النزاع العراقي - السوري - التركي على مياه دجلة والفرات: قراءة جيوبوليتيكية
الملخّص
The paper studies the Iraqi-Syrian-Turkish conflict over the Tigris and Euphrates rivers, from a geopolitical perspective. It argues that this conflict has historical and political roots, not solely tied to the natural availability of water in the Tigris and Euphrates, but rather connected to the policies of different parties in managing water resources. The paper includes three essential elements. The first examines the geographical and hydrological characteristics of the Tigris and Euphrates. The second explores the political and academic discourse in the 1990 s regarding the "water war" theory. The third and final element analysed the characteristics of the new conditions that have distinguished the three countries since the beginning of this century, imposing on Syria and Iraq the need to devise a new vision for managing their available water resources. The research concludes with the inevitability of negotiation for the joint management of the Tigris and Euphrates water resources as it is not in Turkey's interest to ignore the interests of downstream countries. Moreover, Syria and Iraq cannot achieve any results without negotiation and water diplomacy. Keywords: Iraq, Syria, Türkiye, Euphrates, Tigris.
The Iraqi - Syrian - Turkish Conflict Over the Tigris and Euphrates Waters: A Geopolitical Reading
تهتم الدراسة بدراسة واحد من عناصر المسألة المائية في الشرق الأوسط، يتمثل في النزاع العراقي - السوري - التركي حول مياه دجلة والفرات، من زاوية جيوبوليتيكية، وتنطلق من فرضية أساسية تقول إنّ لهذا الصراع جذورًا تاريخية وسياسيّة، ولا يرتبط بحجم ما يتوافر طبيعًّيًا من مياه في دجلة والفرات بقدر ارتباطه بتباين سياسات مختلف الأطراف في إدارة الموارد المائية. وتضمنت الدراسة ثلاثة عناصر أساسية. اهتمّ الأوّل بالنظر في الخصائص الجغرافيّة والهيدرولوجيّة لدجلة والفرات. وُخصّص العنصر الثاني للبحث في ما راج في الأوساط السياسية والأكاديمية في العشرية الأخيرة من القرن الماضي حول نظرية "حرب المياه." أمّا العنصر الثالث والأخير، فقد طمح إلى تحليل خصائص الوضعية الجديدة التي ميّزت الدول الثلاث منذ مطلع هذا القرن، والتي تفرض على سورية والعراق استنباط رؤية جديدة لإدارة مواردهما المائية المتاحة. وتخلص الدراسة إلى حتمية التفاوض لإدارة الموارد المائية المشتركة لدجلة والفرات، لأّن ه ليس من مصلحة تركيا تجاهل مصالح دول المصبّ، ثمّ إّن ه ليس في قدرة سورية والعراق تحقيق أي نتائج دون التفاوض ودون الدبلوماسية المائية.
كلمات مفتاحية: العراق، سورية، تركيا، الفرات، دجلة.
مقدمة
يمثّل نهرا دجلة والفرات منظومة مائيّة بالغة الأهميّة في الشرق الأوسط، فقد شهد الجزء الأسفل منهما ميلاد أقدم الحضارات الإنسانية، في ما سُمّي ب "الهلال الخصيب" أو "بلاد ما بين النهرين." ومن أهمّ خصائص هذين النهرين أنّهما ينبعان من منطقة رطبة ومطيرة (الأناضول في تركيا) ويسيلان نحو سهول ذات مناخ جافّ أو شبه جافّ في سورية والعراق. ولئن وُجدت هذه الفوارق بين عالية نهر ما (المطيرة) وسافلِتِهِ (الجافة) 1 في العديد من الحالات داخل البلد الواحد، فقد توصّلت المجموعات البشرية داخله، وأحيانًا بإشراف الدولة، عن طريق دورها التعديلي أو التحكيمي، إلى حلول لتقاسم الموارد المائية بين العالية والسافلة، وفضّ النزاعات، التي يمكن أن تنشب بين المزارعين أو المجموعات القروية 2. لكن يختلف الوضع بالنسبة إلى منظومة دجلة والفرات، حيث تتقاسمها أربع دول (هي تركيا والعراق وسورية وإيران)، لكلّ منها سياسُتُها المائيّة ومصالُحُها الاستراتيجية، وبذلك، فإنّ ميزان القوى والظروف الجيوبوليتيكية والقوانين والأعراف الدولية هي التي ستشكّل الإطار العامّ لفضّ النزاعات حول الموارد المائية. ولقد بادرت الدول المتشاطئة على نهَرَي دجلة والفرات، خاصّة إبّان العقود الخمسة الأخيرة، كلّ على حدة، إلى بناء السدود الكبرى لتوليد الطاقة وإنشاء مشاريع الريّ وتزويد المدن والأرياف بالماء الصالح للشرب، ما أدّى إلى زيادة تحكّم دول المنبع في موارد الأنهار المشتركة على حساب دول المصبّ. وسنركّز في هذا البحث على ثلاث دول هي تركيا وسورية والعراق، ونترك دراسة مكانة إيران في هذه المنظومة المائية إلى بحث لاحق؛ ونبرّر ذلك بأنّ الدول الثلاث المذكورة هي أهمّ أطراف النزاع، رغم ما أقامته إيران من منشآت مائية على روافد دجلة، للتحكّم في مياهه أو حتى تحويل بعض مجاريه، ما أثّر سلبيًا في إيرادات النهر نحو العراق. ثمّ إنّنا نطمح بواسطة هذه الدراسة، وعن طريق مقاربة جيوبوليتيكية، إلى تسليط الضوء على صيرورة النزاع بين الدول الثلاث حول موارد دجلة والفرات، ومراوحته بين المفاوضات والتوتّر، مع التركيز على خصائص الوضع الراهن وما يستوجبه من رؤية جديدة، خاصّة من جانب سورية والعراق لمجابهة الأزمة المائية. وينطلق هذا البحث من فرضية أساسية تتمثّل في أنّ مسألة الصراع على الموارد المائية بين الدول الثلاث المذكورة، أو التعاون من أجل استغلالها بطريقة منصفة، ترتبط بالدرجة الأولى بالسياسات المتّبعة من جانب كلّ طرف، لا بما يتوافر طبيعًّيًا من موارد مائية في دجلة والفرات، ويتجاوز النزاع المعادلة الحسابية بين العرض والطلب، إذ إنّ له أسبابًا تاريخية وجيوبوليتيكية هي مفاتيح لقراءته ولتصوّر حلول له، ولا مناص للأطراف الثلاثة من إيجاد أرضية للتفاوض. لكن في وضعية عدم تكافؤ موازين القوى، تنبني الفرضية على أنّ من مصلحة سورية والعراق تحسين قدراتهما الذاتية للتفاوض، عن طريق ضبط استراتيجية بعيدة المدى للاستغلال الأنجع للموارد المائية المتاحة، والاستفادة من الدبلوماسية المائية على الصعيد الدولي، ثمّ إنّ من مصلحة تركيا عدم بناء المكانة الإقليمية التي ترنو لها، عن طريق ما سمّي بالهيمنة المائية. وللبحث في هذه الفرضية، اعتمدنا على منهجية تقوم على قراءة نقدية لما حصلنا عليه من مراجع بالعربية والإنكليزية والفرنسية، وما توافر من تقارير ودراسات من جهات رسمية في الدول المعنية بهذا النزاع، أو من هيئات دولية مهتمة بالسياسات المائية وفضّ النزاعات، التي يمكن أن تنشأ بين الدول حول إدارة الموارد المائية للأحواض النهرية المشتركة. ولقد مكّنتنا هذه القراءة النقدية، من زاوية اختصاصنا في الجغرافيا وإدارة الموارد المائية والمخاطر المرتبطة بها، من تحليل مختلف عناصر الصراع وتفاعلاتها، معتمدين على تخطيط في ثلاثة محاور: نستعرض في الأوّل الإطار العامّ للنزاع بين العراق وسورية وتركيا حول موارد دجلة والفرات، وذلك بتبيان الخصائص الجغرافية والهيدرولوجية للأحواض النهرية لدجلة والفرات، والأحداث التاريخية في القرن العشرين بوصفها خلفيّة من خلفيات الصراع، وما بادرت به كلّ دولة من الدول المعنية على حدة، من بناء السدود للتحكّم في المياه؛ ثم ندرس في الثاني بروز مفهوم "حرب المياه" الذي راج في نهاية القرن الماضي، من زاوية العلاقات الدولية، ومسار المفاوضات غير المتكافئة بين الدول الثلاث ونتائجها، ونستعرض أيضًا أهمّ ما جاء به القانون الدولي لفضّ النزاعات حول الموارد المائية في الأحواض المشتركة. ونعرض في المحور الثالث ما نعتبره الرؤية الجديدة لهذا النزاع، بالنظر إلى أهمّ المستجدّات المرتبطة باستغلال موارد النهرين، خاصّة من الجانب التركي.
أّولّا: الإطار العامّ للنزاع حول موارد دجلة والفرات
الأحواض النهرية لدجلة والفرات: في الأسباب الجغرافية والهيدرولوجية للنزاع
يُعتَب رنهرا دجلة والفرات، إلى جانب النيل والأردن، من أهمّ أنهار منطقة الشرق الأوسط، بالنظر إلى مساحة أحواضهما الهيدرولوجية وإيراد كلّ منهما، ومكانتهما في السياسات المائية للدول التي يعبرانها قبل أن يصبّا في الخليج العربي (الخريطة 1(.)) يبلغ طول نهر الفرات 2330 كلم، يحتوي في عاليته على فرعين، هما نهر قره صو ومراد صو، يجمّعان مياههما من جبال الأناضول الشرقيّة (المحتوية على عدّة قمم يتجاوز ارتفاعها 4000 متر)، ويلتقيان قرب مدينة كبان، ثمّ يخترق الفرات سلسلة جبال طوروس ليصل إلى هضاب الأناضول الجنوبية الشرقية، وتلتقي به داخل الأراضي السورية من ضفّته اليسررى أنهار الساجور والبليخ وخابور، ثمّ يتّجه نحو البوكمال ليكون قد قطع حوالى 680 كلم في الأراضي السورية قبل الدخول في سهله الفيضي في الأراضي العراقية، متفرّعًا إلى شطوط (مثل شط الحلّة وشط الهندية.) أمّا نهر دجلة فيبلغ طوله 1718 كلم، وينبع من الجزء الشرقي لسلسلة طوروس على مقربة من مدينة ديار بكر، ويسيل في اتجاه الجنوب الشرقي في الأراضي التركية الجبليّة على مسافة 485 كلم 3 حتّى مدينة جزرة Cizre التركية، ويدخل العراق مرورًا بالموصل، حيث تلتقي به في مجراه الأوسط روافد عديدة من ضفّته اليسررى، أهمّها تلك التي تنزل من مرتفعات طوروس الشرقية وزاغروس، مثل الزاب الصغير والزاب الكبير قبل المرور بتكريت وسامراء. أمّا مجراه السفلي فيبدأ عند التقائه برافده نهر العظيم وديالى ليمرّ عندئذ ببغداد، ثمّ يلتقي بنهر الفرات عند كرمة علي ليشّكلّا شطّ العرب، قبل أن يلتقي به نهر قارون 4. ومن خصائص ح وْيَضْ دجلة والفرات أنّ عاليتهما الجبليّة تتميّز بمناخ متوسّطي، تصل إليها معّدلّات هطولات سنويّة تراوح بين 400 و 1000 ملّيمتر، تنزل إبّان الفترة الباردة في فصل الشتاء، غالبًا على شكل ثلوج تبدأ في الذوبان مع حلول فصل الربيع، وتؤدّي إلى ارتفاع منسوب الأنهار في هذه الفترة من السنة 5. وفي المقابل، تنزل معّدلّات الهطولات السنوية من 400 إلى 200 ملّيمتر على السفوح الجنوبية لسلسلة طوروس والسفوح الغربية لسلسلة زاغروس، ثمّ إلى ما دون 100 ملّيمتر في الصحراء السورية العراقية (الخريطة 2(.)) وإذا أخذنا في اعتبارنا (زيادة عّم اسبق فيما يتعلّق بالهطولات)، أنّ معّدلّات الحرارة ترتفع بصفة عامّة في سافلة الحوض أكثر من عاليته، وبذلك يكون التبخّر أشدّ والحصيلة المائية أضعف، نفهم أهميّة الوارد المائيّ من الجزء الذي يقع داخل تركيا نحو سهول سورية والعراق، هذا الوارد الذي نشأت معه أقدم الحضارات الإنسانية في ما يسمّى "بلاد ما بين النهرين." يتّضح، إذًا، أنّ تركيا تبدو، في منطقة الشرق الأوسط الجافّة عمومًا، محظوظة من الطبيعة فيما يتعلّق بالمياه، حيث تَُقَدّر مواردها المائية الجمليّة بحوالى 185 مليار م 3 م ليارًا منها متأتّية من حوْيَض، 53ْ دجلة والفرات 6. وبالرغم من أّن 12 في المئة فقط من مساحة الحوض المائي لنهر دجلة توجد داخل تركيا، فإنّ هذه الأخيرة تسهم بأكثر من 51 في المئة من معدّل إيراده السنوي (المقدّر بحوالى 48 مليار م 3 )7. وفي المقابل يسيل هذا النهر في الأراضي العراقية في مسافة تتجاوز 1400 كلم، ويضمّ العراق حوالى 54 في المئة من مساحة الحوض المائي لدجلة، وتوفّر أراضيه حوالى 39 في المئة من معدّل إيراده السنوي. أمّا بالنسبة إلى نهر الفرات، الذي يبلغ طوله أكثر من 2330 كلم ومساحة حوضه 444000 كلم 2 ومعدّل إيراده السنوي ما يقارب 31.5 مليار م 3، فيجري أطول مسافة له في العراق 1213(كلم)، الذي يمتلك 46 في المئة من مساحة حوضه المائي 8، بينما يجري 455 كلم في تركيا 28(في المئة من مساحة الحوض المائي)، و 675 كلم في سورية 17(في المئة من
الخريطة)1(عناصر التهيئة المائية * على دجلة والفرات
الخريطة)2(التضاريس والهطولات في الحوض المائي لدجلة والفرات
مساحة الحوض المائي)، لكن يساهم الجزء التركي من الحوض بنسبة تراوح بين 88 و 98 في المئة من مجموع إيراده السنوي. بهذا العرض الموجز للمعطيات الجغرافية والهيدرولوجية لحوض دجلة والفرات، يظهر التباين الكبير بين العالية والسافلة في الموارد وخصائص السيلان، وبالرغم من أنّ الجزء الأكبر من موارد نهري دجلة والفرات ينشأ في الأراضي التركية، فإنّ العراق في إمكانه، طبيعًّيًا، الاستفادة من سيلان الأنهار نحو أراضيه، لتوفّر له (في غياب أيّ منشأة مائية أو سدّ) كمّية لا تقلّ عن 60 مليار م 3 من المياه سنوًّيًا 9. وتفرّس رهذه الخصائص الجغرافية والهيدرولوجية جانبًا من الخلاف
القائم بين الأطراف الثلاثة (العراق وسورية وتركيا) حول طريقة تقاسم مياه دجلة والفرات. يبرز هذا الخلاف في نقطتين على الأقلّ، أولاهما أنّ العراق مثلًايرى أنّ دجلة والفرات لهما حوضان منفصلان يجب على الأطراف الثلاثة تقاسم موارد كلّ منهما بطريقة عادلة، في حين ترى تركيا (وكذلك سورية في وقت ما) أنّ هذين النهَرَْيْن يشّكلّان حوضًا هيدرولوجًّيًا واحدًا، وبذا، فإنّ على العراق أن يأخذ نصيبه من مياه دجلة فحسب، وأن يترك الاستفادة من مياه الفرات لتركيا وسورية. وثانيتهما أنّ تركيا ترى أنّ هذين النهرين هما عابران للحدود وليسا دوليين، وهذا يعني بالنسبة إليها أنّه في إمكانها القيام بما تريد من أشغال تهيئة وبناء سدود في أجزائهما الموجودة داخل حدودها الدولية، دون أيّ اعتبار لمواقف الدول المجاورة، في حين أنّ العراق يرى (وكذلك سورية حيث يمثل نهر دجلة حدودًا مشتركة بينها وبين تركيا على طول حوالى 30 كلم) أنّ دجلة والفرات نهران دوليّان، وبذلك تنطبق عليهما كلّ الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، التي تِقِرّ في جوهرها بأنّ الأشغال التي ينجزها طرف من الأطراف يجب أّل اتضرّ بمصالح الأطراف الأخرى، وأن تُِقِرّ أيضًا بمبدأ التقاسم العادل والإخبار المبكّر. ومن أوّل الاتفاقيات الدولية المتعلّقة بدجلة والفرات بالذات، اتفاقية لوزان Lausanne المبرمة سنة 1923 بين تركيا والحلفاء عقب الحرب العالمية الأولى، والتي جاء أحد فصولها مؤكّدًا الصبغة الدولية لهذين النهرين. ولا يوجد إلى اليوم أيّ اتّفاق بين الأطراف الثلاثة حول طريقة اقتسام مياه دجلة والفرات، بل يوجد اتّفاق تركي -برم سنة سوري أ 1987 تحصل بموجبه سورية على سََيلَان 500 م 3 / ثانية من مياه الفرات 15.7(مليار م 3 / سنة)، واتّفاق سوري - عراقي 1990() يقضي بتقاسم مياه الفرات بنسبة 42 في المئة لسورية و 58 في المئة للعراق (مهما كانت إيرادات النهر)، وهذا يعني أن تحصل سورية على معدّل 6.6 مليارات م 3 والعراق على 9 مليارات م 3. هذه الاتفاقيات بقيت شكليّة ولم تُنِهِ النزاع، ولا أدلّ على ذلك مّم احدث سنة 1990، عندما عمدت تركيا إلى ملء سدّ أتاتورك، ما نتج منه انقطاع سَيلَان مياه الفرات نحو سورية، ومن ثم نحو العراق، وجفاف مساحات مهمّة من الأراضي التي كانت مرويّة وإتلاف محاصيلها. وسيؤدّي كلّ إنشاء لسدّ جديد في عالية النهرين، خاصّة في تركيا، إلى تأجيج الصراع، كما سنرى لاحقًا.
