ما الهوية الإثنية؟ وما أهميتها؟ * * *

Kanchan Chandra كانشان شاندرا | * * Translated by Abdelkarim Amengay ترجمة عبد الكريم أمنكاي |

الملخّص

Since the publication of Horowitz's Ethnic Groups in Conflict, comparative political scientists have increasingly converged on their classification of ethnic identities. But there is no agreement on the definition that justifies this classification— and the definitions that individual scholars propose do not match their classifications. I propose a definition that captures the conventional classification of ethnic identities in comparative political science to a greater degree than the alternatives. According to this definition, ethnic identities are a subset of identity categories in which membership is determined by attributes associated with, or believed to be associated with, descent (described here simply as descent-based attributes). I argue, on the basis of this definition, that ethnicity either does not matter or has not been shown to matter in explaining most outcomes to which it has been causally linked by comparative political scientists. These outcomes include violence, democratic stability, and patronage. Keywords: Ethnicity, Culture, Violence, Democracy, Patronage.

What is Ethnic Identity? And does it Matter?

منذ أن ن شر كتاب هورويتز جماعات إثنية في صراع، جنح علماء السياسة المقارنة على نحو متزايد إلى اعتماد تصنيف متشابه للهويات الإثنية، على الرغم من عدم اتفاقهم على التعريف الذي يُبرر هذا التصنيف، فضلًا عن أن تعريفات كل واحد منهم لا توافق التصنيفات التي يقدمونها. أطرح في هذه الدراسة تعريفًا يغطي تصنيف الهويات الإثنية المتعارف عليها في علم السياسة المقارنة، على نحٍوٍ أفضل من غيره من التعريفات. ووفقًا لهذا التعريف، فإن الهويات الإثنية هي مجموعة جزئية من فئات الهوية التي يكون أساس الانتساب إليها سمات مرتبطة، أو يعتقد أنها مرتبطة بالأصل (أشير إليها هنا بالسمات القائمة على الأصل)، وأدفع، على أساس هذا التعريف الجديد، أنه لا وجود لعلاقة سببية بين الهوية الإثنية والعديد من الظواهر التي رُبطت بها في كثيٍرٍ من أبحاث علم السياسة المقارنة، كالعنف والاستقرار الديمقراطي والمحسوبية. كلمات مفتاحية: الإثنية، الثقافة، العنف، الديمقراطية، المحسوبية.

مقدمة *

ما الهوية الإثنية؟ منذ أن نشُر كتاب هورويتز جماعات إثنية في صراع1، حصل تقارب بين علماء السياسة المقارنة حول الهويات التي نصنفها هوياٍتٍ إثنيةً. فبالنسبة إلى هورويتز، الإثنية هي مفهوم جامع "يشمل جماعات يَز باللون، واللغة، والديانة؛ ويغطي 'قبائَلَ '، و'أعراقًا'، و'قومياٍتٍ '، و'كاستات' 2" 3. تتبع غالبية الأدبيات النظرية حول السياسات الإثنية هذا التصنيف الجامع على نحٍوٍ جلي  4. والأهم من ذلك أن أبرز أربع قواعد بيانات حول الجماعات الإثنية المعتمدة في الدراسات الإمبريقية العابرة للدول حول أثر الهوية الإثنية في السياسات المقارنة، أطلس نارادوف ميرا 5، وقاعدة معطيات ألبرتو أليسينا وزملائه6 عن الجماعات الإثنية في 190 بلدًا، وتعداد مماثل للجماعات الإثنية في 160 بلدًا  7، ومشروع أقليات في خطر8، تتبنى عمومًا هذا التصنيف الجامع. تبقى فحسب بعض الجدالات الهامشية حول إذا ما كان يجب استبعاد الكاستات من هذا التصنيف  9 أو استبقاؤها فيه10، وإذا ما كان يجب أن يشمل التصنيف المنطقة والعشيرة. غير أننا لا نتوفّر على تعريف للهوية الإثنية يتوافق مع هذا التصنيف. فكثير من علماء السياسة المقارنة لا يقدّمون تعريفًا لهذا المفهوم قبل توظيفه، وأولئك الذين يقومون بتعريفه غالبًا ما يصنّفون هويةً على أنّها إثنية حتى حين لا تتوافق مع تعريفاتهم الخاصة. فعلى سبيل المثال، يَعتبر هورويتز 11 الهندوس والمسلمين في الهند، والمسيحيين والمسلمين في لبنان، والكريول والهنود في غويانا وترينيداد، جماعات إثنية، على الرغم من أن هذه الجماعات لا تتوفر على السمة الأساسية الُمُعرّفة للجماعة الإثنية بحسب تعريفه، ألا وهي أسطورة الَّسَلف المشترك. في حين يَُعُدّ جيمس فيرون 12 المتحدثين باللغة الهندية جماعةً إثنية، على الرغم من أن الأفراد الذين يتحدثون الهندية، أو الذين تُعتبر الهندية لغتهم الأم، لا يلبّون معياره التعريفي، ألا وهو التوفّر على تاريخ متميز باعتبارها جماعة أو ثقافة مشتركة تحظى بتقدير غالبية أفرادها. أمّا شاندرا 13، فكثيرًا ما تعدّ فئات معينة قائمة على أساس المنطقة إثنيات، ولو كان من غير الواضح إذا ما كانت هذه الجماعات تتوافق مع تعريفها للجماعات الإثنية بأنها جماعات يُنسب إليها الأفراد Groups.Ascriptive ما الحاجة إلى تعريف إذا كان علماء السياسة المقارنة يكادون أن يجمعوا على تصنيف؟ لأن التعريف هو الذي يرشدنا إلى كيفية تقييم النظريات حول الهوية الإثنية وبنائها، وحول مفاهيم أساسها الهوية الإثنية على غرار التنوع الإثني والانتفاضات الإثنية والأحزاب الإثنية والتصويت الإثني، وما إلى ذلك، مما تَُّتَخذ فيه الهوية الإثنية متغيرًا مستقلًا. فقسم كبير من الأعمال في العلوم السياسية المقارنة يُحاجّ بأهمية الإثنية، في العنف والاستقرار الديمقراطي والتخطيط المؤسساتي والنمو الاقتصادي والرفاه الفردي، وما إلى ذلك، ويقوم

  1. Donald L. Horowitz, Ethnic Groups in Conflict (Berkeley, CA: University of California Press, 1985).
  2. 2  كاستات ومفردها كاست Caste. بحسب جودهكا، يُوظف مصطلح الكاست في العلوم الاجتماعية للدلالة على ذلك النظام الاجتماعي الهرمي التقليدي السائد في الهند والمرتبط بالديانة الهندوسية، وهو يعرف فيها ب "الفارنا" Varna الذي يقسم المجتمع الهندوسي أربع فئات، هي: البراهمة Brahmins (ومنهم رجال الدين)، والكشاتريا Kshatriyas (المحاربون)، والفايشيا Vaishyas (التجار)، والشودرا Shudras (المزارعون والعمال)، إضافة إلى جماعة تُعتبر خارج نظام الفارنا وهي فئة "غير القابلين للمسّ " والتي توجد في قاع الهرم الاجتماعي ويوعد لها القيام بالوظائف "غير الطاهرة." ينظر: Surinder Jodhka, "Ascriptive Hierarchies: Caste and its Reproduction in Contemporary India," Current Sociology , vol. 64, no. 2 (2016), pp. 228-229.
  3. Horowitz, p. 53.
  4. 4  ينظر مثل:ا Ashutosh Varshney, Ethnic Conflict and Civic Life (New Haven, CT: Yale University Press, 2002); Kanchan Chandra, Why Ethnic Parties Succeed (Cambridge: Cambridge University Press, 2004); Mala Htun, "Is Gender Like Ethnicity? The Political Representation of Identity Groups," Perspectives
  5. 12  Fearon. 13  Kanchan Chandra, "Ethnic Parties and Democratic Stability," Perspectives on Politics , vol. 3, no. 2 (June 2005), pp. 235-252; Chandra, Why Ethnic Parties Succeed.
  6. Alberto Alesina et al., "Fractionalization," Journal of Economic Growth , vol. 8, no. 2 (2003), pp. 155-194.
  7. James D. Fearon, "Ethnic and Cultural Diversity by Country," Journal of Economic Growth , vol. 8, no. 2 (2003), pp. 195-222.
  8. The All Minorities at Risk Project," Center for International Development & Conflict Management, accessed on 1/9/2023, at: https://cutt.ly/tewBoODc 9  Fearon.
  9. on Politics , vol. 2, no. 3 (2004), pp. 439-458; Steven I. Wilkinson, Votes and Violence: Electoral Competition and Ethnic Riots in India (Cambridge: Cambridge University Press, 2004); Daniel N. Posner, Institutions and Ethnic
  10. Bruk & Apenchenko (eds.); Varshney; Chandra; Htun; Wilkinson; Posner. 11  Horowitz.
  11. Politics in Africa (Cambridge: Cambridge University Press, 2005).
  12. 5  SI Bruk & VS Apenchenko (eds.), Atlas Narodov Mira (Moscow:
  13. Academy of Sciences of the USSR, 1964).

بتنبؤات عامة وعابرة للبلدان حول آثارها  14. أمّا الادعاءات حول أهمية هذه المتغيرات بالنسبة إلى بعض المخرجات، فأساسها دائمًا افتراض خصائص معينة للهويات الإثنية تسمح بتفسير تلك المخرجات. فإذا ما أردنا تقويم تلك الادعاءات وبناء أخرى جديدة، فإننا نحتاج إلى قواعد معينة يتم على أساسها تحديد الخصائص التي يمكن منطقيًا ربطها بالهويات الإثنية. والتعريف هو ما يوفر قاعدةً تحليليةً للقيام بمثل هذا الحكم. تقترح هذه الدراسة تعريفًا لمصطلح الهوية الإثنية يلتقط التصنيفات المتعارف عليها على نحو أوسع من التعريفات السابقة. وبحسب هذا التعريف، فإن الهويات الإثنية هي تلك المجموعة الجزئية Subset من الهويات التي يكون أساس الأهلية للانتساب إليها محددًا بسمات مرتبطة، أو يُعتقد أنها مرتبطة بالأصل (أشير إليها هنا بالسمات القائمة على الأصل.) وتؤكد غالبية التعريفات السابقة أيضًا على أهمية الأصل، لكن التعريف الذي نقدّمه يختلف عنها في أمرين. أولهما، أنه يميز بين الفئات التي يَنتسب إليها الأفراد، والسمات التي تؤهلهم للانتساب إلى تلك الفئات. تَخلط الأعمال السابقة بين المفهومين، لكن التمييز بينهما له أثر بالغ حول الطريقة التي نفكر بها في الهوية الإثنية. وثانيهما، يَستبعد التعريف الذي نقدّمه خصائص مثل الثقافة المشتركة والتاريخ المشترك والإقليم المشترك واللغة المشتركة التي لا ترتبط بالهويات التي نعتبرها إثنية إلا أحيانًا فحسب، فلا يمكن اعتمادها أساسًا لتعريف الهوية الإثنية. تقوم مقاربتي لبناء هذا التعريف على تحديد المبادئ الأساسية لتصنيف مصطلح الهوية الإثنية عند جماعة المتخصصين المتمثلة في علماء السياسة المقارنة، وليس تعريف الإثنية بطريقة موضوعية أو تحديد الاستخدام الاجتماعي أو الاستخدام اليومي الأوسع للمصطلح. وتكمن فضيلة هذه المقاربة في أنها توفر فرصًا لتراكم البحث في الهوية الإثنية بوصفها متغيرًا مستقلًا. وكي ننظّر حول أثر الهوية الإثنية بطريقة تراكمية، علينا أن نقيم ذلك القسط من الأعمال السابقة في السياسة المقارنة الذي يرى أنّ للإثنية أهميتها، ونحتفظ بالأفكار التي تنجح في هذا التقييم ونستبعد تلك التي تفشل فيه. وكي نقوّم إذا ما كان للإثنية أهمية وكيفية ذلك وفقًا لما تقترحه تلك الأعمال، فنحن في حاجة إلى تعريف يحدد خصائص الهويات الإثنية على نحِوِ ما يصنفها هذا القسط من الأعمال. وسوف نكون إزاء قيمة مضافة إذا ما تمكّن هذا التعريف من الإحاطة أيضًا بالطريقة التي يُفهم بها هذا المصطلح بين جماعات أخرى، من دون أن يكون هذا الأمر هاجسي الأساسي هنا.

أ بّي نهنا أن خصائص عديدة تُرَبَط عادةً بالهويات الإثنية في نظرياتنا التفسيرية، ليست من خصائص الهويات التي نُصنفها عادة إثنيةً، وإن كان يمكن أن تنطبق على مجموعات جزئية محددة من هذه الهويات. وتشمل هذه الخصائص السلف المشترك وأسطورة السلف المشترك واللغة المشتركة والثقافة المشتركة والموطن المشترك. وعلى أساس التعريف المقترح هنا، فإنني أحدد أيضًا خاصيَتيَن جوهريَتيَن تميزان، في المتوسط، الهويات الإثنية، هنا: التغُّي رالمقيد، والُّظُهور Visibility. أقصد "بالتغُّي رالمقيد" أنه على الرغم من كون الهويات

  1. 14  مثل:ا Robert Alan Dahl, Polyarchy: Participation and Opposition (New Haven, CT: Yale University Press, 1971); Alvin Rabushka & Kenneth A. Shepsle, Politics in Plural Societies: A Theory of Democratic Instability (New York: Pearson; Longman, 1972); Clifford Geertz, The Interpretation of Cultures (New York: Basic Books, 1973); Robert H. Bates, "Ethnic Competition and Modernization in Contemporary Africa," Comparative Political Studies , vol. 6, no. 4 (1974), pp. 457-484; Horowitz; Barry R. Posen, "The Security Dilemma and Ethnic Conflict," in: Michael Brown (ed.), Ethnic Conflict and International Security (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1993), pp. 103-125; Janet T. Landa, Trust, Ethnicity, and Identity (Michigan: University of Michigan Press, 1994); Chaim Kaufmann, "Possible and Impossible Solutions to Ethnic Civil Wars," International Security , vol. 20, no. 4 (1996), pp. 136-175; Gary W. Cox, Making Votes Count: Strategic Coordination in the World's Electoral Systems , Political Economy of Institutions and Decisions (Cambridge: Cambridge University Press, 1997); James D. Fearon, "Why Ethnic Politics and 'Pork' Tend to Go Together," Paper Presented at SSRC-MacArthur Sponsored Conference on "Ethnic Politics and Democratic Stability," University of Chicago, 1999; Adam Przeworski et al., Democracy and Development (Cambridge: Cambridge University Press, 2000); Benjamin Reilly, Democracy in Divided Societies: Electoral Engineering for Conflict Management , Theories of Institutional Design (Cambridge: Cambridge University Press, 2001); Roger D. Petersen, Understanding Ethnic Violence: Fear, Hatred, and Resentment in Twentieth- Century Eastern Europe (Cambridge: Cambridge University Press, 2002); Amy Chua, World on Fire: How Exporting Free-Market Democracy Breeds Ethnic Hatred & Global Instability (New York: Doubleday, 2003); Monica Duffy Toft, The Geography of Ethnic Violence: Identity, Interests, and the Indivisibility of Territory (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2003).

