رؤية السيسي عن مصر الجديدة: أسبابها وعواقبها وآفاقها الاقتصادية

Robert Springborg روبرت سبرنغبورغ |

الملخّص

تكتسي مسألة العلاقة بين الاقتصاد والنظام السياسي أهمية حيوية في سياق النقاش المحتدم اليوم بين أنصار التسّل طية ونظرائهم من أنصار الديمقراطية. وتعدّ دراسة هذه العلاقة في مصر ذات أهمية بالغة في ظل الانقسام المتزايد بين البلدان التي تستلهم النماذج التسّل طية للاقتصاد السياسي، وتلك التي تتبّن ى النموذج الديمقراطي. تستطلع هذه الدراسة تجليات هذه العلاقة الحيوية في مصر، فتبدأ بتعيين السياقات الدولية والمحلية التي تحيط بعمل الاقتصاد، وهي السياقات التي ت سهم في تشكيله من جهة، وتجعله في مواجهة مع الرهانات التي يتعيّن عليه التغّل ب عليها بغية تسريع النمو، من جهة أخرى. وتبحث في هذا الصدد في كيفية مساهمة العوامل الاقتصادية في صعود النظام التسّل طي الجديد الذي يقوده عبد الفتاح السيسي، يليه تحليل عكسي حول تداعيات سياسته الاقتصادية على نظامه السياسي. وتحلل بعد ذلك إذا ما كانت هذه التداعيات تسمح لمصر بمنافسة اقتصادية أفضل، أم أنها تقوّض قدرتها على ذلك، ثم تجيب عن السؤال المتعلق باللبنات الأساسية لاستراتيجية اقتصادية ناجحة. وتعرض الدراسة في خاتمتها سيناريوهات المستقبل البديل للاقتصاد السياسي في مصر. كلمات مفتاحية: التسّل طية الجديدة، الاقتصاد السياسي، الديمقراطية، النمو الاقتصادي، مصر الجديدة، مصر.

Economic Causes, Consequences, and Prospects of Sisi's New Egypt

مقدمة

وصف كيث ويلوك في كتابه مصر عبد الناصر، التغيرات العميقة التي شهدتها البلاد في نظام الحكم والاقتصاد والمجتمع بعد "ثورة" 1 عام 1952، وقد تحوّلت مصر جمال عبد الناصر 1970-1954()، منذ ذلك الوقت، إلى معيار لتقييم النظم التي تلتها، حيث ارتبط الأمر بافتراض ضمني مفاده أن القالب الناصري الذي تشكّلت البلاد من خلاله لن يندثر  2. وقد صحّ هذا الافتراض في النظم اللاحقة التي قادها محمد أنور السادات 1981-1970() ومحمد حسني مبارك 2011-1981()؛ إذ لم يسَعَ أٌّيٌ منهما إلى إحداث تغيير، لا في الدولة، ولا في النظام الذي صاغه هذا القالب، وإْنْ أقحم كلاهما بعض التغييرات على إطار الدولة الناصرية وعلاقاتها بالاقتصاد والمجتمع. وفي مقابل ذلك، تنحو الرؤية التي يدفع بها الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي عن "مصر الجديدة" في اتجاه مثل هذا التغيير المتوَّخَى؛ إذ يسعى الرجل لصوغ دولة جديدة أقوى، لكنها أكثر تسلّطية، تملك قدرة على تحويل الاقتصاد والمجتمع، بل تغيير العلاقات الخارجية للبلاد  3. لكنه لم يصمم رؤيته هذه في قالب من قوالب أسلافه، بل سار في ركب موجة التسلطية العالمية الجديدة المنتشرة اليوم في بلدان في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، بل في أوروبا أيضًا، ما يجعل مصر في عهد السيسي أرضًا جديدة لاختبار هذا النمط من التسلّطية الصارمة التي تكاد تجنح إلى التوتاليتارية (النظم الشمولية.) وقد توفر لنا قدرة الدولة المصرية المتوِّسِعة هذه على محاكاة النموذج التوتاليتاري بوساطة القيادة القاسية والفعّالة للتنمية الاقتصادية وإعادة تشكيل المجتمع، أدلّةً وثيقة الصلة بالنقاش الواسع الذي يتواجه فيه دُعاة الاتجاه التنموي الذي تقوده التسلّطية من جهة، وأنصار الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية والدور المنوط بها في هذا الصدد، من جهة أخرى. لا يُعدّ مثل هذا النقاش جديدًا، فقد لاحظ هارولد جيمس أن السجالات التي عُقدت عليها سبعينيات القرن العشرين لم تتصل بالمسائل التقنية المتعلقة بإدارة الاقتصاد الكلي فحسب، بل أثار الباحثون الشكوك حول استدامة النموذج الغربي للديمقراطية ومدى شرعيته، واجتاح العالم عدم استقرار جيوسياسي 4. وخلال فترة ما بين الحربين، قبل أكثر من قرن، كان نقاش مماثل قد انطلق بين مؤيدي الفاشية والشيوعية في مواجهة من أكدوا الأفضلية الأخلاقية للديمقراطية وقدرتها على توفير السلع الاقتصادية. وعلى الرغم من التجليات المعاكسة التي لم تكن تؤيد هذه الرؤية، فإن الفشل الملحوظ للديمقراطيات في التعامل مع الكساد العالمي قد أسهم في تعاظم شعبية التوتاليتارية. وربما كان وعد بينيتو موسوليني 1943-1922() بأن يجعل "القطارات تقلع في الوقت المحدد"، الشعار الأكثر رمزية للوعود الاقتصادية التي أطلقتها التوتاليتارية آنذاك. بيد أن القطارات في إيطاليا بقيت غير منتظمة في نهاية الأمر، وتبّي ن أن الوعود الواسعة التي قدّمتها الفاشية والشيوعية بتوفير السلع الاقتصادية، كانت إمّا وعودًا جوفاء، كما في الاتحاد السوفياتي ومن دار في فلكه، وإما أنها اقترنت بسياسات خارجية عدوانية وعنيفة دمّرت الدولة والاقتصاد، كما في ألمانيا وأماكن أخرى؛ ما يعني أن النصر المظفّر حالف الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية في ساحات المعارك، وفي إنتاج السلع الاقتصادية معًا في النهاية. ثم ها هو العالم يشهد عودة النقاش مرةً أخرى في عصر جديد، تتراجع فيه العولمة، حيث بدا أنّ الأداء الاقتصادي في التسلّطيات، والصين أبرز أمثلتها، قد تفوّق على نظيره في ديمقراطيات أميركا الشمالية وأوروبا وغيرها. يسود الرأَيَ العام العربي سخٌطٌ لا يفتأ يتعاظم بسبب ما يعتبره عجز الديمقراطية عن تحسين الاقتصاد. وقال استطلاع أجرته بي بي سي والباروميتر العربي في الفترة 2022-2021، شمل 23 ألف مشارك، في تسع دول عربية والأراضي الفلسطينية، إن "العرب لا يثقون بأن الديمقراطية قادرة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي في أرجاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا[...]واتفق معظمهم على أن الاقتصاد ضعيف تحت الديمقراطية" 5. واتفقت الغالبية في كل دولة شملها الاستطلاع، وثلثا المصريين المستطَلَعة آراؤهم، على أنهم أقل اهتمامًا

  1. Keith Wheelock, Nasser's New Egypt: A Critical Analysis (New York: Foreign Policy Research Institute, 1960).
  2. 3  في الذكرى السبعين لثورة 23 تموز/ يوليو 1952، أعلن السيسي أنه على يقين من قوة عزيمته، هو و"الشعب"، في الانطلاق إلى "الجمهورية الجديدة؛ جمهورية التنمية والبناء والتطوير، وتغيير الواقع، جمهورية تؤسس نسقًا فكريًا واجتماعيًا وإنسانيًا شاملًا." ينظر: " I am Confident of our will to Launch into 'New Republic': Egypt's President on 1952 Rev. Ann," Egypt Today , 23/7/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://Cutt.Ly/Fehai4ka; وعاد إلى موضوع "الجمهورية الجديدة" في الذكرى الحادية والسبعين، ليقول للمصريين إن "الجمهورية الجديدة التي تمثل التطور التاريخي لمسيرتنا الوطنية كأمة عظيمة آن لها أن
  3. تستعيد مكانتها المستحقة بين الأمم." وتابع متعهدًا بأن جمهوريته الجديدة ستحمي أمن الوطن واستقراره وتسعى لتوفير فرص متكافئة للعمل والحياة الكريمة لهذا الجيل والجيل
  4. القادم. ينظر: " Egypt must Look to Future and the New Republic: Sisi on National Day," Ahram Online , 23/7/2023, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/VehAYz5U 4  Harold James, "All that is Solid Melts into Inflation," Project Syndicate , 5/7/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/KehAUPrp 5  Jessie Williams, Sarah Habershon & Becky Dale, "Arabs Believe Economy is Weak under Democracy," BBC World News , 5/7/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/oehv6MrS

