجاه الجزائر العاصمة في عام 2001 قبل أن تُجهض، وكذا أحداث الربيع الأمازيغي في عام 1980، ثم في عام 2001. وفي 24 حزيران/ يونيو 2020، احتُفيَ بالمغني القبائلي الملتزم معطوب الوناس؛ إحياءً لذكرى اغتياله في عام 1997، ثم ذكرى ولادته 25(كانون الثاني/ يناير 1956.) وبصورة عامة، يحيل الإصرار على رفع صور
  3. ظهر هذا المصطلح تاليًا لمصطلح "العدالة الليلية" الذي يحيل بدوره على الإجراءات نفسها التي تجري خارج المواعيد الرسمية للأعمال القضائية. 47  Farida Souiah, "Imaginaires politiques et paroles contestataires: Brûleurs de frontières dans les slogans et les chants du hirak en Algérie," Maghreb-Machrek , no. 245 (2020), pp. 43-56.
  4. كريم بلقاسم وحسين آيت أحمد وزيغود يوسف وعبَّان رمضان، أو حتى محمد شعباني، إلى إعادة تملُّكٍ لتاريخ تعرَّض للحجب زمنًا طويلً: والحال أنه لم تجرِ تسمية المطارات أو الجامعات بأسماء الشخصيات التاريخية تكريمًا لها حتى ثمانينيات القرن الماضي؛ إذ تعرَّض هؤلاء للتهميش بفِعل الهيمنة الثقافية للدولة وحزبها؛ جبهة التحرير الوطني.
  5. François Ploux, Michel Offerlé & Laurent Le Gall (dir.), La politique sans en avoir l'air. Aspects de la politique informelle XIXe-XXIe siècle (Rennes: Presses Universitaires de Rennes, 2012).