الإثنية على المستوى الفردي قابلةً للتغيير على المدى القصير، فإن نمط هذا التغيير والآليات التي تدفعه تبقى مقيّدة بمجموعة من السمات الأساسية. أما "الظّهور"، فأعني به أنه يمكن الحصول على بعض المعلومات حول فئات الهوية الإثنية التي ينتمي إليها الفرد - وكذلك التي لا ينتمي إليها - من خلال الملاحظة السطحية. لكنّ هاتين الخاصيتين لا تنفرد بهما الهويات الإثنية، بل تَِسمِان جميع فئات الهوية التي تتحدد فيها العضوية من خلال سمات قائمة على الأصل. وهما لا ترتبطان إلا في المتوسط بفئات الهوية القائمة على الأصل. وهذا يعني أنه يمكن أن تشبه هوياٌتٌ قائمةٌ على الأصل، في سياقات معينة، هوياٍتٍ معينةً ليست قائمة على الأصل. يدفعنا هذا الأمر إلى أن نستنتج أن الهوية الإثنية، ومفاهيم مرتبطة بالهوية الإثنية من قبيل التنوع الإثني والانتفاضات الإثنية والأحزاب الإثنية والعنف الإثني والنزاع الإثني، وما إلى ذلك، إما أنها ليست ذات أهمية، وإما أنه لم يثبت أنها ذات أهمية بوصفها متغيرًا مستقلًا في أغلب الأعمال النظرية السابقة حول الهوية الإثنية؛ ذلك أَّنَ جزءًا صغيرًا فقط من الادعاءات (حول ما يجعل الهوية الإثنية مهمة وكيفية ذلك) هو الذي يستند إلى خصائص تَبَّي نأنها جوهرية في الهويات الإثنية. ففي أغلب الحالات، نجد أن الآليات التي تدفع نظرياتنا التفسيرية حول أثر الهوية الإثنية تفترض خصائص، مثل ثبات الهوية والتجانس الثقافي والتاريخ المشترك، هي في الحقيقة غير مرتبطة بالهويات الإثنية، حتى على أساس التصنيف الذي قدّمه هذا الِقِسط من الأعمال. وبناءً عليه، فإن النتيجة التي تحاول تلك النظريات تفسيرها لا بد من أن تكون ناجمة عن متغيرات أخرى تعمل على نحو مستقل عن الهوية الإثنية أو تتفاعل معها. ومن ثم، يجب إعادة صوغ تلك النظريات بأن نأخذ في الحسبان متغيرًا أو عددًا من المتغيرات التي أ غفلت، أو أن يعاد تأويلها على أنها نظريات غير متعلقة بأثر الهوية الإثنية البتّة. تجدر الإشارة إلى أن تعريف مفهوم الهوية الإثنية بطريقة تتوافق مع التصنيفات المتعارف عليها في علم السياسة المقارنة هو مشروع مختلف عن الدفاع عن استعمال المفهوم في نظرياتنا التفسيرية أو إدامة هذا الاستعمال. فهو يوفر قاعدة لمساءلة اِّدّعاءات النظريات السابقة والاستعمال المستمر للمفهوم. لكننا حين نرفض ادعاءات النظريات السابقة أو نوقف استعمال المفهوم، لا بد من أن نعرف: ماذا نرفض تحديدًا؟ ولماذا؟ وبماذا يمكن تعويضه؟ وبناءً عليه، فإن تعريفًا للهوية الإثنية يبقى ضروريًا ليس للدفاع عن استعمال هذا المفهوم فحسب، بل لتبرير استبعاده أيضًا. يُفصل المبحث الأول التعريف المقترح هنا. وبعده، في المبحث الثاني، أضع هذا التعريف في إطار علاقته بالتعريفات السابقة، وأستبعد بعض الخصائص التي عادة ما تُربط بالهوية الإثنية. أما المبحث الثالث، فيحدد خاصيتين يمكن اعتبارهما جوهريتين في الهوية الإثنية، هما: التغُّي رالمقيد والُّظُهور. في حين يوظف المبحث الأخير مناقشة الخصائص التي يمكن، أو لا يمكن، ربطها بالهوية الإثنية في تقويم النظريات حول أهمية الإثنية.

أولًا: تعريف الهوية الإثنية

أعني ب "الهوية" أَّيَ فئة اجتماعية يكون الفرد مؤهلًاللانتساب إليها. أمّا فئات الهوية الإثنية، كما أقترح، فهي مجموعة جزئية من فئات الهوية تَحَِّدِد أهليَةَ الانتساب إليها سماٌتٌ قائمةٌ على الأصل. وأقصد بالسمات التي "ُتُحِّدِد" أهليَةَ الانتساب، السماِتِ التي تؤهّل فردًا للانتساب إلى فئة أو تلك التي تشير إلى ذلك الانتساب. أما "السمات القائمة على الأصل"، فأعني بها السمات المرتبطة أو التي يُعتقد أنها مرتبطة بالأصل. وتتضمن السمات "المرتبطة بالأصل" تلك المكتسبة وراثيًا (مثل لون البشرة، والجندر، ونوع الشعر، ولون العيون، والطول، والملامح الجسمانية)، أو عبر الإرث الثقافي والتاريخي (مثل الاسم، واللغة، ومكان الولادة، وأصل الآباء والأجداد)، أو في سياق حياة الفرد بوصفها علامات على هذا الإرث (مثل الاسم العائلي، أو وُسوم قبيلة.) أما "السمات التي يعتقد أنها مرتبطة بالأصل"، فهي سمات حُبكت حولها أسطورة معقولة عن الارتباط بالأصل، سواء وُِجِد مثل هذا الارتباط حًّقًا أم لم يوجد. وبناءً عليه، فإن هذا التعريف يتضمن عنصرًا ذاتيًا وآخر موضوعيًا على حد السواء. مجموعة فئات الهوية التي يتحدد الانتساب إليها بالسمات القائمة على الأصل هي مجموعة واسعة. وفئات الهوية الإثنية هي جماعة جزئية من جماعة الهويات الأوسع تلك، تُعَّرَف بالقيود التالية: (أ) إنها غير مشخصنة، أي إنها "جماعة متخيلة"، ليس أعضاؤها جزءًا من الدائرة المباشرة للأسرة أو جماعة الأقارب. (ب) إنها تشكّل جزءًا من سكان البلد، بدلًامن أن تضمّ جميع ساكنيه. (ج) إذا كان أُّيُ واحد من الإخوة مؤهلًاللانتساب إلى إحدى الفئات في أيّ مكان معين، فإن جميع الإخوة الآخرين يكونون أيضًا مؤهلين للانتساب إلى تلك الفئة في ذلك المكان. (د) إن السمات المؤِهِلة للانتساب محصورة في السمات المنقولة جينيًا أو في اللغة أو الدين أو مكان الولادة أو القبيلة أو المنطقة أو الطبقة الدينية أو العشيرة أو القومية أو عرق آباء المرء أو أسلافه.

إذا بدا أن بعض هذه العناصر المقِّيِدة لجماعة الهويات الإثنية اعتباطية، فهي فعلًاكذلك. لماذا تُفرض قاعدة تتطلب أن يكون جميع الإخوة مؤهلين للانتساب إلى جماعة حتى تعتبر إثنية؟ لماذا نأخذ بهذه الجماعة الخاصة من السمات القائمة على الأصل وحدها دون غيرها؟ لا أقدم هنا أيّ تبرير تحليلي لهذه القيود. في الحقيقة، أرى أنه ليس هناك، إلى الآن، أُّيُ سبب وجيه لفصل الهويات الإثنية عن الأنواع الأخرى من الهويات القائمة على الأصل. هدفي هنا، ببساطة، هو تحديد تلك القيود التي يجب فرضها كي نقترب قدر الإمكان من التصنيف المتعارف عليه للهويات الإثنية. وبتحديدنا هذه الخصائص، يصبح في مقدورنا الوقوف على طابعها التعسفي واستبعادها إذا لزم الأمر ذلك. دعوني أوضح هذا التعريف من خلال مثال هيلين الُمُتخَّيَل من مزيج من الشخصيات في دراسة ماري واترز  15 حول المهاجرين من الهند الغربية في مدينة نيويورك. وُلدت هيلين في جزيرة ترينداد الناطقة باللغة الإنكليزية من أبوين ذَوَي أصول أفريقية. وهيلين ذات بشرة سمراء وعينين بُنيتين غامقتين وشعر ناعم، انتقلت إلى الولايات المتحدة الأميركية بعد حصولها على شهادة التعليم الثانوي في ترينداد، وهي تشتغل عاملة في قطاع خدمات الطعام، وَتَكسب 25 ألف دولار أميركي في السنة. وهي عضو في الحزب الديمقراطي وُتُصِّوِت له، ومتزوجة من رجل هايتي 16 في نيويورك، وتعلمت التحُّدُث باللغة الفرنسية التي هي الآن لغة التواصل الأولى مع أبنائها وزوجها. أخوها، ديريك الذي لون بشرته أفتح من أخته هيلين، وعيناه بُنيتان فاتحتان، ويشبهها في ما غير ذلك من الملامح، بقي في ترينداد. أما أبواُهمُا فهما ذَوَا تعليم عاٍلٍ ومن أصحاب المهن المتخصصة، وينتميان إلى حركة الشعب الوطنية في ترينداد، وهما من أتباع الكنيسة المشيخية Presbyterians، لكن هيلين تحولت إلى الكاثوليكية بعد تَعُّرُفها إلى زوجها. وفق التعريف الذي قُِّدِم سابقًا، فإن فئات الهوية الإثنية لهيلين تتضمن "السود" (السمة الُمُؤهلة إليها، بحسب المعايير الرائجة حاليًا، هي الانحدار من آباء أفارقة، وتشير إليها سمات مثل لون بشرتها وملامحها الجسمانية)، وكذلك كونها غرب هندية (السمة الُمُؤهلة إليها هي الانحدار من أبوين يعيشان في ترينداد، الأمر الذي تشير إليها لكنتها وسمات أخرى.) وتتحدد هاتان الفئتان بسمات مرتبطة، أو يعتقد أنها مرتبطة بالأصل، وتضع هاتان المجموعتان من السمات هيلين وأخاها ديريك في الفئات نفسها. وتشمل فئات الهوية الإثنية لهيلين الهوية الأفريقية - الأميركية (تحِّدّد الانتساب إليها في الولايات المتحدة سمات الانحدار من أبوين أفريقيين ولون البشرة والملامح الجسمانية.) في حين أن ديريك الذي بقي في ترينداد لا يمكن أن يَِصِ ف نفسه بالأفريقي- الأميركي. لكنه إذا رحل إلى الولايات المتحدة، فسيصبح مؤهلًاللانتساب إلى هذه الفئة على غرار أخته. وفقًا لهذا التعريف، فإن فئات الهوية الإثنية لهيلين لا تتضمن العديد من فئات الهوية الأخرى القائمة أيضًا على سمات قائمة على الأصل، مثل "ُذُرّية أنصار حركة الشعب الوطنية" (اسُتُبعدت لكون أساسها ليس الملامح الجسمانية أو لغة أبويها أو الدين، أو العرق، أو القبيلة، أو الكاست، أو القومية، أو مكان الولادة)؛ "وذوو الأعين البنية الغامقة" (اسُتُبعدت لكونها تُخرج أخاها من الفئة، على الرغم من أن أساسها ملامحها الجسمانية)؛ وفئة "الإناث" (لأنها أيضًا تُخرج أخاها من الفئة.) ولا تَشتمل فئات الهوية الإثنية لهيلين أيضًا على الكاثوليكية (لأنها تتحدد بالتحول الواعي إلى طائفة أخرى خلال حياتها، وليس بالأصل أو بأسطورة الأصل)؛ والناطقين بالفرنسية (المحددة باكتسابها لغةً ليست لغة أسلافها)؛ والطبقة العاملة (المحددة بسمات مكتسبة خلال حياتها على غرار شهادة التعليم الثانوي ووظيفتها عاملة في خدمات الطعام)؛ والديمقراطيين (المحددة بانضمامها إلى الحزب الديمقراطي خلال حياتها.) يلتقط التعريف الذي أقدّمه هنا غالبية، وليس كلّ، الفئات التي يعتبرها علماء السياسة المقارنة فئاٍتٍ إثنيةً. فمثلًا، على الرغم من كون تصنيف علماء السياسة يضم كل الفئات القائمة على اللغة، فإن التعريف الذي نقترحه يميز بين الفئات التي تكون فيها السمة المحددة للانتساب هي لغة الَّسَلف (أو لغة يُعتقد أنها لغة الَّسَلف)، والتي هي بحسب التعريف فئة إثنية، والفئات التي يكون فيها الانتساب محددًا بلغةٍ مكتسبةٍ خلال حياة الفرد، فلا تُعتبر بحسب التعريف الذي نقترحه فئةً إثنية. يسمح لنا هذا الأمر أيضًا، بالتوفر على قاعدة يمكن وفقها تصنيف الفئات الُمُبهمة، كالعشيرة أو المنطقة. فوفق التعريف المقَّدَم، لا تُعتبر فئةٌ مناطقيةٌ معينةٌ فئةً إثنيةً إّل اإذا كانت المنطقة المتخذة سمةً محِّدِدةً للانتساب هي الموطن الأصلي لآباء الفرد وأسلافه، وليست المنطقة التي يقيم فيها حاليًا. ولا تعتبر العشيرة فئةً إثنية إّل اإذا كانت تشكّل جماعة متخيلة لأفراد غير مرتبطين بصلة قرابة مباشرة، وإذا كانت تلك العشيرة هي عشيرة آباء الفرد وأسلافه.

  1. Mary C. Waters, Black Identities: West Indian Immigrant Dreams and American (Cambridge/ London: Harvard University Press, 1999).
  2. 16  جمهورية هايتي في منطقة الكاريبي. (المترجم)

ثانيًا: مقارنة بتعريفات أخرى

تشمل تعريفات الهوية الإثنية الأكثر استعمالًافي الأدبيات السابقة ما يلي: بحسب ماكس فيبر، فإن "الجماعات الإثنية هي تلك الجماعات البشرية التي لديها اعتقاد ذاتي Subjective بأن لها أصلً مشتركًا بسبب وجود تشابهات جسمانية الطابع أو العادات أو كليهما، أو بسبب ذكريات حول الاستيطان أو الهجرة. وهذا الاعتقاد لا بد من أن يكون ذا أهمية في نشأة الجماعة. وفي المقابل، لا يهم الوجود الموضوعي لرابطة الدم من عدمه" 17. وبحسب دونالد هورويتز  18، ف "الإثنية قائمة على أسطورة لسَلف جماعي عادةً ما يحمل معه سمات يُعتقد أنها فطرية. إن شكلً من النِّسبة Ascription، مهما تكن خفيفة، والألفة المنبثقة منها لا يمكن فصلهما عن الإثنية." أما وفق فيرون وليتن  19، فإن الجماعة الإثنية هي "جماعة أوسع من الأسرة، يُحَدَد الانتساب إليها بالأصل في المقام الأول، وهي مستقلة مفاهيميًا، ولها "تاريخ طبيعي" متعارف عليه." في تنقيح لاحق، يعرّف جيمس ف  وررن20 الجماعة الإثنية "النموذجية" بأنها تلك التي تتسم بخصائص عدّة من بين الخصائص التالية: (أ) الأصل هو المحدد الأساسي للانتساب، (ب) أعضاؤها واعون بالانتساب إلى الجماعة، (ج) يشترك الأعضاء في سمات ثقافية متميزة، (د) هذه السمات الثقافية هي محل تقدير من أغلب أعضاء الجماعة، (ه) لهذه الجماعة موطن أو تتذكر أن لها موطنًا أصليًا، (و) للجماعة تاريخ مشترك كجماعة، وهذا التاريخ "ليس كله مُصطنعًا، بل له أسس في الواقع." وبحسب أنتوني سميث، فالجماعة الإثنية هي "جماعة بشرية معيّنة لديها أساطير حول سلف مشترك وذكريات تاريخية مشتركة، وعنصر أو أكثر من ثقافة مشتركة، وارتباط بموطن، ونوع من الشعور بالتضامن" 21. تتفق جميع التعريفات في هذه القائمة على أن الأصل مهم (على نحوٍ ما) في تعريف الجماعة بأنها إثنية. والاختلافات هي في كيفية تحديد دور الأصل، وإذا ما كان يمكن - وكيف يمكن - إدماج عناصر أخرى معه عند تعريف الجماعات الإثنية. وُيُحَّدَد دور الأصل في أربع صور، هي: (أ) سلف مشترك، (ب) أسطورة سلف مشترك، (ج) أسطورة موطن أصلي مشترك، (د) والأصل باعتباره قاعدة للانتساب. أما الخصائص المقترنة بالأصل، فتتضمن ثقافة مشتركة أو لغة، وتاريخًا مشتركًا، واستقلالًامفهوميًا. أتحقق في ما يلي مما إذا كانت كل خاصية من هذه الخصائص تسمح منفردةً بتعريف الهوية الإثنية على نحو واٍفٍ، ثم أقوم بعدها بتقويم التعريفات القائمة على توليفات من هذه الخصائص. وبأخذ أمثلة لمجموعات من الفئات التي يُصنّفها عادة علماء السياسة المقارنة على أنها إثنية، أطرح ثلاثة أسئلة حول كل خاصية من الخصائص التعريفية: (أ) هل القاعدة (التي يجري وفقها الإدراج في أيّ فئة من الفئات ضمن مجموعة معنية) تقتضي أن يشترك الأفراد في الخاصية الُمُعِّرِفة؟ هل القاعدة التي يجري وفقها إدراج الأفراد في فئات إثنية مختلفة (ضمن مجموعة يمكن المقارنة بين فئاتها) تقتضي أن يكون الأفراد مختلفين في الخاصية الُمُعِّرِفة؟ هل مجموعات الفئات التي يصنّفها علماء السياسة المقارنة على أنها إثنية هي وحدها التي تمتلك هذه الخصائص؟ إذا كان يُستحب أن يستجيب التعريف المثالي لهذه الشروط الثلاثة، فإن الشرطين الأوّلين هما الأبلغ أثرًا بالنسبة إلى مشروعنا هذا. يسمح التعريف الذي يغطي أغلب الفئات التي نسميها إثنية بتقييم أهمية الهوية الإثنية، حتى لو كان هذا التعريف يتضمن فئات إضافية، ما دام يشمل، على أقل تقدير، كل العينة التي تُستخلص منها الاستنتاجات. في حين أن أي تعريف يستبعد فئات نصنّفها عادة إثنيةً يجعلنا أقل قدرة على تقييم الادعاءات حول أهمية الهوية الإثنية لأنه في هذه الحالة يصف عينة مبتورة.

