أفول النظرية الكبرى

Sidahmed Goudjili سيد أحمد قوجيلي |

الملخّص

ظهرت الانتقائية التحليلية في الأعوام الأخيرة تيارًا نظريًا واعدًا في نظرية العلاقات الدولية، واستقطبت اهتمامًا كبيرًا من الباحثين والمشتغلين في الحقل. تقوم الانتقائية التحليلية على ثّثاا ركائز، وهي: الدعوة إلى التنوع والتعددية النظريين من خلال تبن ي المنهجية الانتقائية، ومعارضة هيمنة البردايمات الكلاسيكية (الواقعية والنيوليبرالية والبنائية) على نظرية العلاقات الدولية، والقول بانحسار النظرية الكبرى وأفولها، والدعوة إلى الاستعاضة عنها بنظريات المدى المتوسط. تقدّم هذه الدراسة مراجعة نقدية لهذه الركائز، وتبيّن أنّ المنطق الانتقائي الذي تُبنى عليه الانتقائية التحليلية يشوبه بعض التناقض، وأنّ انتقاداتها للنظرية الكبرى مستندة إلى فهم غير مكتمل لماهيتها ووظيفتها، وأنّ النزعة الانتقائية ليست موضوعا جديدًا في حقل العلاقات الدولية، وأنّ انحسار النظرية الكبرى لا يعني بالضرورة أفولها. كلمات مفتاحية: الانتقائية التحليلية، النظرية الكبرى، نظرية العلاقات الدولية. In recent years, Analytical Eclecticism has emerged as a promising theoretical trend and has attracted great attention from researchers and practitioners of international relations theory. Analytical Eclecticism is based on the following three pillars: the call for theoretical diversity and pluralism by adopting Eclectic methodology; challenging the dominance of classical paradigms (realism, neoliberalism, constructivism) over international relations theory; and to advocate for the replacement of Grand Theory with middle range theories following its decline. The article presents a critical review of these pillars to demonstrate that the rationale upon which analytical Eclecticism is based is tainted by some contradictions; its criticisms of Grand Theory are built on an incomplete understanding of what it and its function are. Moreover, analytical eclecticism is not a new subject in the discipline of international relations, and the decline of Grand Theory does not necessarily signify its disappearance. Keywords: Analytical Selectivity, Grand Theory, International Relations Theory.

نقد الانتقائية التحليلية في العلاقات الدولية

The Decline of Grand Theory

A Critique of Analytical Eclecticism in International Relations

مقدمة: أفول النظرية الكبرى؟

ذكر عالم الاجتماع رايت ميلز منذ ستّة عقود خلت أربع طرائق أساسية استُقبلت بها "النظرية الكبرى" Theory Grand في العلوم الاجتماعية: أوّلها الترحيب من مؤيّديها الذين يفهمونها؛ وثانيها الشك من معارضيها الذين يفهمونها؛ وثالثها الافتتان من مؤيّديها الذين لا يفهمونها؛ ورابعها مناوَأة معارضيها الذين لا يفهمونها 1. ينطبق هذا التصنيف إلى حدّ بعيد على حقل العلاقات الدولية؛ ففي هذا الحقل، انحصر النقاش بشأن النظرية الكبرى أعوامًا عدّة بين الباحثين الذين ينتمون إلى الفئتين الأوليين: المؤيّدين والمناوئين الذين يفهمونها. ضمّت الفئة الأولى العلماء الذين دعوا إلى بناء أطر نظرية كلّية لتفسير الظواهر الدولية، وكان أبرزهم كوينسي رايت ووليام فوكس وكينيث والتز وديفيد سينغر وبول نيتز وجون بيرتن  2، إضافة إلى علماء نظرية الأنساق العامّة، مثل تشارلز ماكيليلاند وكارل دويتش وريتشارد روزكرانس  3. أمّا المناوئون، فكانوا خليطًا غير متجانس من المدارس، ضمّ علماء من الواقعية الكلاسيكية، مثل هانز مورغانثو وريمون آرون  4 وبعض أنصار المدرسة السلوكية، مثل مورتن كابلان وآرثر لي بيرنز  5 وأعضاء "اللجنة البريطانية لنظرية السياسة الدولية"  6. وعلى الرغم من التباين الواضح في مواقف كلا الفريقين، فإنّ الفجوة بينهما لم تكن واسعة جدًّا إلى الحدّ الذي يمنع مورغانثو وآرون وكابلان، على سبيل المثال، من طرح نظريات كبرى في أثناء سعيهم لتفسير ظواهر السياسة الدولية 7. بدأت الكفّة تميل في أواخر السبعينيات ميلً طفيفًا إلى مصلحة معسكر المؤيّدين الذين استفادوا ممّ سُمّي حينها "عودة النظرية الكبرى في العلوم الاجتماعية" 8. وقد ساهم عاملان أساسيان في عودتها إلى حقل العلاقات الدولية: أوّلهما بلوغ حركة ما بعد السلوكية Post-Behaviorism مرحلة النضج النظري 9؛ وثانيهما نشر كينيث والتز كتابه نظرية السياسة الدولية10. كان هناك تطوّر ثالث ساهم في تعزيز مكانة النظرية الكبرى في الحقل، وهو وصول البنائية الاجتماعية في أواخر الثمانينيات، وازدهار ما أصبح يعرف ب: النقاشات البردايمية Debates Inter-Paradigm التي بلغت ذروتها في منتصف التسعينيات 1996(تحديدًا) 11. عاد النقاش في شأن النظرية الكبرى إلى الواجهة خلال العقدين الأوّلين من القرن الحادي والعشرين تحت قيادة، أوّل مرّة، الفئة الرابعة: مناوئو النظرية الكبرى الذين لا يفهمونها. نشر الباحثون المنتمون إلى هذه الفئة مجموعة من المقالات في العقد الأخير، أسّسوا من خلالها ما بات يعرف بتيّار أفول النظرية الكبرى. بدأ هذا التيّار بمقالة كريستين سيلفستر المثيرة للجدل: "هل بلغت نظرية العلاقات

  1. C. Wright Mills, The Sociological Imagination (New York: Oxford University Press, 1959), p. 26.
  2. Wiliam T. R. Fox, "The Uses of International Relations Theory," in: Wiliam T. R. Fox (ed.), Theoretical Aspects of International Relations (Notre Dame: University of Notre Dame Press,1959), pp. 29-49; Quincy Wright, The Study of International Relations (New York: Appleton-century-crofts, 1955); Kenneth N. Waltz, Theory of International Politics (Reading, Mass.: Addison-Wesley, 1979); J. David Singer, "The Level-of-Analysis Problem in International Relations," World Politics , vol. 14, no. 1 (October 1961), pp. 77-92; Paul Nitze, "Necessary and Sufficient: Elements of a General Theory of International Relations," in: Fox (ed.), pp. 1-14; John W. Burton, International Relations: A General Theory (Cambridge: Cambridge University Press, 1965).
  3. Charles A. McClelland, Theory, and the International System (New York: Macmillan, 1966); Karl W. Deutsch, The Nerves of Government: Models of Political Communication and Control (New York: Free Pr., 1963), Part 1; Richard N. Rosecrance, Action and Reaction in World Politics: International
  4. Hans J. Morgenthau, Scientific Man vs. Power Politics (London: Latimer House Limited, 1946); Raymond Aron, "Qu'est-ce qu'une théorie des
  5. Morton A. Kaplan, "Problems of Theory Building and Theory Confirmation in International Politics," World Politics , vol. 14, no. 1 (1961), pp. 6-24; Arthur Lee Burns, "Prospects for a General Theory of International Relations," World Politics , vol. 14, no. 1 (1961), pp. 25-46.
  6. 6  ضمّت اللجنة التي أُسّست في عام 1954، بتمويل من مؤسسة روكفلر، هيربرت بيترفيلد ومارتن وايت وجون واتسون وهيدلي بول، إضافة إلى خمسين باحثًا آخرين. وكان أعضاؤها المؤسّسون مناهضين لفكرة النظرية الكبرى في العلاقات الدولية. للاطلّاع على موقفهم حيالها، ينظر: Brunello Vigezzi, The British Committee on the Theory of International Politics (1954-1985): The Rediscovery of History , Ian Harvey (trans.) (Milano: Edizioni Unicopli, 2005).
  7. Hans J. Morgenthau, Politics Among Nations: The Struggle for Power and Peace (New York: Alfred A. Knopf, 1948); Raymond Aron, Paix et guerre entre les nations (Paris: Calmann-Levy, 1962); Morton A. Kaplan, System and Process in International Politics (Colchester: John Wiley and sons, INC, 1957).
  8. 8  لمزيد من التفصيل ينظر: Quentin Skinner (ed.), The Return of Grand Theory in the Human Sciences (Cambridge: Cambridge University Press, 1985). 9  Michael Banks, "General Theory in International Relations: New Directions," Millennium: Journal of International Studies , vol. 8, no. 3 (1979), pp. 252-266. 10  Waltz.
  9. Systems in Perspective (Boston: Little Brown, 1963).
  10. relations internationales?" Revue française de science politique , vol. 17, no. 5 (1967), pp. 840-841.
  11. 11  وجد ستيفن سايدمن في تحليله أنماط النشر والاقتباس أنّ عام 1996 مثّل ذروة البحوث البردايمية في الحقل. ينظر: Stephen M. Saideman, "The Apparent Decline of the IR Paradigms: Examining Patterns of Publications, Perceptions, and Citations," International Studies Review , vol. 20, no. 4 (2018), p. 16.

الدولية نهايتها؟" 12، وبلغ ذروته في العدد الخاص الذي أصدرته المجلّة الأوروبية للعلاقات الدولية في عام  2013 13. اختار كريس براون عنوانًا موحيًا، هو "بؤس النظرية الكبرى"، لتلخيص الاستنتاج المشترك الذي توصّلت إليه تلك البحوث  14. ويمكننا تلخيص أوجه التشابه بينها في ثلاث سمات رئيسة: 1) حملت أغلب عناوينها إشارة إلى "نهاية" نظرية العلاقات الدولية؛ 2) أعلنت عمّ سمّته "أزمة) بشّالنظرية الكبرى"؛ و 3 ت ب "موت البردايمات" ونقاشاتها الكبرى.15 Great Debates على عكس مناوئي النظرية الكبرى الذين يفهمونها جيّدًا، يستشهد مناوئوها الذين لا يفهمونها بحال الحقل خلال الأعوام الماضية للإعلان عن استيائهم من هيمنة النظريات الكبرى التي تمثّلها البردايمات الواقعية والليبرالية والبنائية  16. وفي مقابل ذلك، هم يجادلون في أنّ الأمور بدأت في التغيّ في الآونة الأخيرة، وأنّ الحقل يشهد انتق لً بنيويًا من هيمنة النظرية الكبرى إلى الانتشار الواسع للنظريات متوسّطة المدى Theories Range Middle. يرصد المناوئون المعاصرون مؤشّات عدة على هذا الانتقال، لكنّهم يركّزون بخاصة على مؤشّ واحد يعتبرونه الأهم، وهو انحسار "النقاشات البردايمية" داخل الحقل في العقدين الأخيرين. على سبيل المثال، لمس تيم دان ومعاوناه تراجع النقاشات البردايمية خلال الفترة التي عملوا فيها محرّرين للمجلة الأوروبية للعلاقات الدولية)2013-2008(17، ووجد آيدو أورن مؤشّات مهمة على انحسارها في الولايات المتحدة الأميركية أيضًا  18. أيّد بعض الدراسات التجريبية التي أُجريت خلال العقد الماضي اتّجاه الانحسار؛ فعلى سبيل المثال، أظهرت الاستطلاعات الشهيرة التي قام بها دانيال مالينياك وزميلاه ضمن مشروع "التدريس والبحث والسياسة الدولية" TRIP() أنّ نسبة علماء العلاقات الدولية الذين لا يستخدمون التحليل البردايمي في عملهم جاوزت 22 في المئة، في مقابل 5 في المئة فقط لا يزالون يعتمدون عليه  19. وتماهيًا مع هذه النتائج، اعترف بعض مؤيّدي النظرية الكبرى بأنّ الاتّجاهات البحثية السائدة في الحقل، خاصّة تراجع البحوث الساعية ل "بناء النظرية Building Theory في مقابل نمو البحوث من فئة "اختبار النظرية" Testing Theory، هو مؤشّ على انحسار الاهتمام بالنظرية الكبرى في الحقل  20. في مقابل ذلك، رحّب نقّاد النظرية الكبرى بهذا التحوّل البحثي واعتبروه نتيجة طبيعية لتراجع النقاشات البردايمية  21، وبعثوا بتطمينات إلى الباحثين، أنّ "لا داعي للحزن على نهاية النظرية الكبرى إذا كانت تعني النقاشات الكبرى في العلاقات الدولية" 22. وبصفة عامة، أصبحت مقولة أفول النظرية الكبرى في العلاقات الدولية تعني شيئين: أوّلهما أنّ البردايمات الكبرى في العلاقات الدولية

