الاستراتيجية الإقصائية والتطييف السياسي في محافظة إدلب في سورية

Samer Bakkour سامر بكور | * * Rama Sahtout راما سحتوت |

الملخّص

The splitting, renaming and merging of factions can lead to the start of new rivalries, or in some cases, end existing ones. A new faction may inherit the original faction's previous rivalries with other groups, and if a faction name change results in a total restructure, it may signal the end of the rivalry. However, this was not the case when Jabhat al-Nusra renamed itself Jabhat Fatah al-Sham, and later Tahrir al-Sham. It was considered a 'cosmetic' and superficial change because it did not develop a new structure. This article will shed light on exclusionary politics and the political ramifications of sectarianism caused by certain jihadist movements, such as Jabhat al-Nusra (presently known as Tahrir al-Sham), enabling us to analyse its practices, especially towards minorities, and sectarian ideologies present in Idlib, and which ultimately led to the expulsion of many who fled outside the governorate. The article also calls attention to the roles of regional and international powers in Idlib against the backdrop of opposition factions, and their physical and ideological influence on Islamist forces that frequently facilitated displacement within and outside the city.

Exclusion Strategy and Sectarianization of the Idlib Governorate in Syria

يمكن أن يؤدي تقسيم الفصائل أو إعادة تسميتها أو اندماجها إلى بدء تنافسات جديدة، أو في بعض الحالات إلى إنهاء المنافسات القائمة. وقد يرث الفصيل الجديد المنافسات السابقة للمجموعة الأم مع المجموعات الأخرى، وإذا ما أدى تغيير اسم فصيلٍ ما إلى إعادة هيكلة شاملة، فقد يشير ذلك إلى انتهاء التنافس. لكن هذا لا ينطبق على تغيير جبهة النصرة اسمها إلى جبهة فتح الشام، ثم إلى هيئة تحرير الشام، فهو تغيير "تجميلي" شكلي لم يشمل هيكليتها لت عتبر كيان ا جديدًا. تسعى الدراسة لإبراز السياسة الإقصائية والنتائج السياسية للصناعة الطائفية التي أنتجتها بعض الحركات الجهادية، مثل جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام حاليًا)، ما يمنحنا الفرصة لتحليل ممارساتها، ولا سيما مع الأقليات والطرق المذهبية الموجودة في محافظة إدلب، والتي ول دت في نهاية المطاف إقصاء قسمٍ كبير من هؤلاء وفرارهم إلى خًارج المحافظة. وفي ظل وجود فصائل المعارضة، تحاول الدراسة أيض ا أن تلقي الضوء على أدوار القوى الإقليمية والدولية في إدلب، ومدى تأثير قوتها المادية والأيديولوجية في القوى الإسلامية التي سهّلت، في فترات كثيرة، عمليات النزوح ضمن المحافظة وخارجها.

كلمات مفتاحية: إدلب، هيئة تحرير الشام، أحرار الشام، الطائفية، الإخوان المسلمون.

Keywords: Idlib, Tahrir al-Sham, Ahrar al-Sham (Islamic Movement of the Freemen of the Levant), Sectarianism, Muslim Brotherhood.

مقدمة

لم تحظَ دراسة النزاعات والصراعات بين الجهات الفاعلة المسلحة داخل الدول التي تشهد حروبًا واقتتالات داخلية باهتمام كافٍ، مقارنة بما حظيت به دراسة الصراعات والتنافسات بين الدول  1. لكن بعد أن نشر كوينتان فيكتوروفيتش كتابه الفعالية الإسلامية2، برز تحرك في دراسة الحركات الإسلامية، لأنها أصبحت تمثّل فهمً لدور الدولة في النزاع  3. وفي المقابل، درس آخرون الجماعات والحركات الإسلامية وتكيّفها مع بيئاتها المتغيرة، وتفسير العنف من خلال العديد من الآليات السببية التي تجعلها تتبنّى ذخيرة جديدة بأطر وتفاعلات وعمليات بناء أيديولوجية جديدة  4. انخرطت المجموعات المعارضة، مثل الجيش السوري الحر وحركة أحرار الشام وجبهة النصرة  5 (هيئة تحرير الشام بمسمّ ها الحالي) 6 في منافسة، وضمّ كل طرف مجموعة أخرى متحزّبة مصلحيًا معه. وفي هذا الإطار، تكمن أهمية دراسة التنافس المسلّح والصراعات بين هذه الفصائل في محافظة إدلب بما خلّفته من زعزعة استقرار المحافظة وفرار قسم من الفصائل والأهالي إلى مناطق أخرى آمنة. وقد استغلت قوات النظام معارك النزاع من أجل سيطرة النصرة على أراضي الجيش السوري الحر في أواخر عام 72015 في عام، ثمّ اقتتال حركة أحرار الشام مع جند الأقصى  2016، ومن ثمّ سيطرة جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام) على كل مناطق أحرار الشام في محافظة إدلب بين عامي 2017 و 2019، وشنّت هجمات مكّنتها من دخول حدود المحافظة الإدارية، والسيطرة على منطقة الجنوب الشرقي من المحافظة وغرب حلب. في حين يركز الباحثون الذين يشددون على المحدّدات التنظيمية للعنف أو الاقتتال بين الفصائل المسلحة في منطقة السيطرة الواحدة على دينامياتها وأيديولوجياتها (في إدلب مثلً: فصائل الجيش الحر، وجبهة النصرة، وحركة أحرار الشام)، وطرق تجنيدها وتكويناتها الاجتماعية، وكيف تتطوّر المعايير التنظيمية المتعلقة باستخدام العنف، وكيف يمكن أن يشكّل أيديولوجيو الجماعات السياسية العمليات التنظيمية 8. لكن هذه الدراسات تغفل دراسة كيفية ارتباط الخصائص التنظيمية والأيديولوجية للفصائل المسلّحة بالمجتمعات المحلية. يجادل جيرمي فينشتاين  9، في كتابه ضمن المتمرد، بأن الجماعات المسلّحة تُحدّد خصائصها التنظيمية، بما في ذلك هيكلية القيادة والسيطرة؛ فالمجموعات المسلحة التي لديها التزام ودوافع أيديولوجية، وإمكانية الوصول أيضًا إلى الموارد الخارجية واستغلالها لإحكام شوكتها، تجذب الأفراد ذوي الولاء من مجموعات أخرى. فمثلً من أهم الأسباب التي دفعت إلى الاقتتال بين هيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام الإسلامية هو جذب الهيئة لواء شهداء البارة الذي يتبع أحرار الشام  10.

  1. Abdulkader H. Sinno, Organisations at War in Afghanistan and Beyond (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2008); Fotini Christia, Alliance Formation in Civil Wars (New York: Cambridge University Press, 2012); Mohammed M. Hafez, "Fratricidal Rebels: Ideological Extremity and Warring Factionalism in Civil Wars," Terrorism and Political Violence , vol. 32, no. 3 (2017), pp. 604-629; Emily Gade, Maher Hafez & Michael Gabbay, "Fratricide in Rebel Movements: A Network Analysis of Syrian Militant Infighting," Journal of Peace Research , vol. 56, no. 3 (2019), pp. 321-335.
  2. Quintan Wiktorowicz (ed.), Islamic Activism: A Social Movement Theory Approach (Bloomington, IN: Indiana University Press, 2004).
  3. Rafael Lefèvre, Jihad in the City: Militant Islam and Contentious Politics in Tripoli (Cambridge: Cambridge University Press, 2021).
  4. Silvia Carenzi, "A Downward Scale Shift? The Case of Hay'at Tahrir al-Sham," Perspectives on Terrorism , vol. 14, no. 6 (2020), pp. 91-105; Omar Ashour, The De-radicalization of Jihadists: Transforming Armed Islamist Movements (Abingdon: Routledge, 2009).
  5. 5  جبهة النصُرة: مجموعة جهادية، تشكلت بوصفها ذراعًا ل تنظيم "القاعدة في العراق "، تهدف إلى تشكيل دولة أو حتى إمارة إسلامية بأكملها كنقطة بداية لإعادة تأسيس الخلافة. تمثّل هدف جبهة النصرة في إنهاء أيّ ولاء للنظام السوري وفتح باب الولاء للطليعة الإسلامية. تكّونت الخلية الأولى لجبهة النصرة من مجموعة صغيرة من سبعة مقاتلين (بقيادة الجولاني) سميت آنذاك ب "مجموعة خراسان"، ومنها وُلدت الحركة العسكرية التي أطلق عليها جبهة النصرة لأهل الشام في 23 كانون الثاني/ يناير 2012، حيث تشكلت أولى خلاياها الجهادية المحلية في محافظة الحسكة. ينظر: Mohamed-Ali Adraoui, "The Case of Jabhat Al-Nusra in the Syrian Conflict 2011-2016: Towards a Strategy of Nationalization?" Mediterranean Politics , vol. 24, no. 2 (2019), pp. 260-267.
  6. 6  هيئة تحرير الشام: هي النسخة الثالثة بتسميتها بعد أن مرّت أولً بتسمية جبهة النصرة، وبسبب تغير المعطيات الدولية حيال جبهة النصرة، وفي إشارة لها على حد زعمها إلى عدم ارتباطها بأيّ جهة خارجية، وفك الارتباط مع القاعدة، غيّ ت اسمها للمرة الثانية إلى فتح الشام في 28 تموز/ يوليو 2016، ثم إلى هيئة تحرير الشام في 28 كانون الثاني/ يناير 2017،
  7. 7  ظهر فصيل جند الأقصى خلال الشهور الأولى من عام 2014، بوصفه مجموعة إسلامية مُسلّحة تنشط في محافظتي إدلب وحماة. كان يُعرف في البداية بسررايا القدس التي أسّسها أبو عبد العزيز القطري في عام 2012 بوصفها فصيلً تابعًا لجبهة النصرة، ثم انشقت المجموعة لاحقًا على خلفية معاداة الجبهة لتنظيم داعش. ينظر: "جند الأقصى: التنظيم السوري ذو التحالفات الجزيرة نت المتذبذبة"،، 2016/10/11، شوهد في 2022/4/22، في: http://bit.ly/2YzkoNh
  8. Stathis N. Kalyvas, "Micro-level Studies of Violence in Civil War: Refining and Extending the Control-collaboration Model," Terrorism and Political Violence , vol. 24, no. 4 (2012), pp. 658-668.
  9. Jeremy Weinstein, Inside Rebellion: The Politics of Insurgent Violence (Cambridge: Cambridge University Press, 2007). 10  جاء هذا ضمن عوامل عدة في الاقتتال بين جبهة النصرة والجيش الحر في عام 2015، حيث أدت عوامل عدة دورًا في الاقتتال بين الطرفين، منها غير المباشر، مثل سيطرة النصرة على مناطق انتشار جبهة ثوار سوريا في منطقة حارم ومعظم بلدات منطقة جسرر الشغور، ومنها المباشر، مثل انضمام لواء شهداء البارة إلى النصرة.
  10. بعد أن ضمت بين جنباتها جبهة فتح الشام وفصائل نور الدين الزنكي ولواء الحق وجبهة أنصار الدين وجيش السُنّة. ينظر: Stephen Powell & Adrian Florea, "Introducing the Armed Nonstate Actor Rivalry Dataset (ANARD)," Civil Wars , vol. 23, no. 2 (2021), pp. 177-206.