الهجين. ففي ديباجة القانون الأول للبلاد، اعترفت السلطات عبر التعديل الدستوري في عام 2020، بأهمية "الحراك الشعبي الأصلي في 22 شباط/ فبراير 2019" (الموصوف أيضًا في الخطاب الرسمي بالحراك "المبارك" و"الأصيل)"، بصورة توازي أهمية الفاتح من تشرين الثاني/ نوفمبر 1954. وتعمل هذه الوطنية الرسمية على تعريف، ومن ثمَّ تحديد، ماهية الانتماء المشروع للمجتمع السياسي: فهي تعمل على "رفض غير الأصيل"49 وفقًا لما تراه سلطة الدولة. أما روح الحراك؛ أي حراك المتظاهرين، فقد احتُفيَ به بصورة مختلفة: ففي خرَّاطة التي تقع في منطقة القبائل، حيث انطلقت أول مسيرة شعبية حاشدة ضد ترشّح عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة في 16 شباط/ فبراير 2019، وإحدى المناطق التي شهدت مجازر الاستعمار في 8 أيار/ مايو 1945، جمع السكان تبرعات وأقاموا نصبًا تذكاريًا في ساحة وسط المدينة، وأعادوا تسميتها "ساحةَ التحرير 16 فبراير 2019." وبهذه الطريقة، استبق السكان الدولةَ وبنوا ذاكرة الحراك الخاصة بهم، وأكدوها بأربع لغات (حيث كتبوا على جوانب النصب التذكاري تذكيرًا بأحداث أعوام 1945 و 1980 و 2001 و 2019 باللغات العربية، والأمازيغية [بأحرف تيفيناغ]، والفرنسية والإنكليزية)؛ مقترحين/ مؤكدين على جزائر أخرى. كانت خنشلة بدورها من بين المدن السبّاقة في الحراك؛ مدينةٌ أوراسية وأمازيغية أيضًا، تابعة للولاية الأولى التاريخية في أثناء ثورة التحرير، تحت قيادة مصطفى بن بولعيد؛ وأرضٌ ملحقة بالفضاء المسمى "أوراس نمامشة"، وهو اسم كونفدرالية قبلية أمازيغية. وهكذا، تندفع على النطاق الوطني، عودةُ المتظاهرين إلى التاريخ التي هي أيضًا عودةٌ للتاريخ إلى سطح الفضاء العام والسياسي، بطريقة تكاد تكون متطابقة؛ إذ تحيل الديناميات المحلية كلها على إشكاليات متشاركة، وزمكان مشترك، يتألف من ذاكرة متشارَكة تتمايز من السردية الوطنية، ومن خبرات معاصرة متزامنة في الوقت عينه، تؤسس كلها لرابطة اجتماعية متجددة. يمكن النظر في إعادة التصور التي تخضع لها الجماعة السياسية الوطنية باستخدام نظرية بنديكت أندرسون عن الأمّة، الذي على الرغم من إصراره، مثَله مثل غيلنر، على دور الدولة وظروف الحداثة (كتعميم التعليم وانتشار الصحافة ومركزية السلطة وغيرها)، فإنه يضيف هنا فكرةً مفادها أنّ تشارُك الشعور بالانتماء يقتضي وجود مخيال جمعي راسخ، وتزامنًا للعواطف السياسية بين أفراد الجماعة بطريقة بينذاتية50. وهو ما تؤكده المسيرات التي أحيت ذكرى الحراك؛ حيث تنقَّل المتظاهرون أفرادًا وجماعاتٍ من جميع أنحاء البلاد في اتجاه خرَّاطة في 16 شباط/ فبراير 2020، ثم في العام الموالي 2021. وتجدر الإشارة في النهاية إلى أنّ الأمر هنا لا يتعلق بقطيعة فعلية مع الماضي. على العكس من ذلك، يبدو لنا أنّ الحراك هو جزء من استمراريةٍ تلتئم فيها النضالات الاجتماعية والسياسية السابقة التي أثبتت الاستقلالية السياسية ل "الشعب" وتذويت الجزائريين للمواطنة في الماضي. أولً، أثبت الجزائريون ذلك خلال تظاهرات كانون الأول/ ديسمبر 1960 التي وإنْ أفادت منها جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني في ذلك الوقت، إلّ أنها كانت من فِعل مواطنين تصرَّفوا بطريقة منسَّقة ومستقلة51. ثم إنّ أسلوب النقاش العام في جمعيات عامّة ومستقلة، وخارج أي تأطير من منظمات قائمة أو مؤقتة، كان سائدًا زمنَ الربيع الأمازيغي في عام 1980 52، أو حتى في أثناء حركات العروش في عام 2002، سواء في منطقة القبائل أو في الأوراس. أخيرًا، أظهرت أحداث آب/ أغسطس 1955 أيضًا القدرةَ على الفعل السياسي لدى المواطنين الذين قرروا الالتحاق بساحات المعارك في الجبال بعدد غفير؛ عقب موجات القمع الأعمى والعنيف الذي سلّطتْه عليهم السلطة الكولونيالية، ما أدى إلى "ولادة جيش التحرير الوطني بوصفه جيش الشعب"، مثلما يقول المؤرخ دحو جربال53. أخيرًا، يميل الحراك في الجزائر إلى تأكيد فرضية أنّ الأمّة والهوية والمواطنة، منذ الأيام الأولى للحركة الوطنية، هي نتيجة لمّا يُحسم النقاش بشأنها بعد؛ أفرزتْها عملية بناء مشترك شاركت فيه مؤسسات (بما في ذلك المؤسسات الكولونيالية) ومنظمات (بما في ذلك الأحزاب السياسية "الأوروبية" في الفترة الكولونيالية؛ كالحزب الشيوعي الجزائري)، والمجتمع (بجميع مكوّناته.) أما الحراك؛ فوُلد في ظروف اجتماعية وسياسية محددة (نسبة الشباب المعتبرة وسط السكان، والانفتاح على العالم بفضل تقنيات الاتصال الجديدة، واستنزاف "الشرعية التاريخية" أو "الثورية"54، والمأزق في سياسات التنمية ... إلخ)، لكنه حاول استكمال عملية البناء الوطني، معِّبِّ ا عن تطلعاتٍ نحو "استقلال ثان" يُفهم على أنه استقلالية حقل السياسة والمواطنة في سبيل دمقرطة

  1. Jean Leca, "Idéologie et politique en Algérie," Etudes , vol. 332, no. 5 (1970), p. 678.
  2. Benedict Anderson, Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism (London: Verso, 2006).
  3. Daho Djerbal (dir.), 11 décembre 1960, Le Diên Biên Phủ de la Guerre d'Algérie (Alger: Naqd, 2010); Mathieu Rigouste, Un Seul Héros le Peuple, La contre-insurrection mise en échec par les soulèvements algériens de décembre 1960 (Paris: Éditions Premiers Matins de Novembre, 2020).
  4. مقابلة مع ناشطين في الحراك، وكذلك أحد المشاركين السابقين في الربيع الأمازيغي ممن شاركوا في مسيرات الحراك، بجاية، في صيف.2019
  5. Mustapha Benfodil, "Conversation avec Daho Djerbal," blog personnel, accessed on 31/12/2021, at: https://bit.ly/3n7tHRl
  6. ومن المفارقات أنّ هذا التشكيك في شرعية "الأسرة الثورية" كان قد بدأه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة نفسه، حين سعى للانعتاق من وصاية السلطات العسكرية التي كان في نزاع معها في ذلك الوقت.

