"القرن الأفريقي عمقًا استراتيجيًا خليجيًا"

Khaled Torki Alkhaldi خالد تركي الخالدي |

عنوان الكتاب: القرن الأفريقي عمقًا استراتيجيًا خليجيًا. المؤلف: مدوخ عجمي العتيبي. سنة النشر:.2021 الناشر: الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات. عدد الصفحات:.230

"The Horn of Africa: A Gulf Strategic Depth"

مقدمة

بقيت منطقة القرن الأفريقي، على مدار العقود الماضية، بؤرة للصراعات الداخلية والخارجية، وساحة للاشتباكات والحروب الدامية، وميدانًا للمآسي والمجاعات، وذلك بسبب التوترات الاجتماعية القبلية وتمييع الحدود السياسية التي أدّت إلى خلخلة البنى الاجتماعية فيها واستفحال الحروب البينية، مثل حرب الاستقلال الإرتيرية 1991-1961()، وحرب الحدود الإثيوبية الصومالية 1982()، والحرب الإرتيرية - الإثيوبية 2000-1998()، إضافة إلى الحروب الداخلية الأهلية، مثل الحرب الأهلية الإثيوبية 1991-1974() والحرب الأهلية الصومالية -1991(الآن) والحرب الأهلية الإثيوبية.)-2020(الآن أدى موقع القرن الأفريقي الجيوسياسي، الُمُطلّ على مضيق باب المندب الذي صار ممًّرًا مائيًا مهمًاعقب افتتاح قناة السويس في عام 1889، حيث تمرّ عبره 12 في المئة من التجارة العالمية، إلى تحوّله إلى مسررح لتدخلات القوى الدولية التي سبق أن بسطت سيطرتها عليه أكثر من مرة خلال الحقبة الكولونيالية، بدءًا من البرتغاليين، مرورًا بالإيطاليين والفرنسيين، وصولًاإلى البريطانيين. في هذا السياق، يتناول هذا الكتاب العلاقة بين دول منظمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية ودول القرن الأفريقي، من الناحية السياسية والاقتصادية، إضافة إلى النواحي التاريخية والثقافية واللغوية والدينية، منطلقًا من افتراض رئيس مفاده أن دول القرن الأفريقي قد تتحوّل إلى عمق استراتيجي مهم لمنطقة الخليج العربي، سواء من حيث المعطيات الجيوسياسية والصلات التاريخية الثقافية المشتركة، أم من ناحية المصالح المشتركة القائمة على السعي للأمن والاستقرار وتعزيزهما، فضلًاعن زيادة حجم الاستثمارات الاقتصادية. وُيُغطي الكتاب الفترة بين عامي 2001 و 2018، أي الفترة التي ازداد فيها نشاط دول الخليج العربية في القرن الأفريقي على نحو ملحوظ. يقدم الكتاب إطارًا نظريًا ومفهوميًا للعلاقات بين دول الخليج العربي ودول القرن الأفريقي؛ إذ يستشهد بمقاربات نظرية في حقل العلاقات الدولية، يُحاجّ في أنها مفسررة لهذه العلاقات، وتشمل الواقعية والليبرالية والبنائية. وقد بُني الكتاب على مفهوم محوري، هو مفهوم "العمق الاستراتيجي" الذي استلهمه المؤلف من الباحث والسياسي التركي أحمد داود أوغلو، في كتابه العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية1، إضافة إلى استفادته من مقاربة العلاقات الأفريقية - العربية التي صاغها علي الأمين المزروعي 2. قسّم العتيبي كتابه أربعة فصول وخاتمة؛ يتناول الفصل الأول المعطيات الثابتة بين القرن الأفريقي والخليج العربي وفق مبدأ العمق الاستراتيجي، حيث بحث فيه الأبعاد الجغرافية والتاريخية والجيوسياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية واللغوية بين الإقليمين. في حين يتناول الفصل الثاني الإرادة السياسية الخليجية تجاه القرن الأفريقي، ويناقش فيه الرؤية الخليجية تجاه الصراعات في المنطقة وتسويتها، وتعزيز الأمن الاجتماعي، والاتفاقيات الاستثمارية والتبادل التجاري. أما في الفصل الثالث، فيتناول المؤلف التصوّرات الذهنية لدى صنّاع القرار من النخب السياسية في القرن الأفريقي، لدور دول الخليج في حلّ الخلافات والصراعات بين دول القرن الأفريقي، إضافة إلى تصوّراتهم الذهنية للعمل الإنساني والاتفاقيات الاستثمارية والاقتصادية الخليجية. ويقدم العتيبي تحليلًاكيفيًا لمجموعة من المقابلات والاستبيانات التي استهدف بها النخب السياسية والأكاديمية في المنطقة، من خلال عيّنة إحصائية مكوّنة من 200 مستجيب، يمكن اعتبارها مصدرًا ثريًا وواعدًا للباحثين مستقبلًافي شؤون القرن الأفريقي والخليج العربي. في الفصل الرابع، ينتقل العتيبي من المجال النظري إلى المجال التطبيقي، ليناقش كيفية بناء عمق استراتيجي خليجي في منطقة القرن الأفريقي. وهذا الفصل قائم على الحقائق التي أكدها الباحث في الفصول الأولى حول الأهمية الجيوستراتيجية لهذه المنطقة، إضافة إلى الحقائق المتعلّقة بمجموعة من العوامل الثابتة والمتغيرة، مثل الجغرافيا والتاريخ والحضارة. ثم يناقش الممهّدات الاستراتيجية والنموذج التصوري للعمق الاستراتيجي الخليجي الذي ينظر إليه الباحث في هذه المنطقة نفسها. أما في خاتمة الكتاب، فيؤكد العتيبي أن منطقة القرن الأفريقي تحظى فعلًابمقوّمات العمق الاستراتيجي الخليجي، وأن لدى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إرادة سياسية فعالة للتعامل مع القضايا الحيوية، ونجحت في أن تكون شريكًا أساسيًا في بعض مناطق دول القرن الأفريقي، فضلًاعن استثماراتها في تلك البلدان،

