تدريس العلاقات الدولية في العالم العربي: الإشكاليات المعرفية والنظرية ***

Bassel F. Salloukh باسل صلّوخ | ** May Darwich مي درويش |

الملخّص

كيف تدرّس مادة العلاقات الدولية في بلدان العالم العربي؟ وما الذي يطرأ على العلاقات الدولية التي ت عُّدُ "علمًا اجتماعيا أميركيًا" عندما تدخل إلى الفصول الدراسية في البلدان العربية، وُت درّس باللغة العربية؟ على الرغم من هيمنة النظريات ذات الأصول الغربية على مناهج تدريس مادة العلاقات الدولية وأساليبها في بلدان العالم العربي، فإن هناك توترًا مُتزايدًا بين تلبية الفهم المكوّن لدى الطّل اب من خلال الاعتماد على النظريات الكلاسيكية، بصفتها خطوة أولى للمساهمة في إنتاج المعرفة من ناحية، وتكييف هذا الفرع المعرفي مع الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية المحيطة في مناطق العالم المختلفة من ناحية أخرى. تتناول هذه الدراسة طبيعة تدريس مادة العلاقات الدولية في الجامعات العربية، وكيفية تباين طرق تدريس المقاربات النظرية للعلاقات الدولية: يشمل ذلك شرح النظريات الغربية وتطبيقها، أو مراجعة بعض منها، أو تقديم مقاربات بديلة منها. وتشير الدراسة إلى أنّ ممارسات التدريس تتمتع بمرونة وتنوع أكثر من مجمل الإنتاج المعرفي في الدوريات العلمية الرائدة. لذا، فالتدريس قد يصبح نقطة الانطلاق لإنتاٍجٍ نظرٍّيٍ جديٍدٍ يعكس، على نحو أفضل، واقع العلاقات الدولية في العالم العربي.

How is International Relations (IR) taught in the Arab World? What happens to what was once labelled an 'American Social Science' when it enters classrooms in the Arab world and is taught in Arabic? Despite the predominance of Western approaches and theories on the teaching of IR in the Arab World, there is tension between the need to train students in the classical theories as a prerequisite for knowledge production, and the need to adapt them to various political, social, and economic contexts across the globe. This study examines the different approaches to how IR is taught in Arab universities, and how Western theories are considered critically by the teaching of alternative approaches. The paper argues that the different approaches to teaching IR are more versatile theoretically than the range of published papers in leading academic journals in the West. As such, they may prove to be the starting point for new forms of knowledge production that better reflect the realities of international relations in the Arab world. Keywords: IR Theory, Teaching IR, Knowledge Production, Arab World.

Teaching International Relations in the Arab World: Knowledge Production and Theoretical Challenges

كلمات مفتاحية: نظرية العلاقات الدولية، تدريس العلاقات الدولية، الإنتاج المعرفي، العالم العربي.

مقدمة

كيف يمكن للعالم "غير الغربي" أن يصبح "ُمُنتجًا للمعرفة" بدلًامن أن يكون "متلقيًا لها" فحسب؟ وكيف يمكن ربط الرؤى الوافدة من أماكن مختلفة في نقاش عالمي حقيقي يعبر عن حال حقل العلاقات الدولية في مختلف أنحاء العالم؟ انشغل الباحثون بهذه الإشكالية في محاولة للتغلب على القصور في الأصول النظرية والمعرفية في حقل العلاقات الدولية وتحيزها إلى التجربة الغربية، وتطور الحقل في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، من دون الالتفات إلى المسارات والتجارب المختلفة في العالم غير الغربي  1. فأصبحت مناطق العالم المختلفة متلقيةً، فحسب، للنظريات والأطروحات الغربية التي لا تعبر بالضرورة عن التحديات والأسئلة التي يُواجهها باحثو العلاقات الدولية غير الغربية ودارسوها. إلى جانب ذلك، توجه آخرون إلى دراسة العلاقات الدولية بطرق مختلفة في أجزاء أخرى من العالم، عبر مطابقتها أو مقارنتها بالأطروحات الآسيوية، والأميركية اللاتينية، والأفريقية، والأوروبية 2، ما يعكس وعيًا متزايدًا وجدلًاحول محدودية المنظور الغربي في فهم التحديات السياسية المعاصرة وتفسيرها. ولا يزال الباحثون يتساءلون عن إمكانات تحوّل "غير الغرب" إلى "ُمُنتج للمعرفة"، بدلًامن أن يكون "موضوعًا للمعرفة" فحسب، لإثراء حقل العلاقات الدولية 3، وأيضًا للهروب من التبعية ل "نظرية المعرفة المعاصرة في شمال الأطلسي" 4. ويشير مورتن فالبيورن 5Valbjørn Morten إلى هذا التحدّي، إذ يرى أن هناك استراتيجيات قد تجعل نظريّات العلاقات الدولية عالمية بالفعل، من خلال التركيز على إشكاليات تدريس مادة العلاقات الدولية مع ضرورة الالتفات إلى مسألة الإنتاج المعرفي، بما يتماشى مع متطلبات العملية التربوية وحاجاتها. وبناءً عليه، تهدف هذه الدراسة إلى التركيز على إشكاليات الإنتاج المعرفي وآفاقه في العالم العربي، في إطار تدريس العلاقات الدولية في بلدان العالم العربي. على الرغم من تأثّر تنظير العلاقات الدولية في العالم العربي وتدريسها بالنظريات الغربية، كما هو الحال في مناطق العالم المختلفة، فإن الإنتاج المعرفي في الدوريات العالمية لا يعّب ر، بالضرورة، عن المعضلات التربوية المتزايدة التي يواجهها الباحثون الذين يدِّرِسون العلاقات الدولية في مختلف مناطق العالم. فعلى سبيل المثال، أشار يوناس هاغمان وتوماس بيرشتكر 6 إلى أنه عند دراسة مناهج العلاقات الدولية في الجامعات الأميركية والأوروبية تبّي نأن المناهج والمقاربات المتبعة في الدراسات المنشورة في الدوريات الأكاديمية لا تتطابق مع ممارسات التدريس؛ إذ يشير تحليل المجّل ات الرائدة إلى أن العلاقات الدولية الأوروبية أ شدّ انفتاحًا على بعض المناهج النقدية مما هي عليه في الواقع عند تدريسها. ويمكن رصد حالة مشابهة من التباين بين المعرفة التي تنشر باللغة الإنكليزية وما يجري تدريسه في جامعات العالم العربي. فمع أن المناهج الدراسية والكتابات في العالم العربي توحي بأن هناك اعتمادًا ملحوظًا على النظريات الكلاسيكية الغربية، وبخاصة المدرسة الواقعية، في فهم العلاقات الدولية وتفسيرها في العالم العربي، فإن تدريس العلاقات الدولية يعكس صورة مغايرة.

  1. Amitav Acharya & Barry Buzan, "Why Is There No Non-Western International Relations Theory? An Introduction," International Relations of the Asia-Pacific , vol. 7, no. 3 (September 2007), pp. 287‑312; Amitav Acharya, "Global International Relations (IR) and Regional Worlds: A New Agenda for International Studies," International Studies Quarterly , vol. 58, no. 4 (December 2014), pp. 647-659; Amitav Acharya & Barry Buzan, The Making of Global International Relations: Origins and Evolution of IR at Its Centenary (Cambridge: Cambridge University Press, 2019); Melody Fonseca, "Global IR and Western Dominance: Moving Forward or Eurocentric Entrapment?" Millennium: Journal of International Studies , vol. 48, no. 1 (September 2019), pp. 45–59; Deepshikha Shahi & Gennaro Ascione, "Rethinking the Absence of Post-Western International Relations Theory in India: 'Advaitic Monism' as an Alternative Epistemological Resource," European Journal of International Relations , vol. 22, no. 2 (2016), pp. 313-334.
  2. Arlene Tickner, "Seeing IR Differently: Notes from the Third World," Millennium Journal of International Studies , vol. 32, no. 2 (June 2003), pp. 295–324; Karen Smith, "Has Africa Got Anything to Say? African Contributions to the Theoretical Development of International Relations," The Round Table , vol. 98, no. 402 (June 2009), pp. 269-284; Yaqing Qin, "Why Is There No Chinese International Relations Theory?" International
  3. Gunther Hellmann & Morten Valbjørn, "Problematizing Global Challenges: Recalibrating the 'Inter' in IR-Theory," International Studies Review , vol. 19, no. 2 (June 2017), pp. 228-279; Maiken Gelardi, "Moving Global IR Forward—A Road Map," International Studies Review , vol. 22, no. 4 (December 2020), pp. 830-852.
  4. Walter D. Mignolo, "Geopolitics of Sensing and Knowing: On (De) Coloniality, Border Thinking and Epistemic Disobedience," Postcolonial Studies , vol. 14, no. 3 (October 2011), pp. 273-283.
  5. Morten Valbjørn, "Studying Identity Politics in Middle East International Relations," in: Raymond Hinnebusch & Jasmine K. Gani (eds.), The Routledge Handbook to the Middle East and North African State and States System (Abingdon/ Oxon: Routledge, 2019), p. 262. 6  Jonas Hagmann & Thomas J. Biersteker, "Beyond the Published Discipline: Toward a Critical Pedagogy of International Studies," European Journal of International Relations , vol. 20, no. 2 (2014), p. 306.
  6. Relations of the Asia-Pacific , vol. 7, no. 3 (August 2007), pp. 313-340; Knud Erik Jørgensen & Tonny Brems Knudsen (eds.), International Relations in Europe: Traditions, Perspectives and Destinations (London: Routledge, 2008).