  1. Christine Sylvester, "Whither the International at the End of IR," European Journal of International Relations , vol. 35, no. 3 (2007), pp. 551-573.
  2. European Journal of International Relations , vol. 19, no. 3 (2013).
  3. Chris Brown, "The Poverty of Grand Theory," European Journal of International Relations , vol. 19, no. 3: End of International Relations Theory? A Special Issue (2013), pp. 483-497.
  4. Tim Dunne, Lene Hansen & Colin Wight, "The End of International Relations Theory?" European Journal of International Relations , vol. 19, no. 3: End of International Relations Theory? A Special Issue (2013), pp. 405-425; Christine Sylvester, "Experiencing the End and Afterlives of International Relations/Theory," European Journal of International Relations , vol. 19, no. 3 (2013), pp. 609-626; Stefano Guzzini, "The Ends of International Relations Theory: Stages of Reflexivity and Modes of Theorizing," European Journal of International Relations , vol. 19, no. 3 (2013), pp. 521-541.
  5. 16  للاطلّاع على مناقشة مركّزة لأفكار هذه البردايمات الثلاثة وأهمّ قضايا النقاش بينها ينظر: سيد أحمد قوجيلي، الصراع على تفسير الحرب والسلم: دراسات في منطق التحقيق العلمي في العلاقات الدولية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،
  6. Dunne, Hansen & Wight, p. 406.
  7. Ido Oren, "A Sociological Analysis of the Decline of American IR Theory," International Studies Review , vol. 18, no. 4 (2016), p. 1.
  8. Daniel Maliniak, Susan Peterson & Michael J. Tierney, "TRIP Around the World: Teaching, Research and Policy Views of International Relations Faculty in 20 Countries," The College of William and Mary Williamsburg (Virginia) (May 2012), accessed on 29/4/2022, at: https://bit.ly/3uaOcA0; ينظر أيضًا: Wiebke Wemheuer-Vogelaar, et al., "The IR of the Beholder: Examining Global IR Using the 2014 TRIP Survey," International Studies Review , vol. 18 (2016), pp. 16-32. طاا عاا ع ىى المزيد من التفاصيل عن ول TRIP وررع يمكن مراجعة موقع الم: https://trip.wm.edu/about-us
  9. John J. Mearsheimer & Stephen M. Walt, "Leaving Theory Behind: Why Hypothesis Testing Has Become Bad for International Relations," European Journal of International Relations , vol. 19, no. 3: End of International Relations Theory? A Special Issue (2013), p. 428; Daniel J. Levine & Alexander D. Barder, "The Closing of the American Mind: 'American School' International Relations and the State of Grand Theory," European Journal of International Relations , vol. 20, no. 4 (2014), p. 5.
  10. Dunne, Hansen & Wight, p. 406. 22  David A. Lake, "Theory is Dead, Long Live Theory: The End of the Great Debates and the Rise of Eclecticism in International Relations," European Journal of International Relations , vol. 19, no. 3 (2013), p. 580.
  11. 2019.) وللاطلّاع على مناقشة موسّعة لنظريات العلاقات الدولية كلها، ينظر: تيم دان وميليا كوركي وستيف سميث، نظرية العلاقات الدولية: التخصص والتنوّع، ترجمة ديما الخضرا (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2016

فقدت سطوعها باعتبارها نقطة مركزية للهوية العلمية  23؛ وثانيهما أنّ عهد "الحروب البردايمية" قد ولّ وحلّ محلّه "السلام النظري" 24. انتقلت مقولة أفول النظرية الكبرى مؤخّرًا إلى الأعمال المكتوبة باللّغة العربية أيضًا. في العدد 28 سياسات عربية من مجلة 2017()، نشر محمد حمشي دراسة مهمة في الموضوع، خلص فيها إلى "أنّ منطق 'النظرية الكبرى' في حقل العلاقات الدولية يتّجه نحو حافة إفلاس نظري وفلسفي حاد" 25. وعلى غرار سائر دُعاة أطروحة الأفول، بنى حمشي استنتاجه على التناظر الذي يختزل النظرية الكبرى في النقاشات البردايمية في نظرية العلاقات الدولية. وعلى الرغم من ذلك، فإن حمشي لم يُخف اقتناعه بأنّ أزمة/ ركود التحليل البردايمي ليست دليلً على أنّ البردايمات الواقعية والليبرالية والبنائية ما عادت تصلح للتعامل مع بيانات السياسة الدولية/ العالمية، إنّ ا هي دليل على أنّها ما عادت قادرة على القيام بذلك بمفردها وبمعزل بعضها عن بعض. واستنادًا إلى هذا المنطق، يدعونا حمشي إلى الانتقال من النقاشات العقيمة إلى دراسة مشكلات محدّدة (أو قضايا "معقّدة)"، وذلك من خلال الاستعانة بمتغيّ ات (أو آليات سببية) مستقاة من نظريات/ بردايمات عدّة. تسمّى هذه المقاربة الانتقائية التحليلية Eclecticism Analytic، و"هي تَعِد" "بخلق نقاشات تكاملية وغير إقصائية، من دون أن يكون المقصود هو النقاش في حدّ ذاته، إنّ ا توظيف ما هو أهمّ من بين مساهمات كلّ نظرية/ مقارَبة" 26. تعدّ "الانتقائية التحليلية" تقليدًا قديمًا في الدراسات الدولية، أُعيد بعثه في العقد الماضي من رودرا سيل وبيتر كاتزنشتاين  27. تُعدّ هذه المقاربة محاولةً جديدةً لإحياء تيّار "التعدّدية النظرية" الذي ظهر في تسعينيات Theoretical Pluralism القرن العشرين  28، وتحوّلت على أيدي سيل وكاتزنشتاين إلى مشروع نظري مكتمل ومتجانس في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. أثارت الانتقائية التحليلية منذ ظهورها في عام 2009 29 جدلً نظريًا واسعًا؛ ما دفع المجلّة الأرووبية للعلاقات الدولية إلى تخصيص عدد لمناقشتها في عام 2013 30. كما أصدرت المجلة الدولية، العدد 57 2020() حديثًا مجموعة منوّعة من البحوث أعادت استكشاف وعود المقاربة وحدودها  31. يُعرّف سيل وكاتزنشتاين الانتقائية التحليلية بأنّها "أيّمقاربة تسعى لاستخراج، وتفسير ودمج بشكل انتقائي العناصر التحليلية المفاهيم والآليات والتفسيرات للنظريات أو السررديات التي تمّ تطويرها ضمن بردايمات منفصلة، لكنّها تعالج جوانب مترابطة من المشكلات الجوهرية المهمة علميًا وعمليًا" 32. يبيّ هذا التعريف أنّ الانتقائية التحليلية، من الناحية النظرية على الأقل، هي مقاربة لتوليد تفسيرات جديدة من النظريات الموجودة، بالاعتماد على الانتقاء والدّمج الموجّهين بحلّ المشكلات. ويمكن تحديد عناصرها الأساسية كما وردت في عمل سيل وكاتزنشتاين في العناصر الخمسة الآتية: هي عبارة عن عملية "انتقاء" عناصر نظرية متجانسة ومترابطة منطقيًا من بردايمات مختلفة، ثمّ "تجميعها" في نموذج نظري واحد  33. قد تكون هذه العناصر عبارة عن مفاهيم نظرية، أو متغيّ ات/ فروض تفسيرية، أو قوانين إمبريقية. تقوم فكرة الدمج الأساسية على منطق "قابلية تبادل" المكوّنات النظرية بين مختلف النظريات، حيث "يمكن اعتبار مكوّن مأخوذ من نظرية

  1. Patrick Thaddeus Jackson & Daniel H. Nexon, "International Theory in
  2. Dunne, Hansen & Wight, p. 406.
  3. محمد حمشي، "الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية"،  25 سياسات عربية، مج 5، العدد 28 (أيلول/ سبتمبر 2017)، ص 41، 51؛ ينظر أيضًا القسم الرابع من كتاب: محمد حمشي، مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص.417-391
  4. 26  حمشي، "الانتقائية التحليلية"، ص.41
  5. Rudra Sil & Peter J. Katzenstein, "Eclectic Theorizing in the Study and Practice of International Relations," in: Christian Reus-Smit & Duncan Snidal (eds.), The Oxford Handbook of International Relations (Oxford: Oxford University Press, 2008), pp. 109-130; Rudra Sil & Peter J. Katzenstein, "Analytical Eclecticism in the Study of World Politics: Reconfiguring Problems and Mechanisms across Research Traditions," Perspectives on
  6. 28  للاطلاع على السياق التاريخي لظهور "التعددية النظرية" وتطوّرها وأهم نماذجها، ينظر: Jeffrey T. Checkel, "Theoretical Pluralism in IR: Possibilities and Limits," in: Walter Carlsnaes, Thomas Risse & Beth A. Simmons (eds.), Handbook of International Relations (London: SAGE, 2012), pp. 220-241. 29  Rudra Sil, "Simplifying Pragmatism: From Social Theory to Problem- driven Eclecticism," International Studies Review , vol. 11, no. 3 (2009), pp. 648-652.
  7. a Post-paradigmatic Era: From Substantive Wagers to Scientific Ontologies," European Journal of International Relations , vol. 19, no. 3 (2013), pp. 545-546.
  8. 30  لمعرفة موقع الانتقائية التحليلية في التعدّدية النظرية المعاصرة، ينظر مقال يال فيرغيسن: Yale H. Ferguson, "Diversity in IR Theory: Pluralism as an Opportunity for Understanding Global Politics," International Studies Perspectives , vol. 16, no. 1 (2015), pp. 3-12.
  9. 31  حوى العدد 75 2020() مجموعة من البحوث، راجعت بعض أوجه القصور في الانتقائية التحليلية ومكامن القوة فيها، وشارك سيل بمقالة يردّ فيها على بعض الانتقادات الواردة فيها، ينظر: International Journal , vol. 75 (2020).
  10. Rudra Sil & Peter J. Katzenstein, Beyond Paradigms: Analytic Eclecticism in the Study of World Politics (New York: Palgrave Macmillan, 2010), p. 10. 33  Ibid., p. 47.
  11. Politics , vol. 8, no. 2 (2010), pp. 411-431.

واحدة كيانًا يمكن تفسيره في نظرية أخرى" 34. لكن دمج العناصر النظرية لا يعني "التوليف" بين البردايمات، لأنّ سيل وكاتزنشتاين يحذّران من عواقب توحيد النظريات الذي من شأنه أن ينقل تركيز الانتقائية التحليلية من المشكلات المحدّدة نحو الانشغال بالمشكلات العامّة الشائعة في البردايمات. تؤكّد الانتقائية التحليلية أنّ البردايمات ليست الإطار المناسب لإجراء البحوث في الحقل لأنّها: 1) صدامية: تشجّع على التنافس والصراع ولا تروّج لقيم التعاون والتسامح؛ 2) تؤكّد ذاتها: تركّز على القضايا التي تبرع فيها أو تؤيّد فروضها وتُهمل القضايا الأخرى التي لا تؤيّدها؛ 3) متحيّزة: تميل إلى معالجة المشكلات/ القضايا الكبرى على حساب القضايا/ المشكلات الجزئية التي تنطبق في سياقات محدّدة 35. لهذه الأسباب يدعو سيل وكاتزنشتاين الباحثين إلى تجاوز البردايمات والاستعاضة عنها ب "التقاليد البحثية" Traditions Research التي: 1) يتعايش ويتفاعل بعضها مع بعض؛ 2) لا يُقصي أو يستثني بعضها بعضًا؛ 3) تمكّن العلماء من الاشتغال في عدد كبير منها 36. لكن تبنّي إطار البرامج البحثية لا يخلو من التحدّيات؛ إذ يعترف أنصار الانتقائية التحليلية بأنّ استعارة العناصر النظرية من تقليد بحثي معيّ ودمجها في تقليد آخر يطرحان مشكلة "اللامقايسة" Incommensurability الكلاسيكية التي تجادل بعدم وجود مرجعيات أو معايير علمية محايدة لتقييم النظريات والحكم على صحّتها. ويعترف سيل وكاتزنشتاين بأنّ مشكلة اللامقايسة تشكّل أكبر تحدٍّ للانتقائية التحليلية، ومع ذلك يقللّان من أهمّيتها لسببين: أوّلهما "إنّها ضرورية في عملية تقييم النظريات فحسب، وهي أقل أهمّية​عندما يتعلّق الأمر بدمج عناصر منها" 37؛ وثانيهما أنّ الانتقائية التحليلية تركّز على "المرجعيات الإمبريقية" التي من شأنها أن تكشف عن وجود نقاط تقارب بين التقاليد البحثية وتضيّق نطاق الخلاف بينها  38. إنّ أفضل وسيلة لاندماج النظريات وتكاملها هو التركيز على آلياتها السببية. ليست Mechanisms Causalالآليات/ العمليات السببية نظريات، إنّ ا هي أحد مكوّناتها التي يمكن استخدامها في نظريات عدّة. وكما تشتغل الآليات السببية في نظريات منوّعة، قد تحتوي النظرية الواحدة على آليات سببية عديدة ومنوّعة. ويساعد تفاعل الآليات السببية الباحثين على عبور مستويات التحليل، وتجاوز الفجوة بين البنية/ الفاعل والعوامل المادية/ الفكرية 39. بما أنّ الانتقائية التحليلية تعتمد على التنظير المستند إلى الآليات السببية فإنّها: 1) لا تُنتج نظريات كبرى/ عامّة/ كونية، إنّ ا تُنتج نظريات متوسّطة المدى، مصمّمة في أغلب الأحيان لتناول ظواهر دولية محدّدة؛ 2) نتائجها غير قابلة للتعميم على ظواهر عالمية أخرى. يسعى هذا النوع من النظريات، كما يقول سيل وكاتزنشتاين: "لتقديم قصّة سببية يمكن أن تمثّل مجموعة من النتائج عبر مجموعة محدودة من السياقات المقارنة" 40. الانتقائية التحليلية هي مقاربة موجّهة بالمشكلة Problem-driven Approach41. وتتبنّى مقاربة "براغماتية" تتجاوز الحدود الصارمة والهيراركية في إنتاج المعرفة؛ وتتجاوز الصرامة الميتاثيورية Metatheoretical Rigor لمصلحة معالجة المشكلات المهمّة سياسيًا واجتماعيًا  42. تكشف العناصر الخمسة المذكورة سابقًا أنّ الانتقائية التحليلية هي مقاربة مناهضة لهيمنة البردايمات وفكرة "النظرية الكبرى" في حقل العلاقات الدولية. يثير هذا الموقف التحليلي حزمة من الأسئلة المهمة: ألا تستطيع الانتقائية التحليلية، باعتبارها مشروعًا تنظيريًا جديدًا في الحقل، النمو والتطوّر بالتعاون مع النظرية الكبرى من دون الصدام معها؟ هل بناؤها النظري قادرٌ على استيعاب تعدّد وتنوّع القوانين والآليات السببية الموجودة في النظريات الكبرى؟ هل فلسفة "الانتقاء" و"التحليل"، التي سمّيت عليهما المقاربة، قابلان للانصهار في نظرية متماسكة ومنسجمة منطقيًا؟ على الرغم من أنّه من الصعب تقديم إجابات جازمة عن هذه الأسئلة في الوقت الراهن، فإن الاشتباك معها هو أمر غاية في الأهمّية لطلاب العلاقات الدولية لاستكشاف مدى الخيارات النظرية المُتاحة لهم لإنجاز بحوث تجريبية مستندة إلى التكامل النظري.