  1. ينظر: أحمد داود أوغلو،  1 العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، ترجمة محمد جابر ثلجي وطارق عبد الجليل (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات،.)2010
  2. Ali A. Mazrui, "Afrabia: Africa and the Arabs in the New World Order," Ufahamu: Journal of the African Activist Association , vol. 20, no. 3 (1992), pp. 51-62.

على الرغم من أن حجم هذه الاستثمارات لا يزال ضئيلًا، مقارنة بقدرات صناديقها المالية، مفسحًا المجال عبر دراسته هذه للباحثين مستقبلًافي علاقات الخليج العربي بمحيطه الإقليمي، ليبنوا على ما بدأه من بحث.

أولًا: تاريخ مشترك وسواحل متقابلة وأعراق مختلفة

يرى العتيبي أن ثمة معطيات ثابتةً في العلاقة بين دول الخليج العربي ودول القرن الأفريقي، هي الأبعاد الجغرافية والتاريخية والحضارية. وُتُعدّ دراسة تفاعل هذه الأبعاد بمنزلة اختبار لفرضية المعطيات الثابتة في مفهوم أوغلو للعمق الاستراتيجي الذي يقوم عليه الكتاب كما يشير إلى ذلك عنوانه، وكما يؤكد العتيبي في مقدمته. وهو يقدم سردًا تاريخيًا متماسكًا عن المحددات الجغرافية والتاريخية التي تجمع بين الإقليَميَن، لكنه يؤكد قبل أن يقدم هذا السررد أهمية فهم هذه المحددات في ضوء مقاربات العلاقات الدولية؛ إذ يقول: "لا يمكن فهم وتفسير سير العلاقات الدولية من دون اللجوء إلى النواحي الجغرافية والتاريخية والحضارية والاقتصادية بين المناطق المختلفة التي تساعد على تفسير الأحداث السياسية" (ص. 29) يُحاجّ العتيبي بأن القرب الجغرافي بين إقليَمَي الخليج العربي والقرن الأفريقي أسهم في انتقال المؤثرات العربية منذ مرحلة ما قبل الإسلام وبعدها إلى أواسط القارة الأفريقية ودواخلها عبر ساحل أفريقيا الشرقي، ما أسهم في توثيق الروابط بين شعوب الخليج والجزيرة العربية، وبين شعوب شرق أفريقيا، ويمكن ملاحظة هذه الآثار بوضوح في ساحل زنجبار الذي شكل محطة تجارية رئيسة للبلدان العربية (ص. 30) يستشهد العتيبي بآراء مؤرخين وباحثين في الدراسات الأفريقية - العربية، ليذكّر بالافتراض القائل إن شبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا كانتا رقعة جغرافية واحدة حتى انفلقت القشرة الأرضية، مكوّنة البحر الأحمر الذي فصل بينهما، لكن هذا البحر، كما يقول الباحث، لم يكن عائقًا أمام استمرار التواصل البشري بين ساحليه (ص. 30-31) وساهمت ظاهرة الرياح الموسمية التي تعرف باسم "المانسون"، في سواحل المحيط الهندي العربية والأفريقية، في الربط بين ساحل أفريقيا الشرقي وأجزاء من آسيا، ولا سيما سواحل الخليج العربي وجنوب اليمن، وتكوين نقاط تواصل مهمة بين هذه المناطق؛ إذ تهبّ الرياح الموسمية من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي في فترة زمنية محددة، استفاد منها المّل احون العرب، وهو ما أنتج حراكًا سكانًّيًا ونزوحًا موسمًّيًا ترك أثرًا بيّنًا في التكوين البشري والثقافي لساحل أفريقيا الشرقي منذ بداية التقويم الميلادي (ص. 31) يتتبع الباحث تاريخ العلاقات بين شبه الجزيرة العربية والخليج العربي، والقرن الأفريقي، منذ مرحلة ما قبل الإسلام، عارضًا تطوّر الهجرات المتبادلة والعلاقات السياسية في مرحلة ما قبل الإسلام، وفي صدره، ومستشهدًا بحادثة احتكام القبائل العربية في الجاهلية إلى حكّام الحبشة لفض النزاعات التي تدور بينها، إضافة إلى حادثة هجرة صحابة النبي محمد إلى الحبشة بعد اشتداد أذى قريش لهم، وحادثة طلب حكّام مقديشو وشيوخها ورؤساء قبائلها النجدة من سلطان عمُان، صاحب أقوى بحرية في مياه البحار الشرقية آنذاك، بسبب تزايد الضغط البرتغالي على مقديشو. ووجود ظاهرة التزاوج والامتزاج العرقي بين العرب والأفريقيين، والتداخل والتشابه اللغوي بين الشعوب الناطقة باللّغات الحامية والكوشية، والشعوب الناطقة باللغات السامية، مثل العرب والأمهرة والتيغراي؛ فضلًاعن التواصل الديني عبر المنطقتين؛ إذ انتقلت الأديان السماوية الثلاثة إلى أفريقيا عبر الجزيرة العربية، وأثّرت في ملامح منطقة القرن الأفريقي الحضارية (ص. 31-35) تشغل أفكار المفكر الكيني ذي الأصول العربية، علي المزروعي، ومفهومه لما يسمى "أفرابيا"، موقعًا مهمًافي دراسة العتيبي؛ إذ يشير إليها بصفتها نموذجًا نظريًا لتطوير علاقات الخليج العربي بالقرن الأفريقي، خصوصًا أنها تقوم على المرتكزات نفسها التي يقوم عليها مبدأ "العمق الاستراتيجي"، وهي الجغرافيا والتاريخ والعوامل الاجتماعية (ص. 38-40) يُحاجّ العتيبي في أن العامَليَن الثقافي واللغوي من أهم عوامل القوة الناعمة  3 في "مشروع العمق الاستراتيجي الخليجي في منطقة القرن الأفريقي"، مستشهدًا بالتشابه الديني والتداخل اللغوي وتأثير الأدب العربي في الثقافة الأفريقية عبر عدد من القصص والأمثال الشعبية (ص. 53-55) يحظى الاستشهاد بالتاريخ واستحضاره بدرجة كبيرة من الأهمية في دراسة العلاقات الدولية، فيتوسع العتيبي على نحو لافت في العودة إلى التاريخ البعيد للعلاقات بين الجزيرة العربية والخليج العربي والقرن الأفريقي، ساردًا قصة زيارات العرب الأوائل إلى بلاد الحبشة، في حين لا يركز كثيرًا على التاريخ القريب، السياسي والاقتصادي،