الظروف الجيوتاريخيّة، خلفيّة من خلفيات الصراع المائي بين تركيا العراق وسورية
نقصد بالظروف الجيوتاريخية تلك الناجمة عن تفاعل الأحداث التاريخية بمختلف عناصرها الاجتماعية والسياسية، وتأثيرها في المجال الجغرافي، وتأثير هذا الأخير في الصيرورة التاريخية 10. وإذا اقتصر الحديث على التاريخ المعاصر فحسب، فسنلاحظ توالي جملة من الأحداث من بداية القرن العشرين إلى اليوم، شكّلت في تقديرنا خلفيّة لا يمكن تجاهلها في الصراع حول موارد دجلة والفرات بين تركيا وسورية والعراق. وليس غرضنا استعراض مختلف تلك الأحداث، بقدر ما هو فهم العلاقات بين الأطراف الثلاثة المذكورة، على مستوى منطقة الشرق الأوسط وعلى المستوى الدولي أيضًا، ودورها في تفسير الصراع المائي بينها، وآفاق تطوّره نحو الحلّ أو نحو مزيد من التعقيد. فبعيد الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية، فرض الحلفاء على هذه الأخيرة معاهدة سيفر Sèvres في سنة 1920، وأقرّت فرنسا وإنكلترا اقتسام ممتلكات "الرجل المريض" بحسب اتفاقية "سايكس بيكو" السرّية في سنة 1916، وطبّقت عليها نظام الانتداب (العراق وفلسطين لإنكلترا وسورية ولبنان لفرنسا)، ثمّ أكّدت معاهدة لوزان في سنة 1923 الانتداب على العراق وسورية وفلسطين، واعترفت باستقلال تركيا في حدودها الحالية، بعد أن أجبرتها على التخّل يعن الموصل. ولقد اعتبر المؤرّخ سيّار الجميل 11 أنّ "سقوط العثمانّييّن شكّل قطيعة تاريخية لتاريخ مواٍزٍ بين الأتراك وشعوب وكيانات أخرى، فكان أن انتهى جرّاء تلك القطيعة مسار التاريخ العثماني بين العرب والأتراك كي تتشكّل الجمهورية التركية والممالك والجمهوريات التي ولدت من رحم العثمانّييّن." ويفيد العديد من الدراسات التاريخية، التي لا يتّسع المجال لذكر تفاصيلها، أنّ العثمانّييّن سلكوا تجاه عرب المشرق طوال قرون سياسة استغلالية تقوم أساسًا على الضرائب، وعارضوا بروز الحركة القومية العربية، وبصفة خاصّة الاتجاه الاستقلالي الذي اتّضح في "الثورة العربية
الكبرى" 1918-1916()، ومارسوا سياسة "التتريك" خاصة في فترة حكومة "الشبان الأتراك" (بعد تمكّن جمعية "الاتحاد والترقّي" من إسقاط السلطان عبد الحميد والاستحواذ على السلطة في الآستانة سنة 1908)، إضافة إلى إقدامهم على إعدام عدّة زعماء عرب قبيل الحرب العالمية الأولى بتهمة مساندة الغرب. وفي المحصّلة، نقول إنّ انهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى جعل من دجلة والفرات نهرْيْن دولّييّن، منبعهما في جمهورية تركيا الناشئة، ومصبّهما في كيانين سياسّييّن انفصلا عنها، هما سورية والعراق (الواقعتان تحت الانتداب)، وأنّ القطيعة التاريخية التي حصلت آنذاك تركت بصماتها في السياسات المائية لكلّ طرف. وترتبط بالقطيعة التاريخية المشار إليها، جغرافية جديدة ستشكّل عنصرًا مهًّم امن العناصر المحدّدة لعلاقة تركيا بدول الجوار بصفة عامة، وفيما يتعلّق بإدارة الموارد المائية بصفة خاصّة. ويعتبر الباحث عقيل سعيد محفوض أنّ "سياسات الدولة في تركيا تنطلق من نقطة مركزية جغرافية - سياسية، هي موقعها في الخارطة العالمية" 12، وعلى أساس هذه "الحتمية الجغرافية" 13، بنت تركيا سياستها الخارجية على مبدأ التقارب مع الغرب، ضمن المبادئ الستة التي أعلنها مصطفى كمال أتاتورك للجمهورية الناشئة 14، والتي أدت إلى قطيعة جغرافية مع جوارها العربي امتدت خمسة عقود تقريبًا قبل أن يعود اهتمامها بدورها الإقليمي في الشرق الأوسط، في ثمانينيات القرن الماضي، في خضمّ الأحداث العديدة التي عاشها الشرق الأوسط، وبدرجة أولى العراق، بصورة خاصّة من زاوية اقتصادية، لما يتركّز فيه من موارد طاقية وما يمثّله من أسواق استهلاكية للسلع التركية. ونعتقد أيضًا أنّ من الضروري التذكير ببعض الظروف التاريخية المرتبطة بالمسألة الكرديّة، لفهم مكانة الأقليّة الكرديّة في معادلة الصراع حول الموارد المائية بين تركيا وسورية والعراق، فبعد توقيع الإمبراطورية العثمانية هدنة "مودروس" في تشرين الأوّل/ أكتوبر 1918، إثر نهاية الحرب العالمية الأولى وهزيمتها أمام الحلفاء، الذين احتلّوا إسطنبول وتقاسموا ممتلكاتها، انطلقت الحركة الوطنية التركية (تمّوز/ يوليو في مؤتمر "أرضروم")1919 15 الذي حدّد برنامجها السياسي، والذي نصّ صراحة على وحدة الأراضي التركية وعلى رفض منح الأقلّيات الموجودة في تركيا، من أكراد وأرمن وغيرهم، أيّ حقوق سياسية كالاستقلال أو الحكم الذاتي، فالقومية التركية والوحدة الترابية هي التي طبعت الحركة الوطنية التركية منذ نشأتها، نافية أيّ هويّة خصوصية للأكراد، الذين جرت تسميتهم ب "أتراك الجبال." وفي سنة 1924، اتّخذت الجمهورية التركية الجديدة قرارًا بغلق كلّ المدارس الكرديّة، ثم شرعت منذ سنة 1926 في إعادة توطين الأكراد خارج قراهم الأصلية، في محاولة ل "تذويب الهوية الكردية" 16. لم يخمد هذا التوجّه التركي النزعَةَ الانفصاليّة للأكراد، حيث أدّت انتفاضة ديرسيم الكردية سنة 1937 إلى عمليات إبادة 17، ثمّ إنّ مشروع جنوب شرق الأناضول (سنتعرّض لتفاصيله في فقرة لاحقة) لم يجد بالضرورة صدى إيجابًّيًا لدى أكراد تركيا عامّة والأناضول خاصّة، ولا أدلّ على ذلك من أنّ سنة 1978-1977 (أي بعد سنة واحدة من الانتهاء من إنشاء سدّ كبان أكبر سدود الأناضول عندئذ، ضمن مشروع جنوب شرق الأناضول)، قد شهدت ظهور حزب العّم ال الكردستاني بقيادة عبد الّله أوجلان، الحزب الذي أعلن العصيان المسلّح ضدّ النظام التركي سنة 1984، في أوج فترة إنجاز المشروع المذكور. وسمحت سورية للحزب بإنشاء قواعد له قرب حدودها مع تركيا، وغضّ ت النظر عن العمليات العسكرية التي كان يقوم بها ضدّ الجيش التركي، واستعملت ذلك ورقة ضغط في الصراع على موارد الفرات. وسيتّضح ذلك بعد إبرام الاتفاق التركي السوري لسنة 1987 (المشار إليه في فقرة سابقة)، مقابل أن تمنع سورية انطلاق أنشطة حزب العّم ال الكردستاني من أراضيها، بعد توقيعها اتّفاقية أضنة مع الجانب التركي سنة 1998. ومّم ايؤكّد أيضًا توظيف تركيا للمسألة المائية في نزاعات أخرى مع جارتها سورية، إعلانها ضرورة ربط المفاوضات حول طريقة اقتسام مياه الفرات بقضية أخرى هي تسوية مشكلة نهر العاصي الذي ينبع من لبنان ويمرّ من سورية قبل أن يصبّ في البحر المتوسط في لواء الإسكندرونة، وهذا يعني
ضمنًّيًا اعتراف سورية بسيادة تركيا على الإسكندرونة 18. يتّضح، إذًا، ما للخلافات التاريخية، التي ما زال بعضها قائمًا إلى اليوم، بين تركيا من ناحية والولايات العربية التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية من ناحية ثانية، من تأثير في مواقف مختلف الأطراف، ومن الطبيعي أن تصطبغ العلاقات بين الدول الثلاث بنوع من الحذر المتبادل والريبة، ما سينعكس على سير المفاوضات بينها حول إدارة الموارد المائية.