ويكشف هذا التباين عن صراع مُتزايد بين تلبية الفهم المتشكل لدى الطّل اب من خلال الاعتماد على النظريات والمقاربات الكلاسيكية بوصفها خطوة أولى للمساهمة في إنتاج المعرفة من ناحية، وتكييف هذا الفرع المعرفي مع الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية المحيطة في مناطق العالم المختلفة التي غالبًا ما تفشل النظريات الكلاسيكية في تفسيرها، من ناحية أخرى. تتناول هذه الدراسة طبيعة تدريس العلاقات الدولية في الجامعات العربية وطرقها، وكيفية تباين تدريس المقاربات النظرية والمنهجية للعلاقات الدولية بين شرح النظريات الغربية وتطبيقها، أو مراجعة بعض منها، أو تقديم نظريات بديلة منها. يوفر رصد طبيعة العلاقات الدولية في العالم العربي ودراستها وأساليب تدريسها صورة دقيقة تعكس وضعية الحقل، وتوضح أن حالة العلم لا تتطابق بالضرورة مع آليات التدريس. فعلى الرغم من تركيز مناهج التدريس في الكتب الدراسية على النظريات والمقاربات ذات الأصول الغربية، التي نادرًا ما تأخذ الاختلافات الجغرافية في الاعتبار  7، فإن ممارسات التدريس أشدّ تنوعًا، وتتخطى المنشورات العلمية الرائدة في الحقل 8. ومن هنا، يرى بعضهم أن التدريس قد يقدّم الخطوات الأولى لإطلاق عجلة التغيير في الإنتاج النظري بما يتماشى مع طبيعة العلاقات الدولية في مناطق العالم غير الغربي. وتسعى هذه الدراسة إلى تكملة الدراسات السابقة التي نشُرت في هذا المجال. فقد نشُر مؤخرًا كتاب بعنوان العلاقات الدولية من الجنوب الكبير: عوالم من الاختلاف 9، يسعى إلى توثيق الإسهامات المعرفية غير الغربية في حقل العلاقات الدولية وكيفية تدريسها في مختلف أنحاء العالم. وتستكمل هذه الدراسة الإسهامات السابقة في هذا المجال، من خلال مناقشة معضلات تدريس مادة العلاقات الدولية في بلدان العالم العربي. هل تُدَّرَس بالطريقة نفسها التي تُدرّس فيها حول العالم؟ ما الأهم بالنسبة إلى طّل اب العلاقات الدولية في هذه البلدان: إنتاج نظريّات العلاقات الدولية أم استهلاكها؟ وأخيرًا، ما الذي يطرأ على العلاقات الدولية التي تُعُّدُ "علمًااجتماعيًا أميركيًا" 10 عندما تدخل إلى الفصول الدراسية في البلدان العربية، وُتُدرّس باللغة العربية؟ كما تعدّ هذه الدراسة مكملة للأطروحات التي تناولها منتدى خاٌّصٌ نُِّمظِ مؤخّرًا حول "سياسات تدريس العلاقات الدولية في بلدان العالم العربي"، عرض كيف تختلف طرق تدريس العلاقات الدولية ومحتواها باختلاف المناطق، والبلدان، والمجتمعات، والأفراد  11. ويرجع تباين محتوى العلاقات الدولية وطرق تدريسها في الجامعات العربية إلى عدة عوامل بنيوية، ومؤسّسية، وتاريخية، ولغوية، وسياسية، وفردية، بما يؤثر في المقاربات النظرية، ومناهج التدريس، والتفاعل داخل الفصول الدراسية. وتوضح الدراسات السابقة أنه على الرغم من هيمنة النظريات ذات الأصول الغربية على مناهج مادة العلاقات الدولية وأساليب تدريسها في بلدان العالم العربي، فإن طرق تدريس العلاقات الدولية تعددت وتشعبت في أنواعها وتنوعت مناهجها تبعًا للمناطق والبلدان  12. ومن هنا، فإن دراسة عملية التدريس قد تصبح وسيلة لمعاينة السياقات المختلفة لإنتاج المعرفة في حقل العلاقات الدولية وتشريحها؛ فإشكاليات تدريس العلاقات الدولية في العالم العربي هي بمنزلة مرآة تعكس حالة الإنتاج المعرفي في هذا الحقل. نشُر القليل عن حقل العلاقات الدولية في العالم العربي مقارنة بمناطق العالم الأخرى، وكذلك تظل إسهامات العالم العربي في أدبيات العلاقات الدولية ما بعد الغربية محدودةً. ولا يعني ذلك وجود قصور في الحقل في حد ذاته في العالم العربي. فهناك أدبيات متشعبة للعلاقات الدولية نشرت باللغة العربية خلال العقود الثلاثة الماضية؛ مثل أعمال إسماعيل صبري مقلد، ومحمد السيد سليم، ونادية مصطفى، ومحمد حمشي، وذلك على سبيل المثال لا الحصر 13. إلا أن الغالبية العظمى من الأدبيات في العالم العربي تعتمد على تقديم النظريات الغربية للطالب العربي من دون طرح نقدي. فالقليل منها قدم إنتاجًا معرفيًا للعلاقات الدولية يمكن تطبيقه، سواء داخل العالم

  1. على سبيل المثال لا الحصر: إسماعيل صبري مقلد،  13 العلاقات السياسية الدولية: دراسة في الأصول والنظريات (القاهرة: المكتبة الأكاديمية، 1991)؛ محمد السيد سليم، تطور السياسة الدولية: في القرنين التاسع عشر والعشرين (القاهرة: دار الفجر، 2002)؛ محمد السيد سليم، تحليل السياسة الخارجية (القاهرة: دار الجيل، 2001)؛ نادية مصطفى، العلاقات الدولية في عالم متغير: منظورات ومداخل مقارنة (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2016)؛ محمد حمشي، مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)؛ مروان قبلان، سياسة قطر الخارجية: الاستراتيجيا في مواجهة الجغرافيا (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2021
  2. Hagmann & Biersteker, p. 306.
  3. Tickner & Smith.
  4. Stanley Hoffmann, "An American Social Science: International Relations," Daedalus , vol. 106, no. 3 (Summer 1977), pp. 41–60.
  5. May Darwich et al., "The Politics of Teaching International Relations in the Arab World: Reading Walt in Beirut, Wendt in Doha, and Abul-Fadl in Cairo," International Studies Perspectives , vol. 22, no. 4 (December 2021), pp. 407-438.
  6. Hagmann & Biersteker.
  7. 7  Wiebke Wemheuer-Vogelaar et al., "The Global IR Debate in the Classroom," in: Arlene B. Tickner & Karen Smith (eds.), International Relations from the Global South (London: Routledge, 2020), p. 24.

العربي أو خارجه. كما لم ينشر منها سوى قليل باللغة الإنكليزية 14؛ ما جعل إسهام العالم العربي في تنظير العلاقات الدولية ما بعد الغربية محدودًا. ففي محاولتهما جمع باحثين في العلاقات الدولية من أنحاء العالم جميعًا، واجه أولي ويفر وأرلين تيكنر 15 صعوبة في إنتاج حتى فصل واحد عن العلاقات الدولية في العالم العربي، مشيَرَين إلى أنه "خلال العملية الطويلة للتعامل مع كتّاب وخبراء في جميع الفصول [...]، برزت الحالة العربية على أنها الأكثر إثارة للتحدّيات، إذ نُِش ر القليل عن العلاقات الدولية في الدول العربية مقارنة بمناطق أخرى." وفي الواقع، تعد الأطروحات النظرية من تركيا وإيران وإسرائيل أ برز في أدبيّات العلاقات الدولية باللغة الإنكليزية  16، في حين لا يزال العالم العربي غير ممثّل على نحٍوٍ كاٍفٍ. ويمِّثِل هذا القصور عقبة في وجه المساهمة في إنتاج المعرفة حول العلاقات الدولية من المنطقة وبلغة العلاقات الدولية الأكثر رواجًا وهيمنة، وهي اللغة الإنكليزية. لذلك، كانت المساهمات النظرية نادرة خلال نقاشات العلاقات الدولية الأوسع القائمة على رؤى من العالم العربي. مع ذلك، تبرز علامات مُتزايدة حيال مسار تغّي رهذا الوضع ومجهودات متزايدة في محاولة للتنظير المحلي للعلاقات الدولية في لبنان، ومصر، والمغرب وغيرها من دول العالم العربي 17. ومن خلال دراسة طبيعة تدريس العلاقات الدولية في العالم العربي وكذلك المعرفة التي تمِّلثِ المناهج الدراسية، ترصد هذه الدراسة ثلاثة أنماط في تدريس هذا الحقل. أولًا، لا تزال مناهج العلاقات الدولية السائدة مُتِ لثِ أساسًا لتدريس العلاقات الدولية في بلدان العالم العربي، وتمِّلثِ دراستها على نحٍوٍ واٍفٍ خطوة أولى للمساهمة في إنتاج المعرفة. ومع ذلك، لا يمكن الاستمرار في تدريسها في المنطقة بنظريات العلاقات الدولية الأميركية وأُسُِسِها من دون التعاطي النقدي مع الافتراضات الأساسية؛ فهذه النظريّات لا تنتقل بسلاسة عبر الحدود. بناءً عليه، فهي تُدَّرَس على نحٍوٍ مختلٍفٍ بين بلد عربي وآخر، بل حتّى داخل البلد نفسه؛ إذ يقوم بعض دارسي هذه المادة وبعض مدرّسيها بالتعامل مع حقل العلاقات الدولية الأميركي من منظار بلدان العالم العربي وواقعها ومؤّشر اتها بوصفها طريقًا رئيسةً لتكييف هذا الحقل مع الحقائق المحيطة في بلدان المنطقة العربية. ثانيًا، يشجّع مدرسون آخرون طّل ابهم على قراءة نصوص العلاقات الدولية بطريقة نقدية مُعاكسة للآراء المتداولة والسائدة؛ فتدريس العلاقات الدولية في العالم العربي يتطلّب تنمية وجهات نظر نقدية ومقاربات ما بعد الاستعمار في الفصول الدراسية، ما يسمح للطّل اب بالتفكير في سياسات إنتاج المعرفة التي حدّدت تطوّر نظريات العلاقات الدولية حول المصالح الأمنية للولايات المتّحدة والصور النمطية لدى الغرب حيال العالم العربي  18. ثالثًا، يسعى آخرون إلى الانتقائية التحليلية Analytical eclecticism التي تهدف إلى تطويع النظريات الغربية إلى واقع العلاقات الدولية في المناطق غير الغربية من خلال انتقاء ما يتوافق مع طبيعة المناطق المختلفة. وعلى الرغم من الثغرات المهمّة في إنتاج المعرفة في العلاقات الدولية محلّيًا، فإَّنَ البعض لا يزال يبحث عن مناهج نظرية ناشئة في المنطقة بوصفها بديلًامن النظريات الغربية التي لا تتناسب مع واقعها. في هذا السياق، يلجأ بعض مدرسي التخصص إلى تدريس نظرية العلاقات الدولية من خلال النظريات الناشئة محليًا وتحدّياتها، لتزويد الطّل اب بوجهات نظر حول العلاقات الدولية مُستمدة من المنطقة وتراثها التاريخي وتحدّياتها السياسية المعاصرة. من هنا، فإن التدريس يكشف عن محاولات متنوعة لتحدي الهيمنة و"المركزة الغربية" 19؛ فتمِّلثِ العملية التربوية ساحة لطرح مساهمات "قبل-نظرية" بوصفها تمهيدًا لنظريات محتملة أو لطرح، وتطوير مقاربات نظرية في طور التشكل، قد تكون نواة لإسهام نظري في المستقبل.