بنوع الحكومة، مقارنة باهتمامهم بفاعليتها. واتفقت الغالبية أيضًا مع العبارة القائلة إنّ بلادهم تحتاج إلى زعيم يمكنه "َلّيَ القواعد" إذا اقتضى الأمر، حتى تتحقق الإنجازات المرجوّة. ويرَّجَح أن هذا السؤال لم يُطرح على المشاركين المصريين، لأن الحكومة لم تكن لتسمح بذلك. وشكّل المشاركون المصريون النسبة الأعلى 68(في المئة) من المستجيبين الذين أكدوا أنهم عانوا نفاد الغذاء وتراجع قدرتهم الشرائية. ومع ذلك، أعرب نصف المشاركين المصريين – نسبتهم هي ثاني أعلى نسبة ضمن البلدان التي شملها الاستطلاع – عن ثقتهم بأن الوضع الاقتصادي سيتحسّن خلال السنتين أو السنوات الثلاث القادمة، ما يشير إلى ثقتهم بقدرة النظام على إدارة الاقتصاد، على الرغم من معاناتهم الحالية. ليست مسألة العلاقة بين الاقتصاد والنظام السياسي بلا طائل، بل تكتسي أهميةً حيويةً في سياق النقاش المحتدم اليوم بين أنصار التسلّطية ونظرائهم من أنصار الديمقراطية، وهو نقاش كثيف يحاكي نقاش عشرينيات القرن العشرين، ويفوق نظيره الذي ساد السبعينيات كثافة  6. ولذلك، كانت دراسة هذه العلاقة في مصر ذات أهمية بالغة، لا في حالة مصر والمنطقة فحسب، بل في العالم برمّته، في ظل الانقسام المتزايد بين البلدان التي تستلهم النماذج التسلّطية أو الديمقراطية للاقتصاد السياسي. تستطلع هذه الدراسة، إذًا، تجليات العلاقة الحيوية ما بين الاقتصاد والسياسة في مصر. فتبدأ، في المبحث الأول، بتعيين السياقات العالمية والوطنية التي تحيط بعمل الاقتصاد، وهي السياقات التي تُسهم في تشكيله من جهة، وتجعله في مواجهة مع الرهانات التي يتعّي ن عليه التغلب عليها، بغية تسريع النمو من جهة أخرى. وتبحث في هذا الصدد، في المبحث الثاني، في كيفية مساهمة العوامل الاقتصادية في صعود التسلّطية الجديدة التي يقودها عبد الفتاح السيسي، يليه تحليل عكسي للعواقب الاقتصادية على نظامه، في المبحث الثالث. وفي المبحث الرابع، تحلل إذا ما كانت هذه العواقب ستسمح لمصر بمنافسة اقتصادية أفضل، أم أنها تقوّض قدرتها على ذلك، ثم تجيب عن السؤال المتعلق باللبنات الأساسية لاستراتيجية اقتصادية ناجحة. وفي الخاتمة تعرض سيناريوهات المستقبل البديل للاقتصاد السياسي في مصر.

أولًا: سياقات عمل الاقتصاد السياسي

مُيّ ثّل الاقتصاد العالمي تحديات للدول التي حققت التنمية في المرحلة المتأخرة، وتحديات أكثر عمقًا للدول التي لم تحققها بعد، وتتأرجح مصر بين الحالتين؛ إذ لا تزال تعتمد على مصادر الدخل الأربعة الكبرى، وهي السياحة والتحويلات المالية وعائدات قناة السويس وصادرات النفط والغاز، كما فعلت قبل نحو جيلين. وهي تُعدّ متأخرة حين يتعلق الأمر بتنويع الصادرات، ولا سيما السلع المصَّنَعة، مقارنة بدول مثل تونس  7. ولم تركب مصر أيضًا موجة العولمة الاقتصادية التي بدأت في نهاية الحرب الباردة، وأدّت إلى ارتفاع كبير في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في العديد من البلدان النامية. وقد أعقب تلاشي هذه الموجة اليوم فتوٌرٌ في النمو، خاصة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. فالاقتصادات المتقدمة، مدفوعة بعوامل سياسية واقتصادية وتقنية، تعمل الآن على "إعادة توطين التصنيع في الداخل"، بدلًامن "نقله إلى الخارج"، الأمر الذي أفضى إلى تقليص فرص التصدير أمام الاقتصادات الأضعف. ويعني ذلك أن النهج الذي جرى اختباره عبر الزمن واعتمد على العمالة الرخيصة والاستثمار الأجنبي المباشر للارتقاء تكنولوجيًا في سلاسل التوريد العالمية، لم يعد وصفةً مؤكدة لتحقيق النجاح الاقتصادي. وهكذا صار النمو السكاني في البلدان التي تتمتع بفائض العمالة عبئًا أكثر من كونه نعمة. ففي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على وجه الخصوص، وهي أكثر منطقة في العالم تشكو نقص المياه والتبعية الغذائية، يشكّل ارتفاع عدد السكان رهانًا خطرًا، لا يفتأ يتفاقم بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية. ومن المرجح أن يؤدي التدهور البيئي العالمي المقترن بتغير المناخ إلى استمرار تآكل الأمن الغذائي في المنطقة. وخلاصة القول، أضحى السياق الاقتصادي، بنيويًا، أقل ملاءمة للنمو في مصر والاقتصادات المماثلة، ولا سيما تلك الموجودة في أفريقيا، وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مقارنةً بما كان عليه الوضع قبل جيل مضى. وقد تدهور السياق الاقتصادي المباشر تدهورًا حادًا، فقد جابه الاقتصاد العالمي أولًاالأزمة المالية عامي 2007 و 2008، ثم جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) في عام 2020، أعقبه الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 شباط/ فبراير 2022، ما أفقد الاقتصاد العالمي انتعاشه على نحو بالغ. وقد عانى الشرق الأوسط عامة، والدول المتجاورة، مثل مصر والأردن ولبنان خاصة، أضرارًا اقتصادية كبيرة

  1. 6  للاطلاع على تحليل لهذا النقاش المحتدم، ينظر: Moisés Naím, "The Dictator's New Playbook: Why Democracy is Losing the Fight," Foreign Affairs , vol. 101, no. 2 (March-April 2022), pp. 144-154.
  2. Amirah El-Haddad, "Picking Winners: Identifying Leading Sectors for Egypt and Tunisia Using the Product Space Methodology," Review of Middle East Economics and Finance , vol. 16, no. 1 (2020).

