سياسة إسرائيل تجاه المشروع النووي الإيراني في بداية حكم الرئيس إبراهيم رئيسي
الملخّص
تتلخص فرضية هذه الدراسة الأساسية في سعي إسرائيل الدائم للحفاظ على احتكارها الساح النووي في الشرق الأوسط أطول فترة ممكنة، وقيامها بمختلف النشاطات السياسية والدبلوماسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية لمنع إيران، وأي دولة أخرى في الشرق الأوسط، من كسر احتكار إسرائيل الساح النووي في المنطقة. تتابع الدراسة سياسة إسرائيل التي تدعو إلى فرض أقصى العقوبات الاقتصادية الدولية على إيران، التي تقود إلى تخليها كليًّا عن الساح النووي أو إلى إسقاط النظام الإيراني. وتعرض سياسة إسرائيل تجاه مفاوضات العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، وتقف على الارتباك الاستراتيجي الذي وجدت إسرائيل نفسها فيه، من جراء العديد من الفرضيات المخطئة التي تبنتها حكومة بنيامين نتنياهو تجاه المشروع النووي الإيراني، وتعرض أهداف إسرائيل من "المعركة بين الحروب" التي تشنها ضد إيران، وتقف على الاستراتيجية الكبرى ضد إيران التي ينادي بها منظرو المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وتتابع سعي إسرائيل لإقامة حلف عسكري إسرائيلي - عربي - أميركي ضد إيران، وتعرض التصور الإسرائيلي للهجوم العسكري الإسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية والمخاطر والمشكات التي تواجهه. كلمات مفتاحية: إسرائيل، إيران، البرنامج النووي الإيراني.
Keywords: Israel, Iran, Iranian Nuclear Program.
Israeli Policy on the Iranian Nuclear Program at the Beginning of President Ebrahim Raisi's Term
The basic hypothesis of the study is summarized in Israel's ongoing efforts to maintain its monopoly on nuclear weapons in the Middle East for as long as possible, and its various political, diplomatic, security, military, and economic activities to prevent Iran and any other country in the Middle East from obtaining nuclear weapons. The study examines Israel's policy, which calls for imposing the maximum international economic sanctions on Iran, manifested in its complete abandonment of the nuclear project or the overthrow of the Iranian regime. It presents Israel's policy towards the negotiations to return to the Iranian nuclear deal and the strategic confusion in which Israel finds itself due to many mistaken assumptions adopted by the Benjamin Netanyahu government regarding the Iranian nuclear project. It also discusses Israel's goals in the "war between wars" it wages against Iran and the major strategy against Iran advocated by the Israeli military establishment, as well as Israel's efforts to establish an Israeli-Arab-American military alliance against Iran. The study also presents the Israeli vision of the Israeli military attack on Iranian nuclear facilities and the risks and problems it faces.
مقدمة
شهد عام 2021 الذي انتُخب فيه إبراهيم رئيسي رئيسًا لإيران تطورات مهمة تتعلق بإيران وبمشروعها النووي. ففي العشرين من كانون الثاني/ يناير 2021 انتهت ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على إثر فشله في انتخابات الرئاسة الأميركية، الذي سحب الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق النووي الإيراني وفرض المزيد من العقوبات الأميركية والدولية على إيران لإرغامها على التخلي عن مشروعها النووي. وقد خلفه الرئيس جو بايدن الذي تبنى سياسة العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني. وفي حزيران/ يونيو شكّل نفتالي بنيت حكومة إسرائيلية ائتلافية جديدة خلفًا لحكومة نتنياهو الذي قاد خلال أكثر من عقد السياسة الإسرائيلية تجاه إيران ومشروعها النووي، وعارض التوصل إلى أي اتفاق معها لا يضع حدًّا لمجمل مشروعها النووي. وفي نيسان/ أبريل تجددت المفاوضات بين إيران والدول الكبرى 1+5() بشأن العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، وعادت إسرائيل تهدد علنًا باستعمال القوة العسكرية ضد المشروع النووي الإيراني وتجري التحضيرات والاستعدادات اللازمة للهجوم عسكريًا على المنشآت النووية الإيرانية، إذا اقتضت الضرورة ذلك، مكررة ادعاءها أنه يشكل خطرًا على وجودها. أشار التقدير الاستراتيجي لإسرائيل، الذي يصدره معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب، إلى أن انتخاب رئيسي رئيسًا لإيران، في حزيران/ يونيو 2021، أكمل سيطرة المعسكر المحافظ على جميع المؤسسات السياسية في إيران، وإلى أن تركيبة حكومة رئيسي تؤكد تبنيه سياسة أكثر صلابة من حكومة الرئيس السابق حسن روحاني في المجالات الداخلية والخارجية، وفق ما يمليه عليه المرشد الأعلى 1. ولاحظ التقدير الاستراتيجي أن وصول رئيسي إلى سدة الحكم جاء في فترة تواجه فيها إيران مشكلات متزايدة على الأصعدة الداخلية والإقليمية والدولية؛ فإلى جانب ازدياد صعوبة الوضع الاقتصادي الإيراني، فإن إيران تواجه العديد من المشكلات والتحديات على الصعيد الإقليمي. وبالرغم من انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، الذي يُعد تطورًا استراتيجيًا إيجابيًا لإيران، فإن سيطرة طالبان على أفغانستان تشكل تحديًا جديدًا لإيران قد يسبب لها مشكلات أمنية واقتصادية. أما في العراق فقد خسرت الميليشيات العراقية الموالية لإيران في الانتخابات البرلمانية، وازدادت محاولات التقرب بين بغداد والدول العربية. وازدادت كذلك المشكلات التي يعانيها حزب الله اللبناني، حليف إيران المركزي في المنطقة، في ضوء تفاقم الأوضاع الاقتصادية السيئة في لبنان. واستمرت إيران في تقديم مختلف أشكال الدعم إلى الحوثيين في اليمن من دون إحراز تقدم فيه. أما في القوقاز فإن إيران تواجه تحديات مهمة على إثر انتصار أذربيجان في ناغورنو كرباخ على أرمينيا ذات العلاقات الحسنة مع إيران، وكذلك استمرار تعزيز علاقات أذربيجان المختلفة مع إسرائيل وزيادة النفوذ التركي في أذربيجان والقوقاز. إلى جانب كل ذلك، صعدت إسرائيل في سنة 2021 من عملياتها العسكرية المختلفة، سواء في داخل إيران أو ضد الوجود الإيراني في سورية. وأشار التقدير الاستراتيجي إلى أنه رغم كل هذه المصاعب والتحديات الجمة التي تواجهها إيران على الصعيدين الداخلي والإقليمي، فإنها ما زالت مصممة على السعي لتحقيق أهدافها ومصالحها البعيدة المدى، مع محاولاتها ملاءمة سياساتها وفق التغييرات والمستجدات في المنطقة والعالم. ولاحظ التقدير الاستراتيجي أن إيران تحت حكم رئيسي تسعى لتعزيز علاقاتها مع روسيا والصين والاتكاء عليهما اقتصاديًا وعسكريًا؛ فقد وقعت في آذار/ مارس 2021، قبل وصول رئيسي إلى سدة الحكم بعدة شهور، اتفاقية شراكة استراتيجية مع الصين، وجددت في أيلول/ سبتمبر 2021 اتفاقية الشراكة الاستراتيجية مع روسيا، وقُبلت في منظمة شنغهاي للتعاون، وأجرت عدة تمارين عسكرية مع روسيا والصين. هذه الخطوات جميعها تعزز المعسكر المحافظ في إيران بقيادة الحرس الثوري، الذي دعم هذا التوجه نحو روسيا والصين، مقابل معسكر روحاني والمعسكر الإصلاحي الذي كان يفضل تعزيز العلاقات مع الغرب 2.