يناقش عزمي بشارة أن ظهور مصطلح الطائفية في سورية لم ينبثق من ثقافة الشعب السوري وطوائفه، بل اشتعل من الوضع المزري الذي آلت إليه الطوائف نفسها، ومن واقع دورها في منظومة السلطة الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، حيث لم يجد النظام بدًّا من استخدام استراتيجية الاستقطاب الطائفي التي بدورها تُقسّم الرأي العام وتحرف الأنظار عن المنحى السياسي للصراع وتخفف الضغط عنه  11. والجدير ذكره أنه حينما اندلعت الثورة السورية، في 15 آذار/ مارس 2011، لم يكن لديها خطاب طائفي، بل نادت مظاهراتها بنداء "الشعب السوري واحد واحد"، إذ إنها قامت أساسًا ردًّا على المظالم السياسية والاجتماعية، وعلى نتائج سياسات النظام النيوليبرالية السلبية التي كان لها بالغ الأثر في الفئات الاجتماعية الفقيرة والمحدودة الدخل. ردّت قوات النظام بالعنف ضد المتظاهرين، وحينها بدأ يتغير الاتجاه السياسي العام وتطفو مظاهر عسكرة الثورة في العديد من المحافظات السورية، وبدأت مفاهيم تسخير الطائفية والدعوة إلى العنف تبرز، فتحوّلت الثورة السورية إلى حرب أهلية، وبدأ فيها النظام ممارساته باستخدام ورقة الطائفية Sectarianism، كونها سبيلً لحماية حكمه، وذلك بإثارة مخاوف بعض الأقليات من وصول السنّة إلى سدة الحكم. وفي المقابل، تبنّى معظم المتظاهرين السوريين خطابًا غير طائفي من أجل تمهيد الطريق للحرية التي نادوا بها، ومع ذلك فقد ساد لاحقًا الخطاب الطائفي Discourse Sectarian في الصراع. وبعد الشهور التسعة الأولى من الاحتجاجات، أصبحت الهوية الطائفية عنصرًا مهمً في تفسير العنف، وظهرت الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية في المحافظات كافة، من خلال تأليب سكان الريف على سكان المدن، وإظهار الفوارق بين المجتمعات الحضرية والمتوسطة والمعدومة. أدّى انتشار العنف في مناطق النزاع إلى موجات نزوح متواصلة، وفي هذا الصدد ركّزت دراسات عدة على سبب فرار الناس من الحرب، وحصر تحليله في "التطهير" العرقي أو السياسي 12، ولم تأخذ في الاعتبار دور أيديولوجية الجماعات المعارضة في النزوح  13، الذي يُسمّيه غرين هيل "النزوح الاستراتيجي" 14؛ ذلك أن العوامل الأيديولوجية هي سببٌ في العنف والإقصاء  15. وتشير بعض الدراسات إلى أن تهجير جماعة لأخرى غير موالية لها سياسيًا هو شكل من أشكال العقاب الجماعي  16. وفي إطار هذا الفهم للطائفية في محافظة إدلب، باعتبارها حالة ناتجة من التفاعلات والصراعات بين القوى والفصائل المختلفة، يمكن تفسير ما جرى فيها بأنه صراع بين نُخَبٍ فصائلية حاكمة ومجتمعات وقوى فصائلية مهمّشة؛ إذ تُقصي فيها النخب الفصائلية الحاكمة الفصائلَ المعارضة وتُرغمها على النزوح إلى مناطق أخرى. وتطرح هذه الحالة أسئلة عن عوامل التصعيد في التنافس بين الفاعلين، وعن دور التطييف Sectarianization السياسي في عمليات الاقتتال في منطقة ما، ومثل هذه الأسئلة مهم لفهم عمليات الصراع بين الحركات الإسلامية في محافظة إدلب. تناقش هذه الدراسة عمليات الإقصاء في محافظة إدلب على نحو مختلف؛ ذلك أن النزوح بين الجماعات المسلحة فيها اكتسب بعد التطييف السياسي، حيث ارتكز الصراع بين التنظيمات الإسلامية، خاصة، تبعًا لأجندة تبنّاها كل تنظيم طائفيًا وسياسيًا، ما أصبح يمثّل هاجسًا أمنيًا بالنسبة إليه، لتتحول قضية التهجير بتداعياتها وتأثيراتها إلى ظاهرة "أمننة" Securitization. وتقدّم الدراسة أدلة جديدة يمكن أن تساعد في تفسير التباين بين الفصائل في استخدامه عبر الصراعات، وتُحلّل أن أنواعًا مختلفة من النزاعات تُظهر أشك لً مختلفة من النزوح، وهو إقصاء المقاتلين والقوى. ومع ذلك، تهدف مسألة الانزياحات إلى معرفة ما الفصائل غير المرغوب فيها، لذلك نوضح أن مشكلات تحديد الهوية والمصلحة يمكن أن تؤدي بالفصيل المنتصر إلى إجبار مقاتلين، أو طائفة ما، إلى الفرار قسررًا. تستند الدراسة إلى المنهج الكيفي، وتعتمد على المصادر الأولية الناتجة من إجراء الباحثين مجموعة واسعة من المقابلات النوعية Qualitative Interviews في مناطق محافظة إدلب كافة، شملت ناشطين وباحثين ومقاتلين. وتعتمد أيضًا على عدد من المصادر والأدبيات والتقارير الإخبارية والكتب والمجلات العربية والإنكليزية. وكون الدراسة تدخل ضمن الدراسات السياسية والاجتماعية، فقد اعتمدت توظيف المنهج الوصفي الذي يسمح بتحليل القضية وتحولاتها، ومن ثم التركيز على حالة نزوح معيّنة، من دون وصف ومناقشة حالات النزوح التي قَدِمت من مناطق ومحافظات أخرى.

  1. 11   " أبعاد العنف الطائفي في الساحل السوري"، تقييم حالة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014/1/27، شوهد في 2022/4/25، في: https://bit.ly/3byvdsK
  2. Laia Balcells & Abbey Steele, "Warfare, Political Identities, and Displacement in Spain and Colombia," Political Geography , vol. 51 (2016), pp. 15-29.
  3. Kelly Greenhill, "Strategic Engineered Migration as a Weapon of War," Civil Wars , vol. 10, no. 1 (2008), pp. 6-21.
  4. Ibid., p. 6.
  5. Nils Weidmann, "Violence 'From Above' or 'From Below'? The Role of Ethnicity in Bosnia's Civil War," The Journal of Politics , vol. 73, no. 4 (2011), pp. 1178-1190.
  6. Balcells & Steele, pp. 15-29.

أولا: سيطرة الفصائل الإسلامية على إدلب

تعود عسكرة الثورة في سورية إلى طبيعة النظام السوري، وردّة فعل قوات الأمن والجيش التي بقيت تحت سيطرة النخبة الحاكمة والضباط العلويين  17. كان النظام منفصلً عن السكان، ولم يكن لديه قابلية لاستيعاب المطالب الشعبية  18. وتفاقمت العسكرة بسبب تحالف النظام مع إيران ودعم حزب الله له وقتاله إلى جانبه  19، في الوقت الذي قدّمت روسيا أيضًا دعمها السياسي، ثم العسكري لتعزيز وجودها في المنطقة  20. وبعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية، أدى الصراع المسلح إلى خلق تغييرات في بنية المجتمع وتركيبته، تكاد تكون جذرية في بعض المحافظات السورية، ومنها محافظة إدلب 21. ووفقًا لسجلات الأحوال المدنية في عام 2010، بلغ عدد السكان في محافظة إدلب في عام 2010 نحو 1500000 نسمة، مسجلين على خمس مناطق إدارية: منطقة إدلب 459000()، ومعرّة النعمان 440000()، وحارم 209000()، وأريحا 209000()، وجسرر الشغور)174000( 22. تنوعت أسباب احتجاجات محافظة إدلب، منها: تدنّ مؤشرات التنمية، وآثار السياسات الحكومية الاقتصادية -الاجتماعية التسلّطية التي زادت من البطالة وعمّقت الفجوات في توزيع الدخل  23، فضلً عن عوامل مباشرة تتعلق باعتقال أطفال درعا، وأخيرًا الدور العشائري الإيجابي في تشجيع الثوار، حيث وجهّ وجهاء عشائر البوشعبان والموالي والحديديون والنعيم والعقيدات والبكارة وغيرها شبابها للانخراط في العمل الثوري  24. ولإيمانها بقيمة الثورة، فقد توحّدت أيضًا غالبية القوى السياسية في ميدان واحد، سواء كان المنتمون إليها من الشباب الناصريين أو الشيوعيين أو غيرهم من الإسلاميين؛ فقد نزل شباب سراقب المتحزّبون سياسيًا، وأبناء جبل الزاوية (سرجة وكنصفرة وبزابور وبسامس وبلشون وغيرها) التي كانت حاضنة كثيرين من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين للحراك. وإضافة إلى هذا كله، كان هناك وعي تغييري لدى عدد كبير من المثقفين والمتعلمين الذين وجّهوا الاحتجاجات في تلك الفترة، مثل أهالي بلدة كفرنبل التي تركت إرثًا في معارضة النظام  25. تدريجيًا، تتابعت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة على محافظة إدلب، فبحلول نهاية عام 2012 كانت فصائل الجيش الحر وجبهة النصرة وحركة أحرار الشام، قد سيطرت على منطقتي حارم (سلقين، وكفر تخاريم... إلخ) والمعرة (حاس، وكفرنبل... إلخ.) ثم نجح تحالف جيش الفتح  26، في نهايات أيار/ مايو 2015، بأغلبية فصائله الإسلامية، في إلحاق هزيمة استراتيجية بقوات النظام من خلال سيطرة شبه تامة على محافظة إدلب، وبذلك، يكون النظام قد خسرر جميع معاقله هناك، باستثناء مطار أبو الظهور العسكري وبلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين. بعد التحرير، أصبحت الهوية، سواء أكانت وطنية أم دينية، وسيلةً يجري من خلالها تحقيق الأهداف

  1. Nickolaos Van Dam, Destroying a Nation: The Civil War in Syria (London: Bloomsbury Publishing, 2017).
  2. Raymond Hinnebusch, "Syria: From 'Authoritarian Upgrading' to Revolution?" International Affairs , vol. 88, no. 1 (2012), pp. 95-113.
  3. Jubin Goodarzi, Syria and Iran: Diplomatic Alliance and Power Politics in the Middle East (London: I. B. Tauris, 2009).
  4. Robert Hamilton, Chris Miller & Aaron Stein, Russia's War in Syria: Assessing Russian Military Capabilities and Lessons Learned (Pennsylvania: Foreign Policy Research Institute, 2020).
  5. 21  تعتبر إدلب البوابة الشمالية الغربية السورية مع تركيا، وهي من المحافظات المحدثة
  6. Idlib Governance Profile," ACAPS (June 2014), accessed on 28/4/2022, at: http://bit.ly/3aGzR28
  7. محمد جمال باروت  23، العقد الأخير من تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.273-259
  8. 24  من العشائر الأخرى التي تحتضنها منطقة سراقب: العفادلة والحويوات والبوصليبي والمعاطة والويسات والبوشمس والغجر (القرباط) والدمالخة وشمر. مقابلات عدة أجراها الباحث سامر بكور عبر واتساب مع الشيخ صخر فيصل العلي ابن شيخ قبيلة البوشعبان، في أيار/ مايو 2022؛ ومقابلات أخرى عبر واتساب وماسنجر مع عدد من أهالي سراقب، في كانون الثاني/ يناير 2022. 25  عزمي بشارة، سورية: درب الآلام نحو الحرية، محاولة في التاريخ الراهن (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.157
  9. في مرحلة الجمهورية العربية المتحدة 1961-1958()، تبلغ مساحتها 10026 كلم، يحدّها من الشمال لواء إسكندرون بطول 129 كلم، ومن الشرق محافظة حلب بطول 159 كلم، ومن الجنوب محافظة حماة بطول 158 كلم، ومن الغرب محافظة اللاذقية بطول 29 كلم. ينظر: United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs, "Idlib Governorate: Reference Map," accessed on 28/4/2022, at: https://bit.ly/3fgPkZx
  10. 26  جيش الفتح: توحّدت الفصائل تحت مسمى "جيش الفتح" في 24 آذار/ مارس 2015، الذي ضمّ كتلتين كبريين: الكتلة السلفية التي تمثلها حركة أحرار الشام وحليفاها لواء صقور الشام وفيلق الشام، والكتلة السلفية الجهادية التي تمثلها جبهة النصرة وجند الأقصى، والفصائل الأصغر المتوزعة بين أجناد الشام وجيش السُنّة ولواء الحق. ينظر: أحمد أبا زيد، "رهان إدلب غير المحسوم"، منتدى العلاقات العربية والدولية، شوهد في 2021/1/30، في: https://bit.ly/3OKNdy3

والمصالح  27، حيث أرادت الفصائل، كل على حدة، أن تفرض نموذجها الأيديولوجي بالقوة، وكانت تنوي تحقيق ذلك من خلال ما تسميه "نموذج التمكين" Empowerment، الذي بدأ بسيطرة بعض الفصائل الإسلامية السلفية، التي أخذت تحلّ ماديًا وأيديولوجيًا مكان فصائل الجيش الحر. وقد بدت فصائل مثل جبهة النصرة وأحرار الشام فاعلة في أرض المحافظة، ولم تستطع أيّ جهة الحيلولة دون تقدّمها وسيطرتها على المناطق، لذا فقد نصّبت هذه الفصائل الجهادية نفسها على إدارتها، واعتمدت أسلوب التودد إلى الأهالي، ثم انطلقت إلى التقرب من الأهالي والتمكين، مستغلةًالسذاجة الدينية لقسم من أبنائهم والتأثير في اتجاهاتهم من منظور ديني، وأكثرت من دورات التكوين الأيديولوجي الديني، ومن دورات تحفيظ قرآن ودروس وعظات، فيرحب السكان بهم، ثم ينتقل الفصيل إلى المرحلة الثانية، وهي استراتيجية التوطيد.Localism

ثانيًا: بوادر التطييف السياسي

أدخل الباحثون في العلوم السياسية مفاهيم مختلفة للتعرف إلى أنواع من الاستقطابات المصطلحية غير الأيديولوجية، بما في ذلك "الاستقطاب الاجتماعي" 28. وقدّم باحثون في علم النفس وغيره من التخصصات العديد من التركيبات المفهومية البنيوية، مثل "القبلية"، وذلك من أجل تجسيد خصائصها الاجتماعية والنفسية، واقتراح بنية أخرى يمثّلها التطييف السياسي الذي يميل إلى التماهي الأخلاقي مع مجموعة سياسية ضد أخرى  29. ومن حيث إن العوامل التأسيسية للقبيلة هي صلة القرابة، يشذّ التطييف السياسي عن هذا الاصطلاح ليرتبط بالدين، لكن تبقى الهوية السياسية أساسية. ففي محافظة إدلب، وعلى الرغم من انتماء قسم كبير من الفصائل إلى الطائفة نفسها، فإن الانقسام فيما بينها هو أيضًا سياسي. يتكوّن التطييف السياسي من ثلاثة مكونات أساسية: الأول هو الآخر الذي يمثل نزعة الميل إلى رؤية المعارضين على أنهم مختلفون على نحو بعيد، والثاني هو النفور الذي يمثل نزعة الميل إلى كره المعارضين وعدم الثقة بهم مهما كان انتماؤهم، وأخيرًا المكون الخلُقي الذي ينزع إلى رؤية المعارضين على أنهم ظالمون. والتقاء هذه المكوّنات هو الذي يجعل مفهوم التطييف شديد التآكل في المجال السياسي، ويمكن أن تبدو الخسائر السياسية كأنها تهديدات وجودية يجب تجنّبها مهما كان الثمن  30. نظّر بشارة لهذا المفهوم عندما أوضح أن الدين لا يُ ارَس إلّ في جماعة، وأن الانتماء إلى الدين لا يُعدّ طائفيًا، بل تظهر الطائفية عندما يبدأ الانتماء إلى الجماعة وليس إلى المذهب، وهنا يشير بشارة إلى أنها بهذا المبدأ لا تختلف عن العشائرية التي هي بمعناها تعصّب لجماعة من البشر. وينشأ التطييف السياسي من محاولة تحويل الجماعة التي برزت لها عصبية، بغضّ النظر عن المذهب، إلى عصبية سياسية 31.