بسبب الحرب على غزة. وفي حالة مصر، أدى انخفاض الإيرادات المتأتّية من رسوم المرور في قناة السويس والسياحة إلى تفاقم كبير في أزمة النقد الأجنبي المباشر؛ ما أدى إلى تفاقم الآثار السلبية للاقتصاد العالمي، مثل ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة وتباطؤ التجارة وزيادة جاذبية الملاذات الآمنة، مثل الدولار الأميركي. وهكذا باتت مصر وبلدان أخرى، منخفضة ومتوسطة الدخل، تعتمد على الدعم الآتي من المؤسسات المالية الدولية، بعد أن تبخّرت مصادر رأس المال الخاص وتراكمت الديون، ودخلت عائدات التصدير حالةً من الركود، باستثناء السلع الأولية. تتعرض مصر لمعاناة خاصة من جرّاء هذه القيود الهيكلية والانكماش الدوري. فقد صارت سوق العمل فيها مشبعة بزيادةٍ قدرها زهاء مليوَن يمواطن إضافي سنويًا، وُسُجّل انخفاض مطّرد في معدل المشاركة في القوى العاملة، بنحو 42 في المئة، منذ توّل يالسيسي السلطة، وهو معدل يقل كثيرًا عن دول مماثلة  8. ويؤمّن القطاع غير الرسمي نحو ثلاثة أرباع الوظائف الجديدة، وهو قطاع آفاق النمو فيه تُعدّ ضئيلة. وتتسم المدارس بالاكتظاظ والأداء المتدني، فقد جاء طلاب المرحلة الابتدائية في المرتبة 131 من بين 133 دولة في تقييم أداء الطلاب من خلال اختبارات موحّدة  9، في حين كان طلاب الصف الرابع في المرتبة 49 في مهارات القراءة، من أصل 50 دولة خضعت للاختبار، بينما جاء طلاب الصف الثامن الذين اخُتبُروا في الرياضيات والعلوم المرتبة في المرتبة 34 و 38 على التوالي من أصل 39 دولة. إضافة إلى أن واحدة من كل خمس مدارس عامة غير صالحة للتعليم  10، فضلًاعن أن الإنفاق العام على التعليم "انخفض إلى نحو نصف مستوياته قبل الثورة، وُيُعدّ شديد الانخفاض بالمعايير الدولية"، ويبلغ حاليًا ما يزيد قليلًاعلى 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي؛ أي نصف النسبة التي كان عليها في عام 2014 11. ويبلغ إجمالي تكوين رأس المال الثابت نسبةً من الناتج المحلي الإجمالي أقل من 14 في المئة، مقارنة ب 25 في المئة في العالم العربي، و 33 في المئة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وتبلغ نسبة القطاع الخاص في مصر 5 في المئة، مقارنة ب 30 في المئة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل 12. أما نسبة الاستثمارات في البحث والتطوير، فنسبتها من الناتج المحلي الإجمالي 0.72 في المئة؛ أي أقل من نصف المعدل المسجّل في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل  13. والواضح هنا أن مصر فشلت في الاستثمار على نحو ملائم في سكانها، أو في وسائل الإنتاج فيها. تسبّب العجز المالي وعجز ميزان المدفوعات، وسببه جزئيًا عدم كفاية الإنتاج المحلي، في زيادة مفرطة في الاقتراض، على نحو جعل مصر ثاني أكبر دولة مَدينة لصندوق النقد الدولي بعد الأرجنتين. وقد دق الأمر أجراس الإنذار في أروقة الصندوق الذي شدّد من مشروطيته في القرض المقَّدَم في كانون الأول/ ديسمبر 2022، وقيمته ثلاثة مليارات دولار، وبلغ الأمر حدّ تعليق المفاوضات بشأن الدفعة الثانية منه في آذار/ مارس 2023، قبل استئنافها عقب الحرب الإسرائيلية على غزة التي بدأت في 7 تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه. وبضغط من واشنطن وبروكسل، أعلن صندوق النقد الدولي في آذار/ مارس 2024 عن "توسيع" للقرض المقدّم في كانون الأول/ ديسمبر 2022 في إطار آلية "تسهيل الصندوق الممدد" Facility Fund Extended، ليصل إلى ثمانية مليارات دولار. ولم تُطَّبَق أٌّيٌ من شروط الإصلاح الاقتصادي تقريبًا، بما في ذلك خصخصة الشركات المملوكة للدولة، ومنها تلك التابعة للقوات المسلحة، والملحقة بالبرنامج. وفي ميزانية عام 2024-2023، خصصت مصر – التي تدفع أسعار فائدة حقيقية من بين المعدلات المرتفعة في العالم، إن لم تكن أعلاها – ما يزيد قليلًاعلى نصف إجمالي النفقات لخدمة ديونها السيادية التي تزيد على 400 مليار دولار، منها ديون خارجية رسمية بمقدار 165 مليار دولار 14. وبحلول آذار/ مارس 2024، كانت مصر ملزمة بدفع أقساط قروض وفوائد تبلغ نحو 100 مليار دولار، حتى عام 202715. وقد أدى هذا الاقتراض العام الضخم إلى إبعاد القطاع الخاص من الأسواق المالية، مع التراجع الذي شهده هذا القطاع على نحو مطّرد على مدى السنوات الماضية، مثلما يتضح من نتائج مؤشر

  1. Central Bank of Egypt, "Egypt Labor Force Participation Rate, 2009-2021," CEIC Data , accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/cehbcUjA
  2. Egypt: Education," UNICEF, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/RehAQOgv
  3. Hania Sobhy, Schooling the Nation: Education and Everyday Politics in Egypt (Cambridge: Cambridge University Press, 2023), p. 189.
  4. World Bank Group, "Gross Fixed Capital Formation ( % of GDP) - Egypt, Arab Rep. ," World Bank Open Data (2022), accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/jehbmWzu
  5. World Bank Group, "Research and Development Expenditure ( % of GDP) - Egypt, Arab Rep.," World Bank Open Data (2022), accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/HehbQHDu
  6. Beesan Kassab, Ehab Al-Naggar & Rana Mamdouh, "Egypt to Seek LE 1.5 Trillion in Borrowing as Debt Servicing Consumes 50 % of 2022/23 Expenditures," Mada Masr , 11/3/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/VehnjIU3
  7. Egypt External Debt Rose to $157.8bn in Q3 of Fiscal Year," Middle East Monitor , 17/8/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://tinyurl.com/yxu4bn7h

مديري المشتريات Purchasing Managers' Index الذي يقيس أداء القطاع الخاص غير النفطي من خلال إجراء استبيانات تغطي 400 مدير مشتريات تقريبًا، حيث سجّل أقل من 50 نقطة منذ ما قبل الجائحة، وهو المستوى الذي تدل القيم الأعلى منه على التوسع الاقتصادي  16. ويعدّ عدد الإدراجات في بورصة القاهرة الآن أقل مما كان عليه عندما توّل ىالسيسي السلطة  17، حيث كانت البورصَةَ العربية الأسوأ أداءً في الربع الأول من عام 2022 18، ثم ارتفع العدد ارتفاعًا كبيرًا في عام 2023 نتيجة بحث المستثمرين عن ملاذ آمن بِفِعل ارتفاع التضخم وانخفاض قيمة العملة، لكن البورصة انهارت في ربيع 2024 بمجرد خفض تلك الحوافز نتيجة قروض صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي في ذلك الشهر، إضافة إلى شراء الإمارات العربية المتحدة أرض منطقة رأس الحكمة على الساحل الشمالي، في مقابل 35 مليار دولار. وخلاصة القول، إن اقتصاد السيسي، على الرغم من خطة الإنقاذ المتخذة في مطلع 2024، ليس في وضع جيد للتعامل مع التحديات البنيوية أو المباشرة التي يفرضها الاقتصاد العالمي.

ثانيًا: الأسباب الاقتصادية للتسّل طية الجديدة في عهد السيسي

يقوّض النمو الاقتصادي غير الملائم، المقترن باتساع فجوات التفاوت، التأييد العالمي للديمقراطية الرأسمالية، تمامًا كما حدث في فترة ما بين الحربين العالميتين. ويتحوّل الولاء السياسي نحو القادة التسلّطيين على أمل أن تؤدي إدارتهم "الصارمة" والمركزية، من أعلى إلى أسفل، إلى نمو اقتصادي أسرع وأوسع. وقد شجّع القادة التسلّطيون هذا التحول في المواقف السياسية واستفادوا منه، وتوسعوا في بناء العديد من المشروعات الكبرى التي ترمز إلى العظمة والتقدم الوطنَّييَن، حتى لو لم يحققوا أيًا منهما. وكان أدولف هتلر وموسوليني وجوزيف ستالين سادة سابقين في هذا النهج، على النحو الذي يثبته افتتانهم بالخطط التحديثية على سبيل المثال  19. وتتطابق رؤية السيسي لمصر الجديدة مع هذا القالب، وتكشف عن الكيفية التي تُسهم بها العوامل الاقتصادية، على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية، في انبثاق دكتاتوريته واستدامتها.

1. أسباب وطنية

على المستوى الوطني، تدفع العوامل الاقتصادية المتأصّلة في نموذج الاقتصاد السياسي الذي ينتهجه السيسي في اتجاه التسلطية. والنموذج المقصود هنا هو نموذج الدولة الريعية التي تفتقر إلى ريوع كبيرة، كتلك التي تحصل عليها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من النفط والغاز؛ ما يفضي إلى آثاٍرٍ في النفقات والإيرادات؛ ذلك أن الدول الريعية التي لا تعتمد على الاستثمارات الإنتاجية، خارج تلك الموجودة في إنتاج النفط والغاز والقطاعات المرتبطة بهما، تبني الاستثمارات الرأسمالية الأخرى في معظمها، وعينها ترنو إلى شرعنة النظام، إن لم يكن لدوافع الغرور الشخصية، فيكون القصد منها تحقيق عوائد سياسية، وليست اقتصادية، في الداخل، وفي الخارج

  1. Gamal Haikal, Islam Abdelbary & Dina Samir, "Lazy Banks: The Case of Egypt," Macroeconomics and Finance in Emerging Market Economies , vol. 16, no. 3 (2023); "Egypt's PMI Records 45.2 in June, Records Worst Slump in Business Conditions in Two Years," Egypt Today , 6/7/2022, accessed on 30/12/2023, at: https://cutt.ly/9ehnR9kN
  2. Mamdouh Al-Wali, "Huge Debt and a Shrinking Private Sector Marked Egypt's Economy in 2021," Middle East Monitor , 5/1/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/BehnY5x9
  3. Egypt Stock Exchange Worst Performance in Arab Region During
  4. First Quarter of 2022," Egypt Independent , 14/6/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/VehnAeHj 19  Klaus Larres (ed.), Dictators and Autocrats: Security Power across Global Politics (London: Routledge, 2022).