أولا: نظرية الأمن القومي الإسرائيلي واحتكار السلاح النووي
يرى دافيد بن غوريون مؤسس إسرائيل أن العرب الفلسطينيين والعرب عمومًا لن يقبلوا بوجود الدولة اليهودية التي أسستها الحركة الصهيونية في فلسطين بالتحالف مع الدول الاستعمارية على حساب الشعب العربي الفلسطيني. وبناءً على ذلك، افترضت نظرية الأمن الإسرائيلي التي صاغها بن غوريون أن وجود إسرائيل مهدد من الدول العربية المحيطة بها، وأنه لا يمكن الاعتماد على دولة أو عدة دول كبرى لضمان وجود إسرائيل، وأن عليها الاعتماد على ذاتها وأن تظل دومًا متفوقة عسكريًا على جميع الدول العربية 3. وبدأ بن غوريون
في العام الذي تأسست فيه إسرائيل في وضع الخطط لحيازة السلاح النووي 4. وبعد مرور عقدين تمكنت إسرائيل بمساعدة فرنسية ودول أخرى من إنتاج السلاح النووي في سنة 1968 5، فكانت بذلك الدولة الأولى، والوحيدة حتى الآن، التي أدخلت السلاح النووي إلى منطقة الشرق الأوسط. ومنذئذ شرعت شيئًا فشيئًا في السير نحو احتكاره في المنطقة وفي منع أي دولة أخرى من حيازته حتى لو استدعى ذلك استعمال قوتها العسكرية، وسرعان ما بات احتكارها السلاح النووي في المنطقة جزءًا من نظرية أمنها القومي، فقد دمرت في عام 1981، إبان حكم مناحيم بيغن، المفاعل النووي العراقي، ثم دمرت في عام 2007 المنشأة النووية السورية، في سياق ما بات يُعرف ب "عقيدة بيغن." وما برحت منذ أن صنعت السلاح النووي في تطوير ترسانة كبيرة من القنابل النووية والهيدروجينية والنيوترونية، وامتلكت الطائرات والصواريخ والغواصات التي في إمكانها إيصال ضرباتها النووية إلى أهداف تبعد عنها آلاف الأميال، وقد ازدادت مكانتها النووية عندما بات لديها القدرة على توجيه الضربة النووية الثانية، بوساطة الغواصات التي حصلت عليها من ألمانيا، وأيضًا بعدما بنت
| بوساطة الغواصات التي حصلت عليها من ألمانيا، وأيضا بعدما بنت قبل أكثر من عقد في باطن أحد جبال القدس الغربية، مركز قيادة وسيطرة محصنًا من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى، لإدارة حرب نووية (((. | |
|---|---|
| لكن تدحض الدراسات وتقديرات الموقف التي تصدر عن المؤسسات الأكاديمية والأمنية الإسرائيلية وتصريحات قادة إسرائيل أنفسهم ادعاءات إسرائيل، وتؤكد ما يلي: إن وصول إيران إلى دولة نووية لا يىهدد وجود إسرائيل؛ لأن قوة الردع النووي الإسرائيلي وقدرات إسرائيل |
ثانيًا: المشروع النووي الإيراني في قمة أولويات إسرائيل
تولي إسرائيل المشروع النووي الإيراني أهميةً قصوى وتضعه في قمة أجندتها الأمنية والسياسية منذ أكثر من عقدين، فكانت المحرك الأساس للجهد الدولي لوقف هذا المشروع، ولفرض أقصى العقوبات على إيران، مدّعية - في سياق حشدها المجتمع الدولي خلف أجندتها - أنه يشكل خطرًا على وجودها، وعلى أمنها، وعلى أمن المنطقة والأمن الدولي، وهددت مرارًا باستعمال القوة العسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، وأبقت الملف النووي الإيراني ساخنًا على قمة الأجندة الإسرائيلية والإقليمية والدولية، وحثت الدول الكبرى والمجتمع الدولي على فرض العقوبات الشاملة والمؤلمة ضد إيران من أجل وقف المشروع النووي الإيراني. ووضحت أنه في حال فشلِ العقوبات في ثني إيران عن مشروعها، فإنه لا بد من استعمال القوة العسكرية الأميركية أو الإسرائيلية أو كليهما.
في توجيه الضربة النووية الثانية واضحة جدًّا. ثم إنّ وصول إيران إلى دولة نووية يغيّ الوضع الاستراتيجي في المنطقة تغييرًا جذريًا، فهو يضع حدًّا لاحتكار إسرائيل السلاح النووي، ويحد من مكانتها ودورها ونفوذها من ناحية، ويعزز نفوذ إيران وحلفائها ومكانتهم ودورهم من ناحية أخرى. وتهدف إيران من سعيها للوصول إلى دولة نووية
إلى تحقيق أمرين أساسيين؛ هما: حماية النظام من أي تدخل خارجي لإسقاطه، وترقية مكانتها ودورها وزيادة نفوذها في المنطقة 6. ومن المهم الإشارة إلى أن وضع إسرائيل المشروع النووي الإيراني و"الخطر الإيراني" في قمة أجندتها، ينسجم تمامًا ويتداخل مع استراتيجية إسرائيل تجاه الدول العربية والقضية الفلسطينية، فهي تدعي أن احتلالها فلسطين وأراضي عربية أخرى ليس هو المشكلة، وإنما إيران هي التي تشكل الخطر الأساسي على الدول العربية. ومن أجل مواجهة هذا الخطر يجب أن تطبع الدول العربية، وخاصة الخليجية، علاقاتها مع إسرائيل، كما ينبغي ترقية علاقاتها معها إلى درجة التحالف، في وقت يستمر فيه بطش إسرائيل بالشعب الفلسطيني وتهويد أراضيه تمهيدًا لضمها إليها. وقد برز رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق نتنياهو في تناوله الدائم والعلني للمشروع النووي الإيراني، وفي دعوته المستمرة لوضع حد له؛ ففي سنة 1993 نشر مق لً حذر فيه من خطر هذا المشروع على وجود إسرائيل، وعبّ عن قناعته بأن "التهديد الأكثر خطورة على وجود إسرائيل ليس موجودًا اليوم في الدول العربية وإنما في إيران" التي "ستكون لديها قنبلة نووية في سنة 1999"، وأن على إسرائيل العمل بسرعة على وضع حد لهذا الخطر الذي يهدد وجودها 7. وعندما أصبح نتنياهو رئيسًا للحكومة استمر في وضع المشروع النووي الإيراني في قمة الأجندة الإسرائيلية، ودعا إلى إزالة البنية التحتية لهذا المشروع بفرض أقصى العقوبات الاقتصادية الخانقة التي تقود إلى إنهاء النظام الإيراني مشروعه النووي أو إسقاطه. أما إذا فشلت العقوبات الاقتصادية في تحقيق ذلك، فينبغي استعمال القوة العسكرية لتدمير المشروع النووي 8. ومن هذا المنطلق عارض نتنياهو بشدة اتفاق جنيف التمهيدي الذي جرى التوصل إليه بين إيران ومجموعة الدول العظمى 1+5() في نوفمبر 2013 واتفاق الإطار النووي الذي أُبرم في نيسان/ أبريل 2015 9، والاتفاق النووي الإيراني النهائي الذي أُبرم في تموز/ يوليو 2015 10. واصطدم نتنياهو مع إدارة أوباما علانية في هذا الشأن 11، وأقام علاقات متينة مع الرئيس ترامب، وأثر تأثيرًا كبيرًا في قراره الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في سنة 2018، وفي فرض المزيد من العقوبات الأميركية والدولية على إيران، وفي طرح صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية، وفي التوصل إلى "اتفاقيات أبراهام" بين إسرائيل والعديد من الدول العربية تمهيدًا لإقامة حلف إقليمي يشمل أطراف اتفاقيات أبراهام ودول عربية أخرى في المستقبل 12. وبنى نتنياهو موقفه من المشروع النووي الإيراني بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي على فرضيات مخطئة؛ فقد افترض، بعد تبني إدارة ترامب سياسة أقصى حد من العقوبات وفرضها على إيران، أن هذه العقوبات ستقود إلى انهيار النظام الإيراني وإسقاطه، أو إرغامه على تغيير موقفه وعلى تخليه عن المشروع النووي. أما إذا صمد النظام الإيراني واستمر في تمسكه بموقفه، فإن الولايات المتحدة بقيادة الرئيس ترامب ستدمر المنشآت النووية الإيرانية. بيد أن فرضيات نتنياهو لم تتحقق، وتمكنت إيران من الصمود أمام العقوبات القاسية بالرغم من معاناة الشعب الإيراني الشديدة، وبعد مرور نحو عام على انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي الإيراني، بدأت إيران في سنة 2019 في عدم التقيد بهذا الاتفاق؛ إذ اعتبرته يشكل رزمة واحدة وأن انسحاب الولايات المتحدة منه وفرضها عقوبات جديدة، يشكل خرقًا واضحًا له، وهو ما يسمح لإيران بعدم التقيد به. وخلافًا لما كان يفترضه نتنياهو ويسعى إليه، لم تهاجم إدارة ترامب المنشآت النووية الإيرانية حتى بعد أن أعلنت إيران عن عدم تقيدها بالاتفاق النووي. وفي سياق رد إيران على العقوبات والإجراءات الأميركية ضد المشروع النووي الإيراني وعلى العمليات الإسرائيلية ضد المنشآت النووية الإيرانية، ومن أجل تعزيز موقفها للضغط على الولايات المتحدة والدول العظمى الأخرى لإزالة العقوبات التي فُرضت ضدها، اتخذت إيران سلسلة من الخطوات، أحرز المشروع النووي الإيراني من جرائها تقدمًا ملموسًا؛ فقد نقلت بعض المنشآت والنشاطات النووية إلى باطن الأرض، وسن المجلس الإيراني قانونًا أرغم فيه الدولة الإيرانية بتخصيب اليورانيوم في درجات أعلى، واتخاذ الخطوات للتقدم في المشروع النووي، فرفعت
نسبة تخصيب اليورانيوم من 3.67 في المئة إلى 4.5 في المئة في تموز/ يوليو 2019، ثم إلى 20 في المئة في كانون الأول/ ديسمبر 2020. وأصبح بحوزتها 43.1 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 06 في المئة في منتصف أيار/ مايو 2022. وفي إمكانها خلال عدة أسابيع رفع النسبة من 06 في المئة إلى 90 في المئة، وبهذا تحصل على الكمية الكافية منه لإنتاج القنبلة النووية. ووفقًا للوكالة الدولية للطاقة النووية، زادت إيران من إجمالي احتياطها من اليورانيوم المخصب حتى منتصف أيار/ مايو 2022 بأكثر من 18 مرة، حتى وصل إلى 3809 كيلوغرامات، بدلً من 202 كيلوغرام وفق الاتفاق النووي 13.
