الواقعية البنيوية بعد الحرب الباردة ***

Kenneth Waltz كينيث والتز | ** Translated by Ahmed Qasem Hussein ترجمة أحمد قاسم حسين |

الملخّص

يعد هذا النص تأسيسيًا في حقل العاقات الدولية، وهو محاججة دفاعية عن النموذج النظري للمدرسة الواقعية في تفسير العاقات الدولية، الذي تعرض – إثر نهاية الحرب الباردة وانهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي – إلى سهام النقد، الذي قاده تيار من باحثي العاقات الدولية، ممن مجّدوا ما وُصف آنئذ ب "انتصار الليبرالية الغربية"، وبدؤوا حوارًا أكاديميا في قيمة النظرية الواقعية في الحقل. وتأتي قيمة هذا النص من كاتبه، كينيث والتز، الذي يعد مؤسس النظرية الواقعية البنيوية في حقل العاقات الدولية، وقد صاغ نظرية السياسة الدولية نظريته في السياسة الدولية في كتابه ذائع الصيت (1979)، الذي يعد الأكثر تأثيرًا في الحقل في حقبة الحرب الباردة. يتولى والتز، في هذا النص، الرد على ما وُجّه إلى النظرية الواقعية من نقد، مبيّنًا قدرتها التفسيرية، على الرغم مما لحق ببنية النظام الدولي من تغيير. كلمات مفتاحية: الواقعية البنيوية، النظام الدولي، الفوضى، توازن القوى، الاعتماد المتبادل، التبعية. This text is considered foundational to international relations, in defence of the theoretical model of realism, which was subjected - after the end of the Cold War, the collapse of the Berlin Wall, and the disintegration of the Soviet Union - to heavy criticism, glorifying what they described as "the triumph of Western liberalism" and beginning an academic debate on the value of realist theory to the field. The value of this text comes from its author, Kenneth Waltz, who is considered the founder of structural realism and who established this theory through his formative book Theory of International Politics (1979), which is considered the most influential IR work of the Cold War era. In this text, Waltz responds to the criticism levelled at realism, demonstrating its capacity to interpret in spite of changes in the structure of the international system. Keywords: Structural Realism, International Order, Chaos, Balance of Power, Interdependence, Dependency.

Structural Realism after the Cold War

يعتقد بعض دارسي السياسة الدولية أن النظرية الواقعية في العلاقات الدولية قد عفّى عليها الزمن، ويجادلون بأن مفاهيم النظرية الواقعية حول فوضى العلاقات الدولية Anarchy، والاعتماد على النفس Self-help، وتوازن القوى Power of Balance ربما كانت مناسبة في حقبة قد مضت، أما اليوم، فإنها قد استُبدلت بأوضاع متغيرة؛ حيث طغت عليها أفكار جديدة وأفضل منها. وبناء عليه، تتطلب الأوضاع المتغيرة نمطًا جديدًا من التفكير، وهو ما يستدعي أيضًا الحاجة إلى نظريات منقّحة أو مختلفة اختلافًا كاملً عن السابقة. لا غرو إذا قلنا إن تغيّ الأوضاع التي تناولتها نظريةٌ ما، يجعل من الصعب تطبيق تلك النظرية. ولكن ما أنواع التغيرات التي تُحدث تغييرًا جوهريًا في النظام السياسي الدولي، وتجعل طرائق التفكير القديمة غير ملائمة للأوضاع الجديدة؟ إن التغيرات التي تجري خارج النظام نفسه يمكن أن تغيره، أما التغيرات التي تحدث ضمن إطار النظام في كل الأوقات، فيمكن اعتبار بعضها تغيرات مهمة، وبعضها الآخر غير مهمة. إن التغيرات الكبرى التي حدثت في وسائل المواصلات والاتصالات، وأساليب القتال في الحرب، على سبيل المثال، تؤثر كثيرًا في كيفية التفاعل بين الدول والوحدات الأخرى الفاعلة في النظام الدولي، ولكن هذه التغيرات تقع على مستوى الوحدة 1. ففي التاريخ الحديث، أو ربما في كل مراحل التاريخ، كان ظهور السلاح النووي أعظم تلك التغيرات. ومع ذلك، بقيت السياسة الدولية مج لً تعتمد الدولة فيه، باعتبارها الفاعل الرئيس في النظام الدولي، على نفسها. لقد غيرت الأسلحة النووية على نحو حاسم كيفية تصرف الدول من أجل توفير الأمن لنفسها، وربما للآخرين، ولكن هذه الأسلحة لم تغير من طبيعة البنية الفوضوية  2 للنظام السياسي الدولي. تختلف التغيرات في بنية النظام عن التغيرات على مستوى الوحدة الرئيسة فيه [الدولة.] لذلك، نجد أن تغيرات القطبية العالمية تؤثر أيضًا في كيفية توفير الدول لأمنها؛ لذا تحدث تغيرات مهمة في كيفية توفير الدول لأمنها عندما ينخفض عدد الدول العظمى إلى دولتين أو دولة واحدة. وحين توجد أكثر من دولة عظمى، تعتمد الدول على مصادر قوتها الذاتية والتحالفات التي يمكن إقامتها مع الدول الأخرى. وتجدر الإشارة إلى أن التنافس في النظم الدولية المتعددة القطبية أكثر تعقيدًا منه في النظم الثنائية القطبية، لأن حالة عدم اليقين بشأن القدرات المقارنة للدول تتضاعف بازدياد عدد الدول، وذلك لصعوبة تقدير مدى تماسكها وقوة ائتلافاتها. لقد كانت التغيرات في مجاَلَ التسلح والقطبية كبيرة بسبب انتشار تداعياتها عبر النظام. ومع ذلك، فإنها لا تُحدث تحولً في بنيته. ولو تحوّل النظام، فإن السياسة الدولية لن تكون سياسة دولية، كما لن يكون الماضي دليلً للمستقبل. وعندها، سنطلق على السياسة الدولية اسمً جديدًا، كما يفعل البعض. فعلى سبيل المثال، يوحي مصطلح "السياسة العالمية" Politics World، أو "السياسة الكونية" Politics Global، أن السياسة بين دولٍ تحرص على مصالحها الخاصة ومشغولة بأمنها، قد جرى استبدالها بأنواع أخرى من السياسة، أو ربما بلا سياسة على الإطلاق. وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: ما التغيرات التي يمكن تخيلها، والتي تحوّل السياسة الدولية على نحو واضح إلى شيء آخر مختلف؟ إن الإجابة التي تُقدَّم عمومًا هي أن السياسة الدولية قد تحولت، ويجري تقديم النظرية الواقعية في العلاقات الدولية على أنها شيء من الماضي وقد عفّى عليها الزمن، خاصة مع انتشار الديمقراطية، وإحكام الاعتماد المتبادل Interdependence قبضته على التفاعل بين وحدات النظام الدولي، فضلً عن أن المؤسسات الدولية تمهد الطريق للسلام على المستوى الدولي. سأناقش هذه النقاط في الأقسام الأولى من الدراسة، في حين سأخصص القسم الرابع منها لشرح سبب بقاء النظرية الواقعية محتفظة بقوتها التفسيرية بعد انتهاء الحرب الباردة.

أولا: الديمقراطية والسلام

ترافقت نهاية الحرب الباردة مع ما اعتبره كثيرون موجةً ديمقراطية جديدة. لقد اق نرر التوجه نحو الديمقراطية بإعادة اكتشاف مايكل دويل للسلوك السلمي البيني للدول الديمقراطية الليبرالية، والذي يسهم بقوة في إيجاد قناعة بأن الحرب أصبحت في طريقها إلى الاختفاء، وإن لم تكن قد أصبحت تاريخًا بين الدول الصناعية المتقدمة في العالم  3. تفترض أطروحة السلام الديمقراطي أن الديمقراطيات لا تحارب بعضها. وفي هذا المقام، يجب التنويه بأنني أعتبرها "أطروحة" وليست "نظرية." إن الاعتقاد بأن الديمقراطيات تشكّل فيما بينها منطقة سلام يقوم على ملاحظة وجود علاقة متبادلة وثيقة بين طبيعة نُظم الحكم والمخرجات على المستوى الدولي. يرى فرانسيس فوكوياما أن هذه العلاقة المتبادلة صحيحة، إذ لم يحدث أن حاربت دولةٌ ديمقراطية

  1. الوحدة Unit: تفترض النظرية الواقعية أن الوحدة الفاعلة الأساسية في النظام الدولي هي الدولة. (المترجم)
  2. الفوضى Anarchy: غياب السلطة المركزية في النظام الدولي، وهي أحد المفاهيم الرئيسة في النظرية الواقعية. (المترجم)
  3. Michael W. Doyle, "Kant, Liberal Legacies, and Foreign Affairs, Part 1 and 2," Philosophy and Public Affairs , vol. 12, no. 3-4 (Summer-Fall 1983); Michael W. Doyle, "Kant: Liberalism and World Politics," American Political Science Review , vol. 80, no. 4 (December1986), pp. 1151-1169.

دولةً أخرى. ويقول جاك ليفي إن تلك العلاقة التبادلية "أقرب ما لدينا إلى قانون تجريبي في دراسة العلاقات الدولية" 4. ولكن لو كانت هذه القاعدة صحيحة؛ أي إن الديمقراطيات تعيش بسلام موثوق فيما بينها، فإننا لن نكون أمام نظرية، بل حقيقة مزعومة تتطلب تفسير حالها كما كل الحقائق. ويعود الفضل، في قول إن الديمقراطيات الصالحة (الديمقراطيات الليبرالية) سلمية في علاقاتها بعضها ببعض، إلى إيمانويل كانط Kant Immanuel. وكان المصطلح الذي استخدمه Rechtsstaat [دولة القانون] أو الجمهورية، وقد كان تعريفه لمصطلح جمهورية مقيدًا جدًا إلى درجة تجعل تخيّل إمكانية تحقق واحدة أو اثنتين على أرض الواقع صعبًا  5. وحتى لو وُجدت هذه الجمهوريات، فمن يمكنه القول إنها ستستمر بوصفها جمهوريات صالحة، أو ديمقراطيات إلى الأبد. إن الحياة القصيرة والحزبية لجمهورية فايمار الألمانية 6 نموذج يستحق التوقف عنده مليًا. وكيف يمكن أن يحدد أحد ماهية الديمقراطية الصالحة؟ لقد اعتبر بعض الباحثين الأميركيين أن ألمانيا الفيلهلمينية  7 كانت النموذج لدولة ديمقراطية حديثة بمشاركة واسعة وانتخابات نزيهة، ومجلس تشريعي يتحكم في الميزانية، وأحزاب متنافسة، وصحافة حرة، وأجهزة الدولة [البيروقراطية] ذات التأهيل العالي 8. ولكن اعتبر الفرنسيون والبريطانيون والأميركيون بعد آب/ أغسطس 1914، أن نظام الحكم في ألمانيا ليس هو النوع الصحيح من الديمقراطية. وقد حاول جون أوين بفطنته أن يتجاوز مشكلة التعريف بمحاولته البرهنة على أن الديمقراطيات التي يرى بعضها بعضًا ديمقراطياتٍ ليبراليةً هي التي لن تدخل في حروب فيما بينها  9. ففي بعض الأوقات، أعدت ديمقراطيات ليبرالية لحروب ضد ديمقراطيات ليبرالية أخرى، وأحيانًا كانت على وشك الدخول في حرب معها. وبيّ كريستوفر لين أنه لم يجرِ تجنّب بعض الحروب بين ديمقراطياتٍ بسبب ترددها في قتال بعضها، ولكن بسبب الخوف من طرف ثالث، وهذا سبب واقعي مقنع وجيّد. فمثلً، كيف كان يمكن أن تحارب بريطانيا وفرنسا بعضمها بسبب فاشودا 1898 10، في الوقت الذي كانت ألمانيا تترصدهما؟ يصل كريستوفر إلى لبّ الموضوع عبر تأكيده أن الأسباب السياسية الدولية هي ما يمنع قتال الديمقراطيات بعضها بعضًا  11. إن التقاء دول في نظام سياسي محدد قد يلغي بعض مسببات الحرب فيما بينها، ولكنه لا يستطيع إلغاء جميع المسببات. وأطروحة السلام الديمقراطي تبقى صحيحة فحسب، حينما تكون كافة مسببات الحرب موجودة داخل الدول.

1. أسباب الحرب

إن تفسير أسباب اندلاع الحرب أسهل من فهم شروط تحقيق السلام، فلو سُئل أحد عمّ قد يسبب الحرب، ستكون الإجابة بسيطة "أي شيء." هذه هي إجابة كانط: الحالة الطبيعية هي حالة حرب. وفي ظل أوضاع السياسة الدولية، تتكرر الحرب، لذلك، فإن الطريقة الوحيدة لمنعها هي إلغاء السياسة الدولية.

  1. Francis Fukuyama, "Liberal Democracy as a Global Phenomenon," Political Science and Politics , vol. 24, no. 4 (1991), p. 662; Jack S. Levy, "Domestic Politics and War," in: Robert I. Rotberg & Theodore K. Rabb (eds.), The Origin and Prevention of Major Wars (Cambridge: Cambridge University Press, 1989), p. 88.
  2. Kenneth N. Waltz, "Kant Liberalism, and War," American Political Science Review , vol. 56, no. 2 (June 1962). توجد مراجع كانط اللاحقة في هذا العمل.
  3. جمهورية فايمار Republic Weimar: هي الجمهورية التي تأسست في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، وتعود تسميتها بذلك نسبة إلى مدينة فايمار التي صاغ فيها ممثلو الشعب الألماني، بعد إطاحة حكم فيلهلم الثاني II Wilhelm، دستورًا جديدًا للبلاد في الفترة 6 شباط/ فبراير-11 آب/ أغسطس 1919، يُعد من أفضل دساتير الدول في تلك الفترة، وقد استمرت هذه الجمهورية ما يقارب أربعة عشر عامًا 1933-1919(.) تعرّض دستور فايمار لانتقادات كبيرة، لا سيما نظام التمثيل النسبي والسلطات الكبيرة التي منحها للرئيس. ومع ذلك، قدّم الدستور في جمهورية فايمر، أول مرة في تاريخ ألمانيا، أساسًا ثابتًا للتطور الديمقراطي في البلاد. إلا أن هذا انتهى في غضون 14 عامًا إلى دكتاتورية مع وصول أدولف هتلر إلى رئاسة المستشارية الألمانية، بسبب مسار الأحداث وخصائص القوى السياسية الاجتماعية في ألمانيا على خلفية السياسات العدائية للدول الأوروبية تجاه ألمانيا. (المترجم)
  4. الحقبة الفيلهلمينية: هي حقبة من تاريخ ألمانيا الحديث امتدت خلال الفترة 1918-1890، تولّ فيها القيصر فيلهلم الثاني حكم الإمبراطورية الألمانية بعد أن استقال المستشار أوتو فون بسمارك Bismarck von Otto، وقد استمر حكم فيلهلم الثاني حتى نهاية الحرب العالمية الأولى 1918، حين تنازل عن العرش بعد ثورة تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، التي قادت إلى تأسيس جمهورية فايمار. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الحقبة من تاريخ أوروبا الغربية عمومًا، وتاريخ ألمانيا خصوصًا، كان لها تأثير في كافة مناحي الحياة
  5. Ido Oren, "The Subjectivity of the 'Democratic' Peace: Changing U.S Perception of Imperial Germany," International Security , vol. 20, no. 2 (Fall 1995), pp. 157ff.; Christopher Layne & Sean M. Lynn-Jones, Should America Spread Democracy? A Debate (Cambridge, MA: MIT Press, forthcoming). يجادل على نحو مقنع بأن سيطرة ألمانيا الديمقراطية على السياسة الخارجية والعسكرية لم تكن أضعف من سيطرة فرنسا أو بريطانيا.
  6. John M. Owen, "How Liberalism Produces Democratic Peace," International Security , vol. 19, no. 2 (Fall 1994), pp. 87-125; John M. Owen, Liberal Peace, Liberal War: American Politics and International Security (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1997).
  7. حادثة فاشودا: هي أزمة سياسية بين فرنسا وبريطانيا وقعت في عام 1898 في إطار تنافس القوتين الدوليتين على النفوذ والسيطرة في قارة أفريقيا، حيث حاولت بعثة فرنسية في فاشودا الواقعة على نهر النيل الأبيض بسط نفوذها على حوض نهر أعالي النيل واستبعاد بريطانيا من السودان، وقد قابلتها قوة بريطانية وانتهت بحل دبلوماسي وضع حدًا لحرب كان من المرجح أن تنشب بينهما. (المترجم) 11  Christopher Layne, "Kant or Cant: The Myth of Democratic Peace," International Security , vol. 19, no. 2 (Fall 1994), pp. 5-49.
  8. السياسية والثقافية والاقتصادية، واُطلق عليها في أوروبا اسم Époque Belle "العصر الجميل." (المترجم)

على مدى قرون، أظهر الليبراليون رغبة قوية في تخليص السياسة من السياسة، فالنموذج المثالي للِيبراليي القرن التاسع عشر كان الدولة البوليسية؛ بمعنى أن يقتصر دور الدولة على إلقاء القبض على المجرمين وتنفيذ القوانين. ثمة عدد كبير من دارسي السياسة الدولية الذين يؤيدون نموذج الدولة التي لا تتدخل في الشؤون الاقتصادية إلا بمقدار ما يكون ذلك التدخل ضروريًا لصيانة الأمن وحماية حقوق الملكية لأفراد المجتمع، وهم يتوقون إلى إبعاد القوة عن سياسة القوة، والسياسة القومية عن السياسة الدولية، والاعتماد المتبادل والنسبية عن المكاسب النسبية، والسياسة عن السياسة الدولية، والبنية عن النظرية البنيوية. يكتب أنصار أطروحة السلام الديمقراطي كما لو أن انتشار الديمقراطية سيلغي تأثيرات انعدام سلطة مركزية في بنية النظام الدولي Anarchy، وأنه لن توجد بعدها أيّ مسببات للنزاع والحرب. وقد وجد فرانسيس فوكوياما أن "من الممكن جدًا تخيل وجود نظم دولية فوضوية، ومع ذلك سلمية"، ولا يرى أيّ سبب لربط الفوضى بالحرب. ويعتقد بروس روسيت أنه مع وجود عدد كافٍ من الديمقراطيات في العالم، فإنه قد يكون من الممكن جزئيًا تجاوز مبادئ الواقعية (الفوضى [عدم وجود سلطة مركزية في النظام الدولي]، ومعضلة أمن الدول) التي هيمنت على ممارسة السياسة الدولية على الأقل منذ القرن السابع عشر  12. وهكذا جرى إبعاد البنية عن النظرية البنيوية. أصبحت الدول الديمقراطية واثقة، إلى حد بعيد، بالحفاظ على السلام نتيجة الديمقراطية؛ بحيث لم تعد تخشى بعد الآن أن تتصرف دولةٌ أخرى، ما دامت ديمقراطية، على نحو خاطئ. وستنبع ضمانة استمرار السلوك الخارجي المناسب للدولة الديمقراطية من خصائصها الداخلية الممتازة. لم يكن مثل هذا الاستنتاج ليؤيده كانط. وتساءل مؤرخون ألمان مع نهاية القرن التاسع عشر إن كان في الإمكان إقامة دولة تجنح إلى السلم، ويتوقع نموها في وقت تتعرض فيه يوميًا لأخطار خارجية على نحو مستمر  13. وقد أظهر كانط القلق ذاته قبل ذلك بقرن. فمضمون المبدأ السابع، الذي قدّمه كانط في "مبادئ النظام السياسي" يشدد على أن تأسيس الدستور المناسب داخليًا يتطلب ترتيبًا مناسبًا للعلاقات الخارجية للدول. والمهمة الأولى للدولة هي الدفاع عن نفسها، ولا أحد غيرها؛ أي الدولة في عالم لا وجود فيه لسلطة مركزية ونظام قانوني، يستطيع تحديد الفعل المطلوب لضمان أمنها. ويضيف كانط أن "آفة البلد الذي لا يمتلك القوة الكافية" ترتبط بوجه خاص بوجود جار أكثر قوة، حتى من دون أيّ فعل منه، وفي الحالة الطبيعية سيكون الهجوم في ظل هذه الظروف مبررًا  14. ففي الحالة الطبيعية، لا يوجد شيء اسمه حرب غير عادلة. إن كل دارس للسياسة الدولية على بيّنة واسعة بالبيانات الإحصائية التي تدعم أطروحة السلام الديمقراطي. وكل دارس يعرف أيضًا، على الأقل منذ ديفيد هيوم  15، أنه ليس لدينا أيّ سبب للاعتقاد بأن الترابط بين الأحداث يشكّل قاعدة للاستدلال على وجود علاقة سببية. ويرى جونز ميولير على نحو صحيح أن الديمقراطية ليست هي التي تسبب السلام، ولكنّ أوضاعًا أخرى هي التي تحقق ديمقراطية وسلامًا 16. كانت بعض الديمقراطيات الرئيسة، كبريطانيا في القرن التاسع عشر والولايات المتحدة الأميركية في القرن العشرين، ضمن الدول الأقوى في عصورها. وغالبًا ما تحقق الدول القوية أهدافها بوسائل سلمية، في حين الدول الأضعف تفشل في تحقيق أهدافها وتضطر إلى اللجوء إلى الحرب  17. وبناء عليه، فإن حكومة الولايات المتحدة عندما اعتبرت أن الرئيس خوان بوش، المنتخب ديمقراطيًا 18 في جمهورية الدومنيكان، أضعف من أن يحقق النظام في بلده، أسقطته بإرسالها 23000 جندي خلال أسبوع، إذ إن وجود هذه القوات في حد ذاته جعل الدخول في حربٍ أمرًا غير ضروري. وهو ما حدث أيضًا مع سلفادور أليندي  19، المنتخب ديمقراطيًا رئيسًا لتشيلي، إذ قوضت الولايات المتحدة حكمه من دون اللجوء إلى القوة العسكرية، لأن قادتها رأوا أنه يسير في الاتجاه الخاطئ. وكما قال هنري كيسنجر:

  1. Francis Fukuyama, The End of History the Last Man (New York: Free Press, 1992), pp. 254-256.
  2. على سبيل المثال: ليوبولد فون رانكه وجيرهارد ريتر وأوتو هنتزه. ولقد شاركهم الأميركي وليام غراهام سمنر وآخرون شكوكهم.
  3. Immanauel Kant, The Philosophy of Law , W. Hastie (trans.) (Edinburgh: T. and T. Clark, 1887), p. 218.
  4. ديفيد هيوم Hume David 1711-1776(:) مفكر اقتصادي ومؤرخ إسكتلندي، من رسالة في الطبيعة البشرية، و مباحث أخلاقية وسياسية، و تاريخ إنكلترا. (المترجم أهم أعماله.)
  5. John Mueller, "Is War still Becoming Obsolete?" paper presented at Annual Meeting of the American Political Science Association, Washington, DC, August-September 1991, pp. 55f; John Mueller, Quiet Cataclysm: Reflections on the Recent Transformation of World Politics (New York: HarperCollins, 1995).
  6. Edward Hallett Carr, Twenty Years' Crisis: An Introduction to the Study of International Relations , 2 nd ed. (New York: Harper and Row, 1946), pp. 129-132.
  7. خوان بوش Bosch Juan 2001-1909(:) سياسي وكاتب وأديب من الدومنيكان، شغل منصب رئيس الدومنيكان 1963-1962(.) (المترجم)
  8. سلفادور أليندي Allende Salvador 1973-1908(:) طبيب سياسي تشيلي، انتخب ديمقراطيًا بوصفه أول رئيس ذي توجه اشتراكي في قارة أميركا اللاتينية التي تعتبر منطقة نفوذ حيوي للولايات المتحدة الأميركية التي كانت في حالة تنافس مع الاتحاد السوفياتي في سياق الحرب الباردة. أطيح بانقلاب عسكري قاده الجنرال في الجيش التشيلي أوغستو بينوشيه. (المترجم)

"لا أرى سبب حاجتنا إلى أن ننتظر ونراقب بلدًا يتحول إلى الشيوعية بسبب عدم مسؤولية شعب ذلك البلد" 20. هذه طريقة التعامل مع الديمقراطيات التي تقرر على نحو خاطئ. إن الديمقراطيات "الضالة" أماكن مغرية لتدخّل الديمقراطيات الأخرى التي ترغب في إنقاذها. قد تكون السياسة الأميركية صائبة في الحالتين، ولكن أعمالها بكل تأكيد تُلقي بالشك على أطروحة السلام الديمقراطي. وبالمثل، فإن المناسبات التي حاربت فيها دولةٌ ديمقراطية دولةً ديمقراطية أخرى  21، والمناسبات التي طالبت فيها مجالس تشريعية منتخبة ديمقراطيًا بالحرب، كما حصل على سبيل المثال في باكستان والهند، تُلقي بالشكوك ذاتها على هذه الأطروحة. بالطبع، قد يقول قائل نعم، ولكن جمهورية الدومنيكان وتشيلي لم تكونا ديمقراطيتين ليبراليتين، ولم تنظر إليهما الولايات المتحدة بتلك الصفة. وبناء عليه، فإن الاستمرار في الجدال بهذه الطريقة أشبه بمن يدور في حلقة مفرغة، ولن يتوقف. وتتفاقم المشكلة حين تبدأ ديمقراطيات ليبرالية، تُعد لحرب تخشاها، في الظهور بمظهر أقل ليبرالية، بل ستظهر أقل ليبرالية لو بدأت تقاتل في حرب. وأنا أميل إلى القول إن أطروحة السلام الديمقراطي بالصورة التي يقدّمها بها مؤيدوها لا يمكن دحضها. فديمقراطية ليبرالية في حرب مع دولة أخرى من غير المحتمل أن تَعدَّها ديمقراطيةً ليبرالية. قد تعيش الديمقراطيات بسلام مع بعضها، ولكن حتى لو أصبحت جميع الدول ديمقراطية، فإن بنية السياسة الدولية ستبقى فوضوية لا وجود فيها لسلطةٍ معترفٍ بها تتحكم في تصرفات وحداتها. إن بنية السياسة الدولية لا تتحول بناءً على التغيرات الداخلية التي قد تحدث في الدول، مهما كان حجم هذه التغيرات وتأثيرها ومداها. ففي غياب سلطة خارجية، لا تستطيع دولة أن تكون متأكدة من أن صديق اليوم لن يكون عدو الغد. وبالفعل، فقد تصرفت دول ديمقراطية في بعض الأوقات كأن دولً ديمقراطية أخرى هي العدو، وتشكّل تهديدًا لها. ففي البحث الفدرالي السادس، تساءل ألكسندر هاملتون  22 إذا ما كان في إمكان الولايات الثلاث عشرة في الكونفدرالية الأميركية التعايش بسلام مع بعضها باعتبارها جمهوريات مستقلة. وأجاب ب "أن عدد الحروب التي حدثت في التاريخ في الجمهوريات الشعبية لا يقل عنها في الملكيات." واستشهد بالحروب الكثيرة التي خاضتها جمهوريات إسبارطة وأثينا وروما وقرطاج والبندقية وهولندا وبريطانيا. ويؤكد جون كوينسي آدامز 23 في ردّه على جيمس مونرو  24 الذي تبنّى عكس هذا الادعاء بقوله "إن حكومة دولة جمهورية قادرة على التآمر مع قادة شعوب حرة بالقدر نفسه الذي تقوم به حكومات ملكية" 25. وفي النصف الأخير من القرن التاسع عشر، حينما أصبحت الولايات المتحدة وبريطانيا أكثر ديمقراطية، فقد زادت البغضاء بينهما، وأصبحت إمكانية اندلاع حربٍ في بعض الأوقات موضوع تفكير جدي في كلا البلدين. وكانت فرنسا وبريطانيا أيضًا المتنافستين الرئيستين في اللعبة الكبرى لسياسات القوة خلال القرن التاسع عشر، مثلما كانتا عليه في أوقات سابقة. فكونهما أصبحتا دولتين ديمقراطيتين لم يغير سلوكهما إحداهما تجاه الأخرى. ففي عام 1941، حاربت بريطانيا وفرنسا الديمقراطيتان ألمانيا الديمقراطية، ويوضح التشكيك في ديمقراطية ألمانيا تحديدًا مشكلة التعريف. وفعلً، كانت التعددية الديمقراطية في ألمانيا سببًا غير مباشر للحرب. فاستجابةً للمصالح الداخلية، اتبعت ألمانيا سياسات كانت تؤدي إلى تخويف بريطانيا وروسيا. واليوم لو أن حربًا لا يخشاها إلا قليلون وقعت بين الولايات المتحدة واليابان، فإن كثيرًا من الأميركيين سيقولون إن اليابان لم تكن ديمقراطية في كل الأحوال، وإنها لم تكن إلا دولة حزب واحد. وبناءً عليه، أميل إلى القول إن الديمقراطيات نادرًا ما تحارب الديمقراطيات، ثم أضيف بعد ذلك تحذيرًا ضروريًا مفاده أن الخصائص الداخلية الممتازة للدول تشكّل أساسًا هشًا للسلام.

  1. مقتبس من: Anthony Lewis, "The Kissinger Doctrine," The New York Times , 27/2/1975, p. 35; ينظر أيضًا:
  2. 25 مقتبس من: Walter A. McDougall, Promised Land, Crusader State: The American Encounter with the World since 1776 (Boston: Houghton Mifflin Harcourt, 1997), p. 28, n. 36.
  3. ألكسندر هاملتون Hamilton Alexander 1804-1757(:) سياسي أميركي، وأحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة. اضطلع بأدوار كبيرة في بناء النظام السياسي والاقتصادي للولايات المتحدة عشية استقلالها، وساهم في صياغة نحو 51 من 85 جزءًا من الدستور الأميركي مما بات يعرف بأوراق الفدرالية التي تعد أحد المراجع References التي يستند إليها في تفسير الدستور. (المترجم)
  4. جون كوينسي آدامز Adams Quincy John 1848-1767(:) وزير خارجية الولايات المتحدة في عهد الرئيس جيمس مونور. ساهم بمهاراته الدبلوماسية في التفاوض مع روسيا القيصرية وإسبانيا في ترسيم حدود الولايات المتحدة. وهو الرئيس السادس للولايات المتحدة 1829-1824(.) (المترجم) 24 جيمس مونرو Monroe James 1831-1758(:) الرئيس الخامس للولايات المتحدة 1824-1817(.) (المترجم)
  5. Henry Kissinger, The White House Years (Boston: Little, Brown and Company, 1997), chap. 17.
  6. 21 ينظر على سبيل المثال: Kenneth N. Waltz, "America as Model for the World? A Foreign Policy Perspective," PS: Political Science and Politics , vol. 24, no. 4 (December 1991); Mueller, "Is War still Becoming Obsolete?" p. 5.

2. الحروب الديمقراطية

تتعايش الدول الديمقراطية مع غيرها. ومع أنها نادرًا ما تحارب مثيلاتها، فإنها كما لاحظ مايكل دويل تأخذ على الأقل نصيبها من الحروب بحروب ضد آخرين  26. فمواطنو الدول الديمقراطية يميلون إلى اعتبار بلدانهم بلدانًا صالحة، بمعزل عمّ تفعل، لأنها ببساطة بلدان ديمقراطية. فمثلً، ادّعى وارن كريستوفر 27، وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق، أن "الدول الديمقراطية نادرًا ما تبدأ حروبًا أو تهدد جيرانها" 28. قد يصحّ هذا الاف اررض في أميركا الوسطى والجنوبية. في حين يميل مواطنو الدول الديمقراطية إلى اعتبار الدول غير الديمقراطية دولً سيئة، بغضّ النظر عمّ تقوم به، لأنها ببساطة دول غير ديمقراطية. وتشجّع الديمقراطيات على الحرب في بعض الأوقات عندما تقرر أن الوسيلة الأفضل للمحافظة على السلام هي هزيمة دول غير ديمقراطية وتحويلها إلى دول ديمقراطية. خلال الحرب العالمية الأولى، زعم والتز هينز بيج، سفير الولايات المتحدة في بريطانيا، أنه "لا يوجد، ولا يمكن توفير أمن في أيّ جزء من العالم لا يستطيع فيه الناس أن يفكروا في حكومة من دون ملك." وخلال حرب فيتنام، زعم دين رسك Rusk Dean، وزير خارجية الولايات المتحدة، أن "بلاده لا تستطيع أن تكون آمنة حتى تصبح كل البيئة الدولية آمنة أيديولوجيًا" 29. وإذا وُضعت السياسات جانبًا، فإن وجود دول غير ديمقراطية هو في حد ذاته خطر على الآخرين. وهذا الرأي هو الذي كثيرًا ما تبنته القيادات السياسية والفكرية الأميركية. ومرةً أخرى، نجد التدخلية الليبرالية تتحرك على نحو فعال. فالرئيس بيل كلينتون، ومستشاره الأسبق للأمن القومي، أنتوني ليك Lake Antony، قد طالبا باتخاذ تدابير لتعزيز الديمقراطية حول العالم. ويتخوف المرء من تلقّف العسكريين الأميركيين هذه المهمة ببعض الحماس. فرئيس أركان الجيش السابق الجنرال جوردن سوليفان Sullivan Gordon، على سبيل المثال، سعى لتبني "نموذج" جديد لسياسة عسكرية تحل محل سياسة الاحتواء  30 من أجل تعزيز الديمقراطية، والاستقرار الإقليمي، والازدهار الاقتصادي 31. وثمة أصوات أخرى تحثّنا على ضرورة الانخراط في الصراعات على نحو يضمن الحكم الجيد للشعوب. وعلى ما يبدو، فإنه بعد حل مشكلة العدالة في البلاد، "أضحى الصراع من أجل حكم ليبرالي صراعًا ليس من أجل تحقيق العدالة، ولكن من أجل البقاء" 32. وكما قال ريتشارد هنري تاوني  33: "إما أن تكون الحرب صليبية، وإلا فهي جريمة" 34. إن الحملات الصليبية مخيفة لأن الصليبين يحاربون من أجل قضايا أخلاقية، يحددونها لأنفسهم ويحاولون فرضها على الآخرين. ربما تمنّى المرء أن يكون الأميركيون قد تعلّموا بأنهم ليسوا صالحين للنضال من أجل الديمقراطية في الخارج. ولكن للأسف، لو كان في الإمكان جعل العالم آمنًا للديمقراطية إلا بجعله ديمقراطيًا، لأصبحت الوسائل مسموحةً، واستخدامها واجبًا. إن حماس الناس وممثليهم للحرب يصعب احتواؤه في بعض الأوقات. لذلك يعتقد هانس مورغنثاو أن "الاختيار الديمقراطي ومسؤولية الموظفين الرسميين الحكوميين قد أديا إلى تدمير الأخلاق الدولية كنظام فعال مقيد للتصرفات الدولية" 35. وكما اعتقد كانط بأن الحرب بين الدول ستقع أحيانًا، لذا فإنه يجب ابتكار السلام. إن ابتكار السلام مهمة صعبة جدًا لأيّ حكومة، وجميع الدول في بعض الأوقات تكون عاجزة عن تحقيقه، حتى لو تمنّت ذلك. فقد يتجاوب قادة ديمقراطيون مع حماس مواطنيهم للحرب في بعض الأحيان، أو حتى إنهم يحاولون استثارته، وفي بعض

  1. Doyle, "Kant, Liberal Legacies, and Foreign Affairs, Part 2," p. 337.
  2. وران كريستوفر Christopher Warren: وزير خارجية الولايات المتحدة في الولاية الأولى للرئيس بيل كلينتون 1997-1993(.) (المترجم)
  3. Warren Christopher, "The U.S-Japan Relationship: The Responsibility to Change," Address to the Japan Association of Corporate Executives, Tokyo, Japan, 11/3/1994 (U.S Department of State, Bureau of Public Affairs,
  4. اقتُبس بيج من: Kenneth N. Waltz, Man the State, and War: A Theorical Analysis (New York:
  5. سياسة الاحتواء: هي برنامج عمل الولايات المتحدة وحلفائها خلال فترة الحرب الباردة لمنع انتشار الشيوعية وتقييد نفوذ الاتحاد السوفياتي في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية ومناطق مختلفة ذات أهمية جيوسياسية في آسيا وأفريقيا بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وقد ساهم الدبلوماسي الأميركي جورج كينان في وضع أسس برنامج عمل احتواء الاتحاد السوفياتي في عهد الرئيس هاري ترومان. (المترجم)
  6. مقتبس من: Clemson G. Turregano & Ricky Lynn Waddell, "From Paradigm to Paradigm Shift: The Military and Operations Other than War," Journal of Political Science , vol. 22, no. 1 (1994), p. 15.
  7. Peter Beinart, "The Return of the Bomb," The New Republic , 3/8/1998, p.27.
  8. ريتشارد هنري تاوني Tawney H. R. 1962-1880(:) أكاديمي اقتصادي ومؤرخ بريطاني، ركزت أعماله على الأبعاد التاريخية والأخلاقية في فهم التاريخ الاقتصادي، ولا سيما دراسة ظاهرة انحسار الأرض الزراعية وتطويقها في الريف الإنكليزي في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وأطروحة عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر حول العلاقة بين ظهور البروتستانتية وصعود الرأسمالية. من أهم أعماله: الدين وصعود الرأسمالية والمجتمع الاستحواذي، و المشكلة الزراعية في القرن السادس عشر (المترجم.) 34 مقتبس من: Michael Straight, Make This the Last War (New York: G. P. Putnam's Sons, 1945), p. 1. 35  Hans Morgenthau, Politics among Nations: The Struggle for Power and Peace , 5 th ed. (New York: Knopf, 1973), p.248.
  9. Office of Public Communication), p. 3.
  10. Columbia University Press, 1959), p. 121; واقتُبس رسك من.Layne, "Kant or Cant," p. 46:

الأحيان تكون الحكومات مقيّدة بحسابات انتخابية بتأجيلها اتخاذ تدابير وقائية. فقد قال رئيس وزراء بريطانيا ستانلي بالدوين 36 إنه لو دعا في عام 1935 لتسليح بريطانيا ضد التهديد الألماني، لخسر حزبه الانتخابات التالية  37. فالحكومات الديمقراطية قد تتجاوب مع متطلبات سياسية داخلية في الوقت الذي يجب عليها الاستجابة لمتطلبات خارجية. لجميع الحكومات أخطاؤها، وبلا شك فإن أخطاء الحكومات الديمقراطية أقل من غيرها، ولكن هذا لا يكفي لإثبات صحة أطروحة السلام الديمقراطي. إن الطرح القائل إن السلام قد يسود بين الدول الديمقراطية فكرةٌ مريحة، ولكنّ الوجه الآخر لهذا الافتراض، وهو أن الديمقراطية قد تشجّع الحرب ضد دول غير ديمقراطية، فكرةٌ تبدو مثيرة للقلق [غير مريحة.] وإذا ما صمد هذا الافتراض الأخير، فإنه لا يمكننا حتى أن نقول إن انتشار الديمقراطية سيُحدث نقصًا جوهريًا في عدد الحروب في العالم. لقد تمنّى كانط أن يترسخ نظام الحكم الجمهوري تدريجيًا في العالم، مع قيام نظام جمهوري في دولة قوية على المستوى الدولي. وفي عام 1795، حققت أميركا أمنية كانط. وبعد أكثر من مئتي عام لاحقة، وعلى نحو لافت للنظر، لا تزال توفر هذا الأمل. والجدير ذكره أن الليبراليين، منذ أن عبّ وا عن آرائهم أول مرة، منقسمون؛ إذ طالب بعضهم الدول الليبرالية بالعمل على استنهاض الشعوب التي تعيش في جهل وإيصال منافع الحرية والعدالة والرخاء الاقتصادي إليها. ومثال الليبراليين التدخليين جون ستيوارت ميل John Stuart Mill وجيوزيبيه مازيني Giuseppe Mazzini ووودرو ويلسون Woodrow Wilson وبيل كلينتون Bill Clinton، في حين يتفق ليبراليون آخرون، مثل كانط وريتشارد كوبدن Cobdoen Richard، مع غيرهم على المنافع التي يمكن أن تجلبها الديمقراطية إلى العالم، ولكنهم يشددون على الصعوبات والمخاطر التي ترتبط بمحاولة نشرها على نحو فعال. لو افترضنا أن العالم الآن قد أصبح آمنًا للديمقراطية، فقد يتساءل المرء إذا ما كانت الديمقراطية آمنة للعالم. وبناءً عليه، فحينما تصعد الديمقراطية، التي تطلّب تحقيقها خلال القرن العشرين الانتصار في حروب ساخنة وباردة، فإن روح التدخل ستزدهر. ويزداد تأثير هذا التدخل حينما تصبح دولةٌ ديمقراطية هي المهيمنة، كما الولايات المتحدة الآن. إن تحقيق السلام هو السبب الأنبل للحرب. وإذا افتقر السلام إلى الشروط التي تقود إليه، فإن البلد الذي لديه القدرات على إيجاد تلك الشروط، يمكن أن يغريه تحقيق السلام، سواء بالقوة أو بغيرها. إن الغاية نبيلة، ولكن من لديه الحق في نشر السلام، ووفقًا لما يصرّ عليه كانط، فإنه ليس لأيّ دولة الحق في التدخل في نوعية الترتيبات الداخلية للآخرين [الدول الأخرى.] وعمليًا، يمكن ملاحظة أن التدخل في شؤون الآخرين، حتى لو كان لغايات نبيلة، غالبًا ما يجلب أضرارًا أكثر من النفع. وفي هذا السياق، فإن الخلل الذي تقع فيه القوى العظمى بسهولة في عالم متعدد الأقطاب هو التجاهل، أما الخلل في عالم ثنائي القطبية هو الإفراط في ردة الفعل، في حين يكون إفراطًا في التوسع في عالم أحادي القطبية. يتحقق السلام ويدوم من خلال توازن دقيق بين قيود داخلية وخارجية للدول. والدول التي لديها فائض في القوة قد يجعل من استخدامها أمرًا مغريًا بالنسبة إليها. وفي الوقت ذاته، تخشى الدول الضعيفة من استخدام الدول القوية لقوتها. إن قوانين الفدراليات الطوعية [القانون الدولي]، إذا ما استخدمنا لغة كانط، يُستخف بها عند الأقوى، وهو ما أظهرته الولايات المتحدة على نحو جلي وواضح عندما زرعت الألغام في مياه نيكاراغوا وغزت بنما في الثمانينيات. ففي الحالتين، انتهكت الولايات المتحدة على نحو صارخ القانون الدولي. في الحالة الأولى، أنكرت الولايات المتحدة حق محكمة العدل الدولية في النظر في القضية، مع أنها قبلت به سابقًا. وفي الحالة الثانية، تلاعبت بالقانون الدولي الذي يتضمنه ميثاق منظمة الدول الأميركية، الذي كانت الولايات المتحدة من الواضعين الرئيسين له. لو أن أطروحة السلام الديمقراطي صحيحة، فإن النظرية الواقعية خاطئة. وقد يؤمن المرء، مع كانط، بأن الجمهوريات دول صالحة على وجه العموم، وأن وجود قوة ليس لها ما يوازنها يشكّل خطرًا بغضّ النظر عمّن يسيطر عليها. إن السلام، وعلى السواء داخل دائرة الدول الديمقراطية وخارجها، يعتمد على توازن قوى غير ثابت. ولا تكمن دوافع الحرب في الدول الديمقراطية فحسب، أو في النظام الدولي القائم على الدول، إنما في كليهما. لقد أدرك كانط هذه الحقيقة، بينما يتغافل المتعصبون لأطروحة السلام الديمقراطي عنها.

ثانيًا: التأثيرات الضعيفة للاعتماد المتبادل

ألا يعزز انتشار الديمقراطية مع تشديد درجة الاعتماد المتبادل من شروط السلام التي طرحها ليبراليو القرن التاسع عشر وتتكرر اليوم

  1. ستانلي بالدوين Stanley Baldwin): سياسي بريطاني 1947-1867(من حزب المحافظين، تولّ منصب رئيس وزراء بريطانيا ثلاث مرات (أيار/ مايو 1923 – كانون الثاني/ يناير 1924)، و(تشرين الثاني/ نوفمبر 1924 - حزيران/ يونيو 1929)، و(حزيران/ يونيو 1935 – أيار/ مايو 1937.) (المترجم)
  2. Gordon Craig & Alexander George, Force and Statecraft: Diplomatic Problems of Our Time , 2 nd ed. (New York: Oxford University Press, 1990), p. 64.

باستمرار؟  38 فإلى جانب النزعة السلمية للديمقراطية، يمثّل الاعتماد المتبادل بين الدول دافعًا قويًا نحو تحقيق المنفعة، وهو ما يجعل الدول الديمقراطية تكرّس نفسها على نحو متزايد ليس من أجل تحقيق السلام فحسب، بل لتحقيق المنافع أيضًا. إن الدولة التجارية الآن تحل محل الدولة السياسية – العسكرية، وكذلك قوة السوق تنافس أو تفوق قوة الدولة، أو هكذا يعتقد البعض 39. قبل الحرب العالمية الأولى، اعتقد نورمان آنجل 40 أن الحروب لن تُشن لأنها غير مربحة، ومع ذلك تقاتلت ألمانيا وبريطانيا في حرب طويلة ودموية، علمً أن كلتيهما كانتا ثاني أفضل شريك تجاري للآخر. إن الاعتماد المتبادل في بعض الجوانب يشجّع السلام من خلال مضاعفة الاتصالات بين الدول، مما يسهم في إيجاد تفاهم مشترك. ولكنه أيضًا يضاعف فرص النزاع التي تؤدي إلى الاستياء، وحتى إلى الحرب 41. إن الاعتماد المتبادل الشديد هو حالة لا يستطيع طرف أن يتحرك فيها من دون التدافع مع آخرين؛ فحركة صغيرة يمكن أن تُحدث تموجات ذات أثر عبر المجتمع [النظام الدولي.] وكلما كانت الروابط الاجتماعية قوية، أصبح التأثير أقوى، ولا يستطيع أحد أن يعمل على تحقيق مصلحة خاصة به من دون أن يأخذ في الحسبان مصالح الآخرين، وعندها يتعامل أيّ بلد مع سياسات الآخرين وأفعالهم على أساس أنها أحداث تقع في نطاق سياسته ويحاول أن يتحكم فيها. لقد قيل بما فيه الكفاية إن الاعتماد المتبادل يشجّع على الحرب بقدر ما يشجع على السلام. وما يتطلب تأكيده هو أن الاعتماد المتبادل، أيًّا كان تأثيره، سلمً أم حربًا، من بين أضعف القوى التي تشكّل السياسة الدولية. يكون الاعتماد المتبادل أوثق داخل الدول الحديثة منه خارج حدودها وفي علاقاتها مع الدول الأخرى. لقد خُطط الاقتصاد السوفياتي لكي يحقق الاندماج، وليس الاعتماد المتبادل بين أجزائه المتباعدة فحسب. واعتمدت مصانع ضخمة في إنتاجها على منتجات جرى تبادلها مع مصانع أخرى. وعلى الرغم من الاندماج القوي للاقتصاد السوفياتي، فإن الدولة قد انقسمت. وتقدم يوغسلافيا أيضًا مث لً آخر صارخًا على ذلك، فعندما ضعف الضغط السياسي الخارجي، كانت المصالح الاقتصادية المحلية أضعف من أن تحافظ على البلد موحدًا، وهو ما يدفع إلى التساؤل إن كان الاعتماد المتبادل الاقتصادي نتيجةً أكثر منه سببًا. على المستوى الداخلي، يصبح الاعتماد المتبادل قويًا جدًا، بحيث تكون كلمة اندماج هي الكلمة المناسبة لوصفها، لأن توقّع رسوخ السلام والالتزام بالقانون يكون قويًا. أما على المستوى الخارجي، فتتدفق البضائع والأموال بحرّية عندما يبدو أن السلام بين الدول راسخ. إن الاعتماد المتبادل، مثل الاندماج، يعتمد على أوضاع أخرى. وهو بذلك يكون متغيرًا تابعًا لا متغيرًا مستقلً. وتتخذ الدول، متى استطاعت، مجموعة من التدابير الاحترازية حتى تتجنب الاعتماد الكبير على بضائع ومصادر قد تُ نع عنها أوقات الأزمات والحروب، كما تفعل اليابان في إدارة تجارتها، لتجنّب الاعتماد الكبير على الآخرين 42. يمتاز الدافع لحماية المرء [الدولة] لهويته ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا من التعدي من الآخرين بالقوة والثبات. وعندما يظهر أن الأمر قد أصبح أننا "سنغرق أو نسبح معًا"، فإن السباحة على انفراد تبدو أكثر جاذبية للقادرين على ذلك. منذ أفلاطون وبعده، جرى تخيّل مدن فاضلة مشيدة بعزلة عن الجيران لكي يتمكن الناس من بناء حياتهم الجماعية غير الضارة بالاتصال والاحتكاك مع الآخرين. ومع انعدام أيّ درجة من الاعتماد المتبادل، يكون من غير الممكن حدوث النزاع والحرب. ومع الاندماج، تصبح السياسة الدولية سياسة قومية 43، وتصبح المنطقة العازلة بينهما رمادية مع نتائج أحيانًا جيدة، حين تتوافر منافع تقسيم العمل، والفهم المتبادل، والثراء الثقافي، وأحيانًا تكون سيئة، حينما تقود إلى حماية تجارية، واستياء متبادل، ونزاع وحروب.

  1. أجاب هؤلاء إجابات قوية: John R. Oneal & Bruce Russett, "Assessing the Liberal Peace with Alternative Specifications: Trade still Reduce Conflict," Journal of Peace Research , vol. 36, no. 4 (July 1999), pp. 423-442; Bruce Russett, John R. Oneal & David R. Davis, "The Third Leg of Kantian Tripod for Peace: International Organizations and Militarized Disputes, 1950-85," International Organization , vol. 52, no. 3 (Summer 1998), pp. 441-467.
  2. Richard Rosecrance, The Rise of the Trading State: Commerce and Coalitions in the Modern World (New York: Basic Books, 1986); Susan Strange, The Retreat of the State: The Diffusion of Power in the World Economy (New York: Cambridge University Press, 1996).
  3. نورمان آنجل Angel Norman 1967-1872(:) سياسي وأديب بريطاني، كان معارضًا للحرب وحاول أن يجسد معارضته للحروب في كتاباته الأكاديمية، حيث جادل بأن الحرب خيار غير عقلاني على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وخاصة أن تكلفتها كبيرة جدًا وعواقبها كارثية، ومن غير المرجح أن تبدأ الدول الأوروبية حربًا فيما بينها، ولو وقعت فإنها لن تستمر
  4. Katherine Barbieri, "Economic Interdependence: A Path to Peace or a Sources of Interstate Conflict?" Journal of Peace Research , vol. 33, no. 1 (February 1996); Lawrence Keely, War before Civilization: The Myth of
  5. طويلً. وقد عبّ عن أفكاره في كتاب صاغه عام 1909 عنوانه Europe's Optical Illusion وعُرف في الولايات المتحدة باسم "الوهم الكبير" The Great Illusion. (المترجم)
  6. Peaceful Savage (New York: Oxford University Press, 1996), p. 196: يظهر أنه مع زيادة التجارة والتزاوج بين القبائل، أصبحت الحرب أكثر تكرارًا. 42 عن الدول التي تدير الاعتماد المتبادل لتجنّب التبعية المفرطة، ينظر خصوصًا: Robert Gilpin, The Political Economy of International Relations (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1987), chap.10; Suzanne Berger & Ronald Dore (eds.), National Diversity and Global Capitalism (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1996). 43  Steven L. Spiegel & Kenneth N. Waltz (eds.), Conflict in World Politics (Cambridge, MA: Winthrop, 19971), chap.13.

لقد جرى حجب معرفة التأثيرات المتفاوتة للاعتماد المتبادل، إذ تكسب بعض الأطراف [الدول] أكثر من غيرها، باستخدام مصطلح الاعتماد المتبادل غير المتماثل Interdependence Asymmetric، الذي قدّمه روبرت كيوهين وجوزيف ناي للتعبير عن علاقات التبعية والاستقلال بين الدول  44. فالدول المستقلة نسبيًا تكون في وضعٍ أقوى من الدول التابعة نسبيًا. فلو أنني أعتمد عليك أكثر مما تعتمد عليّ، فأنت تملك وسائل أكثر في التأثير فيّ وفي مصيري أكثر مما لديّ للتأثير فيك وفي مصيرك. ويشير مفهوم الاعتماد المتبادل على حالة تقريبية من التبعية المتساوية للدول بعضها لبعض. فحذف كلمة تبعية Dependence من مصطلح الاعتماد المتبادل Interdependence يزيل التباينات التي تميّز علاقات الدول، ويجعلها تبدو كأنها متكافئة. إن أكثر ما في السياسة الدولية، كما هو الحال في السياسة القومية، يدور حول التباينات في القوة، وعزل مجالاتٍ عن مجالات أخرى، كما أن التأكيد أن للدول الضعيفة ميزات في بعض هذه المجالات يقلل من الشعور بالتباين. ويزداد هذا الشعور قطعًا بإمكانية استبدال القوة في مجال معيّ بقوة تساويها في مجالات أخرى؛ مما يعزز الشعور بعدم التباين. ولولا ضعف القدرة على الاستبدال عند بعض الدول، لأمكن أن تحوز دول ضعيفة ميزات حاسمة في بعض القضايا. وهكذا، يجري التغافل عن تأثيرات التباين في القوة بين الدول. إن ضعف القدرة على استبدال القوة في مجال معيّ بما يوازيها في مجال آخر خاصٌ بالدول الصغيرة، أما الدول القوية فلديها القدرة على ذلك. وتاريخ السياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية يعجّ بأمثلة عن كيفية استخدامها لقدرتها الاقتصادية المتفوقة لتعزيز مصالحها السياسية والأمنية  45. في مقالة كتبتُها عام 1970، وصفتُ الاعتماد المتبادل بأنه أيديولوجيا استخدمها الأميركيون من أجل تغطية النفوذ القوي الذي تتمتع به الولايات المتحدة في السياسة الدولية من خلال إظهارها أن كل الدول، القوية والضعيفة، الغنية والفقيرة، داخلة في شبكة كثيفة من الاعتماد المتبادل  46. وقد توصلت سوزان سترينج في كتابها تراجع الدولة إلى النتيجة نفسها، ولكن عبر مسار مختلف. فهي في مناقشتها ترى أن الاندماج المتصاعد للاقتصاد العالمي، من خلال الإنتاج الدولي، قد حوّل القوة من الدولة إلى الأسواق العالمية. وفي هذا الصدد، تقدّم ثلاث فرضيات تدعم بها طرحها، وهي: تحولت القوة صعودًا، من الدول الضعيفة إلى دول أقوى لها تأثير عالمي، أو إقليمي. تتحول القوة من الدول إلى الأسواق، ومن ثمّ إلى قوى أخرى غير الدولة، استمدت قواها من حصتها في السوق. تلاشت بعض القوة من دون أن يمارسها أحد  47. في السياسة الدولية، حيث لا سلطة مركزية، قد تُفقد القوة، وأحيانًا تنتقل إلى السوق. وعندما يحدث هذا الفقدان الخطِر للقوة، تتدخل الدول الأقوى لإعادة الأمور إلى نصابها. وفي كل الأحوال، فإن شركات الدول الأقوى هي التي تتحكم في النصيب الأكبر في السوق. قد يشكك أحدهم في قدرة الأسواق على تجنّب سيطرة الدول الرئيسة أكثر مما فعلت في القرن التاسع عشر أو قبل ذلك، ولعلها الآن أقل قدرة بسبب ازدياد كفاءة الدول، وعلى الأقل بدرجة توازي الزيادات في حجم الأسواق وتعقيداتها. قد يعدّ أيُّ أحد، سواء كان واقعيًا أم لا، فرضية سوزان سترينج الأولى هي المهمة. فمنذ الإمبراطورية الرومانية، لم تتركز القوة بهذه الصورة في دولة واحدة. فعلى الرغم من اعتقاد سترينج أن القوة تحولت من الدول إلى الأسواق، فإنها اعترفت بالواقع. وقد لاحظت في بداية كتابها تقريبًا أن السلطة؛ أي القوة التي يتمتع بها المجتمع الأميركي على العالم، ومن ثم الولايات المتحدة على نحو غير مباشر، لا تزال أعظم من أيّ سلطة لدى أيّ مجتمع أو حكومة أخرى. وفي نهاية كتابها أشارت إلى أن سلطة الحكومات تنزع إلى تجاوز الحذر من الأسواق. ولو تساءل المرء عن الحكومة التي تفكر هي فيها لأجابت على الفور: "أن مصير المكسيك يتقرر في واشنطن أكثر مما يتقرر في سوق مال نيويورك. وصندوق النقد الدولي ملزم باتباع قيادة أميركا رغم الهواجس الألمانية واليابانية" 48. إن تاريخ القرنين الماضيين هو تاريخ اكتساب الحكومات المركزية المزيد من القوة. فلقد لاحظ ألكسيس دي توكفيل خلال زيارته

  1. Robert O. Keohane & Joseph S. Nye, Power and Interdependence , 2 nd ed. (New York: Harper-Collins, 1989).
  2. Theory of World Politics: Structural Realism and Beyond," in: Robert O. Keohane (ed.), Neorealism and its Critics (New York: Columbia University Press, 1986); وينظر أيضًا: Kenneth N. Waltz, "Reflection on Theory of International Politics: A Response to My Critics," in: Keohane (ed.); يحلل روبرت جيه آرت قابلية استبدال القوة بالتفصيل. ينظر: Robert J. Art, "American Foreign Policy and the Fungibility of Force,"
  3. Kenneth N. Waltz, "The Myth of National Interdependence," in: Charles P. Kindleberger (ed.), The International Corporation (Cambridge, MA: MIT Press, 1970).
  4. Strange, pp. 46, 189. 48  Ibid., pp. 25,192.
  5. Security Studies , vol. 5, no. 4 (Summer 1996).

الولايات المتحدة عام 1831 أن الحكومة الفدرالية نادرًا ما تتدخل في أيّ شأن غير الشؤون الخارجية، وأن حكومات الولايات المتحدة هي التي تدير فعليًا المجتمع في الولايات المتحدة  49. بعد الحرب العالمية الثانية، كانت حكومات أوروبا الغربية تتصرف فيما يقارب ربع دخل شعوبها، والآن أصبحت النسبة أكثر من النصف. وفي المرات التي كان فيها الأميركيون والبريطانيون والروس والصينيون ينتقدون تحكّم دولهم في شؤون حياتهم، كان محيّ ا القول إن الدول في حالة من فقدان السيطرة على شؤونها الخارجية. وهو ما يدفع إلى التساؤل عن وقت فقدان الحكومات لسيطرتها على شؤونها الخارجية؟ لا شك في أن دولً ضعيفة فقدت بعض نفوذها وسيطرتها على الأمور الخارجية، لكن الدول القوية لم تفقد نفوذها وسيطرتها. ليست هذه الأنماط جديدةً كليًا؛ ففي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تدخلت الدولة الأقوى [بريطانيا العظمى] التي كان لها انتشار واسع في كل أرجاء المعمورة وبَنت إمبراطورية واسعة هي الأكثر امتدادًا واستمرارًا في التاريخ. وفي القرن العشرين، كررت الدولة الأقوى [الولايات المتحدة] السلوك التدخلي البريطاني ذاته، على نطاق واسع منذ نهاية الحرب الباردة، لكن من دون بناء إمبراطورية. ولا يعني غياب إمبراطورية أن حدود نفوذ أميركا وسيطرتها على سلوك الآخرين أقل أهمية. إن الفكرة القائلة بتلاشي قوة الدولة، داخليًا وخارجيًا، ما هي إلا تعبير عن رغبة ووهم أكثر منه تعبيرًا عن الواقع في كافة أنحاء العالم. لقد كان الاعتماد المتبادل في عهد السلام البريطاني  50 بين الدول منتشرًا على نحو غير اعتيادي، مما قاد كثيرين إلى التنبؤ بمستقبل من السلام والازدهار على المستوى الدولي. وبدلً من ذلك، وقعت حروب طويلة، واعتمدت الدول سياسات اقتصادية حمائية قائمة على ضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي والاستقلال، وتبعها مزيد من الحروب فيما بينها. إن النظام الاقتصادي الدولي [نظام بريتون وودز] 51، الذي أُنشئ برعاية الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وُعُدّل لاحقًا على نحو يلائم أهدافها، قد يبقى مدةً أطول، وقد لا يبقى وينهار؛ ذلك أن مظهر السياسة الدولية يتغير إذا ما قوي أو ضعف الاعتماد المتبادل. ومع ذلك، وحتى مع تغير طبيعة العلاقات بين الدول، فإن الدول تبقى مسؤولة عن ذاتها، أو عليها أن تعتني بنفسها بأفضل ما تستطيع في بيئة دولية فوضوية. وعلى المستوى الدولي، كان القرن العشرين قرنًا غير سارّ في أغلب فتراته. لكن في ربعه الأخير، بدأت الغيوم تنقشع قليلًا، إلا أن خمسةً وعشرين عامًا لا تشكّل إلا قاعدة ضعيفة لكي تُبنى عليها نتائج متفائلة بالمستقبل. لا تعتبر آثار الاعتماد المتبادل الوثيق إشكاليةً فحسب، بل إن إشكاليتها تكمن أيضًا في استمراريتها.

