"المعرفة، الأيديولوجية، والحضارة: محاولة لفهم التاريخ"

* Ibrahim Rabaia إبراهيم ربايعة | ** Ammar Jamhour عمار جمهور |

المعرفة، الأيديولوجية، والحضارة: محاولة لفهم التاريخ عنوان الكتاب:. المؤلف: علي الجرباوي. سنة النشر:.2021 مكان النشر/ الناشر: بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر. عدد الصفحات: 763 صفحة.

"Knowledge, Ideology, and Civilization: Understanding History"

مقدمة

يُعدّ التخلف سؤلً مركزيًا في الفكر العربي المعاصر، مع التركيز على سؤال أسباب تخلف العرب والمسلمين عن التقدم الحضاري، في مقابل نجاح الآخرين في التقاط الفعل الحضاري والمراكمة عليه والتحول من الهامش إلى المركز، لا سيما دول جنوب شرق آسيا. في البداية، صعد الفكر العربي المعاصر بالتوازي مع ضمور الحقبة العثمانية 1923–1299، وتراجع وهجها بوصفها دولة خلافة تجمع المسلمين، وهو ما ارتبط بصعود محاولات جنينية لتكوين دول معاصرة في المنطقة، أهمها تجربة محمد علي باشا 1849-1805() في مصر والسودان وبلاد الشام والحجاز، وما أفرزته من انفتاح فكري على الغرب، وبروز نواة نخبة عربية مثقفة تبحث في سؤاَلَ التخلف والدولة1. وفي محاولة للإجابة عن هذين السؤالين، عاشت هذه النخبة حالة من التفاعل والبحث في مساحتَي الأمة والدولة، أملً في تقديم نموذج للانخراط والارتقاء الحضاري، مستفيدة من الانفتاح على أوروبا ومعرفة النموذج الحضاري السائد هناك حينها2. في وقت لاحق، أثّرت المشاريع الاستعمارية مطلع القرن العشرين في الفكر العربي الوليد، الذي كان انقسم على مراحل متعاقبة بين مشاريع قومية - اشتراكية وليبرالية وإسلامية - إصلاحية، فبدأت التيارات الفكرية العربية تقدّم إسهامات متجاذبة تبحث من جهة عن مشاريع إنقاذية ما بين سلفية دينية، ومن جهة أخرى برزت مشاريع قومية وقُطرية وعلمانية، ورغم اتفاق المشاريع الثلاثة على الحرية والعدالة والثقافة الإنسانية، فإنّ أيًا منها لم يتحول إلى مشروع نهضوي عربي جامع، بل بقيت مشاريع مجتزأة ورؤى متناثرة أنهكتها الهيمنة والتقسيم القُطري والنزاعات الإقليمية والمشروع الصهيوني4. وشكّلت أسئلة المستقبل العربي، والبحث عن ملامح المشروع النهضوي العربي، وتجديد الفكر الإسلامي جوهر عمل نخبة من المفكرين القوميين والإسلاميين في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، وبرزت في ذلك العديد من الأسماء، من بينها محمد عابد الجابري 2010-1935()، وجورج طرابيشي 2016-1939()، وعبد الله العروي -1933()، ومحمد أركون 2010-1928()، ونصر حامد أبو زيد 2010-1934()، وآخرون. إن تفكيكية هذه المشاريع وجهد منظريها في تشخيص الأزمات وتأصيل المفاهيم بقي مستمرًا حتى اليوم، وشهد استقطابًا متصاعدًا بين التيارات الحداثية العلمانية والأصولية الدينية والقومية، وهو ما عكس أزمة المشروع النهضوي في المنطقة العربية. ولعل ثورات الربيع العربي وإرهاصاته المتتالية منذ نهاية عام 2010، على الرغم من كونها لحظة تاريخية عربية فارقة في النضال لأجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لم تخْل من الاستقطابات التي ظهرت في فضاءات سياساتية متشظية. وفي إطار الجهد الفكري العربي للوقوف على راهنية الحالة العربية بمواجهة الحضارة الغربية، يأتي هذا الكتاب الذي يقول مؤلفه علي الجرباوي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة بيرزيت، إنه مشروع وهاجس بحثي لازمه طوال سنوات عمله البحثي والأكاديمي الأربعين. ومن ثم، يشكّل هذا الكتاب مدخلً مهمً لفهم سيرورة مثلث المعرفة، والأيديولوجيا، والحضارة. تكرّس اهتمام الجرباوي بالسؤال الحضاري في العالم العربي مبكرًا من خلال أطروحة الدكتوراه التي حملت عنوان "العلمنة والتحديث في الشرق الأدنى"5 والتفت بحثيًا إلى القضية الفلسطينية من خلال العديد من الكتب6، إلى جانب العشرات من الدراسات والمقالات الأكاديمية في العديد من الدوريات العربية والأجنبية التي بحثت في النخبة والنظام والسلوك السياسي الفلسطيني، وفهم العلاقات الدولية وتحولاتها وفواعلها. لم يغب سؤال استعصاء المشروع الحضاري العربي عن الجرباوي في هذه الدراسات، إذ كان البعض منها ذا صلة بالموضوع، ومنها: "العرب والأزمة الحضارية"7، و"نقد المفهوم الغربي للتحديث"8، وآخرها "من أجل مستقبل عربي أفضل"9، من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي يقدّم فيه الكاتب عصارة معرفية متعددة المستويات.

  1. عبد العزيز الدوري، "تعريف المشروع الحضاري وتجاربه وتطوره"، في: عبد العزيز
  2. 7 علي الجرباوي، "نقد المفهوم العربي للتحديث"، مجلة العلوم الاجتماعية، العدد 4، مج 14 1986()، ص.58-39
  3. Ali Bassam Jarbawi, "Modernism and Secularism in the Arab Near East," Unpublished PhD Dissertation, Cincinnati, University of Cincinnati, 1981.
  4. علي الجرباوي، الجامعات الفلسطينية بين الواقع والمتوقع (القدس: جمعية الدراسات العربية، 1986)؛ علي الجرباوي، الانتفاضة والقيادات السياسية في الضفة الغربية وقطاع غزة: بحث في النخبة السياسية (غزة: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1989)؛ علي الجرباوي، أي نوع من السلطة المحلية نريد: دراسة الحالة الفلسطينية (نابلس: مركز البحوث والدراسات الفلسطينية، 1996)؛ علي الجرباوي، فصل الضفة عن القطاع: مأزق تفاوضي أم خيار إسرائيلي استراتيجي؟ (القدس: منتدى أبحاث السياسات الاجتماعية والاقتصادية،.)1999
  5. ع يي الجرباوي، "العرب والأزمة الحضارية"، المستقبل العربي، العدد 74 (آذار/ مارس 1985)، ص.24-4
  6. 2 عبد الإله بلقزيز، الثقافة العربية في القرن العشرين، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013)، ص.253-249
  7. 3 وجيه كوثراني، "ثلاثة أزمنة في مشروع النهضة العربية الإسلامية"، المستقبل العربي، العدد 120 (شباط/ فبراير 1989)، ص.25-4
  8. الدوري [وآخرون]، نحو مشروع حضاري نهضوي عربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص 70.
  9. 8 علي الجرباوي، "من أجل مستقبل عربي أفضل"، المستقبل العربي، العدد 500 (تشرين الأول/ أكتوبر 2020)، ص.48-42