ثالث ا: مفاوضات العودة إلى الاتفاق النووي والارتباك الاستراتيجي الإسرائيلي
خلافًا لما كان يراهن عليه نتنياهو، خسر الرئيس ترامب انتخابات الرئاسة الأميركية وفاز الرئيس بايدن الذي وقف ضد انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي الإيراني، ودعا إلى إجراء مفاوضات من أجل العودة إلى الاتفاق النووي. وعندما بدأت مفاوضات العودة إلى الاتفاق النووي في نيسان/ أبريل 2021 وقف نتنياهو والطبقة السياسية الإسرائيلية بمجملها، حكومة ومعارضة، ضدها وضد العودة إلى الاتفاق النووي، تمامًا كما كانت قد عارضت إسرائيل في عام 2015 الاتفاق النووي. وعندما وصل نفتالي بنيت إلى رئاسة الحكومة، ظلت الحكومة الإسرائيلية تعارض العودة إلى الاتفاق النووي وتدعو إلى فرض المزيد من العقوبات على إيران، وتهدد باستعمال القوة العسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية إذا فشلت العقوبات في إيقاف المشروع النووي الإيراني. بيد أن حكومة نفتالي بنيت اختلفت عن حكومة نتنياهو؛ فقد سعت إلى التفاهم مع إدارة الرئيس بايدن وإلى عدم الدخول في مواجهة مع الإدارة الأميركية، مثلما فعل نتنياهو مع إدارة الرئيس أوباما. وبعد سقوط حكومة بنيت في نهاية حزيران/ يونيو 2022، وتولي يئير لبيد رئاسة حكومة تصريف الأعمال، وفق اتفاق تناوب مسبق بين بنيت ولبيد، استمرت حكومة يئير لبيد في معارضة العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، ولكن من دون الدخول في مواجهة علنية مع الإدارة الأميركية. ووجدت إسرائيل نفسها في حالة من الارتباك الاستراتيجي 14، وقد نجمت هذه الحالة عن مجموعة من العوامل؛ أبرزها: انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، ومجيء إدارة أميركية تسعى إلى العودة إليه، واستمرار تقدم المشروع النووي الإيراني، لا سيما في تخصيب كميات كبيرة من اليورانيوم، وتمكن إيران من التعايش مع العقوبات الاقتصادية، وضعف الخيار العسكري الإسرائيلي في الوقت الراهن، لعدم قيام إسرائيل بالاستعدادات العسكرية المطلوبة في السنوات الأخيرة من حكم نتنياهو التي تمكنها من توجيه ضربة ناجحة للمنشآت النووية الإيرانية، وذلك لقناعة نتنياهو حينئذٍ بأن الولايات المتحدة بقيادة ترامب ستضع لذلك المشروع حدًّا إما بفرض المزيد من العقوبات المؤلمة ضد إيران وإما بوساطة الضربة العسكرية الأميركية. وقد طرح التقدير الاستراتيجي لإسرائيل أربعة سيناريوهات 15؛ هي: أولً، العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني خلال فترة وجيزة، وهو احتمال ضئيل. ثانيًا، استمرار المفاوضات شهورًا طويلة من دون الاعتراف بالفشل، وهو احتمال متوسط. ثالثًا، التوصل إلى اتفاق مرحلي وهو احتمال متوسط. رابعًا، عدم التوصل إلى اتفاق ووقف المفاوضات والشروع بفرض المزيد من العقوبات على إيران. وأشار التقدير الاستراتيجي إلى أن السيناريو الرابع هو السيناريو الأسوأ؛ لأنه حتى إن فرضت الولايات المتحدة والدول العظمى مزيدًا من العقوبات الاقتصادية على إيران، فمن المرجح ألا تؤثر هذه العقوبات في إيران كثيرًا؛ لأنها كيّفت نفسها للعيش مع استمرار العقوبات. ومما يزيد من الارتباك الاستراتيجي - وفق ما جاء في التقدير الاستراتيجي - عدم وضوح الخطوط الحمراء الأميركية في ما يخص تطور المشروع النووي الإيراني، والفجوة بين الخطوط الحمراء الإسرائيلية والأميركية في هذا الشأن، وهو ما قد يثير الخلاف والتوتر بين الدولتين. فمن غير المتوقع أن تقوم الولايات المتحدة بعملية عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية إلا إذا حدث اختراق إيراني واضح للعيان نحو حيازة إيران السلاح النووي؛ لذلك فإن إسرائيل قد تبقى وحدها في مواجهة المشروع النووي عسكريًّا في السنوات القليلة القادمة، وهو ما قد يكون أكبر من إمكاناتها الحالية، بسبب عدم استعدادها لهذا الأمر في السنوات الماضية. وخلص التقدير الاستراتيجي إلى أنه من الأفضل لإسرائيل في هذه الظروف العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، بشرط أن تُلغى جميع الخروقات الإيرانية للاتفاق النووي منذ انسحاب الولايات المتحدة
منه، وإعادة المشروع النووي الإيراني بمركباته المختلفة إلى ما كان عليه قبل انسحاب الولايات المتحدة. وأضاف أن العودة إلى الاتفاق تمنح إسرائيل فترة زمنية للتحضير للبدائل، ومن الأفضل أن تتوصل إلى تفاهمات كاملة مع الولايات المتحدة بشأن إيران ومشروعها النووي، لا سيما بشأن مصالح إسرائيل الحيوية؛ مثل استمرار قيامها بالعمليات العسكرية في المنطقة، واستمرارها في القيام بعمليات مختلفة لوقف تقدم المشروع النووي الإيراني 17.