النظام. وبهذا المعنى، فإن التصنيفات التقليدية التي تستخدمها السلطات في الشرعنة؛ كمقولة "الأسرة الثورية" التي تدافع عنها منظمات قدماء المجاهدين أيضًا، تعاني محكًّا تفرضه العودةُ إلى تملُّك التاريخ والهوية التي دفع بها الحراك إلى الواجهة: ذلك أنّ التعبئة بين عامي 2019 و 2020؛ وفي سعيها لاستكمال دورة التاريخ والسياسة، إنما عبّ ت عن عودة التراث الجزائري والإرث الثوري إلى أيدي "الشعب."

خاتمة

حاولنا في هذه الدراسة تحليل التحولات الاجتماعية والسياسية التي تعرفها المواطنة في الجزائر، في إطار الحركة الديمقراطية التي انطلقت في شباط/ فبراير 2019، وذلك من منظور الاستخدامات التي أجرتها أطراف السياسة التنازعية في الجزائر، سلطةً ومتظاهرين، للتاريخ والهوية؛ إذ يبدو أنّ البناء الوطني الجزائري يميل نحو تأسيس أمّة مدنية تتجاوز مرحلة الأصول الأولى التي هي في السياق الجزائري؛ ثقلُ المناطقية والقبَلية والطرُقية التي أسهمت كلها في تأسيس حقل السياسة Politique Le بوصفه محض علاقة راع .- زبون يجدر في غضون ذلك توخِّي الحذر في مثل هذه المساهمة في النقاش؛ حتى لا تكون معياريةً أو غائية. وبالفعل، فإن العديد من عناصر "الحوار" العام لم تُحلّ بعدُ ولم تزلْ راهنة؛ بدءًا من مسألة حقوق المرأة، مرورًا بمكانة الديني وعلاقته بالسياسي، وصولً إلى العلاقة بالتكامل المغاربي. وفي الوقت نفسه، يبدو هيكل الفرص السياسية55 اليوم مغلقًا بعد التغير التدرّجي الذي دفع به جزء من الحراك، وربما بالضد من شرائحَ أخرى كانت تروم الدفع في اتجاه تغيير عميق وسريع. لذلك ينبغي عدم التغاضي عن الصعوبات التي واجهت الحراك؛ سواء ما تعلق منها بمشكلة ترجمة المسيرات إلى منظمات أو تنسيقيات على درجة من المرونة؛ أم العمل ضمن إطار الدولة - الأمّة، وتجنّب القضايا المتعلقة بالطبقية56؛ أم غياب قيادة من خارج الشخصيات الرمزية التي رفضت هي نفسها توِّلِّ التمثيل؛ أم الرؤى المتباينة عن الموقع الذي يمنحه الحراك للحركات الهوياتية العاملة انطلاقًا من الخارج ... إلخ. وهو ما يعني أنّ القيود الداخلية الخاصة بالحركة، وتلك الخارجية الخاصة بالسلطة، لمَّا تزلْ مستمرة. لكننا قد نستعير الصيغة الماركسية الشهيرة فنقول: "إن الإنسانية لا تسأل نفسها إلّ أسئلةً تقدر على حلّها." وفي هذا الصدد، يمثل الحراك نقلةً نوعية لا يُستهان بها في البناء الوطني والمدني للجزائر؛ إذ يبدو أنّ النظام السياسي فقد قدراته على تحقيق الاندماج السياسي57، سواء من خلال إعادة التوزيع الجزئي للريع (بسبب الصدمة المضادة للنفط والغاز في عام 2014، والدخل المنخفض من استغلال المحروقات منذ ارتفاع أسعار النفط، والضغط في اتجاه إلغاء الدعم الحكومي للسلع الأساسية)58، أو من خلال الاستمالة Cooptation (استنزاف أحزاب التحالف الرئاسي السابق إمكاناتها، وغياب القدرة على تدوير النخب السياسية والإدارية59، والعجز عن تجديد المهارات الوطنية بسبب هجرة الأدمغة.) لقد لحظ تشارلز تيلي وسيدني تارو، في نظريتهما عن الحركات الاجتماعية، أنّ ما يسميه كلاهما التنازع القابل للاحتواء60 Contention Contained، أي السياسة التنازعية في سياق النظم الهجينة؛ كحال الحراك الجزائري حتى شتاء 2020، ليس له نتائج قابلة للتوقع61؛ وفي الحالة الجزائرية التي تتسم بأزمة في الشرعنة التاريخية والهوياتية، وهي مادية وسياسية أيضًا، يترك التحليلُ النوعي للحراك العديدَ من الأبواب مفتوحةً على التغُّيُّ السوسيوسياسي الممكن على المدى المتوسط.