أولا: فصول الكتاب وأبرز أفكاره

1. في بتر التاريخ

يدحض الجرباوي في الفصل الأول من كتابه فكرة بتر التاريخ، ويقدم التاريخ بوصفه فعلً تراكميًا متعاقبًا. وفي هذا السياق، يستعرض وينقد الإع ناا الذي قدّمه فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama في كتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير الصادر مطلع The End of History and the Last Man تسعينيات القرن العشرين، والذي رأى من خلاله أنّ زمن الصراعات الأيديولوجية انتهى مع سقوط الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينيات القرن العشرين، وأن الغرب فاز بالتزكية بالنظام الدولي، إذ يرى فوكوياما أن انهيار الماركسية أذاب المسار الديالكتيكي للتاريخ، وقاد إلى إنهاء صراع السيد والعبد عبر ترسيخ الحرية والمساواة. وهنا يغلق فوكوياما التاريخ بباب الديمقراطية الليبرالية، الحامل الأيديولوجي للحضارة الغربية. ويرى أن السيرورة التاريخية تقود حتمً إلى النظام الديمقراطي الوحيد القادر على ضمان رغبة الإنسان في الحرية والكيان. ويرى أن القفزات التكنولوجية والتطور في المنهج العلمي التجريبي منذ مطلع القرن السادس عشر أسست قواعد جديدة للمعرفة، وهذا ما يراه فوكوياما مسارًا قاد الإنسان إلى الرأسمالية (ص. 5-33)3 يصف الجرباوي هذه الأطروحة بأنها قراءة تفتقد تحليل السياق، وتتواءم مع البتر الغربي للتاريخ (ص. 7-27)3 ويربط ما قدّمه فوكوياما بما أسست له مدرسة التحديث الغربية، والتي بترت المعرفة واحتكرت مظهرتها، كما كانت ضرورية لتوفير قاعدة أيديولوجية أميركية جذابة، أي إنها وفرت من خلال عملية التحديث والتنمية، التي أصبحت تفهم في هذا السياق على أنها تحوّل إلى الشكل الغربي للدولة، فكرًا ضروريًا وممارسة للأدلجة ذات الطاقة الدافعة للحضارة الغربية (ص. 50) وعلى المنوال نفسه، يقف الجرباوي عند دعوة صامويل هنتنغتون للغرب لصيانة "فرادته Huntington P. Samuelالحضارية"، واستشرافه بصدام حضاري على أسس دينية بالأساس (ص. 8)3 ويورد أطروحة هنتنغتون التي ترى أنّ الحضارات المركزية التي تواجه الغرب هي الصينية والإسلامية، لكن المؤلف يرى أنّ هذه الأطروحة تبسيطية وفيها اعتباطية، وذات قدرة تفسيرية ضعيفة للعلاقات الدولية (ص. 44-46) وقد حذر هنتنغتون في كتابه صراع الحضارات: The Clash of Civilizations and the إعادة صنع النظام العالمي Remaking of World Order الصادر عام 1996 من أن انهيار جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي ليسا حدثين ضامنين لانتصارٍ دائم ومستدام للغرب وديمقراطيته الليبرالية، بل إن الصراع دينامية حتمية ومستمرة يعاد فيها إنتاج الأعداء وتوزيعهم. ويضيف، أن الانقسام الأفقي على قواعد أيديولوجية بين الشرق والغرب إبان فترة الحرب الباردة 1989-1947()، نقل الصراعات في منطقة الشرق الأوسط إلى مساحات ثقافية غير معهودة تقودها الحضارات الكبيرة المتصارعة، والتي فسرها - أي الحضارة - بوصفها "تجمع من البشر وأعرض مستوى من الهوية الثقافية يميز الإنسان على الأنواع الأخرى" (ص. 43-44) يرصد الجرباوي ثلاثة انتقادات أساسية لهذه الأطروحة وهي تعسفيتها باختزالها الصراعات بالاختلافات الهوياتية الثقافية الحضارية، واعتباطيتها التي عكسها تقسيمها العشوائي للعالم، وضعف قدرتها التفسيرية في سياق تفاعلات العلاقات الدولية، لا سيما أنها أهملت المصالح بوصفها محددًا في هذه التفاعلات (ص. 45) ويخلص إلى معارضة بتر التاريخ وتحويل الاعتقاد ببتر التاريخ ونهايته إلى حقيقة على قاعدة أن الحضارة الغربية حكم مؤبد لا تالي له. فكما جاءت الحضارة الغربية استمرارًا لما قبلها قد ترثها حضارات غير غربية لاحقة (ص. 55-57) ويرى أنّ أطروحة بتر التاريخ تعاني انحيازًا مسبقًا إلى نموذج الحداثة الغربية. فهذه الأطروحة وضعت غير الغربيين أمام الفرض القسري لاتباع وصفة الحداثة الغربية ومعاييرها، مع ضمان الفجوة في التقدم لصالح الغرب حكمً (ص. 51-57)

2. في تدحرج التاريخ

يستعرض الجرباوي متوالية التحولات السياسية والاقتصادية لنشأة الدولة الغربية منذ الثورة العلمية في القرن السادس عشر وحتى اليوم، ويرى أنّ الحضارة الغربية حاولت تصويرها بوصفها منفصلة عمّ سبقها من حضارات. ويقدم الجرباوي العلمانية في إطار أوسع من فهمها الأوروبي الضيق، ويركز على توضيح مفهومها بوصفها مسارًا تاريخيًا متدحرجًا جاء في سياق صراع بين الغيبيات، بما يشمل الهيمنة الدينية، والعلم الدنيوي المبني على تراكم المعرفة المادية، وهو الأمر الذي لا يمكن اختزاله في الصراع بين الكنيسة والدولة القومية في أوروبا، كما أنه ليس ظاهرة إلحادية ضد الدين (ص. 64-75) ينطلق الجرباوي من الإنسان الفرد بوصفه مركزًا للفعل الاجتماعي، ويتوسع في هذا الفهم إلى النطاقات الاجتماعية المتتالية، من بينها الأسرة، والمجتمع بمستوياته، ويستعرض خط التوسع الاجتماعي المرتبط بالصراع على الموارد ومراكمتها، الذي تنامى مع مرور الزمن، وكذلك احتدام الصراع بين البشر بسبب محدودية المصادر المادية والمعنوية، وتصاعد التنافس بوصفه نتيجة حتمية، وبلورة مفهوم الخاص وصولً إلى الملكية الفردية، التي أنتجت التفاوت الطبقي الذي نراه في عالمنا اليوم (ص. 75-84)