رابعًا: "المعركة بين الحروب" ضد إيران
في ضوء تقدم المشروع النووي الإيراني وعدم إمكانية القيام بحل عسكري ضده في هذه المرحلة، بدأت إسرائيل منذ منتصف سنة 2020 في تصعيد اعتداءاتها على أهداف إيرانية في داخل إيران وفي الأراضي السورية على نحو غير مسبوق. وتأتي هذه الاعتداءات في سياق ما بات يُعرف إسرائيليًا ب "المعركة بين الحروب" 18، وهي عمليات عسكرية وأمنية تشنها إسرائيل، من دون أن تتبناها رسميًا وعلنيًا، إلا ما ندر، وذلك لتحقيق أهدافها من دون الوصول إلى حرب شاملة. وللمعركة بين الحروب أهداف متعددة؛ منها: تمتين قوة الردع الإسرائيلي في المنطقة وتعزيز مكانتي إسرائيل والجيش الإسرائيلي 19، وتوجيه ضربات ضد أعداء إسرائيل في المنطقة، لا سيما ضد إيران وحلفائها، لعرقلة مشروعها النووي ولمنع تعاظم قواتها العسكرية، ومنع إدخال أسلحة متطورة دقيقة إلى حلفاء إيران في لبنان وسورية والعراق 20. وتولي القيادتان السياسية والعسكرية "المعركة بين الحروب" أهميةً كبيرة جدًّا، وتشارك فيها مجموعة واسعة من المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية المختلفة؛ مثل الجيش وجهاز استخباراته العسكرية (أمان) والموساد والمخابرات العامة (الشاباك) وهيئة الأمن القومي وسلاحي الجو والبحرية ووحدات برية خاصة ووزارات إسرائيلية عديدة 21. وفي سياق هذه المعارك عززت إسرائيل في السنوات الأخيرة تعاونها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة على نحو غير مسبوق، واتفقت مع روسيا على التعاون والتنسيق مع الجيش الروسي في سورية بشأن عملياتها العسكرية ضد أهداف إيرانية وحلفائها 22. واعتدت إسرائيل في بدايات "المعركة بين الحروب" سنة 2013 على أهداف إيرانية وأهداف تخص حلفاء إيران في سورية، لا سيما الأهداف المرتبطة بنقل صواريخ متطورة "كاسرة للتوازن" من سورية إلى حزب الله في لبنان 23. وفي سنة 2017 دخلت هذه الاعتداءات مرحلة جديدة عندما بدأت تستهدف التمركز العسكري الإيراني في سورية. وفي سنة 2018 وسّعت إسرائيل من نطاق اعتداءاتها العسكرية لتشمل أهدافًا إيرانية وأهداف حلفاء إيران في العراق 24. في حزيران/ يونيو 2020 أسس رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي "شعبة الاستراتيجية والدائرة الثالثة" في هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، وعيّ اللواء طال كالمان 25 قائدًا لهذه الشعبة، وذلك لتعزيز استراتيجية الجيش الإسرائيلي ضد إيران. ومهمة هذه الشعبة هي وضع استراتيجية شاملة لمواجهة إيران وبلورة الخطط العسكرية ضدها وضد حلفائها في سياق "المعركة بين الحروب." وفي مقابلة 26 لكالمان في آذار/ مارس 2021، وضّ ح أن المواجهة مع إيران هي مواجهة شاملة في شتى الميادين، وأنها لا تقتصر على العمليات العسكرية ضد مشروعها النووي، فهي تشمل مواجهة "النظام الإيراني المتطرف"، وكذلك تعاظم قوة إيران العسكرية وقوة حلفائها، وسعي إيران للتمركز في المنطقة لا سيما في سورية. وبيّ أن إسرائيل طورت رؤيتها في مواجهة إيران، وبلورت استراتيجية جديدة تجاهها، وكثفت عملياتها العسكرية ضد أهداف إيرانية في داخل إيران نفسها، وأشاد كالمان بتطور العلاقات المتينة بين إسرائيل والولايات المتحدة في
مواجهة إيران في العامين الماضيين بدرجة غير مسبوقة، وخاصة في تبادل المعلومات، وفي تعميق التعاون بين مخابرات الدولتين، وفي العمليات ضد الأهداف الإيرانية 27. وقد لوحظ ازدياد العمليات العسكرية الإسرائيلية في داخل إيران ضد المشروع النووي الإيراني، وأيضًا ضد أهداف ليست ذات صلة بالمشروع النووي، منذ منتصف 2020، تمامًا كما ذكر كالمان. وكان من بين هذه العمليات العسكرية ثلاثة اعتداءات كبيرة على منشأة نطنز، وقع الأول في تموز/ يوليو 2020؛ إذ أتى حريق كبير على جزء من منشأة لإنتاج أجهزة التخصيب، وجرى الثاني في نيسان/ أبريل 2021؛ إذ دمر انفجار كبير نظام الكهرباء الداخلي الذي يغذي أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم في باطن الأرض، وحدث الاعتداء الثالث على منشأة نطنز في كانون الأول/ ديسمبر 2021. وكثفت إسرائيل عمليات الاغتيال في إيران انسجامًا مع استراتيجيتها الجديدة، فقد اغتالت عددًا من العلماء الإيرانيين؛ أبرزهم محسن فخري زاده، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، الذي يُعد أبا المشروع النووي الإيراني 28. واستمرت في تبني سياسة التصعيد ضد أهداف في داخل إيران وخارجها، واعتدت على المشروع النووي الإيراني، كما استهدفت البنية التحتية الإيرانية كمصنع إنتاج الطائرات المسيرة في شباط/ فبراير 2022؛ ما أدى إلى تدمير المصنع والطائرات المسيرة التي كانت فيه، واستهدفت أيضًا كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء إيرانيين مختصين في صناعة الصواريخ والطائرات المسيرة.
خامسًا: استراتيجية كبرى ضد إيران
لعل الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على أهداف إيرانية في السنتين الماضيتين، وتصعيدها بدرجة عالية في أعقاب تعثر مفاوضات العودة إلى الاتفاق النووي، بتفاهم مبطن مع الإدارة الأميركية، أحرجَا النظام الإيراني، بيد أن هذه الاعتداءات لم تؤد إلى إسقاطه، ولا إلى تغيير موقفه بشأن مشروعه النووي، ولا إلى منع وصول أسلحة متطورة إلى حزب الله في لبنان، لا سيما الصواريخ الشديدة الدقة في الوصول إلى أهدافها، ولا في منع تصنيع هذه الصواريخ في لبنان. وبدا واضحًا أن النظام الإيراني مصمم على المضي قدمًا، بالرغم من الحصار والأوضاع الاقتصادية الصعبة والاعتداءات العسكرية التي عرقل بعضها تقدم مشروعه النووي، وأنه اتخذ خطوات فعلية في تطوير مشروعه، ردًّا على الاعتداءات الإسرائيلية على المنشآت النووية، وبات يقترب من دولة عتبة نووية. وقد زاد هذا الوضع من حالة الارتباك الاستراتيجي التي تواجهها إسرائيل؛ فبالرغم من تعدي إيران الخط الأحمر الذي حددته إسرائيل، وهو إنتاجها الكمية الكافية من اليورانيوم لصنع القنبلة النووية، فإن الأخيرة لا تمتلك في الوقت الراهن القدرة العسكرية الكافية للقيام بضربة عسكرية مؤثرة ضد المنشآت النووية الإيرانية، فضلً عن صعوبة حصولها على ضوء أخضر أميركي، أو على تأييد الدول الغربية، أو على شرعية دولية للقيام بذلك. أضف إلى كل ما تقدم، قناعة متخذي القرار الإسرائيلي بأن مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية سيقود إلى حرب بين إيران وإسرائيل يشارك فيها حزب الله وربما أيضًا حلفاء آخرون لإيران، وإسرائيل غير مستعدة في الوقت الراهن إلى حرب يشارك فيها حزب الله، سواء في ما يخص جبهتها الداخلية أو ما يتعلق في إعدادها لقواتها البرية لخوض هذه الحرب التي قد تسعى لاحتلال أجزاء واسعة من لبنان. وقد تناول ما سبق محللون استراتيجيون وقادة إسرائيليون سابقون شغلوا مناصب سياسية وعسكرية عليا، وتقديرات الموقف التي تصدر عن المؤسسات البحثية والأكاديمية المختصة في قضايا الأمن