1. السلف المشترك

لا بد لأي تعريف يعتمد السلف المشترك أساسًا، من تحديد درجة القرب المطلوبة لوصف جماعة معينة بأنها جماعة إثنية. هل السلف المشترك معناه سلف مشترك عند أول تفرّع سابق [لشجرة الأسلاف] 22، أم عند مئة تفرّع سابق، أم عند مليون تفرّع سابق؟ من دون تحديد لهذا الأمر، يمكن أن نجد لأي شخصين نقطة معينة، تتقاطع فيها شجرتاهما العائلية، وذلك إذا ما رجعنا بما يكفي إلى الماضي؛ مما ينتج

  1. John Hutchinson & Anthony D. Smith, Ethnicity (Oxford: Oxford University Press, 1996), p. 35.
  2. Horowitz, p. 52.
  3. James D. Fearon & David D. Laitin, "Ordinary Language and External Validity: Specifying Concepts in the Study of Ethnicity," Paper Presented at the University of Pennsylvania, Philadelphia, 20-22/10/2000.
  4. Fearon, "Ethnic and Cultural Diversity by Country," p. 7.
  5. Hutchinson & Smith, p. 6.
  6. 22  كل العبارات الواردة بين معقوفين هي إضافات من المترجم لضمان وضوح الفكرة.

منه إلغاء كل الاختلافات بين الجماعات  23 [البشرية.] دعونا نفترض أن "السلف المشترك" معناه أن الأفراد المنتمين إلى الجماعة الإثنية نفسها يشتركون بسلف أقرب قياسًا بأفراد من جماعة إثنية أخرى. هذا الافتراض يستبعد العديد من الفئات التي تصنف على أنها إثنية. لنتأمل مثلًافئتي السود والبيض. فهما بوصفهما مجموعتين من الفئات التي أساسها العرق، توافقان التصنيف المتعارف عليه في السياسة المقارنة، وُعُدّتا فئتين إثنيتين، على الأقل صراحةً من طرف فيرون  24، وألسينا وزملائه25، وقاعدة بيانات "أقليات في خطر" (التي تستعمل عبارة الأفارقة - الأميركيين عوضًا عن السود.) وعلى الرغم من الفصل بين الفئتين، فإن العديد من الأميركيين البيض المنحدرين من عائلات ملُاك العبيد لهم أسلاف مشتركون مع السود الأميركيين في الماضي القريب. لُنُمعن النظر في مثال إي. سي. هارت Hart E.C.، الذي صُِّنِف أبيَضَ من ولاية لويزيانا، وله عدة أبناء من كورنليا Cornelia، وهي سيدة ملونة 26. هكذا يكون لأبناء هارت من زوجةٍ بيضاء سلٌفٌ مشترٌكٌ مع أبنائه من كورنليا على المستوى الأقرب (الأب نفسه.) لكنّ مجموعَتَي الأبناء ما كانتا لتصنفا أعضاء في الجماعة نفسها في لويزيانا. فأبناء هارت من كورنليا صنفوا حينها ملونين، ومن شأنهم أن يُصنفوا اليوم سودًا. أما أبناؤه من الزوجة البيضاء فصنفوا في حينه ويصنفون اليوم بيضًا. ومن ثم، فإن علماء السياسة المقارنة في تصنيفهم هاتين الفئتين الإثنيتين لا يتّبعون قاعدة عمادها السلف المشترك. في المقابل، فإن أفرادًا يشتركون في سلف أبعد في التاريخ، مثل الإيرلنديين الأميركيين والليتوانيين الأميركيين، أو المهاجرين الجمايكيين أو النيجيريين، يصنفون أعضاء في الفئات الإثنية نفسها. أما في حالة فئات أخرى، من قبيل الهندوس والمسلمين في الهند، أو البنجابيين والسنديين في باكستان، أو الفلامانيين والولانيين 27 في بلجيكا، فلا تُطرح أصلًامسألة السلف المشترك. وبناءً عليه، فإن السلف المشترك لا يمكنه أن يكون الخاصية الُمُعِّفرِة لجماعة إثنية. وفي الواقع، هناك حالات قد ينتمي فيها أفراد إلى جماعات إثنية مختلفة، على الرغم من الوجود الفعلي لسلف مشترك.

2. أسطورة السلف المشترك

كثيرة هي الجماعات الإثنية التي لديها أسطورة حول سلف مشترك، خصوصًا بين القبائل الأفريقية. فمثلًا، يُرجع اليوروبيون Yorubas في بلاد اليوروبا Yorubaland أصلهم إلى سلف أسطوري يسمى أودودوا Oduduwa، في حين أن اليوروبيين القاطنين في جماعة مختلفة من "مدن الأسلاف" يُرجعون أصلهم إلى أحد أبناء أودودوا 28. ينطبق الأمر ذاته على الزولو Zulus في جنوب أفريقيا، إذ يََّدَعون أنهم ينحدرون من الجد زولو، وهو ابن زعيم قبلي من النغوني Nguni في منطقة حوض نهر الكونغو. في حين يَدّعي الكيكويو Kikuyus في كينيا أنهم ينحدرون من جد واحد هو جيكويو Gikuyu. قد يكون التأثير الكبير لدارسي أفريقيا في دراسة الإثنية أحد الأسباب وراء كثرة اعتماد أسطورة السلف المشترك خاصيةً مُعِّفرِةً للجماعات الإثنية.

لكنّ هذه الخاصية الُمُعِّرِفة تستبعد قسطًا مهًّم ا من الجماعات التي تصنف هي أيضًا على أنّها إثنية، سواء في أفريقيا أو في مناطق أخرى من العالم، ولا تَّدَعي وجود سلف مشترك لها، ولا تميز نفسها من غيرها على أساس أساطير حول السلف المشترك. هذا هو حال السود والبيض في الولايات المتحدة، والبنجابيين والسنديين والباتان Pathans في باكستان، والهندوس والمسلمين في الهند، والصرب والكروات في يوغوسلافيا السابقة، والسود والبيض والملونين والهنود في جنوب أفريقيا، وذلك على سبيل المثال لا الحصر؛ حيث إنه ليس هناك أيّ جماعة من هذه الجماعات تَّدَعي وجود سلف مشترك لها (بغضّ النظر عّم اإذا كان هذا السلف حقيقيًا أم لا) أو تميز نفسها من الُأ خريات على أساس أساطير السلف.

  1. Luca Cavalli-Sforza, Genes, Peoples, and Languages (New York: North Point, 2000).
  2. Fearon, "Ethnic and Cultural Diversity by Country."
  3. Alesina et al.
  4. Virginia R. Dominguez, White by Definition: Social Classification in Creole Louisiana (New Brunswick, NJ/ London: Rutgers University Press, 1986), pp. 26-27.
  5. 28  David D. Laitin, Hegemony and Culture: Politics and Religious Change among the Yoruba (Chicago, IL: University of Chicago Press, 1986), p. 110.
  6. 27  نسبة إلى الإقليمين، فلاَمَنيا ذي الساكنة المتحدثة باللغة الهولندية وولونيا ذي الساكنة الفرنكفونية. (المترجم)

يتضح انعدام أهمية أسطورة السلف المشترك باعتبارها قاعدة للانتساب في الجماعات التي نعتبرها عادة إثنية أشد ما يكون حين نأتي إلى حالات تتكون فيها جماعات إثنية جديدة نتيجة لتصُّدُعات في جماعات قديمة. لنتأمّل مث لًاواحدًا لعملية الانقسام هذه. نشأت فئة الباكستانيين الإثنية نتيجة للكفاح المناهض للاستعمار. وأدى انقسام مبكر في هذه الفئة (التي هي نفسها نتجت من انقسام سابق داخل فئة أكبر: الهنود) بين المسلمين البنغال من جهة، وبقية المسلمين من جهة أخرى، إلى نشأة دولة بنغلاديش المستقلة بوصفها دولة للمسلمين البنغال. وظهرت جماعات إثنية جديدة داخل باكستان، مثل البنجابيين والسنديين والباتان والبلوش. لم تكن أساطير السلف المشترك جزءًا من المسار الذي دفع الرواد السياسيين والجماهير داخل هذه الجماعات إلى تمييز أنفسهم من غيرهم. وعلى الرغم من ذلك، فإن علماء السياسة المقارنة عادة ما يصنّفون هذه الجماعات على أنها إثنية  29. لعلّ ما يحظى بالأهمية الأكبر ليس أسطورة السلف المشترك، بل أسطورة الأصل المشترك، وكثيرًا ما يجري الخلط بينهما. ففي حال السود والبيض، على الرغم من أنهما لا تُعَّرَفان ولا مُت يزان على أساس سلف مشترك، فإن كل واحدة منهما تُربط بموقع أصل مُمَّيَز خاص بها: أفريقيا بالنسبة إلى السود، وأوراسيا بالنسبة إلى البيض أساسًا. وعلى الشاكلة نفسها، فإنه على الرغم من أن الصرب والكروات لا يَز بينهما على أساس سلف مشترك، فإنه يمكن ربطهما بأراٍضٍ مميزة في وسط أوروبا وجنوبها. وفي مثال انقسام جماعة الباكستانيين، فإن كل فئة ترتبط بإقليم مميز، وسأرجع إلى هذه النقطة. لكن دعونا بدايةً نعرض الانتقاد الموجه إلى التعريف الذي أقترحه في هذه المقالة. فالقول إنّ السلف المشترك، سواء أكان حقيقيًا أم أسطوريًا، لا يلتقط تصنيفات الجماعات الإثنية التي يوظفها علماء السياسة المقارنة، لا يَستوجب أن السلف، سواء أكان حقيقيًا أم متخيلًا، ليس ذا أهمية، بل على العكس من ذلك تمامًا. فتبعًا للتعريف الذي أقترحه، فإن الأصل، أو أسطورة الأصل، أمر حاسم في تعريف جماعة إثنية، في حين أن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى السلف المشترك أو أسطورة السلف المشترك. على سبيل المثال، تفصل القاعدة التي تَُصَِّنِف الأفراد إلى سود أو بيض في الولايات المتحدة، بين أولئك الذين لديهم، أو يُعتقد أنه لديهم، نسبة من الدم الأفريقي وأولئك الذين ليس لديهم، أو يُعتقد أنه ليس لديهم، قطرة من الدم الأفريقي 30. قاعدة الانتساب هذه تجعل من السود والبيض فئَتيَن إثنيَتيَن، لأنها تتطلب امتلاك سمات أساسها السلف (نسبة من الدم الأفريقي) على الرغم من أنها لا تتطلب سلفًا مشتركًا. ووفقًا لهذا المنطق، فإن المهاجرين في باكستان يصنفون إثنيةً لأن السمة المؤهلة للانتساب إليها هي الأصل، أو الأصل الُمُصطنع، من آباء هاجروا من شمال الهند. حقيقة السلف المشترك، حتى لو كان يمكن التحقق منها، تظل بلا أهمية لقاعدة الانتساب هذه.

3. موطن أصلي مشترك أو أسطورة الموطن الأصلي المشترك

لنفترض الآن، أنه عوضًا عن أن نُعِّفرِ الجماعة الإثنية على أساس السلف المشترك، فإننا نُعرّفها بأنها جماعة من الأفراد الذين لهم موطن أصلي مشترك، أو يمتلكون أسطورة تدّعي اشتراكهم في موطن أصلي. ويمكننا، بلا شك، أن نحدد مجموعة جزئية لجماعات إثنية مرتبطة بموطن أصلي مشترك، لكنّ تصور وجود موطن أصلي لجماعة معينة يفترض وجودًا مسبقًا لهذه الجماعة، ولا يعرّفها. وحين نفترض جماعة نتصورها على هذا النحو، يمكن أن نفكّر رجوعًا في الزمن، ونطرح ذلك التحديد ل "منطقة" [الموطن الأصلي] ونختار ذلك الحيّز الزمني الذي يسمح لنا بإيجاد منطقة الموطن الأصلي المشترك. في حين لا يمكن، انطلاقًا من ذلك الموطن الأصلي، أن نتنبّأ بحدود الجماعة الإثنية. ولتوضيح الأمر، دعونا نُعُد إلى حالة السود والبيض في الولايات المتحدة. يمكن رَبط السود في الولايات المتحدة بأفريقيا من خلال اعتبارها منطقة موطنهم الأصلي المشتركة، وعلى المنوال نفسه، ربط البيض بأوراسيا. لكنّ هذا الربط يتوقف على: (أ) تعريف "المنطقة" الذي نستخدمه، (ب) الحقبة الزمنية التي نختارها نقطَةَ انطلاق. فالاختلاف في تعريف منطقة [الموطن الأصلي] وفي اختيار الحقبة الزمنية قد يكشف عن مواطن أصلية مختلفة للجماعتين أو عن موطن أصلي مشترك. إذا صنّفنا أفريقيا وأوراسيا منطقَتيَن مختلفَتيَن، يمكن أن نربط السود والبيض بمنطقَتَي أصل مختلفَتيَن، وبذلك نُعرّف الجماعتين بوصفهما جماعَتيَن إثنيَتيَن مختلفَتيَن. غير أنه ما من سبب تحليلي للنظر إلى أفريقيا وأوراسيا على أنهما منطقتان مختلفتان بدلًامن تجزئتهما مزيدًا من التجزئة ضمن كلتا "المنطقتين." فلو نظرنا إلى مناطق في أفريقيا، بما فيها ليبيريا الحالية وغانا وكوت ديفوار وتوغو

  1. 29  مثل:ا
  2. Horowitz, p. 281; Alesina et al.; Fearon, "Ethnic and Cultural Diversity by Country." 30  Melissa Nobles, Shades of Citizenship: Race and the Census in Modern Politics (San Francisco: Stanford University Press, 2000).