في ضوء ذلك، يستعرض المؤلف نظريات نشوء الدولة، ويرى أنّ تطورها الطبيعي جاء استجابة لتصاعد الاحتياج البشري إلى التنظيم والإدارة والحيازة، فسار التكوين الاجتماعي من الأسرة إلى العشيرة والقبيلة والقرية والمدينة والدولة، وتشابكت العلاقات وفق محددات الاحتياج البشري المذكورة حتى قادت إلى تكوين الدولة بوصفها إطارًا تنظيميًا ناجزًا. أما في أوروبا، فقد فُهمت الدولة وفقًا لمحددَي الربح والخسارة، ووقفت نظرية الحق الإلهي عند مساحة التقديس بوصفها مدخلً لشرعية الحكم وفرض السيطرة في توزيع المصادر والموارد (ص. 85-88) وقد مثّلت نظرية الحق الإلهي في سياقها الغربي مساحة الشرعية الدولانية في أوروبا حتى القرن السادس عشر، ما أثر في الفكر السياسي، وفي فهم الحكم، وقاده إلى الانزياح التدريجي من الثيوقراطية إلى الواقعية السياسية، وفق ما أسس له نيكولو مكيافيلي Machiavelli Niccolò 1527-1469() في كتابه الأمير The Prince الصادر عام 1532، وهو أول اختراق بهذا الاتجاه، وفق الجرباوي، بوصفه فهمً قام على أنّ مُنشئ الدولة هم الأفراد، وهدفها تلبية احتياجهم، وليس الإسقاط عليهم، أي إنها تستمد الشرعية من الأفراد لا من مصدر آخر (ص. 89-90) في مسار فهم الدولة الغربية وشرعيتها، يسير الجرباوي في اتجاه المخاض الفكري التالي الذي ارتبط بفهم الشرعية ومصادرها من خلال استعراض العقد الاجتماعي عبر رؤوس مثلّثه الفكري، توماس هوبز 1679-1588(Thomas Hobbes، وجون لوك John Locke) Jean-Jacques Rousseau 1704-1632(روسو جاك وجان)، 1778-1712(.) ويناقش المؤلف مفهوم الحاجة إلى الدولة، وأنانية الفرد، وضرورة تحويل الحرية إلى قيمة إيجابية منضبطة، والتنازل الجماعي عن الحرية، وتثبيت تصفير القوة، والمقايضة الشاملة للانتقال إلى الحالة المدنية عند هوبز. ويناقش فهم الفرد بوصفه كائنًا إيجابيًا يستحق التمتع بخصوصيته في حيزه الخاص المُصان، الذي يشمل الحق في الحرية، والحق في الحياة، والحق في الملكية، في مقابل التنازل عن الحيز العام للدولة التي تدير الفضاء العام بثلاث سلطات منفصلة عند لوك. وينتقل في نقاشه إلى فهم روسو القائم على أن الفرد يتدرج من حالة البساطة والوداعة إلى حالة يتعزز فيها الغضب والبغضاء والضغينة، بتعقد حياته الاجتماعية، فيتحول إلى كائن يبحث عما يحقق مصلحته، وهنا تعكس الدولة وسلوكها وتنظيمها الإرادة العامة والحق الاشتراعي للشعب بهدف نقل الفرد من الحالة الطبيعية إلى المدنية، بمواءمات توفيقية بين العام والخاص (ص. 89-105) واستعرض الجرباوي، ليعزز أطروحته، الداروينية الاجتماعية نسبة لتشارلز داروين Darwin Charles 1882-1809()، لا سيما فيما يتعلق بعلاقة الإنسان بالدولة والمجتمع. ويبرز المؤلف مسارَي هذه النظرية، وهما: الأول، كما قدّمه هربرت سبنسر Spencer Herbert 1903-1820()، الذي قال ببساطة بأن البقاء للأصلح، ودعا لدورٍ أقل للدولة في تنظيم الفضاء العام لصالح حيز أوسع للفرد للمنافسة ومحاولة البقاء وفق محددات الانتقاء الطبيعي، وبأنّ وظيفة الدولة هي حماية الحريات والحدود ومسؤولة عن السياسات الخارجية، وهو ما يراه الجرباوي دفعة مهمة لترسيخ مبادئ الفكر الديمقراطي الليبرالي سياسيًا، والرأسمالية اقتصاديًا. أما الثاني، فهو السياق الذي نمت فيه القومية الشوفينية القائمة على تفوّق الرجل الأبيض، ما أعطى الاستعمار قوة دافعة للتوسع الاستعماري الغربي في العديد من بلدان العالم (ص. 106-111) ولا يغفل المؤلف موقع كارل ماركس Marx Karl 1883-1818() وفريدريك إنجلز Engels Friedrich 1895-1820()، في هذا المسار الفكري التراكمي لنشأة الدولة الغربية، فماركس مثلً رائد الاقتصاد السياسي لتطور المجتمعات قدّم فهمً متقدمًا للتاريخ قام على أنّ التاريخ متحرك، ويقود إلى قوانين مادية واجبة الحدوث كمتوالية على مراحل، وفي هذا السياق تأتي القوانين الوضعية الناظمة للظواهر التاريخية. وهذا ما ينتج مراحل التعاقب التاريخي، وهي المشاعية البدائية، والعبودية، والإقطاع، والرأسمالية، والاشتراكية، والشيوعية (ص. 112-121) في ضوء ذلك، يأتي هذا الفصل ليتدرج المؤلف من خلاله مع القارئ في مسار نقده ونقضه لبتر التاريخ الذي حاولت الحضارة الغربية الرائدة حاليًا ترسيخه، في المقابل يحاول المؤلف، من خلال هذا التدرج، تثبيت فهم تدحرج التاريخ لدى القارئ، وهو تدحرج قائم على الالتقاط والمراكمة الثقافية - الحضارية كما سيوضح في الفصل اللاحق.