استغلال مياه دجلة والفرات: أسبقيّة العراق في إقامة السدود والمشاريع المائية
مثّل التحكّم في المياه عنصرًا مهًّم امن العناصر التي قامت عليها الحضارات القديمة لبلاد الرافدين مثل الحضارة السومريّة والبابليّة والآشوريّة، وتدلّ شواهد تاريخيّة عديدة على أهميّة الزراعة والري (بما في ذلك إقامة السدود والخزّانات) في تلك الحضارات، لا يسمح المجال هنا بالدخول في تفاصيلها 19، وقد تواصل الاهتمام بالمياه إبّان الفترتين الأمويّة والعبّاسيّة. وترجع إرادة التحكّم في فيضانات دجلة والفرات في العراق في الفترة المعاصرة إلى بداية القرن العشرين، حين كان البلد تحت هيمنة الإمبراطورية العثمانية، عندما عهد الباب العالي إلى المهندس البريطاني وليام ولكوكس بمهمّة تشخيص الوضع المائي في العراق واقتراح حلول تقنية للتحكّم في المياه 20. وقد مكّن ذلك من إنجاز أوائل السدود العراقية، مثل سدّ الهندية على نهر الفرات في الفترة 1913-1911، الذي تتفرّع منه أربعة جداول للريّ، وسدّ ديالى على نهر ديالى سنة 1928، وسدّ كوت على نهر دجلة في الفترة 1939-1937. وتواصلت الإنجازات بعد الحرب العالميّة الثانية، بتنفيذ استراتيجية لحماية السهول من الفيضانات، حيث شهدت سنة 1954 فيضانات استثنائية لنهر دجلة غمرت أثناءها المياه أجزاء كبيرة من بغداد 21، فأنِجِز سدّ الرمادي سنة 1956 للتحكّم في فيضان نهر الفرات، وتحويل جزء من مياهه نحو منخفضي الحبانية وأبي دبس بقدرة تخزينيّة تفوق 7 مليارات م 3 تُستخدم لريّ المساحات المجاورة في فترة الجفاف 22. أمّا بالنسبة إلى نهر دجلة، فقد أُنجز سدّ سامرّاء سنة 1956 بعد فيضانات سنة 1954، ويتمثّل هدفه (إضافةً إلى توليد الطاقة)، في توجيه مياه فيضانات النهر نحو منخفض الثرثار بواسطة قناة أنشئت لهذا الغرض على طول 65 كلم انطلاقًا من الضفة اليمنى للنهر، فأصبح بذلك منخفض الثرثار بحيرة تخزين للمياه تقدّر طاقتها ب 68 مليار م 3، ت ملأ من فيضانات دجلة 23. أمّا على نهر الزاب الصغير فقد أنشئ سد دوكان سنة 1959 قرب كركوك للتحكّم في الفيضانات وتخزين المياه (حوالى 6 مليارات م 3) وتوفيرها للريّ وتوليد الطاقة. وفي سنة 1961 أنشئ سدّ دربندخان على نهر ديالى بطاقة تخزين تبلغ 2.5 مليار م 3. ولقد كان ل "مجلس الإعمار"، الذي أنشئ سنة 1950، دور مهمّ في تمويل وتنفيذ هذه الاستراتيجية، التي مكّنت العراق من التحكّم سنوًّيًا خلال العشرية 1959-1950 في 28 مليار م 3 من مياه حوض دجلة والفرات 19(مليار م 3 فقط في الفترة)1949-194024 تُسَتَغلّ نسبة 90 في المئة منها في الأنشطة الزراعية
نستنتج مّم اتقدّم أنّ المشاريع المائية من سدود وقنوات تحويل وتهيئة أراٍضٍ للريّ، التي أ نجزت في العراق حتّى بداية ستينيات القرن الماضي، والتي مكّنته من التحكّم في الكمّيات المشار إليها في الفقرة السابقة، قد حصلت عندما لم يكن المشروع التركي لجنوب شرق الأناضول إلاّ مجرّد فكرة، ولم تشرع سورية بعُدُ في إنشاء سدودها الكبيرة، وبصفة خاصة سدّ الطبقة. تمثّل هذه الوضعيّة بالنسبة إلى العراق "حقوقًا مكتسبة" 25، رغم موقعه الجغرافي في سافلة حوض دجلة والفرات، ولا يمكن، في نظره، أن تتجاهلها دول العالية، أي تركيا وسورية، ويطالب باحترامها، دون أن يجد صدى لدى الأطراف الأخرى، وهذا وجه آخر من أوجه النزاع 26. وبعد شبه توقّف في الإنشاءات الجديدة في سبعينيات القرن الماضي، عاد العراق لإنشاء السدود الكبرى رغم ظروف الحرب مع إيران 1988-1982()، وقد نجد تفسيرًا لهذه العودة من خلال انطلاق سورية، وبالأحرى تركيا، في بناء سدود كبرى على دجلة والفرات، ورغبة العراق في إنشاء سدود تخزينية جديدة، تحسّبًا للتراجع المحتمل في إيراداته المائية. وفي أثناء هذه العشرية، بدأ العراق سنة 1981 في بناء سدّ حمرين على نهر ديالى في عالية سدّ ديالى الذي سبقه، وقرب مدينة بعقوبة، بطاقة تخزين تقارب 3.5 مليار م 3 لتوليد الطاقة والريّ. وفي سنة 1985 جرى إنشاء سدّ الفلوجة جنوب هذه المدينة على نهر الفرات لغرض تحويل المياه نحو عدد من الجداول التي تروي الأراضي المجاورة، تلاه سنة 1986 إنشاء سدّ الموصل على نهر دجلة على بعد 40 كلم من مدينة الموصل، بطاقة تخزينية تصل إلى 11.1 مليار م 3، ومن أغراضه الحماية من الفيضانات وتوليد الطاقة والريّ، وهو أكبر السدود العراقية اليوم. واهتمّ العراق في نهاية هذه العشريّة بإنشاء سدود في عالية سهل ما بين النهرين، خاصّة في منطقة الجزيرة، لزيادة التحكّم في السيلان والفيضانات، على غرار سدّ حديثة (أو القادسية) على نهر الفرات، وهو ثاني سدود العراق بطاقة تخزينية تصل إلى 8.2 مليارات م 3. وشهدت سنة 1988 إنشاء ثلاثة سدود كبرى إضافية، هي سدّ الكوفة للتحكّم في تصاريف نهر الفرات ولأغراض الريّ، وسّد الشاميّة لتنظيم تصاريف بحيرة الشامية المرتبطة بنهر الفرات، وسدّ دهوك على وادي دهوك لتخزين 52 مليون م 3. في المحصّلة، وفي نهاية هذه العشريّة، بلغت موارد العراق المائية سنة 1990 ما يزيد على 42.5 مليار م 327. لكنّ هذه الكميّة تضاءلت تدريجًّيًا بعد هذا التاريخ وإلى اليوم، نتيجة بناء تركيا مجموعة من السدود في أراضيها، في غياب أيّ تنسيق مع العراق، في الوقت الذي كانت فيه السدود ومنظومات الريّ وتحويل المياه العراقيّة المرتبطة بها موجودة وتشتغل. وقد تزامن ذلك في الحقيقة مع فترة شهد فيها العراق تتالي الأزمات السياسية واجتياح الكويت والحصار والغزو الأميركي، هي فترة تسعينيات القرن الماضي. ولئن مكّن الانفراج النسبي في مطلع القرن الحالي من إنجازات إضافية في العراق أهمّها سدّ العظيم في ديالى سنة 2000 1.5(مليار م 3) ومجموعة من السدود "الصغرى"، مثل سد بلكانة وسدّ شيرين وسدّ خاصة قرب كركوك سنة 2009 وما بعدها، فإنّ الإنجازات بقيت محدودة نسبًّيًا، ولم تمكّن العراق من تجنّب العجز المائي. وازدادت الوضعيّة تعقيدًا نتيجة ما أصاب العديد من المنشآت وشبكات الريّ وتوزيع المياه من تخريب نتيجة الحرب الأخيرة على تنظيم "الدولة الإسلامية." أمّا سورية فقد بدأت منذ 1968 أشغال بناء سدّ الفرات (ويسمّى أيضًا سدّ الطبقة أو سدّ الثورة) عند موقع الطبقة قرب مدينة الرقّة، وتواصلت حتّى سنة 1976، وهو أهمّ السدود السورية، برمج لتوليد الطاقة والحماية من الفيضانات والرّي 640000(هكتار) وتخزين المياه (حوالى 12 مليار م 3.) ثم أنشئ بعد ذلك سدّ البعث سنة 1988 في سافلة سدّ الطبقة للريّ وتوليد الطاقة وتنظيم جريان المياه المتدفّقة من سافلة سدّ الثورة، وله سعة تخزينية تقدّر ب 90 مليون م 3، ثمّ سدّ تشرين في عالية سدّ الطبقة سنة 1999 بقدرة تخزينية تصل إلى 1.9 مليار م 3، لتوليد الطاقة وتنظيم التصاريف. وفي الجزيرة السورية وعلى روافد الفرات (البليخ وخابور)، أنشأت سورية سدّ الباسل على نهر الخابور، وسدّي الحسكة الغربي والشرقي، إضافةً إلى العديد من السدود الصغرى، ليصل مجموع المياه المعبّأة من هذه الروافد حوالى 1 مليار م 3، ومجموع يقارب 14 مليار م 3 معبّأة من السدود المقامة على الفرات وروافده. وفي المحصّلة، وبالرغم مّم ا يوفّره نهر العاصي من موارد وما يقع استغلاله من مياه جوفية 28، تُعتبر سورية محظوظة نسبًّيًا فيما يتعلّق بالموارد المائيّة، حيث ترتبط بصفة أساسية بمياه نهر الفرات التي تأتيها من تركيا، في حين أنّ الأراضي السورية لا تُسهم إلاّ ب 4 في المئة من الإيرادات السنوية لهذا النهر، وتربطها اتفاقية مع العراق لتقاسم ما يأتيها من تركيا عبر الفرات، وقبل أن تنفذ تركيا مشروع جنوب شرق الأناضول، كان معدّل إيرادات الفرات عند دخوله الأراضي السورية حوالى 28 مليار
م 3، لكن بموجب اتفاقية 1987 المذكورة بين تركيا وسورية، لا تحصل هذه الأخيرة إلاّ على 500 م 3/ ثانية، أي 15.7 مليار م 3 / سنة، وهي كمية في تناقص مستمرّ. وتعود الدراسات والبرامج لإقامة السدود الكبرى في الفترة المعاصرة على دجلة والفرات في جزئهما التركي، من أجل تخزين المياه وتوليد الطاقة، إلى حقبة عشرينيات القرن الماضي، بعيد نشأة الدولة التركية، نظرًا إلى الإمكانيات المائية المتوافرة، التي تجعل منه أوّل حوض مائي (في جزئه التركي) في تركيا، وتضاريسه الجبليّة، التي تتيح مواقع متعدّدة لإنشاء السدود، وتوجّه الدولة التركيّة الناشئة (سنة 1923) نحو سياسة تنمية الاقتصاد وتحديثه. وُتُعدّ سنة 1975 سنةً حاسمة، إذ انتهت تركيا فيها من بناء سدّ كبان عند التقاء الفرَعَْي نالمكوّنين لنهر الفرات في عاليته (بدأت أشغال بنائه منذ سنة 1966)، والذي اعُتُِب ر عندئذ أكبر السدود التركيّة، حيث تقدّر سعته التخزينية القصوى بحوالى 30 مليار م 3 ووارده السنوي 19 مليار م 3. أدّت تعبئة بحيرة السدّ إلى أزمة سياسية كبيرة بين سورية والعراق، حيث تزامن ذلك مع قيام سورية بتعبئة بحيرة سدّ الطبقة سنة 1975، ما نجم عنه انخفاض الوارد المائي الداخل إلى العراق من نهر الفرات، وجرى تطويق الأزمة بوساطة سعودية. أطلقت تركيا بعد ذلك مشروعها المسمّى "مشروع شرق الأناضول" 29 على مساحة تقارب 75000 كم 2، الذي يحتوي على 13 مشروعًا مندمجًا 6(على دجلة و 7 على الفرات)، ويتضمّن إنشاء 21 سًّدًا كبيرًا و 19 محطّة كهرمائية، ويمكن عند إتمامه رّي 1.69 مليون هكتار من الأراضي الزراعية (مساحة تتطلّب 22 مليار م 3 سنوًّيًا)، وإنتاج 27 مليار كيلوواط ساعة من الكهرباء 30. بدأ هذا المشروع في بناء سدّ أتاتورك منذ سنة 1983، والذي بدأ مْلْؤه سنة 1991، بقدرة تخزين تصل إلى 48 مليار م 3، ما يجعله أكبر سدود تركيا ومن أكبر سدود العالم. ولقد أنجزت تركيا أيضًا شبكة من القنوات والأنفاق توصل مياه هذا السدّ إلى المساحات المَعَدّة للريّ. وعند الشروع في ملء خزّان هذا السدّ، أعلمت تركيا جارَتَْيْها أنّها ستقطع تدفّق مياه الفرات مدّة شهر كامل، ولم تِعِر المطالب العراقية والسورية بالتقليص من هذه المدّة أيّ اهتمام؛ نظرًا إلى الأضرار التي ستلحق بهما نتيجة ذلك، كانخفاض مستوى المياه في السدود إلى دون الحدّ المطلوب لتشغيل المحطّات الكهرومائية، وتناقص كمّيات المياه المخصّصة للرّي 31. وتواصل بعد ذلك بناء السدود على دجلة والفرات بوتيرة سريعة جًّدًا حتّى نهاية القرن العشرين، واستوجب الأمر تمويلات ضخمة جًّدًا أمّنت الدولة التركية أكبر جزء منها، نذكر منها سدود بيرجيك وقرقاميش وباطمان وكرزان. وتواصل إنشاء السدود الكبرى إبّان السنوات الأخيرة، أهمّها سدّ "أليسو" على نهر دجلة، على بعد حوالى 50 كلم من الحدود العراقيّة، و 45 كم من الحدود السوريّة. وقد بدأت تركيا في إنجازه سنة 2008، ومن أهداف هذا السدّ المعلنة، خزن أكثر من 11.4 مليار م 3 من المياه وتوليد 1200 ميكاواط، وغير المعلنة قطع المسالك الجبليّة أمام تحرّكات مقاتلي حزب العّم ال الكردستاني. وبعد تعطّل إنجاز السدّ عدّة مرّات طوال سنوات 32، بدأت تركيا في تموز/ يوليو 2019 في تخزين المياه في بحيرته التي تبلغ مساحتها 527 كلم 2، ما نجم عنه انخفاض تدفّق المياه نحو العراق من حوالى 600 م 3 / ثانية إلى 300 فقط. ويزداد الأمر خطورة بالنسبة إلى العراق عندما تنتهي تركيا من إنجاز سدّ آخر، هو سدّ جزرة، على بعد حوالى 40 كلم فقط من حدودها مع العراق، ومن المتوقّع أن يكون ذلك في حدود سنة 2024، وسينخفض آنذاك متوسط الدفق السنوي إلى حدود 119 م 3 / ثانية (معدّل الثلاثين سنة الماضية هو 553 م 3 / ثانية)، أي حوالى 4.6 مليارات م 3 / سنة فقط، وهذا يعني أنّ سدّ الموصل 11.1(مليار م 3) سيشهد أزمة حادّة، وقد