  1. David A. Lake, "Why 'isms' Are Evil: Theory, Epistemology, and Academic Sects as Impediments to Understanding and Progress," International Studies Quarterly , vol. 55, no. 2 (June 2011), p. 473.
  2. Sil & Katzenstein, Beyond Paradigms , p. 11; Lake, "Why 'isms' Are Evil," p. 470.
  3. Sil & Katzenstein, Beyond Paradigms , p. 7.
  4. Ibid., p.14.
  5. Ibid., p.15; Sil, "Simplifying Pragmatism," p. 649.
  6. Sil & Katzenstein, Beyond Paradigms , pp. 20-21.
  7. Ibid., pp. 20-21.
  8. Sil, "Simplifying Pragmatism...," p. 649.
  9. Sil & Katzenstein, Beyond Paradigms , p. 47; Fred Chernoff, "Pragmatism, Pluralism, and Eclecticism: Sil and Katzenstein's "Analytic Eclecticism" in: Beyond Paradigms," International Journal , vol. 75, no. 3 (2020).

يجب توضيح مسألتين استباقًا لأيّ سوء فهم محتمل لأطروحة الدراسة وأهدافها. أولً، تتّفق هذه الدراسة مع وجهات النظر التي ترى أنّ "الانتقائية التحليلية تبشّ بالخير في حقل العلاقات الدولية" 43، وهي تمثّل، من دون أدنى شك، العمل النظري الأكثر إبداعًا في الحقل خلال العشرة أعوام الأخيرة. كما أنّنا نشجّع طلاب العلاقات الدولية، خاصّة في العالم العربي، على إعطاء المزيد من الاهتمام لنظريات المدى المتوسّط وتصاميم البحوث الانتقائية. لكنّنا في الوقت نفسه، نتشارك في شكوك الباحثين الذين أبدوا تحفّظات حيال بعض مضامين المقاربة ووعودها الإصلاحية، ونعتقد أنّ تلك التحفّظات مشروعة. إنّ الرسالة الرئيسة التي تسعى هذه الدراسة لإرسالها إلى المشتغلين بالحقل هي التحذير من استبدال دوغما كلاسيكية بدوغما جديدة. نحن نعرف منذ عقود عيوب النظرية الكبرى وحدودها، والعديد من الباحثين المشتغلين في هذا النوع من التنظير واعون بها. ما نسعى له تحديدًا هو التحذير من عواقب انتشار تفاؤل طوباوي جديد في الحقل، يروّج له أنصار الانتقائية التحليلية؛ إذ نجادل بأنّ المقاربة لا يمكنها الوفاء بوعودها من دون معالجة العديد من مشكلاتها النظرية. من ناحية أخرى، لا تسعى الدراسة للدفاع عن النظرية الكبرى باعتبارها شكلَ التنظير الأمثل. لا مناص من الاعتراف بأنّ هذه النظرية تواجه منذ ظهورها في الحقل مشكلات وانتقادات مستديمة، لكن ذلك لا يعني موتها أو أفولها. ستحاول هذه الدراسة الاشتباك مع "سرديات الأفول" الجديدة باستخدام التنظير العميق Deep Theorizing44، والغرض من ذلك هو إثبات أنّ النظرية الكبرى لا تزال ضرورية لحقل العلاقات الدولية، ولا يمكن الاستغناء عنها. وبالبناء على مقولة فليكس بيرينسكوتر أنّ "التنظير الكبير يتطلّب النفاذ إلى العمق" 45، ستحاول الدراسة إثبات ثلاثة أشياء: أوّلها أنّ انحسار النظرية الكبرى لا يعني بالضرورة أفولها؛ ثانيها أنّ الادّعاءات في شأن النظرية الكبرى مبنية على فهم خاطئ لماهية النظرية الكبرى ووظيفتها؛ ثالثها أنّ التنظير متوسّط المدى، على الرغم من أهمّيته، فإنه لا يمكن أن يكون بديلً من النظرية الكبرى.

أولا: حدود الانتقائية التحليلية

إنّ أوّل مشكلة تواجهها الانتقائية التحليلية "هويتها:" أهي نظرية، أم مقاربة بحثية، أم تقنية منهجية، أم بيان Manifesto؟ لم يقدّم سيل وكاتزنشتاين تحديدًا دقيقًا في هذا الشأن، ويبدو أنّهما فضّ لا ترك مسألة الهوية مفتوحة للتأويل. أشار سيل في دراسة حديثة له إلى أنّ "الغاية المرجوّة من الانتقائية التحليلية هي أن تكون إيثوسية ethos أكثر من كونها منهجًا أو بيانًا" 46. لكن هذا التحديد لا يساعد كثيرًا في إزالة غموض الهوية بسبب صعوبة تعريف مصطلح الإيثوسية المتنازع عليه بشدّة. يمكن اتّباع استراتيجية التعريف بالنقيض، ومن ثمّ قد يصلح القول إنّ الانتقائية التحليلية يمكن أن تكون أيّ شي ما عدا بردايم. وحتّى في هذه الحالة، فإنّ الغموض في تحديد الهوية لا يمكن أن يختفي كليًّا بسبب طريقة استخدام سيل وكاتزنشتاين لمصطلح "البردايم." يؤكّد المؤلّفان أنّهما لا يتّبعان تعريف توماس كُون الصارم لهذا المصطلح، بل يفضّ لان استخدامه بمرونة لنقل فكرة لاري لودان عن "تقاليد البحث العلمي" 47. اختيار سيل وكاتزنشتاين مفهوم "غير كُوني" - نسبة إلى كون - للبردايم جعلهما يتوصلّان إلى خليط شاذ دعاه فريد شيرنوف "بردايمات التقاليد البحثية" 48. وما زاد الطين بلّة هو تنازل الكاتبيَن عن مُكوَّنَ هذا الخليط وتغييرهما بتغيّ السياق، حيث يستخدمان بدلً منهما مصطلح "المقاربة" أحيانًا، ومصطلح "النموذج" أحيانًا أخرى 49. وساهم هذا الارتباك الواضح في تحديد هوية الانتقائية التحليلية، بدوره، في إرباك الباحثين المتحمّسين لها؛ فعلى سبيل المثال، يصفها حمشي باعتبارها "إطارًا

  1. Jessica Peet, "Eclecticism or Exclusivity? The (Critical) Pragmatist Ethos of (Intersectional) Analytic Eclecticism," International Journal , vol. 75, no. 3 (2020), p. 4; Joseph M. Grieco, "The Schools of Thought Problem in International Relations," International Studies Review , vol. 21, no. 3 (2019), p. 425.
  2. Felix Berenskötter, "Deep Theorizing in International Relations,"
  3. Ibid., p. 816.
  4. Rudra Sil, "Analytic Eclecticism Analytic Eclecticism—Continuing the Conversation," International Journal: Canada's Journal of Global Policy Analysis , vol. 75, no. 3 (2020), p. 11.
  5. Larry Laudan, Progress, and Its Problems: Towards a Theory of Scientific Growth (Berkeley: University of California Press, 1978).
  6. Chernoff, pp. 3-5. 49  ينظر تعريفهما للانتقائية التحليلية الذي سبق اقتباسه.
  7. European Journal of International Relations , vol. 24, no. 4 (2018), pp. 814-840.

نظريًا" أحيانًا، و"موقفًا إبستيمولوجيًا ومنهجيًا" أحيانًا أخرى 50، ويصفها لايك ب "نظرية" تارة، و"مقاربة" و"نموذج" تارة أخرى 51. من الواضح أنّ الانتقائية التحليلية ليست نظرية بالمعنى المتعارف عليه في فلسفة العلوم الاجتماعية. فما هي إذًا؟ عملً بنصيحة راندل شويللر "لا تدع أعداءك يعرّفونك" 52، لن أجازف هنا بمحاولة تحديد هوية الانتقائية التحليلية، بينما أنا في طريقي إلى الاشتباك معها نقديًّا، لذلك سأتعامل معها باعتبارها منطقًا لتوليد النظرية. يُردّد الانتقائيون باستمرار عبارات مثل "إنتاج" و"توليد" و"خلق" و"بناء" للإشارة إلى هذا المنطق والوظائف التي يؤدّيها: توليد/ إنتاج/ خلق/ بناء نظرية (متوسّطة المدى) من نظريات عدّة. تقودنا هذه المنزلة المتنازع عليها للانتقائية التحليلية إلى بنية المقاربة العميقة، وهي

تتكوّن من ثلاث طبقات أساسية: 1) المنطق الانتقائي - الاندماجي؛ 2) التنظير السببي المتوسّط المدى؛ 3) المرجعية البراغماتية 53. سنقوم بتفكيك هذه الطبقات نقديًا لمعرفة إذا ما كانت البنية العميقة للانتقائية التحليلية متماسكة ومنسجمة منطقيًا.

1. من كل بستان زهرة: المنطق الانتقائي - الاندماجي

إذا كُنتُ أفهم الانتقائية التحليلية جيّدًا، فإنّ منطقها الانتقائي - الاندماجي هو أقرب إلى مقولة: "من كلّ بستان زهرة." يتيح هذا المنطق للباحث إمكان الانتقاء، بحسب حاجته البحثية، باقة من الأزهار المقطوفة من بساتين عدّة. وعلى الرغم من أنّ سيل وكاتزنشتاين لم يحصرا الانتقاء في بردايمات بعينها، فإنّهما ركّزا بشكل كبير على البردايمات الثلاثة: الواقعية (القوّة المادية)، والليبرالية المؤسّساتية (التعاون المؤسسّي) والبنائية (البنى الفكرية) 54. كتب سيل وكاتزنشتاين في ذلك: "تفترض المقاربة الانتقائية وجود تفاعلات معقّدة بين توزيع القدرات المادية (التي يركّز عليها الواقعيون)، والمكاسب التي يسعى لها الفاعلون الفرديون والجماعيون (التي يشدّد عليها الليبراليون)، ودور الأفكار والمعايير والهويات في تشكيل فهم الفاعلين للعالم وأدوارهم داخله (التي يشدّد عليها البنائيون") 55. تظهر البراغماتية النظرية على نحوٍ واضح في عملية الانتقاء: إنّ الباقة المُنتقاة من أفضل الأزهار التي تجود بها بساتين العلاقات الدولية، هي أفضل من باقة مشكّلة من زهرة واحدة. يتناسب هذا الفهم، كما لاحظ أندرو بينيت، مع تعريف قاموس ميريام وبستر لمصطلح "الانتقائي" باعتباره "اختيار ما يبدو الأفضل من بين المذاهب والمناهج والأساليب المختلفة" 56. تبدو التكتيكات النظرية التي تستند إليها الانتقائية مقنعةً من الناحية المنطقية على الأقل؛ فالنظرية المكوّنة من أفضل الآليات السببية المُستقاة من نظريات عدّة هي بلا شك أفضل من النظرية المكوّنة من آلية سببية وحيدة. لكن هذه الحجّة تدفعنا إلى طرح ثلاث قضايا في شأن المنطق الاندماجي Combinatorial Logic الذي تقوم عليه الانتقائية التحليلية، وهي: الانتقاء والدمج والشمولية. تتعلّق القضية الأولى بالسؤال الآتي: ما المعايير التي يستند إليها الباحثون الانتقائيون عند انتقاء العناصر النظرية من مختلف النظريات الكبرى؟ على الرغم من تأكيد سيل وكاتزنشتاين أنّ الانتقائية التحليلية لا تعني أنّ "أيّ شيء يفي بالغرض" Goes Anything 57، فإنّهما لم يقدّما معايير واضحةً يستند إليها الباحثون في عملية الانتقاء. والواقع أنّ غياب معايير موضوعية وواضحة للانتقاء، يمثّل مشكلة حقيقية لمقاربة الانتقائية التحليلية؛ لأنّ عملية انتقاء عناصر

  1. 50  حمشي، "الانتقائية التحليلية"، ص -44 45،.51
  2. Lake, "Theory is Dead, Long Live Theory," pp. 572-576.
  3. Randall L. Schweller, "Correspondence: Brother, Can You Spare a Paradigm? (Or Was Anybody Ever a Realist?)," International Security , vol. 25, no. 1 (Summer 2000), p. 174.
  4. 53  للاطلاع على وصف مماثل ينظر:
  5. Christian Reus-Smit, "Beyond Metatheory?" European Journal of International Relations , vol. 19, no. 3: End of International Relations Theory? A Special Issue (2013), p. 591.
  6. Sil & Katzenstein, Beyond Paradigms , p. 37.
  7. 56  الاقتباس من أندرو بينيت، وهو يرى أنّ كلمة "انتقائي" مرادفة أيضًا لكلمة "عشوائي " و"متنافر." ينظر: Andrew Bennett, "The Mother of All Isms: Causal Mechanisms and Structured Pluralism in International Relations Theory," European Journal of International Relations , vol. 19, no. 3 (2013), p. 461. 57  Sil & Katzenstein, Beyond Paradigms , p. 16.
  8. Peet, p. 2.