باستثناء بعض المناطق التي كانت من معاقل الإخوان المسلمين، كجسرر الشغور وقرى جبل الزاوية، فإن ظهور التطييف كان طارئًا في مناطق محافظة إدلب الأخرى التي تميزت سابقًا بالتنوع الاجتماعي والديني. والجدير بالذكر أن إدلب كانت موطنًا تاريخيًا للعديد من الأقليات الدرزية والشيعية والمسيحية. وفي بداية الثورة، حاول النظام التكيّف مع نمو الجماعات الإسلامية المتشددة من خلال تطبيق سياسة الاحتواء أو الجذب، واستتبع هذا بالحصول على دعم الطائفة السُنّية المعتدلة الموجودة في المحافظة، وذلك لخوف ممثليها من العلمانية والإسلامية الجهادية على حد سواء. ومن هنا، وضع النظام نفسه أداةً ظاهرية وهمية لدعم الإسلام المعتدل وبديلً من التطرف  32.

  1. Victoria Gilbert, "Identity in the Wake of the State: Local, National,
  2. Lilliana Mason, Uncivil Agreement: How Politics Became Our Identity
  3. Elie J. Finkel et al., "Political Sectarianism in America," Science , vol. 370, no. 6516 (October 2020), pp. 1-5. 30  Ibid. 31  عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيّلة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.450-443 32  ألكساندر أستون -وارد، "عوامل بقاء الأسد حتى الآن في الحرب السورية: منظور تاريخي"، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 2017/10/24، شوهد في 2019/12/24، في: https://bit.ly/3n9fR1B
  4. and Supranational Dynamics of the Syrian Conflict," PhD. Dissertation,
  5. University of Pennsylvania, Pennsylvania, 2019.
  6. (Chicago: University of Chicago Press, 2018).

تصاعد التطييف السياسي في محافظة إدلب بعد سيطرة فصائل جيش الفتح عليها في نهاية أيار/ مايو 2015؛ ذلك أن الفصائل الإسلامية كانت قد رتّبت نفسها في مناطق سيطرتها تبعًا لهويتها الأيديولوجية السياسية المصلحية (النصرة، وأحرار الشام، وصقور الشام، وفيلق الشام... إلخ.) ويمكن القول إن التطييف السياسي قد يصلح لفهم واقع إدلب، لأنها أصبحت قائمة على المجتمع الذي ارتكز في الأصل على نظريات وأيديولوجيات المعارضة الإسلامية المسيطرة؛ ذلك أن التطييف السياسي، كما أشار بشارة، كان قد أنتج طوائف متخيّلة 33. وقد اعتمدت الفصائل المسيطرة في إدلب التطييف السياسي وأدارت إدلب بموجبه، حيث طوّرت فرضية خاصة بها، ما أدى إلى تحوّل المجتمع المتديّن وإعادة تشكيله  34. وعلى اعتبار أنّ التطييف السياسي في إدلب ارتكز على الدين والمذهب، فقد واجهت المنطقة صراعات بين الفصائل، حيث سعى كل فصيل على حدة لإنشاء كيان أيديولوجي طائفي مناطقي، يتطلّب لعضويته مجموعة من المحددات، وهكذا برزت التيارات الدينية التي كانت تسعى لإقامة "إمارات طائفية"، على النحو الوارد في جبهة النصرة وأحرار الشام وغيرهما. وأصبح كل فصيل يسعى لإقامة كيان خاص به، ويستقطب كتائب توافق أيديولوجيته ومصالحه، الأمر الذي فتح باب المعارك بين الفصائل في إدلب نتيجة عدم تقبّل كل فصيل للآخر، ما خلّف إقصاء العديد من الفصائل ونزوح قسم كبير من الأهالي من المناطق التي احتدم فيها النزاع. وتمثّل هذا النزاع في المعارك بين حركة أحرار الشام الإسلامية وحلفائها من جهة، وجند الأقصى من جهة أخرى في كانون الثاني/ يناير 2017 35. وفي حرب إخوة المنهج بين حركة أحرار الشام وهيئة تحرير الشام في تموز/ يوليو 2017 36، وكذلك في حرب النسخ الجهادية في شباط/ فبراير 2019 37، على الساحة الإدلبية بين هيئة تحرير الشام وجند الأقصى. وقد انعكس تشكيلُ الكيانات الطائفية ومعاركها واستقطاب حركات مختلفة ومتباينة الأيديولوجيا والمصلحة على مجرى الصراع، وأدى إلى موجة نزوح مباشرة بين الفصائل.

ثًالث ا: التطييف السياسي ونزوح الأقليات

1. موقف الفصائل الإسلامية من المسيحيين

عاش المسيحيون في إدلب قبل الثورة بسلام، ووصل عددهم في عام 2010 إلى 10500 نسمة تقريبًا، توزّعوا على مذاهب عدة: روم أرثوذكس ولاتين وأرمن وبروتستانت ومتجددون من البروتستانت "المعمدانية"، وقطن معظمهم في منطقتين، الأولى في مدينة إدلب بعدد لا يتجاوز 1300 شخص 38، والثانية في منطقة جسرر الشغور بعدد وصل إلى 9 آلاف نسمة. وعقب سيطرة المجموعات الجهادية على المحافظة، نزح الآلاف منهم، خوفًا من الاضطهاد الذي مارسته بعض التنظيمات المتشددة  39. وقد أعطى ظهور التنظيمات الإسلامية الجهادية للنظام مسوّغًا لدعم روايته عن الإرهاب وتهجيرهم المسيحيين، مستدًّلًّ على ذلك بإقامة "الإمارات الإسلامية" وتحويل الكنائس إلى مقرات عسكرية أو سجون أو مقابر جماعية؛ فقد حوّل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية الغسانية، في كانون الثاني/ يناير 2013، إلى معتقل جماعي، وعندما رحل عنها في شباط/ فبراير 2014 تبيّ أن الكنيسة تحوّلت إلى مقبرة جماعية 40. كذلك أدت سيطرة جبهة النصرة، مع دخول الفصائل الإسلامية إلى ريف جسرر الشغور في عام 2014، إلى تهجير سكان قريتي حلوز والغسانية، وتملّك بعض الفصائل الجهادية المتطرفة قسمً كبيرًا من أراضيهم، فضلً عن تكسير صُلبان الكنائس والتضييق على سكان القنية واليعقوبية والجديدة المسيحية، وفرض قيود على أبناء الطائفة المسيحية مثل منع قرع أجراس الكنائس وإجبار السيدات المسيحيات على وضع الحجاب في حال خرجن من منازلهن مكشوفات الرأس  42. بعد سقوط مدينة إدلب في عام 2015 في أيدي مختلف الجماعات المسلحة المعارضة، تعرّض قسم من الممتلكات العامة والخاصة فيها للنهب  43، وما عادت المدينة آمنة، فنزح منها المسيحيون إلى محافظات أخرى، مثل اللاذقية وطرطوس؛ ففقدت إدلب معظم

  1. 33   " محاضرة لعزمي بشارة بعنوان 'في أولوية الفهم على المنهج"'، يوتيوب، 2019/4/19،
  2. 34  بشارة، ص.446
  3. أحرار الشام وجند الأقصى يتوصلان إلى اتفاق"،  35 الجزيرة نت، 2017/1/22، شوهد في
  4. 36   " سيطرة تحرير الشام على معبر باب الهوى تدفع تركيا للحد من حركة العبور شبكة شام الإخبارية واقتصارها على المساعدات الإنسانية"،، 2017/8/10، شوهد في 2022/4/22، في http://bit.ly/2Zb8xVQ:
  5. 37  مهنّد الحاج علي، "التقاط ما تبقى؟"، ديوان، مركز مالكوم - كير كارنيغي للشرق الأوسط، 2019/4/9، شوهد في 2022/4/22، في: http://bit.ly/3aeag34 " مسيحيو إدلب يحيون قداديس الفصح.. عيد بلا أجراس"،  38 جيرون، 2018/4/3، شوهد في 2021/7/4، في https://bit.ly/3yUV0kx:
  6. http://bit.ly/2MoZgTY 2022/4/28، في: شوهد في
  7. 39  المرجع نفسه. سليم العمر، "مسيحيو ريف إدلب: لا عيد هذه السنة أيضًا"،  40 المُدن، 2016/12/23، شوهد في 2022/4/28، في https://bit.ly/38KNHRQ: 41   " مسيحيو إدلب يحيون قداديس الفصح."
  8. 2022/4/28، في http://bit.ly/2YAfM9J:
  9. Hashem Osserian, "How Sectarianism can Help Understand the Syrian War," Deeply Humanitarian , 1/3/2018, accessed on 28/4/2022, at: http://bit.ly/39bQhj8

سكانها المسيحيين  44. أما عن باقي السكان في منطقة جسرر الشغور مثلً، فقد اختار قسم منهم اللجوء إلى دول أخرى، حيث غادر قسم كبير من سكان قرية اليعقوبية الأرمنية جماعيًا إلى منطقة ناغورني قرة باغ الواقعة بين شرق أرمينيا وجنوب غرب أذربيجان  45. وبدورها صادرت وزارة الإدارة المحلية ل "حكومة الإنقاذ"، التي تدار من هيئة تحرير الشام، قسمً من ممتلكات المسيحيين في محافظة إدلب، وألغت الضمانات الممنوحة لهم، فما عاد أيّ معنى لمن بقي في المحافظة من العائلات المسيحية، ما اضطرها إلى النزوح خارجها. واستمرارًا لنهجها في إجبار هذه العائلات على النزوح، أعلنت هيئة تحرير الشام أن ما بقي من الممتلكات المسيحية هي غنائم حرب، ما أجبر أبناء الطائفة المسيحية، أو من يشغلون ممتلكات يملكها مسيحيون، على أن يتركوا المحافظة حتى لا يُعاقبوا، أو يُفرض عليهم التعهد بدفع ضريبة شهرية على الممتلكات التي يشغلها المقيم  46. وفي جسرر الشغور، سيطر تنظيم "حراس الدين" 47، بمشاركة الحزب التركستاني (الإيغور) 48، على بعض القرى المسيحية، مُجبرين قاطنيها من العائلات المسيحية على التفكير مليًّا في النزوح بعد حوادث القتل وعمليات النهب والمصادرة الممنهجة للمنازل والأراضي الزراعية  49. أعطت عملياتُ النزوح والتهجير لما بقي من عائلات مسيحية، النظامَ ومن خلفه الروس ذريعةً لقصف إدلب، حيث أكد ألكسندر إيفانوف، المتحدث باسم قاعدة حميميم الروسية في سورية، أن وجود قوات بلاده في سورية وقصفها إدلب، خاصة جسرر الشغور وما حولها، يهدف إلى حماية المسيحيين فحسب. وعلاوة على ذلك، ادّعى إيفانوف أن العمليات العسكرية في إدلب ردّ على قصف المعارضة للمسيحيين الأرثوذكس في بلدة محردة في مدينة حماة  50. ونتيجة الضغوط الكبيرة التي تعرضت لها العائلات المسيحية في إدلب التي، أُكان يصل تعداد أفرادها إلى عشرة آلاف في عام 2010 رغمت على مغادرتها، ولم يبق سوى عدد قليل من كبار السن الذين لم يتجاوز عددهم 200 شخص، والذين غادر معظمهم بدوره 51.