يصبح "خارج الخدمة" إبّان الفترة الجافّة من السنة 33. يتّضح، إذًا، أنّ احتجاجات سورية والعراق، منذ إنشاء سدّ كبان، مرورًا بإنشاء سدّ أتاتورك وبقية السدود في مشروع جنوب شرق الأناضول، وامتناع البنوك الأجنبية عن تمويل إنشاء سدّ أليسو، لم تثِنِ تركيا عن المضيّ قُدُمًا في تنفيذ مشروعها. ولا تقتصر الآثار السلبية للمشاريع المائية التركية على تناقص إيرادات دجلة والفرات سورية والعراق، بل تشمل أيضًا تملّح المياه نتيجة التبخّر من بحيرات السدود واختلاط مياه البزل بمياه الأنهار والتلوث الكيميائي الناجم عن الاستعمال المفرط أحيانًا للأسمدة. لقد وجدت المشاريع المائية الكبرى في تركيا دعمًاقوًّيًا من أعلى هرم السلطة، بصفة خاصّة من جانب سليمان ديميريل، الذي ترأس الحكومة سبع مرّات في الفترة 1991-1965، قبل أن يصبح رئيسًا للجمهورية في الفترة 2000-1993، خلفًا لتورغوت سها في الفترة أوزال الذي ترّأ 1993-1989. وقد اعتبر كلاهما أنّ لتركيا السيادة المطلقة على الأنهار الموجودة في أراضيها، واشتهر سليمان ديميريل بمقولات عديدة في هذا الصدد، عّب رعنها في مواقف رسمية أو في حملات انتخابية لا يتّسع المجال لذكر تفاصيلها 34. ونعتقد أنّ للتكوين الأكاديمي لهَذَْيْن الرجَلَْي ندورًا في فهم مبادراتهما في إدارة الموارد المائية، بما أنّهما متخصّصان في الهندسة الهيدروليكية والسدود والكهرباء 35. هذه "السياسة المائيّة" لتركيا هي في تقديرنا جزء من استراتيجية عامّة وُِجِد بعض جذورها في الحركة الإصلاحية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وتواصلت مع نشأة الدولة الحديثة 1923() والثورة الكماليّة، ومرّت بعدّة مراحل، آخرها تلك التي بدأت سنة 2002 مع وصول حزب "العدالة والتنمية" إلى السلطة. والقاسم المشترك بين مختلف المراحل هو بحث تركيا عن أداء دور إقليمي مهمّ. فبعيد الحرب العالمية الثانية، انضمّت تركيا إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو"، سنة 1952، وتمثّل دورها الإقليمي في "مراقبة" المدّ السوفياتي. بعد انتهاء الحرب الباردة، وبعد عشريّتين من الأزمات وعدم الاستقرار 36، تبنّت تركيا مشروعًا استراتيجًّيًا جديدًا، بداية من سنة 1980، خاصة إبّان الفترة التي توّل ى فيها تورغوت أوزال رئاسة الوزراء ثم رئاسة الجمهورية، يهدف إلى جعلها قوّة إقليميّة لا يمكن أن يتجاهلها الغرب في سياسته في الشرق الأوسط، وتقوم على دعامتين أساسيّتين: الأولى هي التحديث والقوّة الاقتصادية في إطار ليبرالي، خاصّة بعد وصول حزب "الوطن الأمّ" إلى السلطة، وانتهاج سياسة إدماج تركيا في الاقتصاد الأوروبي والدولي، وطلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي 37، وما مشروع جنوب شرق الأناضول إّل اجزء منه يعتمد على توظيف الموارد المائية لدجلة والفرات للمشاريع الزراعية المعتمدة على تقنيات الريّ الحديثة، التي هي ذات إنتاجية عالية وموجّهة للأسواق المحليّة والعالمية، إضافةً إلى إنتاج الطاقة الكهرمائية الكافية لحاجيات الصناعة والمدن والبنية التحتيّة، وكذلك المشاريع الاجتماعية، التي خُصّص بعضها لإعادة إيواء وإعادة توطين سكّان المناطق الجبلية، التي غمرتها مياه السدود المنشأة 38. أمّا الدعامة الثانية فتتمثّل في دعم الصناعات العسكريّة (خاصة بعد قرار الولايات المتحدة حظر بيع الأسلحة لتركيا في الفترة 1978-1975 إثر تدخّلها في قبرص)، بواسطة "صندوق الصناعة الدفاعيّة"، وقد اختصّت تركيا آنئذ في صناعة العربات المصفّحة والطائرات 39. ستبني تركيا على هذه الحصيلة الإيجابية لفترة حكم تورغوت أوزال، التي راوح في أثنائها معدّل النمو الاقتصادي بين 6 و 8 في المئة سنوًّيًا، وستحافظ في مطلع القرن الحالي على ثوابت مشروعها الاستراتيجي نفسها، مع بعض التعديلات التي تِبِعت وصول حزب "العدالة والتنمية" إلى السلطة سنة 2002، حيث سعت تركيا، بفضل ابتكارها "دبلوماسية القوّة الناهضة" 40، مع ظهور شخصيّتين فاعلتين هما الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان ووزير خارجيته أحمد داود أوغلو، لتصبح قوّة إقليمية في الشرق الأوسط ذات وزن سياسي واقتصادي، ولتحصل على موقع عالمي متميّز بصفتها "قوّة متوسطة صاعدة" 41. ومن الثوابت التي حافظت عليها في بداية
هذه الألفيّة، المضيّ قدمًا في سياستها المائية الهادفة لمزيد من التحكّم في مياه دجلة والفرات، بإنشاء المزيد من السدود العملاقة ومشاريع الريّ. ولا أدلّ على ذلك من أنّ "مشروع جنوب شرق الأناضول قد ساهم في إرساء طبقة من كبار المزارعين ومتوسطيهم، مرتبطة بالنظام ومشاريعه المائية وداعمة له سياسًّيًا" 42.
ثانيًا: المفاوضات والقانون الدولي
نظرية "حرب المياه" وطبيعة المفاوضات التركية - العراقية - السوريّة
شهدت تسعينيات القرن الماضي تواترًا كبيرًا لنظريّة "حرب المياه" في المنشورات الأكاديمية والمقالات الصحفيّة المهتمّة بالمسألة المائية في العالم، تلك الحرب التي يمكن أن تنشب في مناطق عديدة من العالم، في نهاية العقد المذكور وبداية القرن الحادي والعشرين، ورشّحت جلّها منطقة الشرق الأوسط لتكون أوّل منطقة معرّضة لمخاطر "حروب المياه." ونتّفق في هذا الصدد مع توصيف فريديريك جوليان 43، الذي يرى أنّ نظرية "حرب المياه" تندرج ضمن ما أسماه "الواقعيّة الهيدروسياسيّة"، في علاقتها بنظرية الواقعية السياسية في العلاقات الدوليّة 44. ولقد برّرت هذه المنشورات نظريّة "حرب المياه " بعدّة أسباب، منها ازدياد عدد سكّان المعمورة 2.5(مليار نسمة سنة 1950، 5.7 مليارات سنة 1997)، وازدياد الطلب على المياه العذبة واستهلاكها، وعدم التوازن في توزيعها الجغرافي، وارتباط العديد من البلدان بمنابع مياه موجودة خارج حدودها الجغرافية، وتعدّد الأزمات الناجمة عن شحّ المياه. وفي هذا الصدد كتبت جويس ستار سنة 1991 أنّ "الاستعلامات الأميركية اعتبرت، منذ 1985، أن المياه يمكن أن تكون محفّزًا لنزاعات مسلّحة في عشرة مواقع مختلفة من العالم، جلّها في الشرق الأوسط" 45، وفي السياق جاء تقرير لستيفن وولواين ضابط المخابرات الأميركي، استعرض فيه مختلف النزاعات على المياه في الشرق الأوسط سنة 1996، واستخلص أنّ "الجهة الأكثر عرضة لأن تكون محًا للصراعات (يستخدم عبارة Conflict) هي حوض دجلة والفرات" 46، بينما كَتَب جون كولي سنة 1984 أنّ "النزاع الدائم حول الماء كان السبب الرئيس لحرب 1967، ويمكن أن يؤدّي من جديد إلى حرب شاملة" 47. ويرى ليف أولسون أنّ "النزاعات حول المياه قد لا تكون السبب المباشر للحروب. لكن يمكن أن تسهم الأزمات الاجتماعية المرتبطة بشحّ المياه، في نشوبها" 48. واستخلص نبيل خليفة في دراسة له ما يلي: "إنّنا أمام حرب مقبلة علينا وهي من نوع جديد، إنّها حرب الرغيف، حرب المياه، وهي أشرس وأعنف وأكثر مشروعية من حروب البترول. إنّ الصراع على المياه في الشرق الأوسط سيكون المدخل لمعظم حروب العقد القادم" 49. وخلص الباحث محمد علي الجبوري إلى النتيجة نفسها عندما أكّد أنّ تحكّم تركيا في مياه دجلة والفرات "يعني عملًّيًا تصاعد احتمالات الصراع على المياه وخطر نشوب حرب بين تركيا وجيرانها العرب، أساسها أو سببها أو هدفها المياه" 50. وإضافة إلى المنشورات الأكاديمية والمقالات الصحفيّة
الُمُنِذِرة بحرب المياه، التي ذكرنا النزر القليل منها، عّب رمسؤولون دوليّون كبار عن موقف مشابه، حيث صرّح بطرس بطرس غالي الأمين العامّ للأمم المتحدة سنة 1985 أنّ "الحرب القادمة في الشرق الأوسط ستكون من أجل المياه، لا لأسباب سياسية"، وصرّح كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة أيضًا سنة 2001، أنّ" الصراع الحادّ حول المياه العذبة يمكن أن يتحوّل مستقبلًاإلى نزاعات وحروب"، وأعلن إسماعيل سراج الدين، نائب مدير البنك العالمي سنة 1999، أنّ "حروب القرن المقبل ستكون حروبًا من أجل المياه" 51. في هذا السياق، من المفيد في تقديرنا توضيح مفهوم "حرب المياه" من زاوية القانون الدولي المعمول به في فضّ النزاعات، ونَّتَفق مع ما أوردته لينا سلامة حول هذه المسألة 52، إذ تعتبر حرَبَ المياه نزاعًا مسلّحًا بين دولتين ذاَت يسيادة، بهدف التحكّم في الموارد المائية، ولا تدخل في هذا التعريف النزاعات المسلّحة بين أطراف داخل دولة واحدة، أو الحروب التي تنشأ عن نزاعات حدوديّة أو اقتصادية أو غيرها وتكون الموارد المائية جزءًا من النزاع. وإذا اعتمدنا هذا التعريف، فيمكن القول إنّ نظرية "حرب المياه" لم تجد تصديقًا على أرض الواقع 53، إذ بّي ناستقصاء قامت به جامعة أوريغون Oregon في الولايات المتحدة الأميركية لإحصاء حالات النزاع والاتفاقيات بين الدول امتدّت 60 سنة، ونشرتها في شكل قاعدة معلومات مفتوحة، أنه لم يسجّل أيّ إعلان حرب على المياه، بل إنّ حالات "التعاون" 600(معاهدة دولية حول المياه العذبة) بلغت ضعف "حالات التوتّر" 54. لكن، في المقابل، مثّلت مسألة التحكّم في مصادر المياه، بالنسبة إلى إسرائيل، أحد الأسباب الرئيسة الكامنة وراء حرب 1967، وأدّى بناء سدّ الطبقة في سورية، وبداية تعبئته سنة 1976-1975 (تزامن ذلك أيضًا مع بداية تعبئة سدّ كبان في تركيا)، إلى توتّر شديد في العلاقات السورية - العراقية 55 وصل إلى غلق الحدود البرية والمجال الجوي بينهما وحشد جيشيهما على الحدود على أهبة الحرب، التي مكّنت الوساطة السعودية من تجنّبها. ولم يجد النزاع بين الدولتين الحلّ إّل اسنة 1989 عند إبرامهما اتفاقية لتقاسم مياه الفرات. ثمّ جدّ توتّر شديد في العلاقات السورية - التركية، عندما استخدمت سورية مساندتها لتحرّكات حزب العّم ال الكردستاني على أراضيها ورقة ضغط على تركيا، وهدّدت هذه الأخيرة باجتياح الأراضي السورية عسكرًّيًا قبل إبرام اتفاقية سنة 1992. تؤكد هذه الأحداث ما ذهب إليه الباحث الحبيب العايب 56، الذي يعتبر أنّ ما أسماه "العقلانية الاقتصاديّة" تدفع لتغليب الرهانات الاقتصاديّة المرتبطة بالمياه على المخاطر الناجمة عن الدخول في مغامرة عسكرية من أجل المياه. وبالرغم من الاختلاف العميق في وجهات النظر حول الموارد المائية المشتركة 57، دخلت كلّ من تركيا والعراق وسورية في مفاوضات منذ بداية ستينيات القرن الماضي. ويورد الباحث ناجي علي حرج تفاصيل دقيقة عن سير مفاوضات اللجنة الفنية العراقية التركية، ويقول إنّ الجانب التركي "حوّل معظم هذه الاجتماعات إلى مناسبات لتبادل معلومات عامّة، إذ كان يرفض أو يعرقل أيّ محاولة لبحث جدّي في مشكلة المياه[...]وفي بعض الاجتماعات لم تتمكّن الأطراف حتى من الاتفاق على جدول الاجتماع بسبب إصرار الوفد التركي على عدم بحث قضايا جوهرية" 58. وقسّمت مروى داودي59 تلك المفاوضات، التي دارت على مستوى اللجان الفنية في الفترة 1993-1962، إلى أربع فترات، تمثّلت الأولى في مفاوضات ثنائية سوريّة - تركيّة 4(جولات في الفترة 1971-1962) وسوريّة - عراقية 13(جولة في الفترة 1974-1962) أفضت إلى تبادل المعلومات فقط. وشهدت الفترة الثانية مفاوضات ثلاثية 5(جولات في الفترة 1974-1972) إبّان
أزمة ملء سَّدَي كبان في تركيا والطبقة في سورية، في حين أنّ الفترة الثالثة 7(جولات) بدأت بمفاوضات ثنائية (تركيا والعراق)، وتواصلت ثلاثية (الفترة 1992-1982) وتزامنت مع مضيّ تركيا قدمًا في تنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول وتعبئة سدّي كركايا وأتاتورك، وأفضت إلى الاتفاقية التركية السورية لسنة 1987، التي جرى تأكيدها عند إبرام الاتفاقية الأمنية لسنة 1992، والاتفاقية السورية العراقية لسنة 1989 (تتقاسم بموجبها مياه الفرات بنسبة 58 في المئة للعراق و 42 في المئة لسورية.) أمّا الفترة الرابعة والأخيرة، فبدأت سنة 1993 16(جولة)، لكن سرعان ما توقّفت بسبب الخلافات العميقة حول ما إذا كان دجلة والفرات حوضًا واحدًا (موقف تركيا) أو حوضين (موقف سورية والعراق)، وحول طرق "الاستخدام" و"الإنصاف"، (تزامن ذلك مع فترة اجتماعات لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة التي سبقت المصادقة على اتفاقية نيويورك)، أو حول تبادل المعلومات الهيدرولوجية الكفيلة بتصوّر اتفاق حول اقتسام الموارد المائية، حيث تعدّدت طلبات التوضيح والإجابات من جانب كلّ طرف 60. في هذا الصدد، اقترحت تركيا رؤيتها للاستخدام المنِصِ ف، الذي يمرّ في نظرها عبر تقويم شامل للموارد المائية لدجلة والفرات معًا باعتبارهما حوضًا واحدًا، وتصنيف للَرُّتَب بحسب خصائصها وقابليّتها للريّ ومستوى تجهيزها بمعدّات تصريف مياه الريّ، وتقويم لأنظمة الإنتاج وتقنيات الريّ ونسبة فقدان المياه والاستهلاك الجملي، والهدف من ذلك، بحسب وجهة النظر التركية، هو اقتسام المياه بحسب المعايير المذكورة والحاجيات الحقيقية لكلّ بلد لتجنّب هدر الموارد 61. تهدف تركيا من وراء ذلك إلى أن تبّي نأنّ "من غير المنصف وغير المجدي اقتصادًّيًا، ريّ أراٍضٍ غير خصبة في سورية والعراق، على حساب أراٍضٍ خصبة في تركيا" 62. ويتبنّى العديد من البحوث الأكاديمية التركية هذا الموقف الرسمي حول "الانتفاع المنصف"، حيث نقرأ في أحدها أنّه "لا يعني اقتسام المياه مجرّد عملية حسابية، بل يقتضي تشجيع المبادرات، التي تؤدّي إلى النجاعة والاقتصاد في استعمال المياه، وهذا يتطلّب سلوك سياسة للتحكّم في العرض والطلب في الوقت نفسه، وهذا ما أتى به مشروع جنوب شرق الأناضول" 63. رفضت سورية والعراق هذا الموقف، وهذا الرفض يجد تبريره، في تقديرنا، في روح معاهدة نيويورك لسنة 1997، كما سنوضح في الفقرة التالية، التي لم تمنح أيّ امتيازات لدولة من دول الحوض، التي تمتلك أراضَيَ خصبة وتستخدم تقنيات ريّ متطوّرة، على حساب بقية دول الحوض بحجّة أنّ أراضيها أقلّ خصوبة وتقنياتها أقلّ تطوّرًا. وعلى الرغم من التباين الكبير في وجهات النظر، فإن الاتصالات لم تنقطع بين مختلف الأطراف، خاصّة إثر فترات الجفاف، كما حصل سنة 2008، عندما أبدت تركيا استعدادها لتوفير كميات إضافية من المياه لسورية والعراق لمجابهة أزمة الجفاف آنذاك، وقرّر الأطراف الثلاثة في السنة نفسها إنشاء هيكل بحثي واستشاري مهمّته إحصاء الموارد المائية المتوافرة لدى كلّ طرف والإجراءات المتّخذة لاستغلالها. وتواصل هذا النفس مع انعقاد "الملتقى العالمي الخامس للمياه" في إسطنبول سنة 2009، الذي شهد ميلاد "مبادرة الفرات ودجلة للتعاون"، وقد خصّص لها الملتقى ندوة كاملة 64. وشهد العقد الأوّل من القرن الحالي أيضًا تقاربًا كبيرًا بين سورية وتركيا أطلقت عليه جنى جبور 65 نعت "شهر العسل التركي - السوري"، تُِّوِج بتوقيع اتفاقية للتجارة الحرّة سنة 2007، وإحداث مجلس للتعاون الاستراتيجي برئاسة رئ س يوزراء البلدين سنة 2009، ثمّ اقترحت تركيا "إنشاء منطقة تجارة حرّة تجمع سورية ولبنان والأردن حول تركيا[...]وخلق منطقة يكون فيها التنقّل بواسطة تأشيرة دخول مشتركة" 66. شهد هذا العقد أيضًا تقاربًا مع العراق تُوّج سنة 2009 بإحداث "مجلس للتعاون الاستراتيجي." لكنّ عدم انقطاع الاتصالات لم يفِضِ إلى أيّ اتفاق ثلاثي لإدارة الموارد المائيّة، بل كنّا نشهد عند كلّ أزمة جفاف أو تراجٍعٍ في إمدادات دجلة والفرات نحو دول المصبّ تعالي الاحتجاجات الرسمية، دون نتائج ملموسة على أرض الواقع 67، وشهدت العلاقات السورية - التركية أيضًا توتّرًا ملحوظًا بعد 2011 امتدّ إلى اليوم.