3. في فهم الحضارة والثقافة

يفض الجرباوي في الفصل الثالث الالتباس بين الثقافة والحضارة والأيديولوجيا والإمبراطورية، وهو فض مهم قاده إلى وصف العلاقة السببية بين هذه المفاهيم في إطار أطروحته عن توالي الحضارات. في ضوء ذلك، يعرّف الجرباوي الثقافة بوصفها مزيجًا من الرؤى والأفكار والمعتقدات والبنى الرابطة لكينونة الجماعة والحامية لاستمرار وجودها، وهي ذات طابع خاص بكل مجموعة يقود إلى تمايزها ويعكس خصوصيتها. ويأتي فهم الثقافة نتيجة مراكمة معرفية تسعى إلى فهم الإنسان والمساحة بين الأنا والآخر ونحن. ويثير الجرباوي بمتواليته أسئلته المركزية عن الارتباط بين الثقافة والحضارة، وهل كل ثقافة قادرة على التحول إلى حضارة أم لا؟ (ص. 127-128)

أما الحضارة، فيقدمها الجرباوي بوصفها "حالة مركبة ومتحولة من التطور الإنساني، تعبر عن رؤية محددة للوجود، مرتبطة مع نسق حياة ومجموعة معتقدات وطريقة تفكير وأسلوب تعامل وذاكرة تاريخية، تعكس نفسها مجتمعة وتتعزز بمنظومة قيمية تتفاعل ضمن بنى قانونية وسياسية واجتماعية، وحتى عسكرية وتنتج فنونًا وآدابًا وعلومًا." وهنا يبرز المؤلف الالتباس المفاهيمي الذي شاب تعريف كل من الحضارة والثقافة، والذي قاد إلى عدّهما متطابقين عند بعض المفكرين كما فريدريك وينسلو) الذي عدّ 1915-1856(Frederick Winslow Taylor تايلور الحضارة بوصفها "ثقافة مكتوبة بأحرف كبيرة على امتداد الزمان." أما هنتنغتون، فقد عدّ الحضارات بوصفها "كيانات ثقافية"، وأن الحضارة ثقافة واسعة النطاق (ص. 129-130) في ضوء ذلك، يشير المؤلف إلى ضرورة التفريق بين المفهومين عبر مسارَي الارتقاء التاريخي وفهم الحضارة، بوصفها فعلً تراكميًا، لا بتر التاريخ، فمسار تحرّك التاريخ القائم على تحوّل الثقافة إلى حضارة بنشوء المدينة وانتقال الإنسان من البداوة إلى الريفية إلى المدينية مسار تاريخي طويل (ص. 131-132) وهنا إشارة مهمة في الكتاب إلى الفرق بين المدرسة الألمانية التي أعلت من شأن الثقافة بوصفها جوهر الإنسان وتعبر عن القومية ذات البعد الأخلاقي وتنتج الهوية والقيمة والغاية، والمدرسة الفرنسية صاحبة إنشاء تعبير الحضارة بوصفها ميزانًا للتفريق بين الهمجية والرقي (ص. 132) لذلك، يحاجّ المؤلف بأن الحضارة ظاهرة أعمق من الثقافة في المنظور رغم تشاركهما بعلاقة وثيقة، ويرى أن الحضارة "منتج ثقافي"، فحضارات مركزية في التاريخ بنيت وأنتجت من تمازج ثقافات مثل الحضارة الإسلامية، والرومانية، والإغريقية (ص. 133-134) ويضيف الجرباوي في مداخلته شرحًا لمفهوم الأيديولوجيا ودورها في التكوين والارتقاء الحضاري، بوصفها شرطًا أساسًا في استدامة التوسع الإمبراطوري وتحويل فائض القوة إلى حضارة ناجزة. فالثقافة الحاكمة ذات المحفز لازمة للقوة المادية ومتلازمة معها في البناء الحضاري. لذلك، فإن الحضارة تستوجب حضور الأيديولوجيا بوصفها روح الجيوش والمجتمعات التي تنقل التوسع الحضاري من فعل بالإكراه إلى قناعة دافعة (ص. 160-169) أخيرًا، يقدم الجرباوي متواليته الحضارية بوصفها بديلً من أطروحة بتر التاريخ، وذلك على سبع مراحل، أولً، مرحلة تهيئة المجتمعات في حال وجود أيديولوجيا عالمية، لقبولها أو رفضها أو التناغم معها. ثانيًا، مرحلة تهيئة المجتمعات لنشر الثقافة، فالحضارة تبدأ بالضرورة من اتصال عدة ثقافات، هذا الاتصال قد يأتي بالحرب والقوة والفرض وقد يأتي بالأدوات الناعمة (ص. 169-173) ثالثًا، تهيئة المجتمعات لمرحلة التناغم الثقافي مع المجتمعات العالمية. رابعًا، تهيئة المجتمعات لمرحلة الانصهار وتكوين المجتمع الواحد وكسر الحواجز بين الثقافات، ما يحفز التطور الحضاري والإبداع. خامسًا، تهيئة المجتمعات لمرحلة تعزيز النقاشات العامة عن شكل الدولة وطبيعتها وعلاقة المركز بالأطراف. سادسًا، تهيئة المجتمعات لأي نكوص أو انكماش أو ارتداد في عودة الثقافة إلى أصلها المحلي بعد فقدانها حافزية الأيديولوجيا العالمية. سابعًا، تهيئة المجتمعات لمرحلة الاضطرابات والتفتّت وفقدانها قدرتها على مواجهة القوى الخارجية (ص. 173-180)

4. في توالي الحضارات

يقدّم هذا الفصل قراءة عميقة لتاريخ التكوين الحضاري تسير في اتجاه الاستدلال على المسار التراكمي التصاعدي لمعرفة الإنسان المادية. يعتمد المؤلف في هذا الفصل على المنهج التاريخي لرصد مسار التراكمية في توالي الحضارات. وفي هذا السياق يفصل الجرباوي بين الحضارات المتزامنة من جهة، التي أطلق عليها "مجازًا" اسم الحضارات المتموضعة، التي تمركزت في محيط مصادر الإنتاج الأولية، وتحديدًا الأنهار، وبنت نظمها على نحو تراكمي وقادت إلى تحوّل الإنسان تدريجيًا إلى التنظيم والاستجابة لتعقد الحياة المتصاعد، مع التركيز على الحضارة السومرية التي نشأت في أرض العراق 5000(ق.م. - 1750 ق.م).، وحضارة مصر القديمة على امتداد وادي النيل 150(.3 ق.م – 0.3 ق.م).، وحضارة وادي السند في الهند 00(33 ق.م. -1300 ق.م).، وحضارة الصين القديمة 2070(ق.م. – 256 ق.م).، وحضارات أميركا القديمة؛ كالمايا 2000(ق.م)1546–.، والآزتك 1521–1374()، والأنكا 1531–1100(.) وفقًا للجرباوي، حافظت هذه الحضارات على موطنها الأصلي ومركزها، ولم تعمد لتصدير ثقافتها والالتقاء مع الثقافات الأخرى بل عمدت لاستجلاب الموارد من الخارج عبر الغزو والحروب، ومن ثم، لم تحمل منظومتها العسكرية أي قوة ناعمة لنشر الثقافة (ص. 189-204) ومن جهة أخرى، يتشكل النوع الثاني من الحضارات العالمية المتتالية غير القابلة للتزامن؛ فهذا الالتقاء المتوالي غير أفقي بل محكوم بتراتبية عمودية، أي إنه التقاء بين حضارة آفلة وحضارة صاعدة، فقد شكلت كل حضارة في هذا السياق مساحة إنتاج مهم في سياق الفعل الحضاري التراكمي. يستدل الجرباوي على حجته بالإشارة إلى حضارة الفرس الأخمينيين 550(ق.م-331. ق.م).، التي قدمت إسهامًا عامًا كونها صاحبة المدخل التأسيسي في الانسياب الحضاري التالي، والحضارة الإغريقية 1200(ق.م 23–.3 ق.م).، التي تميزت