نظرية من نظريات عدّة يبقى خيارًا ذاتيًا، يختلف من باحث إلى آخر؛ فما يراه أحدهم انتقاءً مُنتِجًا، قد يراه آخر انتقاءً عقيمً. وحتّى في تلك الحالات التي يدّعي فيها أنصار الانتقائية التحليلية أنّ من شأن انطلاق التحليل من مشكلات محدّدة وملموسة أن يحدّد الآليات السببية التي سيتمّ انتقاؤها، فإنّه لا يزال عليهم الإجابة عن السؤال: "لماذا تُستخدم بعض النظريات أو المقاربات في التحليل البراغماتي الموجّه بالمشكلة، بينما تُستثنى أخرى" 58. يبدو أنّ الانتقائية التحليلية لا تقدّم إجابة قاطعة عن السؤال، ويعترف سيل وكاتزنشتاين بعدم مناقشتهما هذه المسألة  59. على الرغم من ذلك، حاول بعض العلماء المتحمّسين للانتقائية التحليلية الالتفاف عليها؛ فعلى سبيل المثال، يعترف تيم دان ومعاوناه بأنّ الانتقائية التحليلية (التعدّدية التكاملية كما يسمّونها) "قد تؤدّي أحيانًا إلى رفض بعض النظريات في نهاية المطاف"، إلّ أنّهم يعتقدون أنّ عملية إدراج النظريات أو استبعادها "هي مسألة لا يمكن حلّها بوساطة النقاش الميتاثيوري فحسب" 60. أثارت مشكلة غياب معايير الانتقاء سؤال: ما المسوّغات التي اعتمد عليها سيل وكاتزنشتاين لانتقاء النظريات الواقعية والليبرالية والبنائية دون سواها من نظريات العلاقات الدولية؟  61، على الرغم من اعتراف الكاتبيَن بوجود بردايمات أخرى (ذكرا الماركسية والمدرسة الإنكليزية كأمثلة)، فإنّهما يعتقدان أنّ التنافس على منزلة البردايم المهيمن محصور بين البردايمات الثلاثة المذكورة فقط  62. إذا سلّمنا بأنّ الانتقائية التحليلية هي مقاربة تهدف إلى فتح الحقل في وجه ما دعاه دان ومعاوناه التعدّدية التكاملية Pluralism Integrative، فإنّ اقتصارها على البردايمات الثلاثة لا يخدم الأهداف التي تنشدها تلك التعدّدية؛ بل على العكس تمامًا، هو يشير إلى إغلاقها الباب في وجه البردايمات الأخرى 63. يردّد الباحثون الانتقائيّون القول إنّه لا يوجد سبب منطقي يمنع الانتقائية التحليلية من دمج البردايمات الأخرى  64. لكن حتى إذا صدّقنا هذا القول، فإنّ متغيّ ات مثل المركز - المحيط (النيوماركسية) والجندر (النظرية النسوية) والانتهاك البيئي (النظرية الخضراء) ستحتلّ على الأرجح منزلة ثانوية، مقارنة بمتغيّ ات القوّة المادية والتفضيلات المؤسّساتية والبنى الفكرية. إنّ غياب معايير مضبوطة للانتقاء يضع الانتقائييّن أمام مشكلة "التحيّز التحليلي" الكلاسيكية: انتقاء العناصر النظرية (سواء أكانت متغيّ ات أم فروضًا أو آليات سببية) التي تؤيّد النظرية، وحذف تلك التي تدحضها أو تتجاهلها. والطريف في مشكلة "التحيّز التحليلي" أنّها تعرّض الانتقائية التحليلية للنقد نفسه الذي يوجّهه أنصارها إلى البردايمات: "تؤكّد نفسها من خلال دراسة ما تبرع به وتتجاهل المواضيع التي لا تتوافق مع توقّعاتها" 65. يواجه الانتقائيون تهمة أخرى متعلّقة بإساءة استخدام البراغماتية؛ فعلى سبيل المثال، يرى شيرنوف أنّ مفهوم البراغماتية في الانتقائية التحليلية يحتاج إلى أن يكون أكثر اكتمالً وصرامةً إذا أرادت هذه المقاربة زيادة فهمنا للقيمة العملية للبحث التجريبي 66. وأشارت جيسيكا بيت إلى أنّ الانتقائية التحليلية تتبنّى "براغماتية غير نقدية" تجعلها تَنزع نحو الشمولية، وتفضّ ل الإجماع على الاختلاف، وتهمل ديناميات السلطة 67. وقد انتقد جيرمي كورنوت استغلال سيل وكاتزنشتاين البراغماتية الموجّهة بالمشكلة من أجل الظهور بمظهر التعدديين، لكنّهما في اعتقاده خلقا في الوقت نفسه (بحصرهما مصادر الانتقاء في ثالوث البردايمات فحسب) حدودًا تخصّصية صارمة تُعيد إنتاج تحدّيات التيّار السائد غير الشرعي 68.

  1. Jérémie Cornut, "Analytic Eclecticism in Practice: A Method for Combining International Relations Theories," International Studies Perspectives , vol. 16 (2015), p. 52.
  2. Rudra Sil, "Analytic Eclecticism-Continuing the Conversation," International Journal , vol. 75 (2020), pp. 1-11.
  3. Dunne, Hansen & Wight, pp. 416-417.
  4. Chernoff et al., p. 8; Blanchard, p. 3; Peet, pp. 3-4.
  5. 64  ينظر على سبيل المثال أحدث دراسة لسيل.Sil, "Analytic Eclecticism," pp. 2-4: 65  Lake, "Why 'isms' Are Evil," p. 470.
  6. 63  على سبيل المثال، صدرت حديثًا دراستان إمبريقيتان اعتمدت كل واحدة منهما على الانتقائية التحليلية إطارًا للتحليل، لكنّهما حصرتا العملية الانتقائية في البردايمات الواقعية والمؤسساتية والبنائية فحسب. ينظر: Benjamin Pohl & Niels van Willigen, "Analytic Eclecticism and EU Foreign Policy (In) Action," Global Society , vol. 29, no. 2 (2015), pp. 175-198; Sint Sint Myat, "Explaining Myanmar's Policy of Non-Alignment: An Analytic Eclecticism Approach," Journal of Current Southeast Asian Affairs , vol. 40, no. 3 (2021), pp. 379-399.
  7. 62  Sil & Katzenstein, Beyond Paradigms , p. 35.
  8. استشهد الكاتبان باستطلاع مشروع التدريس والبحث والسياسة الدولية TRIP() في نسختيه المنشورتين في عامي 2006 و 2008. وقد ذكر سيل في ردّه على الانتقادات الموجّهة إلى اعتمادهما على الواقعية والليبرالية والبنائية: "اخترنا[...]هذا 'الثالوث' المألوف لتقاليد البحث السائدة باعتباره طريقة فعالة ومبسّطة لنقل منطق الانتقائية ومنافعها. ربّ ا كان علينا أن نتوقّع في وقت لاحق - ونتوخى الحذر - من المخاطر الناجمة عن تفسير هذه الخطوة
  9. Chernoff, p. 2.
  10. 67  يرى بيت أنّ هذا النوع من الانتقائية التحليلية يُنتج في الممارسة العملية "التفرّد التحليلي بدلً من الانتقائية الحقيقية"، ينظر: 12 p..Peet, 68  Jérémie, p. 53.
  11. (بشكل خاطئ) على أنّها تهميش 'عقائد' بديلة." ينظر: 3 p. Eclecticism," "Analytic.Sil,

القضية الثانية مرتبطة بالأولى، لكنّها حول المنطق الاندماجي نفسه. يستخدم الانتقائيون التحليليّون مصطلحات مثل "الدمج" و"المزج" و"الخلط" للإشارة إلى طريقة بناء نظرياتهم 69، لكنّهم لا يوضحون القاعدة النظرية التي تجري على أساسها هذه العمليات. يميل علماء العلاقات الدولية في معظم الأحيان إلى التعامل مع مثل هذه العمليات على أنّها "توليف" 70. لكن سيل وكاتزنشتاين يرفضان قاطعيًا اعتبارها "توليفًا نظريًا"، على الرغم من اعترافهما بأنّها يُشار إليها أحيانًا بهذا الاسم  71. وهما يزعمان أنّ التوليف يتطلّب شرطين لا يمكن توافرهما: أوّلهما أن تتجرّد النظريات محلّ التوليف من الفروض الأنطولوجية والإبستيمولوجية الخاصة بها، وثانيهما أن تتقارب حول مجموعة جديدة من الفروض الموجّهة لمعالجة قضايا ومشكلات محدّدة  72. يثير رفض الانتقائية التحليلية التوليف النظري مشكلات عدّة. أوّلها التلاعب بالمصطلحات؛ فالكاتبان لا يوضّ حان المغزى من استخدام كلمة "توليف" في مقابل كلمات مثل الدمج والجمع والمزج إذا كانت جميعها تصف العملية نفسها. وإنّه لمن الغريب أن يرفضا التوليف ويدعوا إلى الدمج؛ فَأ ن تؤلّف شيئين هو أن تدمج بينهما (تجمعهما وتمزجهما قاموس ميريام وبستر، فإنّ لكلمات توليف معًا.) وكما يُبيّ Synthesis ودمج Integrate وجمع Combine ومزج Blending جذورًا ومعانيَ مترادفة  73. المشكلة الثانية، أشار إليها فرانك هارفي وجويل كوب، ومفادها أنّ التعامل مع الانتقاء على مستوى عالٍ من التجريد، قد يحجب التعارض أو التنافر الموجود بين العناصر المدمجة. يحدث هذا عندما تؤدّي عملية دمج نظريات أو آليات سببية من بردايمات منوّعة إلى فرض تجانس مصطنع وزائف على فروض أو أفكار غير متجانسة. "إنّ المستوى العالي من التجريد لا يُخفي التنافر في العناصر المدمجة فحسب"، يقول الكاتبان: "بل يؤثّر سلبيًا في طريقة فهمنا الظواهر المعقّدة الملموسة على أرض الواقع" 74. ومن ناحية أخرى، لاحظ شيرنوف وآخرون أنّ الانتقائية التحليلية مذنبة بالتجريد الميتاثيوري أيضًا  75، وأنّ طريقة دمج العوامل التفسيرية يمكن أن تؤدي إلى مشكلة عدم الاتّساق 76. اعترف سيل وكاتزنشتاين بهذه المعضلة، لكنّهما اختزلاها في مسألة اللامقايسة التي أشرنا إليها سابقًا 77. هناك مشكلات أخرى متعلّقة بالمنطق الاندماجي للانتقائية التحليلية، من بينها أنّ هذا المنطق متحيّز إلى التعاون على حساب المنافسة؛ فعلى سبيل المثال، أشار غرايك بارسونز إلى أنّ "المنعطف الانتقائي" Turn Eclectic يميل، على نحو غريب، إلى تجاهل عنصر المنافسة بين البردايمات 78، وذكر بيت أنّ الانتقائيين يفضّ لون الإجماع على الاختلاف  .79 تعاني الانتقائية التحليلية مشكلة التحديد المفرط أيضًا Overspecification. على سبيل المثال، لاحظ جوزيف غرايكو وجود توتّر بين التزامها بأنطولوجيا واسعة وشاملة من ناحية، وإبستيمولوجيا موجّهة نحو خصوصية السياق من ناحية أخرى. وفقًا لهذه الملاحظة، يتبنّى الباحث الانتقائي قصصًا سببية معقّدة لحدث معيّ، ويكون التحليل الناتج مصمّمً لملاءمة خصوصية ذلك الحدث، وهذا ما يجعله غير قادر على تفسير الأحداث الأخرى، وغير قابل للتعميم على حالات أو ظروف مشابهة  80. لذلك فإنّ مشكلة التحديد المفرط يمكن أن تضيّق نطاق تفسير الانتقائية التحليلية، وقد تجعلها غير مؤهّلة للإجابة عمّ سمّ ه روبرت كيوهان "الأسئلة الكبرى" التي تثيرها السياسة العالمية 81. المشكلة الثالثة هي مشكلة الهيمنة. يرى بعض النقّاد أنّ المنطق الاندماجي في الانتقائية التحليلية هو منطق "شمولي" وقد يُنتج سرديات جديدة للهيمنة الحقلية. على سبيل المثال، حذّر كورنوت من أنّ "انتقاء المقاربات النظرية يمكن أن يكون انتقاءً تعسّفيًا في

  1. 69  ينظر مثل: Sil & Katzenstein, Beyond Paradigms , p. 40; Lake, "Theory is Dead, Long Live Theory," p. 573.
  2. ينظر مثلًالمنتدى الذي حرّره هيلمان في مجلة  70 الدراسات الدولية: Gunther Hellmann (ed.), "The Forum: Are Dialogue and Synthesis Possible
  3. 79  Peet, p. 12.
  4. 80  Grieco, p. 432.
  5. 81  Robert O. Keohane, "Big Questions in the Study of World Politics," in: Reus-Smit & Snidal (eds.), pp. 708-715.
  6. Frank Harvey & Joel Cobb, "Multiple Dialogues, Layered Syntheses, and the Limits of Expansive Cumulation," International Studies Review , vol. 5, no. 1 (2003), p. 146.
  7. Chernoff, p. 7.
  8. Fred Chernoff, Jérémie Cornut & Patrick James, "Analytic Eclecticism and International Relations: Promises and Pitfalls," International Journal , vol. 75, no. 3 (2020), p. 4.
  9. Sil & Katzenstein, Beyond Paradigms , pp. 14-15. 78  Craig Parsons, "Before Eclecticism: Competing Alternatives in Constructivist Research," International Theory , vol. 7, no. 3 (2015), p. 504.
  10. in International Relations?" International Studies Review , vol. 5, no. 1 (2003), pp. 123-153.
  11. 71  Sil & Katzenstein, Beyond Paradigms , p. 17.
  12. 72  Ibid.
  13. 73  يمكن الاطلاع على النسخة الإلكترونية من القاموس، يُنظر: Merriam- Webster , accessed on 29/4/2022, at: https://bit.ly/3tHFs2f

أحسن الأحوال، أو مشروع هيمنة وإقصائيًا واستيعابيًا في أسوئها" 82. والواقع أنّ لإعراب الباحثين عن مخاوفهم من الطابع الشمولي للانتقائية التحليلية ما يبرّره، فهي: 1) تُلغي المنافسة بين البردايمات كما ذكرنا سابقًا؛ 2) تعطي لنفسها الحقّ في تجاوز الحدود البردايمية والاشتغال في الحقل بأكمله؛ 3) لا تتأمّل في ذاتها فحسب (كما تفعل البردايمات)، بل تتأمّل في طبيعة الحقل وحدود اختصاصه أيضًا؛ 4) لا تسافر جيّدًا خارج سياقاتها الجغرافية، ولا تعالج مشكلة التمثيل والهيمنة/ المركزية الغربية 83. حاول سيل وكاتزنشتاين استباق هذه الانتقادات بالتحذير من أنّ التوليف قد يؤدّي إلى إنتاج ما سمّياه "مشاريع هيمنة فكرية" 84. لكنّهما لم يقدّما أيّ ضمانات بأن لا تتحوّل الانتقائية التحليلية إلى مشروع هيمني أو "دوكسا" Doxa جديدة في الحقل  85.

