المنعطف الفيزيائي ونظرية التعقد: مراجعة كتاب محمد حمشي "مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية"
مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية عنوان الكتاب:. المؤلف: محمد حمشي. سنة النشر:.2021 الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. عدد الصفحات: 64.0
The Physics Turn and Complexity Theory: A Review of Mohammed Hemchi's Complexity Theory of Inter- national Relations: An Introduction
مقدمة
استدعى باحثو العلاقات الدولية، على نحو متواتر، ما اصُطُلح عليه بالُمُنعطفات سبيلًالتقديم مفاهيم ونظريات ومناهج جديدة لإثراء حقل العلاقات الدولية؛ من "المنعطف اللغوي" "إلى الُمُنعطف الوجدانّي - العاطفي"، ومن "المنعطف البصري" إلى "منعطف الممارسة" 1. ولعلّ السّمة الغالبة لدى أنصار هذه المنعطفات تكمن في أنهم ناقمون على ما اعتبروها متلازمة فشٍلٍ متعدّدة الأوجه لازمت حقلهم طويلًا؛ فلا تزال الشكوك تحوم حول مدى استفادة بقية العلوم الاجتماعية مما قدّمه باحثو العلاقات الدولية 2، بل إنّ منهم من ذهب إلى القول إنّ "حقائق ووقائع الكوكب أبطلت العلاقات الدولية بوصفها ممارسة مؤسسية أو نظامًا معرفيًا" 3. في ضوء ذلك، تأتي هذه المراجعة لكتاب محمد حمشي مدخل إلى نظرية التعقّد في العلاقات الدولية، التي تروم تقديم قراءةٍ نقدية، في توجٍهٍ بحثيّ آخٍذٍ في الصعود على نحٍوٍ مثير، يمثّله من يمكن الاصطلاح عليهم بُدُعاة "المنعطف الفيزيائي" في حقل العلاقات الدولية؛ وهي تسميةٌ أبتكُرُها قياسًا على بقية المنعطفات، لأنّ هؤلاء الدعاة لم يُعرّفوا أنفسهم كذلك، إلا أنّ المشترك بينهم جميعًا استخدامهم مفاهيم فيزيائية إما لتشخيص حالة الاستعصاء المعرفي التي يعانيها الحقل، أو للنهل من عُدّة الفيزياء المفهومية بما يناسب ما سموه تارة "علم التعقّد"، وتارة أخرى "نظرية الكوانتوم"، وتارة ثالثة "علم الكونيات"، وتارة رابعة "الكونيات العلائقيّة" 4. نستهُّلُ المراجعة بعرض المعالم الكبرى لمشروع العلاقات الدولية التعقدية، والمساءلات التي قدّمها التعقديون للجوانب الأنطولوجية والإبستيمولوجية والمنهجية والأخلاقية لحقل العلاقات الدولية. ثم نعرض تقييمًاللدروس التي قدّمتها نظرية/ فلسفة التعقّد لتجاوز "إشكاليّة النظرية الكبرى" في الحقل ومسألة علميّته عمومًا. ونناقش أخيرًا الأسباب التي أدّت إلى انسحاب التفكير التعقّدي إلى هامش التنظير الدولي.
أولاّ: العلاقات الدولية وعلم التعق د: في مآلات التداخل وحدوده
ما التعقّد؟ يُجيب حمشي بأنّه "من غير الُمُفاجئ أّل ايحظى التعقّد بتعريٍفٍ بسيٍطٍ في متناول فهم غير المتخصّصين. لذلك يجري عادةً فحص خصائص الأنظمة المعقدّة في محاولة لتطوير وصف غير) 5مقيّد بتعريف مسبٍقٍ للتعقّد" (ص 137. هذه إجابةٌ، وإن تشاَرَكها العديد ممن قدّموا للتعقّد في حقولهم المعرفيّة، بذل حمشي فيها، خلافًا للآخرين، جُهدًا كبيرًا في القسم الأول من الكتاب لتوضيح المبادئ الأساسية التي أسّست للنظرية النسبية ولفيزياء الكوانتوم بوصفها مدخلًالنظرية التعقّد، مثل الّل ايقين والازدواجية والمصادفة والتراكب وغيرها (ص. 43-95)؛ وقدّم للمفاهيم المؤسّسة لعلم التعقّد، مثل مفاهيم الشواش، والحساسية للتغّي رفي الشروط الابتدائيّة، وأثر الفراشة، والتشعّب الثنائي، والتماثل الذاتي، والتنظيم الذاتي، والمنظومات البعيدة عن التوازن (ص. 97-135) بناءً على هذه التحديثات، ومنذ أزيَدَ من ثلاثة عقود 6، شرع أنصار علم التعقد في استكشاف مضامين التعقّد في الحقل؛ وهو رأي يتأكّد أكثر مع المماثلة التي وضعوها بين خصائص الأنظمة المعقدّة (ص. 142-148) والنّظام الدولي (ص. 218-233) مماثلةٌ لم تكن من عبث، ولكنها تقع في قلب محاولاتهم إحداث تحوٍلٍ جذريّ لفهمنا لما هو "دولي" ولما هي "سياسة دوليّة"، وليثبتوا أنّ "التعقّد" يمثّل جوهرًا وأصلًافي النظام الدولي أكثر مما هو عرٌضٌ طارٌئٌ عليه. أما خصائص الأنظمة المعقّدة، فتظل هي الأخرى متأصّلة في طبيعة النظام الدولي وكيفية عمله ولا سبيل لتجاوزها أو تجاهل أهميتها (ص. 274) ومن هذه الناحية، يقدّم حمشي في كتابه عرضًا وافيًا