وبنين والكاميرون، على أنها مناطق مختلفة، فلن نجد جماعة إثنية واحدة، بل عدة جماعات إثنية، كل واحدة منها مرتبطة بمنطقة من إحدى مناطق الأصل هذه. وعلى المنوال نفسه، إذا اعُتبُرت مناطق في أوراسيا، بما فيها فرنسا وإيرلندا وألمانيا وليتوانيا وبولندا وإيطاليا، مناطَقَ مختلفة، فيجب أن نتوقع أن نجد عدة جماعات إثنية موطنها الأصلي أوراسيا؛ أي إن تحديد أفريقيا وأوراسيا بوصفهما منطقَتَي أصل يتطلب منا، أولًا، أن نِّعِرف السود والبيض بمعايير غير المنطقة، ثم نستخدم تعريفًا ل "الموطن الأصلي"، يشتمل على أعضاء هذه الجماعات المَعََّرّفة مسبقًا، ويستبعد غير الأعضاء. علاوة على ذلك، حتى لو اعتبرنا أفريقيا وأوراسيا منطقَتيَن مختلفَتيَن، فإن القول إنّ السود والبيض ينحدرون من هاتين المنطقتين لا يكون ذا معنى إلا إذا كانت هذه الحجة مبنية على حقبة زمنية معينة. فيمكن، مثلًا، أن نجد مكان أصل مشترك للسود إذا انطلقنا من بداية تجارة الرق في القرن السادس عشر. أمّا إذا واصلنا بالرجوع بالزمن إلى الوراء، فسوف نصل إلى نقطة في التاريخ يجد فيها السود والبيض أصلهم في ما يسمى اليوم أفريقيا  31. أمّا إذا اتخذنا نقطة انطلاق أحدث في التاريخ، فيمكننا أن ندّعي بكل سهولة أن لكلتا الجماعتين موطنًا أصليًا مشتركًا هو الولايات المتحدة. وبناءً عليه، فإن القول إنّ الجماعات الإثنية تُعَّرَف بارتباطها بموطن أصلي مشترك لا يستقيم إلا إذا (أ) اعتبرنا الجماعة المعنية معطى مسبقًا، (ب) تتبّعنا أصلها إلى النقطة التي نجد فيها أن أسلاف كل جماعة عاشوا في مناطق جغرافية منفصلة. مثلًا، يُربط اليوم كلّ من الصرب والكروات والبوسنيين في يوغوسلافيا السابقة بمواطن أصلية مختلفة في صربيا وكرواتيا والبوسنة. ولكن يكفي الرجوع إلى القرن التاسع عشر لنجد أن هذه الجماعات ربما كان يُنظر إليها في ذلك الزمان على أن لها موطنًا أصليًا مشتركًا هو مناطق السلاف الجنوبية، وُتُعتبر، إذًا، جماعة إثنية واحدة، لا ثلاث جماعات إثنية مختلفة. وينطبق هذا أيضًا على البنجابيين والسنديين والباتان والبلوش الذين يمكن النظر إليهم على نحو معقول باعتبارهم ينحدرون من مناطق مختلفة أو من المنطقة نفسها. وبالمثل، فإنّه ليس للسنهال Sinhalese والتاميل Tamils في سريلانكا موطنان مختلفان إلا إذا اعتبرنا أن شمال سريلانكا وبقية الأراضي السريلانكية منطقتان مختلفتان، أو عدنا إلى الوراء أكثر، واعتبرنا ما يسمى تاميل نادو Nadu [في الهند]، منطقة متميزة من غيرها وربطناها بهجرة التاميل منها إلى سريلانكا. ولكن، لماذا يُفترض بنا أن نعرّف هذه المناطق على هذا النحو؟ ألا يمكننا النظر إلى سريلانكا كلها، أو الجزء الشمالي من سريلانكا والجزء الجنوبي من الهند، على أنها منطقة واحدة، ومن ثمّ النظر إلى السنهال والتاميل على أنّ لهم موطنًا أصليًا مشتركًا؟ وكما أن تعريف الجماعة يسبق تمييز منطقة الموطن الأصلي الخاصة بها، فإنه لا يمكن أن تكون حقيقة أو أسطورة منطقة الموطن الأصلي المشتركة الخاصيَةَ المعرّفَةَ للجماعات الإثنية. وعلاوة على ذلك، فإنّ هناك العديد من الجماعات الإثنية التي عادة ما تُعَّرَف على أساس الدين والعرق، ولا يتوقف التمييز فيها بين الفئات داخل الجماعة نفسها على الموطن الأصلي الحقيقي أو المتخيل. ومثال ذلك الهندوس والمسلمون في الهند، والمسيحيون والمسلمون في نيجيريا، والبلانكو والبرادو والبريتو في البرازيل، وما إلى ذلك.

4. قاعدة الأصل

تُعتبر قاعدة الأصل التي قدّمها فيرون وديفيد لايتين أحدث المحاولات لتوضيح دور الأصل في تعريف الجماعة الإثنية، إذ يشيران إلى أنه "لتحديد إثنية شخٍصٍ ما، لا نحتاج إلى معرفة أيّ شيء عن عاداته الثقافية، أو لغته الأم، أو ديانته أو أيّ نوع من المعتقدات. لا نحتاج، بكل بساطة، سوى إلى معرفة أبويه. والسؤال "ما إثنية هذا الشخص؟" هو في الاستخدام المعتاد سؤال عن "الجماعة الإثنية التي يُنسب إليها أبواه (أو أسلافه القريبون)[...]كل ما يحتاج إليه المرء لُيُعتبر عضوًا في جماعة إثنية هو أن يكون لديه استعداد لقبول الادّعاء القائل إنه ينحدر مباشرة من أعضاء في تلك الجماعة" 32. يعاني هذا التعريف التباسًا مهمًا. فهل نُعرّف جماعة معيّنة بأنها إثنية إذا كان معيار الانتساب إليها هو أن جميع آباء أعضائها يصنفون أعضاء في الجماعة نفسها، سواء أكانت هذه الجماعة تُعتبر أيضًا إثنية أم لا (نشير إلى هذه القاعدة من الآن فصاعدًا بقاعدة لوىلاأ لصلاأ) لاإّاا ةينثإ اهنأب ةنيعم ةعمجا فرّعن لاأّاا انيلع نّأ مأ؟ إذا كان معيار الانتساب هو أن جميع آباء أعضاء الجماعة يصنفون أعضاء في الجماعة نفسها التي تُعتبر جماعةً إثنية هي أيضًا (نشير إلى هذه القاعدة من الآن فصاعدًا بقاعدة الأصل الثانية.) يظهر الفرق بين الصيغتين من خلال مثال اليهود الأميركيين. فبحسب فيرون ولايتين 33، فإن "الكثير من الأميركيين الذين لم يعودوا يمارسون الشعائر الدينية اليهودية ولا يتكلمون العبرية ما زالوا يَعتبرون أنفسهم وَيَعتِب رهم الآخرون يهودًا إثنيًا، لأنّ آباءهم وأجدادهم يصنفون كذلك." ولكن هل يكفي المحِّلِل معيارًا للانتساب إلى جماعة اليهود الأميركيين (بوصفها جماعة إثنية) أن يكون آباء الشخص قد صُنّفوا يهودًا، بغضّ النظر عما إذا كان اليهود في أثناء حياة آباء ذلك الشخص يُعتبرون

  1. 33  Ibid., p. 14.
  2. Fearon & Laitin.
  3. 31  Cavalli-Sforza.

جماعة إثنية أم لا (القاعدة الأولى)؟ أم يتعين أن يكون معيار الانتساب إلى جماعة اليهود الأميركيين أن يكون آباء الشخص قد صُنّفوا هم أيضًا يهودًا إثنيًا، ما يستوجب أيضًا أن يصنّف الأجداد أيضًا يهودًا إثنيًا، الأمر الذي يتطلب أن يصنّف آباء الأجداد أيضًا يهودًا إثنيًا، وهكذا إلى ما لا نهاية (القاعدة الثانية.) تغطي قاعدة الأصل الأولى مجموعة أوسع من الحالات التي نَنظر إليها عادة باعتبارها جماعات إثنية من تلك التي تغطيها القواعد التي تتطلب أن يكون للجماعات الإثنية أسطورة سلف مشترك أو أصل مشترك. لكنها، في المقابل، تستبعد حالات متعددة عادةً ما يَعتبر فيها الأشخاص أنفسهم، أو يعتبرهم الآخرون أعضاء في جماعة نصنفها إثنيةً، ولو لم يكن آباؤهم مصنّفين ضمن هذه الجماعة. حين اخُت رعت فئة اليوروبا في القرن التاسع عشر في نيجيريا، لم يُصَّنَف آباء أولئك المصِّنِفين يوروبيين على أنهم يوروبيون هم أنفسهم، لأن هذه الفئة لم تكن موجودة خلال حياتهم. وبحسب القاعدة الأولى، فإن اليوروبا في القرن التاسع عشر لم تكن لُتُصنف إثنيةً. ولكن واقع الحال هو أن جميع علماء السياسة المقارنة يصنفون فئة اليوروبا فئةً إثنيةً من دون تمييز بين الفترات الزمنية. مثال آخر، هو فئة "كاست الجماعات المتأخرة الأخرى" في الهند؛ تلك 34Other Backward Caste, OBC الأوبيسيز  ] [الفئة التي تتميز بامتلاك أعضائها مجموعة خاصة من الكنى و/ أو المهن القديمة. وقد أحدثت الحكومة المركزية الهندية هذه الفئة في عام 1990. وفي غضون بضع سنين، أصبح 25 في المئة من الهنود يُصِّنِفون أنفسهم، أو يُصَّنَفون، في هذه الفئة. لكن آباء أولئك الذين صُنفوا فيها لم يُصِّنِفوا أنفسهم، أو يصنّفهم غيرهم، كذلك، لأنّ هذه الفئة لم تكن موجودة خلال حياتهم. لذا، فإن التطبيق الجامد لقاعدة الأصل الأولى سيؤدي بنا إلى عدم تصنيف الجيل الأول من الأوبيسيز جماعةً إثنيةً، على اعتبار أن الانتساب إلى هذه الفئة غير مرتبط بكون آباء الفرد مصنّفين أيضًا على هذا النحو. المثال الثالث، هو فئة الهوية المسماة المهاجرين التي تصنف جماعةً إثنيةً في قواعد بياناتنا 35. وكما قلنا من قبل، تشير هذه الفئة إلى أولئك الذين هاجروا إلى باكستان من شمال الهند وأبنائهم. وآباء العديد من أولئك الذين صُنّفوا مهاجرين لم يكونوا أنفسهم مهاجرين، ولذلك فإن تطبيق قاعدة الأصل الأولى سيؤدي بنا إلى عدم تصنيف الجيل الأول من المهاجرين جماعةً إثنية، ما دام الانتساب إلى هذه الفئة (كما تتطلب ذلك القاعدُةُ الأولى) غير مرتبط بكون آباء الفرد مصنّفين مهاجرين أيضًا. أما المثال الرابع، فهم الكريول Creole في لويزيانا 36. ففي البداية، كان الأفراد يُصنفون كريوليين في لويزيانا إذا وُلدوا في مستعمرة لويزيانا وكانوا ينحدرون من آباء فرنسيين و/ أو إسبان. وفي كثير من الحالات، لم يكن الآباء أنفسهم مُصنّفين كريوليين. هنا أيضًا، تؤدي قاعدة الأصل الأولى بنا إلى تصنيف الكريول جماعةً غير إثنية على اعتبار أنه يمكن أن يكون الشخص من الكريوليين حتى لو لم يكن أبواه مصنَّفيَن كريولَّييَن. أخيرًا، لنأخذ حالة فئات أخرى مثل الملونين. ففي الولايات المتحدة، لم يكن الأفراد يصنّفون ملونين إلا عندما كان أحد الأبوين يصنّف ملونًا، ولكن أيضًا عندما كان أحدهما يصنف أبيَضَ والثاني أسود 37. ومن شأن تطبيق قاعدة الأصل الأولى أن يؤدي هنا إلى التعامل مع "الملونين" جماعةً غير إثنية. وفي محاولة جزئية لحل هذه الإشكالية، أشار فيرون ولايتين   38إلى أنه "في حالات الزيجات المختلطة، تُستعمل توافقات اعتباطية (وسياسية) يمكن أن تختلف من مكان إلى آخر." لكن على الرغم من أن هذه التوافقات الاعتباطية قد تُحدد إلى أيّ جماعة يتعّي ننسب الأبناء من الزيجات المختلطة - سود، بيض، ملونون، مولاتو Mulatto، كادرون Quadroon، مستيزو Mestizo، متعددو أعراق، وما إلى ذلك - فإن التصنيف المتوافق عليه لجميع هذه الجماعات، على الأقل في العلوم السياسية، هو أنها إثنيات. ويعني هذا أن تعريف مصطلح الإثنية يجب أن يتضمن مثل هذه الحالات. يبّي نالنقاش السابق أنه على الرغم من أن قاعدة الأصل الأولى تغطي العديد من الفئات التي تصنف على أنها إثنية، لكنها تبقى في حاجة إلى التعديل لتأخذ في الاعتبار حالات إضافية. والتعريف المقترح في هذه المقالة هو أحد هذه التعديلات. فبحسب هذا التعريف، فإن اليوروبا والمهاجرين والأوبيسيز والكريول والملونين كلها فئات إثنية، كون الانتساب إلى كل واحدة منها يتوقف على امتلاك سمات مرتبطة بالأصل، تحيل على اللغة أو الدين أو القبيلة أو العرق أو الكاست أو القومية أو المنطقة أو المواصفات الجسمانية، منحدرة من آباء ينتسبون إلى مجموعة من المدن في حالة اليوروبا، ومن آباء وُلدوا في شمال الهند بالنسبة إلى المهاجرين، ومن آباء ينتمون إلى مجموعة

  1. 34  في ما تبقى من المقالة المترجمة سنستخدم كلمة "الأوبيسيز" للدلالة على هذا
  2. 38  Fearon & Laitin, p. 13.
  3. Dominguez. 37  Ibid.; Nobles.
  4. الكاست، لكونها أصبحت اسم علٍمٍ لهذه الفئة في الهند. (المترجم)
  5. 35  Alesina et al.; Fearon, "Ethnic and Cultural Diversity by Country."

من الفئات الكاستية  39 في حالة الأوبيسيز، ومن آباء ولدوا في أوروبا في حالة الكريول، ومن آباء وأسلاف يشملون بيضًا وسودًا في حالة الملونين. هذا التعريف لا يتطلب أن يشترك الأبناء مع آبائهم في الفئة المعرفة بالسمات القائمة على الأصل نفسها، بل أن تكون السمات التي تؤهلهم للانتساب إلى الجماعات الإثنية سماٍتٍ مكتسبةً عن طريق الأصل فحسب. أما قاعدة الأصل الثانية فهي حَلَقية. فَك ييتم تصنيف شخص اليوم يهوديًا أميركيًا يجب أيضًا أن تكون جميع الأجيال السابقة من الأسلاف منحدرةً من أشخاص هم إثنيًا يهود أميركيون، وهؤلاء منحدرون ممن هم إثنيًا يهود أميركيون، وهكذا إلى ما لا نهاية. في هذه الحالة، ليس هناك أيّ طريقة منطقية لتعريف المجموعة الإثنية الأصلية للآباء اليهود الأميركيين؛ إذ لا يمكن تطبيق قاعدة الأصل الثانية إّل اإذا اعتبرنا بطريقة اعتباطية أن مجموعة من الهويات هي إثنية انطلاقًا من نقطة زمنية معيّنة، ثم صنّفنا الهويات الأخرى على أنها إثنية بالعلاقة بالمجموعة الأصلية. ويؤدي هذا التطبيق الاعتباطي لقاعدة الأصل الثانية إلى استبعاد عدد أكبر من الفئات التي تعتبر عادةً إثنيةً من العدد الذي تستبعده قاعدة الأصل الأولى.