تطوّر القانون الدولي للمياه العذبة وصعوبة توفيقه بين الأطراف
تجدر الإشارة إلى أنّ القانون الدولي المتعلّق بالمياه العذبة بقي في خطواته الأولى حتّى نهاية القرن الماضي. لكنّه سلك مسلكًا تطوّرًّيًا حسبما يتطلّبه التوفيق بين وجهات نظر شديدة التباين أحيانًا بين دول الحوض الواحد 68. ويوجد في العالم 276 حوضًا مائًّيًا عابرًا للحدود الدولية، تمسح 45 في المئة من الأراضي في العالم، ويعيش فيها 40 في المئة من سكّان الكرة الأرضية، وتمثّل 60 في المئة من المياه العالمية التي تجري في الأنهار 69، ويخلق ذلك ترابطًا بين الدول لا مفرّ لها منه. تستغلّ الدول المتشاطئة عددًا مهًّم امن تلك الأحواض بحسب اتفاقيات أبرمتها على إثر مفاوضات 70. وتتعدّد أيضًا حالات التوتّر والنزاع، وتزداد المسألة تعقيدًا، إذا تعلّق الأمر بدول ذات مناخ جافّ أو قاحل تكون الأنشطة الزراعية فيها مرتبطة بمياه الأنهار الدخيلة، التي تنبع من دول مجاورة ذات مناخ رطب، كما هو الأمر بالنسبة إلى نهَرَي دجلة والفرات. وتسهم عوامل عديدة في تزايد الطلب على المياه في هذه الدول، منها التزايد الديموغرافي، وتنامي الاستهلاك مع التحسّن المتواصل لمستوى العيش، وأهميّة القطاع الزراعي بوصفه أكبر مستهلك للمياه. ومن المفيد التعرّف في هذا الصدد على ما ورد في القانون الدولي لفضّ النزاعات بين الدول حول الموارد المائية العذبة. فقد صدّقت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في سنة 1997، على "اتفاقيّة قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحيّة"، المعروفة باسم "اتفاقية نيويورك" 71، وعرّفت هذه الاتفاقية المجرى المائي الدولي بأنّه "مجرى مائي تقع أجزاؤه في دول مختلفة"، ونصّت في المادة الرابعة منها على أنّه "يحقّ لكلّ دولة من دول المجرى المائي أن تشارك في التفاوض في أيّ اتفاق مجرى مائي"، على أنّ أهمّ ما جاء فيها، وهو على علاقة بإشكالية بحثنا، ورد في المادة الخامسة في فقرتيها الأولى والثانية، وينصّ على مبدأ "الإنصاف" في الانتفاع، و"المشاركة" في الاستخدام والتنمية والحماية للمجاري المائية المعنيّة 72، ويقتضي تطبيق المادّة الخامسة هذه، بحسب اتفاقية نيويورك، "أن تدخل دول المجرى المعنية في مشاورات بروح التعاون." ولقد حدّدت الاتفاقية شروط الانتفاع "المنصف والمعقول" بأن يأخذ في الاعتبار "العوامل الجغرافية والهيدروغرافية والهيدرولوجية والمناخية والإيكولوجية"، وكذلك "الحاجيات الاجتماعية والاقتصادية لدول المجرى، والسكّان الذين يعتمدون على المجرى المائي، وآثار الاستخدام"، وقد أكّدت أيضًا على أنّ سيادة دولة ما على المياه التي تسيل في أراضيها يجب أّل اُتُلحق أضرارًا بالدول الأخرى. ورد هذا التأكيد بكلّ وضوح في المادة السابعة: "تتّخذ دول المجرى المائي عند الانتفاع بمجرى مائي داخل أراضيها كلّ التدابير المناسبة للحيلولة دون التسبّب في ضرر ذي شأن لدول المجرى المائي الأخرى"، وهذا يعني، دون لبس، أنّ سيادة دولة ما على المياه، التي تسيل في أراضيها، يجب أّل اتحرم بقية الدول من السيادة نفسها، ويعني أيضًا أنّ المياه هي مورد طبيعي مشترك، واستغلالها في دولة ما يؤثّر بالضرورة في الدول المجاورة. يبدو، إذًا، أنّ روح اتفاقية نيويورك هي محاولة التوفيق بين متطلّبات سيادة كلّ دولة من دول مجرى مائي مشترك. لكنّها لم تتضمّن أيّ آليات إلزامية، بل دعت فقط إلى تسوية النزاعات بطرق تفاوضيّة وسلمية بين الأطراف المعنية أو بوساطة طرف ثالث 73. لقد بيّنت الأشغال والاجتماعات التحضيرية لاتفاقية نيويورك، التي دامت حوالى 25 سنة، اختلافات جوهرية في وجهات النظر بين الدول، لأنّ نزعة تقديم مبدأ "السيادة" على مبادئ أخرى مثل "الإنصاف" و"التعاون" كانت سائدة. وفي تقديرنا، أنّ هذه الاتفاقية جاءت بمبادئ مهمّة في القانون الدولي في مجال الموارد المائية المشتركة، مثل مبدأ "واجب التعاون" و"عدم إلحاق ضرر ذي شأن"
ومبدأ "الإنصاف"، تهدف في الحقيقة إلى الحدّ من مبدأ "السيادة المطلقة"، رغم صبغتها العامّة وقابليّتها لتأويلات مختلفة. وتبقى العلاقة بين "الانتفاع المنصف" و"عدم إلحاق ضرر ذي شأن" غير واضحة، ولا أدلّ على ذلك من التوتّر الدائم بين دول المجاري المائية المشتركة، حيث تتوقّف دول العالية عند المبدأ الأوّل، ودول السافلة عند المبدأ الثاني، وينطبق الأمر على وضعيّة دجلة والفرات. وقد ورد في المادّة 36 لاتفاقية نيويورك أنّ "نفاذ هذه الاتفاقية يبدأ في اليوم التسعين الذي يلي توقع الصكّ الخامس والثلاثين للتصديق أو القبول أو الموافقة أو الانضمام، لدى الأمين العامّ للأمم المتحدة"، وجرى ذلك في آب/ أغسطس 2014. لكن لم يمنع ذلك من اعتبارها "اتفاقًا إطارًّيًا" حتى قبل بداية نفاذها. وصدّقت 103 دول على اتفاقية نيويورك، مقابل امتناع 3 دول (هي تركيا والصين وبورندي) وتحفّظ 27 دولة (منها إسرائيل.) وفي تقديرنا، فإنّ عدم تصديق تركيا على اتفاقيّة نيويورك ليس موقفًا معزولًا، بل هو مرتبط برؤية تركيا لمكانتها في العلاقات الدولية بصفة عامّة ومنطقة الشرق الأوسط بصفة خاصّة، واستراتيجيتها المتعدّدة الجوانب لتحقيقها، التي يمثّل مبدأ "السيادة الكاملة" على المياه داخل أراضيها أ حدها. وقد وقع استنباط هذا المبدأ في الولايات المتحدة تحت تسمية "نظرية هارمون"، التي تفيد بأنّ "المبدأ الأساسي في القانون الدولي هو السيادة الكاملة لكلّ دولة على ترابها، مقابل كلّ الدول الأخرى" 74، وهذا ما تتبنّاه تركيا اليوم في موقفها من النزاع حول موارد دجلة والفرات مع العراق وسورية 75. وفي المحصّلة، فإنّ القوانين الدوليّة، مهما تعدّدت ومهما كانت تفاصيلها، لا تعدو أن تكون إطارًا عاًّمًا يحثّ الدول المعنية بالحوض المائي محلّ النزاع على الدخول في مفاوضات، باعتماد المبادئ المنصوص عليها في المعاهدات الدوليّة وخصوصيات الحوض المائي المنتمية إليه، لأنّ اختلاف خصائص الأحواض المائية المشتركة، من النواحي الطبيعية والبشريّة والتاريخية والسياسية وغيرها، يجعل أخذ مختلف تفاصيلها في الاعتبار، في صياغة القوانين الدولية أمرًا مستحيلًا. وترى مروى داودي أنّ القانون الدولي حول المياه المشتركة يمكن أن يصبح وسيلة للحدّ من "الهيمنة المائية" 76، التي تمارسها تركيا، لو أحسنت سورية والعراق استخدامه ورقة ضغط في المفاوضات، ضمن رؤية جديدة للموارد المائية واستعمالاتها، تقطع مع بعض الممارسات والمسَّلمَات السابقة.