2. التنظير السببي متوسّ ط المدى

الأساس الثاني الذي تُبنى عليه الانتقائية التحليلية هو التنظير متوسّط المدى القائم على السببية. أشرنا في المقدّمة إلى أنّ الانتقائية التحليلية هي نزعة مناهضة للنظرية الكبرى من حيث إنّها لا تسعى لإنتاج نظريات عامّة أو كونية. وأشرنا أيضًا إلى أنّ الطريق نحو إنتاج نظريات متوسّطة المدى يكون من خلال التركيز على الآليات السببية. تعاني الانتقائية التحليلية هنا مشكلتين: تتعلّق الأولى بمجال النظرية Domain Theory، هل يتحدّد مجال النظرية الانتقائية، سواء أكانت كبرى أم متوسّطة، بالظواهر التي تتناولها بالضرورة (ظواهر عامّة أو خاصّة أو محدّدة)؟ أمّا المشكلة الثانية، فتتعلّق بالمقاربة البراغماتية المستخدمة في تفسير السببية. يستلهم سيل وكاتزنشتاين نظرية المدى المتوسّط من روبرت ميرتون. يعرّف ميرتون نظريات المدى المتوسّط بأنّها: "النظريات التي تقع بين الفروض الإجرائية الثانوية التي تنمو بكثرة خلال البحث اليومي، والجهود المنسّقة الشاملة لتطوير نظرية موحّدة تفرسّ جميع الاتّساق الملاحظ في السلوك الاجتماعي والتنظيم الاجتماعي 86والتغيّ الاجتماعي" . يثير هذا التعريف ملاحظتين: أولاهما أن عبارة "متوسّطة" تشير إلى أنّ هذا النوع من النظريات يحتلّ موقعًا وسطًا بين النظريات الكبرى، أو "النظريات العامّة للأنساق الطاعنة في التعميم والتجريد"، والنظريات الصغرى Meso-theories، أو تلك التي يصفها ميرتون بأنّها "أوصاف منّمقة مُغرقة في التفاصيل والحيثيات غير القابلة للتعميم" 87. وثانيتهما أنّ إشارة ميرتون إلى إمكان تطوير الفروض، من خلال مزاولة البحث اليومي، تعني أنّ "نظرية المدى المتوسّط"، كما كتب في جملة مشهورة، "تُستخدم في علم الاجتماع أساسًا لتوجيه التحقيق الإمبريقي [وهي] تتعامل مع سمات محدّدة من الظواهر الاجتماعية 88. يردّد علماء الانتقائية التحليلية التعريف نفسه تقريبًا، حيث يرون أنّ نظرياتهم "مخصّصة لتناول ظواهر إمبريقية محدّدة ونتائجها غير قابلة للتعميم على ظواهر عالمية أخرى" 89. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هنا هو: هل هذا هو المعيار الذي يحدّد نظرية المدى المتوسّط؟ هل اختصاص النظرية يتحدّد بمجال الظواهر التي تتناولها؟ لقد أثبتت الانتقادات المبكرة التي وُجّهت إلى ميرتون عُقم هذه المقاربة. وربّ ا كان علماء الاقتصاد أوّل من تجاوز مسألة اختزال النظرية في مجالها عبر تعريف النظرية الاقتصادية الجزئية بأنّها الطريقة التي تُبنى بها النظرية، وليس مجال الظواهر المتّصلة بها  90. هذا الموقف الإبستيمولوجي مهم، وسنعود إليه أدناه. تبدو النزعة الميرتونية أكثر وضوحًا عند الانتقائييّن في ادّعائهم أنّ التنظير متوسّط المدى كان، ولا يزال، منتجًا ومثمرًا في حقل العلاقات الدولية، وأنّه شرط تطوّره وتقدّمه العلمي في المستقبل. على سبيل المثال، أشار سيل وكاتزنشتاين في مواقع عدّة في كتابهما إلى أنّ نظرية المدى المتوسّط تشكّل أساسًا لمقاربة أكثر تقدّمية وانتقائية للعلاقات الدولية  91، ووصفها لايك، بكلمات مشابهة، بأنّها "يمكن أن تشكّل الأساس لتقدّم حقل العلاقات الدولية الذي لم تقدّمه البردايمات قط" 92. تعيد مثل هذه الاقتباسات إلى الأذهان مقولة ميرتون المثيرة للجدل بأنّ "علم الاجتماع سيُكتب له التقدّم ما دام انشغاله الرئيس

  1. Cornut, p. 52.
  2. Blanchard, p. 4.
  3. 87  Merton, p. 39.
  4. 88  Ibid. 89  Sil & Katzenstein, Beyond Paradigms , pp. 21-22.
  5. Robert K. Merton, Social Theory and Social Structure (New York: The Free Press, 1968), p. 39.
  6. 84  Sil & Katzenstein, Beyond Paradigms , p. 17.
  7. 85  إنّ حصر سيل وكاتزنشتاين الانتقائية التحليلية في البردايمات الثلاثة (الواقعية
  8. والليبرالية والبنائية) يمكن أن يعزّز الهيمنة الأميركية على الحقل. تعتبر هذه المسألة حسّاسة جدًّا في الظرف الراهن الذي يسعى فيه علماء العلاقات الدولية لكسرر الهيمنة الأميركية على الحقل والتمركز الإثنو-غربي بصفة عامّة. ينظر على سبيل المثال: Arlene B. Tickner & Ole Wæver (eds.), International Relations Scholarship Around the World (London: Routledge, 2009); Amitave Acharya & Barry Buzan
  9. Kenneth N. Waltz, Theory of International Politics (Reading, Mass.: Addison-Wesley, 1979), p. 89.
  10. Sil & Katzenstein, Beyond Paradigms. 92  Lake, "Theory is Dead, Long Live Theory," p. 568; Jackson & Nexon, p. 548.
  11. (eds.), Non-Western International Relations Theory (London: Routledge, 2010).

(لكن ليس الخاصّ) هو تطوير نظريات متوسّطة المدى، وسيتخلّف إذا تمحور انتباهه الأساسي على الأنظمة الاجتماعية الكلّية" 93. يصوغ أنصار الانتقائية التحليلية ادّعاءً مشابهًا في حقل العلاقات الدولية، لكنّهم لا يقدّمون أيّ أدلّة تدعمه، سواء أكانت إمبريقية أم منطقية، باستثناء الاستناد إلى قراءة تاريخية متحيّزة وانتقائية لتراث النظرية الاجتماعية. هناك مسألة أخرى مهمة مرتبطة بالتنظير متوسّط المدى، وهي التنظير السببي (المستند إلى الآليات السببية.) يعتقد الانتقائيون أنّ "النظريات القائمة على الآلية" Theories Mechanism-based تؤدّي على نحوٍ أفضل من النظريات الكبرى في اقتفاء الأسباب الكامنة وراء الظواهر. وبما أنّ مسألة تحديد الآلية السببية تخضع للخلفية الإبستيمولوجية التي ينطلق منها الكاتب، فإنّ أغلب الانتقائيين يتبنّون تعريف الواقعية العلمية للآلية السببية، وذلك باعتبارها كيانات غير قابلة للملاحظة، تولّد آثارًا (نتائج) قابلة للملاحظة 94. لكن الأمر المثير للجدل في التنظير السببي لدى الانتقائييّن هو تبنّي التعدّدية السببية (التي تحلّ محلّ الأحادية السببية في النظرية الكبرى) من دون حلّ مشكلة "النهاية المتكافئة" Equifinality، التي تعني وجود أسباب متعدّدة تؤدّي إلى نتيجة واحدة  95. إنّ استهداف التعدّد غايةً في ذاته (وليس تكتيكًا نظريًا) قد يجعل الآليات السببية المتعدّدة غير قادرة على تحديد السبب الأهم والأكثر إسهامًا في إنتاج النتيجة. يعي الانتقائيون أبعاد هذه المشكلة جيّدًا، لكنهم يفضّ لون تجاهلها. لكن تجاهلهم مشكلة النهاية المتكافئة يولّد لهم مشكلة أخرى هي "مشكلة الصندوق الأسود." تشير هذه المشكلة، الشائعة في البحوث السببية التي لا تستخدم النظرية الكبرى، إلى صعوبة تفسير تأثير متغيّ سببي معيّ في متغيّ نتيجة معيّ. بناءً على هذه المشكلة، يواجه الباحثون الانتقائيون صعوبة في تحديد العلاقة بين السبب والنتيجة، والتأكّد إذا ما كان ارتباط معيّ يعكس سببًا حقيقيًا أو هو ارتباط زائف ناتج من متغيّ سابق غير معروف  96. تحافظ الانتقائية التحليلية على الصندوق الأسود مغلقًا بسبب صعوبة تحديد المتغيّ ات المستقلّة الناتجة من تعدّد الآليات السببية.

ثانيًا: عسل جديد وجرّة قديمة

هناك ثلاثة أسباب، نعرضها في هذا المبحث، تجعل احتفاء بعض العلماء بوصول الانتقائية التحليلية إلى الحقل وحلولها محل النظريات الكبرى أمرًا مبالغًا فيه: أوّلها أنّ البحوث الانتقائية كانت سمة ملازمة لحقل العلاقات الدولية منذ سنواته الأولى؛ وثانيها أنّ ادّعاءات أفول النظرية الكبرى ليست ظاهرة جديدة؛ وثالثها أنّ المنهجية الانتقائية كانت تكتيكًا نظريًا استخدمه منظّرو النظريات الكبرى أيضًا. باختصار، الانتقائية التحليلية ليست شيئًا جديدًا 97. كان الباحثون الانتقائيون موجودين في حقل العلاقات الدولية منذ زمن بعيد. كان الحقل مأهولً بعدد كبير من العلماء الذين لم تُصنّف أعمالهم ضمن أيّ نظرية بعينها؛ مثل كوينسي رايت وإدوارد غوليك وجورج شوارزنبرغر وديفيد سينغر وكلوس كنور وهندريك ومارغريت سبراوت وتشارلز أوزغود ونازلي شكري وروبرت تاكر، من بين آخرين. هذا معناه أنّ "النظرية الانتقائية ليست جديدة" كما يعترف أحد أنصارها المعاصرين  98. وهناك العديد من الأدلة التي تثبت ذلك؛ فعلى سبيل المثال، قبل نصف قرن تقريبًا، وجد أولي هولستي في المسح الحقلي الذي قام به الكثير من النظريات الانتقائية: "كان الاتّجاه الأهم في الحقل"، يقول هولستي: "هو زيادة التركيز على البحث في مناطق ومشكلات وعمليات منتقاة" 99. نَسَب هولستي إلى البحوث الانتقائية في ستينيات القرن العشرين الخصائص والسمات نفسها التي يتكلّم عنها الانتقائيون المعاصرون، وقد كتب في وصف تلك الحقبة: "اقترحت الأعمال الإمبريقية في العقد الأخير وظائف للنظرية مختلفة جدًّا عن الوظائف التي اقترحها مورغانثو وورثته. كان الانشغال الرئيس للمنظّرين في أثناء العقد الماضي هو استكشاف مشكلات معيّنة، وصوغ فروض أو تعميمات تفرسّ عددًا محدودًا من الظواهر، والحصول على بيانات لاختبار تلك الفروض" 100. إنّ التشكيك في النظرية الكبرى وادّعاء أفولها ليست أشياء جديدة أيضًا  101. ذكرنا في مقدّمة الدراسة أنّه كانت هناك فئةٌ من العلماء تعارض أو تُشكّك في إمكان بناء هذا النوع من النظرية. ضمّت هذه

  1. Merton, pp. 50-51.
  2. Roy Bhaskar, The Possibility of Naturalism: A Philosophical Critique of
  3. Gary King, Robert O. Keohane & Sidney Verba, Designing Social
  4. James Mahoney, "Revisiting General Theory in Historical Sociology," Social Forces , vol. 83, no. 2 (2004), p. 464.
  5. 97  ذهبت جيسيكا بيت قبل وفاتها أطولً بعيدة بإعلانها أنّ "الانتقائية التحليلية المعاصرة لا ترقى إلى مستوى البحث الانتقائي." ينظر: 4 p..Peet,
  6. Lake, "Theory is Dead, Long Live Theory," p. 572. 99  K. J. Holsti, "Retreat from Utopia: International Relations Theory, 1945-70," Canadian Journal of Political Science , vol. 4, no. 2 (June 1971), p. 177. 100  Ibid.
  7. the Contemporary Human Sciences (Brighton: Harvester Press, 1979), p. 15.
  8. Inquiry: Scientific Inference in Qualitiative Research (Princeton: Princeton University Press, 1994), p. 87.
  9. 101  للاطلاع على مراجعة قديمة حول الموضوع، ينظر: Stanley H. Hoffmann, "International Relations: The Long Road to Theory," World Politics , vol. 11, no. 3 (1959), pp. 346-377.

الفئة العديد من علماء الواقعية، ويروق خصومها (ربّ ا الانتقائيين أيضًا) تذكير أنصارها بمناهضة إدوارد كار للعقلانية العلمية، وشكوك هانز مورغانثو الدائمة تجاه النظرية العلمية وإمكان بنائها  102. وقد أشار ريمون آرون، وهو واقعي محافظ أيضًا، إلى مجموعة منوّعة من المشكلات في حقل العلاقات الدولية التي تُعيق بناء نظرية كبرى للسياسة الدولية  103. واقترح كوينسي رايت ستّة شروط لبناء النظرية الكبرى، استنتج من خلالها أنّه لا يمكن أيّ نظرية استيفاؤها جميعًا بأيّ حال من الأحوال  104. وكان موقف كابلان الأشدّ تطرّفًا حين رأى أنّ من الحكمة أن يفقد الباحثون الأمل في بناء نظرية علمية للسياسة الدولية  105. كما وصف هولستي جهود العلماء لبناء نظريات كبرى في العلاقات الدولية باليوتوبيا  106.