ثًالث ا: الدور المحدود للمؤسسات الدولية

إن أحد الاتهامات التي وُجهت إلى النظرية الواقعية هو تقليلها من أهمية المؤسسات. وهذا الاتهام مبرر؛ إذ إن استمرار حلف شمال الأطلسي "الناتو" بعد انتفاء الهدف الذي تأسس من أجله، يؤكد ما ذهب إليه الواقعيون من أن المؤسسات الدولية ليس لها تأثير مستقل، بل تُشكلها وتُحدد دورها الدولُ التي تؤسسها وتحافظ عليها. وبعيدًا عن مسألة النظرية الواقعية أو التشكيك فيها، لم يولِ الليبراليون المؤسساتيون إلا اهتمامًا قليلً بالمنظمات التي تأسست لضمان أمن الدول، ويبيّ تاريخ حلف الناتو الحديث مدى خضوع المؤسسات الدولية للأهداف القومية للدول طالما أن الحلف بقي قائمًا بعد انتهاء الحرب الباردة، واستمر توسعه والتزامه بقبول أعضاء أكثر على نحو مخالف لاستنتاجات مستمدة من نظريات واقعية.

1. تفسير المؤسسات الدولية

تتغير طبيعة المؤسسات وأهدافها باختلاف البنى الدولية. لقد كان جوهر أيّ حلف يتكوّن من عدد قليل من الدول الصغيرة ذات القدرات المتقاربة في النظام القديم المتعدد الأقطاب، وفيه تكون إسهامات هذه الدول في أمن بعضها بعضًا مهمة جدًا نظرًا إلى تقارب أحجامها. وحيث إن الاعتماد المتبادل عسكريًا بين الحلفاء الرئيسين يكون وثيق العرى، فإن انسحاب أحدهم يعرّض الشركاء الآخرين لخطر الحلف المنافس. ففي الفترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، كان أعضاء الأحلاف المتنافسة مترابطين ترابطًا وثيقًا بسبب الاعتماد المتبادل فيما بينهم. وفي نظام القطبية الثنائية، أخذت كلمة حلف معنى مغايرًا. فبلد واحد، كالولايات المتحدة أو الاتحاد السوفياتي، وفّر لكتلته أغلب متطلبات الأمن. ولم يتسبب انسحاب فرنسا من

  1. Alexis de Tocqueville, Democracy in America , J. P. Mayer (ed.), George Lawrence (trans.) (New York: Harper Perennial, 1988), p. 446, n. 1.
  2. عهد السلام البريطاني Britannica Pax: هو الحقبة التي ساد فيها السلام والاستقرار نسبيًا بين القوى الكبرى 1914-1815()، بعد أن باتت الإمبراطورية البريطانية القوة العظمى التي تمارس نفوذها وسيطرتها على مناطق واسعة من العالم، فلم يكن لدى بريطانيا العظمى منافس حقيقي بعد هزيمة فرنسا النابليونية. (المترجم)
  3. نظام بريتون وودز Woods Bretton: هو نظام اقتصادي جرى وضع أسسه في الفترة 22-1 تموز/ يوليو 1944 في الولايات المتحدة، وذلك بهدف إدارة قواعد العلاقات التجارية والمالية والنقدية بين الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبا الغربية وأستراليا واليابان. وقد حث نظام بريتون وودز الدول على ضمان قابلية تحويل عملاتها إلى الدولار الأميركي في حدود 1 في المئة من معدلات التكافؤ الثابت، مع تحويل الدولار إلى سبائك ذهب للحكومات الأجنبية والبنوك المركزية بسعر 35 دولارًا أميركيًا للأوقية من الذهب الخالص (أو 0.88867 غم من الذهب الخالص لكل دولار.) (المترجم)

قيادة حلف الناتو العسكرية، وابتعاد الصين عن الكتلة السوفياتية، في الإخلال بالتوازن الرئيس المتحقق بين الكتلتين. وفي المراحل الأولى من الحرب الباردة، كان الأميركيون يتحدثون بخوفٍ عما تمثّله القوة المجتمعة للاتحاد السوفياتي والصين، ومع ذلك لم يُحدث تفكك كتلتيهما أيَّ إخلال بالتوازن. ولم يُظهر المسؤولون الأميركيون ما يدل على إمكانية تخفيض ميزانية الدفاع بنسبة 20 أو 10 في المئة، أو بأيّ نسبة عند تفكك التحالف الصيني – السوفياتي. وبالمثل، عندما توقفت فرنسا عن القيام بدورها في الخطط العسكرية لحلف الناتو، لم يطالب المسؤولون الأميركيون بزيادة نفقات الدفاع من أجل ذلك السبب. وإذا ما تحدّثنا بدقة، فإن حلفي الناتو ووارسو كانا اتفاقيتَي ضمان أمني أكثر مما هما حلفان عسكريان بالمعنى التقليدي  52. لقد ذكر غلين سنايدر أن "الأحلاف لا قيمة لها بمعزل عن تهديد العدو الذي أُقيمت الأحلاف استجابةً له" 53. لقد توقعتُ أن ينحسر حلف الناتو مع نهاية الحرب الباردة وأن يختفي في النهاية  54. وإلى حدٍ ما، لا يزال هذا التوقع ساري المفعول. لم يعُد حلف الناتو اتفاقية ضمان أمني؛ لأن أحدًا لا يمكن أن يجيب عن السؤال: ضد من يكون الضمان؟ إن المهمات تتغير بتغير البنى، وبالمثل يتغير سلوك الدول. وبناء عليه، فقد غيّ ت نهاية الحرب الباردة سريعًا سلوك البلاد المتحالفة. فمع بداية تموز/ يوليو 1990، أعلن حلف الناتو أنه يدرس تفاصيل خطط تأسيس قوة جديدة تتناسب مع التغيرات الثورية في أوروبا  55. وفي نهاية الشهر نفسه، أعلنت الدول الأوروبية الرئيسة الأعضاء في حلف الناتو بشكل منفرد تخفيضات كبيرة في مستويات قواتها العسكرية من دون انتظار لتلك الخطط. ولم يعد هناك حتى أيّ مظهر من مظاهر العمل على وضع سياسة عسكرية كحلف. وبعد أن زال الهدف القديم للحلف، وتغير السلوك الفردي والجماعي لأعضائه، فكيف يمكن تفسير بقائه وتوسعه؟ إن خلق المؤسسات وشروعها في الحركة والعمل على برامجها التي تأسست من أجلها أمر صعب، لكن ما أن تُوجَد، كما يدعي المؤسساتيون، فإنها تُطوّر حياة خاصة بها؛ فهي تتصرف بدرجة معينة من الاستقلالية، وتصبح أقل اعتمادًا على إرادات مؤسّسيها وأعضائها. ولذا، فهم يفترضون أن حالة حلف الناتو تؤكد هذه الأفكار. إن المنظمات، لا سيما الكبيرة منها ذات التقاليد الراسخة، تبقى طويلً، ويُستشهد أحيانًا بحالة المنظمة الخيرية "مسيرة السنتات العشرة" The March of Dimes على أنها نموذج على قدرة المؤسسات التي قامت من أجل هدف واحد وبقيت بعد تحقيقها هدفها الأصلي. فهذه المنظمة بعد انتصارها على مرض شلل الأطفال الذي قامت من أجل مكافحته، قد حققت مهمتها. لكنها بعد ذلك بحثت عن مرض جديد لمعالجته واحتوائه. ونظرًا إلى أن كثيرًا من الأمراض التي تتطلب رعايةً، مثل السرطان وأمراض القلب والرئتين وتليف المرارة وتصلب الأنسجة المركب، قد جرى تولّيها مسبقًا، فقد وجدت المنظمة قضية مهمة تناضل من أجلها، وهي معالجة الأمراض المصاحبة منذ الولادة. هنا يستطيع المرء الادعاء بأن منظمة تستطيع الاستمرار مثل هذه تناضل من أجل هدف ينسجم مع أهدافها الأصلية. ولكن كيف يمكن تقديم المقولة ذاتها عند تناول حلف الناتو؟ قد لا تكون مسألة هدف المنظمة مهمة جدًا، إذ ما عليك إلا أن توجد المؤسسة وستجد ما تقوم به  56. إن المنظمة حين تُؤسس، وأكثر من ذلك، عندما تترسخ، يكون من الصعب التخلص منها. فالمنظمة الكبيرة تُدار بعدد كبير من الموظفين الذين تكون لديهم مصلحة قوية بديمومتها. وبحسب تقديرات غونثر هيلمان ورينهارد وولف، فقد كان يعمل في مقرات حلف الناتو، عام 1993، 2640 موظفًا، ومن المحتمل أن أغلبهم يريد المحافظة على وظيفته  57. لقد فسر المؤسساتيون بقاء حلف الناتو على الرغم من تغير بنية السياسة الدولية، وانتفاء الهدف الأول لوجوده، على أنه دليل قوي على استقلالية المؤسسات وأهميتها. لا يدرك التفسير المؤسساتي النقطة الجوهرية في الموضوع. فالناتو، أولً وأخيرًا، اتفاقية وضعتها الدول. والبيروقراطية الدولية المتحصنة بقوة تستطيع المساعدة في المحافظة على منظمة، لكن الدول هي التي تقرر مصيرها. ويأخذ المؤسساتيون الليبراليون النشاط الظاهر للناتو على أنه تأكيد على أهمية المؤسسة الدولية، وعلى مرونتها. يرى الواقعيون أن الناتو بوصفه حلفًا قد فقد وظيفته الرئيسة، وأنه بالدرجة الأولى وسيلة لاستمرار وإطالة أمد السيطرة الأميركية على

  1. Kenneth N. Waltz, "International Structure, National Force, and the Balance of World Power," Journal of International Affairs , vol. 21, no. 2 (1967), p. 219.
  2. Glenn H. Snyder, Alliance Politics (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1997), p. 192.
  3. Kenneth N. Waltz, "The Emerging Structure of International Politics," International Security , vol. 18, no. 2 (Fall 1993), pp. 75-76.
  4. John Roper, "Shaping Strategy without the Threat," Adephi Paper 257 (London: International Institute for Strategic Studies, 1990-91), pp. 80-81.
  5. Joseph A. Schumpeter, Imperialism and Social Classes (New York: Meridian Books, 1995), p. 25
  6. Gunther Hellmann & Reinhard Wolf, "Neorealism, Neoliberal Institutionalism, and the Future of NATO," Security Studies , vol. 3, no. 1 (Autumn 1993), p. 20.

السياسات الخارجية والعسكرية للدول الأوروبية. وقد حدد بدقة الدورَ الجديد للناتو نائبُ وكيل وزارة الخارجية للشؤون الأوروبية جون كورنبلوم بقوله: "إن الحلف يوفر وسيلة لاستخدام القوة والرؤية الأميركيتين في النظام الأمني الأوروبي" 58. يخبرنا بقاء الناتو وتوسعه الكثير عن القوة والنفوذ الأميركييّن، والقليل عن المؤسسات بوصفها كيانات متعددة الأطراف. وقد تبيّ قدرة الولايات المتحدة على إطالة حياة مؤسسةٍ تحتضر، بدقة، كيفية إيجاد المؤسسات الدولية والمحافظة عليها من الدول الأقوى من أجل خدمة مصالحها المنظورة وغير المنظورة. لقد رأت إدارة الرئيس جورج بوش ومن بعدها إدارة الرئيس بيل كلينتون أن حلف الناتو أداة للمحافظة على هيمنة الولايات المتحدة على السياسات الخارجية والدفاعية الأوروبية. ففي عام 1991، حذرت رسالة من نائب وزير الخارجية الأميركية ريجينالد بارثولومو Reginald Bartholomew إلى الحكومات الأوروبية الأعضاء في الحلف من اتخاذ مواقف مستقلة في مجال الدفاع. فحين فكرت فرنسا وألمانيا في إمكانية تطوير هوية أمنية أوروبية ضمن الاتحاد الأوروبي، وأن اتحاد أوروبا الغربية، المؤسس عام 1954، قد يجري إحياؤه لتحقيق هذه الهوية، أسرعت إدارة الرئيس بوش إلى إخماد هذه الأفكار. وفي اليوم الأول بعد توقيع معاهدة ماسترخت  59 في كانون الأول/ ديسمبر 1991، صرّح بوش بارتياح "نحن مسرورون لكون حلفائنا في اتحاد أوروبا الغربية[...]قرروا تقوية تلك المؤسسة باعتبارها الدعامة الأوروبية لحلف الناتو والجوهر الدفاعي للاتحاد الأوروبي" 60. لقد كان مطلوبًا احتواء الدعامة الأوروبية ضمن حلف الناتو، وأن تُصنع سياسته في واشنطن. فالدول الأضعف ليس لديها القدرة على تغيير المؤسسات لتخدم أهدافها الخاصة بالطرائق التي تريدها، لا سيما في المجال الأمني. وهنا علينا إمعان النظر في فشل الجماعة الدفاعية الأوروبية  61 في عام 1954، على الرغم من الدعم الأميركي لها، وعدم قدرة اتحاد أوروبا الغربية 62، على الرغم من مرور أربعة عقود على تأسيسه، على إيجاد دور مهم ومستقل عن الولايات المتحدة. إن النظرية الواقعية تكشف ما تحجبه "نظرية" المؤسساتية الليبرالية، وتحديدًا كون المؤسسات الدولية تخدم على نحو رئيس المصالح القومية، وليس المصالح الدولية 63. وفي رد روبرت كوهين وليزا مارتين على انتقاد جون ميرشايمر للمؤسساتية الليبرالية، يسألان: كيف يمكننا "تفسير إدارة الدول الكبرى في توظيف موارد في عملية التوسع في المؤسسات الدولية لو لم تكن لمثل هذه المؤسسات أهمية؟  64 إذا لم تكن الإجابة واضحة حتى الآن، فإن توسيع الناتو سيوضحها: خدمة ما تعدّه الدول القوية مصالحها. وحينما كانت سياسة الإدارة الأميركية تواجه مشكلة في البوسنة، احتاج الرئيس كلينتون إلى إظهار نفسه قائدًا مؤثرًا في السياسة الخارجية. ومع مطالبة ليخ فاليسا 65 (بولندا) وفاتسلاف هافيل 66 (تشيكيا)، بقوةٍ صاخبة، إدخال بلديهما في الحلف، فإن منع العضوية عنهما كان سيعطي الحزب الجمهوري قضية في انتخابات الكونغرس عام 1994. وللحصول على التأييد لتوسيع الحلف شرقًا، ألقى الرئيس كلينتون عدة خطب تؤيد ذلك في مدن ميلوكي وكليفلند وديترويت، وهي المدن التي تعيش فيها أعداد كبيرة من الناخبين ممن لديهم ارتباطات بأوروبا الشرقية  67. إن أصوات الناخبين والأموال هما

  1. John Kornblum, "NATO's Second Half Century-Tasks for an Alliance," Conference Report for "NATO on Track for the 21 st Century" Netherlands Atlantic Commission, The Hague, 1994, p. 14.
  2. معاهدة ماسترخت: هي المعاهدة المؤسسة للاتحاد الأوروبي European Union, EU، التي بموجبها انتقلت الجماعة الأوروبية EC إلى اتحاد أوروبي، حيث اجتمع رؤساء حكومات ودول الجماعة الأوروبية الاثنا عشر في كانون الأول/ ديسمبر 1991 في مدينة ماسترخت الهولندية، ووافقوا على الاتفاقية المؤسِّسة للاتحاد الأوروبي European on Treaty TEU Union,، وهو اسمها الرسمي. وقد جرى توقيعها في 7 شباط/ فبراير 1992، ودخلت حيز التنفيذ في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1993 في لحظة تاريخية فارقة ومميزة في النظام
  3. Mark S. Sheetz, "Correspondence: Debating the Unipolar Moment,"
  4. الجماعة الأوروبية للدفاع EDC Community, Defense European: وَقّعت الدول الأعضاء في الجماعة الأوروبية للفحم والصلب في الاجتماع الذي عُقد في 27 أيار/ مايو 1952 في باريس معاهدة جديدة تؤسس الجماعة الأوروبية للدفاع التي تنص على إنشاء جيش أوروبي يتكوّن من أربعين فرقة عسكرية تحت إشراف مؤسسة فوق قومية، تقود عملياته في حال تعرضت إحدى الدول الأعضاء لاعتداء خارجي. لم تدخل هذه المعاهدة حيّز التنفيذ، ولم تُصدَّق بسبب رفض الجمعية الوطنية الفرنسية في 30 آب/ أغسطس 1954. (المترجم)
  5. اتحاد أوروبا الغربية WEU Union, European Western: في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 1954، أسّست الدول الموقّعة اتفاقية بروكسل في عام 1948، وهي بريطانيا وفرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا، اتحاد أوروبا الغربية الذي كان بمنزلة المنظمة الدولية والتحالف العسكري الذي خلف الاتحاد الغربي WU بعد تعديل معاهدة بروكسل. وقد انضمت هذه الكتلة إلى حلف الناتو لتكون جزءًا منه. (المترجم)
  6. Cf. Alan S. Milward, The European Rescue of the Nation-State (Berkeley: University of California Press, 1992).
  7. Robert O. Keohane & Lisa L. Martin, "The Promise of Institutionalist Theory," International Security , vol. 20, no. 1 (Summer 1995), p. 40.
  8. ليخ فاليسا sa ę Wał Lech: رئيس بولندا 1995-1900(.) (المترجم) 66 فاتسلاف هافيل Havel Václav: رئيس التشيك في فترتين؛ الأولى)1992-1989(والثانية 2003-1993(.) (المترجم) 67  James M. Goldgeier, "NATO Expansion: The Anatomy of a Decision," Washington Quarterly , vol. 21, no. 1 (Winter 1998), pp. 94-95; James M. Goldgeier, Not Whether but When: The U.S. Decision to Enlarge NATO (Washington, DC: Brookings, 1999).
  9. الدولي، تمثّلت في انهيار جدار برلين وتوحيد ألمانيا وانهيار الاتحاد السوفياتي. (المترجم)
  10. International Security , vol. 22, no. 3 (Winter 1997-98), p. 170; Mike Winnerstig, "Rethinking Alliance Dynamics," paper presented at the Annual Meeting of the International Studies Association, Washington, DC, 18-22/3/1997, p. 23.