على حد السواء. وفي هذا الصدد، فإنّ "تلميع الصورة عبر الرياضة"، ليس سوى أحد أمثلة ذلك، وهنا تبدو دولة السيسي الريعية التي لا تملك ريوعًا، أشبه بمحاولة "تقليد الجيران الأغنياء"، وإثارة الانبهار في صفوف الشعب المصري بالتبعية. لذلك يفتَرَض أن المشروعات الكبرى، مثل العاصمة الإدارية الجديدة، والقطار الكهربائي المعلّق الذي يهدف إلى ربطها بالقاهرة، وصولًاإلى الحدود الليبية تقريبًا، والمتحف المصري الكبير، ومدينة الفضاء، والمفاعلات النووية في الضبعة على الساحل الشمالي وغيرها، تحظى بأهمية سياسية، أكثر منها اقتصادية  22. ويتطلّب الافتقار إلى عائدات كبيرة من الهيدروكربونات توليد إيرادات لهذه المشروعات من مصادر أخرى. وسنناقش المصدر الرئيس للنقد الأجنبي، وهو إصدار أدوات الَّدَين السيادية، مثل سندات الخزينة وأذوناتها، في موضع آخر من هذه الدراسة، حين نتحدث عن العوامل الاقتصادية العالمية التي تحفز التسلّطية. أما عن مصادر الإيرادات المحلية، فهي مباشرة وغير مباشرة، ويعمل كلا النوعين على تعزيز انعدام المساواة، وفيهما يجري استخراج الموارد وتسليمها على نحو غير متناسب لمصلحة الأشخاص الأفضل ح لًا. وفي هذا، تسهم ضرائب الاستهلاك بحصة أكبر من الإيرادات الضريبية، مقارنةً بالدول المماثلة، في حين توفّر الضرائب على الدخل والممتلكات، وهي أكثر تصاعدية، إيرادات ضئيلة نسبيًا  23. وعمومًا تُعدّ قيمة الضرائب في مصر نسبةً من الناتج المحلي الإجمالي منخفضةً نسبيًا، وقد انخفضت من 13.2 في المئة في عام 2021-2020، إلى 12.8 في المئة في عام 2022-2021. وفي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يبلغ متوسط هذه المعدلات نحو 35 في المئة، وفي المغرب وتونس 21 في المئة، وفي البلدان الناشئة عمومًا 15.3 في المئة 24. وربما يكون سبب انخفاض معدل الضرائب في مصر هو وعي النظام بالصلة المحتملة بين الضرائب ومطالب التمثيل، فضلًاعن إحجامه عن فرض الضرائب على الأثرياء، إلى جانب أوجه القصور الإدارية في تحصيل الضرائب. في جانب الإنفاق، أفضت سياسات نظام السيسي إلى تعزيز انعدام المساواة والفقر أيضًا. ويتعرض السكان للضغوط، حيث يُحرم الفقراء في المناطق الحضرية والريفية والشرائح الدنيا من الطبقات المتوسطة من الوسائل اللازمة لتحسين أوضاعهم، ليس هذا فحسب، بل من سبل العيش الأساسية. وجرى تقليص نطاق السلع المدعومة، وانخفضت كمياتها انخفاضًا كبيرًا، وكذلك نسبة السكان المؤهّلين للحصول عليها. والخلاصة هنا هي أن العقد الاجتماعي الناصري قد أ بِطِل. ولم تتمكّن برامج شبكات الأمان الاجتماعي، التي عادةً ما يجري تفويضها ودعمها من مانحين أجانب، مثل البنك الدولي، من رأب الفجوة، سواء من حيث عدد المستفيدين، أم من حيث السلع والخدمات المقدّمة  25. وقد جرت خصخصة الخدمات العامة، وأهمها الصحة والتعليم، إمّا جزئيًا أو كلّيًا؛ فزاد متوسط أحجام الفصول الدراسية في المدارس الابتدائية والثانوية العامة، مع ثبات عدد المعلمين بسبب انخفاض مخصصات الميزانية لكل طالب  26. وتستثمر الحكومة في المدارس الخاصة التي تعلّم نحو 10 في المئة من السكان، القدر نفسه الذي تستثمره في المدارس العامة التي تعلّم

  1. Doaa A. Moneim, "Fitch Solutions Revises Up Egypt's Real GDP Growth to 5.5 % through End of 2022," Ahram Online , 4/4/2022, accessed on 14/12/2023, https://cutt.ly/Nehn692W; World Bank Group, "Tax Revenue ( % of GDP) - Lower Middle Income," World Bank Open Data (2018), accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/ZehAfB5w; Dooa A. Moneim, "Tax Revenue to GDP Remains Low in the Middle East, Gap Estimated at 14 %: IMF," Ahram Online , 7/7/2022, accessed on 14/7/2023, at: https://cutt.ly/HehmeWbJ 23  Imane Helmy et al., "Reaping the Harvest of Economic Reform: The Case of Social Safety Nets in Egypt," Working Paper , no. 200, Egyptian Center for Economic Studies (February 2019). 24  Rana Mamdouh & Ihab al-Naggar, "Funds Approved by the Committee of Education are LE31 Billion Less than Requested by the Ministry," Mada Masr , 18/4/2022; وقد ارتفع متوسط حجم الفصل من 46 إلى 55 طالبًا بين عامي 2015 و 2021:. ينظر مدى مصر محمد رمضان، "رحلة التعليم من التنمية إلى الأرباح"،، 2021/12/14، شوهد في 2023/7/14، في https://tinyurl.com/yc4hbf7z: وفي عام 2021، ارتفع عدد الطلاب المدارس الحكومية بنسبة 3.8 في المئة، بينما انخفض عدد المعلمين بنسبة 1.2 في المئة. ينظر: " Statistics: 3.8 % Increase in Students in 2021; 1.2 % Decline in Teachers," Mada Masr , 16/1/2022.
  2. أشار محمد القوصي، الرئيس التنفيذي لوكالة الفضاء المصرية، عند افتتاح مدينة الفضاء في تموز/ يوليو 2022، وفي خضمّ الأزمة المالية التي تمرّ بها البلاد، إلى أن "الدولة لم تبخل علينا بالتمويل." والمزمع أن يشمل هذا التمويل 23 مبنى، وبلاطًا مستوردًا من فرنسا، وأبوابًا من
  3. ألمانيا وإنكلترا، وفندقًا، ومصنعًا للأقمار الصناعية، إلى غير ذلك. ولم يقَّدَم عن تكلفتها أيّ بيان على الإطلاق. ينظر: " Construction Underway at 8 Buildings of the Egypt's New Space City: CEO," Egypt Today , 13/7/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/3ehn7FOS 1  2  وتمثل ضريبة القيمة المضافة وضرائب الاستهلاك الأخرى نصف إجمالي الإيرادات الضريبية في مصر، مقارنةً بالثلث في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتسهم ضرائب الدخل الشخصي المصرية بنسبة 12 في المئة من إجمالي الإيرادات الضريبية، مقارنة ب 18 في المئة في أفريقيا كلها، و 24 في المئة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ينظر: " Revenue Statistics in Africa 2023: Egypt," OECD (2023), accessed on 14/12/2023, at: https://bit.ly/3WmirkC