برفد البشرية بالإسهام الديني المتمازج مع الميثولوجيا، وأنتجت فكرًا سياسيًا وفلسفيًا واجتماعيًا مؤثرًا في تاريخ البشرية، وواجهت أسئلة علاقة الفرد بالدولة (ص. 206-223)، والحضارة الرومانية –.27(ق.م 476)، التي عرفت بالتنظيم الإداري والقانوني والعسكري المحكم (ص. 223-238)، والحضارة العربية الإسلامية 1258–622(م) التي شكلت رافعة ثقافية أيديولوجية في الجزيرة العربية؛ فالإسلام جاء بترابط فاعل بين دور الفرد في عمارة الأرض وفق نظام عدالة اجتماعية وفعل أخلاقي مستدام وبين موقعه في الأمة ومسؤوليته تجاه المجتمع بوصفه منتجًا ومحركًا وعاملَ تغيير فاعلً (ص. 235-239) أفضت هذه الحضارات المتعاقبة إلى نهضة على مستويات الإنتاج المعرفي والفكري والصناعي، تُعدّ خروجًا من تغييب العقل، وجدلً فلسفيًا في سياق انسيابي للعلمنة وتشكيل النظم السياسية وعلاقة الفرد بالمجتمع والدولة، وتراكمً عامًا بالثروة لصالح الدولة والمجتمع بعيدًا عن المراكز الإقطاعية السابقة. وقد جاء هذا الإنتاج استمرارًا لسيرورة التوالي الحضاري ومراكماته. في ضوء ذلك، يدعو المؤلف في هذا الفصل لفهمٍ أعمق للحداثة غير مقصور على الحضارة الغربية، بل فهمها بوصفها ظاهرة مرتبطة بعامل الزمن المتحرك ومسار التاريخ، أي تتسم بالتتابع والتراكمية والاتصال (ص. 185-188)

5. استنتاجات نظرية: توالي الحضارات بدل ا من بتر التاريخ

يشير الجرباوي إلى أنه منذ الدخول في عهد الحضارات العالمية لم يعد هناك إمكانية لتَعاصر وتزامُن حضارتين رائدتين أو أكثر في آن واحد، وهذا لا يتناقض مع وجود نقطة تاريخية تلتقي فيها الحضارة الصاعدة مع الآفلة، بحيث تلتقط فيها الأولى منجزات الأخيرة وتبني عليها، وبهذا تُفند أطروحة هنتنغتون حول صراع الحضارات، التي يصفها بالسطحية والتعميمية (ص. 272) في ضوء ذلك، تتعاقب الحضارات في مسار خطي تصاعدي، يقوم على مراكمة المعرفة المادية والبناء عليها، وهذا ما يفصله الجرباوي برسم بياني يوضح رؤيته لتوالي الحضارات والانتقال من الحضارة الأغريقية، إلى الرومانية، إلى العربية الإسلامية، إلى الغربية بخط تصاعدي فيما يخص المعرفة المادية (ص. 275) علاوة على ذلك، يقدم الجرباوي قراءة لردود فعل الثقافات على المواجهة الحضارية، ويربطها بطبيعة الطرف المواجهة للحضارة الرائدة، فالثقافة المتبقية عن الحضارة الرائدة السابقة ذات طبيعة مواجهة مختلفة، حيث تحاول هذه الثقافة التغني بالحضارة البائدة واعتبار أن اندثار حضارتهم لم يأت بعوامل داخلية بل بعوامل خارجية فيها المؤامرة وكيد الأعداء، وهذا ما يجعل تمترس أبناء الثقافة حول أشلاء ثقافتهم أكبر وأشد تطرفًا في المواجهة رغم الخواء الأيديولوجي وغياب الطاقة الدافعة. ويبرز، في هذا السياق، تناقض تحوّل أبناء هذه الثقافة إلى مستهلكين فقط لمنتجات غيرهم من دون تقديم مساهمة عالمية. أما بالنسبة إلى الثقافات الأخرى المتبقية من حضارات أخرى سابقة، فقسم منها يذهب إلى خيار المشاركة بتقبّل الصعود الحضاري البديل، ويعدّه فرصة للتغيير والاستثمار وتجديد القدرات الذاتية، ما يتطلب تقبل الأيديولوجيا الصاعدة وهضم المعرفة المتراكمة، وهذا خيار تهدف من خلاله الثقافة لإعادة إنتاج نفسها واستعادة جزء من بريقها (ص. 282-286) إن تبني ثقافات كانت منضوية تحت حضارات سابقة هذا الخيار أسهل وأقل تعقيدًا، إذ تجيد هذه الثقافة إعادة التموضع بيسر أكبر، لكن حضورها وفاعلية أدائها على مستوى الحضارة الرائدة مشروطان بدافعيتها للاندماج والاستفادة من الحضارة ومراكمات المعرفة التي تحملها. أما القسم الآخر فيؤثر خيار مواجهة الحضارة الرائدة ومجابهتها لإنتاج حضارة جديدة تحلّ محلها. يرصد الجرباوي أربعة اتجاهات تسلكها نخب الثقافات المستهدفة بمواجهة الحضارة الرائدة، الأول أصولي يؤمن بإمكانية استعادة الريادة ويرد الخلل على الأيديولوجيا، أي إنه تيار يسعى لإعادة الزمن إلى الوراء، ورغم أنهم لا يجدون غضاضة في استهلاك منتجات الحضارة الرئيسة، فهم يفضلون هذا الاستهلاك على إنتاج أيديولوجيا (ص. 294-295) الثاني، هو الخط الإصلاحي المتفق على موقع الأيديولوجيا المتقدم والمختلف بفهمه لأسباب النكوص، فيرى هذا التيار أن الأيديولوجيا تفقد قدرتها التحفيزية عند تكلّسها، أي إن الأزمة نابعة مع ضعف المواكبة وهضم التغيرات والتحولات (ص. 295-296) ثالثًا، المدرسة التوفيقية التي توصف بأنها عملية وبراغماتية، وتقبل التعايش مع التحولات وما تفرضه، وتحاول استثمار ما تكتسب من الحضارة الرائدة لرأب شقوق ثقافاتها المتهاوية. ورابعًا، الأصولية أو الجذرية، التي تدعو لتبني أيديولوجيا الحضارة الوافدة، والانخراط التام فيها، والقطع مع السابق بوصفه مسارًا اندماجيًا تامًا (ص. 296-298) زد على ذلك، يرى الجرباوي أن متوالية البناء في الحضارة الغربية بدأت في تحويل فهم المسيحية الكلاسيكية للعلاقة بين الفرد والدنيا إلى فهم إيجابي، مرّ بمسيرة متتابعة من عصر النهضة إلى عصر التنوير، وخلقت أيديولوجيتها الدافعة التي قادت بمراكماتها واستثمار التراكم المعرفي البشري إلى الثورة الصناعية التي بنت وخلقت، فوسعت الفجوة بين هذه الحضارة وبقية العالم في ظل أفول الحضارة العربية الإسلامية. ومن هنا يرى الجرباوي أن التوسع الاستعماري الأوروبي جاء استجابة لهذه التحولات التي تطلبت مزيدًا من الموارد والأسواق (ص. 01)3