لخصائص الأنظمة المعقّدة والكيفية التي يمكننا، من خلالها، فهم النظام الدولي بوصفه نظامًا معقدًا أو، بحسب تعبيره، نظامًا من عدة أنظمة معقّدة (ص. 214-224) 7. بلغت ذروة هذه النّقاشات مع الدعوة التي قدّمها إميليان كافالسكي لفتح نقاٍشٍ خامس بدا واعدًا لتجاوز حالة الانقسام الشديدة التي تشهدها النظرية الدولية. وهكذا، فإن العلاقات الدوليّة التعقديّة CIR ليست بالنظرية كما هو التقليد الشائع لتصنيف نظرياٍتٍ مثل الواقعية والليبرالية والبنائية، ولا التعقّد في العلوم الاجتماعية عمومًا نظريةٌ في الأساس، بل هي بردايم جديد يعمل على مساءلة الجانب الأنطولوجي والإبستيمولوجي والمنهجي والأخلاقي للبردايم القديم IR vs CIR، كما من شأنه أن يساعد في تطوير مفاهيم جديدة واستخدامها إمّا لتحسين التفسيرات التي قدّمتها النظريات السائدة وإما لتأسيس أخرى جديدة 8. وبناء عليه، يمكن القول إنّ زوايا النقد التي وجهها التعقديّون إلى حقل العلاقات الدولية السائد تختلف عن زوايا النّقد التي قدّمها بقيّة الُمُنعطفين من نواٍحٍ ثلاث: الأنطولوجيا، والمنهج، والممارسة وصنع السياسات. من ناحية الأنطولوجيا، انتقد التعقديّون ما سموها "الأنطولوجيا الذرّية" التي كرّستها المقاربات العقلانية والتأملية، واستبدلوها ب "الأنطولوجيا الطبقية." ويكمن الفرق بينهما في أنّ الأولى، التي تجد جذورها في الفيزياء النيوتونية، ترتكز على رؤيةٍ للأفراد وللفاعلين الشبيهين بهم بوصفهم فاعلين عقلانّييّن يتخذون خياراتهم وفقًا لمصالح منسوبة إليهم مسبقًا، وتفترض إمكانيّة تقسيم الوحدات المشكّلة للواقع الدوليّ كما يفترض مفهوم "مستويات التحليل" الثلاثة؛ أي الأفراد والدول والنظام الدوليّ، هكذا باعتبارها "مجالات مكانيّة منفصلة" موجودة مسبقًا، أو ما ستصطلح عليه كوركي لاحقًا "لغة التشييء" المهيمنة على الحقل، والتي تعني بها اختزالنا العالم الدولي إلى "أشياء/ أجسام" (أفراد أو دول) في حالةٍ من السكون أو الحركة (في شكل موازين قوى أو علاقات تجارية) تسبح في كوٍنٍ ثابت ذي خلفية فارغة، عبر زمان ومكان مطلقين. أما السلوكيات فقابلةٌ للتتبع والفهم ميكانيكيًا من البشر بوصفهم نوعًا "خاصًا" و"ذكيًا" و"مسؤولًا" عن اكتشاف الحياة على هذا الكوكب وإنقاذها 9. وتعتمد هذه الأنطولوجيا فهمًاهيوميًا للسببية من حيث حتمية العلاقة بين "السبب" و"الأثر"، ومن حيث اعتبار المنهج التجريبي حاسمًالاكتشاف القوانين السببية على أساس الملاحظة. وفي ذلك، اتهم التعقّديون الوضعيين وما بعد الوضعيين بترسيخ الفهم الهيومي للسببيّة؛ فالوضعيون (السلوكيّون الأوائل) اعتبروا أنّ هدف "المنهج العلمي" يكمن في البحث عن تعميمات بشأن أنماط السلوك القابلة للملاحظة والتحقّق، وكذلك فعلوا في دراستهم الحرب؛ فلم يكن تحديد الأسباب التي أدّت إلى اندلاع حرٍبٍ بعينها في مرمى بحثهم ولا تحديد القوى والجواهر الكامنة في السياسة الدولية في سياقات محددة، لكنهم فحصوا أكبر عدد من الحروب لتحديد شروط الحرب أو الظروف العامة التي تؤدي إلى تكرار حدوثها 10. وعلى هذا الأساس، انتقدوا أعمال الواقعيين الكلاسيكيين، أمثال هانس مورغنثاو 11وإدوارد كار، واعتبروها غير علمية لأنّ تفسيراتهم اعتمدت على قوانين الطبيعة البشرية غير القابلة للتحقّق (ص. 292)، فجاءت، من ثمّ، مجرّد أحكاٍمٍ تاريخية حدسية. أما ما بعد الوضعيين فلم يقدّموا بديلًاجوهريًا من السببيّة بقدر ما رفضوا مقاربة الوضعيين للمنهج العلمي لأنها غير قادرة على رصد تعقّد العالم الاجتماعي، كما فضّ لوا "الُمُصطلحية التكوينية" بديلًا من السببية؛ فالتمّثلّات والخطابات والممارسات تكوّن (أو تشكّل) الهويات والمعاني والممارسات الاجتماعية، ولا تتسبّب فيها 12. أما النقديون والنسويون، مثلما أوضحت كوركي، فمتورّطون، في كثيٍرٍ من الأحيان، في استخدام المفهوم الهيومي للسبب، في الوقت نفسه الذي استهدفوه فيه بالنقد والرفض؛ فوضع النّقديون أسباب الحرمان واللامساواة، على المستوى الفردي والجماعي، في قلب مشروعهم النقدي لتعريف الانعتاق، أما النسويون، أمثال سينثيا إينلو Enloe Cynthia، فحاجّوا بأنّ البنية الاجتماعية للنظام الأبوي تعمل على إنتاج آثار مادية سيئة في الوضع الاجتماعي للنساء، وأنّ المفاهيم السائدة حول الأنوثة والذكورة تنتج في الوقت نفسه أنماط الاضطهاد واللامساواة على المستوى العالمي وتعزّزها (ص. 229-331) في الجانب الآخر، دافع التعقّديون، معتمدين الواقعية النقدية فلسفةً للعلم 13، عن "الأنطولوجيا الطبقية" التي تُفيد أنّ "الوجود" ليس
جلّه قابلًاللملاحظة ولا للرصد الإمبريقي، ولكنه متعدّد الطبقات: الإمبريقيّ، والفعلي/ الُمُتحقق، الذي تقبع فيه الظاهرة التي يبتغي العلم تفسيرها، و"الحقيقي" الذي تشتغل فيه الميكانيزمات السببيّة، أو تحدث فيه مُسببات الظاهرة. وبناء عليه، لسنا هنا أمام أنطولوجيا قابلة للملاحظة وقادرة على التفسير بناءً على تجربة حواسنا؛ أي أمام واقع اجتماعي مغلق، حيث يمكن تحديد القوانين السببية على المستوى نفسه للانتظامات التي تنتجها، ولكننا أمام دعوة للخوض في نوٍعٍ من البحوث التجاوزية أو الماورائية التي تتجاوز ما هو إمبريقي، سعيًا لفهم الآليات المسببة للظاهرة وتفسيرها. تبعًا لذلك، يرفض التعقّديون المنطق الذي يقوم عليه مفهوم مستويات التحليل، وكذلك الطرائق التقليدية التي يتناول بها باحثو العلاقات الدولية إشكالية البنية - الفاعل، لأنّ أغلب نقاشاتهم ظلّت حبيسة هيراركيات تصورية تستند إلى المنطق المادي نفسه الذي تستند إليه المفاهيم التي استخدموها، فضلً