5. ثقافة مشتركة

لنفترض أننا نعرّف "ثقافةً مشتركةً" بأنها مجموعة مشتركة من الرموز والقيم والقواعد Codes والمعايير (في توافق مع ما ذهب إليه روغوسكي Rogowski، كما نقلته ليزا ويدين 40.) مثل هذه التعريفات الواسعة لا تحدد الرموز والقيم والقواعد والمعايير التي من المهم أن يتقاسمها أعضاء الجماعة. ولعل اشتراط تقاسم جميع أعضاء الجماعة لهذه العناصر ينجم عنه استبعاد جميع الجماعات التي نَحسبها إثنية. فمثلًا، أولئك الذين يصَّنَفون على أنّهم يوروبيون يشتركون في بعض جوانب الثقافة المعرّفة على هذا النحو، كأسطورة الأصل المشترك وعبادة مجموعة مشتركة من الآلهة، ولغة مشتركة، لكن هناك أيضًا العديد من الجوانب الثقافية التي لا يشتركون فيها. فاليوروبيون الذين يرجعون بأصلهم إلى مدن الأسلاف Cities Ancetral في بلاد اليوروبا (اليوروبالاند) يتحدثون لهجات مختلفة من لغة اليوروبا، ويختلفون في المهرجانات المحلية التي يُحيونها، وفي الأساطير حول أصلهم، وفي المؤسسات والطقوس. فليس لدى المسيحيين والمسلمين من اليوروبا أنماٌطٌ مختلفة من الممارسات والالتزامات الدينية فحسب، بل لديهم أيضًا مجموعة من التوجهات القيمية المختلفة  41. أضف إلى ذلك أنّ لأولئك الذين يصنفون سودًا مفاتيَحَ فهٍمٍ ومعاييَرَ مختلفة. فبين السود الجمايكيين والسود الأميركيين ثمة اختلافات حقيقية أو متصورة على أساس اللغة وأخلاقيات العمل والقيم الأسرية  42. والأمر نفسه بين السود الأميركيين في شمال الولايات المتحدة وجنوبها  43، وبين السود من الطبقة المتوسطة والفقراء، وبين سكان الحواضر من السود والقرويين منهم  44. ولنأخذ مث لًاأخيرًا فئة الهندوس. هناك العديد من الرموز والقواعد والمعايير التي لا يشتركون فيها، أو يُعتقد أنهم لا يشتركون فيها. فالأدارميون Adharmis يتحدثون لغات مختلفة، ولديهم قواعد مختلفة تحكم الزواج ووساطة الخلافات ويمارسون طقوسًا دينية مختلفة عن الساتناميين Satnamis. ونجد أيضًا اختلافات بين الهندوس المتحدثين بالبنغالية والمتحدثين بالمليلامية Malyalam، وبين أغنياء الهندوس وفقرائهم، وبين الهندوس من سكان الحواضر وسكان القرى، وبين الأساتذة الجامعيين الهندوس ورجال الأعمال منهم، وهكذا دواليك. لنفترض الآن أننا لا نؤِّوِل الثقافة المشتركة على أنها وجوب امتلاك الأفراد جميع، أو معظم، الرموز والقواعد والمعايير المشتركة التي تؤهلهم أن يكونوا أعضاء في ثقافة مشتركة، بل على أنها وجوب اشتراكهم في ما بينهم في أكثر مما يشتركون فيه مع الأفراد غير المنتمين إلى جماعتهم، أي إنه ليس عليهم أن يشتركوا في جميع، أو معظم، الرموز والقواعد والمعايير كي ينتسبوا إلى الثقافة نفسها. وبعبارة أخرى، فإنّ كل زوج من أفراد الجماعة يجب أن يكون له من النقاط المشتركة أكثر مما لأيّ زوج من الأشخاص من جماعات إثنية مختلفة. وعلى الرغم من أن هذه القاعدة قد تبدو جذّابة من الوهلة الأولى، فإنها من الصعب أن تصمد عمليًا في عالم تتقاطع فيه الهويات الإثنية. لنعد أولًاإلى حالة اليوروبا. فعلى أحد أبعاد الهوية الإثنية، يُصنف اليوروبيون والإيبوس Ibos والهاوسا-فولانيس Hausa-Fulanis على أنهم جماعات إثنية مختلفة. ولتحقيق الشرط السابق، على كل زوج من الأفراد المنتمين إلى اليوروبا أن يكون لهما من المواصفات المشتركة أكثر مما لأيّ زوج مكوّن مثلًامن شخص من اليوروبا وشخص آخر من الإيبوس، أو من زوج من اليوروبا والهوسا-فولانيس. لكننا على

  1. 43  Nicholas Lemann, The Promised Land: The Great Black Migration and How it Changed America (New York: Vintage Books, 1991). 44  Malcolm X, The Autobiography of Malcolm X (New York: Ballantine Books, 1964).
  2. Lisa Wedeen, "Conceptualizing Culture: Possibilities for Political
  3. Laitin.
  4. Waters.
  5. 39  نسبة إلى الكاست. (المترجم)
  6. Science," The American Political Science Review , vol. 96, no. 4 (2002), pp. 713-728.

أساس البعد الديني، نقسم السكان أنفسهم إلى مسلمين ومسيحيين، وننظر أيضًا إلى الفئتين الأخيرتين على أنهما فئتا هوية إثنية. وحين تُعَّرَف الفئات الإثنية على أساس الثقافة المشتركة، لا بد من أن يكون لأي شخَصيَن مسيحَييَن من القواسم المشتركة أكثر من تلك التي توجد بين شخص مسيحي وشخص مسلم. وإذا ما تقاطع البعد الأول مع البعد الثاني، تناقض الادّعاء الأول والادعاء الثاني. فحين يكون لجميع اليوروبيين من القواسم المشتركة في ما بينهم أكثر من تلك التي لهم مع الإيبوس والهاوسا-فولانيس، لا يعود ممكنًا لجميع المسيحيين أن يكون لهم من القواسم المشتركة في ما بينهم أكثر مما لديهم مع المسلمين، على اعتبار أن بعض الأزواج بين اليوروبا ستتكَّوَن من مسيحيين ومسلمين. يصحّ الشيء ذاته على الأمثلة التي بين أيدينا: الهندوس والمسلمون، والسود والبيض. فكثير من الأفراد هم أعضاء في جماعات مختلفة تصنّف على أنها إثنية. وبناءً عليه، فإننا إذا عرّفنا الجماعات الإثنية على أساس الثقافة المشتركة، فإننا نستبعد على نحو غير منطقي عددًا كبيرًا من الحالات. لنفترض، في فهم ثالث للثقافة، أننا حين نقول إنّ لجماعةٍ ما ثقافةً مشتركة، نعني بكل بساطة أنها تتقاسم الإطار ذاته من المعاني؛ أي إنها تستعمل المفاهيم ذاتها وقادرة على الفهم المتبادل. ولا يهمّ هنا إذا كانت هذه الجماعة تنخرط في الرموز والقيم والقواعد والمعايير نفسها، أو حتى إذا كانت تتحدث اللغة ذاتها أم لا. وهذا قريب إلى الفهم الذي قدّمته ويدين  45 للثقافة باعتبارها "ممارسات سيميائية." فكما قال كليفورد غيرتز  46، الأفراد الذين لهم ثقافة مشتركة لا بد من أن يكونوا قادرين على الاتفاق على أن حركة جفن العين هي غمزة وليست ارتعاشًا لاإراديًا، بغضّ النظر عما إذا كانوا يغمزون في الوقت نفسه أو يعطون للغمز القيمة نفسها. وحتى وفق هذا التعريف المعقول للثقافة، لا يمكن تعريف الجماعات الإثنية بأنها جماعات ثقافية. فالعديد من الجماعات الإثنية تتضمن جماعات أصغر داخلها، لها معجمها الخاص الذي لا يفهمه الجميع على نحو متبادل. ففي نيويورك، في ستينيات القرن الماضي، كان لأجزاء من حي هارلم Harlem معجم شارع خاص لا يقل في صعوبته بالنسبة إلى الطبقة الوسطى من السود عن اللغة السنسكريتية  47. وعلى الرغم من ذلك، فإنهم جميعًا كانوا يصِّنِفون أنفسهم، ويصنّفهم الآخرون، على أنهم أعضاء في الفئة الإثنية ذاتها: السود. وعلى الرغم من أن الشخص الأسود المنتمي إلى الطبقة المتوسطة قد يفهم على نحو جيد أو عميق جاره الأبيض من الطبقة المتوسطة البيضاء، فإن وجود مثل هذا المعجم المفهومي المشترك لا يمكن اتخاذه قاعدةً يمكن على أساسها اعتبار أن هذين الجارين ينتميان إلى الجماعة الإثنية نفسها. ويمكننا انطلاقًا من قاعدة معيّنة مسبقة لتعريف الجماعات الإثنية، أن نتحقق من مدى اشتراك هذه الجماعات في إطارات المعنى ذاتها. لكننا حين نُعرّف الجماعات الإثنية بأنها جماعات تتشارك في إطارات المعنى هذه، فإننا نستبعد العديد من الجماعات التي نُصِّنِفها عادة جماعاٍتٍ إثنيةً. لنأخذ الآن تعريفًا رابعًا للثقافة المشتركة: لعلّ الثقافة المشتركة لا تعني أنّ أعضاء الجماعة يشتركون في جميع الرموز والقيم والقواعد والمعايير، بل إنهم يشتركون في بعض الرموز والقيم والقواعد والمعايير الأساسية التي تميّزهم من أعضاء جماعات أخرى. هذه إعادة صياغة لَِزَعم فريدريك بارت  48 الذي مفاده أن الجماعات الإثنية معَّرَفة بالعلامات Markers التي ترسم الحدود بينها، وليس بالعناصر الثقافية المتضمنة داخل هذه الحدود. وفي العديد من الجماعات التي نصنفها على أنها إثنية، لا بد من أن تكون العلامات الثقافية مدعومةً بسمات مرتبطة الأصل، أو بأسطورة امتلاك سمات مرتبطة بالأصل، للتمكن من تحديد حدود الجماعة. فالسيخ في البنجاب يمكنهم اكتساب العلامات الثقافية المرتبطة بالهندوس من خلال قص شعرهم والتخلي عن لبس العمة، لكنهم إذا كانوا ينحدرون من أسرة سيخية، فسيعتبرون أنفسهم، ويعتبرهم الآخرون، سيخًا وليس هندوسًا. وأكثر من ذلك، غالبًا ما تكون العلامات الثقافية التي تتماشى مع سمات مرتبطة بالأصل نتاَجَ تعبئة الجماعة الإثنية، لا خاصية سابقة الوجود تُعَّرَف بها الجماعة. أخيرًا، لنفترض أننا نعرّف الثقافة باللغة. في هذه الحالة، تصبح الجماعة الإثنية هي الجماعة التي تمتلك لغة مشتركة، ومن ثمّ فإنه يتعين على الجماعات الإثنية أن تكون لديها لغات مختلفة. وتبّي ن أمثلة عديدة عدم ملاءمة هذا التعريف لجماعات تُعتبر إثنية. وهنالك جماعات إثنية عديدة لها لغة مشتركة تميزها من الجماعات الأخرى بين السكان أنفسهم؛ مثال ذلك، اليوروبا في نيجيريا، والتاميل والسنهال في سريلانكا، والزولو والكوسيا Xhosa في جنوب أفريقيا، وكل من الناطقين بالفرنسية والألمانية في سويسرا. لكنّ العديد من الجماعات التي تصنف إثنيةً ليست لها لغة مشتركة. فالهندوس يتحدثون ما لا يقل عن 17 لغة رئيسة، فضلًاعن مئات اللهجات. أما المسيحيون والمسلمون في نيجيريا فلا يتحدثون اللغة نفسها، لكننا

  1. Wedeen.
  2. Geertz.
  3. Malcolm X, p. 317.
  4. Fredrik Barth (ed.), Ethnic Groups and Boundaries: The Social Organization of Culture Difference (Long Grove: Waveland, 1969).

ننظر إليهم على أنهم فئتان إثنيتان. وينطبق الأمر نفسه على السود والبيض في الولايات المتحدة الذين رغم تحدثهم اللغة نفسها، فإنهم يصنّفون جماعَتيَن إثنيَتيَن مختلفَتيَن.

6. تاريخ مشترك

يمكن أيضًا تعريف الجماعة الإثنية على أنها تلك الجماعة التي لها تاريخ مشترك. لنفترض أننا نعرّف التاريخ المشترك بأنه ببساطة الماضي المشترك. ما الذي يعنيه في هذه الحالة أن نقول إن أشخاصًا لهم ماٍضٍ مشترك؟ هل يعني هذا أن هؤلاء الأشخاص عايشوا الأحداث المحورية ذاتها في حياتهم؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن جميع الأفراد المنتمين إلى الفئة العمرية نفسها عبر العالم لهم تاريخ مشترك، على اعتبار أنهم عايشوا الأحداث ذاتها، سواء أكانوا يعونها أم لا. لنفترض الآن أننا تَبنّينا تعريفًا أكثر عقلانية، وذلك أن نعرّف التاريخ بأنه الأحداث التي وقعت قبل جيل من الزمن على الأقل وُيَُّدَعى أنها جزء من التجربة الخاصة لجماعة معيّنة. على سبيل المثال، على الرغم من أَّنَ مجاعة البطاطس قد تكون بمعنى ما جزءًا من التاريخ العالمي، فإنها تُعتبر على نحو خاص جزءًا من تاريخ الإيرلنديين الذين عاشوا في ذلك الزمان وتعرّضوا لها تعرّضًا مباشرًا. بهذا المعنى، يصبح التاريخ المشترك هو صلة مشتركة بأحداث ميّزت حياة الأجيال التي سبقتنا. لكن كيف يمكن أن يحدد الفرد إلى أيّ جيل من الناس يمكن أن يَنسب نفسه عند البحث عن تاريخ مشترك؟ هل يتعّي نعلى الشخص المولود في الولايات المتحدة والمنحدر من أصول إيرلندية أن يربط نفسه بالأجيال التي وُِلِدت وعاشت في الولايات المتحدة؟ أم بالأجيال التي وُلدت في إيرلندا؟ هل يتعّي نأن يربط نفسه بمجموعات جزئية من الأجيال التي وُلدت في الولايات المتحدة، مثلًاأسلاف الأساتذة الجامعيين، أو أسلاف الرجال السود؟ أي إن الفرد، لتحديد تاريخه، يحتاج إلى قاعدة تخبره إلى أي جماعة ينتمي. بناءً عليه، فإن التاريخ المشترك لا يمكن أن يكون الخاصية المعرّفة لجماعة، سواء أكانت إثنية أم غيرها. ويفترض هذا التاريخ الوجود الُمُسبق للجماعة على أساس معايير أخرى. وقد لَّخَص كوامي أنتوني أبيا هذه الفكرة بطريقة ممتازة بقوله: "لا يمكن أن يكون تقاسم تاريخ مشترك معيارًا للانتساب إلى الجماعة نفسها، لأنه يجب علينا بدايةً أن نحدد الجماعة لنتمكن من تحديد تاريخها. ولا يمكن أن يتقاسم شخص من القرن الرابع عشر معي تاريخًا مشتركًا في العرق ذاته الُمُوَّسَع تاريخيًا إّل اإذا كان هناك عنصر يبرر انتماءه إلى ذلك العرق في القرن الرابع عشر وانتمائي أنا إلى العرق ذاته في القرن العشرين. وهذا لا يمكن أن يكون تاريخ العرق من غير الوقوع في دائرة مفرغة" 49.

7. الاستقلال المفهومي

يقصد فيرون ولايتين  50 ب "الاستقلال المفهومي" أنّ "وجود فئة إثنية لا يتوقف مفهوميًا على وجود أيّ فئة إثنية [أخرى."] لكنّ قسطًا واسعًا من الأدبيات يَعتبر أن وجود أيّ جماعة إثنية يفترض، بل يتوقف على وجود "آخرين" إثنيين. في حقيقة الأمر، إن الهدف الوحيد لوجود قاعدة للانتساب هو تمييز المنتمين من الغرباء. وما يترتب على معيار الاستقلال المفهومي عمليًا هو استبعاد جميع الجماعات الإثنية من التعريف.