  1. Bahgat Korany, "Strategic Studies and the Third World: A Critical Evaluation," International Social Science Journal , no. 110 (1986), pp. 547-562; Bahgat Korany & Ali. E. H Dessouki (eds.), The Foreign Policies of Arab States: The Challenge of Globalization (Cairo/ New York: The American University in Cairo Press, 2008); Bassel F. Salloukh, "Overlapping Contests and Middle East International Relations: The Return of the Weak Arab State," PS: Political Science & Politics , vol. 50, no. 3 (July 2017), pp. 660-663.
  2. Arlene B. Tickner & Ole Wæver, International Relations Scholarship around the World (London: Routledge, 2009), p. 173.
  3. Homeira Moshirzadeh, "Iranian Scholars and Theorizing International Relations: Achievements and Challenges," All Azimuth: A Journal of Foreign Policy and Peace , vol. 7, no. 1 (2018), pp. 103-120; Amir Lupovici, "Ontological Dissonance, Clashing Identities, and Israel's Unilateral Steps Towards the Palestinians," Review of International Studies , vol. 38, no. 4 (October 2012), pp. 809-833; Ersel Aydinli & Gonca Biltekin (eds.), Widening the World of International Relations: Homegrown Theorizing (London: Routledge, 2020).
  4. Samer Abboud et al., "Towards a Beirut School of Critical Security Studies," Critical Studies on Security , vol. 6, no. 3 (October 2018), pp. 273-295; Waleed Hazbun & Morten Valbjørn, "The Making of IR in the Middle East: Critical Perspectives on Scholarship and Teaching in the Region," APSA- MENA Newsletter , no. 5 (2018), pp. 5–9; Abdul Hamid A. Abu Sulayman,
  5. Rudra Sil & Peter Katzenstein, Beyond Paradigms: Analytic Eclecticism in the Study of World Politics (New York: Palgrave, 2010); سياسات عربية، مج محمد حمشي، "الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية"، 5، العدد 28 2007()، ص.54-40 19  Abdelwahab El-Affendi & Khalil Al- Anani (eds.), After the Arab Revolutions: Decentering Democratic Transition Theory (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2021).
  6. Towards an Islamic Theory of International Relations: New Directions for Methodology and Thought , 2 nd (ed.) Revised (Herndon/ Virginia: The International Institute of Islamic Thought, 1993).

أولًا: النظريات الكلاسيكية في تدريس العلاقات الدولية

يرتبط المنهج والخطاب المستخدمان في حقل العلاقات الدولية في أميركا الشمالية بطريقة لا لبس فيها بالسلطوية والإمبريالية  20. لكن نظرية العلاقات الدولية، في نهاية الأمر، تبدو مختلفة تمامًا بين منظار الباحثين الأميركيين الذين ينظرون إلى حال العلاقات الدولية في بلدان الجنوب من زاوية بعيدة، وبين منظار طّل اب العلاقات الدولية في بلدان الجنوب الذين يعايشون واقع بلدانهم. وفي هذه العلاقة ثمة ما يشبه العلاقة بين "المهراجا" الذي يتنقّل على ظهر فيٍلٍ مُستكشفًا ممتلكاته من أعلى، وبين سائس الفيل الذي يعايش أزماته في الواقع ويشعر بنبض الأرض  21. لذلك، يجب علينا البحث في تأثير طرق تدريس العلاقات الدولية، في العالم العربي، في آفاق إنتاج المعرفة في المنطقة، وكيف يمكن أن تساهم هذه المهمّة الصعبة في جعل هذه المادة عالمية بالفعل. إذًا، ما دور طريقة تدريس العلاقات الدولية في تحدّي ضيق أفق نظريات العلاقات الدولية وطابعها الغربي، وتشابك مفاهيمها الأساسية وإبستيمولوجيتها مع الإمبريالية؟ وهل في إمكان العالم العربي المشاركة في إنتاج المعرفة، وخاصة النظرية منها، في العلاقات الدولية من دون التمكّن من التدريب النظري والمنهجي المطلوب في حقل العلاقات الدولية الأميركي؟ فالتمكّن من هذه المنهجيّات ضروري إذا أردنا للإنتاج المعرفي في العالم العربي الانخراط في النقاشات النظرية في العلاقات الدولية. تكمن الخطوة الأولى لمسار إنتاج المعرفة محلّيًا، شئنا أم أبينا، في التعامل مع حقل العلاقات الدولية بوصفه "علم اجتماعي أميركي" 22، أي باعتباره مجموعة من الاقتراحات والافتراضات الُمُتماسكة والمتسقة، في تفسير سلوك الدول والقوى العظمى وسياساتها الخارجية، ولا سّيمّا أن الواقعية لا تزال النظرية الأكثر متانة في هذا النوع من "العلوم الاجتماعية الأميركية." لذلك، من المهم البدء بتدريس الواقعية أو الواقعية الجديدة وتطبيقاتها بصفتها نظرية متماسكة عن سياسات الدول في نظام دولي أو إقليمي فوضوي، مع فهم الافتراضات التي تقدمها هذه النظرية حول طبيعة الدولة ودورها في السياسة الدولية ودور السيادة والتحالفات والقوة المادية. وبخلاف المدرسة الواقعية التي تركز على المتغيرات البنيوية والمادية في العلاقات الدولية، من المهم أيضًا تعريف الطّل اب بمستويات التحليل البديلة التي تركز على المتغيرات المحلية والفردية، وكذلك وجهات النظر غير المادية، سواء أكانت بنائية أم ما بعد بنيوية  23. يتطلّب تقديم حقل العلاقات الدولية الغربي الأميركي إلى طّل اب العالم العربي تدريبهم على التفكير بالطريقة نفسها التي يفكّر بها طّل اب العلاقات الدولية في أميركا الشمالية؛ أي التركيز على أساليب الحجاج السببية في قراءاتهم لتحديد المتغّي رات الُمُستقلّة والمتغّي رات التابعة، ورؤية الوقائع والأحداث والمعطيات من مستويات التحليل المختلفة لقياس قدرات الدول المادية وغير المادية. ففي واقع الأمر، يفتقر كثير من الطّل اب في العالم العربي إلى هذه المقاربات السببية في دراسة العلاقات الدولية، كونهم لا يمتلكون المهارات المنهجية المناسبة. ومع ذلك، تبقى هذه المقاربات مُجدية؛ لأنها أفضل طريق للتصدّي لنظرية المؤامرة العالمية التي تحظى بشعبية كبيرة في بلدان العالم

  1. Robert W. Cox, "Social Forces, States and World Orders: Beyond International Relations Theory," Millennium , vol. 10, no. 2 (1981), pp. 126-155; James Tully, An Approach to Political Philosophy: Locke in Contexts (Cambridge: Cambridge University Press, 1993); Edward Said, Orientalism (New York: Vintage Books, 1979); Tarak Barkawi & Mark Laffey, "The Postcolonial Moment in Security Studies," Review of International
  2. Walid Khalidi, "The Palestine Problem: An Overview," Journal of Palestine Studies , vol. 21, no. 1 (Autumn 1991), pp. 5–16. 22  Hoffmann.
  3. Studies , vol. 32, no. 2 (2006), pp. 329-352; Robert Vitalis, White World Order, Black Power Politics: The Birth of American International Relations (Ithaca, NY.: Cornell University Press, 2015).
  4. Alexander Wendt, Social Theory of International Politics (Cambridge: Cambridge University Press, 1999); Richard K. Ashley, "The Poverty of Neorealism," International Organization , vol. 38, no. 2 (Spring 1984), pp. 225-286.