أما عن التطور الحضاري العربي – الإسلامي، فيرى الجرباوي أن الإسلام في وقت لاحق لم يكن حاملً للمشروع الإمبراطوري العثماني كما كان في الحقبتين الأموية والعباسية، بل اعتمد العثمانيون بالأساس على القوة العسكرية، قبل أن يتحولوا إلى عقيدة جامدة، جمدت عروق الفعل الحضاري العربي في هذا النطاق خمسة قرون. ويرى أن تبلور فكرة الدولة القومية العربية جاء في ظل هشاشة الحكم العثماني، وعدم تمتع هذه الحقبة بهياكل الدولة الجامعة (ص. 02)3 وعلى المنوال نفسه، برزت تيارات فكرية أخرى تعاصرت وتعاقبت، منها تيارات الإسلام السياسي المعاصر التي نشأت استجابة لهذا الواقع بوصفها تيارات أصولية برز منها التيارات السلفية المتشددة التي مثلتها الوهابية، والمعتدلة التي مثلها الإخوان المسلمون (ص. 16-308)3 في ضوء ذلك، فإن السجال الفكري بين التيارات المذكورة لم يحسم، وبذلك لم يستطع العرب تحديد سبل الاستجابة للحضارة الوافدة، فتعاقبت التيارات على سيادة المشهد وفق محددات ارتبطت بردود الفعل على المحددات الخارجية، كما بقي السجال على مستوى النخبة، ما انعكس بخلق حالة انفصام عامة (ص. 318) ويرى المؤلف، في معالجته نماذج أخرى، وبناءً على تأطيره النظري ودلائله التاريخية والمستحضرة من اليابان والصين، أن الحضارة الغربية، لا سيما في الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، على الرغم من مواجهتها معضلة الاستمرار بسبب نزعة التوسع الإمبراطوري المفرط، لكن وجودها في ظل ديمقراطية ومؤسسات ديمقراطية يمنحها القدرة على الترميم الدائم ما يسمح بإطالة عمر الحضارة الغربية. أخيرًا، وفي ضوء ذلك، يرى الجرباوي أن الحضارة المقبلة ستكون أشد علمنة وأعمق معرفة، لكنها ستواجه كما الحضارة الحالية التنافس الحاد والاستغلال الجائر للطبيعة وللموارد، لكن لن يحميها إلا الوعي بأن هذا التنافس يجب أن يقود إلى حضارة كونية جامعة. أما عن واقعنا العربي، فيختتم المؤلف كتابه بالقول "لن يتغير الواقع العربي إلا باعتراف العرب الصريح والإقرار المبين بالتخلف العربي عن ركب الحضارة المعاصرة، والسعي غير المشروط أو المجزوء لاستيعاب قوانين العصر والعمل بموجبها. الحضارة الغربية هي محصلة التقدم الإنساني التراكمي عبر العصور، وبالتالي هي ليست ملكًا للغرب، وإنما ملك للبشرية جمعاء،[..]هذه ليست دعوة للعرب لقبول دوام إلحاقهم وتبعيتهم للغرب على الإطلاق، بل هي دعوة تستهدف تحقيق العكس تمامًا[..]إلى تحريرهم من هذه التبعية" (ص. 59-358)3

ثانيًا: مناقشة الكتاب وأفكاره الرئيسة

تأتي أهمية هذا الكتاب في سياق موقعه المرتبط بالبحث العربي المستمر عن العلاقة مع الحضارة الغربية القائمة من جهة والحضارة الصينية التي من المرجح أن تكون القادمة من جهة أخرى، إذ يفتح نوافذ تأسيسية للفهم والبحث والنقاش المتصل رغم عدم إفراده مساحة كافية للبحث في المشروع الحضاري العربي الإسلامي، والذي بات أشد أهمية في ظل إلحاح أسئلة الدولة والمجتمع والهوية والآخر بعد تفاعلات ثورات الربيع العربي. قدّم العديد من المفكرين العرب والمسلمين فهمً مختلفًا للحضارة وارتدادات المفهوم على السياق العربي، لعل من أبرزهم المفكر الجزائري مالك بن نبي، الذي لا يتسق فهمه وتعريف الجرباوي العريض للحضارة، فيري بن نبي الحضارة على أنها جملة من العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفر لكل فرد من أفراده جميع الضمانات الاجتماعية لتقدمه، وهذا التقدم مرتكز على مجموعة من الشروط الأخلاقية والمادية التي تجعل من الفرد فاعلً ومتفاعلً فيه. ويرتكز بن نبي كما العديد من المفكرين على المجتمع والمنظومة القيمية بوصفها نواة صلبة للحضارة، وهذا ما يقود إلى التفريق بين الحضارة وانعكاسها الاجتماعي- أي المجتمع المتحضر- وبين إنتاج هذه الحضارة المادي الصرف الذي يعكس عند بن نبي تفاعل الإنسان والأرض والزمن. لقد عبّ الجرباوي عن الإنسان بالثقافة وعن الأرض بمركز هذه الثقافة الرافعة للحضارة، أما الزمن فقد عكسه بتوالي الحضارات ودورة حياة كل منها، وهذه مساحة اختلاف بين الجرباوي وبن نبي10. فعلى عكس الجرباوي الذي يعتقد بتوالي الحضارات، يظهر الرأي المقابل لبن نبي الذي يقول بأن التوالي قد يكون في الإنتاج الحضاري لا في البنية التي تبقى مرتبطة أساسًا بجذورها، فيعتبر بن نبي أن الحضارة الغربية الراهنة امتداد متسق مع قواعد المجتمع المسيحي في القرون الوسطى، وبهذا المعنى لا يمكن حضارة أن تذوى إن كان مجتمعها حيًا، وهذا ما ينطبق على الحضارة الإسلامية التي لا يمكن إنكار أزمتها، لكن أيضًا لا يمكن نفي فرصة استعادتها روحها من جديد، ومن ثم، يمكن أن يقبل بن نبي بالتوالي الذاتي لا التوالي العام للحضارات.