8. تركيبة من الخصائص

على الرغم من أنني ناقشت كل خاصية من الخاصيات السابقة منفردة، فإن أغلب تعريفات الهوية الإثنية تُدرج، إضافةً إلى خاصية الأصل الأولية، العديَدَ من الخصائص الثانوية. وأيّ تعريف يتطلب تركيبة من الخصائص لا يلتقط سوى جزء من الهويات التي يصنّفها علماء السياسة المقارنة على أنها إثنية. وسبب ذلك (كما هو مبّي ن تاليًا)، أن كل خاصية من الخصائص، إذا ما أ خذت منفردة، لا تحيط إلا بجزء من هذه الهويات؛ لأن أيّ خاصية من الخاصيات التعريفية التي ناقشناها سابقًا، لا تشمل في أحسن الأحوال إلا جزءًا من التصنيف الذي انطلقنا منه، ومن ثم فإن أيّ تركيبة من الخصائص لن تحيط إلا بجزء أصغر. يوضح الشكل 1() هذه النقطة. تمثّل الدائرة بالخط الغليظ مجموعة الهويات التي يََتَعارف علماء السياسة المقارنة على تصنيفها على أنها إثنية، وهي الهويات التي أساسها العرق واللغة والكاست والقبيلة والدين والقومية، وأحيانًا المنطقة والعشيرة. وكل دائرة داخلها تمثّل جماعة جزئية يحددها تعريف معّين. وأوسع هذه الجماعات الجزئية، الجماعة التي يحددها التعريف المقَّدَم في هذه الدراسة (المسمى الخصائص القائمة على الأصل) هي تلك التي لا تَستبعد إلا الفئات التي أساسها الدين أو اللغة وما إلى ذلك من الفئات التي يكون الانتساب إليها أساسه سمات مكتسبة طوعيًا خلال حياة الفرد عوضًا عن أن تكون مرتبطة بالأصل. وتليها قاعدة الأصل الأولى التي تستبعد العديد من الفئات الإضافية مثل اليوروبا في نيجيريا في العقد الأول من القرن العشرين، والأوبيسيز في الهند في تسعينيات القرن الماضي، والمهاجرين في زمننا

  1. Kwame Anthony Appiah, In My Father's House: Africa in the Philosophy of Culture (Oxford: Oxford University Press, 1992), p. 32.
  2. Fearon & Laitin, p. 16.

الشكل)1(المجموعات الجزئية لمختلف التعريفات المتعارف عليها للهويات الإثنية

في باكستان، والجيل الأول من الأميركيين الإيرلنديين في الولايات المتحدة، والجيل الأول من الكريول والملونين، وما إلى ذلك. هاتان المجموعتان الجزئيتان تتبعهما، من غير ترتيب معّين، قواعد اللغة، وأسطورة السلف المشترك، والسلف المشترك الحقيقي، وقاعدة الأصل الثانية. وتغطي كل واحدة منها جزءًا أصغر من الهويات. ولم تُدَرَج المجموعات الجزئية المستقلة الُمُعرّفة بخصائص مثل الثقافة المشتركة والتاريخ المشترك والاستقلال المفاهيمي، لأنها خصائص ثانوية يمكن ربطها بجماعات موجودة مسبقًا، وليست معايير أولية يمكن أن تُعِّفرِ هذه الجماعات. وُتُقدم الجماعة الأصغر في الشكل 1() تعريفًا أساسه تركيبة معينة من الخصائص. فحين نعرّف جماعة إثنية معيّنة بجعل أساس الانتساب إليها قاعدة الأصل الأولى والتاريخ الخاص مثلًا، فإننا نستبعد جماعات جزئية أكثر، بما فيها الهندوس والمسلمون في الهند، والسود والملونون في لويزيانا 51، والمسيحيون والمسلمون في يوروبالاند، على اعتبار أن كل زوج من الأمثلة المقدمة له تاريخ مشترك مع الفئة الأخرى. ومع كل زيادة لخاصية إضافية في التركيبة، تُستبَعَد فئات إضافية. ولذلك، لا يمكن استعمال هذه التعريفات لتقويم الادعاءات السببية المرتبطة عامة بالهوية الإثنية، لأنها تؤدي إلى بتر عيّنة الفئات التي تتمحور حولها الادعاءات.

ثالثًا: خصائص فئات الهوية الإثنية

أحدد خاصيتين ضمنيتين للسمات المرتبطة بالأصل: الالتصاق والظّهور. وأستخلص منهما خاصيتين للفئات الإثنية: التغيير المقيد والظّهور.

1. التغيير المقَّيَد

يصعب عادةً، وعلى المدى القصير، تغيير السمات المرتبطة بالأصل، أو التي يُعتقد أنها مرتبطة به. وفي المقابل، عادةً ما يسهل، حتى على المدى القصير، تغيير السمات غير المرتبطة بالأصل، أو التي يُعتقد أنها غير مرتبطة به، وهذا الادعاء، المبين في الشكل 2()، يشير إلى الميل المتوسط لتوزّع الخصائص، وليس إلى خاصية في حد ذاتها. لنتخيل سُلّمًال "الالتصاق" يُرتّب جميع الخصائص بحسب درجة صعوبة تغّي رها على المدى القصير. في هذه الحالة، تكون الخصائص التي أساسها الأصل موزعةً في أقصى يمين هذا السلّم، في حين أن الخصائص الأخرى موزعة في يسار السلّم، مع وجود حيز تقاطع بينهما. وللتوضيح، دعونا نرجع إلى مثال هيلين. إَّنَ لون البشرة هو إحدى سماتها المرتبطة بَمَوِلِدها، وهو يتموضع في أقصى يمين سلّم الالتصاق. ويمكن تغيير لون البشرة بالتدخل الطبي خلال جيل واحد، وهناك عدة حالات جرى فيها ذلك  52. ويمكن أيضًا تغيير لون البشرة

  1. Dominguez.
  2. Nella Larsen, Passing (New York: Penguin, 1997); John Howard Griffin, Black Like Me (New York: Signet, 1996).

بتعديل الإطار التأويلي الذي يُرى داخله: فإذا غََّي رعدد واسٌعٌ وكاٍفٍ من الملاحظين إطاراتهم [التأويلية]، يمكن أن يُعاد طَيف لون بشرة هيلين تأويله على أنه فاتح وليس غامقًا. لكن مثل هذا التغيير قد يكون صعبًا وبطيئًا. هناك، إذًا، درجات مختلفة من الصعوبة [في تغيير السمات القائمة على الأصل.] ومن المرجح أن يكون تغيير اللون والجندر هما الأصعب. في حين يقع تغيير السمات الجسمانية الأخرى في الوسط، على اعتبار أنّ تغيير أيّ سمة يبدو مرتبطًا بالسمات الأخرى؛ إذ يمكن أن تُغِ ريهيلين بكل سهولة شكل شعرها، بجعله مجعّدًا مثلًا، أو لون عينيها بوضع عدسات. ولكي تكتسب الأسطورة، التي مفادها أنها حصلت على هذه السمات أثناء ولادتها، صدقية، ينبغي لها أيضًا أن تغّي رلون بشرتها وملامحها. وقد يكون "تغيير" مكان ولادة الآباء والأسلاف أو الكنية أو ديانة الأسلاف هو الأقل صعوبة، خصوصًا في حالة تغيير مكان السكن أو عند الهجرة، حين تكون إمكانية اختراع تواريخ جديدة أكثر سهولة. إن السمات غير القائمة على الأصل، أو التي يُعتقد أنها غير مرتبطة بالأصل، هي في المتوسط أسهل تغييرًا. فيمكن أن تغّي ر هيلين مؤهلاتها الدراسية، مثلًا، باستئناف الدراسة، ويمكنها أن تغّي رَدَخلها بطلب زيادة في الراتب أو بتغيير وظيفتها ودخلها، بالحصول على عمل راتبه أعلى، ويمكنها أن تُدخل هذه التغييرات من دون أن تغَّي ر سماتها السابقة [القائمة على الأصل.] فعلى الرغم من أنه لا يمكنها أن تزعم أنها وُلدت في الولايات المتحدة إن لم تتخَّلَ عن سمة ولادتها في ترينداد، فإنّ حصولها على شهادة الماجستير لا يتطلب منها أن تخفي أنّ لديها شهادة تعليم ثانوي. الشكل)2(درجة التصاق السمات القائمة على الأصل (الخط الغليظ) والسمات غير القائمة على الأصل (الخط المتقطع)

هنا، أيضًا، ثمة درجات من الصعوبة. فتغيير الفرد لمصادر ثروته الاقتصادية، مثلًا، من خلال الحصول على أراٍضٍ إضافية، قد لا يكون أقل صعوبة في بعض السياقات من تغيير لون بشرته. صحيٌحٌ أن تغيير الفرد مؤهلاته الدراسية أقل صعوبة، لكنه يتطلب استثمارًا مهمًا للوقت والمال. أما تغيير الوظيفة والأحزاب السياسية، فمن الممكن أن يكون أسهل. وصعوبة التغيير هنا مرتبطة بالسياق، أكثر مما هي مرتبطة بأيّ خصائص جوهرية لهذه السمات. هناك أيضًا حيٌّزٌ تتقاطع فيه السمات القائمة على الأصل والسمات غير القائمة على الأصل في درجة الالتصاق. فبعض السمات غير القائمة على الأصل، مثل مِلكية الأرض واللكنة، يمكن أن تتموقع في أقصى نهاية سلّم الالتصاق، في حين أن بعض السمات القائمة على الأصل، مثل كنى الآباء أو ديانتهم، يمكن أن تحتلّ موقعًا في أسفل سلّم درجة الالتصاق على اعتبار أن الأساطير التي تحتاج إليها هذه التغييرات يمكن أن تُخترع بسهولة. يتوافق مثل هذا التقاطع مع الاختلافات في الميل المتوسط إلى نوَعَي السمات. من الشائع القول إنه ما دامت هذه السمات، التي تُعِّفرِ فئات الهوية الإثنية، ثابتةً على المدى القصير، فإن هذه الفئات تكون ثابتةً على هذا المدى. وفي الحقيقة، يمكن أن يغّي رالأفراد فئات هوياتهم سريعًا من خلال الجمع وإعادة الجمع بطرق مختلفة لعناصر من مجموعة سماتهم. هذه النقطة وما يترتب عليها بالنسبة إلى نظريات الهوية الإثنية بوصفها متغيرًا مستقلًايجري تطويرها حاليًا في مشروع بحثي منفصل Boulet(C. & Chandra K.، ورقة قيد الإنجاز.) غير أنّه يبقى أنّ نمط التغيير ينبغي أن يكون مقيّدًا بتوزيع السمات المشار إليه. وبناءً عليه، فإن خاصية التغُّي رالمقيّد يمكن ربطها على

نحو معقول بالهويات الإثنية على المدى القصير، في حين لا ينطبق الأمر نفسه على خاصية الثبات.Fixedeness لنأخذ مثال هيلين مرّةً أخرى. يُعتبر لون شعر هيلين، وَمَوِلُِدُها في ترينداد، وانحدارها من أبوين أفرو-أميركيين أكثر سماتها التصاقًا. وعلى الرغم من أنه لا يمكنها أن تغّي رهذه السمات على المدى القصير، فإنه يمكنها (من خلال اختيار سمات مختلفة) تغيير الفئات التي تُفِّعِل فيها عضويتها. فإذا ما ركّزت على سمة الَمَولد في جزيرة ترينداد الناطقة باللغة الإنكليزية، فيمكنها تفعيل عضويتها في فئة الهنود الغربيين. أما إذا لم تركّز على مكان مولدها في الخارج، وقامت في المقابل بالدفع بسمات اللون والأصل، فيمكنها تفعيل عضويتها في فئة السود. لكن تبقى قدرتها على اختيار الفئة التي تُفِّعِلها مقيّدة؛ فعلى الرغم من أنه يمكنها التنقل بين فئات مُعَّرَفة باختيارات مختلفة لسماتها المقيّدة، فإنه لا يمكنها أن تنسب نفسها إلى فئة مُعَّرَفة بسمات مقيّدة لا تمتلكها (مثلًا، الألمان، في الحالة التي يعرّفون فيها فئةً على أساس مكان الولادة.)

2. الّظ هور

تتمثل الخاصية الثانية للسمات القائمة على الأصل بأنها في المتوسط ظاهرة أكثر من السمات المكتسبة خلال الحياة. والسمات الظاهرة هي تلك التي يمكن الوقوف عليها من خلال مصادر معلومات ظاهرية، مثل اسم الفرد وكلامه ومواصفاته الجسمانية ولباسه. وكلما ازداد عدد المصادر التي تحمل معلومات عن سمة معينة، كانت ظاهرةً أكثر. أما السمات غير الظاهرة فهي تلك التي لا يمكن معرفتها إلا من خلال الملاحظة الدقيقة أو البحث في خلفية الفرد 53. وكما هو الحال من قبل، فإنّ هذا الادّعاء يشير إلى التوزّعات [في المتوسط]، وليس إلى سمة خاصة. بعض سمات هيلين القائمة على الأصل، مثل جندرها ولون بشرتها ونوع شعرها ومواصفاتها الجسمانية، باديةٌ عليها تلقائيًا. وهنالك سمات أخرى، مثل لغة أبويها (الإنكليزية)، مَُتَضَّمَنة في اسمها. وثمة معلومات أقل وضوحًا عن ديانة أبويها متوافرة أيضًا في اسمها، وإذا ما كانت لا تسمح للُملُاحظ بتحديدها بدقة، فإنها تدعم التخمين في كونها ليست الإسلام أو الهندوسية. والطريقة التي يفهم بها الملاحظون مثل هذه المعلومات هي نتيجة للبناء الاجتماعي. فمثلًا، يمكن تأويل درجة لون بشرة هيلين في الولايات المتحدة على أنها سوداء، وفي البرازيل على أنها سمراء. هذا الاختلاف هو نتيجة لنطاقات تاريخية ومؤسساتية مختلفة عَّلَمت الأفراد أن يعملوا على نحو تلقائي على فهم البيانات ذاتها بطرق مختلفة  54. تتمثل النقطة الرئيسة هنا بأن بعض البيانات الخام عن السمات المعطاة عند الولادة تكون دائمًا ظاهرة في مصادر بيانات مختلفة غالبًا، بغضّ النظر عن كيفية تأويل الملاحظ لها. يمكن أن تكون السمات غير المرتبطة بالأصل ظاهرةً هي أيضًا. ولعلّ السّنّ أكثر السمات غير القائمة على الأصل ظهورًا، إذ يبرز على الدوام من خلال الكلام والملامح. وقد يظهر التعليم والدخل ومحل الإقامة (قروي أو حضري) أحيانًا في اللكنة والمظهر، لكنها لا تظهر عادة في الاسم أو الملامح (ما لم تكن مرتبطةً بالأصل.) ويمكن أن تكون المهنة أو الانتساب إلى منظمات معيّنة سمَتيَن ظاهرتين في اللباس (البدل التي يلبسها المحامون أو موظفو المصارف، وأزياء الشرطة ورجال المطافئ، والصدريات والشارات التي تشير إلى الانتساب إلى أحزاب، وغيرها)، لكنها لا تكون ظاهرةً عندما يكون الفرد خارج الدوام، ولا تظهر في الاسم أو الملامح. فالسمات غير المرتبطة بالولادة، إذًا، هي في المتوسط أقل ظهورًا وعلى نحو غير منتظم. على سبيل المثال، مهنة هيلين عاملة في خدمات الطعام، يشير إليها زُّيُها خلال ساعات دوامها. فعندما ترتديه، وعندما تكون في عملها، فإنّ دخلها وخلفيتها الدراسية يمكن استنتاجهما من طبيعة مهنتها. ولكن عندما ترتدي ملابس مغايرة، سواء خلال دوامها أو خارجه، فإن سماتها غير المعطاة عند الولادة تصبح تلقائيًا غير ظاهرة. وفي المقابل، فإن بعض المعلومات حول سماتها القائمة على الأصل تبقى دائمًا واضحة، كالاسم والملامح، بغضّ النظر عن سياق الملاحظة. من المحتمل أن يكون التداخل في درجة الظّهور المرتبط بكلا النوعين من السمات أوسع من مساحة التداخل المرتبط بالالتصاق بين هذين النوعين. فالانتساب إلى العصابات سمة لا تكون معطاة عند الولادة، لكنها عند إشهارها بالوشوم وَقَّصَات الشعر وغيرها من الإشارات على الجسد، يمكن أن تكون أحيانًا أشد وضوحًا من كثير من السمات القائمة على الأصل. فديانة آباء الأفراد، على الرغم من أنها معطاة عند الولادة، تكون في كثير من الأحيان أقل ظهورًا من المؤهلات التعليمية للفرد أو سِِّنِه. إن العلاقة بين ظهور السمات القائمة على الأصل وخصائص الفئات القائمة على الأصل هي علاقة مباشرة. فعندما تكون السمات ظاهرة، يكون الانتساب إلى الفئات التي تُعرّفها هذه السمات ظاهرًا أيضًا. لكنّ خاصية الظّهور يمكن أن تتعايش بكل أريحية مع العديد من الهويات وعلى نحو خاطئ 55. إن المعلومات التي يعكسها الفرد حول نفسه

  1. 55  Ibid.
  2. Ibid.
  3. 53  Chandra, Why Ethnic Parties Succeed.