العربي  24، وُيُعاد إنتاجها باستمرار من الأنظمة والنخب السياسية ووسائل الإعلام، وهناك العديد من الأمثلة لتوضيح هذه النقطة. فعلى سبيل المثال، ما الأكثر فائدة لطّل اب العلاقات الدولية في العالم العربي: التفكير في الغزو الأميركي للعراق في عام 2003 بصفته جزءًا من قائمة طويلة من المؤامرات الأجنبية ضدّ اللاعبين الإقليميين، أم بصفته جزءًا من الآثار الُمُعقّدة لهجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية، أم بصفته قرارًا أميركيًا خدمة لسياستها الخارجية تعود جذوره إلى مزيج من الأسباب الأيديولوجية والمحلية والمادية؟  25، وكيف يمكن تفسير أسباب الحرب على لبنان في عام 2006 بين حزب الله وإسرائيل؟ أهي مؤامرة مخطّط لها من واشنطن وتل أبيب للقضاء على حزب الله، أم أنها فشل مُعادلة الردع بين الخصمين كما تدّعي نظريّة الردع؟  26. وأخيرًا، هل يمكن تفسير السياسة الخارجية الإيرانية في لبنان وسورية واليمن بالعودة إلى نظريّات المؤامرة الُمُتجذّرة في الهوية الشيعية، أم أنها حسابات واقعية دفاعية لفاعل إقليمي ذي قدرات عسكرية محدودة؟  27. بالطبع، لا يعني ذلك أن المنطقة لم تتعرّض لتدّخلّات خارجية عسكرية أو غيرها، سعيًا لخدمة المصالح الاقتصادية والسياسية للقوى الدولية الُمُهيمنة، إّل اأن أي نقد لعمل النظام الدولي عبر استخدام أدوات العلاقات الدولية الغربية يعُّدُ أكثر فائدة من نظريات المؤامرة التي يُعاد اجترارها وتكرارها. ومن هنا، لا يمكننا تبني العلاقات الدولية من منظار العالم العربي من دون امتلاك فهٍمٍ متيٍنٍ لنظريّاته ومنهجيّاته، على الرغم من أنها، وفقًا لإدوارد سعيد  28، غالبًا ما تُنتج في الغرب وللغرب؛ كونها تبقى الخطوة المنهجية والأكاديمية الأولى وشرطًا مُسبقًا أساسيًا وضروريًا لتعليم الطلاب نقديًا، وفتح آفاق تفكيرهم على تفسيرات واكتشافات جديدة، ومراجعة افتراضاتهم الأولية. وبالطبع، لا يجوز التغاضي عن حقيقة أن أي معطى عن العلاقات الدولية من منظار العالم العربي لا يعني بأي شكل أن ثمّة ما هو عربي ثقافيًا في هذا النوع من العلاقات الدولية، بل هو مسعى لتدريس العلاقات الدولية مع إدراٍكٍ كامٍلٍ للفروق المختلفة الُمُفترض أن تتكيّف معها "النظريات المرتحلة" 29 عبر مناطق مختلفة ذات تواريخ ومجتمعات متباينة، ولكن متُرابطة في آٍنٍ معًا. قد تتعلّق هذه الفروق بطرق تطور العلاقات الدولية في المنطقة من خلال مسارات نشأة الدولة وبنائها، وأنماط العلاقات المختلفة السائدة بين الدولة/ النظام والمجتمع، والأزمنة المختلفة لاندماج المنطقة في النظام الرأسمالي العالمي، ومفاهيم الأمن والسيادة، والافتراضات الُمُتبناة حيال استقلالية الدولة، وكلّها ليست نتيجة للاستثناءات الثقافية، بل لمسارات تاريخية ومؤسّسية واقتصادية وسياسية مختلفة  30. فليس من الغريب، إذًا، أَّنَ أفضل المساهمات التي نشُرت حول العلاقات الدولية من العالم العربي باللغة الإنكليزية أ نِتِجت من خلال محاكاة الافتراضات النظرية الأساسية للعلاقات الدولية الغربية. وهذا ما أثبته بهجت قرني  31 في أبحاثه النقدية منذ وقت طويل. وتشمل هذه المساهمات، على سبيل المثال لا الحصر، وضع نظريات حول تصورات بديلة من أمن الدولة والمجتمع وانعدام الأمن  32، وكشف إمبريالية قرارات الأمم المتّحدة وخطاب "الحرب على الإرهاب" وتأثيرها في السياسات المحلّية لدول المنطقة 33، وإعادة التفكير بالثنائية المعرفية (ضعيف/ قوي، وعقلاني/ غير عقلاني، ودولة/ لا دولة، واستقرار/ عدم استقرار) التي تُعُّدُ جزءًا لا يتجزّأ من معظم نظريات العلاقات الدولية السائدة 34 وبتأثير المقاربات العسكرية

  1. Sean Burns, "A Matter of Perspective: Teaching International Relations in the Middle East," The Journal of General Education , vol. 63, no. 2–3 (2014), pp. 161-183.
  2. F. Gregory Gause, The International Relations of the Persian Gulf (Cambridge: Cambridge University Press, 2009); Raymond Hinnebusch, "The US Invasion of Iraq: Explanations and Implications," Critique: Critical Middle Eastern Studies , vol. 16, no. 3 (Fall 2007), pp. 209-228; Toby Dodge, "The Sardinian, the Texan and the Tikriti: Gramsci, The Comparative Autonomy of the Middle Eastern State and Regime Change in Iraq," International Politics , vol. 43, no. 4 (2006), pp. 453-473.
  3. Daniel Sobelman, "Learning to Deter: Deterrence Failure and Success in the Israel-Hezbollah Conflict, 2006–16," International Security , vol. 41, no. 3 (2017), pp. 151-196.
  4. Thomas Juneau, "Iran's Policy towards the Houthis in Yemen: A Limited Return on a Modest Investment," International Affairs , vol. 92,
  5. Said.
  6. Edward Said, The World, the Text, and the Critic (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1983).
  7. Raymond Hinnebusch, The International Politics of the Middle East , 2 nd ed. (Manchester: Manchester University Press, 2015); Fred Halliday, The Middle East in International Relations: Power, Politics and Ideology (Cambridge: Cambridge University Press, 2005).
  8. Korany.
  9. Waleed Hazbun, "The Politics of Insecurity in the Arab World: A View from Beirut," PS: Political Science & Politics , vol. 50, no. 3 (July 2017), p. 656. 33  Karim Makdisi, "Constructing Security Council Resolution 1701 for Lebanon in the Shadow of the 'War on Terror'", International Peacekeeping , vol. 18, no. 1 (February 2011), pp. 4–20.
  10. no. 3 (2016), pp. 647-663; Hassan Ahmadian & Payam Mohseni, "Iran's Syria Strategy: The Evolution of Deterrence," International Affairs , vol. 95, no. 2 (March 2019), pp. 341-364.
  11. Abboud et al.

35  لالحد من انتشار الأسلحة غير التقليدية على الأمن الدولي، فضل عن استقصاء المفاهيم الإسلامية البديلة من العلاقات الدولية 36.

ثانيًا: المقاربات النقدية في تدريس العلاقات الدولية

"ُتُعتبر "مدرسة بيروت للدراسات الأمنية النقدية 37 أحد الأمثلة اللافتة على كيفيّة مساهمة البحوث في العلاقات الدوليّة وتدريسها من العالم العربي في إنتاج المعرفة للعالم العربي، وكيفية المشاركة في حوار نقدي مُثمر يستند إلى النظريات السائدة في هذا الحقل، من دون إنكار محدودية هذه النظريات عند تصديرها إلى العالم العربي. وبناءً عليه، تهدف هذه المدرسة إلى تطوير مفاهيَمَ وممارساٍتٍ تربويّةٍ جديدةٍ، من خلال سلوٍكٍ فكرٍّيٍٍ يربط نظريات العلاقات الدوليّة بالحالات الإقليميّة. لقد عمد رواد هذه المدرسة إلى استكشاف سبل البحث في العلاقات الدوليّة وتدريسها من العالم العربي، في محاولة "للتنظير عن الأمن من البلدان غير الغربيّة و/ أو من أجلها" 38. ويتضمّن هذا المشروع أيضًا إنشاء بنية تحتيّة مؤسّسية، عبر تعاون كلّيات المنطقة وجامعاتها نظرًا إلى اشتداد الحاجة إليها لإنتاج المعرفة في حقل العلاقات الدوليّة؛ ما يعني إدراج مقررات دراسيّة ينبت نم لادًااب مهتلئسأو ةقطنلام ب لاطّاا تاجاح يبّلت تاءارقل حئاولو القراءات النموذجيّة الُمُتبعة في فصول العلاقات الدوليّة في الغرب، إضافة إلى تصميم برامج الماجستير والدكتوراه لتخريج طاّلٍ بٍ مخوّلين أن يصبحوا متخصّصين في هذا المجال على نحو متساٍوٍ مع نظرائهم في الغرب. وليس هذا الهدف سهلًابسبب تراجع العديد من برامج العلوم السياسيّة وضعف التدريب المنهجي في جامعات العالم العربي، كما أشرنا سابقًا، مقارنة ببرامج الجامعات الغربيّة ومناهجها. ويتطلّب هذا الجهد أيضًا تأسيس دوريات متخصصة لنشر المقالات التي تتوافر فيها معايير علميّة رفيعة المستوى. من هنا، سعت مجموعة العمل في مدرسة بيروت للدراسات الأمنية النقدية، التي تضمّ متخصّصين في هذا المجال، إلى استكشاف مصير مقاربات ومفاهيم ومصطلحات الدراسات الأمنية عندما ترتحل إلى العالم العربي، وتترجم إلى اللغة العربيّة، وعندما يجري إدراجها في المقررّات الدراسيّة التي يرتادها طّل اب مختلفون مقارنة بطّل اب العلاقات الدوليّة في أميركا الشمالية أو أي مكان آخر في دول الشمال. من المهمّ جدًا تحديد ماهيّة مدرسة بيروت؛ فهي لا تدّعي "إطلاق مجموعة من المقدّمات أو المبادئ الُمتُرابطة بكيفيّة تطبيق الدراسات الأمنيّة المهمة على الحالات الإقليميّة، أو ترجمة مفاهيمها إلى لغات أخرى لجعل النظريّة 'مناسبة' في السياقات غير الغربيّة" 39، بل إن إنتاج المعرفة يظهر في الممارسة العمليّة، أي من خلال المناقشات مع الطّل اب والُمُتخصّصين في هذا المجال على حدّ سواء، والتفاعل النقدي مع المعرفة الُمُنتجة عن المنطقة. وينتج من هذا النوع من العمل، أحيانًا، نتائج مفاجئة؛ إذ أظهرت كورالي بيسون هنداوي Coralie Pison Hindawi كيف يمكن للمعرفة الُمُتخصّصة من المنطقة أن تظهر اختلافًا كبيرًا بين الأهداف الُمُعلنة للسياسات الغربيّة وتأثيرها الفعلي في دول المنطقة وشعوبها. مع ذلك، لا تعفي هذه المساعي الفاعلين في العالم العربي من مسؤوليّتهم في السماح للقوى الخارجيّة أن تفرض إرادتها على المنطقة  40. إذًا، تهدف مدرسة بيروت للدراسات الأمنية النقدية إلى "توسيع الحوار عن تجارب الأمن وانعدامه في المنطقة، وكيفيّة زيادة

  1. Coralie Pison Hindawi, "The Controversial Impact of WMD Coercive Arms Control on International Peace and Security: Lessons from the Iraqi and Iranian Cases," Journal of Conflict and Security Law , vol. 16, no. 3 (Winter 2011), pp. 417-442.
  2. Sami E. Baroudi, "The Islamic Realism of Sheikh Yusuf Qaradawi (1926–) and Sayyid Mohammad Hussein Fadlallah (1935–2010)," British Journal of Middle Eastern Studies , vol. 43, no. 1 (2016), pp. 114-194.
  3. Abboud et al.
  4. Ibid., p. 275.
  5. Ibid., p. 274.
  6. Ibid., pp. 287-288; Coralie Pison Hindawi, "Iraq: Twenty Years in the Shadow of Chapter VII," in: Karim Makdisi & Viyaj Prashad (eds.), Land of the Blue Helmets: The United Nations and the Arab World (Berkeley: California University Press, 2016), pp. 194-211.