القومي 29. ولعل ما كتبه عاموس غلعاد هو الأشد تعبيرًا عن توجه المؤسسة العسكرية والأمنية والمؤسسات البحثية المختصة في قضايا الأمن القومي، بشأن ماهية استراتيجية إسرائيل والسياسة التي يجب أن تتبعها لمواجهة إيران في هذه الظروف المستجدة. ادعى غلعاد أن إيران تشكل الخطر المركزي على وجود إسرائيل؛ لذلك ينبغي إعطاء هذا الخطر الأولوية القصوى، وتوجيه جميع الطاقات العسكرية والأمنية والسياسية والدبلوماسية وتركيز الجهود في إلحاق الضرر بقدرات إيران وليس في محاولة التأثير في توجهاتها 30. ونبّه إلى أهمية "المعركة بين الحروب" التي تشنها إسرائيل، وما أحدثته من تآكل في قدرات إيران العسكرية، وإبطاء وتيرة تسلح حزب الله، وضرب التمركز الإيراني في سورية، بيد أنه أكد في الوقت نفسه أن "المعركة بين الحروب" يجب ألّ تحرف إسرائيل عن التركيز على الهدف المركزي، وهو التصدي للمشروع النووي الإيراني؛ لأن إيران لا تستطيع تهديد وجود إسرائيل من دون السلاح النووي 31. شدد غلعاد على ضرورة أن يظل الخيار العسكري الإسرائيلي المركب الأساس في استراتيجية إسرائيل تجاه مشروع إيران النووي، وأن يكون بقدرة إسرائيل العمل عسكريًا وحدها، ضده وضد أي دولة أخرى في الشرق الأوسط تسعى لإنتاج السلاح النووي، لتطبيق "عقيدة بيغن"، ورأى أن على استراتيجية إسرائيل تجاه إيران أن تستند إلى ما يأتي 32: أولً، بناء القوة العسكرية الإسرائيلية والحصول على الأسلحة الحديثة لمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية؛ ما يؤدي إلى زيادة قوة الردع الإسرائيلي والتأثير في اتخاذ خطوات دولية ضد إيران، ويعزز دور إسرائيل في المنطقة ويمتّ علاقاتها مع الولايات المتحدة ومع دول أخرى. ثانيًا، بذل كل الجهد للحفاظ على تفوق الجيش الإسرائيلي النوعي، ليبقى الجيش الأقوى في المنطقة. ثالثًا، الاستعداد للحرب ضد حزب الله؛ لكي تتمكن إسرائيل من اتخاذ قرار مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية من دون خشية رد فعل حزب الله ودخوله الحرب إلى جانب إيران. إن الاستعدادات الإسرائيلية، سواء كانت عسكرية أو في الجبهة الداخلية، لا تتجاوب على نحو كاف مع تهديد حزب الله في الوقت الراهن، وينبغي أن يعد الجيش الإسرائيلي نفسه على نحو مختلف عن الحروب السابقة، وأن يدرب قواته البرية كي تكون قوة ساحقة وحاسمة في الحرب القادمة؛ لأن سلاح الجو وحده لا يستطيع وقف إطلاق صواريخ حزب الله ولا حسم الحرب. وينبغي إقامة علاقات سرية مع مختلف عوامل القوة في لبنان من أجل إقامة حكم جديد في لبنان كي يتمكن الجيش الإسرائيلي من الانسحاب بسرعة بعد تحقيقه الانتصار العسكري على حزب الله. رابعًا، تعزيز العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة لتبقى القوة الأساسية والعمود الفقري للأمن القومي الإسرائيلي، ومن المهم التوصل إلى تفاهمات مع الإدارة الأميركية التي تمكن إسرائيل من الاستمرار في العمل عسكريًا ضد إيران وضد حلفائها على نحو مستقل وفق المصالح القومية الإسرائيلية. خامسًا، ينبغي أن يزيد الجيش الإسرائيلي من تدخله في "الدوائر البعيدة" مثل العراق واليمن، بالتنسيق مع الولايات المتحدة ودول الخليج العربية لمواجهة إيران، وينبغي تجنب المواجهات العسكرية في "الدائرة الأولى"، والتوصل إلى تهدئة فيها. سادسًا، تمتين العلاقات مع الدول العربية المعتدلة، وفي مقدمتها مصر والأردن والدول الخليجية. سابعًا، الاستمرار في القيام بعمليات سرية ضد المشروع النووي الإيراني، سواء على نحو مستقل أو بالتعاون مع الولايات المتحدة، وكذلك القيام بنشاط دبلوماسي ومخابراتي على نحو مستمر وواسع في معظم دول العالم من أجل توسيع الشرعية أمام إسرائيل للقيام بعملية عسكرية ضد إيران عند الضرورة لمنعها من إنتاج السلاح النووي. ثامنًا، استمرار التنسيق مع روسيا وتعميقه في ما يخص عمليات إسرائيل العسكرية في سورية، لا سيما أن لروسيا مصلحة في عدم اتساع الوجود الإيراني في سورية 33.
سادسًا: حلف عسكري إسرائيلي - عربي - أميركي ضد إيران
دأبت إسرائيل، إلى جانب تحالفها مع الدول الاستعمارية، على إقامة ثلاثة أحلاف في منطقة الشرق الأوسط من أجل تحقيق أهدافها؛ هي: "حلف المعتدلين"، و"حلف الأقليات"، و"حلف المحيط." فقد سعت الحركة الصهيونية، منذ ما قبل تأسيس إسرائيل، إلى إقامة "حلف المعتدلين" بينها وبين نخب ونظم عربية على أرضية "المصالح المشتركة" و"العدو المشترك" الذي تغيرّ تبعًا لتغير الظروف. وسعت كذلك إلى إقامة "حلف الأقليات" بينها وبين أقليات دينية وطائفية وعرقية في داخل الوطن العربي. وفي عقد الخمسينيات بلورت، أثناء فترة الحرب الباردة، في سياق سعيها إلى الانخراط في الاستراتيجية الأميركية الشرق أوسطية، "حلف المحيط" بينها وبين دول تحيط بالوطن العربي، بهدف مواجهة مصر وإفشال مشروعها النهضوي الوحدوي بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر. وقد كان هذا الحلف غير رسمي وغير علني، وضم إلى جانب مشاركة إسرائيل المحورية فيه مجموعة من الدول المهمة التي تحيط بالوطن العربي؛ هي إيران، وتركيا، وإثيوبيا، والسودان 34. ومن المفارقات أن إسرائيل تسعى في السنوات الأخيرة إلى إقامة حلف بينها وبين العديد من الدول العربية "المعتدلة" ضد إيران، وهي إحدى الدول الأساسية التي شكلت إسرائيل معها "حلف المحيط" في خمسينيات القرن الماضي وستينياته ضد الدول العربية. ففي أعقاب توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، وانهيار الاتحاد السوفياتي، واحتلال العراق، وتوقيع اتفاقية أوسلو في عام 1993، ومعاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية (وادي عربة) في عام 1994، وتبني الدول العربية استراتيجية السلام في مؤتمر القمة العربية في عام 2002، اعتبرت إسرائيل أن الدول العربية لم تعد تشكل خطرًا على وجودها وأمنها القومي في الزمن المنظور. فبدأت منذ نحو ثلاثة عقود في إحلال الخطر الإيراني على وجودها محلَّ الخطر العربي، وادعت أن هذا الخطر لا يهدد أمنها القومي فحسب، وإنما أمن الكثير من الدول العربية، وخاصة دول الخليج العربية. وانسجامًا مع ذلك، دعت إلى تطبيع العلاقات مع الدول العربية، مدعية أن إيران تشكل خطرًا على الدول العربية، وليست إسرائيل التي تحتل الأراضي الفلسطينية والعربية وترفض الانسحاب منها مقابل سلام شامل مع الدول العربية، والتي تحتكر السلاح النووي في المنطقة. بعد أن طرح الرئيس ترامب مشروعه صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية، وبعد توقيع اتفاقيات أبراهام بين إسرائيل والعديد من الدول العربية، لم تعد إسرائيل تكتفي بالمطالبة بتطبيع علاقاتها مع الدول العربية، وإنما بدأت في السنة الأخيرة تطرح، على نحو علني، ضرورة إقامة حلف عسكري بينها وبين العديد من الدول العربية برعاية أميركية ضد إيران. وقد استغلت إسرائيل مجموعة من المتغيرات والمعطيات من أجل ترقية علاقاتها مع بعض الدول العربية الخليجية إلى درجة التحالف العلني؛ وأبرزها: أولً، تزايد الحديث عن تراجع الاهتمام الأميركي بمنطقة الشرق الأوسط وعن انسحابها التدريجي منها، وما يرافق ذلك من تقليل التزامها بأمن دول منطقة الخليج. ورغم أن فرضية الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط ضعيفة، فإن إسرائيل تستغل مخاوف دول الخليج العربية من إمكانية حدوث ذلك، لتعزيز علاقاتها الأمنية والعسكرية مع العديد من دول الخليج العربية، وخاصة الإمارات والبحرين 35. ثانيًا، تجدد المفاوضات بين إيران ومجموعة الدول 1+5() للعودة إلى الاتفاق النووي، وهو ما يقود إلى رفع العقوبات عن إيران، الأمر الذي يساهم مساهمة كبيرة في زيادة قوتها ونفوذها ودورها في المنطقة، خاصة مع اقترابها من التحول إلى دولة عتبة نووية. ثالثًا، استغلت إسرائيل خشية بعض الدول العربية الخليجية من الهجمات التي شنها حلفاء إيران، وخاصة الحوثيين، على منشآت ومواقع استراتيجية في السعودية والإمارات، لدفع هذه الدول إلى الاقتراب من الموقف الإسرائيلي تجاه إيران، ومن ثم التحالف معها. رابعًا، عمقت إسرائيل علاقاتها مع الإمارات والبحرين في مختلف المجالات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية والتجارية، وأمن المعلومات والسايبر، وزار قادة إسرائيل هاتين الدولتين على نحو مكثف، وباعتهما أسلحة ومنظومات عسكرية 36، وأقامت فيهما قواعد لمنظومات عسكرية إسرائيلية للكشف عن المسيرات