الباقي. وينحو المعلمون في وجه ذلك في اتجاه مجموعة منوعة من الُسُبل، منها التغيّب عن فصولهم الدراسية، لحثّ الآباء على دفع أموال لهم، في مقابل الدروس الخصوصية لأطفالهم 27. وبذلك، فقد صار دخل الأسر مؤشرًا أقوى على أداء الطلاب  30. أدى الفشل في تعويض الأطباء في الخدمة الصحية العامة التعويض الكافي إلى استقالة ما يقرب من 12 ألفًا منهم بين عاَمَي 2019 و 2022. وأدت هجرة نحو 150 ألفًا منهم إلى استنزاٍفٍ في عددهم الإجمالي، حيث بلغ عددهم 8.6 أطباء لكل 10 آلاف مواطن في عام 2022، مقارنة بالمعدل العالمي الذي يبلغ 23 31. وفي مطلع 2024، أعلنت الحكومة أنها لن توفر سوى ربع الأَسّرَة في المستشفيات العامة مجانًا من الآن فصاعدًا  32. ويتجاوز معدل الإصابة بالتقزّم لدى الأطفال، وهو المقياس الأكثر موضوعية للرفاه الغذائي، نظيَرَه في البلدان التي تقع بين مستويات الدخل المنخفض إلى المتوسط، ليعادل نظيره المسجل في البلدان المنخفضة الدخل  33. وقد صنّفت منظمة أوكسفام ومنظمة تمويل التنمية الدولية، مصَرَ في المرتبة 149 من أصل 158 دولة في عام 2020، من حيث الإنفاق العام على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية. وانخفضت هذه النفقات نسبةً من الميزانية في السنوات الثلاث التالية، وهو ما يفسر المرتبة التي تتبوؤها حاليًا  34. خلاصة القول، إن المصريين ممن هم أقل قدرةً على الانتفاع بهذه الخدمات، هم من يُسهمون على نحو غير تناسبي في عائدات الضرائب، في حين يحصلون على نسبة أقل من السلع والخدمات العامة. تشكّل هذه الضغوط المسلّطة على عشرات الملايين من المواطنين بادرةً محفوفةً بالمخاطر على المستوى السياسي، على نحو ما تشهد على ذلك أعمال الشغب المتقطعة بسبب الخبز، والتي عرفها تاريخ مصر الحديث. وقد استندت ردّة فعل نظام السيسي على المخاطر المحدقة، إلى إحلال التفاخر بالمشروعات العملاقة مكان المنافع الاجتماعية والاقتصادية المأمولة، وممارسة القمع. فالعامل اللافت في البنية الأساسية الجديدة والبرّاقة، حتى إن كان العائد الاقتصادي منه غير كاٍفٍ، هو العائد السياسي الثمين الذي يجنيه النظام في مقابل النفقات الباهظة اقتصاديًا؛ إذ يقوم في أساسه على شحذ الفخر والأمل في مستقبل الأمة. لكن على نحو ما تكشفه الانتقادات المحلية للمشروعات العملاقة هذه، فإن الفخر والأمل غير كافَييَن لضمان الانقياد  35. فالإذعان لم يتحقق بغير القمع العميق الذي وسم تاريخ مصر الحديث، على نحو ما يتجّل ىفي تصنيف مصر في المراتب المتقدمة في العالم من حيث عدد السجناء السياسيين والإعدامات واحتجاز الصحافيين المقترن بالحرمان من الحريات الصحافية، والانتخابات غير الحرة، والإنفاق على الأمن الداخلي، والقيود المفروضة على ممارسة السلطة التشريعية وغير ذلك  36. ولذلك، كان استبدال الريوع بالاستخراج المحلي يقتضي تسلّطية صارمة على نحٍوٍ فاق نظام عبد الناصر. والحكومة التسلطية بصفتها هذه مستهلك رئيس للموارد الاقتصادية، وُيُعدّ العنصر العسكري فيها الأكثر شراهة. ومن ثمّ، فإن الاقتصاد السياسي محصور في دوّامة تنازلية، لأن الحرمان يستتبع القمع الذي تؤدي تكلفته إلى زيادة تفاقم الحرمان، الذي بدوره يستهلك المزيد من الموارد لاحتواء ردّات الفعل المتوقعة والفعلية. إن التكاليف التي يتكبّدها الجيش، والتي استلزمتها حاجة السيسي إلى إبهار السكان وصدّ احتمالات الانقلاب التي قد تواجهه في غياب قاعدة سياسية كبيرة لنظامه، هي تكاليف مباشرة وغير مباشرة. تتألف الأولى من عمليات شراء الأسلحة في المقام الأول، حيث كانت مصر طوال سنوات عدة قبل الانهيار الاقتصادي، بدءًا من عام 2021، من بين أكبر المشترين الخمسة، بل ربما الثلاثة الُأَوَل للأسلحة في الأسواق العالمية، وإنفاقها الواسع جعلها في المرتبة الأولى بين البلدان المنخفضة والمتوسطة

  1. 8  رنا ممدوح، "الصحة تقلص العلاج المجاني إلى % 25 في مستشفيات الفقراء"، مدى، 2024/3/8، شوهد في 2024/3/8، في https://tinyurl.com/3ujaaabp: مصر
  2. 2  Reem Nabil Hashad, "Childhood Stunting in Egypt: Trends, Causes, Solutions," The Forum: Economic Research Forum (ERF) Policy Portal , 20/1/2020, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/6ehmsScM
  3. Sobhy, pp. 188-196.
  4. Heba Al-Laithy & Dina M. Armanious, "Inequality of Education Opportunity in Egypt: Impact Evaluation," Working Paper , no. 216, Egyptian Center for Economic Studies (March 2021).
  5. Doctors: 11,536 Resign from the Government Sector since 2019," Mada Masr , 18/4/2022; Ahmed Kadry, "Former Egypt Striker Mido Slams Health Sector as Medical Syndicate Hits Back with Legal Action," Ahram Online , 19/7/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/jehApFlY
  6. Fighting Inequality in the Time of Covid-19: The Commitment to Reducing Inequality Index 2020," Development Finance and OXFAM Report (October 2020).
  7. Khalid Hassan, "Pro-government Voices Call for Cancellation of Egyptian Megaprojects," Al-Monitor , 23/5/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/QehmfA5y
  8. Ahmad Zuaiter, "The Middle East's Addiction to Foreign Aid: A Crippling Crutch," Linkedin , 30/10/2019, accessed on 14/7/2023, at: https://cutt.ly/8ehInfBw; ينظر أيضًا بشأن دور الأجهزة الأمنية في نظام ما بعد عام 2013 دراسة حسام الحملاوي في هذا العدد.

الدخل  37. وفي السنوات الأربع، حتى أوائل عام 2024، كانت مصر سابع أكبر مشتٍرٍ للأسلحة في الأسواق العالمية، حيث استحوذت على 4 في المئة من الواردات العالمية؛ أي ما يقرب من ضعف حصة الكويت والإمارات، وهما من البلدان السريعة التسلّح، والغنية بالنفط 38. أما التكلفة غير المباشرة لانغماس الجيش في الاقتصاد، فهي العواقب السلبية التي يتحمّلها القطاع الخاص الناتجة من توسيع دور الجيش في الاقتصاد المدني، والتي تمتد من إزاحة الشركات الخاصة من أسواق الائتمان، إلى دخولها في منافسة غير عادلة مع الشركات المملوكة للجيش. فهذه الأخيرة تدفع القليل من الضرائب في حال وُجدت، وتستخدم العمالة الإلزامية المجانية، ولا تخضع لولاية المحاكم المدنية، ولها حق الوصول التفضيلي إلى الواردات 39. والتكاليف غير المباشرة الإضافية هي تلك المرتبطة بما سّم اه يزيد صايغ "جمهورية الضباط"، وقَصَد بها شبكة الضباط العاملين والضباط المتقاعدين الذين أضحوا يهيمنون على الاقتصاد السياسي  40. وقد اقترن اعتماد النظام على هذه الشبكة بتهميش الخدمة المدنية في المناحي السياسية والاقتصادية، وحتى القانونية، اعتبارًا من شباط/ فبراير 2024؛ إذ صدرت حينها تشريعات "(قانون رقم 3 لسنة 2024 بشأن تأمين وحماية المنشآت والمرافق العامة والحيوية في الدولة"، وتعديلات على "قانون القضاء العسكري" رقم 25 لسنة 1966)، تقول هيومن رايتس ووتش إنها ترسّخ وتوسّع "صلاحيات الجيش، الواسعة أصلًا، على الحياة المدنية بشكل يقوّض الحقوق. يمنح القانون الجديد الجيش سلطةً جديدةً واسعةً لممارسة وظائف معينة، بدلًامن الشرطة والقضاء المدني والسلطات المدنية الأخرى، كلّيًا أو جزئيًا، ويوسع نطاق اختصاص المحاكم العسكرية لمحاكمة المدنيين" 41. ولم تواكب رواتب موظفي القطاع العام التضخم الحاصل، وتراجع عددهم 42. وفوق ذلك، فإن جمهورية الضباط تفضّ ل، بالضرورة، شركاتها الخاصة، ومنها الشركات المملوكة للمؤسسة العسكرية والمتحالفة معها، ما ينتهي إلى إبعاد القطاع الخاص على نحو مباشر. وأخيرًا، عزّزت جمهورية الضباط مركزية عملية صنع القرار الاقتصادي، واستبعدت الأصوات شبه المستقلة منها. وذلك كله على حساب التحليل الفعال للقرارات الاقتصادية من حيث التكلفة والعائد، خاصة تلك التي تنطوي على إنفاق كبير من الأموال العامة على المشروعات الكبرى التي استفادت منها الشركات المملوكة للمؤسسة العسكرية والمسيِطِرة عليها، استفادة غير تناسبية.

2. أسباب إقليمية

يُعزّز السياق الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الدور الذي يسهم به الاقتصاد في التسلطية في مصر، فهو أولًا، يوفّر لها نموذَجَ الدولة الريعية الذي تسعى لمحاكاته، على الرغم من افتقارها إلى الريع اللازم لاستدامته. فقد كانت الإمارات والمملكة العربية السعودية على رأس الداعمين الأساسيين لانقلاب عام 2013، حيث أدّت الأولى دورًا أكثر نشاطًا في ذلك الوقت، ثم لاحقًا على النحو الذي يتّضح من شرائها، زهاء 200 كلم 2 في رأس الحكمة، على ساحل البحر الأبيض المتوسط غرب مدينة العَلَمين، في مقابل 35 مليار دولار. وهو مبلغ أعلى بكثير من القيمة السوقية، ما يمثل إشارة إلى الدعم الذي تقدّمه الإمارات للسيسي وتشجيعه على محاكاة النموذج الريعي، وإن كان من خلال دفعه إلى إثبات أن نظامه يمكنه تنفيذ مشروعات غايتها إثارة الإبهار. ثانيًا، في حين شجعت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مصر على تبنّي نموذج غير مناسب، فإنها لم تقدّم لها فرصًا اقتصادية لتكون جزءًا من منطقة متكاملة اقتصاديًا من خلال التجارة، أو من خلال وجود روابط تكامل إقليمية فعالة. أما المصدران الرئيسان للتكامل، فهما تحويلات العمال وتدفّقات رأس المال الموجهة من الحكومة، وكلاهما يتولّد في منطقة الخليج ابتداءً، وَلّمَا يقدّم أٌّيٌ منهما مساهمة اقتصادية كبيرة في نموّ المؤسسات الإنتاجية في مصر؛ إذ تُستخَدَم التحويلات المالية للاستهلاك الأسري والاستثمار في المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر، ومن ثم فهي لا يمكنها أن تكون محرّكًا للنمو الاقتصادي الحقيقي. وفي عام 2023، تسبّب الخوف من انخفاض قيمة الجنيه المصري في توجيه نسبة أكبر من التحويلات بواسطة السوق السوداء، بدلًامن البنوك، ما أدى إلى انخفاض هذا المصدر المهم للنقد الأجنبي الذي تعتمد