المتخصّصين والكتاب وناشطي المجتمع وغيرهم من منتجي المعرفة في مساحات تتيح لمن يعتبرون أنفسهم مجرد موضوع للبحث أن يعّب روا عن تجاربهم وتاريخهم ونضالاتهم وفقًا لمفاهيمهم وظروفهم الخاصّة" 41. فطالما كانت شعوب المنطقة ودولها ومجتمعاتها تتلقى المعرفة الُمُتعلّقة بها. طبعًا، لا يحدث هذا النوع من انتقال المعرفة على نحو مستقلّ عن طبيعة علاقات القوّة العالمية التي ناقشناها في الأقسام السابقة، وخصوصًا أننا نعيش في عالم تطغى عليه التسلسلات الهرميّة تبعًا لموازين القوى العالمية، سواء شئنا ذلك أم أبينا؛ وهو ما يتُرجم بتسلسل هرمي لإنتاج المعرفة عن المنطقة. لذلك تدعو مدرسة بيروت للدراسات الأمنية النقديّة المتخصّصين في مجال العلاقات الدوليّة في المنطقة إلى الاعتراف بتأثير سطوة السلطة في عملهم وواقعهم، مع السعي إلى خلخلة هذه الهرمية من خلال العمل الجادّ لإنتاج معرفة عن المنطقة، تنشأ من داخلها. ومع ذلك، وكما يوضح رواد هذه المدرسة، "لا يعني الأمر مجرّد نقل المفاهيم والأدوات المستمدّة من الدراسات النقديّة عن الأمن إلى قضايا الأمن الإقليمي، أو التعبير عن هذه القضايا على نحو أفضل وأكثر كفاءة وفق اللغة السائدة في هذه المجالات"، بل "الانخراط وتجربة الممارسات البحثيّة والتعليميّة التي تركّز على الديناميكيّات النشطة للترجمة، وتغّي رالمفاهيم والأطر المستخدمة عادة للإشارة إلى أجندة نقديّة لنقل المعرفة، وفشلها أحيانًا في وصف العلاقات والتجارب التي قد يرغب المرء في فهمها أو التعبير عنها" 42. وتُعدُ اللغة، بوصفها وسيلة لإنتاج المعرفة ونشرها، إحدى ساحات هذه الممارسة النقديّة. لكن هذا لا يتعلّق بالترجمة الدقيقة للمصطلحات فحسب، أو بالتوصّل إلى المعنى الشامل للمفاهيم الغربية بلغة مختلفة، بل الهدف هو تقويض هيمنة حقل العلاقات الدولية بوصفه علمًاجتماعيًا أميركيًا، وتقديم مقاربات نظرية بلغات أخرى وفق قيمة علميّة مكافئة لتلك التي تنشأ في الغرب. يبرز البعد المفاهيمي أيضًا ضمن هذه التجارب النقديّة؛ فالهدف هنا هو توسيع المفاهيم والمقاربات النقديّة عن الأمن التي تُتيحها حالات دراسية من المنطقة بالتوازي مع فرص جديدة لإنتاج المعرفة. لنأخذ على سبيل المثال مفهوم "الفخّ الأمني" الذي طوّرته مدرسة بيروت للدراسات الأمنية النقدية؛ ففي الدول التي تعجّ بتهديدات أ منيّة حقيقية وأخرى مؤامراتيّة مُبتكرة محليًا من طرف الأنظمة الحاكمة، يصبح "تفسير المشكلات الُمُتعلقة بالأمن من دون تكرار السرديات نفسها المحيطة بالمشكلة التي يعالجها، والتفريط بسلامة الأشخاص المعنيين 43 من التحدّيات التي يُواجهها الباحث. عندها تصبح الكتابة عن الشؤون الأمنية من طرف باحثين غير غربيين تحدّيًا له عواقب حقيقية على سلامتهم الشخصية. في الواقع، يكمن التحدّي الحقيقي هنا في كيفية إتمام هذه المهمّة من دون الوقوع في الفخاخ الأمنيّة المتعدّدة التي يواجهها الباحث. والأمثلة عديدة في عالمنا العربي. ويبرز مفهوم آخر تبنته مدرسة بيروت للدراسات الأمنية النقدية وأضافت إليه، وهو على قدٍرٍ مساٍوٍ من الأهمّية، وهو الدور الذي يؤديه الفاعلون من غير الدول actors Non-state في العديد من المجالات والصراعات. يُشير مثلًاعمر ضاحي إلى عدم إمكانيّة دراسة النظام الإقليمي من دون إعطاء دور رئيٍسٍ للفاعلين من الدول ومن غير الدول، وكذلك الممارسات الرسميّة وغير الرسميّة 44. كذلك يشير وليد حزبون إلى حالات انعدام الأمن Insecurity الُمُعقّدة التي تختبرها الدول والفاعلون من غير الدول في المنطقة، مع حرصه على تأكيد أنّ الأمر لا يتعلّق باستبدال مفهوم توسّعي بمفهوم آخر استتباعي، بل "ويضع خريطة نظام مُعقّد وغير متجانس من الفاعلين المتنافسين المتنوّعين" 45. وساهم جميل معوّض في تطوير التحليل عن المقاربات التي تركز، فقط، على دور الدولة المركزية في توفير الأمن. ففي النهاية، "الدولة ليست وحدها المسؤولة عن توفير الأمن" 46، وهناك مجموعة من الفاعلين من غير الدول الذين يتحدّون الدولة في هذا المجال، ويوفرون الأمن. من هنا، يجب تقييم ممارسات هذين النوعين من الفاعلين نقدًّيًا، من دون أن يعني ذلك أن الدولة "ضعيفة" أو "غائبة" كما يزعم كثير من الباحثين، وكما يعتقد العديد من مواطنيها. فوفقًا لمعوّض، الدولة هي أداة مركزيّة تؤدّي مجموعة من وظائف التجميع والتوزيع، فضلًاعن أنها ساحة للتنافس بين النخب. أخيرًا، يدعو سامي هرمز إلى رؤية رغبة الأشخاص الذين يكافحون ضدّ الأجهزة الأمنية بوصفها نوعًا من المقاومة التي تتجلى في إعادة تصوّر عالمهم من خلال أصواتهم الخاصة وتجاربهم  47. في هذا السياق، لا تكون العواطف واليأس، وحتى العلاقة بالجسد، إلا دلالة على كيفيّة معايشة شعوب المنطقة لأمنها أو انعدامه يوميًا.

  1. 46  Ibid., p. 289.
  2. 47  Ibid., pp. 290-291.
  3. Ibid., p. 281.
  4. Ibid., p. 284.
  5. Ibid., p. 285.
  6. 41  Abboud et al., p. 276.
  7. 42  Ibid.

في الحصيلة، تمثل كلّ هذه المشاركات وغيرها من الأمثلة التي يمكن تقديمها زخمًايساهم في إزاحة "المهراجا" الأميركي في العلاقات الدوليّة عن قاعدته الُمُهيمنة على إنتاج المعرفة. فبينما يجادل بعضهم في أن التعامل مع حقل العلاقات الدولية الأميركي من منظار العالم العربي هو الطريق الرئيس لتكييف هذا الحقل المعرفي، يشجّع آخرون طّل ابهم على قراءة النصوص النقدية في العلاقات الدولية. وهناك طرق أخرى تؤدّي الوظيفة نفسها تُستعرض في المحور التالي.