عن تكريسها حدودًا متخيّلة ومضلّلة في أحايين كثيرة بينها، مثل القول إنّ البنى الكامنة في مستوى تحليل النظام الدولي هي ما يشكّل الفاعلين القابعين في مستويات التحليل الأدنى، الدولة والفرد (ص. 249) وبدلً من ذلك، يدعونا التعقّديون إلى النظر في كل الموجودات على أنّها ذات طبيعة علائقية ومتداخلة، لا ثابتة أو منفصلة بعضها عن بعض. ولعلّ "العلائقيين" هي التسمية التي يرجّحها دعاة التعقّد لأنفسهم، نظرًا إلى الأهميّة القصوى التي يولونها للعلاقات في صيرورة الفاعلين والُبُنى وتشكّلها؛ ذلك أنّ انطلاقتهم عادةً ما تكون من العلاقات الدينامية والخّل اقة والمتشعبة التي تتشكّل من خلالها هذه الوحدات؛ نع ايدوجو لازًااعنم لاعًاااف لوا ةدرّجم ةركف تسيل، لاثًاام، ةلودلاف بقية الفاعلين، ولكنّها بنية اجتماعية سببية وحقيقية ساهمت بنى اجتماعيةٌ أخرى، محلية ودولية وعالمية 14، في تشكيلها، فضلًاعن أنّها دينامية تُنتجها أفعاُلُنا باستمرار، غير أنّها تسبق الوجود المادي للأفراد في الآن نفسه، فهي تُحدّد سببيًا أنشطة الفاعلين فيها، وأدوارهم وهوياتهم ومواقعهم وممارساتهم 15. لقد قال التعقديّون بوجود "السببية النسبية" التي تنفي صفة الموضوعية والحتمية المرتبطتين تقليديًا بالسببية الهيومية؛ فلا وجود لأسباب "واقعية" بعيدًا عن التفسير السردي الذي يبتكره المنظّر/ المؤرّخ لشرح تعاقب الأحداث/ الشروط الذي أدى إلى وقوع حادث/ (ص. 43). أثر معّي ن 0 وبديلًا من الميكانيزمات السببية، استعاض التعقديّون عنه ب "المركبّات السببية""، الذي يستند إلى افتراض مفاده أنّ العالم/ الواقع الاجتماعي معقّد بطبيعته، لذلك لا يمكن الحديث عن أسباب منفردة، بل عن مركّبات سببية معقّدة تُدمج فيها المسوّغات/ المقاصد أيضًا بوصفها أسبابًا (ص. 347-355) وفقًا للتعقّديين، حتى لو اضطر باحثو العلاقات الدولية إلى التعامل مع الأسباب بالمفهوم الوضعي لتفسير ما يمكن اعتباره واقعًا اجتماعيًا/ دوليًا فلا يمكنهم الزعم بحتميّتها؛ ذلك أنّ بناء علاقات سببية ضمن نسيج العالم الاجتماعي مستعصٍ جدًا، لأنّ عوامل التغيير الاجتماعي تكون على درجة عالية من السياقية والعرضية، فضلً عن أنّ السببية الاجتماعية تتسم أساسًا بالطابع اللاحتمي، وأنّ أغلب النتائج/ الآثار الاجتماعية تأتي نتيجة ارتباطات غير متوقعة بين عوامل مؤثرة مستقلة بعضها عن بعض (ص. 344) من ناحية المنهج، لم يقطع التعقّديون مع إمكانيّة تحقيق "العلمية" في العلوم الاجتماعية، كما يذهب إلى ذلك التأمليون الرافضون للنزعة العلموية من أصلها، ولكنهم يقولون بتحسين شروط تحقيقاتها العلمية؛ فلا يزال التعقّد جزءًا لا يتجزأ من البرنامج الَحََدَاثي للعلم الذي لا يمكن اختزاله في الوضعيّة فحسب. ويحاجّ التعقديّون بأنّ النمذجة الأمثل، التي تُعّب رعن الأنظمة المعقّدة، هي "النمذجة القائمة على الفاعل" Modeling Agent-Based بوصفها نقيضًا للنمذجة القائمة على الخيار العقلاني. ومن باب الدعابة، يقول روبرت أكسلرود إنّ علينا التمسّك بمبدأ "أبِقِ الأمر بسيطًا أيّها الغبي" للدلالة على مغايرة النمذجة القائمة على الفاعل التي تتميّز من غيرها بضرورة أن تكون افتراضاتها بسيطة على عكس نتائج المحاكاة التي قد تكون معقّدة أو مُفاجئة لما هو متوقّع 16. ويستندون في ذلك إلى القول إن الأفراد، في البيئات المعقّدة، لا يكونون قادرين كليّةً على تحليل الموقف الذي هم فيه، ولا على حساب أو إدراك الاستراتيجية الُمُثلى التي يجب أن يتّبعوها (وفي ذلك نفي للعقلانية)، بل يُتوقّع منهم تكييف استراتيجيتهم بمرور الزمن بناءً على ما كان فع ل اوما لم يكن كذلك. ولهذا، يستبدّ بهم الاعتقاد أنّ محاكاة النمذجة القائمة على الفاعل هي الأحسن لدراسة الفاعلين المتكيّفين (أو القادرين على التكيف) لا العقلانيين. ولأنّ "الخصائص الناشئة" (مثل الحروب، والتحالفات، وانتقال الأوبئة وغيرها) هي أكثر ما يهمّهم، ولأنّها تظهر نتيجة التفاعلات الداخلية لعدٍدٍ من الفاعلين المستقلين، فالتعقّديون عادةً ما يُقيمون نموذجهم للنظام الاجتماعي/ الدولي بناءً على افتراضاتهم المسبقة حول الفاعلين
وقواعد سلوكهم والتغذية الراجعة من البيئة التي يتفاعلون فيها؛ وكذلك فعل سيدرمان وجيراردان اللذان قاما بنمذجة نشوء السيادة، مع حسبان أبعادها الثلاثة: تخلّص الُحُكّام ذوي السيادة من المنافسة الداخلية، وتوسيع أراضيهم في مواجهة المنافسة الخارجية، وكيفية توليد هاتين العمليّتين حدودًا واضحة 17. من جانب الممارسة، يُؤمن التعقديّون بأنّ عليهم التزامًا أخلاقيًا بتغيير النظريّات والخطابات الخاطئة بشأن السياسة الدولية، ومنها تغيير الممارسات والعلاقات الدولية في حد ذاتها. فكانت البداية تقديمهم مفاهيم بديلة اعتبروها أكثر تعبيرًا عن الواقع الُمُعقّد والدينامي للسياسة العالمية؛ كمفهوم "السياسة ما بعد الدوليّة" 18 