  1. 3  بات هذا المفهوم رائجًا الآن في دراسة السياسات الخارجية لدول منطقة الخليج العربي، خاصة الدول الصغرى منها. ويمكن أن يشكل في المستقبل محركًا رئيسًا لدراسة العلاقات بين منطقة الخليج العربي ومنطقة القرن الأفريقي. عن مفهوم القوة الناعمة ونظريتها. ينظر: جوزيف ناي، القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسات الدولية، ترجمة محمد توفيق البجيرمي (الرياض: مكتبة العبيكان،.)2007

الذي يفترض أن يقوم على أساسه مبدأ "العمق الاستراتيجي للخليج العربي في القرن الأفريقي" الذي يرمي الباحث إلى التنظير له. وعلى الرغم من مروره على ظاهرة رياح البحر الموسمية التي تمثل حجر الأساس في فهم الصلات التجارية بين الإقليمين  4، فإنه لا يتوسّع كثيرًا في ما يمكن أن تفيدنا به مثلًادراسات المحيط الهندي التي ظهرت مؤخرًا في الأوساط الأكاديمية وترى وجود صلات حضارية مشتركة بين منطقَتَي غرب المحيط الهندي والخليج العربي، وهذه الصلة لا تقوم على التجارة، بل هي "فكرة" Idea تضم عالمًا مشتركًا بين الموانئ الموجودة في الخليج العربي وشرق أفريقيا والهند  5. تمثل فكرة غرب المحيط الهندي التي تقوم على أساس التنقل بالسفن الشراعية التي تحرّكها الرياح الموسمية (المانسون)، حجر الزاوية في فهم ما يسمى الحالة الطبيعية للجزيرة العربية والخليج؛ إذ كانت هناك شبكات كبيرة ومتّصلة من التجارة بين مدن الجزيرة العربية والخليج وسواحل شرق أفريقيا، وقامت على أساس هذه الشبكة الضخمة مدٌنٌ ساحلية ضخمة، وحضارة متّصلة، حوّلت المحيط الهندي إلى بحيرة تجارية آسيوية - عربية - أفريقية، قبل أن يتدخّل الاستعمار ليقطع أوصالها ويبسط يده عليها  6.