  1. Pieter D. Wezeman et al., "Trends in International Arms Transfers, 2021," Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI) (March 2022); ويفخر الجيش المصري بهذا التصنيف، ينظر: " Egypt the Third Largest Arms Importer in the World," Egypt Defense Expo , 9/3/2020, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/FehOifaX
  2. Adam Lucente, "Saudi Arabia, Qatar, Egypt among the World's Top Arms Importers: SIPRI," Al Monitor , 11/3/2024, accessed on 11/3/2024, at: https://cutt.ly/NehOob9r
  3. Yezid Sayigh, "Retain, Restructure, or Divest? Policy Options for Egypt's Miliary Economy," Working Paper , The Carnegie Endowment Malcolm H. Kerr Middle East Center, 31/1/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/3ehAEsmi
  4. Yezid Sayigh, Owners of the Republic: An Anatomy of Egypt's Military Economy (Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace,
  5. 37   " مصر: قوانين جديدة تُرِّسّخ سلطة الجيش على المدنيين: توسيع صلاحيات الادعاء وسلطات أخرى في مواجهة الأزمة الاقتصادية"، هيومن رايتس ووتش، 2024/3/5، شوهد في 2024/3/5، في https://cutt.ly/EehOv5cn:
  6. 38  أميمة إسماعيل [وآخرون]، "انخفاض عدد العاملات 15.7 % في قطاعي 'العام' و'الأعمال' عام 2021 مدى مصر "،، 2022/3/29، شوهد في 2023/7/14، في: https://tinyurl.com/5pnmur48

عليه الحكومة بنحو الربع. واسُتُخدمت تدفقات رأس المال، مثل ودائع دول مجلس التعاون في البنك المركزي المصري، والمشتريات المباشرة من الإمارات والسعودية لمساحات كبيرة من سواحل مصر، بدءًا من عام 2024، لتخفيف العجز في الميزانية وميزان المدفوعات. وقد تركّزت الاستثمارات المباشرة خاصة في العقارات، فترةً وجيزة، اعتبارًا من عام 2022، في شراء الأسهم المملوكة للحكومة المصرية في الكثير من المؤسسات المربحة، مثل البنك التجاري الدولي وشركة أبو قير للأسمدة وبلتون (بنك استثماري) وفوري (شركة تكنولوجيا مالية) وغيرها. وعلى الرغم من أن هذه المشتريات وفّرت الأموال المطلوبة، فإنها لا تُعادل الاستثمار الأجنبي المباشر القادم من الاقتصادات المتقدمة، حيث لا تكون مصحوبة عادة بمدخلات فنية أو إدارية أو غيرها من المدخلات المستخدمة لرفع إنتاجية الشركات المستحوذ عليها. وحتى مشتريات أسهم الشركات المملوكة للدولة توقفت في عام 2023، على الرغم من كونها عنصرًا حيويًا في اتفاقية القرض الجديدة مع صندوق النقد الدولي. ويخشى المشترون الخليجيون المحتملون حدوث مزيد من الانخفاض في قيمة الجنيه المصري، من ضمن أسباب أخرى تزيد من تردّدهم. وُيُفترض أن تفضيلهم شراء الأراضي على الشركات المصرية المملوكة للدولة، يعكس تقييمهم للإمكانات الاقتصادية لهذه الأخيرة. وهكذا لم تتحقق قط الصيغة الافتراضية لنجاح مصر الاقتصادي التي سادت حقبة السادات، وخلاصتها كانت المزاوجة بين العمالة المصرية ورأس المال الخليجي لإنتاج السلع الموجهة للتصدير. التكامل الإقليمي الأساسي في مجال صناعة الغاز هو ذلك الذي بين إسرائيل ومصر، حيث وافقت الأولى في عام 2022 على نقل الغاز إلى مصر لمعالجته وتحويله إلى غاز طبيعي مُسال قبل تصديره إلى أوروبا. ومع ذلك، جرى هذا الاتفاق على أساس تجريبي مدّته خمس سنوات، ونظرًا إلى كمية الغاز الضئيلة نسبيًا، فلن تكون مساهمته كبيرة في اقتصاد أٍّيٍ منهما  43. لكن حتى هذا الاتفاق، لم يِس رعلى النحو المنشود؛ ففي أعقاب الهجوم الذي شنّته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 من غزة، أبطأت إسرائيل تدفق الغاز، ثم أوقفته، ظاهريًا بسبب الخوف من هجوٍمٍ على خط الأنابيب، لكنه كان على الأرجح تكتيكًا إسرائيليًا يهدف إلى إجبار مصر على قبول توطين اللاجئين الفلسطينيين القادمين من غزة. لكن حتى قبل توقّف واردات الغاز، توقفت مصر عن تصدير معظمه، لأنها اعتمدت على الغاز الإسرائيلي للاستهلاك المحلي، حيث عانى حقل "ظهر" انخفاَضَ الإنتاج بسبب الإفراط في الاستغلال، وهو الأكبر في البحر المتوسط. وإضافة إلى ذلك، لا يزال تكامل إمدادات الكهرباء بين السعودية ومصر بدائيًا، في حين عُلّقت خطة مد شبكة الكهرباء المصرية إلى السودان في عام 2023 بسبب أعمال العنف هناك. وتبقى الحواجز غير الجمركية المصرية من بين أكثر الحواجز المثبّطة للتجارة في العالم، ما يعوّق اندماج البلاد، حتى إن كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر ملاءمة للتجارة. ثالثًا، تعدّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منطقة جوار خِطِرة. فهي تحتل المراتب العالمية الأولى في مجموعة من مقاييس العنف، مثل معدّل الوفيات في المعارك والحوادث الإرهابية والنازحين، وفي الجهود الرامية أيضًا إلى توفير الأمن، مثل شراء الأسلحة والحجم النسبي للجيوش والأجهزة الأمنية. ومن ثم تشعر مصر بأنها مضطرة إلى الإنفاق المفرط لحماية أمنها القومي، ولُتُثبت لُرُعاتها الخليجيين أنها تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، عليهم أن ينظروا إليها بعين التهديد المحتمل و/ أو الحليف. وتتصاعد تكاليف شراء الأسلحة الحديثة وصيانتها إلى حد بعيد جدًا. فعلى سبيل المثال، قفز سعر الطائرة المقاتلة التي زوّدتها بها الولايات المتحدة الأميركية من نحو 12 مليون دولار، إلى 80 مليون دولار على مدى العقود الأربعة الماضية، في حين نما الناتج المحلي الإجمالي المصري من 216 مليار دولار في عام 1980، إلى 363 مليار دولار في عام 2020؛ أي بنحو مرة ونصف المرة، مقارنة بأكثر من ستة أضعاف المعدل المقابل لتضخم أسعار هذه الأسلحة.

3. أسباب عالمية

لعنة مصر وبركتها في آن واحد تكمنان في أن قسمًاكبيرًا من العالم يعتبرها "أكبر من أن يُسَمَح لها بالإفلاس." وتقع دول مجلس التعاون ضمن هذه الفئة، على نحو ما ذكرنا قبل قليل. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الغرب، سواء الولايات المتحدة التي تنظر إلى مصر من خلال عدسة عسكرية تضخّم دورها وتعتبرها جسرًا إلى الخليج؛ أم في حالة أوروبا التي ترنو بعينها إلى العواقب المترتبة على فشل الدولة المحتمل، أهمها الهجرة المنفلتة من عقالها. وتخشى كلتاهما أيضًا من عواقب سيطرة الإرهاب على هذا الجسر الحيوي الذي يربط أفريقيا وآسيا. أما بالنسبة إلى الدول التي تتزعّم التسلّطية الجديدة، الصين وروسيا، فتدعمان نظام السيسي، لكن بدوافع مختلفة. فالصين ترى مصَرَ محطةً مهمةً في مبادرة الحزام والطريق والفوائد الجيوستراتيجية المرتبطة بها. في حين تروم روسيا تقويض الوجود

  1. Karim Elgendy, "Egypt as an Eastern Mediterranean Power in the Age of Energy Transition," Middle East Institute (July 2022). وقد بلغ إجمالي صادرات مصر نحو 5 مليارات دولار من الغاز الطبيعي الُمُسال في عام 2022، صُدّر جزء منها إلى إسرائيل. وبمقارنة ذلك بالصادرات غير النفطية التي بلغت 32 مليار دولار في عام 2021، فإنه يشكّل نسبة معقولة من صافي إجمالي إيرادات الصادرات. لكن الأمر ليس مرشحًا للاستمرار، لأنه ارتبط بالارتفاع المفاجئ والضخم في أسعار الغاز بسبب الحرب في أوكرانيا، وإعادة توجيه استهلاك الغاز المحلي إلى التصدير، والاستغلال المكثف جدًا لاحتياطيات حقل ظهر الذي لا يمكن الإبقاء على وتيرة إنتاجه هذه.