الذي دافع عنه روزنو لأنّه يُعينهم - أي محّللّي العالم الأول - على التحرّر من السجون المفهومية المحتجزين بداخلها، والتي أعمتهم عن رؤية التغيير الحاصل خارج الأطر التي رسمتها نماذجهم ونمذجاتهم للسياسة الدولية، وأعمت كذلك السياسيين والجماهير في البلدان الصناعية عن تقديم قراءة صحيحة للقيم والدوافع والبنى المختلفة التي تتفاعل على أساسها الدول النامية 19. إذًا، هو بردايم يرفض التحيز إلى ثقافة دون غيرها، ويسعى لتوفير أرضية تحليل تُراعي الديناميات الحاصلة في البلدان المتقدمة والنامية على حٍدٍ سواء؛ ولذلك وقع اختياره على البنى والعمليات السلطوية المتمظهرة في كلا العالمين بوصفها مُؤِّسِسة لأي تحليٍلٍ دولي بدلًامن الانطلاق من نظام الدولة الغربي. أما كافالسكي، فقدّم "الحياة العالمية" مفهومًا يُعّب ر عن الطبيعة الوشائجية للحياة بين الأنظمة البشرية والأنظمة الطبيعية باعتبارها نتيجة منطقية للتصور الجديد الذي قدّمه التعقّديون للنظام في العلوم الاجتماعية؛ فالأنظمة تتطوّر وتتداخل مع أنظمة أخرى، وغالبًا ما تنشأ عن تفاعلها المستمر تَبعيّاٌتٌ عبر نُظمية 20. والنظام الدولي، بحسب هذا الفهم، جزء لا يتجزّأ من نظام الطبيعة الأشمل بوصفه نظامًا بيئيًا، يتفاعلان ويتآثران أحدهما مع الآخر (ص. 265) ولا تشمل الحياة العالمية الجماعات السياسية ودولها، أو ما يحدث فقط داخل/ خارج الدولة، ولكن "حوالي" الدولة 21 أيضًا؛ بجميع "أشكال التشابك والتداخل والتآثر لا بين الفواعل الدولتية وغير الدولتية فحسب، بل أيضًا بين الُّنُظم ونظمها الفرعية؛ بين المجتمعات والجماعات؛ بين الفضاءات المحدودة والفضاءات المفتوحة؛ العوالم؛ التواريخ؛ النصوص؛ النوايا والانفعالات والعقائد الفردية والجماعية؛ المعاني الموضوعية والذاتية والبينذاتية" (ص. 264) إن اهتمام التعقديين بالطبيعة، أو بالأحرى بفاعلية الطبيعة، جعلهم يلتقون وُدُعاة "الإيكولوجيا السياسية" والنسويين من دعاة "العلاقات الدولية ما بعد الإنسانوية"، وهو حقل معرفي غير متمركٍزٍ حول الإنسان، ويأخذ في الاعتبار والتحليل، على نحٍوٍ جدّي، الآِهِِليِن الآخرين من غير البشر (سواء كانوا أشياَءَ أو أنواعًا آخرين.) لقد تبنّى هؤلاء الُمُساءلة الأيديولوجية لأمثال برونو لاتور Bruno Latour ودونا هاراواي Donna Haraway للثنائيات التي رسخّتها الحداثة الغربية: بين العقل والجسم، وبين الحيوانات والبشر، وبين الكائنات الحية والآلات، وبين الطبيعة والثقافة، وبين الرجل والمرأة، وبين البدائيين والمتحّض ر ين22، وقدّموا بموجبها نموذجهم للعلاقات الناشئة من الاحتكاك بين المجتمع (الثقافة) والطبيعة؛ فنحن سايبورغ بتعبير دونا هاراواي، أو أنواٌعٌ هجينة بتعبير لاتور.
ثانيًا: هل حلت نظرية التعّق د "إشكالية النظرية الكبرى" في حقل العلاقات الدولية؟
في القسم الأخير من كتابه، يعرض حمشي، في ثلاثة فصول، الحلول التي يمكن أن تقدّمها نظرية التعقّد "لإشكالية النظرية الكبرى" في الحقل. ودافع، مسترشدًا بالفوضوية المنهجية لبول فايربند Feyerabend Paul، عن "الانتقائية التحليلية" لسيل وكاتزنشتاين باعتبارها متوافقة وأهداف التعقدّييّن في الحقل، ولأنّها عادلة بشأن حجج الوضعّييّن وما بعد الوضعّييّن عل حٍدٍ سواء. فهل نجحت الانتقائية التحليلية فعلًافي تخليص التأملّييّن من حالة الإقصاء التي لطالما عانوها في الحقل؟ في عملهما المشترك، ما وراء البردايمات، اختار سيل وكاتزنشتاين الواقعية والليبرالية والبنائية لتوضيح منطق عمل الانتقائية وفائدتها
التحليلية. وفي ردّهما على الانتقادات التي وُجهت إليهما بشأن تركيزهما على هذا الثالوث النّظري، أجابا بأنّها رغبتهما في التقليل من سطوة هذه البردايمات وفتح المجال أمام البحوث الانتقائية والبحوث غير الموجّهة بردايميًا. وجاءت أغلب دراسات الحالة، التي اعتمدوها بوصفها عينات بحثية للإبانة عن الفائدة المرجوة من وراء اعتماد الانتقائية التحليلية، محاِوِلةًالجمع بين الافتراضات النظرية للثالوث نفسه؛ مثلًا، اعتبر ميشيل بارنيت Barnett Michael، أنّ النظريات العقلانية المتمركزة حول الدولة فشلت في دراسة المنظمات الدولية بمعزٍلٍ عن الدول المؤسسة لها، ولم تتمكّن من رصد "منطق البيروقراطية" الذي تتميّز به، والقواعد غير الشخصية التي طورتها لتمارس بدورها القوة على طريقتها 23. أما ما بعد الوضعيين، فلم يأِتِ سيل وكاتزنشتاين على ذكرهم إلا في معرض حديثهما عن تنويعات البنائية وإثبات التنوّع المتأصل في البردايمات نفسها 24. وعلى الرغم من اعترافهما بأنّ الإبستيمولوجيا التأسيسية التي ينافح عنها هؤلاء يمكنها أن تقع تحت طائل الانتقائية التحليلية، فإنهما صرّحا - بحمولة من كيل الاتهام - بأنّها تركّز على الفهم والنّقد المعياري بدلًامن تتبع أسباب البناءات المتعلقة بالأفكار وآثارها، مثل الهويات والخطابات والمعايير. أما