كان الجيل الثاني من العلماء أشدّ تطرفًا في رفض، ليس النظرية الكبرى فحسب، بل مشروع النظرية العلمية بأكمله. على سبيل المثال، جادل دونالد بوشالا في مقالته "ويلٌ لأيتام الثورة العلمية" بعدم وجود نظرية للعلاقات الدولية  107، وأعلن جون لويس غاديس فشل مشروع التنظير في العلاقات الدولية كليًّا  108. واتّفق أنصار المدرستين النقدية، وما بعد الحداثة في العلاقات الدولية، على رفض النظرية والنزعة العلمية باعتبارهما أيديولوجيا. قصارى القول: لم يسبق أن كان هناك عصر ذهبي للنظرية الكبرى (أو النظرية بعامة)، ولا يُتوقّع أن يأتي هذا العصر يومًا ما في المستقبل. كان هذا المشروع محاطًا دائمًا بخليط من الإنجازات والإخفاقات، والفرص والتحدّيات. إنّ المقاربة الانتقائية ليست حكرًا على منظّري المدى المتوسّط فحسب، بل استعان بها أيضًا المشتغلون على النظريات الكبرى. واستخدمت الواقعية والنيوليبرالية المؤسساتية فروضًا ومتغيّ ات وآليات سببية منتقاة من نظريات أخرى، ولا سيمّا في حقليهما الفرعييّن: الدراسات الأمنية والمنظمّات الدولية (إضافة إلى برنامج بحث السلام الديمقراطي.) على سبيل المثال، قام علماء الواقعية، مثل ستيفن والت وجاك سنايدر وستيفن فان افييرا وباري بوزن ومعاونيه بانتقاء متغيّ النيّات من النظريات الإدراكية لتفسير تشكّل التحالفات والإمبريالية والحرب والبنى الدولية  109. حتّى نقّاد الواقعية يعترفون باستعانة الواقعييّن بالمتغيّ ات غير الواقعية؛ فعلى سبيل المثال، اتّهم ريتشارد آشلي الواقعييّن البنيوييّن بانتقاء الحجج والأدلة التي تناسب أغراضهم  110. وانتقد أندرو مورافسيك وجيفري ليغرو وجون فاسكيز انتقاء الواقعييّن عددًا لا بأس به من المتغيّ ات والآليات السببية من النظريتين النيوليبرالية والبنائية  111. تحرّكت النزعة الانتقائية في الاتّجاه المعاكس أيضًا. وانتقى روبرت كيوهان متغيّ ات نظرية الاستقرار الهيمني من الواقعية لتفسير الترتيبات التعاونية بعد الحرب  112. وانتقت مارثا فينيمور وكاثرين سيكينك

  1. Edward H. Carr, The Twenty Years' Crisis, 1919-1939: An Introduction
  2. Aron, "Qu'est-ce qu'une théorie des relations internationales?".
  3. Wright, ch. 1.
  4. Kaplan, pp. 20, 23.
  5. Holsti, pp. 165-166.
  6. Donald J. Puchala, "Woe to the Orphans of the Scientific Revolution," Journal of International Affairs , vol. 44, no. 1 (1990), pp. 59-80.
  7. John Lewis Gaddis, "International Relations Theory and the End of the Cold War," International Security , vol. 17, no. 3 (1992/ 1993), pp. 5-58.
  8. Stephen M. Walt, The Origins of Alliances (Ithaca: Cornell University Press, 1987); Jack Snyder, Myths of Empire: Domestic Politics and International Ambition (Ithaca: Cornell University Press,1991); Stephen Van Evera, Causes of War: Power and the Roots of Conflict (Ithaca: Cornell University Press, 1999); Barry Buzan, Charles Jones & Richard Little, The Logic of Anarchy: Neorealism to Structural Realism (New York:Columbia University Press,1993).
  9. Richard K. Ashley, "The Poverty of Neorealism," International Organization , vol. 38, no. 2 (1984), p. 244. 111  Jeffrey W. Legro & Andrew Moravcsik, "Is Anybody Still a Realist?" International Security , vol. 24, no. 2 (1999), pp. 143-162; John A. Vasquez, "The Realist Paradigm and Degenerative versus Progressive Research Programs: An Appraisal of Neotraditional Research on Waltz's Balancing Proposition," American Political Science Review , vol. 91, no. 4: International Organization at Fifty: Exploration and Contestation in the Study of World Politics (Autumn 1997), pp. 899-912.
  10. to the Study of International Relations , 2 nd ed. (London: Macmillan, 1946), pp. 23-27; Morgenthau, Scientific Man vs. Power Politics , pp. 11-19.
  11. Robert O. Keohane, After Hegemony: Cooperation and Discord in The World Political Economy (Princeton: Princeton University Press, 1984).

متغيّ ات عقلانية لتفسير تطوّر المعايير الدولية لحقوق الإنسان  113. كان انتقاء الأفكار الخلّ قة والمبدعة من النظريات الأخرى أمرًا عاديًا وسليمً في الحقل، ولم يجد العلماء (بمن فيهم أنصار النظريات الكبرى) أيّ حرج في اقتناء متغيّ ات وآليات سببية من نظريات أخرى لتفسير الظواهر التي يدرسونها  114.

ثًالث ا: الفهم الخاطئ للنظرية الكبرى

يجب الاعتراف بأنّ بعض الانتقادات التي وجّهها أنصار الانتقائية التحليلية إلى النظرية الكبرى جديرٌ بالاهتمام؛ فعلى سبيل المثال، انقسام هذه الانتقادات الداخلي إلى فروع متنافسة، واتّساع نطاقها التحليلي، وغموض مرجعياتها الإبستيمولوجية والأنطولوجية، وادّعاؤها الملكية الحصرية على متغيّ اتها، وانخفاض صلتها السياسية Relevance Political، هي مسائل يمكن قبولها ومناقشتها باعتبارها مشكلات لهذه النظرية  115. هذه المشكلات ليست حكرًا على حقل العلاقات الدولية، وقد أشار إليها العديد من علماء السياسة والاجتماع منذ زمن بعيد  116. على الرغم من ذلك، فإنّ جزءًا كبيرًا من الانتقادات الموجّهة إلى النظرية الكبرى في حقل العلاقات الدولية ناتج من سوء فهم ماهيتها ومجالها. النظرية الكبرى ليست النظرية التي تتناول كلّ شيء، أو التي تسعى لتفسير الظواهر الدولية الكلّية. إنّ مجال الظواهر التي تتناولها النظرية لا يحدِّد إذا ما كانت كبرى أم متوسّطة. فما يجعل النظرية كبرى أو متوسّطة هو طريقة بنائها. لتوضيح هذه الفكرة ينبغي لنا أوّلً تعريف النظرية ووظيفتها بدقّة. يقول عالم الاجتماع أبراهام كابلان إنّ "النظرية هي نظام القوانين" 117. تتكوّن النظرية من قوانين، ووظيفتها هي تفسير تلك القوانين (القانون هو الارتباط المثبت بين متغيّ ين أو ظاهرتين.) على سبيل المثال، نظرية آينشتاين النسبية تفرسّ قانون نيوتن للجاذبية الأرضية، ونظريات أرسطو وغاليليو ونيوتن (بتبايناتها العديدة) تفرسّ قانون الحركة (الارتباط بين قوّة دفع الجسم وحركته.) أمّا في العلاقات الدولية، فثمّة نظريات عدة تُفرسّ مجموعة من قوانين السياسة الدولية. لدينا مثال بارز في هذا الشأن للتوضيح. كانت نظرية توازن القوى عنصرًا أساسيًا في أعمال مورتن كابلان ومورغانثو ووالتز، حيث اتّفق هؤلاء الثلاثة على "القانون" الذي تستند إليه النظرية، والذي يفيد بأنّ "الدول تميل دائمًا إلى الاصطفاف مع الدولة الأضعف ضدّ الدولة الأقوى في النظام الدولي." يعمل قانون توازن القوى كالآتي: "إذا" ظهرت دولة تفُوق قوتها جميع الدول المنافسة لها، وكانت تسعى للهيمنة عليهم، "فإنّ" الدول الأخرى الأقل قوّة منها ستشكّل تحالفًا موازنًا لاحتوائها. لكن على الرغم من اتّفاق كابلان ومورغانثو ووالتز على أنّ الأسباب نفسها (ظهور الدولة الساعية للهيمنة) تؤدّي إلى النتائج نفسها (تشكل التوازنات)، فإنهم اختلفوا في تفسيراتهم لهذا القانون؛ ما أسفر عن ثلاث نظريات مختلفة لتوازن القوى. لدينا اليوم نظريات عدّة منوّعة لتوازن القوى تختلف في تفسيراتها للقانون، مثل ميزان التهديد وميزان المصالح والمسايرة وغيرها 118. إنّ النظرية الكبرى هي النظرية التي تفرسّ الكثير من القوانين، وليس الكثير من الظواهر. وفقًا لهذا التعريف، فإنّ الواقعية هي نظرية كبرى لأنّها تفرسّ العديد من قوانين السياسة الدولية، مثل قانون توازن القوى وقانون الاصطفاف (التحالف) وقانون المساومة وقانون الردع وقانون سباق التسلّح، وغير ذلك. وفقًا لهذا التعريف أيضًا، فإنّ الواقعية لا تستطيع تفسير قانون الاندماج الإقليمي والتعلّم الوظيفي والتعاون الدولي والفشل المؤسّساتي، وسواها من قوانين النيوليبرالية المؤسساتية، وهو ما يُثبت أنّها ليست نظرية كلّ شيء وفق التعريف الاختزالي للنظرية الكبرى الذي تتبنّاه الانتقائية التحليلية. يُجنّبنا تعريف النظرية بوظيفتها (تفسير القوانين) الوقوع في خطأ اختزال النظرية في مجال الظواهر التي تدرسها، وهو يحدّد مجالها وحدودها بطريقة بنائها. يساعد هذا التعريف الباحثين على إدراك الفرق الموجود بين القوانين والنظريات؛ حيث يمكن الحصول على الأولى بوساطة الاكتشاف، والثانية بوساطة البناء 119. إنّ تعريف

  1. Martha Finnemore & Kathryn Sikkink, "International Norms Dynamics and Political Change," International Organization , vol. 52 (1998), pp. 887-917.
  2. 114  وردت الأعمال المذكورة في هذه الفقرة في: Andrew Moravcsik, "Theory Synthesis in International Relations: Real Not Metaphysical," International Studies Review , vol. 5, no. 1 (2003), p. 132.
  3. 115  للاطلّاع على عيّنة من هذه الانتقادات داخل الحقل، ينظر: William Wallace, "Truth and Power, Monks and Technocrats: Theory and Practice in International Relations," Review of International Studies , vol. 22 (1996), p. 314; Brown, p. 486; Lake, "Theory is Dead, Long Live Theory," p. 568; Lake, "Why 'isms' Are Evil," p. 470; Jackson & Nexon, p. 546.
  4. 116  ل طاا عاا على مراجعة عامة لهذه الانتقادات في ميدان العلوم الاجتماعية والإنسانية، ينظر: Petr Jedlicka, "Against Grand Theories: A (Cautionary) Tale of Two Disciplines," Theory of Sciences , vol. 42, no. 2 (2020), pp. 175-199.
  5. Abraham Kaplan, The Conduct of Inquiry: Methodology for Behavioral Science (New Brunswick: Transaction Publishers, 1998]1964[), p. 297.
  6. Walt, The Origins of Alliances ; Randall L. Schweller, Deadly Imbalances: Tripolarity and Hitler's Strategy of World Conquest (New York: Columbia University Press, 1998); Thomas J. Christensen & Jack Snyder, "Chain Gangs and Passed Bucks: Predicting Alliance Patterns in Multipolarity," International Organization , vol. 44, no. 2 (Spring 1990), pp. 137-168.
  7. 119  يقول كابلان: "القوانين يتمّ اكتشافها، لكن النظريات يجب اختراعها أو بناؤها." ينظر: Kaplan, The Conduct of Inquiry , p. 308. المصدر: من إعداد الباحث.

النظرية الكبرى بهذه الطريقة يعني أنّ النظريات الكبرى في حقل العلاقات الدولية قليلة جدًّا (ينظر الجدول)، وهي تشمل النظريات التي تفرسّ مجموعة منوّعة من القوانين فحسب. ومن ناحية أخرى، فإنّ تعريف النظرية باعتبارها نظامًا للقوانين، يميّزها بوضوح من البردايم والبرنامج البحثي والتقليد البحثي، ويجعلها أكثر تماسكًا ووضوحًا، مقارنة بالمرونة التعريفية التي تتّسم بها الأطر المذكورة. إنّ التحديد الدقيق يجنّب الباحثين أخطاء التصنيف الشائعة المستندة إلى تلك الأطر الميتاثيورية؛ مثل تلك التي قادت شيبين تانغ، على سبيل المثال، إلى القول، استنادًا إلى معايير لاكاتوش الخاصّة بالبرامج البحثية، إنّ النظريات الكبرى الوحيدة في الحقل هي الواقعية الهجومية، والواقعية الدفاعية، والنيوليبرالية 120! يُبيّ الجدول أنّ تعريف النظرية، باعتبارها نظامًا للقوانين، يمنحنا تصنيفًا مغايرًا وأقرب إلى التصنيف الشائع للمدارس الكبرى في نظرية العلاقات الدولية. جدول يعرض النظريات الكبرى في العلاقات الدولية

الواقعية الوظيفية النيوليبرالية النيوماركسية النظام الرأسمالي العالمي انتقال القوة البنائية الاجتماعية النظرية الإنكليزية ما بعد-الكولونيالية نظرية الخيار العقلاني

إنّ تعريف أنصار الانتقائية التحليلية للنظرية الكبرى، بأنّها النظرية التي تسعى لتفسير كلّ شيء، هو تعريف مُضلّل، وتدحضه الممارسة البحثية في الحقل. على سبيل المثال، اعترف والتز، وهو مصمّم إحدى النظريات الكبرى المؤثّرة في الحقل، بأنّ نظريته المدعوة بالواقعية البنيوية Realism Structural هي نظرية للسياسة الدولية، وليست نظرية للسياسة الخارجية  121. وقد اشتهر والتز بانتقاده الشديد لتعريف النظرية الكبرى بمجالها التفسيري، وهو الذي أشار مرارًا وتكرارًا إلى أنّ "نقّاد النظرية النيوواقعية لا يفهمون أنّ النظرية ليست صورة عن كلّ شيء مهم في الحياة السياسية الدولية، إنّ ا هي بناء تفسير محدود بالضرورة" 122. وقد انتقد راندل شويللر، أحد روّاد الواقعية النيوكلاسيكية، فكرة النظرية الكبرى التوحيدية للعلاقات الدولية، ووصفها بالطوباوية والمستحيلة؛ "فمن ذا الذي يستطيع"، بحسب قوله، "تخيّل وجود نظرية تفرسّ جذور الحروب والأزمات وتسوياتها، إضافة إلى قضايا التجارة الدولية والمالية؟ والتي يمكن أن تفرسّ التحالف النازي - السوفياتي في عام 1939، فضلً عن إصلاح سياسة المجموعة الأوروبية الزراعية؟" 123.