عصب الحياة السياسية الأميركية. وحيث إن انضمام أعضاء جدد في الحلف سيتطلب تحسين هؤلاء الأعضاء بناهم العسكرية الأساسية وشراء أسلحة حديثة، فقد ضغطت الشركات الصناعية العسكرية الأميركية، التي تتوقع الحصول على نصيب كبير في السوق الجديدة، كثيرًا في سبيل توسيع الحلف  68. إن أسباب توسيع حلف الناتو واهية، في حين أن الأسباب الداعية إلى معارضة ذلك قوية  69. فالتوسع يرسم خطوطًا جديدة للتقسيم في أوروبا، وينفّر من الدول التي ستبقى خارجه، ولن يكون له مكان منطقي للتوقف عنده غرب روسيا. فهو يُضعف القوى الروسية التي تنحو إلى الديمقراطية الغربية واقتصاد السوق، ويقوّي الروس من ذوي الاتجاهات الأخرى المضادة، ويقلل الأمل في تخفيض كبير في التسلح النووي. فضلً عن أنه يدفع روسيا في اتجاه الصين بدلً من جذبها إلى أوروبا والولايات المتحدة. والناتو، بقيادة الولايات المتحدة، نادرًا ما يأخذ في الحسبان مأزق الخصم المهزوم. طوال التاريخ الحديث، كانت روسيا مرفوضة في الغرب، ومعزولة، وأحيانًا محاصرة. ويعتقد كثير من الروس أن الناتو بتوسعه شرقًا يُخلّ بوقاحة بالوعد الذي قطعه على نفسه عامَي 1990 و 1991 بعدم السماح للأعضاء السابقين في حلف وارسو بالانضمام إليه. فالروس يخشون، لأسباب حقيقية، من أن الناتو لن يكتفي بضمّ الأعضاء السابقين في حلف وراسو، بل أيضًا بضمّ جمهوريات سابقة في الاتحاد السوفياتي. ففي عام 1997، اشترك الحلف في تدريبات بحرية في أوكرانيا في البحر الأسود، وجرى الاتفاق على أن تكون هناك تدريبات مشتركة في المستقبل، وأعلن خططًا لاستخدام منطقة تجارب عسكرية موجودة في الغرب الأوكراني. وفي حزيران/ يونيو 1998، ذهب زبيغنيو بريجينسكي 70 إلى كييف برسالة مفادها أن على أوكرانيا إعداد نفسها للانضمام إلى الناتو عام 2010 71. فزيادة الدخول في النطاق السوفياتي السابق يزيد من دفع روسيا إلى التوجه شرقًا أكثر منه غربًا. إن الناتو بتوسّعه يوسّع مصالحه العسكرية، ويضخّم مسؤولياته، ويزيد من واجباته. فالأعضاء الجدد لا يحتاجون إلى حمايته فحسب، بل أيضًا مضاعفة اهتمامه بالأحداث التي تسبب عدم الاستقرار قرب حدوده. لذا، تصبح اضطرابات البلقان هًّمًّ له، وليس هًّمًّ أوروبيًا فحسب. وهذا ما حدث، إذ في غياب المبادرة الأوروبية، رأى الأميركيون أن عليهم القيام بالدور القيادي في ذلك، لأن الثقة بالناتو كانت على المحك. لقد فاقمت العمليات الجوية، وإلى حد أبعد العمليات الأرضية في البلقان، من اختلافات المصالح بين أعضاء حلف الناتو، وتوترت أوضاعه هو نفسه. لقد اندهش أعضاء الحلف الأوروبيون من القدرات الأميركية في مجالات الاستطلاع والاتصال، وراقبوا بخوفٍ القدرات العسكرية الحديثة المتاحة للقيادة الأميركية. وبسبب إدراك الأوروبيين ضعفهم، فقد عبّ وا عن تصميمهم على تحديث قواتهم وتطوير قدراتهم على نحو مستقل. إن ردة الفعل الأوروبية على العمليات في البلقان تماثل تصميمهم على معالجة الاختلالات التي ظهرت عام 1991 خلال حرب الخليج، التي لم تكن لها إلا نتائج ضئيلة. هل سيكون الأمر مختلفًا هذه المرة؟ ولكن لو نجحت الدول الأوروبية في تحقيق أهدافها بإنشاء قوة تدخّل سريع مكونة من 06 ألف عنصر، وفي إعطاء دور أكبر لاتحاد أوروبا الغربية، فإن التوتر بين حلف تقوده الولايات المتحدة، والناتو الذي يسمح بعمل أوروبي مستقل سيكون مزعجًا مرة ثانية. ومهما كان الأمر، فإن إمكانية التدخل عسكريًا في منطقة البلقان يضع الحلف أمام امتحان، وقد يُؤجّل إلى أجلٍ غير مسمى توسعةً أكبر له. إن توسيع الحلف هو استدعاء للمشكلات، وازديادها قد يوقف توسّعه. تعمل الأوضاع الأوروبية والمعارضة الروسية ضد تمدد الحلف شرقًا. والدفع في اتجاه معاكس هو دليل على القوة الدافعة للتوسع الأميركي، التي غالبًا ما يصعب تحجيمها، وهي فكرة تؤكدها تجارب إمبراطوريات روما الجمهورية وروسيا القيصرية وبريطانيا الليبرالية. غالبًا ما يجري التذكير بأن الولايات المتحدة ليست القوة المهيمنة فحسب، ولكنها قوة ليبرالية مهيمنة. صحيح أن دوافع مخترعي التوسع الليبرالي، مثل كلينتون وأنطوني ليك وآخرين، كانت تعزيز الديمقراطية في البلدان الناشئة الضعيفة التي تعاني المشكلات. ولكن قد يتساءل المرء: لماذا تكون هذه المهمة أميركيةً، وليست أوروبية؟ ولماذا يجب أن يُنظر إلى وسائل عسكرية وليس إلى منظمة سياسية - اقتصادية باعتبارها أداة ملائمة لتحقيق ذلك. فمهمة بناء ديمقراطية

  1. William D. Hartung, Welfare for Weapons Dealers 1998: The Hidden Cost of NATO Expansion (New York: New School of Social Research, World Policy Institute, 1998); Jeff Gerth & Tim Weiner, "Arms Makers See Bonanza in Selling NATO Expansion," The New York Times , 29/6/1997, pp. I, 8.
  2. Michael E. Brown, "The Flawed Logic of Expansion," Survival , vol. 37, no. 1 (Spring 1995), pp. 34-52; Michael Mandelbaum, The Dawn of Peace in Europe (New York: Twentieth Century Fund Press, 1996); Philip Zelikow, "The Masque of Institutions," Survival , vol. 38, no. 1 (Spring 1996).
  3. زبيغنيو بريجينسكي ski (1928 ń Brzezi 2017-Zbigniew:) أكاديمي وسياسي أميركي، عمل مستشارًا للأمن القومي الأميركي في إدارة الرئيس جيمي كارتر 1981-1977(.) له عدد من الكتب في مجال السياسة الخارجية الأميركية، منها: الاختيار: السيطرة على العالم أم قيادة العالم؛ الفشل الكبير؛ القوة والمبدأ؛ رقعة الشطرنج الكبرى: الأولوية الأميركية وضروراتها الجيوستراتيجية، و الفرصة الثانية: ثلاثة رؤساء وأزمة القوة العظمى الأميركية. (المترجم)
  4. J. L. Black, Russia Face NATO Expansion: Bearing Gifts or Bearing Arms? (Lanham, Md: Rowman and Littlefield, 2000), pp. 5-35, 175-201.

ليست مهمة عسكرية. والأمن العسكري لأعضاء حلف الناتو الجدد ليس مهددًا، لكن تطورهم السياسي وازدهارهم الاقتصادي هما المهدَّدان. في عام 1997، تحدث فرانكلين كريمر Kramer Franklin مساعد وزير الدفاع الأميركي إلى وزارة الدفاع التشيكية بشأن عدم إنفاقها إلا القليل من المال على الدفاع  72. علاوة على ذلك، يبطّئ الاستثمار في الدفاع من النمو الاقتصادي. ومن خلال التقديرات جميعها، فإن النفقات العسكرية لا تحفّز النمو الاقتصادي بمقدار نصف ما يحفزه الاستثمار المباشر في الاقتصاد. والمشكلة في أوروبا الشرقية تكمن في الأمن الاقتصادي وليس في الأمن العسكري، والدخول في حلف عسكري هو ما يزيد المشكلة. يقود استخدام نموذج حلف الناتو للتأكيد على عدم ملاءمة النظرية الواقعية بعد الحرب الباردة إلى بعض النتائج المهمة. لقد تصرّف المنتصر في الحرب الباردة، والقوة العظمى الوحيدة الباقية في العالم كما تتصرف عادة القوى التي لا تقابلها قوة كابحة. ففي غياب قوة موازية، تتقدم الدوافع الداخلية، سواء أكانت ليبرالية أم غيرها. إن خطأ التنبؤات الواقعية بأن نهاية الحرب الباردة ستعني نهاية حلف الناتو لم يأت من فشل النظرية الواقعية في فهم السياسة الدولية، بل من عدم التقدير الصحيح للحماقة الأميركية. فبقاء الحلف وتوسعه يبيّنان محدودية التفسيرات البنيوية، وليس خللها. تشكّل البنى الدولية الدول، لكنها لا تقرر أفعالها الدول. إن الدولة الأقوى هي التي تكون قادرة على تكييف سياستها ومواءمتها مع الضغوط البنيوية، وإذا ما كانت ستستفيد من الفرص التي يوفرها التغيير البنيوي، ولا يوجد إلا القليل الذي تخشاه من التأثيرات غير المواتية على المدى القصير. هل يقدم المؤسساتيون الليبراليون تفسيرًا أفضل لبقاء حلف الناتو وتوسعه؟ بحسب رأي روبرت كيوهان وليزا مارتين، يصرّ الواقعيون على أنه ليس للمؤسسات إلا تأثيرات هامشية  73. ويخلص الواقعيون، على عكس ما ذهب إليه المؤسساتيون، إلى أن المؤسسات، سواء أكانت تأثيراتها قوية أم ضعيفة، تعتمد على ما تريده الدول. فالدول القوية تستخدم المؤسسات وتفسّ القوانين بحسب ما يلائمها. وقد لاحظت سوزان سترينج، في معالجتها الفكرية لتراجع الدولة، أن المنظمة الدولية هي قبل كل شيء آخر أداة للحكومة القومية، ووسيلة لتحقيق مصلحتها القومية بوسائل أخرى  74. واللافت للانتباه أن كيوهين ومارتن، في سعيهما لتفنيد نقد ميرشايمر اللاذع للنظرية المؤسسية، يتفقان معه. ففي ادعائهما أن واقعيته "ليست محددة"، أشارا إلى أن "النظرية المؤسسية تصوغ مفهوم conceptualize المؤسسات بوصفها متغيرات مزدوجة، مستقلة وتابعة، في الوقت نفسه" 75. علامَ يعتمد المتغير التابع؟ على "حقائق القوة والمصلحة"، وينتهي الأمر إلى أن "المؤسسات تقوم بدور مهم إذا ما اقترنت بحقيقة القوة  76. نعم! إن المؤسسية الليبرالية، كما يقول ميرشايمر "لم تعد تشكّل بديلً واضحًا من الواقعية، بل في حقيقة الأمر جرى استيعابها فيها" 77. وبالفعل، لم تكن المؤسساتية الليبرالية قطّ بديلً من الواقعية. فالنظرية المؤسسية، كما يؤكد كيوهين، تقوم في جوهرها على الواقعية البنيوية، التي حاول كيوهين وناي "توسيعها" 78. يبدأ المنهج المؤسسي بنظرية بنيوية، ويطبقها على أصول المؤسسات وعملياتها، وينتهي على نحو غير مفاجئ إلى نتائج واقعية. تُظهر الأحلاف ضعف النظرية المؤسساتية بصورة غير عادية. فهي تنسب إلى المؤسسات تأثيرات سببية ينشأ أغلبها داخل الدول. وحالة حلف الناتو توضح بدقة هذا الخلل. يقول كيوهين "إن الأحلاف مؤسسات، ديمومتها وقوتها على حد سواء[...]قد تعتمد جزئيًا على خصائصها المؤسسية" 79. أفترض صحة ذلك إلى حد ما، ولكن يجب السؤال عن مقدار هذا الجزء ومدى اتساعه. لقد دام الحلف الثلاثي (ألمانيا، والنمسا والمجر، وإيطاليا) والوفاق الثلاثي (فرنسا، وبريطانيا، وروسيا) طويلً. وكان مردّ استمرارهما غير مرتبط بمؤسسات الحلف، إذ لم تكن هناك مؤسسات، ولكن لأن الأعضاء الأساسيين في كل من الحلفين نظروا إلى الخارج فوجدوا تهديدًا جدّيًا لأمنهم. فالأحلاف السابقة لم تفتقد إلى المؤسسات لأنها لم تعرف كيف تُقيمها، وإنما لاستمرار التوازن بين أطراف الحلف الواحد، وبينه وبين الحلف الآخر، في غياب قوة قيادية مهيمنة. لقد بقي حلف الناتو حلفًا عسكريًا طوال القوت الذي كانت الدول الأعضاء فيه تشعر بالتهديد السوفياتي المباشر لها. والحلف باقٍ الآن ويتوسع ليس بسبب مؤسساته، ولكن على نحو رئيس لأن الولايات المتحدة تريد بقاءه.

  1. Ibid., p. 72.
  2. 78  Keohane & Nye, p. 251; Keohane, "Theory of World Politics," p. 193, حيث يصف نهجه بأنه "برنامج أبحاث بنيوي معدّل." 79  Robert O. Keohane, International Institutions and State Power: Essays in International Relations Theory (Boulder, CO: Westview, 1989).
  3. Strange, p. xiv, 192-193; Edward Hallett Carr, The Twenty Year's Crisis,
  4. Keohane & Martin.
  5. Ibid., p. 42.
  6. John J. Mearsheimer, "A Realist Reply," International Security , vol. 20, no. 1 (1995), p. 85.
  7. 73  Keohane & Martin, pp. 42,46.
  8. 1919–1939 (London/ New York: The Macmillan Company, 1939), p. 107. الحكومة الدولية، في الواقع، حكومة تلك الدولة التي توفر القوة اللازمة من أجل الحكم.

يكشف بقاء حلف الناتو أيضًا عن جانب مهم من نظرية توازن القوى. لقد حاول روبرت آرت أن يبرهن بقوة على أنه من دون الحلف والقوات الأميركية في أوروبا، فإن الدول الأوروبية ستقع في "منافسة أمنية" فيما بينها 80. وكما يؤكد، فإن الافتراض افتراض واقعي. وفي رأيه، إن المحافظة على الحلف، والمحافظة على الدور القيادي الأميركي له، مطلوبان لمنع وقوع منافسة أمنية تشجّع على الخلاف، وتعطّل عمل المؤسسات في الاتحاد الأوروبي. إن حلف الناتو الآن خارج عن أيّ قياس؛ فمنع التوتر داخله هو المهمة الرئيسة الباقية، وهي مهمة ليست له، بل للولايات المتحدة قائدته. إن إدارة العلاقات داخل أيّ حلف مهمة ثانوية، وقد بقيت في الناتو لتتولاها الولايات المتحدة، مع أن المهمة الأساسية، وهي الدفاع ضد عدو خارجي، انتفت. تستحق هذه النقطة التأمل، ولكنني لا أحتاج إلى القول إن ذلك يبيّ إلى حد بعيد مدى اعتماد المؤسسات الدولية على القرارات القومية. إن التوازن غير حتمي في أوروبا، لأن وجود قوة مهيمنة يمنع حدوثه. وبحسب قول دبلوماسي أوروبي كبير "ليس من المقبول أن تكون الدولة القائدة أوروبية؛ فقوة أوروبية تملك مفاتيح القوة ستكون قوة مهيمنة، فنحن نستطيع أن نتفق على القيادة الأميركية لنا، ولكننا لا نتفق على أن تكون القيادة لأحدنا" 81. إذًا، فالقبول بقيادة دولة مهيمنة يمنع بروز توازن القوى في أوروبا، ومن الأفضل أن تكون هذه القوة المهيمنة بعيدة، وليست قريبة. يرى كيوهين أن "تجنّب النزاع العسكري في أوروبا بعد الحرب الباردة يعتمد بدرجة كبيرة على إذا ما تميز العقد الأول من القرن الحادي والعشرين باستمرار نمط التعاون المؤسسي  82. وإذا ما قبلنا هذه النتيجة، فإن السؤال يبقى: ماذا ومن يُبقي "نمط التعاون المؤسسي"؟ الواقعيون يعرفون الجواب.

2. المؤسسات الدولية والأهداف القومية

ما هو حقيقي عن حلف الناتو ينطبق على المؤسسات الدولية كافة. والتأثيرات التي قد تكون للمؤسسات الدولية في القرارات القومية لا تبتعد عن قدرات الدولة وأهدافها، أو الدول الرئيسة التي أنشأتها ومدَّتها بوسائل البقاء. فنظام بريتون وودز أثّر بشدة في الدول ذاتها وفي إدارة الشؤون الدولية. ولكن عندما وجدت الولايات المتحدة أن النظام لم يعُد يخدم مصالحها، قدمت قرارات نيكسون عام 1970. يعتمد بقاء المؤسسات الدولية بشكلها الأصلي على استمرارها في خدمة المصالح الرئيسة لمؤسسيها، أو رؤيتها على أنها تقوم بذلك. فكما يقول ستيفن كراسنر: "إن أفضل ما يفسر طبيعة الترتيبات المؤسسية هو توزيع إمكانات القوة القومية، وليس الجهود التي تُبذل لحل مشكلات فشل السوق" 83. وقد أضيف، أفضل من أي شيء آخر. إذًا، تبقى كل المعاهدات والاتفاقيات والمؤسسات الدولية إذا ما كانت تعكس على نحو أقرب التوزيع الضمني للإمكانات القومية، وإلا انتهت إلى الفشل  84. وقد وجد كراسنر، من خلال استشهاده بأمثلة من تاريخ الثلاثمئة والخمسين سنة الماضية، أن جميع المراحل "كانت فئة الدول القوية هي التي تُ لي القواعد التي طبّقت بطريقة تمييزية ضد الضعيف فحسب" 85. إن سيادة الدول قاعدة قانونية معترف بها كونيًا، ولكنها نادرًا ما تقف في طريق دولة قوية تقرر التدخل في شؤون دولة ضعيفة. فمثلً، وبحسب قول موظف رسمي كبير، فإن إدارة الرئيس ريغان "ناقشت إذا ما كان لدينا الحق في فرض نوع الحكومة في بلد آخر. وكانت نتيجة النقاش النهائية نعم، فبعض الحقوق أكثر أهمية من حق الدول في عدم التدخل في شؤونها [...]ليس لدينا الحق في القضاء على ديمقراطية، ولكن لدينا الحق ضد دولة غير ديمقراطية" 86. تطيع الدول القانون الدولي في أغلب الأحوال، ولكن الدول القوية تخضع أو تنتهك القوانين عندما تختار ذلك.

رابعًا: توازن القوى: غدًا وليس اليوم

مع أن كثيرًا من التوقعات المستمدة من النظرية الواقعية قد أثبتتها الأحداث إبّان الحرب الباردة وبعدها، فقد يتساءل المرء عن أسباب

  1. Robert J. Art, "Why Western Europe Needs the United States and NATO," Political Science Quarterly , vol. 111, no. 1 (Spring 1996).
  2. مقتبس من.Ibid., p. 36:
  3. Robert O. Keohane, "The Diplomacy of Structural Change: Multilateral
  4. Stephen D. Krasner, "Global Communications and National Power: Life on the Pareto Frontier," World Politics , vol. 43, no. 1 (April 1991), p. 234.
  5. Stephen D. Krasner, Structural Conflict: The Third World against Global Liberalism (Berkeley: University of California Press, 1985), p. 263.
  6. Stephen D. Krasner, "International Political Economy: Abiding Discord," Review of International Political Economy , vol. 1, no. 1 (Spring 1994), p. 16. 86 مقتبس من: Robert Tucker, Intervention and the Regan Doctrine (New York: Council on Religious and International Affairs, 1985), p. 5.
  7. Institutions and State Strategies," in: Helga Haftendorn & Christian Tuschhoff (eds.), America and Europe in an Era of Change (Boulder, CO: Westview, 1993), p. 53.