ثالثًا: عناصر لرؤية جديدة ومستقبلية لإدارة الموارد المائية
خصوصيات الوضعية الراهنة لأطراف النزاع
لئن استطاعت سورية، في وقت ما، أن "تساوم" تركيا بلعب ورقة ضغط متمثّلة في دعمها لحزب العّم ال الكردستاني، مستغلّة أيضًا عدم استكمال مشروع جنوب شرق الأناضول، لتحصل من تركيا على توقيع معاهدة 1987 (التي تتعهّد تركيا بموجبها، كما ذكرنا، بضمان دفق 500 م 3 / ثانية من مياه الفرات نحو سورية)، واستطاعت حشد الدعم الدولي لتعطيل تمويل مشاريع سدود تركية، فإنّ الوضع تغّي ر اليوم، وبصفة جذرية، فسورية هي اليوم بصدد الخروج من فترة حروب وعدم استقرار، والنظام السوري في حالة وهٍنٍ ولا يسيطر على كامل ترابه، ثمّ إنّه لم يعد يملك ورقة الضغط التي كانت لديه 77. فقد شهدت العلاقات السورية - التركية تحوّلًاجذرًّيًا بعد الانتفاضة الشعبية سنة 2011 في سورية، حيث فتحت تركيا حدودها، ووفّرت المرور الآمن للمقاتلين ضدّ النظام السوري مثل جبهة النصرة، وقد نفّذ الجيش التركي أيضًا عمليات عسكرية مباشرة في الأراضي السورية (عملية "درع الفرات" سنة 2016، عملية "غصن الزيتون" سنة 2018، وعمليّة "نبع السلام" سنة 2019)، وبذلك حلّت الحلول العسكرية مكان سياسة التعاون والتقارب، التي سادت خلال العقد الأول من هذا القرن، والغرض من هذه السياسة الجديدة، بالنسبة إلى تركيا، هو إحكام السيطرة على الشريط الحدودي ومجابهة قوات "سوريا الديمقراطية"، التي يشكّلها الأكراد، وإعادة توطين جزء من اللاجئين السوريين في هذا الشريط الحدودي، لتغيير تركيبته الديموغرافية، والحيلولة دون قيام أيّ كيان كردي مستقل في شمال سورية، خشية
من "مفعول الدومينو" والتأثير التعاقبي عليها 78. ولم تغب المسألة المائية عن هذه الوضعية، حيث تزامنت العمليات العسكرية التركية في الأراضي السورية مع انقطاع مياه الشرب أو عدم انتظامها في العديد من مدن الشريط الحدودي مثل الحسكة ودير الزور والرقّة، وكذلك في مخيمات اللاجئين 79. وإلى جانب ذلك، تفيد تقارير عديدة80 بأنّ حصّة سورية من مياه الفرات 500(م 3 / ثانية بحسب معاهدة 1987 مع تركيا، كما ذكرنا)، قد انخفضت بصفة مستمرّة منذ 2012، تزامنًا مع أزمة النظام السوري، الذي أصبح عاجزًا عن ضمانها أمام تركيا، ووصل مخزون سدّ الطبقة عدّة مرّات إلى الحدّ الحرج أو ما يسمّى بالمخزون الميت الذي لا يمكّن من تشغيل توربينات توليد الطاقة، ما انعكس سلبيًا على تزويد المدن والأرياف بالكهرباء. ثمّ أدّى تراجع إيرادات الفرات إلى التخّل يعن الريّ في العديد من المناطق، خاصّة مع عدم قدرة المزارعين على التعويل على المياه الجوفية فقط، إمّا لمحدوديّتها وإمّا للقطع المتكرّر في الكهرباء، ما يمنع من تشغيل المضخّات، مع ما يتبع كلّ ذلك من أزمة اقتصادية واجتماعية أهمّ مظاهرها انخفاض المحاصيل وهجرة الريفّييّن. وليس العراق في وضع أفضل من سورية، حيث أدّى مضيّ تركيا قدمًا في إنجاز السدود على دجلة، وآخرها سدّ أليسو، إلى تراجع إمدادات نهر دجلة عند دخوله الأراضي العراقية بحوالى النصف، وتراجع المساحات المروية والإنتاج الزراعي، ومنعت الحكومة العراقية زراعة الأرز والذرة منذ سنة 2018 لكثرة استهلاكهما للمياه، على الرغم من مكانة الأرز (الشلب) في النظام الغذائي المحّلي، وحصل هذا المنع بصفة خاصّة في المحافظات الجنوبية. وليس مصادفة أن تشهد هذه الأخيرة احتجاجات اجتماعية كبيرة، خاصة في البصرة سنة 2018، ومدن أخرى أيضًا ذات أغلبية شيعية، ومن بين المطالب العديدة، التي رفعها المحتجّون، ضمان التزوّد بالماء والكهرباء. لكن، يرى بعض الباحثين أنّ حركة الاحتجاج بدأت بصفة عفوية منذ صيف 2015 في البصرة، ثمّ انتقلت بعد أيام إلى بغداد والعديد من المدن الأخرى، التي كانت "احتجاجًا على تردّي الخدمات وغياب طاقة الكهرباء، وتحوّلت بفعل الأوضاع العراقية إلى احتجاج على الفساد الإداري والمالي وعلى نظام المحاصصة الحزبية الضيّقة باسم الهويّات المذهبية والإثنيّة" 81. وإضافة إلى الأزمة السياسية التي دخل فيها العراق منذ 2003، فقد ألقت الأزمة الاقتصادية بظلالها، حيث انهارت أسعار النفط سنة 2014، وفي بلد ريعيّ مثل العراق، أدّى ذلك إلى مصاعب جمّة في الخزينة تفاقمت مع سقوط الموصل بيد تنظيم "داعش" سنة 2014، وتكاليف الحرب الطويلة لاسترجاعها سنة 2017، وما خلّفته من دمار، ونزوح مئات الآلاف من السكّان. وتتعرّض السدود العراقية أيضًا إلى مخاطر الإرهاب، حيث احتلّ تنظيم داعش بعضًا منها 82. فالوضع الداخلي في العراق، منذ بداية القرن إلى اليوم، سياسًّيًا واقتصادًّيًا واجتماعًّيًا، حيث أضحى تلازم الفساد مع المحاصصة حقيقة قائمة 83، لا يمنح هذا البلد القدرة الكافية على التفاوض مع تركيا حول الموارد المائية المشتركة، بل نعتقد أنّ تركيا استغلّت هذا الوضع الواِهِن الذي صار عليه العراق (وكذلك سورية) على الوجه الأمثل لها، وذلك باستكمال مشروع جنوب شرق الأناضول، بالرغم من أنّ الأناضول لا يمثّل أكثر من 30 في المئة من مواردها المائية المتجدّدة. لكنّه من أهمّ الأقاليم التركية في الإنتاج الزراعي (فواكه، خضروات، بقول وحبوب) باستعمال أحدث تقنيات الريّ. أمّا تركيا، فهي اليوم قوة اقتصادية على المستوى الإقليمي والعالمي، انتقل ناتجها الداخلي الخام من 201 مليار دولار سنة 2001 إلى 761 مليار دولار سنة 2019 84، تستثمر في إعادة إعمار العراق وفي مجال المحروقات، وتؤمّن جزءًا مهًّم امن واردات العراق وسورية بما في ذلك
وارداتهما الغذائيّة. وبالرغم من هذه المكانة الاقتصادية، بيّنت جنى جبور جوانب أخرى للوضع التركي منذ العقد الثاني من القرن الحالي، من خلال ما أسمته "حدود الدبلوماسية الناهضة وتناقضاتها"، وذلك بواسطة ردود فعلها أمام الثورات العربية، وسياستها في شرق المتوسّط، وما اعتبرته "تخطّيًا لقدراتها الذاتية وتباينًا بين طموحات القوّة الناهضة ومواردها" 85. وفي المحصّلة، نعتقد أنّه بات من الضروري اليوم، بالنسبة إلى العراق وسورية، البحث عن سبل جديدة لدعم موقفهما التفاوضي مع تركيا وتنمية قدراتهما الذاتية لذلك، ونطمح إلى المساهمة في بلورة هذه السبل في الفقرتين التاليتين.
من "اللجنة الفنية المشتركة" إلى "وكالة للحوض المائي"
دارت المفاوضات العراقية - السورية - التركية إبّان العقود الماضية على مستوى اللجنة الفنية المشتركة التي تضمّ خبراء وفنّيين من البلدان المعنية، ولئن أدّت إلى إبرام اتفاق سوري - تركي 1987() وسوري - عراقي 1989()، فإنّها لم تُْفْض إلى اتفاق نهائي، بحسب معايير اتفاقية نيويورك لسنة 1997. ويفيد العديد من الدراسات في العلاقات الدولية بأنّ الدول تكون عادة مستعدّة للتخّل يعن جزء من سيادتها لهيكل دولي إن كان ذلك سينعكس عليها إيجابًّيًا ويكون وسيلة تمكّنها من تحقيق مصالحها، وينطبق ذلك على الموارد المائية المشتركة 86. يمكن أن يأخذ هذا الهيكل تسمية "وكالة الحوض المائي" على غرار ما هو موجود في أحواض نهرية عديدة في العالم 87 لها صبغتها القانونية واستقلاليتها المالية، ويشارك في تمويلها مختلف الأطراف، فعلى سبيل المثال، تشترك في مياه حوض نهر السنغال أربع دول هي السنغال وموريتانيا ومالي وغينيا، وقد بادرت الثلاث الأول بإنشاء "هيئة تنمية حوض نهر السنغال" سنة 1972، وإلى جانب توقيع اتفاقية إنشائها، أ حِدِثت آليات للتعاون وأخذ القرار لتبادل المنافع والمصالح بين الدول، منها "مؤتمر رؤساء الدول والحكومات"، وهو هيئة إشراف عليا يُنتَخَب رئيسها بالتناوب؛ و"مجلس الوزراء"، وهو هيئة رقابية يُنتَخَب رئيسها بالتناوب؛ و"المفوّض السامي"، وهو سلطة تنفيذية؛ و"اللجنة الدائمة للمياه" وهي هيئة استشارية. تُتَّخَذ القرارات على مستوى رؤساء الدول والحكومات ومجالس الوزراء في كلّ دولة، وتتقاسم الدول تكاليف البنية التحتية (السدود ومحطّات توليد الطاقة)، التي هي ملكية مشتركة بينها. والتحقت غينيا بهذه الهيئة سنة 2006. يتّضح في تقديرنا ما لأهميّة الدفع السياسي القويّ من رؤساء الدول في مثل هذه الهيئات، من دوٍرٍ في تبديد عقلية الفرديّة والخوف من الخسائر المحتَمَلة وإرساء عقلية التعاون وتبادل المنافع بدلًامنها، وتبرز أيضًا حاجة نهَرَي دجلة والفرات إلى هيئة مماثلة تتجاوز مستوى اللجنة الفنية أو لجنة الخبراء، يمكن سورية والعراق المبادرة بإنشائها وهيكلتها، مع تعهّد أعلى هرم السلطة في البلدين بالتعاون، تكون مهمّتها المراقبة المشتركة لإمدادات المياه وتقاسم المعطيات، وإقامة مشاريع مشتركة للريّ، وتوليد الطاقة وتوزيعها، وتأمين التزوّد بالماء الصالح للشرب، والقيام بالمراقبة والتحذير من التلوّث ومخاطر الفيضانات بواسطة آليات مشتركة. وفي الظروف الحاليّة، التي يشهدها نهر الفرات، وفي ظلّ عدم تكافؤ القوى بين الدول المتشاركة في الحوض المائي، فإنّ الحلول لا تكون تقنية فقط، بتقاسم حسابي للموارد (كما حصل في اتفاقية 1987 بين تركيا وسورية، واتفاقية 1989 بين سورية والعراق)، بل أيضًا بالتفاوض المتواصل والتشاور في إطار مؤسّساتي من مستوى عاٍلٍ، وبدعم مباشر من أعلى هرم السلطة، بحسب ما يطرأ على الأحواض المائية من مؤثّرات ظرفيّة، مناخية أو بيئيّة أو غيرها. في تقديرنا، لا يمكن هذه الوكالة أن ترى النور، وأن تكتسب النجاعة المطلوبة ما لم تقم سورية والعراق ببناء استراتيجية مائيّة محليّة تقطع (بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى) مع العديد من الممارسات السابقة في إدارة الموارد المائيّة، وذلك نظرًا إلى الوضعيّة الحرجة التي يمرّان بها اليوم، وتبعيّتهما شبه المطلقة لإيرادات دجلة والفرات، وسياسة تركيا الرامية إلى إتمام مشروع جنوب شرق الأناضول، وما نجم وسينجم عن تراجع المنسوب الداخل إلى أراضيهما من انعكاسات سلبية على الزراعة والطاقة ومستوى تأمين المياه الصالحة للشرب 88. لقد اعتمدت الاستراتيجيات السابقة في سورية والعراق
منذ عدّة عقود على مبدأ أساسي هو التحكّم في العرض، عن طريق بناء السدود ومنشآت التخزين، للتحكّم في الموارد المائية المتاحة وتوظيفها لمختلف الأغراض، الزراعية بالدرجة الأولى (حوالى 80 في المئة من الموارد)، وبقية الأنشطة والقطاعات، وتزويد المدن والأرياف بالماء الصالح للشرب. أمّا اليوم، فلا بدّ من بناء استراتيجية جديدة تقوم على التحكّم في الطلب، عن طريق الاقتصاد في مياه الريّ والقطع مع مجانية المياه، وهي مسائل اعتبرها توني آلن من باب "الخطاب الممنوع" 89 في العديد من الدول التي تخشى ردود الأفعال، التي يمكن أن تصدر عن الفئات الاجتماعية الهشّة والمتضرّرة من تلك الإجراءات، وخاصة صغار المزارعين الذين لا يمتلكون الإمكانيات المادية لتجهيز أراضيهم بتقنيات الاقتصاد في مياه الريّ. إنّ التحديات التي تواجهها سورية والعراق اليوم في المسألة المائية، والتي لا ترتبط فقط بتراجع الكمّيات بل ترتبط أيضًا بالأمن الغذائي والسلم الاجتماعي، هي تحدّيات تفرض، في تقديرنا، تحديد رؤية وضبط استراتيجية للموارد المائية على المدى الطويل (سنة)2050 90، تكون بمنزلة خارطة طريق تؤمّن توفير القْدْر الُمُنِصِ ف، والاستعمال الأجدى للموارد المائية، والاستثمارات المَهَيكلة اللازمة، والإصلاحات المستوجبة في قطاع المياه. ويمكن أن يجري ذلك، في تقديرنا، على أربع مراحل أساسية، تتمثّل المرحلة الأولى في تشخيص دقيق للوضع المائي، عن طريق مقاربة مندمجة ومنظوميّة وشاملة 91، سنتبنّى في هذه الدراسة تعريفها ب "الإدارة المتكاملة للموارد المائية"، التي تعدّ الماء عنصرًا ضمن منظومة ذات مكوّنات عديدة (هيدرولوجية، زراعية، اجتماعية، اقتصادية، سياسية) ومتفاعلة، بالاعتماد على ما جرى جمُعُه من معطيات إحصائية ودراسات واستراتيجيات سابقة متعلّقة بمختلف أصناف الموارد (سطحية وجوفية وغير تقليدية) ومختلف استعمالاتها (الزراعية والصناعية والطاقيّة والماء الصالح للشرب)، ووضعية مختلف منشآت التعبئة (السدود) والتحويل والشبكات، وتأثيرها في المنظومة الطبيعية للنهرين (التعرية، والترسيب، والمناطق الرطبة)، ويجري كلّ ذلك في شكل منظومة معلومات جغرافية 92. يجري في ضوء هذا التشخيص، في مرحلة ثانية، إنجاز الدراسات الاستشرافية (الاستبصار) لكلّ قطاع مستعمل للمياه، واعتماد النمذجة 93 في توقّعات تطوّر الموازنة بين العرض والطلب المرتبطين بالموارد المائية، بواسطة مقاييس جغرافية مختلفة، من المحّل يإلى الجهوي (المحافظات) إلى مستوى كامل البلاد 94. تقوم الدراسة الاستشرافيّة بتحليل كلّ عنصر من عناصر المنظومة المائية والرهانات المرتبطة به 95، وضبط المعايير وترتيبها لبناء سيناريوهات تطوّر كلّ منها، قبل تصوّر سيناريوهات للمنظومة بأكملها، ثمّ اختيار أحدها. تلي ذلك مباشرة، بحسب السيناريو الذي وقع اختياره، مرحلة بلورة الرؤية إلى أفق سنة 2050، وهي المرحلة الثالثة، وتقوم على دعامتين أساسيتين. تتمثّل الأولى في حتمية انتهاج سياسة التحكّم في الطلب، مهما كان حجم إمدادات دجلة والفرات، ولا يتمّ ذلك من دون تقليص نسبة المياه المخصصة للقطاع الزراعي والعمل في الوقت نفسه على تحسين مردوديته، باعتماد التقنيات المقتصدة للمياه وتأهيل شبكات الريّ وتوزيع المياه لمزيد من النجاعة 96، وإنجاز تحّولّات عميقة في أنظمة الإنتاج الزراعي، بالمرور نحو الزراعات ذات القيمة المضافة العالية، بهدف تحسين كفاءة استخدام
المياه 97 وإنهاء العمل بصفة تدريجية بمجّانية المياه (مع إجراءات اجتماعية مصاحبة لدعم صغار المزارعين) وإعطاء الأولوية المطلقة لتزويد المدن والأرياف بالمياه الصالحة للشرب بصفة منتظمة. أمّا الدعامة الثانية فتتمثل في ضرورة المحافظة على الموارد المائية والُتبر من التدهور 98 الناجم عن التلوث (من الأنشطة الصناعية والمياه المستعملة الحضرية والزراعية) والتغدّق والتملّح 99، والتأقلم مع التغّي رات المناخية المنتظرة، بما سيصحبها من مخاطر، كارتفاع معّدلّات الحرارة وتذبذب إمدادات الأنهار والفيضانات الاستثنائية، وتحسين القدرة على تخطّي الأزمات الناجمة عن ذلك 100، وزيادة الاعتماد على تقنيات "حصاد المياه"، المتمثّلة في التحكّم في مياه السيلان الناجم عن الأمطار في بعض الأقاليم، وتوظيفها للفلاحة المطريّة أو للتغذية الاصطناعية للموائد الجوفية، ومعالجة مياه الصرف الزراعي لإعادة استعمالها. أخيرًا، تتمثّل المرحلة الرابعة في إعداد المخطّطات التطبيقيّة للاستراتيجية، على المدى القصير 2030() والمتوسط 2040() والبعيد 2050()، التي من بين مراميها تحقيق "الهدف السادس حول التنمية المستدامة لبرنامج الأمم المتحدة" 101. وبمقدور هيئة كالتي وصفناها في بداية هذه الفقرة، إن وُِجِدت، حشد المساندة الدولية عبر "الدبلوماسية المائية" لحثّ تركيا على التفاوض البنّاء، لأنّ "تدويل الصراع" على الموارد المائية، بين العراق وسورية من ناحية، وبينهما وبين تركيا من ناحية أخرى من شأنه دفع دول أخرى أو منّظمّات دوليّة 102 لاقتراح وساطتها. وقد لا تجد سورية اليوم، التي تعاني عزلة دبلوماسية شبه تامّة فرضتها عدّة دول فاعلة على نظام بشّار الأسد، أفضل من تلك الهيئة وسيلةً لإبلاغ مطالبها حول المياه المشتركة. ولا جدال، في تقديرنا، في أنّ هذه الاستراتيجية، إن وُِضِ عت وُطُِّبِقت، من شأنها تقوية ما يمكن تسميته ب "الجبهة الداخلية" لكلّ من سورية والعراق، قبل دخولهما في مفاوضات مع تركيا من باب جديد وبإمكانيات جديدة، بهدف التفاوض دون ضغط داخلي مرتبط بمشكلات التزوّد بالماء الصالح للشرب في المدن والأرياف، أو بالاستعمالات الأخرى للمياه، وما يمكن أن تُحِدِثه من احتجاجات اجتماعية، قد يصبح التحكّم فيها أمرًا صعبًا، أو قبل اللجوء إلى التحكيم الدولي لحلّ النزاع القائم.