ثانيًا: البعد الأمني: هُّمُ الخليج الأول

يتضح لنا، من خلال قراءة هذا الكتاب، أن مصدر الهمّ المعرفي عند الباحث هو حماية أمن الخليج العربي وتوسيع مجاله الحيوي وتعزيزه؛ ويهدف إلى فهم منطقة القرن الأفريقي باعتبارها عمقًا استراتيجيًا بالنسبة إلى الخليج العربي. ففي مدخل مبحث الجوانب الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية، يؤكد الأهمية الخاصة التي تحظى بها منطقة القرن الأفريقي بالنسبة إلى الدول الكبرى، لكونها تطل على المحيط الهندي وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر عن طريق مضيق باب المندب، ما يعني أنها تتحكم في طرق التجارة العالمية، ولا سيما تجارة النفط القادمة من الخليج العربي، وهنا يأتي الربط بين منطقتي الخليج العربي والقرن الأفريقي من الناحية الاستراتيجية؛ إذ إن أي تحركات عسكرية أو أوروبية متّجهة إلى الخليج العربي، يجب أن تمر من هذه المنطقة التي تسمى "قوس الأزمة" (ص. 40) بالعودة إلى طبيعة التطور السياسي لبلدان القرن الأفريقي، يخلص العتيبي إلى أنها متباينة من بلد إلى آخر، حيث إن هناك دولًاموالية للغرب، مثل إثيوبيا وجيبوتي، وأخرى معادية له، مثل الصومال والسودان  7 بعد إعلانهما تطبيق الشريعة الإسلامية، كما شهدت المنطقة تنامَيَ ظاهرة الإحياء الإسلامي التي اتّخذت شكلًاتنظيميًا وحركيًا في الكثير من مناطق الإقليم، مثل السودان وإقليم الأوقادين في إثيوبيا وكينيا والصومال (ص. 41) يرى العتيبي أيضًا أن الدول الكبرى تبنّت، وبتشجيع من سعيها لمحاربة الإرهاب، سياسات محكمة للتعامل مع منطقة القرن الأفريقي، حيث تقوم الاستراتيجية الأميركية على مبدأ تأسيس شراكة أميركية - أفريقية عبر توجيه الدبلوماسية التجارية ودعم القادة الأفارقة، بينما تقوم الاستراتيجية الفرنسية على مبدأ تعزيز دائرة علاقاتها السياسية وتوسيعها مع دول القرن الأفريقي (ص. 41) لا شك في أن ثمة صعوبات وتحديات تواجه مشروع "العمق الاستراتيجي الخليجي في القرن الأفريقي"، كما يرى العتيبي؛ إذ يقسمها قسمين: قسم يتعلق بالتحديات السياسية الداخلية؛ وقسم آخر يتعلق بالتحديات السياسية الخارجية (ص. 42) تتجّل ىالتحديات السياسية - الأمنية الداخلية للمشروع الخليجي، كما يقول الباحث، في سؤال الشرعية والاندماج والمشاركة والتوزيع العادل للثروة والسلطة، فضلًاعن مهددات الهوية وغياب دور الدولة في المجتمع ومؤسساته، وزيادة حضور القبيلة وقوانينها داخل الدولة، وانفراد الكثير من الحكومات بالسلطة لفترة طويلة؛ ومن مظاهر هذا الفشل: سوء إدارة النظم السياسية في دول الإقليم للمشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الُمُلحّة، إضافة إلى الحروب البينية بين دول القرن الأفريقي، والحروب الأهلية داخلها، وتنامي النزعات الانفصالية القائمة على العرقية (ص. 43-44) أما بالنسبة إلى التحديات الخارجية لمشروع العمق الاستراتيجي الخليجي في القرن الأفريقي، فتتجّلى، بحسب العتيبي، في المفهوم العالمي لظاهرة الإرهاب، من خلال فرض الولايات المتحدة الأميركية وجودًا أمنيًا لها في المنطقة، وتسيير دوريات مراقبة بحرية كثيفة لبعض السفن الحربية الأميركية والأوروبية على طول السواحل الصومالية، وإنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي لمراقبة الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، وإنشاء ما يُعرف ب "تحالف إعادة السلم ومكافحة الإرهاب" في الصومال، إضافة إلى الوجود الفرنسي القائم، خلاف الوجود الأميركي، على الربط بين مفاهيم الأمن

  1. 4  آلان فليز، أبناء السندباد، ترجمة نايف خرما (الكويت: مطبعة حكومة الكويت، 1982)، ص.21
  2. Fahad A. Bishara, A Sea of Debt: Law and Economic Life in the Western Indian Ocean, 1780-1950 (Cambridge: Cambridge University Press, 2017).
  3. 6  خلدون حسن النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية (بيروت: مركز
  4. دراسات الوحدة العربية، 1989)، ص.50-26 7  كان هذا قبل الثورة السودانية التي أسقطت نظام عمر حسن البشير في عام.2019