2. الحركات الإسلامية الجهادية والدروز الموحدون

اتخذ الدروز "منطقة باريشا الجبلية"، التي تعرف ب "جبل السماق"، والواقعة شمال غرب مدينة إدلب بنحو 20 كيلومترًا، موطنًا آمنًا لهم. ويتكون هذا الجبل من قريتين مختلطتين، سُنّة ودروز، و 18 قرية درزية خالصة، وصل عدد سكانها إلى 30 ألف نسمة في عام 2010. وإبان الثورة السورية، سعى النظام لاستغلال موقع الدروز في إدلب، كونهم حلقة وصل بين شمال وجنوب غرب إدلب، وذلك من خلال محاولة تسليحهم وحثّهم على قمع المظاهرات السلمية في القرى المحيطة بإدلب، لكنهم رفضوا ذلك، بل على النقيض حوّلوا قراهم إلى أماكن آمنة، احتمت فيها فصائل المعارضة، ما أدى إلى استهداف النظام قراهم بالقصف العشوائي  52. واحتضنت قرى جبل السماق العديد من النازحين من القرى المجاورة التي شهدت احتجاجات وعمليات عسكرية، ومنذ بداية الأزمة، ثبت أن مقاتلي الجيش الحر لم يدخلوا هذه القرى أو هدّدوا أهلها، لعلمهم أن أبناء الطائفة الدرزية لم يقفوا إلى جانب النظام، وأن جزءًا من النازحين من مناطق أخرى يعيشون في هذه القرى آمنين، لذا تجنبوا تثوير الجبل، أو حتى نقل المعارك إليه، ليبقى ملاذًا آمنًا. وفي مرحلة سيطرة داعش على قرى الجبل، اعتاد التنظيم أن يطالب كل قرية تقع تحت سيطرته بإعلان ولائها له، والقرية التي تلتزم

  1. سورية: بعد إخلاء كفريا والفوعة إدلب بلا شيعة"،  43 بي بي سي عربي، 2018/7/19، شوهد في 2022/4/28، في https://bbc.in/2Up6P29:
  2. 44  فابريس بالونش، "منطقتان آمنتان محتملتان شمال سوريا"، تحليل السياسات، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 2016/2/24، شوهد في 2022/4/28، في: http://bit.ly/36WkWyA
  3. 45   " تفاصيل مصادرة 'حكومة الإنقاذ' أملاك المسيحيين في إدلب"، أورينت نت، 2018/12/22، شوهد في 2022/4/28، في http://bit.ly/2sVDuAw:
  4. 46  بلغ عدد مسلحي "حراس الدين" نحو 2500 مقاتل، العديد منهم من الجزيرة العربيّة "الجزراوية"، إضافة إلى مقاتلين أجانب متنوعين (طاجيك، وتتر، وتركمان، وأوزبك) بعضهم فر من مناطق تنظيم داعش، وآخرون انشقوا عن جبهة النصرة وشكلوا "جيش البادية"، وبقايا تنظيم "جند الأقصى" و"جند الملاحم"، و"جيش الساحل"، ويغلب على قيادته العناصر الأردنيون، مثل: إياد الطوباسي الملقب ب "أبو جليبيب"، وهو صهر أبو مصعب الزرقاوي، وبلال خريسات المعروف ب "أبو خديجة الأردني"، وهو القائد الأمني والشرعي لجبهة النصرة في جنوب سورية، ومحمد سليم الخطيب المعروف باسم "أبو حسين الأردني"، والذي شغل منصب قائد جيش النصرة، وسامي العريدي، الشرعي العام السابق لجبهة النصرة. ويبارك التنظيم الجديد أبرز منظري السلفية الجهادية الفلسطيني/ الأردني عصام البرقاوي الملقب ب "أبو محمد المقدسي." ينظر: '"عقدة إدلب' بين المقاتلين الأجانب ودول ترفض عودة أبنائها تلفزيون سوريا الضالين"،، 2018/8/25، شوهد في 2022/4/22، في: http://bit.ly/2ZeuByR
  5. 47  الإيغورية: أقلية مسلمة في الصين، تتحدد من أصول تركية، وتتحدث اللغة الإيغورية (وهي فرع من عائلة اللغات الألتائية، وتكتب بالحرف العربي.) قامت الصين باعتقال نحو مليون مسلم منهم بحجة التطرف، وهذا ما استنكرته تركيا واعتبرته عارًا، وقد استوطن هؤلاء بعدما قدموا إلى سورية ويقدر عددهم ب 15000-10000 في الجزء الشمالي الغربي من إدلب، ويشكلون أيضًا الفرقة الثالثة الساحلية (الغسانية، بداما، الناجية، قرية الشغر، فرجين، الجميلية، اليعقوبية، الزنبقي، جبل السماق، حارم وسلقين.) ينظر: مؤيد سكيف، "الإيغور المهاجرون: بعد إيران هل كلنا شركاء دخلت تركيا على خط العبث بالديموغرافية السورية"،، 2015/10/21، شوهد في
  6. Syria: at least 750 Christian Houses Illegally Seized in Jisr al-Shughur,
  7. قائد روسي: جئنا إلى سوريا لحماية المسيحيين... وردود رافضة"،  49 عربي 21  "، 2019/7/24، شوهد في 2022/4/26، في http://bit.ly/2EPEmcI: 50  فائز الدغيم، "مسيحيو إدلب وتحرير الشام.. محاولة للإصلاح أم ورقة ضد التصنيف؟ "، تلفزيون سوريا، 2021/2/26، شوهد في 2022/4/15، في: https://bit.ly/3QdTSSh 51  علي العائد وطالب الدغيم، "واقع ومستقبل دروز جبل السماق في إدلب"، جيرون، 2018/8/12، شوهد في 2022/4/26، في https://bit.ly/2WQshQJ:
  8. https://bit.ly/3 nd 2022/4/29، في ZeS8:
  9. Idlib," Syrian for Truth and Justice, 23/9/2019/ accessed on 26/4/2022, at: https://bit.ly/3BSlUf6

وتُعلن ولاءها له لا يصيبها ضيم، فلم يتعرض "أمراء" داعش للقرى الدرزية، لمعرفتهم أن الدروز لم ينحازوا إلى النظام السوري. لكن سرعان ما تغيّ ت سياستهم ليصل الأمر بالهيئة الشرعية أن تطلب من الدروز الالتزام بالأحكام الشرعية و"إشهار إسلامهم." وفي حين خضع عدد منهم قسرريًا وظاهريًا، نزح قسم آخر إلى بعض الجيوب التي لم تكن تحت سيطرة التنظيم في غرب المحافظة، أو غادر قسم منهم إلى تركيا  53. وفي إطار سياسة "الترهيب"، وفي آخر مرحلة من حكم داعش في جبل السماق، أصدر التنظيم بيانات وصفت الدروز ب "الكفار"، وأن معتقداتهم لا علاقة لها بالإسلام 54. إلا أن طرد الجبهة الإسلامية  55 لداعش من الجبل مثّل طوقَ نجاة مرحليًا للدروز، لتسود بعدها فترةٌ قصيرة من الهدوء النسبي، قبل أن تقتحم قوات جبهة النصرة، في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2014، الجبل وتسيطر عليه. سلّمت جبهة النصرة مهمات الجبل لوحدات الحزب التركستاني (الإيغور)، لتنعكس تبعاتها السلبية على السكان الدروز 56. وبدأت في نشر تديّنها السلفي المتشدد، وأجبرت الدروز على الالتزام بقواعد "الأخلاق" العامّة على حدّ زعمهم 57، وحاول بعض قادتها الزواج بفتيات درزيات، الأمر الذي لم ترض به غالبية الدروز 58، ما اضطر بعضهم إلى النزوح، لكن هذه المرة إلى معقلهم في محافظة السويداء، أو إلى خارجها إلى لبنان وتركيا  59. حقيقةً، لم تخفَ حوادث القتل التي قام بها أفراد النصرة في حق بعض الدروز في قلب لوزة في إدلب، ومنها حادثة قتل 23 فردًا من الطائفة الدرزية في 10 حزيران/ يونيو 2015، ما أطلق سباق الاستثمار للنظام السوري الذي كان يطرح نفسه للعالم مدافعًا عن الأقليات، ولإسرائيل التي أعرب رئيسها، رؤوفين ريفلين، للولايات المتحدة عن "قلقه بشأن مصير الأقلية الدرزية"، قائلً إنهم "مهددون من قبل متشددين إسلاميين"، وتلاه وزير الأمن نفتالي بينيت مخاطبًا "المجتمع الدولي:" "قفوا معنا واعترفوا بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان الآن"، وهي مرتفعات سورية معظم سكانها من الدروز. وكان لهذه الحادثة أيضًا دور كبير في تحريك اللاعبين الصغار، مثل السياسي الدرزي اللبناني، وئام وهّاب، الذي كان أحد متعهدي توريط الدروز السوريين في التسلح للمشاركة في حرب النظام السوري، في حين نبّه الزعيم اللبناني وليد جنبلاط إلى حملة التحريض المنظمة ودورها في إذكاء الفتنة  60. في نهاية المطاف، عُزي انحسار الكتلة البشرية للدروز إلى عوامل كثيرة، أهمها اشتداد الضغط الأمني والرقابة الدينية من جبهة النصرة، وفقدان مصادر الرزق وإغلاق المعابر الحدودية وانتشار الفقر والبطالة؛ لذلك شهدت قرى المنطقة حركة نزوح واسعة إلى تركيا ولبنان وجنوب سورية، لينخفض عدد سكان الطائفة في إدلب إلى أقل من النصف 15(ألفًا) في نهاية عام 2015، بمن فيهم النازحون القادمون إليها 61.

3. تهجير أهالي كفريا والفوعة الشيعيتين وقرية اشتبرق العلوية

توجد بعض عائلات الطائفة الشيعية في عدة بلدات في محافظة إدلب، مثل قرية زرزور في ريف جسرر الشغور، لكن الوجود الأكبر لها في إدلب يتمثل في بلدتي كفريا والفوعة، اللتين بلغ عدد سكانهما قبل اندلاع الثورة السورية نحو 50 ألف نسمة، ليتقلّص إلى 21 ألفًا في عام 2015؛ منهم 13 ألفًا في الفوعة و 8 آلاف في كفريا 62. تتبع البلدتان إداريًا لناحية بنش، واعتاد سكانهما تسيير حياتهم في بنش على نحو أكبر في السابق، لكنهم حُرموا من دخولها مع انطلاق الثورة، لانحيازهم المباشر إلى النظام السوري. وتشير شهادات لأهالي البلدتين إلى أن النزاع الذي حدث إبان تظاهرات بلدة بنش ضد النظام لم يأخذ صبغة سياسية فحسب، لكنه كان يحمل في طياته أيضًا بعدًا طائفيًا، من خلال بعض الشعارات التي أطلقها بعض المتظاهرين

  1. فيصل أرشيد، "الدروز يواجهون خطر اتساع الصراع في سوريا"،  52 بي بي سي عربي، 2015/6/20، شوهد في 2022/4/26، في https://bbc.in/36ZAX74:
  2. 53  رضوان الذيب، "ما الهدف من الاجتماعات الدرزيّة في جامعة 'جورج تاون'، هل تقف تركيا وراء تهجير دروز جبل السماق، بعد مسيحيي الرقة 'الجزية' على دروز إدلب"، الديار، 2014/3/1، شوهد في 2022/4/26، في http://bit.ly/2StDgLT:
  3. 54  الجبهة الإسلامية السورية: في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر، أ 2013 علنت سبعة فصائل مقاتلة في مناطق مختلفة في سورية اندماجها في تكتل واحد باسم "الجبهة الإسلامية السورية"، حيث هدفت إلى إسقاط نظام الحكم وبناء دولة إسلامية راشدة. وكان رئيس مجلس شورى الجبهة، أحمد عيسى، قد أشار إلى أنه لا تعارض بين عملها والجيش السوري الحر. وضمت الجبهة كلً من حركة أحرار الشام الإسلامية وجيش الإسلام وألوية صقور الشام ولواء التوحيد ولواء الحق وكتائب أنصار الشام والجبهة الإسلامية الكردية. وكانت تنشَط هذه الألوية والكتائب والفصائل في محافظات دمشق وريفها وحمص واللاذقية وحماة وإدلب وحلب ودير الزور. ينظر: "الجبهة الإسلامية: اندماج تجريبي لأكبر الفصائل العسكرية تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في سورية"،، 2013/11/26، شوهد في 2022/4/26، في https://bit.ly/368BR36:
  4. Joseph Daher, "Revolution and Counter-revolution in Syria: Origins and Developments," PhD. Dissertation, Faculte des Sciences Sociales et Politiques, University of Lausanne, Vaud, Switzerland, 2018.
  5. 56  شملت قواعدهم اللّباس الخاص بالمرأة، والفصل بين الجنسين في المدارس والأماكن العامّة، وحضور دروس في العقيدة والفقه الإسلامي.
  6. 57  بعض أهالي باريشا، مقابلات عبر الماسنجر، كانون الأول/ ديسمبر.2021
  7. 58  بعض أهالي كللي، مقابلة عبر الماسنجر، كانون الأول/ ديسمبر.2021
  8. جبهة النصرة وحادثة القرية الدرزية في إدلب"،  59 القدس العربي، 2015/6/11، شوهد في 2022/4/26، في http://bit.ly/34NG0pT:
  9. 60  مصطفى عيشة، مقابلة عبر الماسنجر،.2018/9/17
  10. كفريا والفوعة: الرقم الصعب في معادلة إدلب"،  61 عنب بلدي، 2018/4/30، شوهد في 2022/4/26، في http://bit.ly/31kUBsE:

المناهضة لحزب الله وإيران  63؛ إذ عبّ أهالي البلدتين الشيعيتين عن ارتباطهم الديني المذهبي والعسكري المباشر بإيران، واستقبلت البلدتان وحدات كبيرة من الأحزاب والميليشيات الشيعية العسكرية المنتشرة في لبنان والعراق، سعيًا لقمع الاحتجاجات الشعبية المناهضة للنظام، وقد كان لها دور مهم في حشد السكان وتعبئتهم مذهبيًا. نفّذت الوحدات الطائفية في كلتا البلدتين عمليات وهجمات ممنهجة، هدفت إلى الانتقام من المدن في محيطها، مثل بنش وتفتناز، ومنها أيضًا التوغل في أراضي مدينة معرّة مصرين وقطع الطريق الرابط بينها وبين إدلب، وكذلك الطريق الدولية الواصلة بين معبر باب الهوى ومدينة إدلب لمسافة تقارب 10 كيلومترات 64. وفي منتصف عام 2012، بدأت هذه السياسة تؤتي ثمارها عندما شُكّل ما يسمى "حزب الله السوري" في مدينة الفوعة في إدلب. لقد أدى النظام دورًا خطرًا بإقناع أفراد هذه الأقلية بأنه إذا ما تم القضاء على الدولة، فسيتم القضاء عليهم، فقام في سبيل ذلك بصهر هذه الأقلية لتتماشى معه، وتحويل أفرادها إلى رجال أمن وميليشيات. فرضت جبهة النصرة مع حركة أحرار الشام الإسلامية حصارًا على البلدتين نتيجة موقفهما من الثورة السورية، وردًّا على حصار طائفي ضارٍ كان قد فرضه النظام على مضايا والزبداني في محافظة ريف دمشق. لم تخفَ أهداف إيران عن أحد، فقد كانت تسعى لإحداث تغيير في الخريطة الديموغرافية المذهبية السورية، وهذا ما وضح في إدلب من خلال خطوات استكمالها مع حزب الله لخلق الهلال الشيعي الذي يمتد من إيران إلى العراق، ليدخل البوكمال السورية ويتابع طريقه إلى حمص، فلبنان، حيث يقبع حليفها حزب الله، وما تهجير سكان الزبداني ومضايا واستبدال أهاليهما بقسم من شيعة كفريا والفوعة إلّ استكمال للتهجير الطائفي العرقي والعزف على وتر الطائفية  65. في عام 2018، ونتيجة عمليات الضغط من جانب المعارضة في إدلب وتضييق الخناق على بلدتي الفوعة وكفريا، استكملت إيران مفاوضاتها مع المعارضة المسلحة لرفع الحصار عن البلدتين، في مقابل رفع الحصار عن قريتي الزبداني ومضايا السنّيتين في دمشق. توصلت روسيا وتركيا إلى اتفاق لإجلاء السكان ومغادرة الميليشيات الإيرانية واللبنانية التابعة للنظام السوري من كلتا القريتين في مقابل إطلاق سراح مئات المعتقلين والسجناء من سجون النظام  66. كان اتفاق المدن الأربع (الزبداني ومضايا - كفريا والفوعة) خطوة لتوسيع دائرة التغيير الديموغرافي بين السوريين، وإشعال النار في حملة عسكرية روسية وشيكة في إدلب 67. وفُرسّت عملية تهجير أهالي البلدتين الشيعيتين من إدلب في عام 2018 بما وقع في الأيام؛ إذ أُالأخيرة من عام 2019 شرك عدد كبير من مهجري البلدتين في الميليشيات الإيرانية وميليشيات حزب الله اللبنانية في معارك النظام السوري في ريف إدلب الجنوبي الشرقي، حيث قاتلوا في إدلب انتقامًا من ساكنيها الذين قاموا بتهجيرهم، وأيضًا لتغطية النقص البشري في ميليشيات النظام، وحماية الخط الأول من جبهة المعسكرات الإيرانية الذي تم إنشاؤه في جنوب شرق إدلب 68. وربط البعض الإنهاء الطائفي لملف الفوعة وكفريا الشيعيتين بمبدأ استراتيجي إيراني بتهجير السُنّة الذين رفضوا حكم آل الأسد وإبعادهم عن العاصمة دمشق، ثم تشويه صورتهم بوصف هذا الكانتون السُنّي الذي يحتضنهم بالإرهابيين، تمهيدًا للتخلّص منهم 69. أما عن عملية تهجير أهالي قرية اشتبرق العلوية، فقد أخذت طريقها بعد سيطرة جيش الفتح على مدينة إدلب وجسرر الشغور في 25 نيسان/ أبريل 2015، وذلك بعد أن بدأت سلسلة أخرى من العمليات للسيطرة على كل أراضي المحافظة. وكان من ضمن النقاط العسكرية المهمة والاستراتيجية الأولى التي سيطر عليها جيش الفتح ما كان يُسمى "حاجز غانية" الذي أنشأته القوات الحكومية في حزيران/ يونيو 2011، ليفصل مدينة جسرر الشغور عن قرية اشتبرق، إضافة إلى معبر أساسي لطريق حلب - اللاذقية M4. إذًا، أصبحت الطريق مفتوحة أمام قوات جيش الفتح للهجوم على قرية اشتبرق العلوية، علمً أن القوات الحكومية لم تستقدم أيّ تعزيزات عسكرية لتدعيم نقاطها العسكرية في محيط القرية، وكان ذلك أحد الأسباب التي أثارت سخط الأهالي بعد وقوع المجزرة. كان عدد الأهالي الموجودين في قرية اشتبرق في أثناء الهجوم، في 26 نيسان/ أبريل 2015، نحو 007 شخص، أما باقي السكان ويقدّر عددهم ب 400 شخص فقد نزحوا على نحو رئيس في اتجاه قرية

  1. 62  محمد نمر، "اتفاق جهنمي: سنة الزبداني مكان شيعة الفوعة: تغيير ديموغرافي وقح "،
  2. 63  تركي مصطفى، "اتفاق المدن الأربع.. طائفية معلنة وصفقات سرية"، بلدي نيوز،
  3. سوريا: بعد إخلاء كفريا والفوعة إدلب بلا شيعة"،  64 بي بي سي عربي، 2018/7/19،
  4. 65   " اتفاق على إجلاء سكان بلدتين شيعيتين في إدلب مقابل إطلاق معتقلين لدى النظام السوري"، القدس العربي، 2022/6/26، شوهد في 2021/7/4، في: http://bit.ly/39dJqpp " ماذا وراء سرعة تنفيذ اتفاق 'الفوعة' و'كفريا' في إدلب؟"،  66 ترك برس، 2018/7/20، شوهد في 2022/4/26، في http://bit.ly/2EORCy9: 67   " لماذا دخلت الميليشيات الشيعية بقوة في معارك ريف إدلب؟"، أورينت نت، 2019/8/18، شوهد في 2022/4/26، في http://bit.ly/2sfc0G5: 68   " ماذا وراء سرعة تنفيذ اتفاق 'الفوعة' و'كفريا' في إدلب؟."
  5. النهار، 2017/4/3، شوهد في 2022/4/26، في: https://bit.ly/3bCl4v2
  6. 2017/4/20، شوهد في 2022/4/26، في https://bit.ly/3jMnAk2:
  7. شوهد في 2022/4/22، في https://bbc.in/2Up6P29:

جورين شمال سهل الغاب وقرى في ريف اللاذقية. كانت حصيلة هجوم جيش الفتح على المنطقة  70 مجزرة راح ضحيتها حوالى 200 شخص بين قتيل ومفقود من المدنيين والعسكريين، وأسر 58 مدنيًا، معظمهم أطفال ونساء  .71 كذلك نزح القسم الباقي من أهالي قرية اشتبرق  73 في اتجاه منطقتين رئيستين: القرى المنتشرة شمال سهل الغاب، خاصة قرقور والسررمانية والزيارة وجورين، وريف ومدينة اللاذقية، وفي الحالتين كان سبب اختيار منطقة النزوح، في الغالب، هو وجود علاقات قرابة عائلية بين الأهالي  74. ومن أجل بث الرعب والخوف في نفوس أهالي هذه الطائفة، وبأنهم أصبحوا غير مرحّب بهم، فجّرت مجموعة "أنصار الدين" جميع مقامات "الأضرحة" في القرية  75، وبعدها بأيام قليلة، هرب المئات من العائلات العلوية والمرشدية من قرى الجيد والكريم في سهل الغاب وجورين وشطحة غرب سهل الغاب، خوفًا من وصول بطش جيش الفتح إليها بعد إعلانه "معركة تحرير" ما بقي من ريف إدلب الغربي وسهل الغاب  76.

رابعًا: معارك الإقصاء للحركات الإسلامية الجهادية

1. الصوفية مع خيار النزوح أو النأي بالنفس

في العقد الأول من هذا القرن، كانت المدن الصغرى، مثل إدلب، قد حصلت على نوع من الاستقلال النسبي عن الدولة في الأمور الدينية، شريطة ارتباطها بالمؤسسة الأمنية، فأصبح الدين أكثر محليةً، حيث تحوّل الشيوخ المعتمدون من تلك المؤسسة إلى أئمة الصف الأول أو قادة العبادة، وكان هذا ينطبق فعلً على الطرق الصوفية في المحافظة، وكان لهذا التوطين الديني المتنامي تأثير كبير بعد الثورة، فجعلها تنأى بنفسها أو تنزح إلى مناطق بعيدة عن الحركات الإسلامية السلفية المسيطرة. ركّزت سياسات النظام في إدلب على الدين والطائفة، وتم التعبير عن التعايش بين علمانية حزب البعث العربي الاشتراكي والإسلام المتحرر للحركات الصوفية، وذلك في المدى الذي وفّره النظام للطرق الصوفية  77. إضافةً إلى ذلك، أثبتت عناصر من الحركة الصوفية القدرة على التكيّف مع قانون الطوارئ والاستفادة من ميزات حكم حزب البعث، ويعكس هذا جزئيًا حقيقة أن الصوفيين لم يسعَوا لوضع أنفسهم بوصفهم مجموعة/ حزبًا أيديولوجيًا أو سياسيًا أو دينيًا خاصًا. وقد أكدت أعمالهم غلبة البعد الاجتماعي للسياسة وتركيزها على العمل الديني والتعليمي، مع وضع النظام السياسي المنشود ضمن إطار مرجعي مختلف 78. لم يكن للثورة صدى بين الصوفيين الذين ظلوا مدينين لطرقهم، مثل الطريقة الشاذلية والرفاعية وغيرهما، حيث إن من أهم مبادئها الطاعة العمياء للشيخ. ومنذ بداية الثورة، مالت الصوفية إلى إلغاء المشاعر الثورية من خلال وصفها بالفتنة التي يجب عدم الاشتراك فيها، ووفقًا لذلك، سعى الصوفيون للابتعاد عن الأحداث الثورية، وعلى الأخص التمسك بالمبدأ الصوفي الذي يثبت أن "ممارسة السياسة تفسد الدين." خلال الأعوام الأولى من حكمه في إدلب، اعتقل تنظيم داعش عددًا من أتباع الطرق الصوفية واتهمهم بالسحر وتشويه الدين 79. واتَّهمت أيضًا العناصرُ السلفية، وأبرزها جبهة النصرة، في إدلب الصوفيةَ بالتخلّ عن الثورة من خلال تبنّي موقف الحياد والامتعاض