سوء سمعة الواقعية  87. يقول افتراض رئيس من الافتراضات المستمدة من نظرية الواقعية إن السياسة الدولية تعكس توزيع المقدّرات القومية للدول. وهذا افتراض تؤيده الأحداث يوميًا. في حين يقول افتراض أساسي آخر إن عملية تحقيق توازن القوى التي تقوم بها بعض الدول ضد أخرى تتكرر دائمًا. وتتنبأ النظرية الواقعية بعودة توازن القوى الذي يختل إلى وضعه الطبيعي يومًا ما. ويكمن قصور النظرية الواقعية، وهو قصور عام في كل نظريات العلوم الاجتماعية، في عدم قدرتها على التنبؤ بموعد حدوث إعادة التوازن. يرى وليام وولفورث أن إعادة التوازن ستتحقق، ولكنها ستكون على المدى البعيد  88. بالضرورة، النظرية الواقعية أفضل في تحديد ماذا سيحدث من تحديد متى سيحدث. فالنظرية لا تستطيع تحديد متى سيأتي "الغد"، لأن النظرية السياسية الدولية تتعامل مع ضغوط البنية الدولية وليس مع كيفية استجابة الدول للضغوط. وهذا الموضوع الأخير مهمة نظريات تتعامل مع كيفية استجابة الدول للضغوط عليها، وكيفية استغلال الفرص التي قد تتاح لها. ومع ذلك، فإن المرء يشعر بوجود نزعات نحو تحقيق التوازن. لقد أصبح النظام السياسي الدولي أحادي القطبية بُعيد زوال الاتحاد السوفياتي. وفي ضوء النظرية البنيوية، فإن القطبية الأحادية تبدو الأقل ديمومة من بين كل أشكال التنظيم الدولي. ويعود هذا إلى سببين رئيسين: الأول هو أن القوة المهيمنة تأخذ على عاتقها مهمات كثيرة خارج حدودها، ومن ثمّ إضعافها على المدى البعيد. وقد وصل تيد روبرت غور بعد دراسته 336 نظامًا سياسيًا إلى النتيجة التي خلص إليها روبرت ويسون قبله وهي: "يعود انحلال الإمبراطورية[...]في المقام الأول إلى إساءة استخدام القوة الذي ينتج حتمً من تمركزها في يد واحدة" 89. الثاني: بقاء الدول الأضعف قلقة حول سلوك القوة المهيمنة مستقبلً، حتى لو تصرّفت هذه القوة بتحفّظ واعتدال وصبر. وقد حذّر الآباء المؤسسون للولايات المتحدة من أخطار القوة في غياب المراقبة والتوازن بين السلطات Balances and Checks. هل القوة غير الموازنة أقل خطورة في السياسة الدولية منها في السياسة القومية؟ طوال مرحلة الحرب الباردة، كانت أفعال الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وكيفية تفاعلهما فيما بينهما، هي العوامل المهيمنة في السياسة الدولية، ومع ذلك، فإن البلدين كبحا بعضهما بعضًا. أما الآن، تهيمن الولايات المتحدة بمفردها على العالم. وكما أن الطبيعة تمقت الفراغ، فإن السياسة الدولية تمقت القوة غير المتوازنة. وفي مثل هذا الوضع، تحاول بعض الدول زيادة قوتها الذاتية أو تتحالف مع بعضها لإحداث التوازن في التوزيع الدولي للقوة. إن ردود أفعال الدول الأخرى على السعي بنشاط للهيمنة، كما كان الأمر مع تشارلز الخامس، حاكم إسبانيا من سلالة آل هابسبورغ، ولويس الرابع عشر ونابليون الأول الفرنسيَيّن، ووليام الثاني وأدولف هتلر الألمانيَيّن، توضح المقصود.

1. سلوك القوى المهيمنة

هل ستثير القوة المتفوقة للولايات المتحدة ردود أفعالٍ مشابهة؟ إن القوة التي ليس لها ما يوازيها، أيًا كان المتحكم فيها، خطر كامن على الآخرين. قد ترى الدولة القوية نفسها، مثل الولايات المتحدة، تعمل من أجل السلام والعدل والرخاء في العالم. ومع ذلك، فإن رغبة القوي هي التي تحدد معاني هذه الكلمات، وهذه الرغبة قد تتعارض مع أولويات الآخرين ومصالحهم. وتؤدي القوة القاهرة في السياسة الدولية إلى أن يعمل آخرون على صدها وموازنتها. فاليوم، تتصرف الولايات المتحدة بنيّات مستترة، وإلى حين أن تجري موازنة قوتها، ستستمر في التصرف أحيانًا بوسائل تخيف الآخرين. لقد أحدث استمرار التهديد السوفياتي، لما يقارب نصف قرن، استقرارًا في السياسة الخارجية الأميركية. فكانت دول أخرى تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة في حمايتها، لأن هذه الحماية تخدم المصالح الأمنية الأميركية. إلا أنه مع بداية الخمسينيات بالنسبة إلى بلدان أوروبا الغربية، وبداية السبعينيات بالنسبة إلى اليابان، كانت الشكوك تزداد حول التعويل على الردع النووي الأميركي. فعندما ازدادت القدرة السوفياتية، بدأت بلدان أوروبا الغربية تتساءل إن كانت تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة في استخدام قوتها الردعية من أجلهم، ومن ثمّ تعريض مدنها للخطر. وعندما تحرّك الرئيس كارتر نحو تخفيض القوات الأميركية في كوريا الجنوبية،

  1. Robert Gilpin, "No One Leaves a Political Realist," Security Studies , vol. 5, no. 3 (Spring 1996), pp. 3-28.
  2. William C. Wohlforth, "The Stability of a Unipolar World," International Security , vol. 24, no. 1 (Summer 1999), pp. 5-41.
  3. مقتبس من: Ted Robert Gurr, "Persistence and Change in Political System, 1800-1971," American Political Science Review , vol. 68, no. 4 (December 1974), p. 1504; Robert G. Wesson, The Imperial Order (Berkeley: University of California Press, 1967), Unpaginated Preface; Paul Kennedy, The Rise and Fall of Great Powers: Economic Change and Military Conflict from 1500 to 2000 (New York: Random House, 1987).

ولاحقًا عندما غزا الاتحاد السوفياتي أفغانستان، عزّز قواته في الشرق الأقصى، أبدت اليابان شكوكًا مشابهة. مع اختفاء الاتحاد السوفياتي، أضحت الولايات المتحدة لا تواجه تهديدًا خطِرًا لأمنها. وكما قال كولن باول، حينما كان رئيس هيئة الأركان المشتركة: "لقد نفدت مني الشياطين، نفد مني الأعداء. ولم يبقَ إلا كاسترو وكيم إل سونغ" 90. يُحدث ثبات التهديد واستمراره استقرارًا في السياسة، وغيابه يسمح بأن تصبح السياسة نزوية. وعندما تتعرض بعض المصالح الحيوية، أو حتى واحدة منها للخطر، فإن سياسة البلد تصبح غير ثابتة ومتشددة. يشرع غياب تهديدات جدّية لأمن الولايات المتحدة الباب واسعًا أمامها في صنع خيارات سياستها الخارجية. ولا تقوم القوة المهيمنة بفعل دولي إلا عندما يحفّزها شيء على ذلك. ولتوضيح هذا الأمر، أقدّم مث لً واحدًا. فعندما تبع انهيار يوغسلافيا قيام حرب تصفية عرقية في الدول التي انفصلت عنها، أخفقت الولايات المتحدة في الرد، إلى أن تحرك السيناتور روبرت دول لجعل الخطر البوسني قضية في الانتخابات الرئاسية المقبلة، فحينها لم تتصرف الولايات المتحدة من أجل مصلحة أمنية أميركية، بل لتحافظ على موقعها القيادي في أوروبا. وبناءً عليه، فإن ما تسبّب في انتهاج سياسة خارجية تجاه قضية البوسنة لم يكن المصالح الأمنية الخارجية، ولكن الضغط السياسي الداخلي والطموح القومي. وإذا ما طرحنا جانبًا تهديدات معيّنة قد يثيرها عدم توازن القوى، فإنه يخلق لدى الدول الأضعف شعورًا بالقلق يدفعها إلى تقوية أوضاعها. للولايات المتحدة تاريخ طويل من التدخل في دول ضعيفة، غالبًا بحجة جلب الديمقراطية إليها. ويقدّم السلوك الأميركي طوال القرن الماضي في أميركا الوسطى دليلً هشًّا على ضبط النفس في غياب قوة موازِنة. وإذا ما تأملنا تاريخ الولايات المتحدة وإمكاناتها، فإن الدول الأخرى قد تتمنى وجود وسائل لاتّقاء شر أعمالها. وفي هذا السياق، يبدو فهم أسباب رغبة بعض الدول تقييد القوة بنوع من التوازن أمرًا سهلً، ولكن يبقى التساؤل: مع توازن قوى مختلّ بشدة بالغة، ما البلد أو مجموعة البلدان التي تمتلك القدرة المادية والإدارة السياسية لوضع حد لمرحلة القطبية الأحادية؟

2. موازنة القوة في عالم أحادي القطبية

إن الافتراض بأن النصر في حرب كبرى سيؤدي إلى توازن قوى جديد له أساس قوي في التاريخ وفي النظرية. فالأحلاف الكبرى الأربعة (حلفان ضد نابليون، وحلف في كلٍ من الحربين العالميتين في القرن العشرين) انهارت بعد تحقيق النصر. والانتصارات في حروب كبرى تترك توازن القوى مختلً إلى أبعد الحدود. الجانب المنتصر يبرز بوصفه تحالفًا مهيمنًا. إن التوازن الدولي غير منتظم، والنظرية تقود المرء إلى توقّع انتظامه. من الواضح أن شيئًا ما تغيّ. ويرى البعض أن الولايات المتحدة كانت لطيفة جدًا، إذ على الرغم من أخطار القوة غير الموازنة، فإن الآخرين لم يشعروا بالخوف الذي يدفعهم إلى التصرف. يرى مايكل ماستاندونو مع آخرين أن ذلك هو السبب وراء عدم سعي الآخرين لمحاولة إيجاد التوازن، ولكنه مع ذلك يختم مقالته بفكرة مفادها أنه "في نهاية المطاف لن يكبح القوة غير القوة" 91. ويرى آخرون أن قادة الدول قد تعلّموا أن الدخول في لعبة سياسة القوة مكلفٌ وغير ضروري. وفي الواقع، فإن تعليل بطء حدوث التوازن بسيط. فبعد الحروب الكبرى السابقة، كانت الوسائل المادية لبناء توازن جديد متاحة. فهذه الحروب خلّفت عددًا كافيًا من القوى العظمى العريقة سمح بتنظيم توازن جديد بكل سهولة. إذًا، تمكّن النظرية المرء من القول إن توازنًا جديدًا سيتشكّل، لكنها لا تبيّ كم سيستغرق ذلك من الوقت. إن أولئك الذين يشيرون إلى مرحلة القطبية الأحادية الآن محقّون في ذلك. وفي منظورنا، يتشكّل التوازن الجديد ببطء، ووفقًا للرؤى التاريخية، فإنه سيأتي بطرفة عين. لقد ختمتُ دراسة لي عام 1993 بهذه العبارة "قد يأمل المرء بألا تتسبّب انشغالات أميركا الداخلية بسياسة انعزالية أصبحت مستحيلة، ولكن بسياسة حكيمة تعطي في النهاية للبلدان الأخرى الفرصة للتعامل مع مشكلاتها الخاصة، وارتكاب أخطاء تكون من صنع أنفسهم. ولكنني لن أراهن على ذلك" 92. وأعتقد أن قليلين هم الذين يراهنون على ذلك. وبحكمةٍ قال تشارلز كيغلي: إنه إذا ما عاد العالم ورجع إلى التعددية القطبية مرة أخرى، فإن الواقعيين سيكونون أصحاب حق ادعاء ذلك  93. إن أدلة الإثبات نادرًا ما تظهر بهذه السرعة.

  1. Cover Story: Communism's Collapse Poses a Challenge to America's Military," U.S. News and World Report , 14/10/1991, p. 28.
  2. Michael Mastanduno, "Preserving the Unipolar Moment: Realist Theories and U.S Grand Strategy after the Cold War," International Security , vol. 21, no. 4 (Spring 1997), p. 88; Joseph Joffe, "'Bismarck' or 'Britain'? Toward an American Grand Strategy after Bipolarity," International Security, vol. 19, no. 4 (Spring 1995).
  3. Waltz, "The Emerging Structure of International Politics," p. 79.
  4. Charles W. Kegley, Jr., "The Neorealist Moment in International Studies? Realist Myths and the New International Realities," International Studies Quarterly , vol. 37, no. 2 (June 1993), p. 149.

المرشحون لأن يصبحوا القوى العظمى المقبلة، ومن ثم يعيدون التوازن الدولي، هم: الاتحاد الأوروبي، أو تحالف بقيادة ألمانيا، والصين، واليابان، وفي المستقبل البعيد روسيا. لقد نجحت أقطار الاتحاد الأوروبي نجاحًا باهرًا في توحيد اقتصاداتها القومية. وتحقيق قدر كبير من الوحدة الاقتصادية، من دون وحدة سياسية تماثلها، إنجاز لا سابقة تاريخية له. وعلى الرغم من ذلك، لا يستطيع الاتحاد الأوروبي في مسائل السياسة الخارجية والعسكرية التصرف إلا بإجماع أعضائه، ما يجعل من المستحيل التصرف بجرأة ومجازفة. ومع أن الاتحاد الأوروبي يملك كافة العوامل (السكان، والمصادر، والتقنية، والقدرات العسكرية)، فإنه يفتقد إلى القدرة المؤسساتية والإدارة الجماعية لاستغلالها. وقد وصف جاك ديلور عندما كان رئيسًا للمفوضية الأوروبية حال الاتحاد بقوله: "سيعود الأمر إلى المجلس الأوروبي، المكون من رؤساء الدول والحكومات، في الموافقة على المصالح الأساسية التي يلتقون عليها، ويوافقون على الدفاع عنها، أو تعزيزها معًا" 94. إن السياسات التي يجب الوصول إليها بإجماع غالبًا ما تكون سياسات غير مهمة إلى حد ما. ويدل عدم اتخاذ قرار فعلي في حين كانت يوغسلافيا تغرق في وحل الفوضى والحرب على أن أوروبا لن تتصرف لإيقاف حروب حتى بين الجيران القريبين. لقد كانت أوروبا الغربية عاجزة عن صنع سياساتها الخارجية والعسكرية عندما كانت منظّمة تتكون من ست أو تسع دول تعيش في خوف من الاتحاد السوفياتي. ولا تزال الآن، مع أن الضغوط قلت والأعضاء أكثر، أقل قدرة حتى من السابق في صنع سياساتها الخارجية والعسكرية. غير أنه حينما تقرر الولايات المتحدة سياسة معيّنة، يكون الأوروبيون قادرين على تبنّيها. قد لا تبقى أوروبا في موقفها هذا إلى الأبد. ومع ذلك، فإن الدلائل على وجود تغير جذري في أمور السياسة الخارجية والعسكرية لا تزال شاحبة. يعبّ القادة الأوروبيون، الآن كما في السابق، عن عدم ارتياحهم للأهمية الثانوية لأوروبا، ويتبرّمون غضبًا لأن الولايات المتحدة تصنع أغلب القرارات المهمة، ويُبدون رغبة في توجيه مستقبلهم. وكثيرًا ما يعبّ القادة الفرنسيون عن إحباطهم وتوقهم، كما عبّ عن ذلك وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هيوبرت فيدرين، إلى عالم متعدد الأقطاب، وليس أحادي القطبية. يدعو الرئيس جاك شيراك ورئيس الوزراء السابق ليونيل جوسبان إلى تقوية المؤسسات المتعددة الأقطاب، مثل صندوق النقد الدولي والأمم المتحدة، مع أنه لا يوجد تفسير لكيفية إضعاف النفوذ الأميركي في هذا السياق. وفي صميم الموضوع، يشتكي فيدرين أن الولايات المتحدة منذ عهد الرئيس كيندي تتحدث عن الدعامة الأوروبية للحلف التي لم يجرِ بناؤها قط  95. ويعبّ الآن القادة الألمان والبريطانيون كثيرًا عن عدم رضاهم. ومع ذلك، لن تكون أوروبا قادرةً على المطالبة بدور أكبر في شؤون حلف الناتو ما لم تبنِ ما تعبّ به عن نفسها. وإذا ما أراد الأوروبيون أن يكتبوا نوتة موسيقية تلُائم كلمات الأوبرا الغنائية الخاصة بهم، فإنه يتحتّم عليهم توحيد أنفسهم في الشؤون الخارجية والعسكرية بالقدر نفسه الذي تكون عليه وحدتهم في الأمور الاقتصادية. وإذا ما قرر القادة الفرنسيون والألمان دمج قواهم النووية لتشكيل نواة منظمة عسكرية أوروبية، فإن الولايات المتحدة والعالم سيبدأ في التعامل مع أوروبا باعتبارها قوة عظمى. لقد تأسّست الجماعة الأوروبية عام 1957، وتطورت تدريجيًا لتصل إلى ما وصلته اليوم. لكن أين يوجد الطريق التدريجي لسياسة خارجية وعسكرية أوروبية؟ لم يتمكن القادة الأوروبيون من إيجاد هذا الطريق، أو حتى إنهم لم يعملوا بجد لإيجاده. وفي غياب جذري، لن يكون لأوروبا دور كبير في السياسة الدولية في المستقبل المنظور، إلا إذا نفد صبر ألمانيا وقررت قيادة التحالف.

3. البنية الدولية والاستجابات القومية

لقد تمركزت السياسة الدولية طوال التاريخ الحديث في أوروبا. وأنهت حربان عالميتان الهيمنة الأوروبية على السياسة الدولية. ويبقى ظهور أوروبا قوة عظمى يومًا ما موضوعًا للتأمل؟! وفي الوقت نفسه، لا يحدث أغلب النشاط الذي يؤدي إلى التحول من القطبية الأحادية إلى القطبية المتعددة في أوروبا، بل في آسيا. فالتطور الداخلي والتفاعل الخارجي للصين واليابان يرفع مستواهما إلى مستوى القوة العظمى  96. ستبرز الصين باعتبارها قوة عظمى حتى من دون أن تسعى بجدّ لذلك، ما دامت بقيت موحدة وقادرة. فالصين، استراتيجيًا، قادرة بسهولة على زيادة قوتها النووية إلى مستوى يماثل ما لدى الولايات المتحدة، إن لم تكن قد حققت ذلك فعل   97. فهي تمتلك من خمسة إلى سبعة صواريخ عابرة للقارات من طراز DF-5s قادرة تقريبًا على ضرب أيّ هدف أميركي. وتمتلك أيضًا

  1. Jacques Delors, "European Integration and Security," Survival , vol. 33, no. 1 (March-April 1991), p. 106.
  2. Craig R. Whitney, "NATO at 50: With Nations at Odds, is it a Misalliance?" The New York Times , 15/2/1999, p. A1.
  3. جرى تعديل الصفحات الأربع التالية من: Waltz, "The Emerging Structure of International Politics."
  4. يتحقق التكافؤ النووي عندما يكون لدى الدول القوة على توجيه الضربة الثانية، ولا يتطلب مساواة كمية أو نوعية للقوى. ينظر: Kenneth N. Waltz, "Nuclear Myths and Political Realities," American Political Science Review , vol. 84, no. 3 (September 1990).