دور "الدبلوماسية المائية"
ظهر مفهوم "الدبلوماسية المائية" في الدراسات المهتمّة بالمياه منذ عقدين تقريبًا، في ظروف شهدت تراجع نظرية "حرب المياه"، مع بقاء النزاعات الدولية حول الموارد المائية وتعقّدها بمؤثّرات التغّي رات المناخية والتوازنات السياسية الجديدة في الشرق الأوسط في الفترة نفسها. و"الدبلوماسية المائية" هي "آلية لبناء إدارة متكاملة للموارد المائية على المستوى الوطني والإقليمي، بحسب مبدأ التشاركية، بعيدًا عن المقاربة الأمنية أو السيادية المطلقة[...]فهي ترنو إلى بناء حوكمة جديدة وإلى أن تصبح آلية للوقاية والوساطة لحلّ النزاعات
حول المياه" 103. تبرز في هذا التعريف ثلاث دعائم تقوم عليها الدبلوماسية المائية، هي الوقاية من الأزمات والصراعات، والتشاركية، ومسؤولية المجتمع الدولي. وفي تقديرنا، في ظلّ ميزان القوى غير المتكافئ مع تركيا، يستطيع العراق وسورية الاستفادة من الدبلوماسية المائية النشيطة اليوم في أوروبا، للتوصّل إلى اتفاقات مع تركيا، تضمن لهما الانتفاع المنصف من الموارد المائية المشتركة. وتلائم الظروف الجيوسياسية الراهنة مختلف الأطراف (ولو بدرجات متفاوتة) للانخراط في مسار الدبلوماسية المائية والاستفادة من مخرجاته. ومن سمات هذه الظروف، أنّ سورية، منذ 2011، شهدت نزاعات مسلّحة بين النظام وفصائل معارضة مختلفة، مع وجود عسكري روسي وتركي، وهي وضعية أفقدت النظام سلطته على المناطق التي توجد فيها السدود، وكذلك على إمدادات دجلة والفرات نحو سورية. أمّا العراق اليوم فليس عراق زمن الحرب، إذ بعد انتهاء الحروب المدمّرة التي خاضها، وبعد قضائه على تنظيم الدولة الإسلامية، دخل مرحلة مهمّة جديدة من إعادة البناء، ويجد دعمًامًّهمًا من الولايات المتحدة الأميركية، وله علاقات متميزة مع قوة إقليمية أخرى هي إيران. أمّا تركيا، وبالرغم من أنّ دبلوماسيتها قد تبدو عدوانية ومناهضة للغرب (فيما يتعلّق بالرهانات الطاقية في شرق المتوسط مثلًا) ومناهضة لسورية والعراق (فيما يتعلّق بمياه دجلة والفرات)، فإنّ استراتيجيتها الرامية لجعلها قوّة إقليمية أساسية تبرّر سعيها لأن تصبح شريكًا اقتصادًّيًا مهًّم اللعراق في مرحلة إعادة البناء، ويمكن أن يصبح منافسًا إقليمًّيًا صريحًا لها في المستقبل. وفي هذا الصدد، نتّفق مع الرأي القائل إنّ "تركيا تبحث عن أدوار سياسية إقليمية لها، بيد أنّ أهدافها الأساسية تكمن في كيفية الاستفادة من بناء مصالح كبرى قوامها الاقتصادات والاستثمارات وتجارة الترانزيت والطاقة والأسواق... إلخ، ولا سّيمّا لدى الدول العربية التي للأتراك فيها مصالح حيوية مثل العراق وسورية" 104. وهذا ما يفرّسر، في نظرنا، قابليّة تركيا للانخراط في المبادرات الأوروبية العديدة في الدبلوماسية المائية، نذكر منها المبادرة التي أطلقتها سويسررا بواسطة إدارة التنمية والتعاون الرسمية التابعة لوزارة الشؤون الخارجية، أسمتها "السلام الأزرق"، تهدف إلى دفع شخصيات سياسية وإعلامية من دول مختلفة لتكوين شبكة للعمل من أجل الحوار السياسي والتقني للتعاون حول إدارة الموارد المائية المشتركة، واختارت منطقة الشرق الأوسط لتفعيل هذه "الدبلوماسية المائية"، كما أسمتها. في إطار هذه المبادرة، جرى تنظيم ثلاث ورشات عمل (في سويسررا وتركيا والأردن) بمشاركة خبراء وسياسيين من الشرق الأوسط (وزراء سابقون، برلمانيون وغيرهم)، ثمّ أنجزت سنة 2011 دراسة، بالتعاون مع مؤسسة هندية مختصّة 105 حول التكلفة الاقتصادية والعسكرية والبيئية للصراعات حول المياه بالشرق الأوسط، مقارنة بما يمكن أن يجنيه مختلف الأطراف من التعاون لحلّ مسألة تقاسم المياه، وانتهت الدراسة إلى أنّ الحلّ ليس تقنًّيًا فقط، بتقاسم حسابي لكمّيات المياه المشتركة، بل يجب أن يقوم على "رؤية سياسية شاملة عابرة للحدود تتضمّن أيضًا إجراءات الاقتصاد في المياه وتبادل المعلومات وإدارة الطلب والتوزيع ومعالجة المياه المستعملة." أنجزت هذه المبادرة أيضًا سنة 2015 تقريرين، الأول حول "فقدان الأمن المائي"، والثاني حول "الماء والعنف" في الشرق الأوسط 106. تحثّ هذه البحوث أصحاب القرار للتوصّل إلى حلول للنزاعات عبر التفاوض حول الموارد المائية المشتركة، وتفتح الطريق لبروز دبلوماسية مائية إقليميّة. ولا أدلّ على الصيت الدبلوماسي الذي تتمتّع به مبادرة "السلام الأزرق"، والذي يمكن أن تستفيد منه سورية والعراق لإبلاغ رؤيتهما في نزاعهما حول المياه مع تركيا، من أنّ المبادرة احتفلت بمرور عشر سنوات على انطلاقها، واختارت مكانًا رمزًّيًا لذلك، هو مجلس اللوردات البريطاني 107، ثمّ أثار مندوب سويسررا بتدخّله أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في اجتماعه المخصّص للنظر في آليات التوقّي من المخاطر الناجمة عن التغيرات المناخية، أنشطة مبادرة "السلام الأزرق"، مطالبًا المجلس باتخاذ مواقف استباقية لتفادي الأزمات 108.
خاتمة
توصّلنا في نهاية هذه الدراسة إلى أنّ النزاع حول الموارد المائية هو من العناصر الجوهرية في العلاقات بين تركيا من جهة والعراق وسورية من جهة أخرى، على الرغم مّم اشهدته وما يمكن أن تشهده العلاقات الاقتصادية والسياسية بينها من تطوّرات إيجابية. وخلصت الدراسة إلى تأكيد الفرضيات المطروحة في بدايتها، وذلك بواسطة أربع نتائج مهمّة تفيد النتيجة الأولى بأنّ المعطيات الجغرافية والهيدرولوجية، كما الظروف التاريخية لما بعد الحرب العالمية الأولى وللزمن الراهن، هي من المفاتيح المهمّة لقراءة أسباب هذا النزاع وتطوّرها، حيث سلك مختلف الأطراف سياسة مائية تهدف إلى إنشاء السدود وقنوات التحويل على دجلة والفرات، وإقامة المشاريع الزراعية المعتمدة على الريّ، كلّ على حدة. لكن مع أسبقية زمنيّة للعراق، وأنّ الاتفاقيات المبرمة بينها لم تحلّ مسألة تقاسم مياه دجلة والفرات بطريقة منصفة ودون إلحاق أيّ طرف الضرر بالأطراف الأخرى، بل سلكت تركيا سياسة الأمر الواقع والمناورة حتّى إتمام المشروع الضخم المسمّى "مشروع جنوب شرق الأناضول"، الذي يُعُّدُ من بين أكبر المشاريع المائية - الزراعية في العالم، مستغلّة عدم توازن القوى لفائدتها، لتكريس استراتيجيتها الرامية لتصبح قوّة إقليمية ذات وزن في العلاقات الدولية والصراعات القائمة في الشرق الأوسط، ووسيطًا لا يمكن الاستغناء عنه في نزاعات دولية بين دول قريبة جغرافًّيًا، والحرب الروسية الأوكرانية أحسن دليل على ذلك. وتفيد النتيجة الثانية بأنّ "حرب المياه" بين الدول الثلاث هي أمر مستبعد اليوم. وفي المقابل، فإنّ تأثير الأزمة المائية في سورية والعراق في وضعهما الاقتصادي واستقرارهما السياسي الداخلي لا يبدو كذلك، خاصة أنّ الجولات العديدة من المفاوضات الثنائية أو الثلاثية مع تركيا لم تُفض إلى انتفاع "منصف وعادل" كما تؤكّد على ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1997 حول استعمالات المجاري المائية الدولية للأغراض غير الملاحية، وهذا ما يبرّر، في نظرنا، الحاجة إلى بعث هيكل دولي يمكن أن يسمّى "وكالة الحوض المائي" على غرار ما هو موجود في العديد من الأحواض النهرية في العالم، ويمكن أن تبادر العراق وسورية إلى إحداثه بدعم من أعلى هرم السلطة، وتجري هيكلة هذه الوكالة من النواحي السياسية والإدارية والتقنية (في مستويات أخذ القرارات وتنفيذها)، وتكون مهمّتها المراقبة المشتركة لإمدادات المياه وإقامة مشاريع مشتركة لتعبئة المياه والريّ وتوليد الطاقة وتأمين التزود بالماء الصالح للشرب، ويمكن أن تلتحق بها تركيا إن لم تبادر مع العراق وسورية إلى إنشائها. ويبرز هنا دور "الدبلوماسية المائية" - وهي النتيجة الثالثة لهذه الدراسة - ومحصّلتها أنّ هيكلًارسمًّيًا مثل الوكالة التي سبق ذكرها يمكن أن يؤدي دورًا فعّ لًالحثّ تركيا على التفاوض البنّاء، وذلك بالحصول على دعم المنّظمّات الدولية العديدة المهتمة بإدارة الموارد المائية وفض النزاعات وتقريب وجهات النظر بين البلدان المتشاطئة للأحواض النهرية، لأنّ ميزان القوى غير المتكافئ بين العراق وسورية من ناحية، وتركيا من ناحية أخرى، يمكن أن يجعل من الدبلوماسية المائية آلية ناجعة لخلق إدارة مشتركة للموارد المائية، باعتماد مبدأ التشاركية والتفاوض، ونبذ المقاربات الأمنية أو السيادية المطلقة. وتقول النتيجة الرابعة إنّ الصراع حول الموارد المائية مع تركيا يجب أّل ا يحجب ضرورة أن تنجز سورية والعراق قطيعة على مستوى الإدارة المحلّية لمواردهما المائية، وذلك بتبنّي رؤية جديدة واستراتيجية للبحث في أهمّ مقوّماتها ومراحل إنجازها، تؤسّس لوعي مائي جديد وتهدف للتحكم في الطلب على المياه (خاصة في القطاع الزراعي)، مع ما يستوجبه ذلك من إجراءات على المستوى التقني والاقتصادي والمؤسساتي، والهدف من ذلك هو تحسين كفاءة استخدام المياه واعتماد التقنيات المقتصدة فيها والاهتمام أكثر بالزراعات ذات القيمة المضافة العالية، وأيضًا تقوية القدرات التفاوضية للعراق وسورية أمام تركيا. أخيرًا، نعتبر أنّ تناقص الإيرادات المائية وعدم قدرة العراق وسورية على مجابهتها على الوجه الأمثل، في غياب توافقات مع تركيا حول إدارة الأحواض المشتركة (عن طريق هيئة للحوض المائي مثلًا) وغياب استراتيجية على المدى الطويل للتحكّم في الطلب، يؤثّر مباشرة في القطاع الزراعي ويؤدّي إلى تراجع الإنتاج ومداخيل المزارعين، ويؤثّر أيضًا في الظروف الصحية للسكّان بصفة عامة، ويدفع الريفيين إلى الهجرة نحو المدن دون أن تكون هذه الأخيرة مهَّيَأة لاستيعابهم في ظروف جيدة، ما يعمّق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية وانعدام الأمن، خاصة مع غياب الدور التعديلي للدول أو ضعفه في مجابهة الأزمة الداخلية. إنّ إدارة النزاعات والتعاون هما جزء من إدارة الموارد المائية للأحواض المشتركة في معناها الواسع، ومن مصلحة الأطراف الثلاثة التعاون للتوصل إلى صيغة يقبلها الجميع لاستغلال مياه دجلة والفرات: من مصلحة تركيا عدم بناء مكانتها الإقليمية على تجاهل حقوق الدول المجاورة بسلوك سياسة مائية عدائية، خاصّة وأنّها ما زالت تضع ضمن أوّل أولوياتها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ولن