  1. 69  الهجوم الذي شُن ضد القوات الحكومية كان من الطريق العام من جهة جسرر الشغور في اتجاه قلب القرية، ومن ثم خارجها في اتجاه الجنوب، وهذا ما مكّن عناصر جيش الفتح من التسلل إلى داخل القرية، وعندئذ فرّ قسم من المدنيين في اتجاه الأراضي الزراعية المؤدية إلى قريتي قرقور والزيارة في اتجاه الجنوب، وقسم آخر خرج بالسيارات على الطريق العام في اتجاه بلدة جورين، التي سلكتها قوات النظام وآلياته بعد عملية الانسحاب. بيد أن مسلحي جيش الفتح استهدفوا رتل السيارات المدنية وعربات وآليات القوات الحكومية بالرشاشات الثقيلة من المرتفعات المحيطة بالطريق. وهذا ما أفادنا به الباحث نيروز ساتيك من خلال متابعاته لصفحات فيسبوك وثقت حوادث الهجوم والتهجير.
  2. 70   " ارتفاع حصيلة أسرى النظام السوري في جسرر الشغور إلى 200.. ومصادر تؤكد مقتل 0 الشرق الأوسط 6 منهم"،، 2015/5/1، شوهد في 2022/4/26، في: https://bit.ly/3yi3Agn
  3. 71  في ختام الجولة السادسة من مؤتمر أستانة في أيلول/ سبتمبر 2017 الذي شهد مفاوضات بين النظام السوري وممثلين عن المعارضة السورية برعاية روسية وإيرانية وتركية، جرى التوصل إلى اتفاق يفضي إلى تحديد ما سُمي "مناطق خفض التصعيد" بين كل من قوات النظام والمعارضة السورية، لتشمل على نحو كامل أو جزئي الغوطة الشرقية في ريف دمشق ومحافظات إدلب وحمص وحماة واللاذقية وحلب، على أن تُنشر قوات من الدول الضامنة (تركيا، وروسيا، وإيران) لمراقبة خفض التصعيد في تلك المناطق. وبناء على اتفاق أستانة، أنشأت القوات التركية، في 16 أيار/ مايو 2018، نقطة مراقبة جديدة في محيط قرية اشتبرق، وهي نقطة المراقبة التركية الثانية عشرة على خطوط التمّاس بين قوات النظام والمعارضة في أرياف حلب وإدلب وحماة. وحتى صيف 2019، ظلت قرية اشتبرق تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة التي يمتد نفوذها ليشمل معظم مناطق محافظة إدلب، ولا يعيش فيها أي شخص من أهلها. وفي الوقت ذاته، شن الجيش السوري مدعومًا بحليفته روسيا هجومًا واسعًا بهدف إعادة السيطرة على المحافظة. ينظر: أمين العاصي، "النقطة 12... إدلب منطقة نفوذ تركي العربي الجديد مطلق؟"،، 2018/5/17، شوهد في 2022/4/26، في: https://bit.ly/2XNddS9 72   " ارتفاع حصيلة أسرى النظام السوري في جسرر الشغور."
  4. 73  يوضح مقطع الفيديو الذي نشره مقاتلو مجموعة أنصار الدين وهم يتحدثون بلغات دول آسيا الوسطى والشيشان، خُلوَّ القرية من أهلها وتفجير الأضرحة. ينظر: "المجموعات
  5. النظام السوري يغلق منطقة الساحل بوجه العلويين الفارين"،  74 الخليج أونلاين، 2015/7/28، شوهد في 2021/7/4، في https://bit.ly/3hCgRGP:
  6. علي الأمين، "تحالف النظام السوري والصوفية البعثية"،  75 زمان الوصل، 2011/7/30، شوهد في 2021/7/4، في https://bit.ly/3jK4mfk: 76  Mohammad Roman, Islamists, Religion and Revolution in Syria (Amman: Friedrich-Ebert-Stiftung, 2013), p. 86.
  7. الإرهابية تفجر ضريح الخضر عليه السلام في اشتبرق"، يوتيوب، 2015/5/21، شوهد في 2022/4/26، في https://bit.ly/3xjq1Pp:
  8. 77  شيخ صوفي من أهالي إدلب أقام في السعودية بعد سيطرة جبهة النصرة، مقابلة عبر فيسبوك، 2018/8/6.

من كلمة الجهاد، لذا حاربت النصرة الصوفيين، وطردتهم من المساجد وأنزلتهم من على المنابر، وسعت لتبرير تصرّفاتها على أساس أن الصوفيين ما هم إلّ عملاء للنظام. إضافةً إلى ذلك، سعى الأيديولوجيون المتطرفون في جبهة النصرة لزيادة استغلال الأزمة السورية عن طريق تأجيج التوترات بإحساس الاعتدال المشبع الموجود في التصوف. وإبان السيطرة على إدلب، شدّد جيش الفتح أيضًا القبضة الإسلامية السلفية على إدلب، مع الحرص على إبعاد "الهرطقات" الأخرى كلها، بما فيها الصوفية ومحاربتها 80. دفعت محاربة السلفيين للصوفيين في إدلب واتهامهم بالتواطؤ مع النظام وإقصاؤهم من ممارسة مهماتهم الدينية، وملاحقة شيوخهم، بالعديد من العوائل إلى النزوح إلى أراضي النظام، أو إلى الدول المجاورة، بعد أن أخذوا الإذن من شيوخهم بالهجرة درءًا، على حد زعمهم، للفتنة.

2. الإخوان المسلمون مع خيار وسط بين النزوح والقبول

أوضح الصراع في عامي 1977 و 1982 أن الهوية المسيّسة لم تكن مصدرًا للعنف الجماعي فحسب، بل يمكن أيضًا توليدها أو تفعيلها أو تقويتها عن طريق العنف. وحينما اندلعت الانتفاضة، كان رد النظام على الإسلاميين مفرطًا وعنيفًا  81، ومن شدة حنقه على تنظيم الإخوان المسلمين، اعتبر أن مجرد العضوية فيه جريمة يُعاقب عليها بالإعدام  82. وحينما قامت الثورة السورية، بقيت تجربة العنف وضحاياها حاضرة في الذكريات الفردية والجماعية لأهالي حماة وإدلب  83، لكن سرعان ما بدأ الإخوان المسلمون في إدلب في التحرك، فكان لهم حضورهم التنظيمي وتمثيلهم العسكري، لكن مجددًا عقّدت العوامل الاجتماعية والدينية والاقتصادية محاولاتهم لمواكبة نمو السلفية الجهادية في إدلب التي وصّفها محمد جمال باروت بالتدين الشعبي الشبابي الاحتجاجي أو الاعتراضي الذي يقع في فضاء التدين السلفي الشعبوي العام  84. وردًّا على قمع النظام للاحتجاجات السلمية، بدأت مجموعة من الفصائل المسلحة تدور في فلك الإخوان المسلمين، حيث تمركز جزء كبير منها في إدلب. وفي كانون الثاني/ يناير 2013، جمع الإخوان مقاتليهم تحت اسم "هيئة دروع الثورة"، واكتفى قادتهم، في العلن، بالإقرار ب "التقارب العقائدي" بين هيئة دروع الثورة وجماعة الإخوان المسلمين، والثقة التي تمنحها الأولى للثانية 85. سعى الإخوان على المستوى المحلي لإظهار النيات الحسنة، وإشراك غير الأعضاء، وإحياء الشبكات القديمة عن طريق استغلال الروابط العائلية، للحصول على بعض الدعم من دول مثل تركيا وغيرها بوصفها معتدلة. لكن مال أيضًا بعض الأعضاء في جماعة الإخوان إلى العمل تحت قيادة مجموعات مسلحة بارزة، مثل الجبهة الوطنية للتحرير وفيلق الشام. ومع ذلك، فشل الإخوان في تجديد صفوفهم بجيل جديد من الأعضاء، أو في إعادة تأسيس أنفسهم على نحو قوي، إضافةً إلى ذلك، لم تُحلّ النزاعات الداخلية بالكامل؛ ذلك أن سياستهم كانت المحافظة على الحل الوسط، من أجل تجنّب مصير المعارك مع الفصائل الجهادية المسيطرة على إدلب، علمً أنهم ضمنيًا كانوا يرون أن المستقبل السياسي سيكون خارج دائرة الجهاديين السلفيين في إدلب. لم ينفع الحل الوسط الذي اتبعه الإخوان مع هذه الفصائل ولا سيما هيئة تحرير الشام المسيطرة على إدلب (بعد كانون الثاني/ يناير 2017)؛ إذ سرعان ما تبخّرت التفاهمات التي كانت قائمة بينهما، وتغيّ ت عندما شنّت الأخيرة حرب الإلغاء والسيطرة على إدلب، الأمر الذي نجم عنه نزوح قسم من عناصر الإخوان وفيلق الشام وآخرين إلى مناطق درع الفرات وغصن الزيتون الواقعة تحت السيطرة التركية  86. كان الاقتتال الفصائلي الذي حصل في محافظة إدلب مسألة وقتية، حيث كان واضحًا أن كل طرف لن يقبل الآخر، وذلك نتيجة الصراع على المصالح التجارية (السيطرة على المعابر الاستراتيجية مثلً)، والسياسية (التمثيل في المؤتمرات)، والفجوة العقائدية الناتجة من عقلية طائفية سياسية تقوم في المقام الأول على إنكار الغير. لقد أثبتت الجبهة الوطنية للتحرير، وفيلق الشام الذي هو جزء منها، أنهما غير قادرين على الصمود ماديًا أو أيديولوجيًا أمام هيئة تحرير الشام. ويمكن القول إنه لم تنجح حتى الآن في إدلب الفصائل الأخرى التي ليس لها مضمون جهادي في الاستمرار، حيث اضطر معظمها إلى الانحلال أو النزوح.

  1. Samer Qatrib & Hadya Yahia, "Curriculum v. Ideology: The War in the Classroom," Deeply Humanitarian , 18/5/2016, accessed on 26/4/2022, at: http://bit.ly/2EMBWeR
  2. Patrick Seale, Assad: The Struggle for the Middle East (Berkeley: California University Press, 1988), p. 329.
  3. Amartya Sen, Identity and Violence: The Illusion of Destiny (New York: W. W. Norton & Co., 2006), p. 2.
  4. Arjun Appadurai, "Dead Certainty: Ethnic Violence in the Era of Globalization," Development and Change , vol. 29, no. 4 (October 1998), pp. 905-925.
  5. محمد جمال باروت، "السلفية الشعبوية في سورية وثورة المجتمعات المحلية"،  82 الحياة، 2011/11/17، شوهد في 2022/4/26، في https://bit.ly/3nxl9AY:
  6. رافاييل لوفيفر وعلي اليسير، "الإخوان المسلمون في سورية وسؤال الميليشيات"،  83 صدى، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (تشرين الأول/ أكتوبر 2013)، شوهد في 2022/4/26، في: https://bit.ly/3bEnNUQ
  7. 84  سلطان الكنج، "في التحرك المقبل للإخوان المسلمين في سوريا"، تشاتام هاوس، 2018/11/12، شوهد في 2022/4/26، في https://bit.ly/3DNPxzX:

3. حركة أحرار الشام وهيئة تحرير الشام في إدلب

بدأت دراسات عدة تهتم بالجماعات السلفية الجهادية: ماهر)2016(87، وفيكتوروفيتش88 2006(، وباسيلس) 89)  2015(؛ إذ يُعتبر هذا النوع من الدراسات ذا أهمية لتتبّع تطور الاتجاه الأيديولوجي في حالات عامة ومحددة. والتركيز على الراديكالية الجهادية السلفية شائع في الدراسات التجريبية لسورية 90، لكن تطرف التيار السلفي الجهادي ليس سوى جانب واحد من القصة. في سورية، وعلى عكس تنظيم داعش، تبنّى الكثير من الجماعات المعارضة الرئيسة المرتبطة جزئيًا بهذا الاتجاه الأيديولوجي مواقف براغماتية، بدلً من زيادة التطرف، ولم تطبق أشد العقوبات الجنائية المرتبطة ببعض أبعاد الشريعة الإسلامية مثل داعش. وبعد عامين من بدء الانتفاضة، خضعت المحافظة لسيطرة معارضة معقدة، معظمها مختلف أيديولوجيًا، وكانت أكبر الجماعات المسلحة في إدلب من الإسلاميين (صقور الشام، وأحرار الشام، وجبهة النصرة)، قد همّشت الفصائل التابعة للجيش السوري الحر. برزت في إدلب حركتان سلفيتان جهاديتان، لكنهما مختلفتان في انتماءاتهما الأيديولوجية. الأولى حركة أحرار الشام التي تعتبر واحدة من أهم الجهات الفاعلة التي نأت بنفسها عن الراديكالية الجهادية السلفية خلال الصراع السوري  91. وهدفت على المدى الطويل إلى بناء مجتمع إسلامي، لكنها رفضت مرارًا وتكرارًا مبدأ الديمقراطية العلمانية الشاملة وممارستها، وحاولت التوفيق بين الحرية السياسية والقانون الشرعي وتصوّرها كأساس للحكم. وُصفت الحركة بأنها أكثر نجاحًا نسبيًا من الجماعات الإسلامية الأخرى، وذلك بفضل توطيدها من القاعدة إلى القمة، الذي بطبيعته أضفى الطابع المؤسسي على هياكلها التنظيمية بمرور الوقت  92. يتبع كثيرون من أعضاء حركة أحرار الشام الجهاديةَ السلفية المحافظة، ومع ذلك، فقد كانت نيّة الحركة أن ترث عباءة الإخوان المسلمين، مع مراعاة رفضهم فكرة الجهاد العالمي كونهم يتلقون دعم دول خارجية ترفض هذه الفكرة. وبعد مقتل قادتها في أيلول/ سبتمبر 2014، استأنفت الحركة مسارها المؤسسي، لكنها لم تغير تكوينها المتعدد المراكز، وأعادت في نهاية المطاف تشكيل مكاتبها السياسية والدينية لتهميش الأصوات الدينية المتطرفة التي عارضت التوجهات الاستراتيجية الجديدة  93، ولا سيما إمكانية تشكيل تحالف استراتيجي مع تركيا. وفي الوقت نفسه، كانت هناك أسباب جوهرية أخرى كثيرًا ما أثّرت في وحدة الحركة وتماسكها، حيث أضرّت الصراعات الأيديولوجية والاستراتيجية داخلها بوحدتها وساهمت في تفككها، ومن ثم نزوح عناصرها إما إلى جهات تسيطر عليها حركات متشددة، وإما إلى خارج مناطق إدارتها على نحو دائم. وقد زادت هذه الصراعات التوتر بين البراغماتيين والمتشددين في الحركة، ما أفقدها مركزيتها، ومن ثم قوتها وعناصرها الذين فضّ ل قسم منهم النزوح إلى مناطق النفوذ التركي شمال حلب، أو حتى الالتحاق بهيئة تحرير الشام  94. أما المجموعة الثانية فهي جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام بمسمّ ها الحالي)، التي قدّمت نفسها على أنها ممثلة للإسلام السلفي الصارم 95؛ فهي لا تعترف بمبدأ الدولة القومية الحديثة أو حدودها المعترف بها دوليًا، وتؤمن بدلً من ذلك بالدولة الإسلامية الرشيدة، وإمكانية