والتنمية من خلال المساندة العسكرية بغرض تحقيق الاستقرار في دول أفريقيا بسبب علاقاتها الاقتصادية معها (ص. 47-48) يرى العتيبي أن ثمة ضرورةً لتوظيف النظام الرأسمالي الاقتصادي بالطرائق التي تتوافق مع العمق الاستراتيجي الخليجي في القرن الأفريقي، خاصة أن الدول الغربية الرأسمالية تؤدي دورًا كبيرًا في التنمية الاقتصادية التي تشهدها بلدان القرن الأفريقي. وعلى الرغم من التحّولّات السياسية والاقتصادية الكبيرة التي شهدتها القارة الأفريقية منذ أواخر القرن الماضي، فإن هذه التطوّرات أفضت إلى نمط أفريقي جديد في الحكم، يُسمّيه "الأفروقراطية"، يحافظ هذا النمط على تراث الحكم الفردي الشمولي الذي تحالفت معه الرأسمالية العالمية بغرض تحقيق مصالحها (ص. 48) لعل ما يثيره الباحث بشأن التحديات التي تواجه مشروع العمق الاستراتيجي الخليجي في القرن الأفريقي في حاجة إلى نقاش أوسع؛ إذ لا يمكن لدول الخليج العربي معالجة التحديات الداخلية التي تواجه دول القرن الأفريقي، باليسرر الذي نتصوّره، خاصةً أنها تفتقر إلى النموذج السياسي model الذي تستطيع الدول الكبرى تصديره، خاصة الغربية منها (خلاف الصين وروسيا مثلًا) التي تصدّر النموذج الديمقراطي القائم على شكل معّي نمن الحكم، والفصل بين السلطات وتعزيز الحريات الفردية وحرية التجارة واقتصاد السوق وغيرها. ولا يتعلق الأمر هنا بمدى نجاح النموذج من فشله في المنطقة، فالعبرة بالقدرة على جذب الدول المستهدفة ببناء علاقات تجارية واقتصادية متبادلة. ولا يكفي دعم المشاريع التنموية لإنهاء حالات الانقسام في المنطقة، خاصة مع الانتشار الواسع للفساد والمحسوبية وغيرها من معوّقات التنمية. أما في ما يتعلق بالتحديات الخارجية، خاصة أن الولايات المتحدة مؤثرة في "العمق الاستراتيجي الخليجي في القرن الأفريقي"، فإن هذا التحدي يثير سؤلًابشأن قدرة دول الخليج العربي على الاضطلاع بمسؤولية حماية المضائق والممرات البحرية، وسواحل شرق أفريقيا الطويلة، خاصة أن مهمة حماية مياه الخليج العربي نفسها تضطلع بها القوات الأميركية عبر الأسطول الخامس في البحرين، فدول الخليج العربي لا تملك الإمكانات العسكرية للانتشار في سواحلها، فضلًاعن الانتشار في سواحل بحر آخر. ينافح العتيبي عن وجود نموذج رأسمالي تبني دول الخليج عليه نفوذها في منطقة القرن الأفريقي، ويمكن أن يشكل منافسًا للنموذج الغربي. غير أن دول الخليج العربي، بنواتجها الإجمالية المحلية المتدنية، مقارنة بالاقتصاديات الغربية وصادراتها المعتمدة على النفط والغاز بشكل كبير، لا تبدو في المدى المنظور قادرة على منافسة نموذج الرأسمالية الغربية، وهي جزء منه، كما هي الحال مع الصين التي يمكن اعتبارها أهم من دول الخليج في الاقتصاد العالمي، وعلى الرغم من ضخامة اقتصادها، فإنها جزء من المنظومة الرأسمالية العالمية التي تُهيمن على الاقتصاد العالمي. إن الوجود الاستراتيجي الخليجي في القرن الأفريقي، يمكن أن يكون مكمّلًاللوجود الأميركي - الغربي فيها وبالتنسيق معها؛ إذ يمكن أن تستفيد دول الخليج كراكب مجاني rider free، مستغلة الحماية الأميركية لمياه القرن الأفريقي، لتبني نفوذها هناك بهدوء، من دون أي صدام مع النفوذ الأميركي - الغربي، ومن دون أن تضطر إلى تحمّل أعباء الحماية العسكرية والدعم الاقتصادي لمنطقة تغلي بالأزمات والمجاعات، مع عدم مقدرتها على ذلك. وسبق لدول الخليج أن أدّت أدوارًا في عدد من المناطق المشتعلة في العالم، وبنت نفوذها فيها؛ ولعل أبرز مثال على ذلك دور المملكة العربية السعودية في اتفاق الطائف في عام 1989 الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان 1990-1975()، وعَّظَم النفوذ السعودي فيها بإشراف الولايات المتحدة.