ثالثًا: الانتقائية التحليلية والتنظير المحلي

إضافة إلى تدريس النظريات الكلاسيكية في العلاقات الدولية بطريقة منهجية أو تبني وجهات النظر النقدية من منظار العالم العربي، لا يزال البعض يبحث عن بدائل من النظريات الغربية، باعتبارها لا تتناسب مع واقع العلاقات الدولية في العالم العربي. ويمثل التدريس والمعضلات التربوية حافزًا لإيجاد حلول نظرية وإنتاج بدائل معرفية. ومن نماذج المقاربات النظرية، التي نشأت لتلبية احتياجات الفصول الدراسية، الانتقائية التحليلية؛ وهي تعبر عن موقف نظري ومنهجي يعتمده الباحث، بهدف حل قضايا وإشكاليات مركّبة في الواقع، بحيث تعجز النظريات التقليدية عن تفسير واقع عالمي متزايد التعقد وفهمه. فالنظريات الكلاسيكية في حقل العلاقات الدولية تسعى إلى تقديم رؤية عامة كونية، لكن قصورها يكمن في اعتماد النظريات الكلاسيكية على تاريخ العلاقات الدولية وواقعها في العالم الغربي. وبناءً عليه، فإن النظريات التقليدية تعجز عن فهم كثير من الواقع المعيش وتفسيره في مناطق العالم المختلفة، وهذا ما يواجهه الباحثون عند تدريس الحقل في كثيٍرٍ من الجامعات العربية. فالانتقائية التحليلية تمثل مقاربة للتعامل مع هذه الإشكاليات، من خلال تبني روح براغماتية تعتمد على دمج أجزاء من نظريات مختلفة لإنتاج مقولات سببية معقدة، مع استخدام آليات مختلفة لتحليل ظواهر اجتماعية مركبة  48. وفي العادة، يجري عزل تلك الآليات السببية بعضها عن بعض في النظريات الكلاسيكية، ولكن هذه النظريات تعاني المحدودية نظرًا إلى عدم ملاءمتها كل زمان ومكان. فكما يشير محمد حمشي، "كلما زاد التعقد في الواقع (الاجتماعي) الذي يدرسه حقل السياسة العالمية، زادت حاجته إلى إقحام المزيد من الانتقائية التحليلية" 49. وقد نشأت الانتقائية التحليلية في دراسات العلاقات الدولية خاصة في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط؛ إذ تمثل مدخلًانظريّا لتطويع نظريات العلاقات الدولية وتكييفها مع الواقع في مختلف أنحاء العالم  50. وقد اعتمد بعض باحثي العلاقات الدولية على الانتقائية التحليلية للتنظير في حقل العلاقات الدولية من خلال إنتاج نظريات متوسطة المدى Middle range theories لفهم ظواهر معينة وتفسيرها في سياق محدد، بخلاف النظريات الكبرى التي تسعى إلى ملاءمة الظواهر عبر السياقات الزمانية والمكانية. وعلى الرغم من أن الانتقائية التحليلية تعتبر مقاربة ناشئة في حقل العلاقات الدولية، فإن استخدامها في التدريس والفصول الدراسية يعتمد على التركيز على تفسير الظواهر الواقعية وشرحها، من دون الاكتراث لإيجاد نظريات عامة صالحة لكل زمان ومكان. ومن هنا، فقد وجدت الانتقائية التحليلية مكانًا في الفصول الدراسية في مختلف أنحاء العالم، فقد سمحت للدارسين بالتعامل مع الواقع المعيش مع تكييف النظريات الغربية  51. واتساقًا مع ذلك، لجأ بعض دارسي العلاقات الدولية في العالم العربي إلى الانتقائية التحليلية لتكييف النظريات الغربية سواء في البحث أو التدريس  52، على أن يكون ذلك مدخلًاللطلاب للتركيز على الإشكاليات والأسئلة الواقعية المرتبطة بالظواهر المحيطة، كونها تمتلك صدى في حياتهم اليومية. فبدلًامن التركيز، مثلًا، على ما إذا كانت المدرسة الواقعية تستطيع تفسير السياسة الخارجية الإيرانية، يعتمد الباحث على مزج مفاهيم من المدرسة الواقعية مع مفاهيم وأدوات من البنائية في العلاقات الدولية، لتقديم أطروحة متكاملة عن اتجاهات السياسة الخارجية

  1. Sil & Katzenstein; Jérémie Cornut, "Analytic Eclecticism in Practice: A Method for Combining International Relations Theories," International Studies Perspectives , vol. 16, no. 1 (2015), pp. 50–66; Rudra Sil & Peter Katzenstein, "Analytic Eclecticism in the Study of World Politics: Reconfiguring Problems and Mechanisms Across Research Traditions,"
  2. 49  حمشي، "الانتقائية التحليلية "...، ص.40
  3. Peter Katzenstein & Nobuo Okawara, "Japan, Asia-Pacific Security, and the Case for Analytic Eclecticism," International Security , vol. 26, no. 3 (2001), pp. 153-185; Hinnebusch, The International Politics of the Middle East ; May Darwich, Threats and Alliances in the Middle East: Saudi and Syrian Policies in a Turbulent Region (Cambridge: Cambridge University Press, 2019); J. J. Suh, Peter J. Katzenstein & Allen Carlson, Rethinking Security in East Asia: Identity, Power, and Efficiency (Stanford, CA: Stanford University Press, 2004).
  4. Fernanda Barasuol & André Reis da Silva, "International Relations Theory in Brazil: Trends and Challenges in Teaching and Research," Revista Brasileira de Política Internacional , vol. 59, no. 2 (June 2016); Yong-Soo Eun, Pluralism and Engagement in the Discipline of International Relations (Singapore: Springer Singapore, 2016), pp. 24–38. 52  حمشي، مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية؛ حمشي، "الانتقائية التحليلية "...
  5. Perspectives on Politics , vol. 8, no. 2 (June 2010), pp. 411- 431.

الإيرانية، من دون التقيد بالقوالب النظرية الثابتة التي لا تعبر بالضرورة عن واقع العلاقات الدولية في الشرق الأوسط.

وعلى الرغم من تزايد تبني المقاربات النقدية والانتقائية التحليلية لملاءمة النظريات الغربية للعلاقات الدولية وتخطي محدوديتها، فإن البعض لا يزال يبحث عن مقاربات نظرية ناشئة في المنطقة بوصفها بديلًامن النظريات الغربية على أنها لا تتناسب مع واقع العالم العربي. وتمثّل تجربة تدريس منظور حضاري إسلامي للعلاقات الدولية 53 في جامعة القاهرة نموذجًا لحصيلة من التنظير القائم على البحث والتدريس. فالإنتاج المعرفي المحلي يهدف إلى تزويد الطلاب بأفكار ووجهات نظر عن العلاقات الدولية، مُستمدة من المنطقة وتراثها التاريخي وتحدّياتها السياسية المعاصرة 54. فالمنظورات الغربية تعذّر تطبيقها وملاءمتها للعلاقات الدولية التي تنتمي إلى أطر مغايرة للإطار الغربي. ومن هنا، أشارت مجموعة من الباحثين في جامعة القاهرة إلى أن النظريات الغربية لا تعّب رعن حال العلاقات الدولية في المنطقة العربية. ويقدم الباحثون بديلًايعتمد على منظور حضاري إسلامي لفهم العلاقات الدولية وتفسيرها. ووفقًا لهذا الاتجاه، فإن الإسلام ليس ظاهرة متغيرة فحسب، بل إنّ المرجعية الإسلامية تمِّلثِ أيضًا أحد مفاتيح الفكر الأساسية التي تقدم رؤية لفهم الظواهر المتغيرة. ومن هنا، جاءت كتابات حامد ربيع  55 ومنى أبو الفضل56 لتؤسس منظورًا حضاريّا إسلامًّيًا لدراسة الظواهر الاجتماعية في العالم العربي والإسلامي، التي تَفشل النظريات الغربية في تحليلها. وعلى مدار العقود الثلاثة الماضية، تبنّى بعض الباحثين مهمة تطوير منظور حضاري إسلامي وبنائه في جامعة القاهرة من خلال التدريس والبحث، لملاءمة المنظور الحضاري لدراسة العلاقات الدولية وتحليلها وُمُقارنته بالنظريات الغربية  57. فكتابات نادية مصطفى وسيف الدين عبد الفتاح تبنت مهمة تطوير المنظور مع مناقشة مفاهيم معيّنة، نحو الدولة، والقوة، والصراع، وغيرها من المفاهيم في إطار منظور إسلامي، مع مقارنة ما تعنيه المفاهيم ذاتها في المقاربات الكلاسيكية في الحقل. ويتبنى جيل صاعد من الباحثين مهمة تطوير المنظور الحضاري الإسلامي من خلال تقييم تطوره مقارنة بالنظريات غير الغربية الأخرى في مناطق مختلفة نحو الهند والبرازيل والصين وغيرها  58، وكذلك اختبار قدرة المنظور الحضاري على تفسير بعض الظواهر التطبيقية نحو دور الحركات الفكرية السياسية الإسلامية على المستوى الدولي، وخاصة عندما يتبناها زعماء مؤثرون، من أمثال رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد، والرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، ورئيس وزراء تركيا السابق أحمد داوود أغلو 59. ولا تعد المدرسة المصرية الحضارية الإسهام المحلي الأوحد الذي استخدم منظورًا إسلاميًا للعلاقات الدولية. فهناك محاولات أخرى نابعة من داخل العالم العربي ومن خارجه تسعى إلى إنتاج معرفي بديل قائم على المنظور الإسلامي في العلاقات الدولية. فقد سعى كثير من الباحثين إلى تقديم منظورات نابعة من تراث المنطقة وتاريخها، ولكنها تظل جهودًا متفرقة ومختلفة تفتقد إلى الاتساق والوحدة التي اتسمت بها المقاربات الكلاسيكية في العلاقات الدولية. وقد

  1. 53 تُعرف أيضًا بالمدرسة المصرية الحضارية.
  2. 59  فاطمة أبو زيد، "نماذج من العلاقات الدولية في العالم الإسلامي: بين ملاءمة المنظورات إسلامية المعرفة، العدد الغربية وإمكانات المنظور الحضاري"، 91 (شتاء 2018)، ص.44-13
  3. 55  حامد عبد الله ربيع، مدخل في دراسة التراث السياسي الإسلامي، ج 2-1 (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية،.)2007
  4. Mona Abul-Fadl, Introducing Islam from Within: Alternative Perspectives , Illustrated edition (Markfield, Leicester: The Islamic Foundation, 2008); Mona Abul-Fadl, Islam and the Middle East: The Aesthetics of a Political Inquiry (Herndon, VA: IIIT, 1990); Mona Abul-Fadl, "Paradigms In Political Science Revisited: Critical Options and Muslim Perspectives," American Journal of Islamic Social Sciences , vol. 11, no. 6 (September 1989), pp. 119-124; نادية مصطفى [وآخرون]، التحول المعرفي والتغير الحضاري: قراءة في منظومة فكر منى أبو الفضل (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2011).
  5. 57  نادية مصطفى، العلاقات الدولية في التاريخ الإسلامي: منظور حضاري مقارن، ج 2-1 (القاهرة: دار البشير، 2015)؛ نادية مصطفى [محرر]، المقدمة العامة لمشروع العلاقات الدولية في الإسلام، ج 12 (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي،.)1996
  6. 58  أميرة أبو سمرة، "منظور حضاري إسلامي في خريطة جديدة لحقل العلاقات الدولية"، مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، مج 20، العدد 3 2019()، ص.167-115
  7. 54  Darwich et al., "The Politics of Teaching International Relations in the Arab World," pp. 13–15.