ليونارد سيبروك Seabrooke Leonard، أحد المؤلّفين اللذين استعانا به، فاعترف بأنّه كان منزعجًا من بحوث العلاقات الدولية الفوكوية والغرامشية بسبب تركيزها على الالتزامات المعيارية، وتوظيفها مفاهيم مشتركة جعلت أيّ عملية بحثية جديدة تبدو كأنّها تأكيدات إضافية لاستنتاجات سابقة 25. لم تُقِصِ الانتقائية التحليلية ما بعد الوضعيين عن عَمد، ولكنّ انحسار مجال تطبيقها على الثالوث النظري لتعزيزهم السببية، بمفهومها الهيومي، وتأجيلها الخلافات الميتانظرية، كانا كفيلين بتفنيد إمكاناتها التوفيقية لتحقيق العدالة بشأن حُجج ما بعد الوضعيين؛ ذلك أنّ الأخيِرِين لا يزالون غير معنّييّن بانتقائية سيل وكاتزنشتاين، للأسباب التقليدية نفسها التي أدت إلى تهميشهم في الحقل. لقد فوّت مثل هذا الإهمال على سيل وكاتزنشتاين فرصة التعرّف إلى الأعمال المهمة التي أنتجتها المقاربات النقدية عمومًا في جانب المنهج، وفرصة إدراك الاستيلاء المبكر لما بعد الوضعيين على البراغماتية ونقاط الالتقاء العديدة بينهما؛ لقد كان رواد مدرسة فرانكفورت – الذين ألهموا ما بعد الوضعيين - السبّاقين إلى التعامل مع البراغماتية الأميركية التي اعتبرها يورغن هابرماس Jürgen Habermas إلى جانب الماركسية والوجودية أهم حركة فلسفية ما بعد هيغيليّة 26. لقد رفض البراغماتيون وما بعد الوضعيين، على حٍدٍ سواء، الرؤية المجرّدة للتحقيق الاجتماعي بأنّه بحٌثٌ في الاستراتيجيات المثلى لحل المشكلات، ولعاِلِم الاجتماع الذي يُقدّم في الغالب بوصفه مراقبًا محايدًا يقدّم المعرفة العملية على طبق تقني خاِلِص. ودافعوا، بدلًامن ذلك، عن مَوَضَ عة المعرفة العملية التقنية ضمن سياقها الاجتماعي والسياسي وإخضاعها للمعايير التي وضعها العامة لنجاحها، لُيُستعاض في الأخير الفصل الصارم بين وظيفة التكنوقراطي والسياسي بالتفاعل النقديّ بينهما 27. لقد حاجّ سيل وكاتزنشتاين بأنّ الانتقائيّة التحليلية براكسيولوجية في الأساس؛ أي إنّها تهتم بالجانب العملي أكثر، وبالإبستيمي بدرجة أقل. أما الأنطولوجيا فمؤجلةٌ إلى حين، وأنّ القيمة المضافة من وراء ذلك تتمثّل في إنتاج بحوث ذات صلة بصنع السياسات. ولنبدأ من حجتهما الأخيرة، فبوضعهما ملاءمة البحث لمجال صنع السياسات معيارًا لإنتاج البحوث، أرسى سيل وكاتزنشتاين ممارسة إقصائية في حقّ أولئك الذين يصنّفون أنفسهم سياسيًا وحقليًا خارج التيار السائد، سواء معرفيًا أو حتى وطنيًا، كما أثاروا المزيد من المناقشات حول "أخلاقيات المعرفة المفيدة"؛ فلمن نكتب؟ لصالح الدولة أم للأشخاص العاديين أم للمهمّشين؟ 28 فضلًاعن ذلك، أعادت حجّتهم إلى الواجهة تُهم "الهيمنة والإمبريالية" التي لطالما وُِّجِهت إلى الحقل. إنّ الظهور بمظهر التعددية، الذي تُبديه انتقائية سيل وكاتزنشتاين، يُخفي الحدود الحقلية الصارمة التي شيّدوها والتي تمنح امتيازًا ضمنيًا "للوضعية" التي تبنّاها الثالوث النظري، وينزع بطريقة أو بأخرى الشرعية عن أيّ تحٍّدّ يمكن أن يقدّمه الموصوفون عادةً بالمهمّشين الرافضين للتوجه السائد Mainstream. فلم يفتأ هؤلاء يذكّروننا بأنّ المناهج والنظريّات هي وسائل للفهم، وليست غايات في حد ذاتها، وأنّ بحوث العلاقات الدولية لا يجب عليها أن تكتفي بحل المشكلات والبحث عن الإجابات
وغلق مجال السؤال، بل عليها أن تحفّز طرح المزيد من الأسئلة والحوارات وفتح المزيد من التحقيقات الاجتماعية/ الدولية 29. وخلافًا لسيل وكاتزنشتاين، اللذين وضعا السببية (الهيومية) مبدًأ للمقايسة بين البردايمات، جادل التعقّديون سابقًا، مسترشدين بالواقعية النقدية، بأنّ التمييز بين بُعدي المعرفة أو العلم (المتعدّي Transitive والّل ازم Intransitive) مهٌمٌ جدًا، ويندرج ضمن النوع الأول كل النظريّات التي أنتجها العلماء ليقاربوا بها ما يسمى "الحقيقة" في العالم، ويندرج في إطار الثاني "مجال الوجود" الثابت والمستقلّ عن نَظَر العلماء ونظرياتهم. ويختصر قول روي باهسكار بالدوغمائية الإبستيمية الفروق بينهما؛ "فالمقولات المعرفيّة حول الوجود لا يمكنها بأيّ حاٍلٍ من الأحوال أن تختزل أو تعّب ربصورةٍ كليّة عن مقولات الوجود نفسه" 30. وبذلك، تكون المقايسة ممكنة في حال اعتبر باحثو العلاقات الدولية أنّ مجهوداتهم النظرية المختلفة تقع تحت طائلة البعد الأول للمعرفة؛ فهي لا تغطي سوى جانب واحد من الواقع، وأنّ البعد الثاني هو الذي يوحّدهم جميعًا أنطولوجيًا، خلافًا لمنطق الّل امقايسة الذي يفترض تنافرًا أنطولوجيًا وإبستيميًا ومنهجيًا بين البردايمات. لذلك، ما لم يأخذ الانتقائيون في الاعتبار الفهم التعقّدي الجديد للسببية، وتقسيمهم بعَدَي المعرفة الذي يمكن أن يضع مقولات ما بعد الوضعيين على الكفة نفسها مع الوضعيين، فمن الواضح أنّهم لن يتمكنوا من الإيفاء كثيرًا بوعود التعقّديين بشأن تخليص الحقل من "سباته النيوتوني العميق."