اثني عشر صاروخًا أو أكثر من صواريخ DF-4s القادرة على الوصول إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة  98. صحيح أن الصواريخ الثابتة والمزودة بوقود سائل معرّضة للتدمير في مكانها، لكن هل تجازف الولايات المتحدة بدمار مدن سياتل وسان فرانسيسكو وسان دييغو لو حدث أن الصين لديها عدد من صواريخ DF-4s يفوق العدد الذي تعتقد الولايات المتحدة أنه لديها، وفشلت الأخيرة في تدمير جميع هذه الصواريخ على الأرض؟ إن سهولة اختراع وسيلة ردع أسهل مما يظن أغلب الأميركيين. اقتصاديًا، تستطيع الصين أن تحافظ على معدل نمو 9-7 في المئة مدة عقد آخر أو أكثر، إذا ما أخذنا في الحسبان المعدل الحالي للنمو الاقتصادي فيها. فحتى خلال مرحلة شبه الانهيار الاقتصادي في آسيا في تسعينيات القرن الماضي، بقي معدل النمو في الصين تقريبًا عند ذلك الحد. وهذا المعدل من النمو بنسبة 9-7 في المئة يُضاعف اقتصاديًا أيَّ دولة كل ثمانٍ إلى عشر سنوات. أما اليابان فتختلف عن الصين في هذا المضمار، إذ إنها مترددة في القيام بدور قوة عظمى. ومع أن هذا التردد مستمر، فإنه يتلاشى ببطء. اقتصاديًا، تطورت اليابان وتوسعت قوتها على نحو هائل. فنمو القدرة الاقتصادية لبلدٍ ما إلى مستوى قوة عظمى يضعه في قلب الشؤون الإقليمية والكونية. والقوة الاقتصادية توسّع حدود مصالح الدولة وتزيد من أهميتها. والحجم المرتفع لتجارة البلد الخارجية يُقحمها بعمق في الشؤون العالمية. وفي نظام عالمي تعتمد فيه الدول على نفسها، لا يعني امتلاك دولة معظم قدرات دولة عظمى، وليس جميعها، أنها محصنة من الآخرين الذين لديهم الوسائل التي تفتقدها الدول الأقل قوة. فهناك من يرى أن المخاوف من الابتزاز النووي في غير موضعها، إلا أن التساؤل يدور حول إن كانت اليابان ستبقى محصنة منها. تتنافس الدول دائما من أجل الثروة والأمن، وغالبًا ما قادت المنافسة إلى نزاع. تاريخيًا، كانت الدول حساسة لتغيّ علاقات القوة فيما بينها. فالنمو المستمر في ميزانية الصين العسكرية يقلق اليابان. وجيش الصين الذي يبلغ تعداده ثلاثة ملايين فرد يخضع لعملية تحديث. والنمو التدريجي في قدراتها البحرية والنقل الجوي يثير الخوف عند جميع جيرانها، ويزيد الشعور بعدم الاستقرار في منطقة تزخر بقضايا خلافية حول السيادة على بعض المناطق. فهناك خلافات بين روسيا واليابان حول جزر الكوريل Kurile، وبين اليابان والصين حول جزر سنكاكو Senkaku أو دياويو Diaoyu، وتشكّل كمبوديا مشكلةً لفيتنام والصين. وتطالب ست دول بكل أو بعض جزر السبراتلي Islands Spratly ذات الموقع الاستراتيجي، ويفترض أنها جزر غنية بالنفط. وفي هذا السياق، يجعل وجود قوات نووية صينية، وفي الوقت نفسه انسحاب القوات الأميركية، من الصعب على اليابان تجاهل الخطر الصيني، ولا سيما أن الخلافات الاقتصادية مع الولايات المتحدة تُلقي بظلال من الشك على صدقية الضمانات الأميركية. فضلً عن أن العناصر الدالة على تبعية اليابان وانكشافها تتكاثر وبأشكال مختلفة. فعلى سبيل المثال، دفعت هذه التبعية غير المريحة والانكشافات الملموسة اليابان إلى الحصول على قدرات عسكرية أكبر، مع أن كثيرًا من اليابانيين لا يودون ذلك. وهنا قد يتساءل المرء إذا أخذ في الحسبان هذه المخاطر، وضرورة رعاية كل دولة لمصالحها، كيف يمكن أن تمتنع دولةٌ لديها ما لدى دولة عظمى من القدرة الاقتصادية عن تسليح نفسها بأسلحة ثبت أنها تخدم جيدًا باعتبارها وسيلة ردع. إن اختيار دولة خيارَ ألا تكون دولة عظمى يُعد شذوذًا بنيويًا. لذلك، سيكون من الصعب المحافظة على هذا الخيار. فعاجلً أم آجلً، وعادة ما يكون عاجلً، ترتقي المكانة الدولية للبلدان بحسب درجة ارتقاء مصادرها المادية. فالبلدان التي لها اقتصادات قوة عظمى، سواء أكانت مترددة أم لا، قد تستميت لتصبح قوى عظمى، لكنّ دولً أخرى قد تتمنى تجنّب ذلك. ومع هذا، فإن الخيار مقيّد. فالوحدات الأكبر تميل، بسبب اتساع مصالحها، إلى الاضطلاع بمهمات على قدر اتساع هذه المصالح. والتغير العميق في الوضع الدولي لبلدٍ يُحدث تغييرًا جذريًا في سلوكه الخارجي. لقد أنهت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية تقليدًا سارت عليه قرونًا وهو التصرف بانفراد ورفض الدخول في التزامات طويلة الأمد. وسلوك اليابان خلال الخمسين عامًا الماضية يعكس التغيير الحاد في موقعها الدولي من جراء هزيمتها في الحرب العالمية الثانية. أما قبل ذلك فقد كانت، خاصة بعد انتصارها على الصين في 1895-1894 تدفع في سبيل تأكيد تفوقها في آسيا، إن لم يكن إلى ما هو أبعد. هل تطمح اليابان إلى دور أكبر دوليًا؟ إن نشاطها الإقليمي المتنوع، وسعيها وحصولها على مكانة مؤثرة في مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، واعتزازها الواضح بإنجازاتها الاقتصادية والتقنية يدل كل ذلك على أنها تطمح إلى ذلك. فسلوك الدول يستجيب للأوضاع الخارجية أكثر منه للأوضاع الداخلية، وخاصة عندما تكون الأوضاع الخارجية ضاغطةً بقوة كافية، حينها تشكّل سلوك الدول. واليابان تجد نفسها، على نحو متزايد، مكرهةً على زيادة قوتها التقليدية وإضافة أسلحة نووية لحماية مصالحها. ولدى الهند وباكستان، وربما كوريا الشمالية، أسلحة نووية قادرة

  1. David E. Sanger & Erik Eckholm, "Will Beijing's Nuclear Arsenal Stay Small or will it Mushroom?" The New York Times , 15/3/1999, p. A1.

على ردع الآخرين عن تهديد مصالحها الحيوية. لذا، كم من الوقت تستطيع أن تعيش اليابان بجوار دول نووية وهي تحرم نفسها من قدرات مماثلة؟ من المؤكد أن النزاعات والأزمات ستجعل اليابان مدركةً لمخاطر بقائها أمام الأدوات العسكرية التي تملكها قوى أخرى. ولن تستمر الموانع النفسية اليابانية لامتلاك أسلحة نووية، بسبب الحرب العالمية الثانية، إلى ما لا نهاية. وقد يتوقع المرء انتهاءها مع تلاشي ذكريات جيل الحرب. لقد أشار مسؤولون رسميون يابانيون إلى أنه إذا ما أدركوا أن الحماية الأميركية الرادعة والممتدة لا يعوّل عليها بما يكفي، فإن اليابان ستجهّز نفسها بقوة نووية، سرًا أو علنًا. وقد وضعت اليابان نفسها، سياسيًا وتقنيًا، في الوضع الذي تستطيع من خلاله تحقيق ذلك. فمنذ الخمسينيات، على نحو متواصل، استمرت الحكومة اليابانية في التأكيد أن قوتها الدفاعية تتماشى مع المتطلبات الدستورية. والأسلحة النوية إذا ما كانت دفاعية فحسب، ستُعدّ دستورية لو قررت اليابان صناعة عدد منها  99. وقد عبّ تقرير سرّي لوزارة عد عام الخارجية اليابانية أ 1969 عن الموقف الياباني بالقول: "في المرحلة الحالية، سنحافظ على سياسة عدم امتلاك أسلحة نووية. ومع ذلك، وبصرف النظر عن انضمامنا إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أو عدمه، سنحافظ على القدرة الاقتصادية والتقنية لإنتاج أسلحة نووية، وسيبقى هذا موضوعًا تقرره اليابان من دون تدخّلٍ من أحد" 100. وفي آذار/ مارس 1988، طالب رئيس الوزراء نوبورو تاكيشيتا Nobru Takeshita بقدرات دفاعية تتناسب مع قوة اليابان الاقتصادية  101. وهذا المطلب لا يحققه إلا قدرة عسكرية نووية متوازنة. وفي حزيران/ يونيو 1994، ذكر رئيس الوزراء تسوتومو هاتا Tsutumu Hata في البرلمان أن لليابان القدرة على تصنيع أسلحة نووية  102. وفي حين يرى البعض أن اليابان "قوة كونية مدنية" ويرجحون بقاءها كذلك، يرى آخرون أنها استغلت بمهارة فائقة الحماية الأميركية، وبدهاء اختارت الوسائل اللازمة للحفاظ على أمنها بما يناسب بيئتها الإقليمية  103. أوصى رئيس الوزراء شيغيرو يوشيدا Shigeru Yoshida في بداية الخمسينيات أن تعتمد اليابان على الحماية الأميركية حتى إعادة بناء اقتصادها، وأن تستعد تدريجيًا للاعتماد على نفسها 104. لقد أسست اليابان قاعدة صلبة، وذلك من خلال تصنيعها أغلب أسلحتها بدلً من الاعتماد على واردات الأسلحة الأرخص. إن الأشهر أو اللحظات التي تفصل اليابان عن امتلاكها قدرةً عسكرية نووية محسوبة جيدًا لحماية أمن البلد من دون التسبب في رعب جيرانها. تلتقي عداوة الصين، والكوريتين، وروسيا لليابان مع الشكوك حول المدى الذي تستطيع فيه اليابان الاعتماد على الولايات المتحدة في حماية أمنها  105. وفي رأي ماسانوري نيشي، مسؤول دفاعي، فإن السبب الأساسي وراء "اهتمام اليابان بقدرات دفاعية متطورة" هو اعتقادها أن المصلحة الأميركية في "المحافظة على الاستقرار الإقليمي غير جديرة بالثقة" 106. إن اليابان والصين، سواء كانتا مترددتين أم لا، سيتبعان بعضهما في الطريق لاحتلال مواقع بوصفهما دولتين عظميين. فالصين لديها الإمكانية الأكبر على المدى الطويل. أما اليابان، وبميزانية دفاع هي الثانية أو الثالثة على مستوى العالم من حيث حجمها، ومع قدرات على إنتاج أغلب الأسلحة المتقدمة تقنيًا، أقرب إلى وضع الدولة العظمى في هذه المرحلة. عندما يتحدث الأميركيون عن المحافظة على توازن القوى من خلال وجودهم العسكري  107، يأخذ الصينيون أقوالهم على أنها تعني أن الأميركيين يقصدون المحافظة على الهيمنة الاستراتيجية التي يتمتعون

  1. Norman D. Levin, "Japan's Defense Policy: The Internal Debate," in:
  2. 105 أندرو هانامي على سبيل المثال، يشير إلى أن اليابان تتساءل إذا ما كانت الولايات المتحدة ستساعد في الدفاع عن هوكايدو. ينظر: Andrew Hanami, "Japan and Military Balance of Power in Northeast Asia," Journal of East Asian Affairs , vol. 7, no. 2 (Summer-Fall 1994), p. 364.
  3. David Arase, "US and ASEAN Perceptions of Japan's Role in Asian- Pacific Region," in: Kendall & Joewono (eds.), p. 276.
  4. David E. Sanger, "In Face-Saving Reverse Japan Disavows any Nuclear-Arms Expertise," The New York Times , 22/6/1994, p. 10.
  5. ولتلخيص حكيم للتفسيرات المختلفة لسياسة الأمن اليابانية، ينظر: Michael J. Green, "State of Field Report: Research on Japanese Security Policy," Access Asia Review , vol. 2, no. 2 (September 1998). 104  Kenneth B. Pyle, The Japanese Question: Power and Purpose in a New Era (Washington, DC: AEI Press, 1992), p. 26.
  6. Harry Kendall & Clara Joewono (eds.), Japan, ASEAN, and the United States (Berkeley: Institute of East Asian Studies, University of California, 1990).
  7. 100 " The Capability to Develop Nuclear Weapons Should Be Kept: Ministry of Foreign Affairs Secret Document in 1969," Mainichi , 1/8/1994, p. 41; مقتبس من: Selig S. Harrison, "Japan and Nuclear Weapons," in: Selig S. Harrison (ed.), Japan's Nuclear Future: The Plutonium Debate and East Asian Security (Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace, 1996), p. 9.
  8. Stephanie Strom, "Japan Beginning to Flex its Military Muscles," The New York Times , 8/4/1999, p. A4.
  9. Richard Bernstein & Ross H. Munro, The Coming Conflict with China (New York: Alfred A. Knopf, 1997); Andrew J. Nathan & Robert S. Ross, The Great Wall and Empty Fortes: China's Search for Security (New York: W. W. Norton, 1997).

بها في غياب مثل ذلك التوازن. وعندما تحسّن الصين نوعية قواتها الأقل كفاءة، يرى الأميركيون أن فيها تهديدًا لمصالحهم ومصالح الآخرين. ومهما كانت مخاوف الولايات المتحدة والتهديدات التي تشعر بها، فإن لدى اليابان المخاوف نفسها التي كانت لديها من قبل، وتشعر بالتهديدات على نحو أقوى، ولذا فقد استجابت لها بأسلوب تدريجي. تشعر الصين بالقلق من جرّاء تحسين اليابان قدراتها في مجال النقل البري والبحري، ومن جراء رفع الولايات المتحدة مستوى دعم قواتها الموجودة في كوريا الجنوبية  108. وتؤدي أفعال كل من الصين واليابان وكوريا الجنوبية وردود أفعالها، سواء أكانت مع المشاركة الأميركية أو من دونها، إلى خلق توازن قوى جديد في شرق آسيا، يكون جزءًا من توازن القوى الجديد في العالم. يفيد التاريخ أن الصدمات ما بين الشرق والغرب قد انتهت في أغلب الأحيان بمأساة. ومع ذلك، وكما نعرف من خلال التجربة، أن الأسلحة النووية تهدّئ سلوك مالكيها وتجعلهم أكثر اعتد لً وحذرًا كلما وصلت الأزمات إلى مرحلة الانفلات وأنذرت بصعوبة التحكم فيها. إن من حسن الطالع أن تحدث العلاقات المتغيرة للشرق مع الغرب، والعلاقات المتغيرة في نطاق الشرق وفي نطاق الغرب، في سياق نووي. ستستمر التوترات والنزاعات التي تتزايد حين تحدث تغييرات عميقة في السياسة العالمية في إفساد العلاقات ما بين الأمم، لكن الأسلحة النووية ستحفظ السلام بين الذين ينعمون بحمايتها. تهدف سياسة الولايات المتحدة لاحتواء الصين من خلال الاحتفاظ ب 100 ألف عسكري في شرق آسيا، وتقديم ضمانات أمنية لليابان وكوريا الجنوبية، إلى منع تشكّل توازن قوى جديد في آسيا. وبالمثل في أوروبا، فمن خلال الاحتفاظ ب 100 ألف جندي في أوروبا الغربية، حيث لا يوجد تهديد قريب، وتوسّع حلف الناتو شرقًا، تسعى الولايات المتحدة إلى الهدف نفسه في أوروبا. إن الطموح الأميركي في تجميد التطور التاريخي من خلال العمل على إبقاء العالم أحادي القطبية محكوم عليه بالفشل. فعلى المدى الطويل، ستتجاوز تكاليف المهمة مصادر الولايات المتحدة الاقتصادية والعسكرية والسكانية والسياسية، والمحاولة نفسها في سبيل المحافظة على موقع الهيمنة هو الطريق المضمون لإضعافها. فمحاولة إبقاء الهيمنة تحفّز بعض البلدان على العمل لإنهاكها. وكما تثبت النظرية ويؤكد التاريخ، فإن توازنات القوى تُصنع بهذه الطريقة. تتشكل التعددية القطبية أمام أعيننا. وهي إضافةً إلى ذلك، تتشكل وفقًا لقاعدة التوازن. يبدو أن القادة الأميركيين يعتقدون أن مكانة أميركا المتفوقة ستستمر إلى أجل غير محدود، وأنها ستبقى القوة المهيمنة من دون منافسين يتحدونها، في وضع ليس له سابقة في التاريخ الحديث. ليس تحقيق التوازن، بطبيعة الحال، كونيًا وكليًا. فقوة مهيمنة قد تمنع حدوث التوازن كما فعلت الولايات المتحدة في أوروبا. فضلً عن أن تحقيق التوازن أو عدمه يعتمد أيضًا على قرارات الحكومات. يعج كتاب ستيفاني نيومان الموسوم ب نظرية العلاقات الدولية والعالم الثالث بأمثلة عن دول فشلت في الاهتمام بمصالحها الأمنية من خلال جهود داخلية أو ترتيبات خارجية. وكما يتوقع المرء، فقد واجهت غزوًا، وفقدت استقلالها، وجرى تقسيمها 109. قد تجد الدول الضعيفة والمنقسمة نسبيًا من المستحيل تنسيق جهودها لمواجهة دولة مهيمنة رغم اتساع رقعة الاستياء. لقد كانت هذه هي الحال في نصف الكرة الأرضية الغربي منذ عهد بعيد. لقد حققت الولايات المتحدة نصرًا مؤزرًا في الحرب الباردة، ومع ذلك فإن النصر في حرب، غالبًا ما يولّد عداوات دائمة. إن الشهامة في النصر نادرة. فالذين يكسبون الحروب لا يعوقهم عن تحقيق رغباتهم إلا القليل من العوائق، وكثيرًا ما يتصرفون بوسائل تخلق أعداءً للمستقبل. فألمانيا مثلً، كسبت عداوة فرنسا الدائمة بأخذها مقاطعة الألزاس وأغلبية مقاطعة اللورين منها عام 1871، ومعاملة الحلفاء القاسية لألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى قد أحدثت نتيجة مماثلة. في المقابل، نجد أن بسمارك قد أقنع القيصر بعدم زحف جيوشه إلى فيينا بعد النصر العظيم في معركة كونغراتس Koniggratz عام 1866. وفي اتفاقية براغ، لم تأخذ بروسيا أيّ أرض نمساوية، ومن ثمّ، صارت النمسا التي أصبحت الإمبراطورية النمساوية المجرية، شريكًا لألمانيا في حلف عام 1879. وبدلً من أن تتعلم الولايات المتحدة من التاريخ، نجدها تُكرر أخطاء الماضي بمدّها نفوذها إلى المناطق التي كانت تابعة للطرف المهزوم  110. إن هذا التصرف يجعل روسيا تنفر، ويدفعها إلى الصين بدلً من جذبها إلى أوروبا والولايات المتحدة. ومع الحديث الكثير حول "عولمة السياسة الدولية" يفكّر القادة الأميركيون، وإلى حد مفزع، بمنطق شرق أو غرب أكثر من التفكير في التفاعل فيما بينهما. إن روسيا والصين بتاريخهما من النزاع على الحدود التي تمتد مسافة 2600 ميل بينهما، مع وجود أقليات إثنية منتشرة عبر هذه الحدود، وكذلك في سيبيريا الغنية بالمعادن والقليل من السكان بمواجهة ملايين الصينين

  1. Michael J. Green & Benjamin L. Self, "Japan's Changing China Policy:
  2. Stephanie Neuman (ed.), International Relations Theory and the Third World (New York: St. Martin's, 1998). 110  John Lewis Gaddis, "History, Grand Strategy, and NATO Enlargement," Survival , vol. 40, no. 1 (Spring 1998), p. 147.
  3. From Commercial Liberalism to Reluctant Realism," Survival , vol. 38, no. 2 (Summer 1996), p. 43.

المتزاحمين، سيجدان صعوبة في التعاون على نحو فاعل، لكن الولايات المتحدة بسياساتها تساعدهما على تحقيق ذلك. وبالفعل، وفرت الولايات المتحدة المفتاح للعلاقات الروسية - الصينية خلال نصف القرن الماضي. فعندما كانت الصين تشعر بعداوة أميركا والخوف من قوتها بعد الحرب العالمية الثانية، ذهبت إلى روسيا ووثّقت علاقاتها بها، وبقيت كذلك حتى رأت أن التهديد السوفياتي لها كان أكبر من التهديد الأميركي. إلا أن العلاقات الجيدة نسبيًا التي نعمت بها الولايات المتحدة والصين خلال سبعينيات القرن الماضي بدأت تتعكر في أواخر الثمانينيات عندما بدا أن القوة الروسية قد ضعفت والهيمنة الأميركية على وشك التحقق. إن تنفير روسيا بتوسيع حلف الناتو شرقًا، وتنفير الصين بإلقاء المحاضرات على قادتها عن كيفية حكمهم لبلدانهم، هما سياستان لا تتحمل القيام بهما إلا دولة ذات قوة طاغية، ولا تغري باتباعها إلا أحمق. لا تستطيع الولايات المتحدة منع تشكّل توازن قوى جديد، لكنها تستطيع التعجيل في حدوثه بما تقوم به. في هذا القسم من الدراسة، كانت مناقشة مسألة تحقيق التوازن تجريبية وافتراضية أكثر منها نظرية. لذلك، سأنهي هذا الموضوع ببعض التأملات حول نظرية التوازن. لا تقود النظرية البنيوية، ونظرية توازن القوى المستمدة منها، إلى افتراض أن الدول دائمًا أو غالبًا تدخل في سلوك توازني. إن التوازن استراتيجية بقاء، وطريق لمحاولة المحافظة على نمط حياة مستقل للدولة. أما الحديث عن أن استراتيجية المسايرة Bandwagoning تمثّل سلوكًا معتادًا للدول أكثر من كونها سلوكًا توازنيًا، فهو بدعة. والسؤال إذا ما كانت الدول تساير الركب في أغلب الأحيان أكثر من سعيها لتحقيق التوازن سؤال شيق. والاعتقاد بأن الإجابة نعم سيدحض نظرية توازن القوى ما هو إلا إساءة في تفسير النظرية وارتكاب ما يسمى المغالطة العددية Fallacy Numerical The؛ أي استخلاص استنتاج نوعي من نتيجة كمية. تجرّب الدول استراتيجيات مختلفة من أجل المحافظة على البقاء. واستراتيجية التوازن واحدة منها، واستراتيجية مسايرة الركب استراتيجية أخرى. وهذه الاستراتيجية الأخيرة قد تبدو أحيانًا أسهل وأكثر فائدة من استراتيجية التوازن، فهي تتطلب جهودًا وتكاليف أقل، وتعد بنتائج ملموسة. ويجب على الدول وسط الشكوك المحيطة بالسياسة الدولية وضغوط السياسة المحلية المتغيرة، أن تعدّ خيارات أخرى. فهي قد تأمل بتجنّب حرب باسترضاء المناوئين لها، وهذا شكل ضعيف من أشكال استراتيجية مسايرة الركب، وبدلً من الدخول في سباق التسلح والدخول في تحالف لمقاومتهم. إضافة إلى ذلك، فإن دولً كثيرة لا تملك الموارد الكافية للدخول في لعبة التوازن وليس لديها مجال كبير للمناورة، لذلك، فلن تكون مجبرةً على القفز إلى الركب المتحرك لتتمنى لاحقًا الانفكاك منه. لا تتنبأ نظرية التوازن بتماثل سلوك الدول، ولكنها على العكس، تتنبأ بالنزعة القوية للدول الرئيسة في النظام، أو في النظم الفرعية الإقليمية، نحو اللجوء إلى استراتيجية تحقيق التوازن عندما يجب عليها ذلك. وليس تجريب الدول استراتيجياتٍ مختلفةً للمحافظة على بقائها أمرًا غريبًا. ويجب أن يُعدّ تواتر ظهور سلوك توازني، وحدوث وقائع من جراء هذا السلوك، من الأدلة الداعمة للنظرية.