نشُرت بعٌضٌ من تلك الإسهامات باللغة الإنكليزية  60، ولكن يبقى كثير منها باللغة العربية  61. ولا تعتبر تلك المحاولات مُنفصلة عن التدريس؛ فمن خلال بحث سريع في مناهج العلاقات الدولية في مختلف جامعات العالم العربي، يمكن ملاحظة وجود مواد متخصصة تُدرّس فيها العلاقات الدولية من منظور إسلامي كما هو الحال في جامعة القاهرة في مصر، وجامعة الملك سعود في المملكة العربية السعودية  62، وغيرها. فتدريس مادة العلاقات الدولية في المنطقة العربية قد يبدو، أوّل وهلة، أنه مُتأثر بالنظريات الكلاسيكية الغربية، إلا أن النظرة الفاحصة تبين أن التدريس يرتبط أيضًا بالتنظير المحلي. ولكن لا يظهر ذلك بوضوح؛ لكون الإنتاج النظري المحلي يُنشر باللغة العربية، وقلما يجري نشره أو ترجمته إلى اللغة الإنكليزية، فلا يلقى اهتمامًا كافيًا، ولا يشترك في الحوارات حول نظريات العلاقات الدولية، سواء التقليدية، أو النقدية، أو ما بعد الغربية. وقد يكون شُح النشر باللغة الإنكليزية هو ما يُوحي بأن العالم العربي يفتقد إلى التنظير المحلي في حقل العلاقات الدولية ما بعد الغربية مقارنةً بمناطق العالم الأخرى.

خاتمة

لا يمكن اعتبار العلاقات الدولية كما تُدرّس في العالم العربي في منزلة "علم اجتماعي أميركي." ففي حين يبدو واضحًا تأثّر هذا الاختصاص بالنظريات السائدة، فإن الأسس النظرية والمعرفية للعلاقات الدولية القائمة على وجهات النظر والتاريخ الغربيين لا تنتقل إلى البلدان الأخرى كما هي، بل يجري تكييفها، ونقدها، والانتقاء منها، واستبدالها بمنظورات محلّية في الفصول الدراسية العربية المختلفة. وبينما يُعّب ر الباحثون الذين يدِّرِسون العلاقات الدولية في العالم العربي عن تقديرهم للأساليب النظرية السائدة، فإن هناك صعوبات مُتزايدة تُواجههم لتلبية الفهم المكوّن لدى طّل ابهم والتجارب التي يعيشونها. فعمليًا، لا تنتقل نظريّات العلاقات الدولية عبر الحدود كما هي، لذلك فهي تُدَّرَس على نحو مختلف. وبينما يرى بعضهم أن مناهج العلاقات الدولية السائدة لا تزال الأساس الُمُتبع لتدريس العلاقات الدولية في العالم العربي، يشجّع آخرون طّل ابهم على تبني اتجاهات أخرى. فمدرسة بيروت للدراسات الأمنية النقدية قامت على تشجيع الطلاب على قراءة نصوص نقدية في العلاقات الدولية، مع تنمية وجهات النظر النقدية ونظريّات ما بعد الاستعمار في الفصول الدراسية للسماح لهم بالتفكير في سياسات إنتاج المعرفة التي حدّدت تطوّر نظريّات العلاقات الدولية حول المصالح الأمنية للولايات المتّحدة والصور المكوّنة لدى الغرب عن الشرق الأوسط. واتجه آخرون إلى الانتقائية التحليلية بصفتها مقاربة للتفاعل مع النظريات الكلاسيكية وتطويعها، بهدف تفسير الإشكاليات التي يفرضها واقع العلاقات الدولية غير الغربية وتحليلها. وإضافة إلى ذلك، قام بعضهم باللجوء إلى التنظير المحلي من خلال التوجه إلى الأطر المعرفية والنظرية القائمة على تراث العالم العربي وتاريخه. ويمثل المنظور الحضاري الإسلامي أحد الاسهامات في الإنتاج المعرفي القائم على البحث والتدريس. تشير تلك الاتجاهات المتعددة إلى ثراء تجربة تدريس العلاقات الدولية في مناطق العالم المختلفة، وفي العالم العربي خصوصًا، وما تقدمه من فرص ومجالات لفتح آفاق الإنتاج المعرفي في حقل العلاقات الدولية. فيشير بعض الباحثين المهتمين بتنمية النظريات ما بعد الغربية في حقل العلاقات الدولية إلى "تشكيل الفصول الجامعية مساحة اجتماعية مهمّة لإطلاق عجلة التغيير في الإنتاج النظري"؛ إذ يمكن ‑ في حال نجاحها – إنشاء "ائتلاف بين الطالب والُمُحاضر يتميّز بخاصّية تبادل المعرفة والتعليم" 63. فإدراج تدريس العلاقات الدولية ضمن النقاش العالمي يعطي النقاش حول العلاقات الدولية غير الغربية بُعدًا إضافيًا يتناول الافتراضات الأساسية للعلاقات الدولية الُمُتجذّرة في التقاليد الفكرية الغربية، والمرتبطة، على نحو وثيق، بتحدّيات مُحدّدة في التاريخ الأوروبي. فمن الطبيعي أن يختبر الطّل اب في بلدان الجنوب التباعد والتناقض بين النظريّات وواقعهم الَمَعيش وتطلّعاتهم وخبراتهم، بما يدعو إلى إعادة التفكير في مناهج العلاقات الدولية وطرق تدريسها، عبر تفكيك أحاديتها الغربية الأميركية وتشجيع القراءات النقدية والبديلة. أظهرت هذه الدراسة تنوّعًا في الأساليب التربوية والآراء النظرية، وفتحت نافذة على طرق تدريس "العلاقات الدولية" وسبل إدراكها محلّيًا من الأساتذة والطّل اب في سياقات عربية مختلفة، على نحو

  1. Deina Abdelkader, Nassef Manabilang Adiong & Raffaele Mauriello (eds.), Islam and International Relations: Contributions to Theory and Practice (New York: Palgrave Macmillan, 2016); Gregorio Bettiza et al., "Teaching Religion and International Relations: Disciplinary, Pedagogical, and Personal Reflections," International Studies Perspectives , vol. 20, no. 4 (2019), pp. 301-343; Abu Sulayman; Amr G. E. Sabet, "The Islamic Paradigm of Nations: Toward a Neoclassical Approach," Religion, State and Society , vol. 31, no. 2 (2003), pp. 179–202.
  2. 61  سامي إبراهيم الخزندار، "المنظور الإسلامي تجاه التنظيم الدولي المعاصر: مقاربة دفاتر السياسة والقانون، العدد نظرية"، 3 2015()، ص.32-1
  3. محمد فايز الرشيدي، "العلاقات الدولية في الإسلام"، قسم العلوم السياسية،  62 جامعة
  4. الملك سعود 2022()، شوهد في 2023/2/23، في: https://bit.ly/3ABm63U 63  Wemheuer-Vogelaar et al., p. 17.

يدحض مزاعم بعضهم 64 حول شح التنظير في العالم العربي. كذلك تُظهر هذه المساهمات النقدية والانتقائية والمحلية مجتمعة القدرة الُمُحتملة للعالم العربي على إنتاج المعرفة في العلاقات الدولية، لعى يبنرّدُلمُا يينيدماكلاأو يثنحابلا نم اديدج لايًااج جرّخن اننأ الامط الأساليب المنهجية الصحيحة، بحيث تصبح هذه الأصوات يومًا ما جزءًا من الحوار "الواسع والشامل" 65 في الشؤون الدولية، التي غالبًا ما كان العالم العربي غائبًا عنها. فحبذا لو تساعد هذه المساهمات من العالم العربي، بالتوازي مع الجهود المماثلة في أجزاء أخرى من العالم، في إسقاط "مهراجا" العلاقات الدولية الأميركية عن قاعدته العالية، للمساهمة في إعادة تشكيل قواعد معرفية حقيقية حول العلاقات الدولية العالمية 66.

المراجع

العربية

أبو زيد، فاطمة. "نماذج من العلاقات الدولية في العالم الإسلامي: بين ملاءمة المنظورات الغربية وإمكانات المنظور الحضاري." إسلامية المعرفة. العدد 91 (شتاء.)2018 أبو سمرة، أميرة. "منظور حضاري إسلامي في خريطة جديدة لحقل العلاقات الدولية." مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. المجلد 20. العدد 3.)2019(حمشي، محمد. "الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية". سياسات عربية. العدد).2007(28 ________. مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 الخزندار، سامي إبراهيم. "المنظور الإسلامي تجاه التنظيم الدولي المعاصر: دفاتر السياسة والقانون. العدد مقاربة نظرية." 3.)2015(ربيع، حامد عبد الله. مدخل إلى دراسة التراث السياسي الإسلامي. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية،.2007 الرشيدي، محمد فايز. "مقرر العلاقات الدولية في الإسلام." قسم العلوم السياسية. جامعة الملك سعود. الرياض، 2022(.) في: https://bit.ly/3ABm63U سليم، محمد السيد. تحليل السياسة الخارجية. القاهرة: دار الجيل،.2001 ________. تطور السياسة الدولية في القرنين التاسع عشر والعشرين. القاهرة: دار الفجر،.2002 قبلان، مروان. سياسة قطر الخارجية. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 مصطفى، نادية وآخرون، التحول المعرفي والتغير الحضاري: قراءة في منظومة فكر منى أبو الفضل. القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2011. مصطفى، نادية. العلاقات الدولية في التاريخ الإسلامي: منظور حضاري مقارن. القاهرة: دار البشير،.2015 ________ (محرر.) المقدمة العامة لمشروع العلاقات الدولية في الإسلام. ج 12. القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي،.1996

  1. El-Affendi & Al- Anani (eds.), pp. 5-7.
  2. Stephen M. Walt, "The End of the American Era," The National Interest , no. 116 (2011), pp. 6-16.
  3. Acharya.