والصواريخ الإيرانية في حال إطلاقها في اتجاه إسرائيل من إيران. ولم تكتفِ إسرائيل بالتحالف الفعلي بينها وبين هاتين الدولتين، بل سعت أيضًا إلى تحويله إلى حلف عسكري إقليمي ضد إيران ليشمل إلى جانبها وإلى جانب الولايات المتحدة ما تطلق عليه إسرائيل "الدول العربية المعتدلة" 37. ولم يعد حديث إسرائيل عن ضرورة إقامة هذا الحلف العسكري بالتلميح أو بتصريحات مقتضبة، وإنما باتت تدعو إلى إقامته علنيًا، فقد كان من أهم أهداف مؤتمر النقب إقامة ائتلاف أو حلف عسكري ضد إيران 38. تضع المؤسسة العسكرية والأمنية في إسرائيل التصورات والرؤى والخطط للقضايا التي تتعلق بالأمن القومي الإسرائيلي، وتدفع في اتجاه إقامة حلف يشمل إسرائيل والدول العربية المعتدلة والولايات المتحدة ضد إيران. ثمة إقرار في إسرائيل بأن مثل هذا الحلف ما كان يمكن تصوره في السابق، خاصة مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية ورفض إسرائيل الانسحاب منها ورفضها مبادرة السلام العربية. ويبدو أن عمق العلاقات العسكرية الأمنية السرية بين إسرائيل والإمارات والبحرين وبعض الدول العربية "المعتدلة" شجع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والأمنية على اعتقاد مفاده أنه يمكن إقامة هذا الحلف. وفي دراسة 39 مطولة أشار نائب رئيس الأركان السابق الجنرال إيال زمير 40 إلى أن منطقة الشرق الأوسط تشهد تغييرات واضطرابات من شأنها خلق فرص، وأن "اتفاقيات أبراهام" تجعل من الممكن أن تعمل الدول المعادية لإيران معًا، وأن تتوصل إلى اتفاقيات ما كان بالإمكان تخيلها قبل فترة قليلة. ودعا إلى إقامة حلف أو ائتلاف إقليمي بين الولايات المتحدة وإسرائيل ودول عربية "معتدلة" ضد إيران من أجل التصدي لمشروعها النووي ومحاولاتها بسط نفوذها في الشرق الأوسط. ودعا إلى تشكيل قيادة مركزية لهذا الحلف تضع استراتيجيته وتنسق نشاطاته. فبدلً من أن تواجه إيران كل دولة منفردة، فإن دول الحلف تبني استراتيجية موحدة للتصدي لإيران في مواجهة طويلة المدى ومتعددة الأبعاد والمجالات، لتفعيل ضغط شامل ومستمر لإضعافها وإضعاف الحرس الثوري وإنهاكه. وفي هذا السياق يجري القيام بعمليات هجومية ضد إيران في داخلها وفي مختلف خطوط المواجهة، ويجري كذلك الرد على عملياتها بعمليات هجومية انتقامية مباشرة على طول خطوط المواجهة معها. وفي الوقت نفسه يجري تسليح المعارضة الإيرانية وتشجيعها على القيام بعمليات عسكرية غير معلنة في داخل إيران، من دون أن يتبناها أحد. أشار زمير إلى أن انتقال عضوية إسرائيل في بداية 2021، على إثر اتفاقيات أبراهام، من قيادة الجيش الأميركي في أوروبا إلى القيادة العسكرية المركزية للجيش الأميركي التي تتبع منطقة الشرق الأوسط، يسهل إقامة هذا الحلف. وشدد على أن دور الولايات المتحدة مهم جدًّا في هذا الحلف، وذلك لردع إيران وإفشالها ومنعها من تحقيق أهدافها، وهو أمرٌ مهم أيضًا للولايات المتحدة نفسها؛ لأن نجاحها في التصدي لإيران في الشرق الأوسط له تأثير كبير في قدرة الولايات المتحدة على ردع أعدائها وخصومها في مناطق أخرى من العالم 41. ومع الإعلان عن اقتراب زيارة الرئيس بايدن للشرق الأوسط تكثفت الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن تعزيز العلاقات العسكرية مع دول خليجية وعربية، وبلورة نظام دفاعي إقليمي لمواجهة إيران وخاصة ضد الصواريخ "بعيدة المدى" والصواريخ الموجهة والمسيرات 42. وفي 20 حزيران/ يونيو 2022 بيّ وزير الأمن الإسرائيلي، في لقائه لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، أن منظومة الدفاع الجوي الإقليمية ضد إيران، قد بدأت في العمل بالفعل، وأنها تواجه "محاولات إيران إلحاق الضرر بدول في المنطقة بوساطة الصواريخ والصواريخ الموجهة والمسيرات"، وأنها "أحبطت محاولات إيرانية مهاجمة إسرائيل ودول أخرى في الشرق الأوسط" 43.
سابعًا: الضربة العسكرية الإسرائيلية ضد المنشآت النووية الإيرانية
عند انتهاء فترة حكم ترامب، توقفت إمكانية قيام الولايات المتحدة برئاسة بايدن بتوجيه ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية في الزمن المنظور. وعلى إثر ذلك، بدأت القيادات السياسة والعسكرية الإسرائيلية في الحديث عن الخيار العسكري الإسرائيلي. وفي هذا السياق صرح أفيف كوخافي رئيس الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، في كانون الثاني/ يناير 2021، بأن "إيران مشكلة إقليمية وعالمية، وأنها تسعى، من دون أدنى شك، إلى أن تصبح دولة نووية عسكريًا" 44. وأشار إلى أنه أصدر التوجيهات للجيش الإسرائيلي لتحضير عدة خطط عملياتية لمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، وأن الجيش الإسرائيلي يعمل على تطويرها في السنة القادمة. وأضاف قوله: "بطبيعة الحال، القيادة السياسية هي التي تتخذ [قرار] استعمال هذه الخطط، ولكن يجب أن تكون هذه الخطط على الطاولة، وأن يتدرب عليها الجيش لتكون جاهزة للاستعمال" 45. وبعد إقامة حكومة نفتالي بنيت، وفي ضوء عدم توفر المستلزمات العسكرية الكافية لدى الجيش الإسرائيلي للقيام بضربة عسكرية ناجحة ضد المنشآت النووية الإيرانية، حصل الجيش الإسرائيلي على تمويل إضافي جديد للسنوات الثلاث التالية للاستعداد لتوجيه ضربة عسكرية ضد المشروع النووي الإيراني 46. وبعد تولي يئير لبيد رئاسة الحكومة الإسرائيلية، صرح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بأنهم مستمرون في استعدادهم للهجوم على المشروع النووي الإيراني، وأن ذلك يشمل وضع العديد من الخطط العسكرية العملياتية وتخصيص الموارد الجمة والتزود بوسائل قتالية ملائمة والعمل المخابراتي والتدريبات 47. يفضل القادة الإسرائيليون أن تضرب الولايات المتحدة، أو بالمشاركة مع إسرائيل، المنشآت النووية الإيرانية؛ لأن الولايات المتحدة يمكنها أن تستمر في قصفها فترة طويلة إلى أن تدمرها تدميرًا كاملً. وربما يقود التدخل العسكري الأميركي إلى إسقاط النظام الإيراني، وهو ما تتمناه إسرائيل وتسعى إليه. ويؤكد العسكريون والخبراء الإسرائيليون أن في إمكان إسرائيل مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية وإلحاق ضرر بها، إذا ما أعدت إسرائيل نفسها عسكريًا على نحو ملائم، ويقرون بأن مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية عملية عسكرية معقدة ومركبة وتقف أمامها مشكلات كثيرة وتحديات عديدة مهمة أبرزها 48: أولً، بُعد المواقع النووية الإيرانية عن إسرائيل ما بين 1200 و 1500 كيلومتر. ثانيًا، ضرورة التزود بالوقود في الجو مرة واحدة إذا مرت الطائرات من الأجواء الأردنية العراقية، ومرتين إذا مرت من البحر الأحمر فالمحيط الهندي. ولا يوجد لإسرائيل في الوقت الراهن طائرات حديثة للتزود بالوقود في الجو، ويستند الجيش الإسرائيلي إلى طائرات قديمة عمرها نحو 50 سنة. وقد عقدت إسرائيل مؤخرًا صفقة لشراء طائرات حديثة من هذا النوع من الولايات المتحدة، ولكن إنتاجها وتسليمها إلى إسرائيل يستغرق عدة سنوات. ومما يزيد العملية العسكرية خطورةً سهولةُ إسقاط طائرات التزود بالوقود. ثالثًا، توزيع المواقع النووية في أماكن مختلفة في إيران تزيد على 14 موقعًا؛ ما يتطلب التنسيق الدقيق لضرب الأهداف في الوقت نفسه لضمان المفاجأة. رابعًا، معظم المنشآت النووية محصنة عميقًا في باطن الأرض، وباتت محمية بمنظومات دفاع متعددة ومتطورة؛ مثل منظومات "س 300" الروسية، ومنظومات دفاع جوية إيرانية متطورة أنتجتها إيران تقليدًا لمنظومات روسية وصينية. خامسًا، يتطلب الهجوم مشاركة مئات الطائرات الإسرائيلية من أنواع مختلفة مثل "إف 35" و"إف 15" و"إف 16" وطائرات مسيرة وطائرات التزود بالوقود، ومن الصعب عدم اكتشاف هذه الطائرات الكثيرة العدد قبل وصولها إلى أهدافها. سادسًا، ثمة صعوبة في الحفاظ على السرية وكتمان الأمر بسبب كثرة المؤسسات الإسرائيلية التي ستكون على اطلاع على الهجوم؛ مثل قيادة الجيش، والموساد، ولجنة الطاقة النووية، ووزارتي الأمن والخارجية، والكابينت الأمني السياسي، والحكومة الإسرائيلية،