  1. مالك بن نبي، القضايا الكبرى، ط 12 (بيروت: دار الفكر المعاصر؛ دمشق: دار الفكر، 2015)، ص.43

يرى بن نبي أن أزمة الحضارة العربية الإسلامية تكمن في غرق العالم الإسلامي في البحث عن كيف نصنع منتج الحضارة، ما أفضى إلى حضارة مشتتة وسائبة. ويشدد على ألّ تناقض بين الإنتاج الحضاري والدين، كون الأخير يشكل البنية التحتية النفسية لأيّ حضارة ويعزز التفاعل الخلّ ق بين الإنسان والتراب والزمن11. لا يظهر الفصل واضحًا في فكر بن نبي بين الحضارة والثقافة، لكنه يعتمدهما في شرح التخلف بوصفه تعثرًا حضاريًا12، ففي حين يفضي الحضاري عند الجرباوي إلى الضمور فالأفول الحضاري، يعد التعثر عند بن نبي خللً في الاستشعار الأخلاقي ومزيجًا من اغتراب ولافاعلية الفرد وانفصاله عن محيطه الاجتماعي- الحاضن للحضارة. أما الثقافة بالنسبة إلى بن نبي فهي متجذرة في مجتمعها لا متنقلة، لا يمكن استيرادها أو تخليقها في المجتمعات عبر الاحتلال أو التصدير، أي إن الثقافة ليست بالنسبة إلى بن نبي كما قدّمها الجرباوي رافعة أساسية وحاملة للمشروع الحضاري. وبهذا الإطار الذي قدّمه بن نبي فإن الضمور الحضاري مرحلة اعتلال قد يتعافى منها المجتمع في حال استعاد دورته الحضارية، فالحضارة تنحط عندما تنتقل من سيادة العقل الأخلاقي وضبطه إلى الغريزة التي تحوّل المجتمع إلى ساعٍ وراء التكميم وإنجازات الحضارات الأخرى مع فراغ أخلاقي، أما الدين فهو ضروري لانطلاق الحضارة وشحنها في مرحلة نهوضها الذي يستند عند بن نبي إلى هذه الرافعة الروحانية13. إن ما يقدمه الجرباوي من تعريف للحضارة واسع وشامل لكن مساحة الفرد فيه تضمر لصالح التفاعل وديناميكية الفعل السياسي تحديدًا، كونها ترتكز على البنى الحاضنة وتستند إلى رؤية تلخص المعتقد والذاكرة. فيعدّ المجتمع وفق هذا التعريف مساحة مسحوقة لصالح النظام السياسي الذي يستطيع أن يحتكر فهم القيم والمعتقدات وبناء الرؤية الجامعة. وعلى العكس، يبالغ بن نبي بإعلاء دور الفرد وتفاعلاته المكونة للمجتمع، وما يرتبط بهذا الفهم من تركيز شديد على المساحة الأخلاقية ومكوناتها الدينية والاجتماعية. ويميل هذا الفهم في كثير من الحالات إلى المثالية كونه يتجاهل القوة والتنظيم السياسي لهذا المجتمع. وبناء عليه، من الأنسب المزاوجة بين التعريفين برفع مساحة الفرد والمجتمع لدى الجرباوي، وهذا ما كان قد أشار الجرباوي نفسه إلى أهميته عندما ركز على دور الفرد والمجتمع عند حديثه عن تدحرج التاريخ وتسلسل البناء الحضاري الغربي. وإذا كانت أطروحة الكتاب المركزية تقوم على فهم الحضارة وإثبات تواليها والحضارات التالية، فإن مفهوم العلمانية المرتبط بهذا التوالي أساسي في هذه المساحة. وإذ يقدم الجرباوي العلمانية على أنها انزياح نحو العلم على حساب الغيبيات ومسار متدرج في الصراع بين الهيمنة الدينية والعلم، فقد أخذ هذا المفهوم مساحة واسعة من الجدل في الفكر السياسي العربي، بين تيار يدعو للعودة إلى الدين شرطًا للنهضة وآخر يدعو للتخلي عنه على نحو مطلق باعتباره ضرورة للالتحاق بالحضارة القائمة. وبين المساحتين برز مفكرون قدّموا فهمً تكييفيًا للعلمانية، إذ يرى الجابري أن العلمانية لا يمكن أن تكون الحل في السياق العربي الإسلامي. فالعلمانية هي فصل بين سلطة الدولة والمؤسسة الدينية، وهذا لا يمثل الاشتباك في الفضاء العربي الإسلامي حيث الدين ارتباط مباشر بين الفرد وربه من دون وسيط. لكنه يرى ضرورة فصل الدين عن السياسة ومنعها من توظيفه. في المقابل، يذهب عبد الوهاب المسيري في دراسته الموسعة للعلمانية بالتفريق بين العلمانية الجزئية، الممكنة في السياق العربي الإسلامي، والعلمانية الشاملة التي تسوّق بوصفها قالبًا واحدًا جامدًا وتميل إلى راديكالية أكبر. لا يذهب المسيري إلى أن العلمانية نزوع مطلق نحو العلم وضمور مطلق للغيبيات، بل يذهب إلى أن العلمانية في أوروبا استجلبت مطلقات مسيحية وطوّعتها وحوّلتها إلى مطلقات علمانية. لكن المتوالية العلمانية أنتجت علمانية جزئية ظهر فيها الفصل بين الدين والدولة واحترام القيم وغيرها من المبادئ التي تمثّل جزئيات في منظومة واسعة يعجز المصطلح عن الإحاطة بها50. يرتكز ما يقدّمه المسيري على تفكيك العلمانية على مستوى التطبيق إلى جزئيات تكنولوجية وعلمية ودينية وسياسية وغيرها، وفهم شمولي لصورتها ومتواليتها. ويتسق هذا الطرح مع بن نبي والجابري في عدم إمكانية تخلي الحضارة الرائدة أو المتراجعة عن قواعدها الأيديولوجية - الدينية في الحالة العربية الإسلامية - في أي حال من الأحوال. من هنا، يمكن القبول بتعريف الجرباوي للعلمانية على أنها تدرّج متصاعد نحو اليقينيات والعلم، إن كانت إشارة إلى العلمانية الجزئية وفق المسيري، لكن هذا التعريف لا يمكن إسقاطه على نحو شامل من دون تفصيل، وهنا من المهم الالتفات إلى إشارة الجابري حول تفاوت السياقات وغياب المؤسسة الدينية المهيمنة التي تواجهها العلمانية في السياق العربي الإسلامي، في عصرنا الحالي على الأقل. رغم

  1. المرجع نفسه، ص.53
  2. المرجع نفسه، ص.68
  3. ابرير الطاهر وبنادي محمد الطاهر، "الحضارة في فكر مالك بن نبي"، 12 مجلة الفكر
  4. المتوسطي، مج 9، العدد 2 2020()، ص 137-110، شوهد في 2022/3/27، في: https://bit.ly/3u6J2ox 13 عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية العلمانية الشاملة، مج 1 (القاهرة: دار الشروق، 2002)، ص.37-36