يكون ذلك ممكنًا قبل الاستجابة لمعايير كوبنهاغن 109، وسيكون الأمر صعبًا جًّدًا طالما بقيت لها نزاعات مع جيرانها، ومن مصلحة سورية والعراق التعاون لأنّ شحّ المياه يمكن أن يؤدّي إلى أزمات اجتماعية وحتى صراعات داخليّة بين أقاليم أو مجموعات عرقية أو طائفية. إنّ المستجدّات الحاليّة (كأزمة المياه في سورية والعراق ونتائجها على الأمن الغذائي للبلدين، وارتفاع أسعار النفط والغاز على المستوى العالمي وتأثيره في تركيا)، وتسارع تلك المستجدّات بسبب الحرب في أوكرانيا، تدعم، في تقديرنا، ضرورة أن ينزع العرب والأتراك إلى الاعتماد المتباَدَل (كالغاز والنفط مقابل إبرام اتفاق حول مياه دجلة والفرات) لأنّ ثمن الانفصال الممكن بينهما (كقطع أحدهما الطاقة/ المياه عن الآخر) سيكون باهظًا جًّدًا. وقد يكون "مؤتمر بغداد الدولي الأوّل للمياه" 2021() خطوة أولى نحو الاعتماد المتبادل المذكور، ستليها خطوات أخرى، حيث دعا رئيس الحكومة العراقية، مصطفى الكاظمي في كلمة ألقاها نيابة عنه وزير التخطيط العراقي "إلى العمل من أجل تحويل التحدّيات إلى فرص تسهم في المحافظة على المياه واستدامتها للمحافظة على حقوق الأجيال القادمة، [وطالب] بالعمل على تحقيق الإنصاف والمساواة في توزيع المياه"، وبحث المؤتمر في محاور عديدة تضمّنت التخطيط الاستراتيجي والإدارة المتكاملة للموارد المائية والأمن المائي والغذائي على المستويين الداخلي والخارجي وتحديات التأثير المناخي والتعاون الإقليمي والدولي للحدّ من نقص المياه 110. ونختم بالتأكيد، من وجهة نظرنا، على أنّ هناك ضرورة، من الناحية العلمية والأكاديمية، لدراسة مشروع جنوب شرق الأناضول في تركيا، لا من حيث تأثيره في الإيرادات المائية للعراق وسورية بوصفها عنصرًا من عناصر الصراع بين الدول المذكورة، كما حاولنا المساهمة في ذلك بهذه الدراسة، فحسب، بل أيضًا من زاوية أخرى مختلفة، تمكّن من التمعّن في مختلف عناصره التقنية والمالية، وفي السياسات والاستراتيجيات لدى مختلف الفاعلين فيه، وانعكاساته الاقتصادية والاجتماعية وتأثيراته في المجال الجغرافي التركي، ومدى استدامته وملامح الثورة الزراعية التي أحدثها في الأناضول، والتي أسهمت في جعل تركيا بلدًا من أهمّ مصدّري المواد الغذائية والفواكه (الأولية والمصنّعة) في العالم، ونحو بلدان الشرق الأوسط بالدرجة الأولى. ولهذا المشروع بالضرورة إيجابيات في الجوانب المذكورة، من المفيد التعرف عليها ودراستها والاستفادة منها لتصوّر سياسة جديدة لإدارة الموارد المائية، وتطبيقها، على الأقلّ في الأقاليم ذات الظروف الطبيعية المشابهة نوعًا ما للأناضول، مثل إقليم الجزيرة في العراق وسورية. إنّ حقوق العراق وسورية في المطالبة بالإنصاف في الانتفاع والمشاركة في الاستخدام لمياه دجلة والفرات مع تركيا هي حقوق لا جدال فيها، وتضمنها المعاهدات الدولية. ويجب أّل اتحجب ضرورة توظيٍفٍ أنجع لتلك الموارد في مختلف مجالات استعمالاتها. وفي سياق الحديث عن التاريخ الموازي بين العرب والأتراك، كتب سيّار الجميل: "علينا أن نعتني بصنع إيجابيات مستقبلنا أكثر من أن نعتني بسلبيات ماضينا" 111. وينطبق هذا القول في تقديرنا على سياسات إدارة الموارد المائية.
المراجع
العربية
الأمم المتحدة. اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا.) تقرير المياه والتنمية الثامن، أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالمياه في المنطقة العربية. بيروت في::2020. https://bit.ly/3T4u0wZ الأمم المتحدة، الجمعية العامة للأمم المتحدة. اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية. نيويورك: أيار/ مايو.1997 أوغلو، أحمد داود. العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية. ترجمة محمد جابر ثلجي وطارق عبد الجليل. مراجعة بشير نافع وبرهان كوروغلو. بيروت: الدار العربية للعلوم؛ الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات،.2010 باشاران، إزغي. تركيا والنزاع على الشرق الأوسط. ترجمة عماد شيحة. بيروت: دار الساقي،.2019 جبور، جنى. تركيا: دبلوماسية القوة الناهضة. ترجمة جان جبور. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 الجبوري، محمد علي محمد تميم. "المعضلة المائية بين تركيا والجوار المستقبل العربي. العدد الجغرافي العربي." 419.)2014(الجميل، سيّار. العثمنة الجديدة: القطيعة في التاريخ الموازي بين العرب والأتراك. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 ________. العرب والأتراك: الانبعاث والتحديث: من العثمنة إلى العلمنة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1997 خليفة، نبيل. "مياه الشرق الأوسط وحروب العقد القادم." مجلّة الوحدة. العدد).1991(76 روبنس، فيليب. تركيا والشرق الأوسط. ترجمة ميخائيل نجم خوري. ليماسول، قبرص: دار قرطبة للنشر والتوثيق والأبحاث،.1993 أتاتورك وحلفاؤه. بيروت: دار الكلمة للنشر الزين، مصطفى.،.1982 سالم، ماجد صدام. "أثر الإرهاب على الأمن المائي العراقي: بحث في مجلّة أبحاث ميسان. مج الجغرافيا السياسية." 11، العدد 22 سعد، راجي. "هل سيموت الفرات ودجلة في العام 2040 سرجيل؟.". 2020/9/16 في https://bit.ly/3T9zIh8:. العادلي، صبحي أحمد زهير. النهر الدولي: المفهوم والواقع في بعض أنهار المشرق العربي. سلسلة أطروحات الدكتوراه 63. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2007 العباسي، ريان ذنون. "سليمان ديميريل ودوره في تنمية مشاريع المياه مجلة التربية والعلم. مج التركية." 17، العدد 1.)2010(عبد الجبار، فالح. "حركات الاحتجاج العراقية، من سياسة الهوية إلى سياسة القضايا." مركز الشرق الأوسط. 2018/6/25. في: https://bit.ly/46G3oWi العرب وتركيا: تحدّيات الحاضر ورهانات المستقبل. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 علي، عبد المنعم هادي. "سدّ أليسو وتأثيره على الوارد المائي الداخل للعراق." مجلّة كلية التربية الأساسية للعلوم التربوية والإنسانية. العدد).2017(32 محفوض، عقيل سعيد. السياسة الخارجية التركية: الاستمرارية - التغيير. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012
الأجنبية
Agence Internationale de l'Energie AIE. "La Situation Énergétique en Turquie." Connaissance des Energies Newsletter. 15/3/2021. at: https://bit.ly/3T7RMbq Allan, Tony. "IWRM/ IWRAM: A New Sanctionned Discourse." Occasional Paper 50. School of Oriental and Africain Studies/ King's College. 2003. Ayeb, Habib. L'eau au Proche-Orient: La guerre de l'eau n'aura pas lieu. Paris: Karthala - CEDEJ, 1998. Banque Mondiale. Données PIB US dollars courants. at: https://bit.ly/47FxgmG Bethemont, Jacques. Les grands fleuves, entre nature et société. Paris: Armand Colin, 1999.
Braudel, Fernand. La Méditerranée et le Monde Méditerranéen à l'époque de Philippe II. Paris: Armand Colin, 1949. "Crise de l'eau en Syrie." Comité International at: Rouge. Croix la de https://www.icrc.org/fr/document/crise-eau-syrie Confédération Suisse. Direction du Développement et de la Coopération Internationale, Global Brief. "L'eau au service de la paix." 2014. Cooley, John. "The War Over Water." Foreign Policy. no. 54 (1984). Daoudy, Marwa. "Hydro-Hegemony and International Water Law: Laying Claims to Water Rights." Water Policy. no. 2 (2008). _________. Le partage des eaux entre la Syrie, l'Irak et la Turquie, négociations, sécurité et asymétrie des pouvoirs. Paris: CNRS Éditions, 2005. De Vaumas, Etienne. "Etudes Irakiennes, deuxième série, le contrôle et l'utilisation des eaux du Tigre et de l'Euphrate." Revue de Géographie Alpine. vol. 46, no. 2 (1958). FAO. Counting the Cost: Agriculture in Syria After Six Years of Crisis. 2017. at: https://bit.ly/3T1KOVk ________. "Systematic Index of International Water Treaties." Legislative study. no. 15 (1978). at: https://bit.ly/3uJ1jeQ Global Water Partnership. "Manuel de gestion intégrée des ressources en eau par bassin." 2009. Jongerden, Jost. "Dams and Politics in Turkey: Utilizing Water, Developing Conflicts." Middle East Policy. no. 17 (2010). Julien, Frédéric. "L'eau dans les relations internationales: La guerre ou la paix? D'un déterminisme à l'autre." Congrès de l'Association Française des Sciences Politiques. 2009. Kibaröglu, Aysegül & Olcay Unver. "An Institutional Framework for Facilitation Cooperation in the Euphrates-Tigris River Basin." International Negotiation. 2000. Kieser, Hans-Lucas. "Massacre de Dersim." SciencePo. Mass Violence and Resistance. July 2011. at: https://bit.ly/3GnMIrO Kramer, Annika et al. "Gérer Conflits et concertation dans le domaine de l'eau." Planète Science. vol. 11, no. 1 (2013). Lasserre, Frédéric. "Le Prochain Siècle Sera-t-il Celui des Guerres de l'Eau." Revue Internationale et Stratégique. no. 33 (1999). Mutin, Georges. "Le Tigre et l'Euphrate de la discorde." Archives Ouvertes (2007). Nations Unies Conseil de Sécurité. 8451E séance. "Plaidoyer pour un rôle renforcé du Conseil de Sécurité et de l'ONU dans la prévention des conflits liés aux catastrophes climatiques." 25 Janvier 2019. at: https://bit.ly/47WFu9W Nations Unies. Collection Traités. Convention sur la protection et l'utilisation des cours d'eau transfrontaliers et des lacs internationaux. Helsinki: 1992. at: https://bit.ly/3Ncm2hk Ohlsson, Leif. "Livelihood Conflicts: Linking Poverty and Environment as Cases of Conflict." Swedish International Development Agency (2000). Oregon State University. College of Earth. Ocean and Atmospheric Sciences. Program in Water Conflict Management and Transformation. International Fresh Water Treaties Database. at: https://bit.ly/3taBDam Programme des Nations Unies pour le Développement PNUD. Rapport sur les objectifs de développement durable. (2021). at: http://tinyurl.com/ytwkkhyp
Salamé, Léna. "La crise de l'eau ou la perpétuelle gestion des conflits." Annales des Mines-Responsabilité et Environnement. no. 86 (2017). Sénat de France. "Hydrodiplomatie et changement climatique pour la paix en Mésopotamie: Cas du bassin du Tigre et de l'Euphrate. Note de concept." 2018. at: https://bit.ly/3T8P5GG Starr, Joyce. "Water Wars." Foreign Policy. no. 82 (1991). Strategic Foresight Group. "Blue Peace Decade Conference." Blue Peace Bulletin. vol. 15 (2020). at: https://bit.ly/41dghWz ________. The Hydro-Insecure: Crisis of Survival in the Middle East. 2014. at: https://bit.ly/3T605o0 ________. Water and Violence: Crisis of Survival in the Middle East. Mumbai: December 2014. at: https://bit.ly/3RrAMf2 ________. Water Cooperation Quotient. 2015. at: https://bit.ly/3Na86o6 Warner, Jeroen. "The Struggle Over Turkey's Ilisu Dam: Domestic and International Security Linkages." International Environmental Agreements: Politics, Law and Economics. vol. 12 (2012). Woolwine, Major Stephen M. Water and Conflict in the Middle East. Military Intelligence, School of Advanced Military Studies. United States Army Command and General Staff College, Fort Leavenworth. Kansas (1996). World Water Council. "Bridging Divides for Water." 5 eme Forum Mondial de l'eau, Istanbul. 2009. at: https://bit.ly/415shJz