ثالثًا: لماذا انسحبت نظرية التعّق د إلى هامش حقل العلاقات الدولية؟
لا تزال العوامل السياقية مهمة في تفسير بزوغ نجم نظرية التعقّد في العلاقات الدولية؛ فنهاية الحرب الباردة، كما صُعود الصين منذ عقود يسيرة 31، كانا الحدثين اللذين اعتمد عليهما التعقديّون لمقارعة الحجج والمناهج السابقة لباحثي العلاقات الدولية. ومع ذلك، ينبغي على مهل فحص قول حمشي بالاستخدام المكثّف لمفهوم التعقّد وبالنفوذ المتزايد لنظرية التعقد في أدبيات العلاقات الدولية (ص. 213-215)، لأنّه لا يُعّب رحقيقةً عن طبيعة وجودهم بوصفهم "جماعة علمية" متماسكة، كما لا ينبغي أن يكون الأساس لتقييم مشروعهم ككل على نحو موضوعي. لم يعد من الُمُجدي الاستدلال بعدد البحوث التي تُحيل إلى مفاهيم التعقّد للقول بغلبة التوجّه البحثي للتعقّديين، كما فعل حمشي باستدلاله بالعدد المتزايد للمنشورات الأكاديمية التي تحيل إلى تسمية "الحوكمة العالمية" مقارنةً بالتسميات الأخرى (ص. 158)، لأنّه يوجد على الطرف الآخر تفنيٌدٌ عدديّ آخر للادعاء نفسه؛ ففي دراسة استقصائية للمقالات المنشورة على شبكة العلوم في آذار/ مارس 2017، خاصةً في الدوريات المتعلّقة ب "الحوكمة العالميّة" بوصفها المفهوم الذي يرتكز عليه التعقّديون، عثُر على قرابة 1966 مق لًاأشيَرَ فيها إلى المفاهيم المرتبطة بالتعقّد. وبتضييق مجال البحث بالنّظر حصرًا إلى المقالات التي أشارت إلى مفاهيم مثل الأنظمة المعقّدة وعلم/ نظريّة التعقد، عثُر فقط على 74 مق لًاُمُوزّعًا على خمسين دورية مختلفة 32. ليس هذا العدد المحدود من المقالات فقط، ولكنّ أعمالًاتقييمية أخرى لمشروع إقحام التعقّد في العلاقات الدوليّة توصّلت تقريبًا إلى الخلاصة نفسها من أنّ التعقّد لا يزال على هامش التنظير في حقل العلاقات الدوليّة، وأنّ باحثي الحقل لا يزالون متوجّسين من نظرية الأنظمة المعقّدة 33. وتفسيرًا لذلك، نُجادل بأنّ الأمر يُعزى إلى عاملين: يتعلّق الأول بغلبة الاستخدام المجازي لمفاهيم التعقّد في العلاقات الدولية، في حين يتعلّق الثاني بغياب الاتفاق بين دعاة المنعطف الفيزيائي حول أساٍسٍ أنطولوجيّ معّي نلمشروع حقل دولي "ما بعد نيوتوني"، مثل الانقسام الحاصل بين دعاة العلاقات الدوليّة التعقديّة IR Complex و"العلاقات الدوليّة الكوانتيّة" IR Quantum. لقد أثّرت حالة الانقسام هذه في مشروعهم الفكري، كما أثارت حفيظة الباحثين لما يتطلبه المشروع من إتقاٍنٍ لعلوم جديدة (طبيعية ورياضية في أغلبها.) لقد اعترف الباحثون الأوائل، الذين استقدموا نظرية التعقد إلى حقل العلاقات الدولية، بأنّ استخدامهم مفاهيم التعقّد كان مجازيًا، وأن أعمالهم كانت محاولة لإثبات كائنية مظاهر التعقّد في الواقع الدوليّ؛ فالحساسية للشروط الأولية وأثر الفراشة يمكن إثبات كائنيتهما من
خلال الرواية التي قصّها حمشي للعوامل التي أدّت إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى، والتي تقبع في مستوى أدنى من مستوى النظام الدولي، وتتعلّق بعملية اغتيال ولي العهد النمساوي في سراييفو صيف 1914 (ص. 240-241) وأشار روبرت جيرفيس إلى أنّه لا ينتظر تحقيق الكثير من وراء الاعتماد على نظرية الأنظمة المعقّدة 34، وأنّ إسهاماته لا تعدو أن تكون دفعًا لنظرية الأنظمة التقليدية لتكون أكثر تشاكلًا وتعقيدات مرحلة ما بعد الحرب الباردة، خاصّةً واقعية كينيث والتز التي أنكرت وجود أيّ روابط بين خصائص الوحدات والمخرجات الدولية، لأنها نظرية للسياسة الدولية لا للسياسة الخارجية. لذلك جادل أغلب من قام بمراجعة هذه الأعمال بأنّ الُمُطّلع على أعمال أبرامو أورغانسكي Abramo Organski ومورتن كابلان Morton Kaplan لن يجد جديدًا غير مألوف 35وأندرو سكوت Scott Andrew. أما جيمس روزنو فكان حماسُه على أشده لإثبات مدى تقادم البردايم الواقعي المتمركز حول الدولة، في نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات، وذلك بوضعه البنى السلطوية معيارًا لتحديد الفاعلين في السياسة الدولية. في هذه الحالة، لن تكون الدولة الفاعل الوحيد، لكنّها قائمة مفتوحة من الفاعلين القابعين دون مستوى الدولة وفوقه. غير أنه استدرك لاحقًا بالقول إنّ استخدامه مفاهيم التعقّد كان مجازيًا أكثر مما كان نظرًّيًا، وأقرّ بأنّ محاكاة السياسة العالمية من منظور الأنظمة المعقّدة لا تخلو من المجازفة بتقديم حشٍوٍ لفظيّ مَُقََّنّع؛ "فكيف يمكن الحديث عن أنظمة اجتماعية وسياسية متكيفة معقّدة؛ أي أنظمة تتميّز بلامركزية السلطة، في الوقت الذي لا تزال فيه السلطة، كما فهمناها تقليديًا، تخصيصًا سلطوًّيًا للقيم، وما يفترضه ذلك من تقييٍدٍ لحرية فعل الفاعلين؟" 