ورئيس المعارضة الإسرائيلية. وقد يجري التسريب عن الهجوم الوشيك لسبب من الأسباب. سابعًا، الهجوم في حاجة إلى شرعية دولية من الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية صديقة حليفة لإسرائيل؛ لذلك فإن التنسيق التام مع الإدارة الأميركية أمر ضروري لا بد منه. ومن غير المتصور أن تقوم إسرائيل بالهجوم من دون إخبار الولايات المتحدة والحصول منها على "ضوء أخضر" أو "أصفر." لذلك من شبه المؤكد أن إسرائيل لن تقوم بالهجوم إلّ بعد أن تقنط الولايات المتحدة من حل المشكلة مع إيران بطرق سلمية، وبعد تجاوز إيران حدًّا في مسألة السلاح النووي عل نحو لا يمكن الولايات المتحدة قبوله. ثامنًا، الاستعداد للهجوم في حاجة إلى تدريبات وتمارين عسكرية كبيرة وشاملة تحاكي ضرب المنشآت النووية الإيرانية ونشوب حرب شاملة بين إسرائيل من ناحية وإيران وحلفائها من ناحية أخرى (أجرى الجيش الإسرائيلي في أيار/ مايو 2022 تمرينًا عسكريًا شاملًاستمر طوال هذا الشهر يحاكي حربًا مع إيران.) تاسعًا، الضربة الجوية العسكرية التي تشارك فيها مئات الطائرات وسلاح البحرية والصواريخ بعيدة المدى في حاجة إلى مشاركة قوات من المظليين من أجل الهجوم، وإنقاذ الطيارين الذين تسقط طائراتهم. عاشرًا، الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية يقود إلى نشوب حرب بين إيران وإسرائيل، ينضم إليها حزب الله في لبنان والميليشيات التابعة لإيران في العراق واليمن. لكن إسرائيل غير مستعدة بما فيه الكفاية لمثل هذه الحرب الشاملة؛ لا من حيث جبهتها الداخلية، ولا من حيث إعداد الجيش الإسرائيلي، وخاصة قواته البرية، فالحرب في لبنان تقتضي احتلال أجزاء واسعة منه لوقف إطلاق حزب الله الصواريخ الدقيقة التي تصيب العمق الإسرائيلي. حادي عشر، ثمة احتمال كبير أن تقصف إيران وحزب الله أهدافًا إسرائيلية؛ كقصف المنشآت النووية، ومنشآت استراتيجية أخرى؛ ما يقود إلى خسائر جسيمة. ثاني عشر، من غير المضمون أن تتمكن إسرائيل من إلحاق ضرر بالمنشآت النووية الإيرانية، خاصة المنشآت المحصنة في باطن الأرض أو باطن الجبال، إلا إذا استعملت أسلحة نووية تكتيكية أو قنابل خاصة تزن نحو 13 طنًّا، وهذه القنابل تمتلكها الولايات المتحدة الأميركية فقط. ثالث عشر، في حال فشل الضربة الإسرائيلية للمنشآت النووية الإيرانية في تحقيق الأهداف المرجوة منها، وإلحاق ضرر بها يمكن إصلاحه خلال سنة إلى ثلاث سنوات، فإن إسرائيل ستجد صعوبة كبيرة في حشد المجتمع الدولي ضد المشروع النووي الإيراني، وقد تستغل إيران ذلك، وتتقدم نحو إنتاج السلاح النووي. فبعد إيران عن إنتاج السلاح النووي هو بعد سياسي أساسًا، وإذا ما أزيل هذا البعد من جراء الضربة النووية الإسرائيلية، فقد تندفع بسرعة إلى إنتاج السلاح النووي.
ثًامن ا: إيران على العتبة النووية وإيران النووية
في أعقاب تقدم المشروع النووي الإيراني واقتراب إيران من دولة العتبة النووية، جرى نقاش في وسائل الإعلام الإسرائيلية غير مألوف وغير مسبوق في زخمه وفي مضمونه، تطرق المشاركون فيه إلى قدرات إسرائيل النووية وسياسة الغموض النووية الإسرائيلية و"عقيدة بيغن" ووصولها إلى نهايتها. وشاركت فيه نخب إسرائيلية من قادة عسكريين وسياسيين سابقين وخبراء في الذرة وأكاديميين وصحافيين. انتقد المشاركون في هذا النقاش السياسة الإسرائيلية تجاه المشروع النووي الإيراني، لا سيما سياسة حكومات نتنياهو التي أوصلت إسرائيل إلى حالة من الارتباك الاستراتيجي. وقد تعددت الآراء بشأن ماهية الاستراتيجية الأجدى التي يجب اتباعها في مواجهة المشروع النووي الإيراني، ومدى خطورة تقدم المشروع النووي الإيراني على إسرائيل، وعلى سياسة الغموض النووي الإسرائيلية، وعلى "عقيدة بيغن"؛ أي على استمرار احتكارها السلاح النووي. ومن المهم ملاحظة أن العديد من المشاركين في هذا النقاش نفوا أن يكون المشروع النووي الإيراني يشكل خطرًا على وجود إسرائيل، وأنهم أكدوا أن النظام الإيراني يطور مشروعه النووي للدفاع عن النفس. وقد عبّ ألوف بن، وهو محرر في صحيفة هآرتس، عن اعتقاده أن وصول إيران إلى دولة العتبة النووية سيؤثر في سياسة الغموض النووي الإسرائيلية بشأن حيازتها ترسانة من الأسلحة النووية 49. أما المؤرخ ووزير الأمن الداخلي الإسرائيلي الأسبق شلومو بن عامي، فقد رأى أن "عقيدة بيغن" تقترب من نهايتها، وأن إسرائيل لا تمتلك حلًّ عسكريًّا للمشروع النووي الإيراني في الوقت الحاضر، وأنه عليها تبني
استراتيجية جديدة تسعى لتحقيق السلام الشامل بينها وبين الدول العربية وإيران مقابل نزع السلاح النووي من الشرق الأوسط 50. وعبّ عالم الذرة نُوَّح شمير عن قناعته بأن المشروع النووي الإيراني لا يهدد وجود إسرائيل، وأن النظام الإيراني في حاجة إلى السلاح النووي للدفاع عن نفسه، ولبسط نفوذ إيران في المنطقة بوصفها دولة إقليمية قوية، ودعا إسرائيل إلى العودة إلى الاتفاق النووي وتبني استراتيجية جديدة تهدف إلى تخفيض العداء بين إسرائيل وإيران، والبدء في مفاوضات سرية مع إيران لتحقيق هذا الهدف، وتوقيع اتفاقية دفاع مشترك مع الولايات المتحدة الأميركية لتمتين الردع الإسرائيلي ضد إيران 51. وأكد رئيس الحكومة ووزير الأمن الأسبق إيهود براك أن الخطر الأساس الذي ينجم عن وصول إيران إلى دولة عتبة نووية أو دولة نووية لا يكمن في إمكانية تهديدها لوجود إسرائيل بالسلاح النووي؛ لأن قوة الردع الإسرائيلية واضحة جدًّا لإيران وللجميع. وأعرب عن قناعته بأن إيران تسعى للحصول على السلاح النووي؛ ليس لضرب إسرائيل أو الولايات المتحدة لأنها، وفق تعبيره، لا تريد العودة إلى العصر الحجري أو الانتحار، وإنما لسببين رئيسين: أولهما، الحفاظ على النظام وحمايته من تدخل خارجي لإسقاطه. وثانيهما، تعزيز مكانتها ودورها في المنطقة وبسط نفوذها فيها. فإذا أصبحت دولة عتبة نووية أو دولة نووية، فإن مكانتها الإقليمية تتحسن، ويزداد نفوذها، وتحقق توازنًا استراتيجيًا مع إسرائيل 52. وأكد براك أن الخطر الأساس من وصول إيران إلى دولة عتبة نووية أو دولة نووية يكمن في تغيير الوضع الاستراتيجي في المنطقة الذي يجري فيه وضع حد لاحتكار إسرائيل السلاح النووي في الشرق الأوسط، أو ما أطلق عليه براك "انهيار نظام منع انتشار السلاح النووي في المنطقة"، فمن المتوقع أن تلحق تركيا والسعودية ومصر بإيران 53.