رابعًا: لماذا لا نستغني عن النظرية الكبرى؟

لا شكّ في أنّ والتز وشويللر وغيرهما من العلماء محقّون في القول إنّه لا توجد نظرية كبرى تستطيع التعامل مع جميع المشكلات الدولية، ويمكن الاتّفاق أيضًا مع الانتقائييّ على أنّ نظريات المدى المتوسّط ضرورية لتسليط الضوء على تفاصيل بعض القضايا والظواهر المحدّدة. لكن من المنطقي القول أيضًا إنّ البحث العلمي لا يمكن أن ينحصر في القضايا الجزئية، ويترك القضايا العامّة موضع إهمال. نحتاج إلى نظريات تستطيع أن تمدّنا بالصورة الكلّية للأشياء، ما أمكنها ذلك. والواقع أنّ هناك خمسة أسباب تجعل النظرية الكبرى لا غنى عنها في حقل العلاقات الدولية: تتناول النظرية الكبرى الظواهر الدولية العامّة — وليس بالضرورة مج لً واسعًا من الظواهر. وعلى الرغم من أنّ هذا النوع من النظرية لا يفرسّ كلّ شيء، فإنّه يساعدنا على طرح "الأسئلة الكبرى"، 124 ويمنحنا القدرة على النظر إلى الظواهر من المنظور الكلّ ني Perspective Holistic وتفسير ما دعاه والتز "الأنماط

  1. Shiping Tang, A Theory of Security Strategy for Our Time: Defensive Realism (New York: Palgrave Macmillan, 2010), pp. 1-2.
  2. Kenneth N. Waltz, "International Politics Is Not Foreign Policy," Security Studies , vol. 6, no.1 (1996), p. 54.
  3. Kenneth N. Waltz, "Realist Thought and Neorealist Theory," Journal of International Affairs , vol. 44, no. 1 (Spring 1990), p. 32.
  4. Schweller, "Correspondence," p. 311.
  5. Keohane, "Big Questions in the Study of World Politics,"; Henry R. Nau, "No Alternative to 'Isms','' International Studies Quarterly , vol. 55, no. 2 (June 2011), p. 489.

الكبرى والمهمة والدائمة" 125. لهذه الأسباب يفضّ ل بعض العلماء تسمية النظرية الكبرى النظرية العامّة Theory General. النظرية الكبرى هي نظرية استنباطية  126. قد يكون من البدهي القول إنّ حقل العلاقات الدولية (أو أيّ حقل دراسي آخر) لن يكون حقلً دراسيًا سليمً، إذا أصبح الاستقراء هو المنهج الوحيد لبناء النظرية. وهناك رأي مقبول على نطاق واسع في فلسفة العلوم الاجتماعية، يرى أنّ النظرية الكبرى أكثر نجاعة في توليد الفروض واشتقاقها، بينما نظرية المدى المتوسّط أكثر فائدة في اختبارها  127. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ الاستنباط والاستقراء منهجان متساندان لخلق المعرفة واختبارها، وطغيان أحدهما على الآخر في أيّ حقل دراسي لن يكون مفيدًا لتطوّره المعرفي. لا شكّ في أنّ وليام والاس محقّ في القول إنّ "من الصعب إجراء نقاش بردايمي من دون توافر دراسات إمبريقية لاختبار بردايم ضدّ آخر" 128. لكن من الصعب أيضًا إنتاج دراسات إمبريقية من دون توافر بردايمات تكون موضع اختبار. إنّ إعلان أنصار الانتقائية التحليلية عن نهاية النظرية الكبرى هو بمنزلة الإعلان عن نهاية المنهج الاستنباطي في حقل العلاقات الدولية، وانحصاره (أي الحقل) في اختبار النظريات فحسب 129. النظرية الكبرى هي شرط أساسي لوجود الانتقائية التحليلية والنظرية متوسّطة المدى بعامة. لن تستطيع النظرية متوسّطة المدى التطوّر والنجاح في غياب النظرية الكبرى؛ فهذه الأخيرة هي المصنع الذي يمدّها بالمواد الأوّلية (الفروض والمتغيّ ات) اللازمة لاشتغالها. على سبيل المثال، نظريات متوسّطة المدى مثل المنفعة المتوقّعة، وتكاليف Expected Utility Theory الجمهور Audience Costs، ومساومة الأزمة Crisis Bargaining، ولعبة المستويين Game Two-level، لا يمكنها العمل من دون الفروض المشتقة من نظرية الخيار العقلاني. هناك تفسير آخر لهذه التبعية النظرية. يمكن أن نلاحظ أنّ أيّ نظرية متوسّطة المدى يمكن أن تتوصّل إلى نتائج إمبريقية متباينة (أو ربّ ا متناقضة) بسبب اختلاف النظريات الكبرى التي اشتُقّت منها فروضها الإمبريقية. وعلى سبيل المثال فإنّ نظرية الحرب الاستباقية Preemptive War ستقدّم تفسيرات متباينة تبعًا لما إذا كانت فروضها مشتقّة من نظرية "انتقال القوة" 130 أم نظرية "حرب الهيمنة" 131 أم نظرية "تفاضلات القوة  "132. إنّ النظرية الكبرى ضرورية في جميع هذه الحالات لعمل النظرية متوسّطة المدى وتأدية اختباراتها الإمبريقية. النظريات الكبرى لديها فائدة عالية في مجال التعليم الأكاديمي للعلاقات الدولية. لا تخلو مقرّرات التدريس من النظريات الكبرى، وهي فصل ضروري في جميع المناهج الدراسية. يرى بعض الباحثين أنّ تلقين الطلاب الجدد النظريات الكبرى ونقاشاتها هو أفضل مدخل يُ كّنهم من فهم العلاقات الدولية علمً وممارسة، ويجادل آخرون بأنّ النقاشات البردايمية أثبتت نجاعتها في مجال التدريس. على سبيل المثال، يعترف بينيت بأنّ "تأطير الحقل حول المدارس النظرية ثبت أنّه اختصار مفيد للتدريس في الفصول الدراسية" 133. ويرى أولي ويفر أنّ النقاشات البردايمية اخُتُ عت أساسًا بغرض التدريس والتأمّل الذاتي النقدي  134. وهناك من ذهب إلى حدّ اعتبار أنّ "الحروب البردايمية" كانت "قيّمة وتقدّمية" 135 وسهّلت التطوّر النظري في الحقل  136. لقد كان اختبار النظريات الكبرى بعضها ضدّ بعض من ناحية، وضد العالم الواقعي من ناحية أخرى، منهجيةً مثمرةً في قيادة البحث في العلاقات الدولية منذ عقود طويلة، ولا يزال يراه أساتذة الحقل وسيلةً ناجعةً في تنشئة أجيال من الباحثين المتمرّسين وإعدادهم. هذا القول لا يعني أنّ نظريات المدى المتوسّط لا تناسب (أو تحقّق) الأهداف التعليمية، إنّ ا معناه أنّ النظريات الكبرى قد تكون مناسبة جدًّا لإنجاز تلك الأهداف، لأنّها تعرض الطابع الجدالي الذي يُ يّز النقاش في شأن المسائل الكلّية في السياسة الدولية.

  1. Waltz, Theory of International Politics , p. 70.
  2. Joseph Lepgold & Miroslav Nincic, Beyond the Ivory Tower: International Relations Theory and the Issue of Policy Relevance (New York: Columbia University Press, 2001), p. 69.
  3. 127  ينظر على سبيل المثال: Richard Swedberg, "Before Theory Comes Theorizing or How to Make Social Science More Interesting," The British Journal of Sociology , vol. 67, no. 1
  4. Wallace, p. 314.
  5. Mearsheimer & Walt.
  6. A.F.K. Organski & Jacek Kugler, The War Ledger (Chicago: University of Chicago Press, 1980).
  7. Robert Gilpin, War and Change in World Politics (Cambridge: Cambridge University Press, 1981).
  8. Dale C. Copeland, The Origins of Major War (Ithaca: Cornell University Press, 2000).
  9. Bennett, p. 460. 134  Ole Waever, "The Rise and Fall of the Inter-paradigm Debate," in: Steve Smith, Ken Booth & Marysia Zalewski (eds.), International Theory: Positivism and Beyond (Cambridge: Cambridge University Press, 1996), p. 161.
  10. (2016), p. 6; Richard Swedberg, "Theorizing in Sociology and Social Science: Turning to The Context of Discovery," Theory and Society , vol. 41, no. 1 (2012), p. 2.
  11. Nau, pp. 488-489.
  12. Jackson & Nexon, p. 546.

النظرية الكبرى دليل عملي لصنع القرار. فهي تقدّم توجيهًا إلى رجال الدولة بشأن القضايا والفرص والتحدّيات التي يواجهونها وكيفية التعامل معها. يميل المستشارون والمخطّطون الاستراتيجيون إلى الإصغاء إلى ما تقوله النظريات الكبرى عن التفاعلات الدولية والفاعلين والديناميات، وعن البيانات والمواقف التي يجب أخذها في الحسبان في أثناء اتّخاذ القرار، أو في مرحلة تخطيط السياسات وتنفيذها. تختلف قرارات رجال الدولة وسياساتهم باختلاف العدسة النظرية التي ينظرون من خلالها إلى المشكلات والحلول؛ فصانع القرار الذي ينظر إلى العالم، باعتباره مكانًا أناركيًا تسعى فيه الدول للبقاء أو الهيمنة، سيسعى جاهدًا لتأمين نفسه واتّباع سياسات العون الذاتي (التسلّح وإبرام التحالفات.) أمّا رجل الدولة الذي ينظر إلى العالم، باعتباره شبكة دولية من الاعتمادية المتبادلة، فسيسعى لتعزيز التعاون العالمي المؤسّساتي والتعدّدية الدولية  137. إضافة إلى ما سبق، فإنّ لدى النظريات الكبرى جذورًا عميقةً في التقاليد الفلسفية الكبرى  138، حيث تعكس تلك الفلسفات طرائق معيّنة لتفسير العالم، مشبعة بالتاريخ والتفضيلات السياسية. لهذا السبب يرى بعض الباحثين أنّ قوّة النظرية الكبرى تكمن في اشتغالها كأيديولوجيا أو عقيدة، أو نسق معياري لوصف ما يجب أن تكون عليه الأشياء  139. في مقابل ذلك، تُنتقد الانتقائية التحليلية بأنّها غير مجهّزة للتعامل مع التفكير المعياري، ومن ثمّ هي غير قادرة على إنتاج معرفة ذات صلة بالممارسة السياسية كما تدّعي  140.

خاتمة

النظرية الكبرى بعيدة عن الأفول لحسن الحظ  141، ولا يزال الانتقائيون التحليليون نادرين في الحقل  142. كان الهدف الأساسي لهذه الدراسة هو تفنيد ادّعاءات الانتقائية التحليلية في شأن أفول النظرية الكبرى في العلاقات الدولية، وقد أثبتت المباحث السابقة أربعة أشياء: أولً، أنّ المنطق الانتقائي - الاندماجي الذي تُبنى عليه الانتقائية التحليلية غير منسجم ويشوبه الكثير من التناقضات؛ ثانيًا، أنّ التنظير السببي متوسّط المدى مستند إلى فهم خاطئ لماهية النظرية الكبرى ووظيفتها؛ ثالثًا، أنّ النزعة الانتقائية ليست شيئًا جديدًا في حقل العلاقات الدولية؛ رابعًا، أنّ انحسار النظرية الكبرى لا يعني بالضرورة أفولها. قد تكون الحروب البردايمية قد انتهت، لكن البردايمات في حدّ ذاتها لم تنته  143. على الرغم من هذه النتائج، فإنّ الدراسة لا تدّعي تفوّق نمط معيّ من التنظير على آخر. فالنظرية الكبرى ومتوسّطة المدى ضروريتان لتغطية النطاق الواسع للظواهر الدولية، ولا بدّ من أن تسيرا يدًا بيد نحو مقاربة تكاملية لتفسيرهما. لا يمكن الجزم بما هو الشكل الذي ستأخذه هذه المقاربة، لكن الأكيد أنّها لن تكون شمولية - هيمنية ولا تعدّدية - فوضوية. لكن في الوقت نفسه يجب ألّ نبالغ في آمالنا وتطلّعاتنا نحو نظرية موحّدة للنظريات الكبرى والمتوسّطة. الاختصاص المجالي وتقسيم العمل النظري أمران صحّيان لأي حقل دراسي، ويجب ألّ نقلق من انصهار الحدود بين المجالات النظرية وانتشار الاعتمادية إذا كان التعاون النظري هو القاعدة بدلً من التنافس.

  1. 137  يمكن ملاحظة أنّ عددًا كبيرًا من علماء العلاقات الدولية الذين مارسوا السياسة الدولية في الدوائر الحكومية منذ الحرب العالمية الثانية، سواء أكان ذلك في الولايات المتحدة أم بريطانيا، كان من مؤلفي النظريات الكبرى في العلاقات الدولية.
  2. 138  بينما لدى نظريات المدى المتوسّط جذور في النظريات الكبرى. النظرية الكبرى نظرية فلسفية، أمّا نظرية المدى المتوسّ ط، فهي نظرية تقنية.
  3. 139  هكذا وصفها نقّادها، ينظر على سبيل المثال: Robert W. Cox, "Social Forces, States and World Orders: Beyond International Relations Theory," Millennium: Journal of International Studies , vol. 10, no. 2 (1981), pp. 126-155; Ashley. للاطلاع على تحليل حديث، ينظر: Alex Prichard, "The 'Isms' Are Evil. All Hail the 'Isms'!," in: Stephen McGlinchey, Rosie Walters & Christian Scheinpflug (eds.), International Relations Theory (Bristol: E-International Relations Publishing, 2017),
  4. Reus-Smith, p. 591.
  5. 141  تكشف الدراسة التي قام بها سايدمان لأنماط الاقتباس والاستشهاد في المجلات الأكاديمية أنّه لا توجد أدلّة تدعم فرضية أفول النظرية الكبرى. توضح الأرقام أنّها شهدت تراجعًا عن الذروة التي بلغتها في منتصف التسعينيات، لكن البحوث البردايمية زادت في أوائل القرن العشرين، مقارنة بعقد الثمانينيات. ينظر:.Saideman 142  Chernoff et al., p. 4.
  6. pp. 145-152.
  7. Saideman, pp. 16-17.