يمكن أن تجعل العديد من هوياته ظاهرًا، لا هوية واحدة فقط. وعلى الرغم من ظهور المعلومات الُمُعلن عنها حول الفرد وإثنيته المحتملة، فإن الملاحظين يمكن أن يخطئوا في تحديدها. فاثنتان من الجماعات الإثنية التي تُعدّ هيلين مؤهلة للانتساب إليهما (الإثنية الهندية الغربية والإثنية السوداء)، والواضحتان من خلال لون بشرتها وشعرها وملامحها، يمكن أن يؤوّلهما الملاحظون خطأ إذا ما استنتجوا أن هيلين نيجيرية أو برازيلية. وبناءً عليه، فإن النقطة الأهم هو كون الفئات الإثنية، في المتوسط، واضحة بما يكفي للسماح بمثل هذه التخمينات. تنطبق خاصيتا التغُّي رالمقيد والظّهور على جميع الهويات القائمة على الأصل، وليستا حكرًا على الهويات الإثنية، وتنطبقان على جميع الهويات التي أساسها السمات القائمة على الأصل في المتوسط فحسب. وبما أن الفئات الإثنية ليست سوى مجموعة جزئية من الفئات التي أساسها السمات القائمة على الأصل، فمن المتوقع أن نجد أيضًا التغيير المقيد والظّهور في بعض الفئات القائمة على الأصل غير الإثنية، كالجندر مثلًا. ولكن بما أن بعض السمات المرتبطة بالأصل القائمة على الأصل ليست ملتصقة أو ظاهرة، فإن الفئات الإثنية التي أساسها مثل هذه السمات يمكنها أن تغيب عنها خاصيتا التغيير المقيد و/ أو الظّهور. وأخيرًا، فإنّه ما دام يمكن أن تكون بعض السمات غير القائمة على الأصل ملتصقةً و/ أو ظاهرةً، فإنه يمكننا أن نرصد خاصيَتَي التغيير المقيد والظّهور في بعض الفئات التي لا هي إثنية ولا هي مرتبطة بالأصل. لا حاجة إلى أن تكون هاتان الخاصيتان شاملتين. ويمكن أن تكون هناك خصائص أخرى تنطبق على نحو خاص وفريد على الهويات الإثنية كما هي معَّرَفة هنا. وأحد التوجهات الواعدة في هذا الصدد، والذي يمكن اعتماده لتحديد خصائص أخرى [للهويات الإثنية]، هو أنّ ذرية الأبوين نفسيهما عادة ما تتشارك في مجموعة خيارات الهوية الإثنية نفسها. وبما أن الأفراد عادة ما يكون لهم مع الإخوة ارتباط عاطفي أكبر مما لهم مع غير الإخوة، فإنّ الانتساب إلى الفئات الإثنية قد ينشأ عنه تَعلّقات عاطفية أكبر وميول أكبر إلى شيطنة الآخرين الإثنيين، ولعله يزيد من مخاطر الصراعات أكثر مما يفعّل الانتساب إلى أنواع أخرى [من الهويات]، حتى تلك التي هي مرتبطة بالأصل (مثل الجندر.) وتبعًا للمنطق نفسه، فإذا كان الأفراد يهتمون برفاه الإخوة أكثر من رفاه أقرانهم الأبعد، فمن المحتمل أن يكون هناك مستوى من نكران الذات بين أعضاء الفئات الإثنية نفسها أعلى منه بين أعضاء أشكال أخرى من الفئات  56. وقد يكون هناك اختلاف جوهري بين فئات معيّنة من الهويات الإثنية، مثل السود، وهويات أخرى أساسها السمات المرتبطة بالأصل، كالنساء، أو هويات أساسها سمات غير مرتبطة بالأصل، كالجمهوريين. فعندما تكون الهويات واضحة (مثل النساء) أو مُلتصقة (مثل الجمهوريين في الولايات المتحدة)، فهي كثيرًا ما تشمل الإخوة، وهذا الأمر يمكن أن يكون ذا عواقب؛ ذلك أن مثل هذه الخصائص يربطها عادة علماء السياسة المقارنة بالهويات الإثنية، ولكن من دون أيّ تبرير 57. ويوفر التعريف المقدّم هنا قاعدة تحليلية يمكن على أساسها استنتاج مثل هذا التشارك [في الخصائص] أو الوقوف على غيابه.

رابعًا: تقييم النظريات بخصوص أثر الهوية الإثنية

في ضوء الخصائص الجوهرية للهوية الإثنية المحدّدة هنا، من المدهش أنّ قَِّلَة فحسب من الادعاءات الرائجة حول أثر الهوية الإثنية تبدو صائبة. ويشمل هذا الأمر عمل كاسلي Caselli وكولمان Coleman (غير المنشور)، وعمل فيرون 58 حول المحسوبية والتعبئة الإثنية، وعمل جانيت لاندا 59 حول شبكات التجارة، وأعمالي عن المحسوبية  60. فكاسلي وكولمان وفيرون يدفعون بوجود ترابط بين المحسوبية السياسية والإثنية السياسية؛ لأن المحسوبية السياسية تُسهل التحالفات المبنيّة على الهويات التي يصعب تغييرها، ومنها الهويات الإثنية، فهي صعبة التغيير. ويتوافق هذا مع خاصية التغيير المقيّد المحددة هنا. لكنني، على خلاف كاسلي وكولمان وفيرون، أرى أن تغيير الهويات الإثنية ليس بتلك الصعوبة التي يقرّرونها؛ إذ يمكن أن يكون سهلًاعلى الأفراد التنقل بين هويات إثنية معيّنة في حدود التقييد الذي تفرضه جماعة السمات المرتبطة بها. لكن ما دمنا نعتبر أن التغُّي رفي الهويات الإثنية مقيّد أكثر من التغُّي رفي الهويات غير الإثنية، فإن الحجة تبقى صحيحة. وترى لاندا 61 أنه في الظروف التي يسودها انعدام اليقين، فإن وجود إيحاءات واضحة بإثنية الأشخاص يسمح للأفراد باختيار زملاء التجارة وتنفيذ العقود. أما شاندرا 62 فترى أنه نظرًا إلى إجراء الانتخابات في ديمقراطيات المحسوبية في

  1. 56  قدّمت لي هذه الفكرة ويل لوبلان Blanc Le Will، مرشحة الدكتوراه في برنامج
  2. 57  من الأمور التي تدعو للاستغراب في الحقيقة، الاهتمام القليل الذي توليه نظرياتنا التفسيرية لاستكشاف حقول [معرفية] من قبيل البيولوجيا الاجتماعية، على اعتبار الأهمية التي توليها التعريفات في علم السياسة المقارنة للأصل عند تعريف الهوية الإثنية. [فمثلًا، يمكن علم البيولوجيا الاجتماعية] أن يكشف لنا شيئًا ما عن خصائص الجماعات التي تترعرع سوية. وفي هذا الصدد، تشكّل أعمال بيير فان بيرغي Berghe Den Van Pierre استثناءً بارزًا.
  3. Fearon.
  4. Landa.
  5. Chandra, Why Ethnic Parties Succeed.
  6. Landa. 62  Chandra, Why Ethnic Parties Succeed.
  7. العلوم السياسية، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.MIT

بيئة مقَّيَدة المعلومات، فإن وضوح الهويات الإثنية يزيد من احتمال تفعيلها في السلوكات الانتخابية والحزبية قياسًا بالهويات غير الإثنية. وعلى الرغم من حاجة جميع هذه الحجج إلى أن تُختبر إمبريقيًا، فإن اعتمادها على خصائص يمكن اعتبارها خصائص جوهريةً للهويات الإثنية يجعلها مدعومةً منطقيًا على أقل تقدير. من الواجب النظر إلى الحجج المقدّمة في هذه الزمرة المعدودة من الأعمال على أنها تنطبق عمومًا على الفئات القائمة على الأصل، وليس على الهويات الإثنية على وجه الخصوص؛ ذلك أنّ هناك قيودًا ليس على تَغُّي ر فئات الهوية التي أساسها لغة الأسلاف والملامح الجسمانية فحسب، بل أيضًا على فئات الهوية التي أساسها الجندر أو الانتساب الحزبي أو الطبقة الاجتماعية لآباء الفرد (مثلًا، ذرية مّل اك الأراضي، وأبناء الشيوعيين.) وعلى الرغم من أن الهويات الإثنية هي في المتوسط ظاهرة، فإن الأمر ذاته ينطبق على الهويات التي أساسها الجندر والسنّ. وبناءً عليه، فإنّ هذه النظريات تجب قراءتها باعتبارها نظريات حول جماعة أوسع من الهويات، لا حول الهويات الإثنية فحسب. يعتمد القسط الأكبر من الادعاءات التفسيرية حول الإثنية على الخصائص التي جاَدَلُتُ سابقًا بأنها، بصفة عامة، غير جوهرية للهويات الإثنية، كالثبات والثقافة المشتركة والتمركز الإقليمي Concentration Territorial. ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار هذه الخصائص ادعاءاٍتٍ حول أثر الهويات الإثنية عمومًا. ولذلك، فإنه عوضًا عن النظر إليها على أنها تعني أن الإثنية مرتبطة بمتغيٍرٍ تابٍعٍ من المتغيرات "ص"، يجب أن نَفهمها إما على أن جزءًا معيّنًا من الهويات الإثنية مرتبط بالمتغير "ص"، أو أن الإثنية إلى جانب متغيرات أخرى "س"، مرتبطة بالمتغير التابع "ص." فلنأخذ، أولًا، مجموعة النظريات التي تَربط تسييس الانقسامات الإثنية بزعزعة الاستقرار الديمقراطي. فبغضّ النظر عن بعض الاختلافات، نجد أنّ المنطق الكامن وراء هذه الأطروحات هو كالتالي: إن الاستبعاد المستمر لبعض الأقليات من السلطة يؤدي إلى زعزعة الديمقراطية. وبما أن الانقسامات الإثنية تُعتبر ثابتة [بحسب هذه الأطروحات]، فإن الانتخابات المؤَّسَسة على الانقسامات الإثنية سُتُنتج باستمرار الفائزين أنفسهم والخاسرين أنفسهم بناءً على الديموغرافيا الإثنية. وبناءً عليه، فإن تسييس الانقسامات الإثنية يهدد الاستقرار الديمقراطي  63. والخاصية المحورية للهوية الإثنية التي ينبني عليها هذا الادعاء هي الثبات. أما إذا اعتبرنا أن الهويات الإثنية سائلة Fluid، وليست جامدة، فإن كل المقدمات الأخرى تسقط. لكننا نعلم بناءً على التعريف الذي اقترحناه في هذه الدراسة، أنّ الثبات ليس خاصية جوهرية للهويات الإثنية، بل الَتَغُّي رالمقيد. وبناءً عليه، فإذا كانت الهويات الإثنية تكتسب دومًا خاصية الثبات في النطاق الديمقراطي والتي بدورها تهدد الاستقرار الديمقراطي، فلا بد من أن ذلك يرجع إلى متغير غير جوهري لم يُؤخذ في الاعتبار في النظرية ويتفاعل مع الهوية الإثنية. يبحث القسم الثاني من الأعمال في التّوصيفات المؤسساتية للديمقراطيات المتعددة الإثنيات. ومن بين أكثر هذه التوصيفات نفوذًا تلك القائلة بوجوب منح الحكومات الديمقراطية استقلاليةً ثقافيةً جماعيةً للأقليات الإثنية  64. والمنطق المحفز لهذه الأطروحة هو كالتالي: الاعتراف الثقافي حق مهم، والأقليات الإثنية لها ثقافاتها المميزة. لذا، فإن على الحكومات الديمقراطية أن تمنح الأقليات حقوقًا ثقافية  65. أما معارضو هذا الاقتراح فيدفعون بكون الحقوق الاقتصادية أهم من الحقوق الثقافية  66. لكنّ جميع الأطراف تفترض أن الجماعات الإثنية لديها خاصية الثقافة المشتركة. كما حاججُتُ سابقًا، فإنّه بغضّ النظر عن الطريقة التي نُعرّف بها الثقافة المشتركة، فإنها ليست عمومًا خاصية مميزة للجماعات الإثنية. فعوضًا عن التفكير في الثقافة بوصفها خاصية ثابتة للجماعات الإثنية، يجب علينا أن نعيد فهمها على أنها متغير مرتبط بدرجات مختلفة بكل أنواع الجماعات  67. ومن ثم، فإنه لا يمكن اعتبار هذه التوصيفات المؤسساتية في شكلها الحالي منطبقةً بصفة عامة على جميع الديمقراطيات المتعددة الإثنيات. ويجب أن تُقرأ وُتُقَّوَم على أنها توصيفات للديمقراطيات التي اكتسبت فيها الجماعات الاجتماعية درجةً عالية من التماسك الثقافي، سواء أكانت هذه الجماعات إثنية أم لا. أما القسم الثالث من الأطروحات فيربط الهويات الإثنية بأشكال متنوعة من العنف؛ إذ إنّ إحداها ترى أنّ أحد أسباب الحرب الأهلية بين الجماعات الإثنية هو "المعضلة الأمنية" الناتجة من انهيار الدولة  68؛ إذ يقال إنّ انهيار دولة تَحكُمُ مجتمعًا متعدد الإثنيات

  1. 68  Posen.
  2. Arend Lijphart, Democracy in Plural Societies (New Haven, CT: Yale University Press, 1977); Will Kymlicka, Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights (Oxford, UK: Clarendon Press, 1995).
  3. Kymlicka; Will Kymlicka (ed.), The Rights of Minority Cultures (Oxford, New York: Oxford University Press, 1995).
  4. Brian Barry, Culture and Equality: An Egalitarian Critique of Multiculturalism (New York: Harvard University Press, 2001).
  5. Wedeen.
  6. 63  Rabushka & Shepsle; Horowitz; Chua.