ثالثًا: الإرادة السياسية الخليجية تجاه القرن الأفريقي: مفارقة الخطاب والممارسة

في الفصل الثاني من الكتاب، يناقش العتيبي ما يسميه "الإرادة السياسية الخليجية تجاه القرن الأفريقي"؛ إذ يؤكد أن دراسة الإرادة السياسية الخليجية بوصفها عاملًامتحركًا أو متغيرًا في مبدأ "العمق الاستراتيجي" مسألة مهمة، محاولًاالإجابة عن سؤال: "ما مدى فاعلية الإرادة السياسية الخليجية تجاه قضايا الصراع والأمن والتنمية ومناخ الاستثمار في منطقة القرن الأفريقي التي تضم السودان وأثيوبيا والصومال وجيبوتي وإرتيريا ودول الخليج العربية في الفترة بين عامي 2001 و 2018؟" (ص. 61) "ُيُحاجّ العتيبي، وهو ينافح عما يُسمّيه "الإرادة السياسية الخليجية، في أن كثيرين من الخبراء الاستراتيجيين يفسررون عمليات الحراك السياسي والأمني والاقتصادي الخليجي الذي تشهده منطقة القرن الأفريقي في الآونة الأخيرة بعاملين أساسيين: إدراك صانع القرار في دول الخليج العربي أهمية منطقة القرن الأفريقي التي باتت تمثّل عمقًا استراتيجيًا للمنطقة العربية عامة، ودول الخليج العربي خاصة؛ ويقين النخب الخليجية بأن أي وضع قائم في منطقة القرن الأفريقي يمكن أن يؤثر مباشرة في العمق الخليجي على المدى البعيد، وذلك لاعتبارات جغرافية وسياسية واقتصادية بين الطرفين (ص. 62)

يدلل العتيبي على هذه الإرادة من خلال جهود دول الخليج العربي في حل الصراعات، مستشهدًا بحالتين مهمتين: السودان والصومال؛ إذ تبرز إرادة قطر من خلال دورها في حل النزاع بين الفرقاء في السودان، من خلال رعاية اتفاق السلام بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة في دارفور، التي تمخضت عن اتفاق الدوحة في عام 2013؛ كما تبرز إرادة الكويت من خلال دعمها مشروع تنمية شرق السودان وإعماره بمبلغ ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار، حيث وجدت هذه الجهود القطرية - الكويتية دعمًاوترحيبًا وإشادةً من بقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (ص. 64) كما أولت دول الخليج العربي أهمية بالغة لإنهاء الصراعات والحروب الأهلية المستمرة في الصومال؛ إذ تمكّنت السعودية من جمع الفرقاء الصوماليين في جدة في عام 2007، وإقناعهم بتوقيع اتفاقية سلام. وتضمّنت هذه الاتفاقية نتائج مؤتمر المصالحة الوطنية الذي عُقد في مقديشو، كما دعا مجلس التعاون لدول الخليج العربية أكثر من مرة الفرقاء الصوماليين إلى حل خلافاتهم. وتدخّلت دول الخليج لإنهاء النزاعات بين دول القرن الأفريقي، كما حدث مع السعودية التي تدخّلت لإنهاء الخلافات السودانية - التشادية في عام 2007، عبر ما سُمّي اتفاق الجنادرية في الرياض، إضافة إلى حل الخلافات الإثيوبية - الإرتيرية في مؤتمر جدة للسلام في عام 2018 (ص. 65-66) من جهة أخرى، أولت دول الخليج العربي أهمية كبرى للأمن الاجتماعي الذي يعتبره العتيبي الركيزة الثانية في تدليله على وجود إرادة سياسية لدى دول الخليج العربي تجاه القرن الأفريقي، وذلك بعد الركيزة الأولى المتعلقة بتسوية الصراعات والخلافات. ويعتمد العتيبي في هذا المحور على النظرية النفعية التبادلية في مفهوم بناء السلام والأمن الاجتماعي بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول منطقة القرن الأفريقي. والنظرية النفعية التبادلية هي نظرية إصلاحية تعمل على إصلاح النظام القائم من خلال نهٍجٍ وإجراءاٍتٍ تطويرية تدريجية؛ إذ يؤسّس إطارها الفكري على تحدي المنظور الواقعي ونقده ومراجعة افتراضاته؛ فالدولة ليست هي الفاعل الوحيد في السياسة الدولية، كما تقول النظرية الواقعية، بل ثمة فاعلون آخرون، لهم أهمية مكافئة وأحيانًا أهمية أكبر من تلك التي تحظى بها الدولة، مثل المؤسسات والجماعات (ص. 69) يقوم مفهوم الأمن الاجتماعي على العمل الإغاثي وتمويل برامج التنمية وإعادة الإعمار وفق ما يسميه العتيبي "الفعل الإرادي الإنساني لدول الخليج العربية تجاه القرن الأفريقي"، إضافة إلى توقيع الاتفاقيات الاقتصادية والتبادل التجاري والاستثمارات مع هذه البلدان (ص. 70) يُقدّم العتيبي أرقام المساعدات التي قدّمتها دول الخليج العربي في المجاعات المتكررة التي أصابت دول القرن الأفريقي، إضافة إلى أرقام مشاريع التنمية والقروض والمنح والهبات المقدمة منها (ص. 70-113) كما يقدم إحصاءات التبادل التجاري بين دول الخليج العربي ودول القرن الأفريقي؛ ومن خلال تحليله لها، يخلص إلى نتيجة مفادها أن هناك إرادةً سياسيةً خليجيةً للتفاعل مع قضايا تعزيز السلم والأمن الاجتماعي في بلدان الإقليم. وبفضل هذه الإرادة السياسية، أصبحت دول الخليج العربي من أهم الشركاء الفاعلين في مشاريع التنمية والأمن الاجتماعي (ص. 114) على الرغم من أهمية مفهوم "الإرادة السياسية"، كما يقدمه العتيبي في هذا السياق، فإنه يبقى في حاجة إلى بحث وتطوير أوسع. صحيح أن الباحث يقدم أدلّة على وجود فعل سياسي خليجي تجاه منطقة القرن الأفريقي، إّل اأنه لا يدل على وجود "إرادة سياسية"، كما يُعرّفها في الكتاب، بقوله: إنها "تلك التي تأخذ بعين الاعتبار المصالح المشتركة التي تقوم على الفعل الإرادي من خلال روابط الماضي لتحقيق أهداف مشتركة، ويتميّز هذا الفعل الإرادي في أدبيات علم الاجتماع السياسي بأربعة عناصر متتالية، وذات طابع تراكمي، وهي الدافع والتصور، والرغبة والحوار والمبادرة، والاستعداد واتخاذ القرار، والالتزام والتنفيذ" (ص. 62) خلاف هذا التعريف الضابط، لا تخلو سياسة دول الخليج العربي في المنطقة من التنافس، خاصةً بعد الأزمة الخليجية التي بدأت بحصار قطر في منتصف عام 2017؛ إذ ضغطت دول الحصار الرئيسة (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) على دول القرن الأفريقي لقطع علاقاتها مع قطر، وهددت بقطع مساعداتها في حال عدم انخراط تلك الدول في الحصار؛ ولم تستجب سوى دولة واحدة، هي جيبوتي، وكانت استجابتها ضعيفة عبر الاكتفاء بخفض التمثيل الدبلوماسي  8. فضلًاعن ذلك، يبدو أن تدخّل دول الخليج العربي في صراعات منطقة القرن الأفريقي لحلّها، إضافة إلى العمل الإغاثي والإنساني، ينطلق من مستويين لدى صانع القرار في الخليج العربي: يتمثل الأول في كون الخليج العربي جزءًا من المجتمع الدولي الذي يقدم إلى دول عديدة ملفات التسوية في مناطق من العالم، مستغلًاعدم تورّطها في الصراعات القائمة؛ وأما الثاني، فيتمثل في أن العمل الخيري ينطلق من مبدأ اجتماعي وديني وإنساني لإغاثة المحتاجين لدى صانع القرار ولدى