References المراجع

العربية

حمشي، محمد. "الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية." سياسات عربية. مج 5، العدد 28 (أيلول/ سبتمبر.)2017 _______. مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 دان، تيم، وميليا كوركي وستيف سميث. نظرية العلاقات الدولية: التخصص والتنوّع. ترجمة ديما الخضرا. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 قوجيلي، سيد أحمد. الصراع على تفسير الحرب والسلم: دراسات في منطق التحقيق العلمي في العلاقات الدولية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019

الأجنبية

Acharya, Amitave & Barry Buzan (eds.). Non- Western International Relations Theory. London: Routledge, 2010. Aron, Raymond. "Qu'est-ce qu'une théorie des relations internationales?" Revue française de science politique. vol. 17, no. 5 (1967). _______. Paix et guerre entre les nations. Paris: Calmann-Levy, 1962. Ashley, Richard K. "The Poverty of Neorealism." International Organization. vol. 38, no. 2 (1984). Banks, Michael. "General Theory in International Relations: New Directions." Millennium: Journal of International Studies. vol. 8, no. 3 (1979). Bennett, Andrew. "The Mother of All Isms: Causal Mechanisms and Structured Pluralism in International Relations Theory." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3 (2013). Berenskötter, Felix. "Deep Theorizing in International Relations." European Journal of International Relations. vol. 24, no. 4 (2018). Naturalism: of Possibility The Roy. Bhaskar, A Philosophical Critique of the Contemporary Human Sciences. Brighton: Harvester Press, 1979. Brown, Chris. "The Poverty of Grand Theory." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3: End of International Relations Theory? A Special Issue (2013). Burns, Arthur Lee. "Prospects for a General Theory of International Relations." World Politics. vol. 14, no. 1 (1961). Burton, John W. International Relations: A General Theory. Cambridge: Cambridge University Press, 1965. Buzan, Barry, Charles Jones & Richard Little. The Logic of Anarchy: Neorealism to Structural Realism. New York: Columbia University Press,1993. Carlsnaes, Walter, Thomas Risse & Beth A. Simmons (eds.). Handbook of International Relations. London: SAGE, 2012. Carr, Edward H. The Twenty Years' Crisis, 1919-1939: An Introduction to the Study of International Relations. 2 nd ed. London: Macmillan, 1946. Chernoff, Fred, Jérémie Cornut & Patrick James. "Analytic Eclecticism and International Relations: Promises and Pitfalls." International Journal. vol. 75, no. 3 (2020). Chernoff, Fred. "Pragmatism, Pluralism, and Eclecticism: Sil and Katzenstein's 'Analytic eclecticism' in Beyond Paradigms." International Journal. vol. 75, no. 3 (2020). Christensen, Thomas J. & Jack Snyder. "Chain Gangs and Passed Bucks: Predicting Alliance Patterns in Multipolarity." International Organization. vol. 44, no. 2 (Spring 1990).

Copeland, Dale C. The Origins of Major War. Ithaca: Cornell University Press, 2000. Cornut, Jérémie. "Analytic Eclecticism in Practice: A Method for Combining International Relations Theories." International Studies Perspectives. vol. 16 (2015). Cox, Robert W. "Social Forces, States and World Orders: Beyond International Relations Theory." Millennium: Journal of International Studies. vol. 10, no. 2 (1981). Deutsch, Karl W. The Nerves of Government: Models of Political Communication and Control. New York: Free Pr., 1963. Dunne, Tim, Lene Hansen & Colin Wight. "The End of International Relations Theory?" European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3: End of International Relations Theory? A Special Issue (2013). Evera, Stephen Van. Causes of War: Power and the Roots of Conflict. Ithaca: Cornell University Press, 1999. Ferguson, Yale H. "Diversity in IR Theory: Pluralism as an Opportunity for Understanding Global Politics." International Studies Perspectives. vol. 16, no. 1 (2015). Finnemore, Martha & Kathryn Sikkink. "International Norms Dynamics and Political Change." International Organization. vol. 52 (1998). Fox, Wiliam T.R. (ed.). Theoretical Aspects of International Relations. Notre Dame: University of Notre Dame Press,1959. Gaddis, John Lewis. "International Relations Theory and the End of the Cold War." International Security. vol. 17, no. 3 (1992/ 1993). Gilpin, Robert. War and Change in World Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1981. Grieco, Joseph M. "The Schools of Thought Problem in International Relations." International Studies Review. vol. 21, no. 3 (2019). Guzzini, Stefano. "The Ends of International Relations Theory: Stages of Reflexivity and Modes of Theorizing." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3 (2013). Harvey, Frank & Joel Cobb. "Multiple Dialogues, Layered Syntheses, and the Limits of Expansive Cumulation." International Studies Review. vol. 5, no. 1 (2003). Hellmann, Gunther (ed.). "The Forum: Are Dialogue and Synthesis Possible in International Relations?" International Studies Review. vol. 5, no. 1 (2003). Hoffmann, Stanley H. "International Relations: The Long Road to Theory." World Politics. vol. 11, no. 3 (1959). Holsti, K. J. "Retreat from Utopia: International Relations Theory, 1945-70." Canadian Journal of Political Science. vol. 4, no. 2 (June 1971). Jackson, Patrick Thaddeus & Daniel H. Nexon. "International Theory in a Post-paradigmatic Era: From Substantive Wagers to Scientific Ontologies." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3 (2013). Jedlicka, Petr. "Against Grand Theories: A (Cautionary) Tale of Two Disciplines." Theory of Sciences. vol. 42, no. 2 (2020). Kaplan, Abraham. The Conduct of Inquiry: Methodology for Behavioral Science. New Brunswick: Transaction Publishers, 1998 [1964]. Kaplan, Morton A. "Problems of Theory Building and Theory Confirmation in International Politics." World Politics. vol. 14, no. 1 (1961). ________. System and Process in International Politics. Colchester: John Wiley and sons, INC, 1957.

Keohane, Robert O. After Hegemony: Cooperation and Discord in The World Political Economy. Princeton: Princeton University Press, 1984. King, Gary, Robert O. Keohane & Sidney Verba. Designing Social Inquiry: Scientific Inference in Qualitiative Research. Princeton: Princeton University Press, 1994. Lake, David A. "Theory is Dead, Long Live Theory: The End of the Great Debates and the Rise of Eclecticism in International Relations." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3 (2013). _______. "Why 'isms' Are Evil: Theory, Epistemology, and Academic Sects as Impediments to Understanding and Progress." International Studies Quarterly. vol. 55, no. 2 (June 2011). Laudan, Larry. Progress, and Its Problems: Towards a Theory of Scientific Growth. Berkeley: University of California Press, 1978. Legro, Jeffrey W. & Andrew Moravcsik. "Is Anybody Still a Realist?" International Security. vol. 24, no. 2 (1999). Lepgold, Joseph & Miroslav Nincic. Beyond the Ivory Tower: International Relations Theory and the Issue of Policy Relevance. New York: Columbia University Press, 2001. Levine, Daniel J. & Alexander D. Barder. "The Closing of the American Mind: 'American School' International Relations and the State of Grand Theory." European Journal of International Relations. vol. 20, no. 4 (2014). Mahoney, James. "Revisiting General Theory in Historical Sociology." Social Forces. vol. 83, no. 2 (2004). Maliniak, Daniel, Susan Peterson & Michael J. Tierney. "TRIP Around the World: Teaching, Research and Policy Views of International Relations Faculty in 20 Countries." The College of William and Mary Williamsburg (Virginia) (May 2012). at: https://bit.ly/3uaOcA0 McClelland, Charles A. Theory, and the International System. New York: Macmillan, 1966. McGlinchey, Stephen, Rosie Walters & Christian Scheinpflug (eds.). International Relations Theory. Bristol: E-International Relations Publishing, 2017. Mearsheimer, John J. & Stephen M. Walt. "Leaving Theory Behind: Why Hypothesis Testing Has Become Bad for International Relations." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3: End of International Relations Theory? A Special Issue (2013). Merton, Robert K. Social Theory and Social Structure. New York: The Free Press, 1968. Mills, C. Wright. The Sociological Imagination. New York: Oxford University Press, 1959. Moravcsik, Andrew. "Theory Synthesis in International Relations: Real Not Metaphysical." International Studies Review. vol. 5, no. 1 (2003). Morgenthau, Hans J. Politics Among Nations: The Struggle for Power and Peace. New York: Alfred A. Knopf, 1948. _______. Scientific Man vs. Power Politics. London: Latimer House Limited, 1946. Myat, Sint Sint. "Explaining Myanmar's Policy of Non- Alignment: An Analytic Eclecticism Approach." Journal of Current Southeast Asian Affairs. vol. 40, no. 3 (2021). Nau, Henry R. "No Alternative to 'Isms'." International Studies Quarterly. vol. 55, no. 2 (June 2011). Oren, Ido. "A Sociological Analysis of the Decline of American IR Theory." International Studies Review. vol. 18, no. 4 (2016). Organski, A.F.K. & Jacek Kugler. The War Ledger. Chicago: University of Chicago Press, 1980.

Parsons, Craig. "Before Eclecticism: Competing Research." Constructivist in Alternatives International Theory. vol. 7, no. 3 (2015). Peet, Jessica. "Eclecticism or Exclusivity? The (Critical) Pragmatist Ethos of (Intersectional) Analytic Eclecticism." International Journal. vol. 75, no. 3 (2020). Pohl, Benjamin & Niels van Willigen. "Analytic Eclecticism and EU Foreign Policy (In) action." Global Society. vol. 29, no. 2 (2015). Puchala, Donald J. "Woe to the Orphans of the Scientific Revolution." Journal of International Affairs. vol. 44, no. 1 (1990). Reus-Smit, Christian & Duncan Snidal (eds.). The Oxford Handbook of International Relations. Oxford: Oxford University Press, 2008. Reus-Smit, Christian. "Beyond Metatheory?" European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3: End of International Relations Theory? A Special Issue (2013). Rosecrance, Richard N. Action and Reaction in World Politics: International Systems in Perspective. Boston: Little Brown, 1963. Saideman, Stephen M. "The Apparent Decline of the IR Paradigms: Examining Patterns of Publications, Perceptions, and Citations." International Studies Review. vol. 20, no. 4 (2018). Schweller, Randall L. "Correspondence: Brother, Can You Spare a Paradigm? (Or Was Anybody Ever a Realist?)." International Security. vol. 25, no. 1 (Summer 2000). ________. Deadly Imbalances: Tripolarity and Hitler's Strategy of World Conquest. New York: Columbia University Press, 1998. Sil, Rudra & Peter J. Katzenstein. "Analytical Eclecticism in the Study of World Politics: Reconfiguring Problems and Mechanisms across Research Traditions." Perspectives on Politics. vol. 8, no. 2 (2010). ________. Beyond Paradigms: Analytic Eclecticism in the Study of World Politics. New York: Palgrave Macmillan, 2010. Sil, Rudra. "Analytic Eclecticism-Continuing the Conversation." International Journal. vol. 75 (2020). ________. "Simplifying Pragmatism: From Social Theory to Problem-driven Eclecticism." International Studies Review. vol. 11, no. 3 (2009). Singer, J. David. "The Level-of-Analysis Problem in International Relations." World Politics. vol. 14, no. 1 (October 1961). Skinner, Quentin (ed.). The Return of Grand Theory in the Human Sciences. Cambridge: Cambridge University Press, 1985. Smith, Steve, Ken Booth & Marysia Zalewski (eds.). International Theory: Positivism and Beyond. Cambridge: Cambridge University Press, 1996. Snyder, Jack. Myths of Empire: Domestic Politics and International Ambition. Ithaca: Cornell University Press,1991. Swedberg, Richard. "Theorizing in Sociology and Social Science: Turning to The Context of Discovery." Theory and Society. vol. 41, no. 1 (2012). ________. "Before Theory Comes Theorizing or How to Make Social Science More Interesting." The British Journal of Sociology. vol. 67, no. 1 (2016). Sylvester, Christine. "Experiencing the End and Afterlives of International Relations/Theory." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3

________. "Whither the International at the End of IR." European Journal of International Relations. vol. 35, no. 3 (2007).

Tang, Shipping. A Theory of Security Strategy for Our Time: Defensive Realism. New York: Palgrave Macmillan, 2010. Tickner, Arlene B. & Ole Wæver (eds.). International Relations Scholarship Around the World. London: Routledge, 2009. Vasquez, John A. "The Realist Paradigm and Degenerative versus Progressive Research Programs: An Appraisal of Neotraditional Research on Waltz's Balancing Proposition." American Political Science Review. vol. 91, no. 4: International Organization at Fifty: Exploration and Contestation in the Study of World Politics (Autumn 1997). Vigezzi, Brunello. The British Committee on the Theory of International Politics (1954-1985): The Rediscovery of History. Ian Harvey (trans.). Milano: Edizioni Unicopli, 2005. Wallace, William. "Truth and Power, Monks and Technocrats: Theory and Practice in International Relations." Review of International Studies. vol. 22 (1996). Walt, Stephen M. The Origins of Alliances. Ithaca: Cornell University Press, 1987. Waltz, Kenneth N. "International Politics Is Not Foreign Policy." Security Studies. vol. 6, no. 1 (1996). ________. "Realist Thought and Neorealist Theory." Journal of International Affairs. vol. 44, no. 1 (Spring 1990). ________. Theory of International Politics. Reading, Mass.: Addison-Wesley, 1979. Wemheuer-Vogelaar, Wiebke, et al. "The IR of the Beholder: Examining Global IR Using the 2014 TRIP Survey." International Studies Review. vol. 18 (2016). Wright, Quincy. The Study of International Relations. New York: Appleton-century-crofts, 1955.