العسكري الغربي في حوض البحر المتوسط، ومصر لاعٌبٌ رئيس فيه، كما تُعدّ منبعًا مهمًالعائدات الصادرات غير النفطية باعتبارها ثالث أكبر زبون للأسلحة الروسية. وهكذا تتعاون الدول الكبرى في العالم، سواء أكانت ديمقراطية أم تسلطية، لضمان عدم انهيار نظام السيسي، على الرغم من انتهاكاته ومكامن القصور فيه. يُعدّ الغرب الفاعَلَ الأكثر أهمية في هذه اللعبة؛ إذ تعمل الحكومات الغربية الكبرى على تنسيق أدوار الفاعلين الاقتصاديين الرئيسين ذوي الصلة، وهم الدول الغربية الكبرى واليابان، مضافًا إليها دول مجلس التعاون والمؤسسات المالية الدولية والمستثمرون من القطاع الخاص. ويتعاون في اللعبة الفاعلون العموميون الوطنيون والدوليون للحث على مشاركة الفاعلين الخاصين، في حين يتّخذ الأمر شكل السطوة التي تمارسها واشنطن وبروكسل ولندن وغيرها من مراكز النفوذ السياسي والاقتصادي المتحالفة مع الغرب وحلفائه، وإقناع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما من المقرضين الرئيسين متعددي الأطراف، مثل بنوك التنمية الإقليمية، لتأييد مصر وعدّها مستفيدًا جديرًا بتلِّقِي القروض، ثم تقديم هذه القروض في النهاية 44. وقد صارت مصر ثاني أكبر متلٍّقٍ لتمويل صندوق النقد الدولي منذ عام 2016، على سبيل المثال، بما يتجاوز حصتها الرسمية كثيرًا. ووفي مطلع 2024، أعلن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي عن إجمالي قروض جديدة لمصر، بقيمة 22 مليار دولار. أما الأجهزة التابعة لمؤسسات الإقراض المتعددة الأطراف، The Handmaidens of the Multilateral Lending Institutions فهي وكالات التصنيف المالي، مثل ستاندرد آند بورز Standard and Poor's، وفيتش Fitch، وموديز Moody's، التي منحت مصر درجات أفضل مما تستحق عمومًا، ليجري بعد ذلك تشجيع شراء ديونها السيادية في الأسواق الخاصة. ويحدث ذلك جزئيًا من خلال قبول وكالات التصنيف الحسابات القومية المصرية، باعتبارها حسابات حسنة النيّة، وهي تُقلّص، بوسائل مختلفة، من التزامات البلاد، وتبالغ في تقدير الأصول المقابلة. ويتمثل أحد هذه الأساليب في استبعاد قروض الشركات المملوكة للدولة والهيئات العامة من الميزانية الوطنية. وقد جرى التعامل بهذه الطريقة مع زهاء 250 مليار جنيه من هذه القروض في موازنة عام 2023-2022 وحدها  45. وُسُجن باحث اقتصادي شكّك في صحة الأرقام الحكومية، ويبدو أن آخر قُتل في أثناء وجوده في السجن  46. بيد أن الهدف المتوخّى لدى مستثمري القطاع الخاص ليس دعم الاستقرار الجيوسياسي العالمي، بل تحقيق عوائد عالية، وهم يدركون تمام الإدراك المخاطر المرتبطة بالاستثمار في الديون السيادية للبلاد. لذلك فقد تعّي نعلى مصر أن تقدّم حوافز كبيرة لجعل ديونها جذّابة بالقدر الكافي، فبعد خفض قيمة العملة في عام 2016، دفعت مصر أسعار فائدة حقيقية هي الأعلى في العالم، إلى الحد الذي انتهى إلى ارتفاع كبير في التضخم في عام 2022، وعند هذا التاريخ، علّقت إصدار السندات. واجتذبت السندات إلى آجال قدرها عشر سنوات، فائدةً نسبتها 15.5 في المئة، مقارنةً بمتوسط الفائدة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الذي يقل عن 2 في المئة. وفي عام 2021، كانت العائدات على السندات المصرية، بحسب مؤسسة بلومبيرغ، في المرتبة الثانية على مستوى العالم  47، فقد أدّى ربط العملة بالدولار إلى جذب المستثمرين الأجانب إلى الديون السيادية المقوّمة بالجنيه المصري، خاصة في شكل أذونات خزينة قصيرة الأجل، بنسبة فائدة تصل إلى 18 في المئة. وقد نجم عن مشتريات أذونات الخزينة بالعملة الأجنبية، المصنّفة رسميًا على أنها ديون محلية، إمكانية هروب سريع لرؤوس الأموال من السوق المصرية، بلغت قيمتها 20 مليار دولار في عام 2020، ثم تكرر الأمر في عام.2022 هذه الإجراءات المالية المتهاوية بطبيعتها سرعان ما تداعت، مثلها مثل مخطط بونزي Scheme Ponzi في لبنان الذي انهار في عام 2019؛ إذ انهار جوهرها في عام 2023 مع توقف تدفقات النقد المتداول إلى البلاد في أعقاب سلسلة من التحديات المالية المترابطة. وتحوّلت السندات السيادية المقوّمة بالجنيه، التي تضررت بسبب خفض قيمة العملة المحلية، من كونها الأفضل أداءً في العالم على مؤشر بلومبيرغ

  1. 43 " Egyptian Bonds among the most Attractive Globally: Bloomberg," Egyptian Independent , 17/1/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/SehPt9DW
  2. 41  بيسان كساب، 251" مليار جنيه قروض جديدة للهيئات الاقتصادية خارج الموازنة العامة"،، 2022/6/20، شوهد في 2023/7/14، في https://tinyurl.com/4w97f5cd: مدى مصر
  3. Stephan Roll & Salima Batsi, "More than Window-Dressing: On the Credibility of Public Statistics from Al Sisi's Egypt," Orient XXI , 27/1/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/fehO4ykS وكانت مجلة ذي إيكونوميست قد قدّرت أن مصر احتلت المرتبة السابعة بين الدول التي لم تكشف بشفافية عن خطورة وباء كورونا فيها. ينظر: " More Equal than Others: Will Facebook Pay a Price for its New Two-Tiered Share Structure?" The Economist , 26/2/2022, p. 85, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/8ehO42qM; Al-Wali; "Egyptian Economist Dies in Government Custody Months after Enforced Disappearance," Middle East Eye , 10/4/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/aehO7I3h
  4. 40  Laura Pitel & Sam Fleming, "Does the EBRD still Finance Freedom?" Financial Times , 29/1/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/3ehOGDDF