  1. Tilly & Tarrow, pp. 59-61, 240.
  2. في هذا الصدد، ينظر النقد الموقفي Situationniste الذي قدمه نجيب سيدي موسى على طريقة "مدرسة فرانكفورت" في: Nedjib Sidi Moussa, "Retour sur une intervention hors-cadre: Le hirak ou le
  3. Ibid., 89.
  4. حول هذه المسائل الاقتصادية  - الاجتماعية، ينظر: دراسة خالد منة ورضا حمزة بوجانة في هذا العدد.
  5. يمكننا القول هنا، وعلى خطى غايتانو موسكا Mosca Gaetano، إنّ تدوير النخب في الجزائر، وبسبب ممارسات المحسوبية وعلاقات الراعي - الزبون والتمكين للسلطة، انتقل من الوضع "المفتوح" إلى الوضع "المغلق"؛ حيث انتهى ذلك إلى إضعاف الإدارات المركزية والمحلية وكذلك الفضاءات السياسية والنقابية الرسمية.
  6. Tilly & Tarrow, pp. 62, 236. 61  Ibid., p. 76.
  7. futur déjà terminé' de la révolution anticoloniale," in: Allal et al., pp. 219-242.

المراجع

Aït-Aoudia, Myriam. L'expérience démocratique en Algérie (1988-1992). Apprentissages politiques et changement de régime. Paris: Presses de Sciences Po, 2015. Alcaraz, Emmanuel. Histoire de l'Algérie et de ses mémoires: Des origines au hirak. Paris: Karthala, 2021. _______. Les lieux de mémoires de la guerre d'indépendance algérienne. Paris: Karthala, 2017. Allal, Amin Allal et. al. Cheminements révolutionnaires: Un an de mobilisations en Algérie (2019-2020). Paris: CNRS Editions, 2021. Althusser, Louis. Positions (1964-1975). Paris: Editions sociales, 1976. Anderson, Benedict. Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. London: Verso, 2006. Bensaâd, Ali. "L'entrée en dissidence dans les espaces de loyauté du régime: une maturation et un prélude à l'avènement du Hirak." Maghreb-Machrek. no. 244,

Billig, Michael. Banal Nationalism. London: Sage Publications, 1995. Brand, Laurie A. Official stories: Politics and national narratives in Egypt and Algeria. Stanford: Stanford University Press, 2014. Carlier, Omar. "Hirak: Un mouvement socio-politique inédit et inventif: Temps suspendu et/ ou en devenir." Insaniyat. no. 87 (2020). Chena, Salim. "'Ats ruhem': Le mouvement démocratique en Petite-Kabylie entre appropriation locale et affirmation nationale." Maghreb-Machrek. no. 145 Citron, Suzanne. Le mythe national. Paris: Editions ouvrières, 1987. Courreye, Charlotte. "L'Association des Oulémas Musulmans Algériens et la construction de l'État algérien indépendant: fondation, héritages, appropriations et antagonismes (1931-1991). " Thése pour obtenir le grade de Docteur de l'INALCO. Discipline Littératures et Civilisations. INALCO. Paris, 2016. Crowley, Patrick (ed.). Algeria: Nation, Culture, Transnationalism: 1988-2015. Liverpool: Liverpool University Press, 2015. Dieckhoff, Alain & Christophe Jaffrelot. Repenser le nationalisme: Théories et pratiques. Paris: Presses de Sciences Po, 2006. Djerbal, Daho (dir.). 11 décembre 1960, Le Diên Biên Phủ de la Guerre d'Algérie. Alger: Naqd, 2010. Dobry, Michel (dir.). "Les transitions démocratiques: Regards sur l'état de la transitologie." Revue française de science politique. vol. 50, no. 4-5 (2000). Dris-Aït Hamadouche, Louisa & Chérif Dris. "Le face à face hirak-pouvoir: La crise de la représentation." L'Année du Maghreb. vol. 21 (2019). Dufy, Caroline & Céline Thiriot Céline. "Les apories de la transitologie: quelques pistes de recherche à la lumière d'exemples africains et post-soviétiques." Revue internationale de politique comparée. vol. 20, no. 3 (2013). Fabbiano, Giulia. "Le temps long du hirak: Le passé et ses présences." L'Année du Maghreb. vol. 21 (2019). Gellner, Ernest. Nations and Nationalism. Hoboken, New Jersey: Blackwell Publishers, 1983. Guennoun, Ali. La question kabyle dans le ­nationalisme algérien. 1949-1962. Paris: Editions du Croquant, 2021.