  1. Shiraz Maher, Salafi-Jihadism: The History of an Idea (Oxford: Oxford University Press, 2016).
  2. Quintan Wiktorowicz, "Anatomy of the Salafi Movement," Studies in Conflict & Terrorism , vol. 29, no. 3 (2006), pp. 207-239.
  3. Lia Bacelles, "Understanding Jihadi Proto-States," Perspectives on Terrorism , vol. 9, no. 4 (2015), pp. 31-41.
  4. Hassan Hassan, "Two Houses Divided: How Conflict in Syria Shaped the Future of Jihadism," CTC Sentinel , vol. 11, no. 9 (2018), pp. 1-8.
  5. Jermoe Drevon, "Ahrar Al-Sham's Politicisation during the Syrian
  6. Arund Lund, "Syria's Salafi Insurgents: The Rise of the Syrian Islamic Front," UI Occasional Papers , The Swedish Institute of International Affairs (March 2013).
  7. Drevon. 92  حايد حايد، "لماذا لم تتمكن أحرار الشام من صد هجوم هيئة تحرير الشام في إدلب "، تشاتام هاوس (آب/ أغسطس 2017)، شوهد في 2021/7/4، في: http://bit.ly/2rpoOt9
  8. Conflict," in: M. Bano & A. Al Saud (eds.), Salafi Social and Political Movements: National and Transnational Contexts (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2021).
  9. Erika Holmquist, "What's in a Name? Jabhat al-Nusra's Reasons for 'Disassociating' from al-Qaeda," Asian and Middle Eastern Security Program , Swedish Defence Research Agency (October 2016), accessed on 26/4/2022, at: http://bit.ly/2PPT2yP

تحقيق ذلك من خلال التسييس الواسع للدين. ومنذ البداية، أعلن زعيمها أبو محمد الجولاني أن هدفه هو النظام السوري وحلفاؤه ووكلاؤه  96. النصرة التي أرادت الحصول على أرض تتمدد منها، كانت قد وجدتها منذ سيطرتها على بلدة الدانا في محافظة إدلب، وذلك بعد طرد تنظيم داعش من هناك في كانون الثاني/ يناير 2014، ومن الريف الغربي كله للمحافظة. ومن حينها، اعتبرت النصرة نفسها وريثًا شرعيًا لداعش في المناطق التي خضعت له، الأمر الذي وضعها في مواجهة فصائل من الجيش الحر، ومنها حركة حزم الموجودة في أطراف المنطقة. أصبحت للنصرة أرض تحتضنها، لذا توافرت الأسباب المصلحية والأيديولوجية كلها لتوليد صراع بينها وبين الفصائل، خاصة في ظل دعم الولايات المتحدة لبعض فصائل الجيش الحر، وتصنيف الولايات المتحدة للجبهة على أنها منظمة إرهابية، لذا أصبح القتال بين النصرة والفصائل الأخرى في المحافظة شبه حتمي، فوجب عليها البحث عن سياسات براغماتية تُ كّنها من استقطاب فصائل إسلامية أخرى فاعلة على الأرض وتساعدها في هذه المهمة، ونجحت في فترات مختلفة في استقطاب العديد من الفصائل، في الوقت الذي دعمت فيه سيطرة الإسلاميين والسلفيين للتمدد والانتشار في مختلف مناطق إدلب. بهذه السياسة، وبعد برهة من الوقت، أصبحت جبهة النصرة ممثل السلفية الجهادية في المحافظة، حيث تمكّنت من إقصاء فصائل عدة (الجيش السوري الحر، وحركة أحرار الشام، وغيرهما) من مناطق كثيرة في غرب إدلب وجنوبها، ونزوح كثير من عناصر هذه الفصائل إما ضمن المحافظة أو إلى خارجها. وحاولت هيئة تحرير الشام، بأسلوبها بتطوير حكم مَرِن وقابل للتكيّف، يجمع بين السيطرة الإكراهية والهيمنة الأيديولوجية، فرضَ رؤيتها السياسية، في الوقت الذي اعتقدت أن توفيرها بعض الخدمات الاجتماعية، سيُمكّنها من توطيد نفسها على نحو راسخ داخل المحافظة، لكنها لم تدرك أن هذه الأيديولوجيا كانت سببًا في خلق حروب مع قوى وأقليات أخرى في المحافظة لا ترضى بهذا الحكم، وهذا ما ولّد نزوحًا حقيقيًا، وأدركت لاحقًا عبث محاولة فرض رؤيتها السياسية على مجتمع مضيف  97. تؤكد بعض تفسيرات النزوح الاستراتيجي في زمن النزاع أن المعتقدات الإقصائية تُحفّز قادة زمن الحرب على تطهير الجماعات غير المرغوب فيها وإنشاء مناطق أيديولوجية متجانسة  98. ويجادل ستراوس، على سبيل المثال، أن العنف الانتقائي الجماعي هو نتاج "السررديات التأسيسية" التي تروّج لها النخبة، والتي تستبعد الآخرين من السلطة  99. وفي هذا الإطار، دخل أكبر تنظيمين في المحافظة في معارك طويلة، حيث أدّت الأسباب السياسية المحلية، بما فيها رفض هيئة تحرير الشام علم الاستقلال الأخضر الذي اتخذته حركة أحرار الشام، ثم مبادرة الحركة لإنشاء إدارة مدنية في الشمال السوري، دورًا كبيرًا في إذكاء الصراع. بدورها، استغلت هيئة تحرير الشام الاختلافات الأيديولوجية التي عصفت بحركة أحرار الشام، في غياب المنظّرين، والتي ساهمت في تشظّيها وتفتتها، فضلً عن الانتشار الفضفاض للحركة، والتخبط الداخلي، والبُنية المركزية الضعيفة التي كانت قد ظهرت في جسمها، وعوامل أخرى. اتخذ القتال بين الطرفين، في منتصف تموز/ يوليو 2017، منحى غير مسبوق بسبب دخول السلاح الثقيل في المعارك واتساع خط المواجهات، ليشمل معظم مناطق الشمال الغربي والجنوب الشرقي من إدلب. وفي الحصيلة، استطاعت هيئة تحرير الشام ابتلاع حركة أحرار الشام بعد توغّلها وسيطرتها على معظم محافظة إدلب، وإجبار مقاتلي أحرار الشام مع عوائلهم على الفرار إلى مناطق أخرى في غرب إدلب، أو إلى مناطق النفوذ التركي في شمال حلب وشرقها، في الوقت الذي استغل النظام هذه المعارك بين الطرفين للدخول مرة أخرى واستعادة الطريق الدولية.M5-M4

خامسًا: دور القوى الإقليمية والدولية في نزوح الفصائل

دعمت حكومات خارجية، إقليمية ودولية، فصائل وميليشيات متعددة في سورية. وفي إدلب ساعد الدعم الخارجي لبعض الحركات في ظهور الجهات الفاعلة الرئيسة في ال اررع وتطويرها، وأدى في الوقت نفسه إلى تغيير موازين القوى  100. موّل بعضٌ من هذه الدول رواتب وأجور الفصائل القريبة منها، أو التي تدين بالولاء لها، وكان الدعم واضحًا، سواء كان قصير المدى أم بعيد المدى. وقد ظهرت طبيعة الأيديولوجيا والطائفية السياسية في تفاهمات تلك القوى الإقليمية واضحة، فأتى اتفاق المدن الأربع (كفريا والفوعة - الزبداني ومضايا) على خلفية طائفية سياسية، مخلّفًا تغييرًا ديموغرافيًا

  1. Adraoui, pp. 260-267.
  2. أماني بهجت، "قصة إدلب السورية: من السقوط المتكرر إلى التحرر المشروط"،  95 ساسة بوست، 2015/3/31، شوهد في 2021/7/4، في: http://bit.ly/35UihWa
  3. Michael Mann, The Dark Side of Democracy: Explaining Ethnic Cleansing (Cambridge: Cambridge University Press, 2005).
  4. Scott Straus, Making and Unmaking Nations: War, Leadership, and Genocide in Modern Africa (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2015).
  5. Raphael Lefèvre, "The Muslim Brotherhood Papers for A Comeback in Syria," The Carnegie Papers , Carnegie Endowment for International Peace (May 2013), p. 4, accessed on 26/4/2022, at: http://bit.ly/2ZjLPtX

في محافظة إدلب  101. وأُعيد استخدام الأهداف الأيديولوجية هنا وتدويرها، لتصبح مقابل المال أو لأغراض استراتيجية أخرى، حيث أصبح النزوح هدفًا ماديًا يمكن بيعه وشراؤه، أو هو عبارة عن ورقة رابحة يمكن استخدامها مرارًا وتكرارًا. برز الدور الإقليمي التركي في محافظة إدلب بسبب الحدود الطويلة المشتركة بينهما، ما يُعيد إلى الأذهان ملاحظة ليندسي وإنترلاين في أن للحروب التي تحدث على مقربة شديدة من الحدود تأثيرًا سببيًا في بعضها  102. ويضاف إلى ذلك أن إدلب هي من أولويات الاستراتيجية القومية التركية كون المحافظة تحتضن هيئة تحرير الشام الموضوعة على قائمة الإرهاب الأميركية، وهذا يشكّل خطرًا عليها. من جهتها، اعتبرت هيئة تحرير الشام، وبعد السيطرة على المحافظة وتشكيل "حكومة الإنقاذ"، أن إقامة حكومة تكنوقراطية تحافظ على الاستقرار الداخلي وتحظى بقبول تركي يمثّل مفتاح استمرارها، وسيوفر هذا أيضًا طمأنة لتركيا أن المحافظة التي تسيطر عليها لن تكون إمارة إسلامية متشددة  103. وبعد عمليتي تركيا العسكريتين في شمال حلب وشرقها (درع الفرات وغصن الزيتون)، وما كان بينهما وبعدهما من مؤتمرات سوتشي وأستانة، حصلت تركيا على مزايا الحفاظ على العديد من نقاط التفتيش العسكرية التركية في إدلب  104. كان دور إيران في إدلب واضحًا أيضًا، خاصة قبل عملية تهجير سكان كفريا والفوعة الشيعيتين، وكانت تدخلاتها في المحافظة مدفوعة أساسًا بالأيديولوجيا، حيث سعت لدعم البلدتين، بعد أن نما نفوذ القوات العسكرية للحرس الثوري الإيراني على صنع القرار هناك، وتم الاعتراف بكلتا البلدتين على أنهما ركائز النفوذ الإيراني في إدلب. بدأت قوات النظام والميليشيات الإيرانية محاصرة مضايا والزبداني (في ريف دمشق) في آذار/ مارس 2015، وأصبح السكان ورقة مساومة، واستخدم الطرفان مصير بلدات (مضايا والزبداني - كفريا والفوعة) لتحقيق مصالحهم الاستراتيجية خلال المفاوضات 105. وردًّا على هذه التطورات، رعت تركيا مفاوضات أفرزت هدنة بين إيران وحركة أحرار الشام وغيرها، ورفع الحصار، وحدث تهجير قسرري من البلدات الأربع (مضايا والزبداني - كفريا والفوعة) على مراحل عدة، انتهى في تموز/ يوليو.2018 وكان الدور الروسي في إدلب ملموسًا أيضًا، حيث دفع الخوف من الإسلاميين إلى أن تتبنى روسيا موقفًا حيال الحركات الإسلامية الجهادية، خاصة مع سيطرة هيئة تحرير الشام في إدلب. ويمكن القول هنا إن عمليات النزوح التي رعتها روسيا من المدن السورية كافة في اتجاه إدلب ما كانت إلّ ضمن هدف استراتيجي في الدرجة الأولى، لحشر أعداء النظام فيما قد يمكن اعتباره "قندهار" إدلبية، تمهيدًا لتصفيتها  106. حتى على المدى الطويل، فروسيا قلقة من نمو التطرف الذي ربما يمتد إلى أراضيها، ولها تجربة مباشرة في هذا المضمار، وها هي إدلب وفق هذا المنظور قد أصبحت واحدة من أكبر "قندهارات" العالم من خلال احتضان جميع أنواع الإسلاميين، ولا سيما الردايكاليين منهم، والمسلحين عمومًا 107. أما الولايات المتحدة الأميركية، فلا تستطيع تخليص نفسها تمامًا من الإرث السوري، خاصة أنها أشرفت تدريبيًا على بعض القوى المعتدلة مثل "حركة حزم" ودعمتها عسكريًا. ووُجد العامل الأيديولوجي في سياسة الولايات المتحدة أيضًا، وبدورها احتاجت إلى الحفاظ على منظور استراتيجي، الأمر الذي أصبح أشد صعوبة بسبب حجم الكارثة الإنسانية في سورية والتهديد الجهادي للأمن القومي الأميركي  . أظهر الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، سياسة غير آبهة بالقصف الذي نفّذه الروس والنظام على إدلب، وأن قضية الولايات المتحدة هي هزيمة داعش والإرهاب، ومن ثم فهو غير مكترث لما يؤول إليه نزوح السكان من سورية عمومًا، ومن إدلب خصوصًا، وهذا إرث الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما؛ فمدحه الصريح ل "الحرب ضد داعش" المزعومة من جانب بوتين والأسد، كان قد أوحى بدور أميركا المضاد للثورة  . وقد أمكننا القول إن قضايا الإقصاء