  1. 8  حول المواقف الأفريقية من الأزمة الخليجية، ينظر: كمال الدين شيخ محمد عرب، الجزيرة نت "تأثيرات الأزمة الخليجية في أفريقيا: قراءة في مواقف الدول"،، 2017/6/20، شوهد في 2022/4/25، في https://bit.ly/3vCe88U:

الجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني على حد سواء، والدليل على ذلك أن التبرعات الخليجية والجهود الإغاثية تصل إلى وسط أفريقيا وجنوبها، فهل يُعقل أن هذا مقرون بمحاولة فرض دول الخليج العربي قوتها الناعمة على هذه البقعة من العالم التي لا ترتبط بها؟

رابعًا: تصورات النخب في القرن الأفريقي تجاه الفعل الإرادي لدول الخليج العربي

يجيب العتيبي في الفصل الثالث عن سؤال جوهري مفاده: "ما الانطباعات والتصوّرات الذهنية لصنّاع القرار والنخب في بلدان القرن الأفريقي تجاه الفعل الإرادي لدول الخليج؟"، ويقصد هنا بالذهنية الاستراتيجية تلك التي تقوم على دراسة تسلسل الأفعال الداخلية والخارجية لمجموعة الأحكام والتصورات الإيجابية والسلبية التي يتبنّاها صنّاع القرار ونخب القرن الأفريقي، وتتخذ منها منطلقًا وأساسًا لقرارات تجاه الإرادة السياسية التي يرى العتيبي أن دول الخليج العربي قد أظهرتها تجاه القرن الأفريقي. ومن أجل تتبع هذه الذهنية الاستراتيجية لصناع القرار والنخب في بلدان القرن الأفريقي ورصدها، اعتمد العتيبي على أداتي المقابلة والاستبيان الموجّهتين إلى عيّنة من النخب الأكاديمية والسياسية، مكوّنة من 200 خبير (ص. 117) يرى العتيبي أيضًا، من خلال العيّنة البحثية التي عرضها، أن طريقة التفكير في الذهنية الاستراتيجية لدى صانع القرار والنخب في بلدان القرن الأفريقي تجاه الإرادة السياسية لدول الخليج العربي اختلفت في تفاعلها مع قضايا الصراع في المنطقة من دولة إلى أخرى، لكنها اتفقت كلها في ذهنياتها الاستراتيجية الوطنية على قبول الفعل الإرادي لدول الخليج العربي بوصفه وسيطًا للسلام في تفاعله مع الخلافات الداخلية أو النزاعات الخارجية في منطقة القرن الأفريقي (ص. 118) أما بالنسبة إلى الذهنية الاستراتيجية في ما يتعلق بجانب العمل الاستراتيجي والاتفاقيات الاستثمارية الخليجية، فقد خلصت المقابلات إلى أن لدى هذه النخبة إيمانًا بوجود نشاطات خيرية وإنسانية ملموسة، لكنها لا تتناسب مع حجم الدول الخليجية وقوّتها المالية؛ وكذلك من الناحية الاستثمارية، لا يتناسب حجم الصناديق الخليجية مع كمية الاستثمارات التي ضخّتها دول الخليج العربي في المنطقة (ص 127،.)187 ويخلص العتيبي في دراسته، بعد عرضه الحقائق الجيوستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقي، والحقائق المتعلقة بالمعطيات الثابتة في العلاقة بين الخليج العربي والقرن الأفريقي (الجغرافيا والتاريخ والحضارة)، والحقائق المتعلقة بالمعطيات المتغيرة، وهي الإرادة السياسية الخليجية والتصوّر الذهني للنخب السياسيية، إلى نتيجة مفادها أن منطقة القرن الأفريقي تحظى بمقوّمات العمق الاستراتيجي الخليجي من خلال المعطيات التي ناقشها باستفاضة، كما أن التصورات الذهنية وكمية البيانات المجموعة من النخب السياسية والأكاديمية، يمكن أن يجري البناء عليها لتطوير حوار استراتيجي أكثر كفاءة بين دول الخليج العربي ودول القرن الأفريقي.