تركيز الكتاب في أطروحته المركزية على الثقافة بوصفها أداة توسع وإدماج لأي حضارة تسعى لأن تكون رائدة، فإنه قد أشار إلى بناء الحضارة الغربية – أميركية المركز على قواعد التحديث والتنمية، من دون الالتفات إلى القواعد الأيديولوجية الدينية، والتي تؤثر، حتى جزئيًا، في الحضارة الرائدة، والتي أصبحت قواعدها كما يشير المسيري بنيوية في انتشار هذه الحضارة. ولعل هذا يقود إلى إعادة قراءة متوالية الحضارة لتكون عمودية متصلة بالحواضن الثقافية – الحضارية ذاتها، لا أفقية عابرة للثقافات والحضارات، ويقود أيضًا إلى ضرورة قراءة أطروحة الجرباوي حول توالي التاريخ على نحو أكثر تركيبًا يقوم على التوالي الداخلي في الحضارة ذاتها، والتلاقح أو التبادل المعرفي بين الحضارات المختلفة بما لا يفضي إلى أن تبتلع الحضارة الصاعدة نظيرتها الآفلة. إن أهم ما يمكن الإشارة إليه في حالات الدراسة التي وظّفها الجرباوي في كتابه، هو الحالة الصينية. فالصين اليوم تسحب مركز الثورة الصناعية الخامسة القادمة من الغرب إلى الشرق عبر مشروعها الكبير الحزام والطريق، وعبر التحول من استهلاك المعرفة وهضمها إلى إنتاجها، من خلال تكنولوجيا الجيل الخامس، ما يقود إلى شكل مختلف قد تقدّمه الحضارة الصينية المقبلة، لا يتسق مع تعريف توالي الحضارات الذي يطرحه الجرباوي، يتمثل هذا الشكل في إمكانية تحوّل مركز الحضارة الغربية إلى خارجها، أو بلغة أخرى إدارة صينية للحضارة الغربية تلافيًا لدفع تكلفة الانتقال والإحلال، وهذا شكل غير مسبوق لكنه ممكن وفق المعطيات، ويحتاج إلى دراسة معمّقة. فحتى اللحظة، لا تقدّم الصين نفسها بوصفها مشروعًا حضاريًا بديلً أو كما يصفها الجرباوي برؤية بديلة تمامًا (ص. 2)33، بل على العكس، ففي كلمة خاصة بمناسبة الذكرى الخمسين لعضوية الصين في الأمم المتحدة، أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ التزام بلاده بمقاصد المنظمة والتزامها بقيم السلم والأمن والرفاه والتنمية والحرية والعمل المشترك ورفض الهيمنة، وأشار إلى تقدّم بلاده في مجال حقوق الإنسان – المراعية للخصوصية الصينية - ما يتوافق أيضًا مع التزام الصين بدفع حصتها من تمويل الأمم المتحدة، بوصفها ثاني أكبر داعم، والتزامها بالمشاركة الفاعلة في عمليات حفظ السلام الدولي بنحو 50 ألف مشارك حتى اليوم، وتوزيعها كميات كبيرة من المساعدات الطبية حول العالم لمواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد74، ويمكن القول إن الصين تنقد الانحراف والهيمنة واللامساواة في النظام القائم وتسعى لإصلاحه - ولو نظريًا حتى اللحظة – من دون تقديم بديل أيديولوجي شامل. يمثل هذا الكتاب محاولة جادة ورصينة للوقوف على سؤال التعثر الحضاري العربي، لكن من الضروري أن تتكامل جهود المفكرين العرب في هذا السياق لإعادة فتح سؤال التخلف والبحث عن المشروع عربيًا، وألّ تكون هذه المساعي مبتورة ومتناثرة. فالعلاقات الدولية وفهم التاريخ والحضارة والموقع منها أصبح أشد صعوبة في ظل علاقات دولية سريعة التحول تفقد فيها الدولة السيطرة تدريجيًا لصالح عولمة الجيل الخامس القادمة التي لا تعترف بشكل الدولة التقليدي، والتي ستجعل اللحاق أشد صعوبة وأكثر تكلفة.

  1. 14  " كلمة رئيس جمهورية الصين الشعبية شي جين بينغ في مؤتمر إحياء الذكرى ال 50 لاستعادة المقعد الشرعي لجمهورية الصين الشعبية في الأمم المتحدة"، وزارة الخارجية الصينية، 2021/10/25، شوهد في 2021/12/30، في: https://bit.ly/3pFf1ua

المراجع

العربية

الثقافة العربية في القرن العشرين. ط بلقزيز، عبد الإله. 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013. القضايا الكبرى. ط بن نبي، مالك. 12. بيروت: دار الفكر المعاصر؛ دمشق: دار الفكر،.2015 الجرباوي، علي. "العرب والأزمة الحضارية." المستقبل العربي. العدد 74 (آذار/ مارس.)1985 ________. "نقد المفهوم العربي للتحديث." مجلة العلوم الاجتماعية. العدد 4، مج 14.)1986(________. الجامعات الفلسطينية بين الواقع والمتوقع. القدس: جمعية الدراسات العربية،.1986 ________. الانتفاضة والقيادات السياسية في الضفة الغربية وقطاع غزة: بحث في النخبة السياسية. غزة: دار الطليعة للطباعة والنشر،.1989 ________. أي نوع من السلطة المحلية نريد: دراسة الحالة الفلسطينية. نابلس: مركز البحوث والدراسات الفلسطينية،.1996 ________. فصل الضفة عن القطاع: مأزق تفاوضي أم خيار إسرائيلي استراتيجي؟ القدس: منتدى أبحاث السياسات الاجتماعية والاقتصادية،.1999 ________. "من أجل مستقبل عربي أفضل." المستقبل العربي. العدد 500 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2020 الدوري، عبد العزيز [وآخرون.] نحو مشروع حضاري نهضوي عربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001. الطاهر، ابرير وبنادي محمد الطاهر. "الحضارة في فكر مالك بن مجلة الفكر المتوسطي. مج نبي." 9، العدد 2 2020(.) في: https://bit.ly/3u6J2ox كوثراني، وجيه. "ثلاثة أزمنة في مشروع النهضة العربية الإسلامية." المستقبل العربي. العدد 120 (شباط/ فبراير.)1989 العلمانية الجزئية العلمانية الشاملة. مج المسيري، عبد الوهاب. 1. القاهرة: دار الشروق،.2002

الأجنبية

Jarbawi, Ali Bassam. "Modernism and Secularism in the Arab Near East." Unpublished PhD Dissertation. Cincinnati, University of Cincinnati, 1981.