  1. خليل المقداد، "قراءة في اتفاق المدن الأربع وأهميته بالنسبة لإيران"!،  99 أورينت نت، 2017/4/5، شوهد في 2022/4/26، في http://bit.ly/371F2HO:
  2. Dylan Balch-Lindsay & Andrew J. Enterline, "Killing Time: The World Politics of Civil War Duration, 1820-1992," International Studies Quarterly , vol. 44, no. 4 (December 2000), pp. 615-642.
  3. Jermoe Drevon, "The Consolidation of a (Post-jihadi) Technocratic State-let in Idlib," The Project on Middle East Political Science (November 2020), accessed on 21/4/2022, at: https://bit.ly/3xYcZbl
  4. Husyen Işıksal & Goksel Oğuzhan , Turkey's Relations with the Middle East Political Encounters after the Arab Spring (Cham, Switzerland: Springer, 2018).
  5. Syria: 'We Leave or We Die': Forced Displacement Under Syria's 'Reconciliation' Agreements," Amnesty International, 13/11/2017, accessed on 26/4/2022, at: https://bit.ly/3AdyAzn
  6. Anna Borshchevskaya, "Russia in Syria (Part 1): Declining Military Capabilities will not Hold Moscow Back," Policy Analysis , The Washington Institute for Near East Policy (September 2015), accessed on 4/7/2021, at: http://bit.ly/2SlOz8O
  7. 105  نيكولاي سوحوف، "منظومة مكافحة الإرهاب في روسيا الاتحادية"، في: محمد أبو رمان [وآخرون]، وسائل منع ومكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفي الغرب (عمان: فريديش إيبرت شتيفتونك، 2016)، ص 201-199، شوهد في 2022/4/22، في: https://bit.ly/3R5q9LH
  8. Borshchevskaya.
  9. Joint Statement by the Representatives of Iran, Russia and Turkey on the International Meeting on Syria in the Astana format, Sochi, 16-17 February 2021," The Ministry of Foreign Affairs of the Russian Federation, 17/2/2021, accessed on 26/4/2022, at: https://bit.ly/3hA1YoB

الفصائلي أو النزوح غير واردة في مفردات البيت الأبيض، أو في قرارات البنتاغون؛ فالبيت الأبيض يخضع لخطط وزارة الدفاع الأميركية التي توصلت نظريًا إلى اتفاق مع روسيا وإيران باقتسام النفوذ في سورية، وليس اقتسام النازحين.

خاتمة

ركزت الدراسة على مناقشة جزء من عمليات الإقصاء والنزوح الناتجين من عنف التطييف السياسي في محافظة إدلب، نتيجة سيطرة بعض الفصائل الإسلامية على المحافظة. وقد أشارت الدراسة إلى أن الاستقطاب الديني والتطييف كانا نتيجة "طبيعية" للصراع الجاري في إدلب، حيث تبنّت الفصائل المختلفة مبدأ التطييف لأغراضها الخاصة، مجبرةً فصائل أخرى على الإقصاء، وبعضًا من الأهالي على النزوح. وليس من المستغرب أن يؤدي انتشار التطييف السياسي في إدلب إلى زيادة المسافة الاجتماعية بين هيئة تحرير الشام الحاكمة والأهالي، حيث أصبح سكان المحافظة اليوم أكثر معارضة للهيئة نتيجة سياساتها؛ كما أنهم قلقون من استمرار حكمها وسياساتها الأيديولوجية. إن ما يميز التطييف السياسي في إدلب - بما يتجاوز أساسها الثيولوجي إلى حد بعيد - هو إلحاح قادتها على غرس روابطها بالحكم؛ نظرًا إلى أن الهيئة لا تقبل بفصيل آخر حاكم معها. وقد ولّد استخدام التطييف وممارسته مشاعر الاستياء لدى الجميع في المحافظة، وذلك بسبب نظام العسكرة المؤدلجة، ونظام التطييف القائم أصلً على نحو مباشر على مصادرة الممتلكات والدخول في الدين الإسلامي السُنّي للأقليات الذي ترعاه هيئة تحرير الشام، ما يجعل مهمتها شبه مستحيلة في عملية اندماج الأهالي في الحياة الاجتماعية في إدلب. سئم الناس الحدّة في تصاعد التطييف السياسي، الأمر الذي يوجب على الهيئة مراعاته، وأن تضع الجهود للتخفيف من حدة هذه الظاهرة، أو للتخلّص من المنتفعين والباحثين عن الفوضى التي يخلقها تأجيج التطييف. أيضًا ينبغي للهيئة أن تخفف من حدة التطييف ببذل الجهود في فهم المعارضين بغضّ النظر عن انتماءاتهم، والتركيز على القواسم المشتركة، بدلً من الاختلافات. هنا، يمكن أن تشجع جهود تصحيح المفاهيم الخاطئة الناسَ على الانخراط في تفاعلات بين الأطراف، أو التفكير في تجاربهم الإيجابية مع المعارضين.

References المراجع

العربية

أبا زيد، أحمد. "رهان إدلب غير المحسوم." منتدى العلاقات العربية https://bit.ly/3OKNdy3:والدولية. في أبو رمان، محمد [وآخرون.] وسائل منع ومكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفي الغرب. عمان: فريديش إيبرت شتيفتونك،.2016 أستون-وارد، ألكساندر. "عوامل بقاء الأسد حتى الآن في الحرب السورية: منظور تاريخي." مركز حرمون للدراسات المعاصرة. 2017/10/24 في https://bit.ly/3n9fR1B:. بشارة، عزمي. سورية: درب الآلام نحو الحرية، محاولة في التاريخ الراهن. الدوحة/ ب وررت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 ________. الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيّلة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018. ديوان. مركز مالكوم الحاج علي، مهنّد. "التقاط ما تبقى؟." - كير كارنيغي للشرق الأوسط 2019/4/9. في http://bit.ly/3aeag34:. لوفيفر، رافاييل وعلي اليسير. "الإخوان المسلمون في سورية وسؤال الميليشيات." صدى. مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (تشرين الأول/ أكتوبر 2013:.) في https://bit.ly/3bEnNUQ

الأجنبية

Adraoui, Mohamad. "The Case of Jabhat Al-Nusra in the Syrian conflict 2011-2016: Towards a Strategy of Nationalization." Mediterranean Politics. vol. 24, no. 2 (2020). Appadurai, Arjun. "Dead Certainty: Ethnic Violence in the Era of Globalization." Development and Change. vol. 29, no. 4 (October 1998). Ashour, Omar. The De-radicalization of Jihadists: Transforming Armed Islamist Movements. Abingdon: Routledge, 2009. Bacelles, Lia. "Understanding Jihadi Proto-States." Perspectives on Terrorism. vol. 9, no. 4 (2015).

Balcells, Laia & Abbey Steele. "Warfare, Political Identities, and Displacement in Spain and Colombia." Political Geography. vol. 51 (2016). Balch-Lindsay, Dylan & Andrew J. Enterline. "Killing Time: The World Politics of Civil War Duration, 1820-1992." International Studies Quarterly. vol. 44, no. 4 (December 2000). Bano, M. & A. al Saud (eds.). Salafi Social and Political Movements: National and Transnational Contexts. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2021. Borshchevskaya, Anna. "Russia in Syria (Part 1): Declining Military Capabilities will not hold Moscow Back." Policy Analysis. The Washington Institute for Near East Policy (September 2015). at: http://bit.ly/2SlOz8O Carenzi, Silvia. "A Downward Scale Shift? The Case of Hay'at Tahrir al-Sham." Perspectives on Terrorism. vol. 14, no. 6 (2020). Christia, Fotini. Alliance Formation in Civil Wars. New York: Cambridge University Press, 2012. Daher, Joseph. "Revolution and Counter-revolution in Syria: Origins and Developments." PhD. Dissertation. Faculte des Sciences Sociales et Politiques. University of Lausanne. Vaud, Switzerland, 2018. Dam, Nickolaos Van. Destroying A Nation: The Civil War in Syria. London: Bloomsbury Publishing, 2017. Drevon, Jermoe. "The Consolidation of a (Post-jihadi) Technocratic State-let in Idlib." The Project on Middle East Political Science (November 2020). at: https://bit.ly/3xYcZbl Finkel, Elie J. et al. "Political Sectarianism in America." Science. vol. 370, no. 6516 (October 2020). Gade, Emily, Maher Hafez & Michael Gabbay. "Fratricide in Rebel Movements: A Network Analysis of Syrian Militant Infighting." Journal of Peace Research. vol. 56, no. 3 (2019). Gilbert, Victoria. "Identity in the Wake of the State: Local, National, and Supranational Dynamics of the Syrian Conflict." PhD. Dissertation. University of Pennsylvania. Pennsylvania, 2019. Goodarzi, Jubin. Syria and Iran: Diplomatic Alliance and Power Politics in the Middle East. London: I. B. Tauris, 2009. Greenhill, Kelly. "Strategic Engineered Migration as a Weapon of War." Civil Wars. vol. 10, no. 1 (2008). Hafez, Mohammed M. "Fratricidal Rebels: Ideological Extremity and Warring Factionalism in Civil Wars." Terrorism and Political Violence. vol. 32, no. 3 (2017). Hamilton, Robert, Chris Miller & Aaron Stein. Russia's War in Syria: Assessing Russian Military Capabilities and Lessons Learned. Pennsylvania: Foreign Policy Research Institute, 2020. Hassan, Hassan. "Two Houses Divided: How Conflict in Syria Shaped the Future of Jihadism." CTC Sentinel. vol. 11, no. 9 (2018). Hinnebusch, Raymond. "Syria: From 'Authoritarian Upgrading' to Revolution?" International Affairs. vol. 88, no. 1 (2012). Holmquist, Erika. "What's in a Name? Jabhat Al-Nusra's Rreasons for 'Disassociating' from Al-Qaeda." Asian and Middle Eastern Security Program. Swedish Defence Research Agency (October 2016). at: http://bit.ly/2PPT2yP Işıksal , Husyen & Goksel Oğuzhan. Turkey's Relations with the Middle East Political Encounters after the Arab Spring. Cham, Switzerland: Springer, 2018. Kalyvas, Stathis N. "Micro-level Studies of Violence in Civil War: Refining and Extending the Control-

collaboration Model." Terrorism and Political Violence. vol. 24, no. 4 (2012). Lefèvre, Rafael. Jihad in the City: Militant Islam and Contentious Politics in Tripoli. Cambridge: Cambridge University Press, 2021. Lefèvre, Raphael. "The Muslim Brotherhood Papers for A Comeback in Syria." The Carnegie Papers. Carnegie Endowment for International Peace (May 2013). at: http://bit.ly/2ZjLPtX Lund, Around. "Syria's Salafi Insurgents: The Rise of the Syrian Islamic Front." UI Occasional Papers. The Swedish Institute of International Affairs (March 2013). Maher, Shiraz. Salafi-Jihadism: The History of an Idea. Oxford: Oxford University Press, 2016. Mann, Michael. The Dark Side of Democracy: Explaining Cambridge Cambridge: Cleansing. Ethnic University Press, 2005. Mason, Lilliana. Uncivil Agreement: How Politics Became Our Identity. Chicago: University of Chicago Press, 2018. Osserian, Hashem. "How Sectarianism can Help Understand the Syrian War." Deeply Humanitarian. 1/3/2018. at: http://bit.ly/39bQhj8 Powell, Stephen & Adrian Florea. "Introducing the Armed Non state Actor Rivalry Dataset (ANARD)." Civil Wars. vol. 23, no. 2 (2021). Qatrib, Samer & Hadya Yahia. "Curriculum v. Ideology: The War in the Classroom." Deeply Humanitarian. 18/5/2016. at: http://bit.ly/2EMBWeR Roman, Mohammad. Islamists, Religion and Revolution in Syria. Amman: Friedrich-Ebert-Stiftung, 2013. Seale, Patrick. Assad: The Struggle for the Middle East. Berkeley: California University Press, 1988. Sen, Amartya. Identity and Violence: The Illusion of Destiny. New York: W. W. Norton & Co., 2006. Sinno, Abdulkader H. Organisations at War in Afghanistan and Beyond. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2008. Straus, Scott. Making and Unmaking Nations: War, Leadership, and Genocide in Modern Africa. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2015. United Nations Office for the Coordination of Governorate: "Idlib Affairs. Humanitarian Reference Map." at: https://bit.ly/3fgPkZx Weidmann, Nils. "Violence 'From Above' or 'From Below'? The Role of Ethnicity in Bosnia's Civil War." The Journal of Politics. vol. 73, no. 4 (2011). Weinstein, Jeremy. Inside Rebellion: The Politics of Insurgent Violence. Cambridge: Cambridge University Press, 2007. Wiktorowicz, Quintan (ed.). Islamic Activism: A Social Movement Theory Approach. Bloomington, IN: Indiana University Press, 2004. Wiktorowicz, Quintan. "Anatomy of the Salafi Movement." Studies in Conflict & Terrorism. vol. 29, no. 3 (2006).