خاتمة

يقدّم العتيبي دراسة مهمة تسد فجوة عميقة في حقل العلاقات العربية - الأفريقية الذي اقتصر الاهتمام فيه لسنوات طويلة على منطقتي المغرب العربي وحوض النيل، في حين بقيت منطقة الخليج العربي تقريبًا خارج بؤرة اهتمام هذا الحقل. وتفتح هذه الدراسة آفاقًا واسعة للبحث والتأمل، النظري والاستراتيجي، كما توفر أرضية خصبة يمكن البناء عليها لإنتاج المزيد من الدراسات ذات الصلة بمستقبل انخراط دول الخليج العربي في منطقة القرن الأفريقي بوصفها عمقًا استراتيجيًا لها، ينبغي أن تتعزز الإرادة السياسية لديها من أجل تعظيم مصالحها في هذه المنطقة. ولعل نقطة الانطلاق ينبغي أن تكمن في فحص ما إذا كانت دول الخليج العربي تمثل كتلة واحدة، منسجمة في تصوّراتها وأهدافها بعيدة المدى، أم أن الطابع الُقُطري يغلب على انخراطها هناك. ومن خلال هذه المراجعة المقتضبة للكتاب، يمكن لفت الانتباه إلى عدد من القضايا والإشكاليات التي يمكن أن تشكل جزءًا من خريطة طريق نحو أبحاث مستقبلية ذات صلة بأطروحات الكتاب ونقاشاته: 1. تاريخ "غرب المحيط الهندي"، خاصة ما يرتبط بالعلاقة القريبة بين دول الخليج العربي وسواحلها، والقرن الأفريقي وسواحله، وكيف ساهمت الحقبة الكولونيالية في تقويضها؛ 2. الصراع المائي بين مصر التي تُعدّ عمقًا استراتيجيًا للخليج العربي، وإثيوبيا؛ وهي قضية شائكة ومعقدة وترتبط على نحو مباشر بمنطقة القرن الأفريقي؛ 3. امتدادات المجموعات المسلحة في اليمن بأنشطة الفاعلين من دون الدولة في منطقة القرن الأفريقي، ودور العامل الخارجي في ذلك، خاصة مع قربها من مضيق باب المندب؛ 4. أثر الأزمة الخليجية في ما يعدّه العتيبي "الإرادة السياسية" المشتركة لدول الخليج العربية تجاه دول القرن الأفريقي؛ 5. موقع دول الخليج العربي من خريطة التنافس الإقليمي والدولي المتزايد في منطقة القرن الأفريقي خلال السنوات الأخيرة (تركيا، وإيران على سبيل المثال)؛ وغيرها من القضايا والإشكاليات.

المراجع

العربية

أوغلو، أحمد داود. العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية. ترجمة محمد جابر ثلجي وطارق عبد الجليل. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات،.2010 الببلاوي، حازم. "الدولة الريعية في الوطن العربي." المستقبل العربي. السنة 10، العدد 103 (أيلول/ سبتمبر.)1987 فليزر، آلان. أبناء السندباد. ترجمة نايف خرما. الكويت: مطبعة حكومة الكويت،.1982 ناي، جوزيف. القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسات الدولية. ترجمة محمد توفيق البجيرمي. الرياض: مكتبة العبيكان،.2007 النقيب، خلدون حسن. المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1989

الأجنبية

Bishara, Fahad A. A Sea of Debt: Law and Economic Life in the Western Indian Ocean, 1780-1950. Cambridge: Cambridge University Press, 2017. Mazrui, Ali. "Afrabia: Africa and the Arabs in the New World Order." Ufahamu: Journal of the African Activist Association. vol. 20, no. 3 (1992).