36 وكذلك وافق نيل هاريسون، لأسباب أخرى، قول روزنو إنّ بعض السمات الرئيسة للتعقّد، مثل الانبثاق وأهميّة السياق والحساسية للشروط الأولية، لن تمكّن منطقيًا من تطوير نظرية للأنظمة المعقّدة لتحليل السياسة الدولية، تكون لاتاريخية وقابلة للتطبيق على نحو عام 37. أما العامل الآخر الذي أدى إلى انسحاب التفكير التعقّدي، والفيزيائي عمومًا، من الحقل فيكمن في الخلافات بين دعاة المنعطف الفيزيائي أنفسهم حول أساٍسٍ أنطولوجي موحّد لتجاوز النيوتونية، وحول الطريقة الصحيحة لإضفاء الطابع الكوانتي على النظرية الدولية والاجتماعية. وفي هذا السياق، يمكن أن نميّز بين العديد من الادعاءات؛ فبحسب ألكسندر وندت، ظلّ الماديون الجدد، رغم تبنّيهم مبادئ الفيزياء ما بعد الكلاسيكية لتقديم فهٍمٍ جديد للمادة، بما في ذلك مبادئ نظرية التعقّد والديناميات اللاخطية، أوفياء للأنطولوجيا الكلاسيكية، وظلّ تعاملهم مع نظرية الكم سطحيًا 38. أما لورا زانوتي فانتقدت تكريس الواقعية النقدية الفصَلَ الديكارتي بين العقل والمادة، رغم نقدها البنّاء للسببية الهيومية، وانتقدت استخدام وندت المصطلحات الكوانتية لتفسير مركزية الوعي الإنساني وإرادته الحرة وأفعاله الكلامية على حساب فاعليات أخرى غير بشرية ذات آثار سياسية 39. أما بشأن إضفاء الطابع الكوانتي على النظرية الدولية والاجتماعية، فقد تمحور الجدل حول الممكنات التالية: أن تجري الاستعانة بالاحتمالات الكمية كصيغة حسابية لتفسير ما تعجز عن تفسيره النظريتان الدولية والاجتماعية بصيغتهما الكلاسيكية؛ أو أن تجري الاستعانة بنظرية الأصناف الرياضية ذات الطبيعة العلائقية للتنظير الاجتماعي من دون الحاجة إلى استخراج المتشابهات والاستعارات من قاموس نظرية الكوانتوم 40؛ أو نفترض كما فعل وندت أنّ البشر ووجودهم الاجتماعي يحوزون سِمة التماسك الكمّي، وفي الإمكان تفسيرهم كليّةً تفسيرًا كميًا، فنحن مجرد "دوال موجيّة سَّيَارة" بتعبيره 41.
خاتمة
سبق أن ناقش كافالسكي ما سماه أخلاقيات (وممارسة) الفعل السياسي في ظل التعقّد، حيث جادل بأنّ فلسفة التعقّد تُحدد مبادئ ثلاثة لأخلاقيات العمل السياسي: مبدأ "التحُّسُب" الذي يؤكّد الحاجة إلى تطوير فنّ للعمل في ظلّ الّل ايقين، ومبدأ "التواُضُ ع" الذي يقرّ
بأنّ الفعل يفلت من إرادة الفاعل، ومبدأ "المطواعية" الذي يجعل من تطوير القدرة التكيّفية لتوقّع اللامتوقّع القاعدة لا الاستثناء 42. تشير هذه المبادئ إلى التغّي رالجذري الذي تفرضه فلسفة التعقّد ولغتها على مؤسسات صنع السياسات وأفكارها. إنّها تبتدع أشك لًا حوكمية مغايرة للحوكمة الفيبرية التي تفترض وجود مؤسسات مركزية مغلقة ومنتظمة هرميًا تدّعي القدرة على السيطرة والصرامة التنظيميتين، واتساقًا وقدرةً عاليتين على التنبؤ. لم يكتِفِ التعقديّون بحوكمة الحاضر فحسب، بل المستقبل أيضًا؛ فلم يُفوّت كافالسكي الحديث عن معنى الحريّة في ظلّ الظروف التي يفرضها التعقّد، حيث جادل مستندًا إلى تنظير باهسكار للزمن وللحتمية الأنطولوجية للمستقبل بأنّ العلوم الاجتماعية مُلزمة بقول كلمتها بشأن "المستقبل" الآتي لا محالة؛ فهو على حسبهم "احتماليّة" و"صيرورة للوجود" تتشكّل وتتهيكل تدريجيًا بوساطة الماضي والحاضر 43. إنّ الهدف من وراء الدراسات المستقبلية يكمن في تشكيل عوالم جديدة تتحقق فيها، على نحٍوٍ جيّد، قيٌمٌ كالحرية والعدالة والديمقراطية والخير والفضيلة والكفاءة الاقتصادية والرعاية البيئية؛ ذلك أنّ المؤسسات الموجودة حاليًا، سواء على المستوى الوطني أو العالمي، أثبتت محدوديتها فيما يتعلّق بتحقيق هذه القيم، سواء في الحاضر أو في المستقبل. في ندوة نظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات لمناقشة الكتاب، موضوع هذه المراجعة، حيث شاركُتُ بتعقيب عليه 44، نافح حمشي عن أهمية علم التعقّد، ومن ثم نظرية التعقّد، وحداثة الاهتمام به في العلوم غير الفيزيائية، بالإشارة إلى أن منح جائزة نوبل في الفيزياء لعلماء مختصين في دراسة الأنظمة المعقّدة والشواشية تأخر إلى عام 2021 رغم أن بدايات البحث فيها تعود إلى منتصف القرن العشرين. قد تكون تلك طريقة أخرى للقول إن المستقبل لعلم التعقّد ونظريّاته. لكن هل الأمر كذلك بالنسبة إلى حقل العلاقات الدولية؟ أعتقد أنه من غير الحصافة التسرع في الإجابة بنعم، ومن اليسير رصد ما يكفي من التحديات، مثلما حاولنا في هذه المراجعة. وأعتقد أن أبرز تلك التحديات، خاصة بالنسبة إلينا في العالم العربي، والجنوب الكبير عمومًا، تكمن في الإجابة عن سؤال العلاقة بين علم التعقّد، بوصفه برنامجًا بحثيًا، ومشروع الحداثة الغربي. إنّ قول التعقّديين بقدرة البشر على التحكّم في مصيرهم وتشكيل مسار تاريخي تقدّمي ما هو إلا استمرارية مغايرة لمشروع الحداثة الغربي الغارقة فيه افتراضاُتُ نظريات العلاقات الدولية التقليدية وُأ سسها الإبستيمية.