خاتمة

في كل مرة يعلو فيها صوت السلام، يندفع أناس بقوة للادعاء بأن الواقعية قد ماتت. وهذه طريقة أخرى للقول بتحول السياسة الدولية. وعلى الرغم من ذلك، فإن العالم لم يتحول، ولكن ما حصل بكل بساطة هو أن بنية السياسة الدولية قد أعيد تشكيلها بسبب اختفاء الاتحاد السوفياتي، ولمدة من الزمن سنعيش في عالم أحادي القطبية. هذا فضلً عن أن السياسة الدولية لم تعُد تشكّلها القوى والعناصر التي يعتقد البعض أنها تسهم في إيجاد نظام عالمي جديد. فالذين وضعوا الاتحاد السوفياتي على طريق الإصلاح كانوا من الشيوعيين الذي يحاولون تصحيح وضع الاقتصاد السوفياتي للمحافظة على مكانته في العالم. والثورة في الشؤون السوفياتية ونهاية الحرب الباردة لم تحدثا بسبب الديمقراطية والاعتماد المتبادل أو المؤسسات الدولية. لقد انتهت الحرب الباردة بحسب ما افترضت الواقعية البنيوية. وقد كتبتُ قبل بضع سنوات أن الحرب الباردة متجذّرة بقوة في السياسة الدولية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وستستمر ما دامت البنية الدولية باقية على ما هي عليه  111. وهذا ما حصل ولم تنتهٍ الحرب الباردة إلا عندما اختفت بنية القطبية الثنائية في العالم. يؤثر التغير البنيوي في سلوك الدول والنتائج التي تتمخض عن التفاعلات فيما بينها، لكن هذا لا يقطع الاستمرارية الضرورية للسياسة الدولية. إن تحول السياسة الدولية نفسها هو ما يحقق قطع تلك الاستمرارية. ومع ذلك، فإن التحول ينتظر اليوم الذي لا يكون فيه النظام الدولي مكونًا من دولٍ مسؤولةٍ عن نفسها. ولو كان ذلك اليوم واقعًا، فقد يصبح في إمكان المرء تحديد من يُعتمد عليه في مساعدة المحرومين والمعرّضين للخطر. لذلك، سيستمر شبح

  1. Kenneth N. Waltz, "The Origins of War in Neorealist Theory," Journal of Interdisciplinary History , vol. 18, no. 4 (Spring 1998), p. 628.

المستقبل في إلقاء ظلاله على تفاعلات الدول. فالشك الدائم لدى الدول حول مصائرها يدفع الحكومات إلى تفضيل المكاسب النسبية على المكاسب المطلقة. ولولا شبح المستقبل، لما رأى قادة الدول أن من الواجب عليهم التساؤل عن كيفية مواجهة الغد إضافةً إلى اليوم. تستطيع الدول توحيد مجهوداتها والعمل للحصول على الحد الأعلى من الكسب الجماعي من دون أن تقلق بشأن الكيفية يكون عليها كل طرف مقارنة بالآخر. أحيانًا يشعر المرء بأن الحكومات في حالتها الطبيعية الفوضوية تتصرف بقصر نظر- أي بناءً على مصالحها الآنية – في حين تأمل بأن يتولى المستقبل أمرَ نفسه. لهذا يقال إن الواقعيين يعانون قصر نظر  112. قد يعاني القادة السياسيون عدم وضوح الأشياء أمامهم، لكن الذي يشعرون بالمسؤولية منهم ويتصرفون بواقعية لا يعانون هذا العيب. يرى روبرت أكسيلرود وروبرت كيوهين أنه كان يمكن تفادي الحرب العالمية الأولى لو كانت دول معيّنة قادرةً على استشراف المستقبل  113. ومع ذلك، وكما تُظهر مناقشتهما، كان المستقبل هو ما يقلق الدول الكبرى كثيرًا. ففي تلك الحرب، أدت الاعتبارات الأمنية في حينه الدور الأقل في نشوبها، وكان الدور الأكبر للمخاوف هو من الكيفية التي قد يتغير بها توازن القوى لاحقًا. لا تأتي مشكلات الحكومات من عدم النظر في الأفق القريب، فهي ترى شبح المستقبل البعيد، ولكنها تعاني مشكلة قراءة معالم ذلك المدى البعيد، ربما لأنها تحاول أن تنظر بعيدًا جدًا وترى أخطارًا خيالية. في عام 1914، خشيت ألمانيا من النمو الصناعي والسكاني السريع في روسيا. وعانت فرنسا وبريطانيا الخوف نفسه من ألمانيا، إضافةً إلى قلق بريطانيا من النمو السريع للبحرية الألمانية. لهذا كانت الحرب العالمية الأولى حربًا وقائية بوجه عام. لقد سيطرت مخاوف المستقبل على كل آمال الفوائد المتوقعة على المدى القصير. فالدول لا تعيش الظروف الملائمة التي تخيّلها هوراس Horace في إحدى قصائده حول الإنسان: "سعيد هو الإنسان، وسعيد وحده الذي يستطيع أن يقول، أيها الغد أعطني أسوأ ما لديك، فقد عشتُ يومي هذا." لقد بيّ أكسيلرود أن تكتيكَ واحدة بواحدة، ليس غيره، هو الذي يزيد إلى الحد الأعلى الكسبَ الجماعي على مدى الزمن، لكن الشرط الوحيد للنجاح يبدو في الدخول في اللعبة في ظل شبح المستقبل  114. ولأن الدول تتعايش في نظام تعتمد فيه كل دولة على نفسها، فإنها مع ذلك قد ترى أنه يجب عليها ألا تشغل نفسها بتحقيق الحد الأعلى من الكسب الجماعي، بل بتقليل المحافظة على الفجوة في الرخاء والقوة بينها وبين الآخرين أو توسيعها. تظهر حدود شبح المستقبل مختلفة في كل من النظام الفوضوي الذي لا توجد فيه سلطة مركزية وفي النظام الهرمي. قد تسهل معالم ظلال المستقبل في النظام الهرمي التعاون، ولكنها قد تعوقه في النظام الفوضوي. وقد لا تجعل المخاوف من المستقبل التعاونَ وبناء المؤسسات بين الأمم أمرًا مستحيلً، ولكنها تهيّئ لعملها وتحدّ من إنجازاتها. لقد كان المؤسساتيون الليبراليون محقين في استهلالهم لطروحاتهم بالواقعية البنيوية، فهذه النظرية ستبقى النظرية الأساسية في السياسة الدولية إلى حين، وحتى حدوث التحول في السياسة الدولية ذاتها.

  1. Robert O. Keohane, After Hegemony: Cooperation and Discord in the World Political Economy (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1984), pp. 99, 103, 108.
  2. Robert Axelord & Robert O. Keohane, "Achieving Cooperation under Anarchy: Strategies and Institutions," in: David Baldwin (ed.), Neorealism and Neoliberalism: The Contemporary Debate (New York: Columbia University
  3. Press, 1993); Robert Powell, "Guns, Butter, and Anarchy," American Political Science Review , vol. 87, no. 1 (March 1993), p. 116; see also p. 117. 114  Robert Axelord, The Evolution of Cooperation (New York: Basic Book,

References المراجع

Art, Robert J. "American Foreign Policy and the Fungibility of Force." Security Studies. vol. 5, no. 4 (Summer 1996). ________. "Why Western Europe Needs the United States and NATO." Political Science Quarterly. vol. 111, no. 1 (Spring 1996). Axelord, Robert. The Evolution of Cooperation. New York: Basic Book, 1984. Baldwin, David (ed.). Neorealism and Neoliberalism: The Contemporary Debate. New York: Columbia University Press, 1993. Barbieri, Katherine. "Economic Interdependence: A Path to Peace or a Sources of Interstate Conflict?" Journal of Peace Research. vol. 33, no. 1 (February 1996). Beinart, Peter. "The Return of the Bomb." The New Republic. 3/8/1998. Berger, Suzanne & Ronald Dore (eds.). National Diversity and Global Capitalism. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1996. Bernstein, Richard & Ross H. Munro. The Coming Conflict with China. New York: Alfred A. Knopf, 1997. Black, J. L. Russia Face NATO Expansion: Bearing Gifts or Bearing Arms? Lanham, Md: Rowman and Littlefield, 2000. Brown, Michael E. "The Flawed Logic of Expansion." Survival. vol. 37, no. 1 (Spring 1995). Carr, Edward Hallett. The Twenty Year's Crisis, 1919-1939. London/ New York: The Macmillan Company, 1939. ________. Twenty Years' Crisis: An Introduction to the Study of International Relations. 2 nd ed. New York: Harper and Row, 1946. Christopher, Warren. "The U.S-Japan Relationship: The Responsibility to Change." Address to the Japan Association of Corporate Executives. Tokyo, Japan, 11/3/1994 (U.S Department of State, Bureau of Public Affairs, Office of Public Communication). Craig, Gordon & Alexander George. Force and Statecraft: Diplomatic Problems of our Time. 2 nd ed. New York: Oxford University Press, 1990. De Tocqueville, Alexis. Democracy in America. J. P. Mayer (ed.). George Lawrence (trans.). New York: Harper Perennial, 1988. Delors, Jacques. "European Integration and Security." Survival. vol. 33, no. 1 (March-April 1991). Doyle, Michael W. "Kant, Liberal Legacies, and Foreign Affairs, Part 1 and 2." Philosophy and Public Affairs. vol. 12, no. 3-4 (Summer-Fall 1983). ________. "Kant: Liberalism and World Politics." American Political Science Review. vol. 80, no. 4 (December1986). Fukuyama, Francis. "Liberal Democracy as a Global Phenomenon." Political Science and Politics. vol. 24, no. 4 (1991). ________. The End of History the Last Man. New York: Free Press, 1992. Gaddis, John Lewis "History, Grand Strategy, and NATO Enlargement." Survival. vol. 40, no. 1 (Spring 1998). Gilpin, Robert. The Political Economy of International Relations. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1987. ________. "No One Leaves a Political Realist." Security Studies. vol. 5, no. 3 (Spring 1996). Goldgeier, James M. "NATO Expansion: The Anatomy of a Decision." Washington Quarterly. vol. 21, no. 1 (Winter 1998).

________. Not Whether but When: The U.S. Decision to Enlarge NATO. Washington, DC: Brookings, 1999. Green, Michael J. & Benjamin L. Self. "Japan's Changing China Policy: From Commercial Liberalism to Reluctant Realism." Survival. vol. 38, no. 2 (Summer 1996). Green, Michael J. "State of Field Report: Research on Japanese Security Policy." Access Asia Review. vol. 2, no. 2 (September 1998). Gurr, Ted Robert. "Persistence and Change in Political System, 1800-1971." American Political Science Review. vol. 68, no. 4 (December 1974). Haftendorn, Helga & Christian Tuschhoff (eds.). America and Europe in an Era of Change. Boulder, CO: Westview, 1993. Hanami, Andrew. "Japan and Military Balance of Power in Northeast Asia." Journal of East Asian Affairs. vol. 7, no. 2 (Summer-Fall 1994). Harrison, Selig S. (ed.). Japan's Nuclear Future: The Plutonium Debate and East Asian Security. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace, 1996. Hartung, William D. Welfare for Weapons Dealers 1998: The Hidden Cost of NATO Expansion. New York: New School of Social Research, World Policy Institute, 1998. Hellmann, Gunther & Reinhard Wolf. "Neorealism, Neoliberal Institutionalism, and the Future of NATO." Security Studies. vol. 3, no. 1 (Autumn 1993). Joffe, Joseph. "'Bismarck' or 'Britain'? Toward an American Grand Strategy after Bipolarity." International Security. vol. 19, no. 4 (Spring 1995). Kant, Immanuel. The Philosophy of Law. W. Hastie (trans.). Edinburgh: T. and T. Clark, 1887. Keely, Lawrence. War before Civilization: The Myth of Peaceful Savage. New York: Oxford University Press, 1996. Kegley, Jr., Charles W. "The Neorealist Moment in International Studies? Realist Myths and the New International Realities." International Studies Quarterly. vol. 37, no. 2 (June 1993). Kendall, Harry & Clara Joewono (eds.). Japan, ASEAN, and the United States. Berkeley: Institute of East Asian Studies, University of California, 1990. Kennedy, Paul. The Rise and Fall of Great Powers: Economic Change and Military Conflict from 1500 to 2000. New York: Random House, 1987. Keohane, Robert O. & Joseph S. Nye. Power and Interdependence. 2 nd ed. New York: Harper- Collins, 1989. Keohane, Robert O. & Lisa L. Martin. "The Promise of Institutionalist Theory." International Security. vol. 20, no. 1 (Summer 1995). Keohane, Robert O. After Hegemony: Cooperation and Discord in the World Political Economy. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1984. ________ (ed.). Neorealism and its Critics. New York: Columbia University Press, 1986. ________. International Institutions and State Power: Essays in International Relations Theory. Boulder, CO: Westview, 1989. Kindleberger, Charles P. (ed.). The International Corporation. Cambridge, MA: MIT Press, 1970. Kissinger, Henry. The White House Years. Boston: Little, Brown and Company, 1997. Kornblum, Joseph. "NATO's Second Half Century-Tasks for an Alliance." Conference Report for "NATO on Track for the 21 st Century" Netherlands Atlantic Commission. The Hague, 1994.

Krasner, Stephen D. Structural Conflict: The Third World against Global Liberalism. Berkeley: University of California Press, 1985. ________. "Global Communications and National Power: Life on the Pareto Frontier." World Politics. vol. 43, no. 1 (April 1991). ________. "International Political Economy: Abiding Discord." Review of International Political Economy. vol. 1, no. 1 (Spring 1994). Layne, Christopher & Sean M. Lynn-Jones. Should America Spread Democracy? A Debate. Cambridge, MA: MIT Press, forthcoming. Layne, Christopher. "Kant or Cant: The Myth of Democratic Peace." International Security. vol. 19, no. 2 (Fall 1994). Mandelbaum, Michael. The Dawn of Peace in Europe. New York: Twentieth Century Fund Press, 1996. Mastanduno, Michael. "Preserving the Unipolar Moment: Realist Theories and U.S Grand Strategy after the Cold War." International Security. vol. 21, no. 4 (Spring 1997). McDougall, Walter A. Promised Land, Crusader State: The American Encounter with the World since 1776. Boston: Houghton Mifflin Harcourt, 1997. Mearsheimer, John J. "A Realist Reply." International Security. vol. 20, no. 1 (1995). Milward, Alan S. The European Rescue of the Nation-State. Berkeley: University of California Press, 1992. Morgenthau, Hans. Politics among Nations: The Struggle for Power and Peace. 5 th ed. New York: Knopf, 1973. Mueller, John. "Is War still Becoming Obsolete?" Paper presented at annual meeting of the American Political Science Association. Washington, DC, August-September 1991. ________. Quiet Cataclysm: Reflections on the Recent Transformation of World Politics. New York: HarperCollins, 1995. Nathan, Andrew J. & Robert S. Ross. The Great Wall and Empty Fortes: China's Search for Security. New York: W. W. Norton, 1997. Neuman, Stephanie (ed.). International Relations Theory and the Third World. New York: St. Martin's, 1998. Oneal, John R. & Bruce Russett. "Assessing the Liberal Peace with Alternative Specifications: Trade still Reduce Conflict." Journal of Peace Research. vol. 36, no. 4 (July 1999). Oren, Ido. "The Subjectivity of the 'Democratic' Peace: Changing U.S Perception of Imperial Germany." International Security. vol. 20, no. 2 (Fall 1995). Owen, John M. "How Liberalism Produces Democratic Peace." International Security. vol. 19, no. 2 (Fall 1994). ________. Liberal Peace, Liberal War: American Politics and International Security. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1997. Powell, Robert. "Guns, Butter, and Anarchy." American Political Science Review. vol. 87, no. 1 (March 1993). Pyle, Kenneth B. The Japanese Question: Power and Purpose in a New Era. Washington, DC: AEI Press, 1992. Roper, John. "Shaping Strategy without the Threat." Adephi Paper 257. London: International Institute for Strategic Studies, 1990-91. Rosecrance, Richard. The Rise of the Trading State: Commerce and Coalitions in the Modern World. New York: Basic Books, 1986. Rotberg, Robert I. & Theodore K. Rabb (eds.). The Origin and Prevention of Major Wars. Cambridge: Cambridge University Press, 1989.

Russett, Bruce, John R. Oneal & David R. Davis. "The Third Leg of Kantian Tripod for Peace: International Organizations and Militarized Disputes, 1950-85." International Organization. vol. 52, no. 3 (Summer 1998). Schumpeter, Joseph A. Imperialism and Social Classes. New York: Meridian Books, 1995. Sheetz, Mark S. "Correspondence: Debating the Unipolar Moment." International Security. vol. 22, no. 3 (Winter 1997-98). Snyder, Glenn H. Alliance Politics. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1997. Spiegel, Steven L. & Kenneth N. Waltz (eds.). Conflict in World Politics. Cambridge, MA: Winthrop, 19971. Straight, Michael. Make This the Last War. New York: G. P. Putnam's Sons, 1945. Strange, Susan. The Retreat of the State: The Diffusion of Power in the World Economy. New York: Cambridge University Press, 1996. Tucker, Robert. Intervention and the Regan Doctrine. New York: Council on Religious and International Affairs, 1985. Turregano, Clemson G. & Ricky Lynn Waddell. "From Paradigm to Paradigm Shift: The Military and Operations Other than War." Journal of Political Science. vol. 22, no. 1 (1994). Waltz, Kenneth N. Man the State, and War: A Theorical Analysis. New York: Columbia University Press, 1959. ________. "Kant Liberalism, and War." American Political Science Review. vol. 56, no. 2 (June 1962). ________. "International Structure, National Force, and the Balance of World Power." Journal of International Affairs. vol. 21, no. 2 (1967). ________. "Nuclear Myths and Political Realities." American Political Science Review. vol. 84, no. 3 (September 1990). ________. "America as Model for the World? A Foreign Policy Perspective." PS: Political Science and Politics. vol. 24, no. 4 (December 1991). ________. "The Emerging Structure of International Politics." International Security. vol. 18, no. 2 (Fall 1993). ________. "The Origins of War in Neorealist Theory." Journal of Interdisciplinary History. vol. 18, no. 4 (Spring 1998). Wesson, Robert G. The Imperial Order. Berkeley: University of California Press, 1967. Winnerstig, Mike. "Rethinking Alliance Dynamics." paper presented at the Annual Meeting of the International Studies Association. Washington, DC, 18-22/3/1997. Wohlforth, William C. "The Stability of a Unipolar World." International Security. vol. 24, no. 1 (Summer 1999). Zelikow, Philip. "The Masque of Institutions." Survival. vol. 38, no. 1 (Spring 1996).