________. العلاقات الدولية في عالم متغير: منظورات ومداخل مقارنة. القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية،.2016 مقلد، إسماعيل صبري. العلاقات السياسية الدولية: دراسة في الأصول والنظريات. القاهرة: المكتبة الأكاديمية،.1991

الأجنبية

Abboud, Samer et al. "Towards a Beirut School of Critical Security Studies." Critical Studies on Security. vol. 6, no. 3 (October 2018). Abdelkader, Deina, Nassef Manabilang Adiong & Raffaele Mauriello (eds.). Islam and International Relations: Contributions to Theory and Practice. New York: Palgrave Macmillan, 2016. Abu Sulayman, Abdul Hamid A. Towards an Islamic Theory of International Relations: New Directions for Methodology and Thought. 2 nd Revised ed. Herndon, VA: IIIT, 1993. Abul-Fadl, Mona. Introducing Islam from Within: Alternative Perspectives. Illustrated edition. Markfield, Leicester: The Islamic Foundation, 2008. ________. "Paradigms In Political Science Revisited: Critical Options and Muslim Perspectives." American Journal of Islamic Social Sciences. vol. 11, no. 6 (September 1989). ________. Islam and the Middle East: The Aesthetics of a Political Inquiry. Herndon, VA: IIIT, 1990. Acharya, Amitav & Barry Buzan. The Making of Global International Relations: Origins and Evolution of IR at Its Centenary. Cambridge: Cambridge University Press, 2019. Acharya, Amitav. "Global International Relations (IR) and Regional Worlds: A New Agenda for International Studies." International Studies Quarterly. vol. 58, no. 4 (December 2014). ________. "Why Is There No Non-Western International Relations Theory? An Introduction." International Relations of the Asia-Pacific. vol. 7, no. 3 (September 2007). Ahmadian, Hassan & Payam Mohseni. "Iran's Syria Strategy: The Evolution of Deterrence," International Affairs. vol. 95, no. 2 (March 2019). Ashley, Richard K. "The Poverty of Neorealism." International Organization. vol. 38, no. 2 (Spring 1984). Aydinli, Ersel & Gonca Biltekin (eds.). Widening the World of International Relations: Homegrown Theorizing. London: Routledge, 2020. Barasuol, Fernanda & André Reis da Silva. "International Relations Theory in Brazil: Trends and Challenges in Teaching and Research." Revista Brasileira de Política Internacional. vol. 59, no. 2 (June 2016). Barkawi, Tarak & Mark Laffey. "The Postcolonial Moment in Security Studies." Review of International Studies. vol. 32, no. 2 (2006). Baroudi, Sami E. "The Islamic Realism of Sheikh Yusuf Qaradawi (1926–) and Sayyid Mohammad Hussein Fadlallah (1935–2010)." British Journal of Middle Eastern Studies. vol. 43, no. 1 (2016). Bettiza, Gregorio et al. "Teaching Religion and International Relations: Disciplinary, Pedagogical, and Personal Reflections." International Studies Perspectives. vol. 20, no. 4 (2019). Burns, Sean. "A Matter of Perspective: Teaching International Relations in the Middle East." The Journal of General Education. vol. 63, no. 2–3 (2014). Cornut, Jérémie. "Analytic Eclecticism in Practice: A Method for Combining International Relations Theories." International Studies Perspectives. vol. 16, no. 1 (2015).

Cox, Robert W. "Social Forces, States and World Orders: Beyond International Relations Theory." Millennium. vol. 10, no. 2 (1981). Darwich, May et al. "The Politics of Teaching International Relations in the Arab World: Reading Walt in Beirut, Wendt in Doha, and Abul-Fadl in Cairo." International Studies Perspectives. vol. 22, no. 4 (December 2021). Darwich, May. Threats and Alliances in the Middle East: Saudi and Syrian Policies in a Turbulent Region. Cambridge: Cambridge University Press, 2019. Dodge, Toby. "The Sardinian, the Texan and the Tikriti: Gramsci, The Comparative Autonomy of the Middle Eastern State and Regime Change in Iraq." International Politics. vol. 43, no. 4 (2006). El-Affendi, Abdelwahab & Khalil Al Anani (eds.). After the Arab Revolutions: Decentering Democratic Edinburgh Edinburgh: Theory. Transition University Press, 2021. Eun, Yong-Soo. Pluralism and Engagement in the Discipline of International Relations. Singapore: Springer Singapore, 2016. Fonseca, Melody. "Global IR and Western Dominance: Moving Forward or Eurocentric Entrapment?" Millennium: Journal of International Studies. vol. 48, no. 1 (September 2019). Gause, F. Gregory. The International Relations of the Persian Gulf. Cambridge: Cambridge University Press, 2009. Gelardi, Maiken. "Moving Global IR Forward—A Road Map." International Studies Review. vol. 22, no. 4 (December 2020). Hagmann, Jonas & Thomas J. Biersteker. "Beyond the Published Discipline: Toward a Critical Pedagogy of International Studies." European Journal of International Relations. vol. 20, no. 2 (2014). Halliday, Fred. The Middle East in International Relations: Power, Politics and Ideology. Cambridge: Cambridge University Press, 2005. Hazbun, Waleed & Morten Valbjørn. "The Making of IR in the Middle East: Critical Perspectives on Scholarship and Teaching in the Region." APSA- MENA Newsletter. no. 5 (2018). Hazbun, Waleed. "The Politics of Insecurity in the Arab World: A View from Beirut." PS: Political Science & Politics. vol. 50, no. 3 (July 2017). Hellmann, Gunther & Morten Valbjørn. "Problematizing Global Challenges: Recalibrating the 'Inter' in IR- Theory." International Studies Review. vol. 19, no. 2 (June 2017). Hindawi, Coralie Pison. "The Controversial Impact of WMD Coercive Arms Control on International Peace and Security: Lessons from the Iraqi and Iranian Cases." Journal of Conflict and Security Law. vol. 16, no. 3 (Winter 2011). Hinnebusch, Raymond & Jasmine K. Gani (eds.). The Routledge Handbook to the Middle East and North African State and States System. Abingdon and Oxon: Routledge, 2019. Hinnebusch, Raymond. "The US Invasion of Iraq: Explanations and Implications." Critique: Critical Middle Eastern Studies. vol. 16, no. 3 (Fall 2007). ________. The International Politics of the Middle East. 2 nd ed. Manchester: Manchester University Press, 2015. Hoffmann, Stanley. "An American Social Science: International Relations." Daedalus. vol. 106, no. 3 (Summer 1977). Jørgensen, Knud Erik & Tonny Brems Knudsen (eds.). International Relations in Europe: Traditions, London: Destinations. and Perspectives Routledge, 2008.

Juneau, Thomas. "Iran's Policy towards the Houthis in Yemen: A Limited Return on a Modest Investment." International Affairs. vol. 92, no. 3 (2016). Katzenstein, Peter & Nobuo Okawara. "Japan, Asia-Pacific Security, and the Case for Analytic Eclecticism." International Security. vol. 26, no. 3 (2001). Khalidi, Walid. "The Palestine Problem: An Overview." Journal of Palestine Studies. vol. 21, no. 1 (Autumn 1991). Korany, Bahgat & Ali. E. H Dessouki (eds.). The Foreign Policies of Arab States: The Challenge of Globalization. Cairo: Cairo University Press, 2008. Korany, Bahgat. "Strategic Studies and the Third World: A Critical Evaluation." International Social Science Journal." no. 110 (1986). Lupovici, Amir. "Ontological Dissonance, Clashing Identities, and Israel's Unilateral Steps towards the Palestinians." Review of International Studies. vol. 38, no. 4 (October 2012). Makdisi, Karim &Viyaj Prashad (eds.). Land of the Blue Helmets: The United Nations and the Arab World. Berkeley: California University Press, 2016. Makdisi, Karim. "Constructing Security Council Resolution 1701 for Lebanon in the Shadow of the "War on Terror." International Peacekeeping. vol. 18, no. 1 (February 2011). Mignolo, Walter D. "Geopolitics of Sensing and Knowing: On (de) Coloniality, Border Thinking and Epistemic Disobedience." Postcolonial Studies. vol. 14, no. 3 (October 2011). Moshirzadeh, Homeira. "Iranian Scholars and Theorizing International Relations: Achievements and Challenges." All Azimuth: A Journal of Foreign Policy and Peace. vol. 7, no. 1 (2018). Qin, Yaqing. "Why Is There No Chinese International Relations Theory?" International Relations of the Asia-Pacific. vol. 7, no. 3 (August 2007). Sabet, Amr G. E. "The Islamic Paradigm of Nations: Toward a Neoclassical Approach." Religion, State and Society. vol. 31, no. 2 (2003). Said, Edward. Orientalism. New York: Vintage Books, 1979. ________. The World, the Text, and the Critic. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1983. Salloukh, Bassel F. "Overlapping Contests and Middle East International Relations: The Return of the Weak Arab State." PS: Political Science & Politics. vol. 50, no. 03 (July 2017). Shahi, Deepshikha & Gennaro Ascione. "Rethinking the Absence of Post-Western International Relations Theory in India: 'Advaitic Monism' as an Alternative Epistemological Resource." European Journal of International Relations. vol. 22, no. 2 (2016). Sil, Rudra & Peter Katzenstein. "Analytic Eclecticism in the Study of World Politics: Reconfiguring Problems and Mechanisms across Research Traditions." Perspectives on Politics. vol. 8, no. 2 (June 2010). ________. Beyond Paradigms: Analytic Eclecticism in the Study of World Politics. New York: Palgrave, 2010. Smith, Karen. "Has Africa Got Anything to Say? African Contributions to the Theoretical Development of International Relations." The Round Table. vol. 98, no. 402 (June 2009). Sobelman, Daniel. "Learning to Deter: Deterrence Failure and Success in the Israel-Hezbollah Conflict, 2006–16." International Security. vol. 41, no. 3 (2017).

Suh, J. J., Peter J. Katzenstein, & Allen Carlson. Rethinking Security in East Asia: Identity, Power, and Efficiency. Stanford, CA: Stanford University Press, 2004. Tickner, Arlene B. & Karen Smith (eds.). International Relations from the Global South. London: Routledge, 2020. Tickner, Arlene B. & Ole Wæver. International Relations Scholarship around the World. London: Routledge, 2009. Tickner, Arlene. "Seeing IR Differently: Notes from the Third World." Millennium journal of international studies. vol. 32, no. 2 (June 2003). Tully, James. An Approach to Political Philosophy: Locke in Contexts. Cambridge: Cambridge University Press, 1993. Vitalis, Robert. White World Order, Black Power Politics: The Birth of American International Relations. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2015. Walt, Stephen M. "The End of the American Era." The National Interest. no. 116 (2011). Wendt, Alexander. Social Theory of International Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1999.