Hannoum, Abdelmajid. The Invention of the Maghreb. Between Africa and the Middle East. Cambridge: Cambridge University Press, 2021. Harbi, Mohammed. "La crise de 1949 ou l'entrée en scène du particularisme berbère." Naqd. no. 4 (1993). Hermet, Guy. "Les démocratisations au vingtième-siècle: une comparaison Amérique latine/ Europe de l'Est." Revue internationale de politique comparée. vol. 8, no. 2 (2001). Hobsbawm, Eric & Terence Roger Terence. The Invention of Tradition. Cambridge: Cambridge University Press, 1983. Le Saout, Didier. "Faire hirak à Paris: Les mises en scène d'une révolution contre le 'système algérien'." L'Année du Maghreb. vol. 21 (2019). Leca, Jean. "Idéologie et politique en Algérie." Etudes. vol. 332, no. 5 (1970). Lipschutz, Ronnie D. (ed.). On Security. New York: Columbia University Press, 1995. McDougall, James. A History of Algeria. Cambridge: Cambridge University Press, 2017. Mohand-Ameur, Amar. "La recherche et l'écriture de l'histoire en Algérie: réalité et enjeux politiques et mémoriels." Maghreb-Machrek. no. 245 (2020). Mueller, John. "Presidential Popularity from Truman to Johnson." American Political Science Review. vol. 64, no. 1 (1970). Oussoukine, Abdelhafid. 2019 en Algérie: Chronique d'une révolution inachevée. Oran: Editions Enadar, 2020. Ploux, François, Michel Offerlé Michel & Laurent Le Gall Laurent (dir.). La politique sans en avoir l'air. Aspects de la politique informelle XIXe-XXIe siècle. Rennes: Presses Universitaires de Rennes, 2012. Remaoun, Hassan. "Référence à l'histoire et enjeux mémoriels lors du hirak algérien (2019-2020). Autour du slogan Novembriya-Badissiya et de son envers Dawla madaniya (État civil)." Insaniyat. no. 87 (2020). Rigouste, Mathieu. Un Seul Héros le Peuple, La contre- insurrection mise en échec par les soulèvements algériens de décembre 1960. Paris: Éditions Premiers Matins de Novembre, 2020. Souiah, Farida. "Imaginaires politiques et paroles contestataires: Brûleurs de frontières dans les slogans et les chants du hirak en Algérie." Maghreb- Machrek. no. 245 (2020). Stora, Benjamin. "Guerre d'Algérie et manuels scolaires algériens de langue arabe." Outre-Terre. no. 12 (2005). Temlali, Yassine. La genèse de la Kabylie: Aux origines de l'affirmation berbère en Algérie (1830-1962). Paris: La Découverte, 2016. Thiesse, Anne-Marie. La création des identités nationales: Europe XVIIIe-XXe siècle. Paris: Seuil, 1999. Tilly, Charles & Sydney Tarrow Sydney. Contentious politics. Oxford: Oxford University Press, 2015. Tilmatine, Mohand & Thierry Desrues Thierry (dir.). Les revendications amazighes dans la tourmente des "Printemps arabes". Trajectoires historiques et évolutions récentes des mouvements identitaires en Afrique du Nord. Rabat: Centre Jacques Berque, 2017. Zerrouky, Hassane. "Hirak: La difficile relève politique." Pouvoirs. no. 176, (2021).