خاتمة
تؤثر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تأثيرًا كبيرًا في عملية صنع قرارات الأمن القومي في إسرائيل، فهي التي تضع الخطط والتصورات المختلفة أمام الكابينت السياسي الأمني أو الحكومة الإسرائيلية لاتخاذ القرارات بشأنها. ومن الصعب جدًّا أن تتخذ الحكومة الإسرائيلية قرارات مهمة في قضايا الأمن القومي، لا سيما القرارات المتعلقة بالحرب أو بعمليات عسكرية كبيرة من دون موافقة المؤسسة العسكرية. ولا ينبع النقد الذي يُوجَّه إلى نتنياهو وحكوماته السابقة من معارضته لأي اتفاق مع إيران بشأن ملفها النووي، وإنما من دفعه إدارة ترامب إلى الانسحاب من الاتفاق، ورهانه على أنها ستستعمل الحل العسكري ضد المشروع النووي الإيراني إذا ما فشلت سياسة فرض أقصى العقوبات على إيران لثنيها عن التقدم في مشروعها، من دون أن توفر حكومة نتنياهو للجيش الإسرائيلي الأسلحة والعتاد وجميع مستلزمات الخيار العسكري الإسرائيلي لكي يتمكن من مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية عندما تقتضي الضرورة ذلك. وفي ضوء تقدم المشروع النووي الإيراني، وغياب الحل العسكري الأميركي والإسرائيلي في الوقت الراهن، دخلت إسرائيل في حالة من الارتباك الاستراتيجي. وللخروج من هذا الوضع عملت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية منذ منتصف 2020، باتفاق مبطن مع الولايات المتحدة، على تكثيف الهجمات العسكرية الإسرائيلية ضد أهداف في داخل إيران وخارجها وخاصة في سورية، في سياق ما يطلق عليه "المعركة بين الحروب." واستغلت إسرائيل الضعف العربي الناجم عن فشل الثورات العربية، وصعود قوة الثورات المضادة في العديد من الدول العربية، وخشية العديد من الدول العربية الخليجية من إيران، فسعت إلى عقد حلف عسكري إسرائيلي - عربي - أميركي ضد إيران، بهدف تمتين احتكارها السلاح النووي في المنطقة وإفشال المشروع النووي الإيراني وإسقاط النظام الإيراني، وكذلك ترقية علاقاتها مع "الدول العربية المعتدلة" من حالة التطبيع إلى حالة التحالف، لتحقيق هدفها الاستراتيجي الأساس في المنطقة؛ وهو تطبيع احتلالها فلسطين والاستمرار في تنفيذ مشروعها الكولونيالي الاستيطاني في القدس والضفة الغربية المحتلة لتهويد أكبر مساحة منها، تمهيدًا لضمها إلى إسرائيل.
References المراجع
العربية
"إسرائيل واتفاق الإطار النووي"، تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2015/4/14:. في https://bit.ly/3lmzp3J "إسرائيل والمشروع النووي الإيراني." تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2012/1/17. في: https://bit.ly/3JT26zi بشارة، عزمي. صفقة ترامب - نتنياهو: الطريق إلى النص، ومنه إلى الإجابة عن سؤال ما العمل؟ الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 "حصيلة زيارة نتنياهو لموسكو: لجنة عسكرية مشتركة للتنسيق في سورية." تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة، السياسات 2015/9/30 في https://bit.ly/3LkIhla:. رأفت، إج لاا [وآخرون.] انفصال جنوب السودان: المخاطر والفرص. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 محارب، محمود. "مشهد العلاقات الأميركية - الإسرائيلية إثر خطاب نتنياهو في الكونغرس." تحليل سياسات. المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات. 2015/3/12. في: https://bit.ly/3Yeyxwq ________. سياسة إسرائيل النووية وعملية صنع قرارات الأمن القومي فيها. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 "الموقف الإسرائيلي من الاتفاق النووي الإيراني." تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.:2015/7/26. في https://bit.ly/3Ykg7ud
العبرية
بن يسرائيل، يتسحاق. مفهوم الأمن الإسرائيلي. بن شيمن: مودان ووزارة الأمن،.2013 بن غوريون. ج زوهار، ميخائيل بار. 3. تل أبيب: عام عوفيد، 1977. شلوم، درور، وعنات كورتس. تقدير استراتيجي لإسرائيل 2022. تل أبيب: معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، كانون الثاني/ يناير 2022:. في https://bit.ly/3IkUMeR غلعاد، عاموس، وإيتي حيمينيس. "استراتيجية كبرى لإسرائيل ضد بين هقتفيم. العدد التهديد الإيراني." 35 (أيار/ مايو 2022.) فرييزلر – سويري، دانه. "المعركة بين الحروب تعبيرًا عن المنافسة الاستراتيجية الإقليمية بين إسرائيل وإيران." بين هقتفيم. https://bit.ly/3YAxuH4:). في 2022 (أيار/ مايو 35 العدد فوده، إيلي. من عشيقة إلى زوجة غير شرعية: العلاقات السرية بين إسرائيل ودول وأقليات في الشرق الأوسط. 2020-1948 تل أبيب: عام عوفيد، 2022. كام، أفرايم. إيران النووية: التأثيرات وطرق العمل. تل أبيب: معهد أبحاث الأمن القومي، 2007. "كورتس، عنات. "مؤتمر النقب - وماذا بعد؟." معهد دراسات الأمن https://bit.ly/3HR3DTQ:القومي. في مكتب رئيس الأركان الإسرائيلي. "استراتيجية جيش الدفاع الإسرائيلي الجيش الإسرائيلي لسنة 2018. في https://bit.ly/3RLfYgU:".
الأجنبية
Kam, Ephraim. "Iran's Deterrence Concept." Strategic Assessment. the Institute for National Security Studies. Tel Aviv University. vol.24, no. 3 (July 2021). at: https://bit.ly/3RIsP3D Ortal, Eran. "The Fly on the Elephant's Back: The Campaign between Wars in Israel's Security Doctrine." Strategic Assessment. vol. 24, no. 2 (April 2021). at: https://bit.ly/3DTX8yu Zamir, Eyal. Countring Iran Regional Strategy: Along- Term Comprehensive Approach. Policy Focus 174. The Washington Institute for Near East Policy (May 2022). at: http://bit.ly/3JUFjTB