يخلق بيئة تشبه الفوضى [الأناركية] في البيئة الدولية، حيث تحاكي الجماعات الإثنية الدول في البيئة الدولية. وما دامت الجماعات الإثنية تحاكي الدول، فإنها في البيئة الفوضوية تتسلّح خوفًا على أمنها الخاص. ويجعل هذا الجماعات الأخرى، على غرار الدول، أشد تخوّفًا، ما يدفعها إلى التسلّح أيضًا. وينتج من ذلك تزايد تهديد الحرب، ما يؤدي إلى تناقص أمن الجميع على المدى البعيد. وتكون الحرب أكثر احتمالًاإذا كان للجماعات المعنية تاريٌخٌ من التنافس، ما يعطي لكل واحدة منها مزيدًا من الأسباب لتوقّع الأسوأ من الأخرى. تفترض هذه الأطروحة أنّ فئات الهوية الإثنية كيانات ثابتة على غرار الدول. وإذا ما كان في وسع الأفراد تغيير هوياتهم الإثنية، فإنّ الجواب عن انهيار الدولة هو تغيير هوياتهم الإثنية إلى هويات أقل عرضة للتهديد بدلًامن الذهاب إلى الحرب. ويترتب على هذه الأطروحة أيضًا أن الجماعات الإثنية يزداد احتمال أن يكون لها تاريخ مشترك قياسًا بالأنواع الأخرى من الجماعات. فمن دون هذه الخاصية، تصير المعضلة الأمنية تفسيرًا للصراعات بين الجماعات عقب انهيار الدولة، لا للصراعات الإثنية فحسب. ولكن، لا الثبات، ولا التاريخ المشترك هما خاصيتان جوهريتان للهويات الإثنية؛ إذ يمكن أن تتغير الهويات الإثنية حتى في الأفق القريب من خلال قيام الأفراد بالمزج وإعادة المزج لعناصر من مجموعة سماتهم الثابتة بطرائق مختلفة. وعلاوة على ذلك، فإن التاريخ المشترك لا يميّز الجماعات الإثنية، بل هو نتاج لبعض عمليات تجري من خلالها تعبئة الجماعات الإثنية. ومن ثم، فإن هذه الأطروحة لا يمكن النظر إليها على أنها تتمحور حول أثر الهويات الإثنية في حد ذاتها. ويتوقف أثر هذه الهويات في هذه الحالة على متغير غير جوهري يولّد الثبات وَتَصَوّر وجود التاريخ المشترك. وهذا المتغير الذي أ غفل يجب أن يؤخذ في الاعتبار في التحليل. وتبعًا لأطروحةٍ رابعة حول الموضوع، فإن العنف الإثني تحرّكه الانفعالات Emotions، من قبيل الخوف والكراهية والاستياء 69. ويكمن المحرك الأصلي لمثل هذا العنف في انهيار الدولة، ولكن نظرًا إلى طبيعة هذا المحِّكرِ، فإن هدف العنف يتوقف على طبيعة الانفعالات التي سوف يؤجّجها عند الجماعات الإثنية. فالجماعات التي سيحرّكها الخوف ستختار هدفًا لها الآخر الإثني الذي يشكّل أكبر تهديد. أما الجماعات التي يحرّكها الاستياء فسوف تختار استهداف ذلك الآخر الإثني الذي هو في أعلى هرم المكانة [السياسية أو المجتمعية أو الاقتصادية]، سواء أكان أشد خطرًا أم لا. في حين أن الجماعات التي تحرّكها الكراهية ستستهدف ذلك الآخر الإثني الذي تصارعت معه في الماضي، بغضّ النظر عن حقيقة خطره أو موقعه في هرم المكانة. إذا ما كان لهذه الأطروحة أن تُقرأ، كما أريد لها، على أنها عن العنف الإثني وليس عن العنف بصفة عامة، فلا بد إذًا من أن تراود الجماعات الإثنية في أعقاب انهيار الدولة ردوُدُ فعٍلٍ عاطفية مختلفة عّم انجده لدى الأنواع الأخرى من الجماعات وأقوى منها. غير أنّه لا التعريف الذي اقترحُتُه هنا للجماعة الإثنية ولا التعريفات البديلة تِّربِر هذا الافتراض. ولا يعني هذا أن هذه الأطروحة خاطئة، بل يعني أنها غير مكتملة. ولدعمها، فنحن في حاجة إلى البرهنة على أن للأفراد روابط انفعالية مميزة مع هوياتهم الإثنية لا نجدها مع الأنواع الأخرى من الهويات. والأطروحة الخامسة هي التي تُنِّظِر أنّ فرض النظام Policing داخل الجماعات يمكن أن يحول دون العنف الإثني. وإحدى الفرضيات الكامنة وراء هذه الأطروحة هي أنّ من الخصائص المميزة للجماعات الإثنية وجود شبكة كثيفة من الروابط التي تجعل التعاون داخل الجماعات أسهل من التعاون العابر للجماعات. يقول فيروم ولايتين  70، "لماذا يسود العلاقات البين -إثنية توتر يغيب نسبيًا في العلاقات داخل الجماعة، ما دامت العلاقات البين-إثنية، حتى عندما تكون سلمية، لا تبّش ربخير؟ لأنّ الشبكات الإثنية متطورة على نحو أفضل، والتفاعلات أكثر داخل الجماعات الإثنية؛ إذ إنّ للأفراد نفاذًا إلى المعلومات حول أقرانهم من الجماعات الإثنية نفسها أسهل منه حول الأفراد من الإثنيات الأخرى." ولكن لا يمكننا استخلاص هذه الخاصية من التعريف المقدّم في هذه الدراسة وما يسمح به من تصنيف الفئات الإثنية. ولقبول هذه الحجة، يتعين علينا إما أن نبرهن أنّ مثل هذه الروابط هي في الحقيقة جوهرية للجماعات التي نصفها بأنها إثنية، وإما تحديد متغير معّي نُغُفل عنه وُيُعتبر مسؤولًا عن خلق الشبكات الاجتماعية داخل الجماعات الإثنية، وليس فيما بينها. أما الأطروحة السادسة، فتشرح الترابط بين التحديث والسياسة الإثنية باستحضار خاصية التمركز الإقليمي  71. والمنطق الكامن وراء هذه الأطروحة هو كالآتي: إن أساس توزيع منتجات الحداثة إقليمي Territorial. وبناءً عليه، فإنّ الأفراد الذين يريدون ولوج هذه المنتجات ينتظمون على أساس إقليمي. ويرى روبرت بيتس، أنه

  1. 71  Bates.
  2. James D. Fearon & David D. Laitin, "Explaining Interethnic Cooperation," American Political Science Review , vol. 90, no. 4 (December 1996), p. 730.
  3. 69  Petersen.

"لا يمكن إنكار أن أعضاء جماعة إثنية معيّنة يميلون إلى التجمع في المكان" 72. لذا، فإنّ الصراع على المنتجات منظّم على أساس إثني. هذه الأطروحة أساسها الدراسات حول السياسة الإثنية في أفريقيا، ويظهر فعلًاأن الحال في أفريقيا هو التمركز الإقليمي للعديد من الفئات الإثنية. ولكن، لا التمركز الإقليمي ولا وجود ذاكرة حول موطن مشترك يمكن اعتبارهما بصفة عامة خاصيتين جوهريتين للفئات الإثنية. ومن المؤكد أنه يمكننا أن نتصور وجود جماعات غير إثنية متمركزة إقليميًا. وبناءً عليه، فإن هذه الأطروحة يجب أّل اُتُقرأ على أنها أطروحة عامة حول الهويات الإثنية، بل أطروحة حول الهويات المتمركزة إقليميًا، وهو مفهوم يغطّي على نحٍوٍ ناقص مجموعة جزئية من الهويات الإثنية.

خاتمة

هذه مجرد عيّنة لبعض الأعمال الوازنة التي تَنظر إلى أثر الهويات الإثنية أو المفاهيم المرتبطة بها. ويمكن الاطلاع على مناقشة مطوّلة وأكثر تفصيلًافي أعمال أخرى  73. أما النقطة العامة التي أريد الدفع بها هنا ليست أن هذه الأطروحات خاطئة، ولكن ليس لدينا إلى الآن سبٌبٌ يجعلنا نعتقد أنها صحيحة. لم تبُرهن هذه المجموعة من النظريات على أسس تحليلية أنّ فئات الهوية الإثنية، وفق التصنيف الذي تُقدّمه، يجب أن يكون لها أثر تفسيري للمخرجات التي ينصبّ عليها اهتمامها. وكي تكون هذه النظريات مبررة، علينا أن نبّين، على أقل تقدير، أنّ الخصائص التي تعتبرها جوهرية للهوية الإثنية مستخلصة من تعريف الهوية الإثنية المقدّم هنا، أو من تعريف أفضل. في نهاية المطاف، إذا لم يكن في استطاعتنا أن نحدد أيّ خصائص إضافية خاصة بالهوية الإثنية، فإنّ من الأفضل أن نُعوّض مفهوم الهوية الإثنية في نظرياتنا بمفاهيم مثل الهويات القائمة على الأصل أو الهويات التي أساسها سمات لاصقة أو واضحة. وإذا ما قمنا بذلك، فهل يعني أنّ هذه المحاولة لتعريف الهوية الإثنية كانت مضيعة للوقت؟ أبدًا. لأن الادعاء السلبي أن الإثنية هي بلا أهمية، هو في حدّ ذاته اكتشاف من الحجم الكبير، ويجب أن تكون له تداعيات كبيرة على البحث وتجميع البيانات، ولذلك أقترح التخلي عن عدد كبير من النظريات وقواعد البيانات حول الإثنية والبدء في الاشتغال عليها من جديد على أسس مختلفة تمامًا. لا يمكن أن يقَّدَم اِّدِعاء بهذا الحجم بسهولة؛ إذ يجب أن يَبّرَر، ربما بقوة أكبر من الادعاء القائل بأهمية الإثنية. فعلى غرار الحاجة إلى تعريٍفٍ للهوية الإثنية يُثبت أهميتها، فنحن في حاجة أيضًا إلى تعريف يثبت أنها بلا أهمية.

  1. Ibid., p. 464.
  2. Kanchan Chandra, "Cumulative Findings in the Study of Ethnic Politics," APSA-CP , vol. 12, no. 1 (2001a), pp. 7-11; Kanchan Chandra, "Ethnic Bargains, Group Instability, and Social Choice Theory," Politics & Society , vol. 29, no. 3 (September 2001b), pp. 337-362; Chandra, "Ethnic Parties and Democratic Stability."

المراجع

Alesina, Alberto et al. "Fractionalization." Journal of Economic Growth. vol. 8, no. 2 (2003). Appiah, Kwame Anthony. In My Father's House: Africa in the Philosophy of Culture. Oxford: Oxford University Press, 1992. Barry, Brian. Culture and Equality: An Egalitarian Critique of Multiculturalism. New York: Harvard University Press, 2001. Barth, Fredrik (ed.). Ethnic Groups and Boundaries: The Social Organization of Culture Difference. Long Grove: Waveland, 1969. Bates, Robert H. "Ethnic Competition and Modernization in Contemporary Africa." Comparative Political Studies. vol. 6, no. 4 (1974). Brown, Michael (ed.). Ethnic Conflict and International Security. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1993. Bruk, SI & VS Apenchenko (eds.). Atlas Narodov Mira. Moscow: Academy of Sciences of the USSR, 1964. Cavalli-Sforza, Luca. Genes, Peoples, and Languages. New York: North Point, 2000. Chandra, Kanchan. "Cumulative Findings in the Study of Ethnic Politics." APSA-CP. vol. 12, no. 1 (2001). ________. "Ethnic Bargains, Group Instability, and Social Choice Theory." Politics & Society. vol. 29, no. 3 (September 2001). ________. Why Ethnic Parties Succeed. Cambridge University Press, 2004. ________. "Ethnic Parties and Democratic Stability." Perspectives on Politics. vol. 3, no. 2 (June 2005). Chua, Amy. World on Fire: How Exporting Free-Market Democracy Breeds Ethnic Hatred & Global Instability. New York: Doubleday, 2003. Cox, Gary W. Making Votes Count: Strategic Coordination in the World's Electoral Systems. Political Economy of Institutions and Decisions. Cambridge: Cambridge University Press, 1997. Dahl, Robert Alan. Polyarchy: Participation and Opposition. New Haven, CT: Yale University Press, 1971. Dominguez, Virginia R. White by Definition: Social Classification in Creole Louisiana. New Brunswick, NJ/ London: Rutgers University Press, 1986. Fearon, James D. & David D. Laitin. "Explaining Interethnic Cooperation." American Political Science Review. vol. 90, no. 4 (December 1996). ________. "Ordinary Language and External Validity: Specifying Concepts in the Study of Ethnicity." Paper Presented at the University of Pennsylvania, Philadelphia, 20-22/10/2000. Fearon, James D. "Why Ethnic Politics and 'Pork' Tend to Go Together." Paper Presented at SSRC-MacArthur Sponsored Conference on "Ethnic Politics and Democratic Stability." University of Chicago, 1999. ________. "Ethnic and Cultural Diversity by Country." Journal of Economic Growth. vol. 8, no. 2 (2003). Geertz, Clifford. The Interpretation of Cultures. Basic Books, 1973. Griffin, John Howard. Black Like Me. New York: Signet, 1996. Horowitz, Donald L. Ethnic Groups in Conflict. Berkeley: University of California Press, 1985. Htun, Mala. "Is Gender Like Ethnicity? The Political Representation of Identity Groups." Perspectives on Politics. vol. 2, no. 3 (2004). Hutchinson, John & Anthony D. Smith. Ethnicity. Oxford: Oxford University Press, 1996.

Jodhka, Surinder. "Ascriptive Hierarchies: Caste and Its Reproduction in Contemporary India." Current Sociology. vol. 64, no. 2 (2016). Kaufmann, Chaim. "Possible and Impossible Solutions to Ethnic Civil Wars." International Security. vol. 20, no. 4 (1996). Kymlicka, Will (ed.). The Rights of Minority Cultures. Oxford, New York: Oxford University Press, 1995. ________. Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights. Oxford, UK: Clarendon Press, 1995. Laitin, David D. Hegemony and Culture: Politics and Religious Change among the Yoruba. Chicago, IL: University of Chicago Press, 1986. Landa, Janet T. Trust, Ethnicity, and Identity. Michigan: University of Michigan Press, 1994. Larsen, Nella. Passing. New York: Penguin, 1997. Lemann, Nicholas. The Promised Land: The Great Black Migration and How it Changed America. New York: Vintage Books, 1991. Lijphart, Arend. Democracy in Plural Societies. New Haven, CT: Yale University Press, 1977. Malcolm X. The Autobiography of Malcolm X. New York: Ballantine Books, 1964. Nobles, Melissa. Shades of Citizenship: Race and the Census in Modern Politics. San Francisco: Stanford University Press, 2000. Petersen, Roger D. Understanding Ethnic Violence: Fear, Hatred, and Resentment in Twentieth-Century Eastern Europe. Cambridge: Cambridge University Press, 2002. Posner, Daniel N. Institutions and Ethnic Politics in Africa. Cambridge: Cambridge University Press, 2005. Przeworski, Adam et al. Democracy and Development. Cambridge: Cambridge University Press, 2000. Rabushka, Alvin & Kenneth A. Shepsle. Politics in Plural Societies: A Theory of Democratic Instability. New York: Pearson; Longman, 1972. Reilly, Benjamin. Democracy in Divided Societies: Electoral Engineering for Conflict Management. Theories of Institutional Design. Cambridge: Cambridge University Press, 2001. Toft, Monica Duffy. The Geography of Ethnic Violence: Identity, Interests, and the Indivisibility of Territory. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2003. Varshney, Ashutosh. Ethnic Conflict and Civic Life. New Haven, CT: Yale University Press, 2002. Waters, Mary C. Black Identities: West Indian Immigrant Dreams and American. Cambridge/ London: Harvard University Press, 1999. Wedeen, Lisa. "Conceptualizing Culture: Possibilities for Political Science." The American Political Science Review. vol. 96, no. 4 (2002). Wilkinson, Steven I. Votes and Violence: Electoral Competition and Ethnic Riots in India. Cambridge: Cambridge University Press, 2004.