المراجع
العربية
حمشي، محمد. "صعود الصين من منظور مغاير: نظرية التعقد وأوهام العقلانيين." مجلة العلوم الإنسانية لجامعة أم البواقي. مج 6، العدد 2 (كانون الأول/ ديسمبر.)2019 ________. "نظرية التعقد في العلاقات الدولية: النظام الدولي المستقبل العربي. مج كنظام معقد وشواشي السلوك." 24، العدد 484.)2019(________. "لماذا ينبغي أن يفكر طالب العلاقات الدولية كما يفكر الأنثروبولوجي؟." مراجعات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2020/8/30. في https://bit.ly/3EFnlRm:. ________. "نظريات العلاقات الدولية وجائحة كورونا: أْنْبذة معَّتَقة في قناٍنٍ جديدة ونبيذ لّمَا يُعَّتَق." سياسات عربية. مج 9، العدد 05 (أيار/ مايو.)2021 حمشي، محمد وعادل زقاغ. "عن السياسة ما بعد الدولية: تعايش سياسات عربية. مج بين نظامين أم عصر وسيط جديد؟." 10، العدد 54 (كانون الثاني/ يناير.)2022
الأجنبية
Allan, Bentley. Scientific Cosmology and International University Cambridge Cambridge: Orders. Press, 2018. Axelrod, Robert. The Complexity of Cooperation: Agent- Based Models of Competition and Collaboration. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1997. Baele, Stephane J. & Gregorio Bettiza. "'Turning' Everywhere in IR: On the Sociological Underpinnings of the Field's Proliferating Turns." International Theory. vol. 13, no. 2 (2021). Bhaskar, Roy. A Realist Theory of Science. Brighton, Sussex: Harvester Press, 1978. Bohman, James. "How to Make a Social Science Practical: Pragmatism, Critical Social Science and Multiperspectival Theory." Millennium: Journal of International Studies. vol. 31, no. 3 (2002). Bousquet, Antoine & Simon Curtis. "Beyond Models and Metaphors: Complexity Theory, Systems Thinking and International Relations." Cambridge Review of International Affairs. vol. 24, no. 1 (March 2011). Burke, Anthony et al. "Planet Politics: A Manifesto from the End of IR." Millennium: Journal of International Studies. vol. 44, no. 3 (2016). Cederman, Lars-Erik & Luc Girardin. "Growing Sovereignty: Modeling the Shift from Indirect to Direct Rule." International Studies Quarterly. vol. 54, no. 1 (2010). Cederman, Lars-Erik. Emergent Actors in World Politics: How States and Nations Develop and Dissolve. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1997. Der Derian, James & Alexander Wendt (eds.). Quantum International Relations: A Human Science for World Politics. Oxford: Oxford University Press, 2022. Festl, Michael G. (ed.). Pragmatism and Social Philosophy: Exploring a Stream of Ideas from America to Europe. New York: Routledge, 2021. Harawy, Donna J. Simians, Cyborgs, and Women: The Reinvention of Nature. New York: Routledge, 1991. Harrison, Neil E. (ed.). Complexity in World Politics: Concepts and Methods of a New Paradigm. Albany, NY: State University of New York Press, 2006. Jervis, Robert. System Effects: Complexity in Political and Social Life. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1997. Joseph, Jonathan & Colin Wight (eds.). Scientific Realism and International Relations. London: Palgrave Macmillan, 2014. Kavalski, Emilian (ed.). World Politics at the Edge of Chaos: Reflections on Complexity and Global
Life. Albany, NY: State University of New York Press, 2015. Keohane, Robert O. "Review of 'Coping with Complexity in the International System', Edited by J. Snyder and R. Jervis." The American Political Science Review. vol. 88, no. 2 (1994). Kurki, Milja. Causation in International Relations: Cambridge: Analysis. Causal Reclaiming Cambridge University Press, 2008. ________. International Relations in a Relational Universe. Oxford: Oxford University Press, 2020. Lehmann, Kai. "Unfinished Transformation: The Three Phases of Complexity's Emergence into International Relations and Foreign Policy." Cooperation and Conflict. vol. 47, no. 3 (2012). Orsiniet, Amandine et al. "Complex Systems and International Governance." International Studies Review. vol. 22, no. 4 (2019). Peet, Jessica. "Eclecticism or exclusivity? The (Critical) Pragmatist Ethos of (Intersectional) Analytic Eclecticism." International Journal: Canada's Journal of Global Policy Analysis. vol. 75, no. 3 (September 2020). Rosenau, James N. Turbulence in World Politics: A Theory of Change and Continuity. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1990. Rosenberg, Justin. "International Relations in the Prison of Political Science." International Relations. vol. 30, no. 2 (2016). Sil, Rudra & Peter J. Katzenstein. Beyond Paradigms: Analytic Eclecticism in the Study of World Politics. London: Palgrave Macmillan, 2010. Wendt, Alexander. Quantum Mind and Social Science: Unifying Physical and Social Ontology. Cambridge: Cambridge University Press, 2015. Zanotti, Laura. Ontological Entanglements, Agency and Ethics in International Relations: Exploring the Crossroads. New York: Routledge, 2019.