إلى الأسوأ أداءً في آب/ أغسطس 2022 48. وهروب رؤوس الأموال الذي حدث عند تفّش يالجائحة في عام 2020، وتكرر عندما غزت روسيا أوكرانيا في شباط/ فبراير 2022، تواصل نتيجة خفض قيمة العملة وارتفاع التضخم وزيادة العجز في الميزانية وميزان المدفوعات. وأدى هذا المزيج "القاتل" إلى انخفاض صافي الأصول الأجنبية للبلاد، الذي يشمل أرصدة البنكين المركزي والتجاري، في آذار/ مارس 2022 إلى سالب 12 مليار دولار 49. وهو ما وصفه مسؤول سابق في البنك المركزي، بحلول نهاية أيار/ مايو، بأنه الأدنى في التاريخ 50. وواجه البنك المركزي والقطاع المصرفي، أول مرة، أزمة مالية وجودية بعد أن علقا في هذا "الكوكتيل" السام الذي يشار إليه باسم "حلقة الهلاك"؛ حيث تُصاب البنوك التي تتحمل كميات كبيرة من الديون السيادية بالشلل عندما يهدد التخلف عن السداد سيادتها، على نحو ما حدث في لبنان  51. وصنّف مجلس العلاقات الخارجية احتمال تخلّف مصر عن السداد في المرتبة السابعة على مستوى العالم. وكان على مشتري سنداتها أن يأخذوا في الحسبان معدّل مبادلة أسعار التخلف عن السداد عند 439 نقطة أساس، أو 7.3 في المئة، ما أدى إلى خفض صافي عائد السندات بهذه النسبة  52. ولم يكن أمام الحكومة خيار سوى فرض ضوابط للحدّ من هروب رؤوس الأموال وخفض الواردات، فأغلقت البنوك نهاية شهر رمضان في عام 2022، وقصرت المعروض من الدولارات على التبادلات الخاصة، وحظرت خطابات الاعتماد المستندية لمجموعة محددة من الواردات، وشدّدت الشروط والأحكام التي يتم بموجبها إصدار خطابات الاعتماد كلها. وأدّت هذه التدابير إلى خفض واردات السلع الوسيطة، فانعكست عواقبه على سلاسل الإنتاج المحلية  53. وبحلول صيف 2023، انخفضت صادرات مصر بمقدار الربع، مقارنة بالعام الذي قبله، في حين زاد عجزها التجاري بنسبة 45 في المئة 54. ومع اشتداد الأزمة المالية، تدخّل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنقاذ، فقدّم البنك الدولي قرضًا طارئًا في حزيران/ يونيو 2022، بقيمة 500 مليون دولار لدفع ثمن مشتريات القمح. وأعلن صندوق النقد الدولي في الشهر نفسه أنه يتفاوض مع السلطات المصرية لتقديم قرض آخر يراوح بين 6.5 و 10 مليارات دولار، ما يرفع إجمالي قروض صندوق النقد الدولي لمصر على مدى ست سنوات إلى ما يقرب من 30 مليار دولار، وهو ثاني أكبر مبلغ يمنحه الصندوق في مثل هذا الإطار الزمني لأيّ بلد  55. وكان الشرط الأساسي لتحُّقُق هذا القرض المتوقع هو الدعم المقدّم من دول مجلس التعاون، حيث أبدى جميع أعضائه، باستثناء عمُان، استعدادهم إمّا لإيداع المزيد من الأموال في البنك المركزي المصري، أو شراء السندات، أو الاستثمار في الشركات أو المشروعات عبر شراء الأسهم المملوكة للحكومة المصرية في المقام الأول. وبحلول أيار/ مايو، جرى الالتزام بمبلغ 22 مليار دولار من مصادر من دول المجلس، نصفها في شكل ودائع في البنك المركزي، والنصف الآخر في شكل شراء الأصول المتفق عليها والاستثمار الأجنبي المباشر  56. وهكذا، كانت مصر على وشك الإنقاذ مرة أخرى، لكن الشروط هذه المرة كانت أكثر صرامة. فقد كانت المؤسسات المالية العالمية تمنح أقل، ودول المجلس تُطالب بضمانات في شكل أصول، في مقابل الأموال التي كانت تضخّها. فكانت الضغوط على العملة والميزانية والحساب الجاري، إلى جانب التضخم المتسارع، أمرًا لا مفرّ منه. ولم يعد في وسع وكالات التصنيف أن تتجاهل هذه المؤشرات، فخفّضت وكالة موديز، على سبيل المثال، توقعاتها للبلاد، من مستقرة إلى سلبية، لكن اللافت أنها لم تخفّض تصنيفها للديون السيادية لمصر عن B2، لُتُبقي عليها عند مستوى درجة واحدة فقط، فوق التصنيف غير المرغوب فيه، الذي يُعدّ كارثيًا من الناحية المالية، وأشار تقريرها إلى أن قدرة مصر على تحمّل الديون "ضعيفة جدًا على مستوى عام"، حيث تمتص مدفوعات الفائدة 45 في المئة من إجمالي الإيرادات الحكومية، وستصل إلى نحو 25 إلى 30 مليار دولار بحلول عام 2025.

  1. Netty Idayu Ismail, "Only Way is Down for Egyptian Pound and Question is How Much?" Bloomberg , 9/8/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/AehPyX4b
  2. Rating Action: Moody's Affirms Egypt's B2 Rating, Changes Outlook to Negative from Stable," Moody's Investor Service , 26/5/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/behPgaiA
  3. 46  أميمة إسماعيل، "ماذا يعني تراجع صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك.. وهل نقلق؟ "،، 2022/1/20، شوهد في 2023/7/14، في https://tinyurl.com/wzvedatt: مدى مصر
  4. 47  عن "حلقة الهلاك"، ينظر: " Thrown for a Loop," The Economist , 25/6/2002, pp. 70-71.
  5. 51 " IMF Held Productive Discussions on Egypt's New Loan: Mission Head," Ahram Online , 8/7/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/PehPba42 52 " Rating Action: Moody's Affirms Egypt's B2 Rating, Changes Outlook to Negative from Stable."
  6. Nader Seif Eddin & Sara Seif Eddin, "Central Bank Import Regulations
  7. Egypt Sees Decrease in Imports/Exports and Increase in Trade Balance Deficit," Egypt Independent , 5/7/2023, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/hehPcvqk
  8. 48  Benn Steil, "CFS Sovereign Risk Tracker," Council on Foreign Relations, 30/6/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/qehPlyzP
  9. Stifle Access to Key Goods in Trade off for Dollar Solvency," Mada Masr , 7/6/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/cehPz4Uj

هذا كله إلى جانب "متطلّبات الاقتراض التي تفوق 30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعل مصر من أكثر الدول حساسية لتشديد شروط التمويل" 57. في كانون الأول/ ديسمبر 2022، اتفقت مصر وصندوق النقد الدولي على شروط قرض بقيمة ثلاثة مليارات دولار؛ أي أقل من نصف المبلغ المقترح في البداية، لكن أ فرج عن الدفعة الأولية، فحسب، بحلول صيف 2023، لأن مصر فشلت في تلبية العديد من شروط القرض، بما في ذلك المزيد من خفض قيمة العملة وبيع أسهم المزيد من الشركات المملوكة للدولة. وساعدت أزمة الصرف الأجنبي الناتجة في دفع التضخم إلى أعلى مستوى له على الإطلاق في حزيران/ يونيو 2023، عند 41 في المئة. وفي تموز/ يوليو، انطلقت مصر في مفاوضات مع صندوق أبوظبي للتنمية للحصول على قرض طارئ بقيمة 400 مليون دولار لشراء القمح، ما يكشف عن الضغوط المالية التي تعانيها البلاد  58. مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في مصر بسبب الحرب الإسرائيلية على غزة، أدركت القوى الغربية أن مصر قد تنهار إذا لم تنقذها. لكن الجانب السلبي للقروض والمنح الضخمة المقدّمة في مطلع 2024 هو أنها حثّت مصر على العودة إلى طرائقها السيئة التي انتهجتها سابقًا، وهي السعي خلف "الأموال الساخنة"؛ أي من خلال عرض أذونات وسندات خزينة للمستثمرين الأجانب بأسعار فائدة هي من بين الأعلى في العالم، والتي بلغت 32 في المئة بالنسبة إلى أذونات الخزينة. وبهذا المعدل من العائد، ومع ضمان استقرار الجنيه على المدى القصير، بفضل الضخ الهائل لرأس المال العام الأجنبي، ضخ المستثمرون المليارات من الدولارات في أذونات الخزينة ذات فترات استحقاق تبلغ أقل من عام واحد، لكن ليس في السندات المتعدّدة السنوات، ما يحيل إلى أنهم ما زالوا متشككين في شأن آفاق البلاد على المدى الطويل وقدرتها على خدمة ديونها. لم تعتمد مصر على الديون الخارجية فحسب، بل اعتمدت أيضًا على مساعدات تنموية خارجية أخرى. ففي عام 2022، كان مبلغ ستة مليارات دولار، ثالث أكبر مبلغ في قائمة تتكوّن من عشرين دولة تمثل أكبر المستفيدين من صافي المساعدة الإنمائية الرسمية من المانحين الرسميين في أنحاء العالم كلها  59. لكن حتى هذه المساعدة السخية نسبيًا تتضاءل أهميتها الاقتصادية، لأنها تشكّل مبلغًا متناقصًا إذا قيست بحسب نصيب الفرد، ونسبةً من الناتج المحلي الإجمالي والإيرادات الحكومية. باختصار، تتضافر العوامل الاقتصادية على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية في الدفع بمصر في اتجاه التسلّطية السياسية. وربما يكون بعض هذه العوامل عابرًا، غير أن بعضًا آخر يُعدّ أكثر بنيوية واستدامة. وفي هذه الفئة الثانية لدينا العوامل الاقتصادية العالمية التي وصفُتُها قبل قليل بأنها لعبة ثلاثية الفاعلين، حيث يحظى فاعل واحد، هو السوق، بحوافز مختلفة، مقارنةً بالدول أو المؤسسات المالية الدولية. وهذه وصفةٌ تنحو في اتجاه كارثة نهائية محتملة؛ ذلك لأن اللعبة ستنتهي فجأة حين تصير السوق غير مواتية، فتحجم عن اللعب، ما يقلّص الاحتمالات أمام مصر، هذا إذا استثنينا احتمال تخلّفها عن سداد ديونها الخارجية.

ثالثًا: العواقب الاقتصادية للتسلطية الجديدة في عهد السيسي

تتمثل العواقب الاقتصادية السلبية الثلاث الرئيسة لحكم السيسي التسلطي في انعدام المساواة والتشظي، وللمفارقة، تراجع السيطرة على السياسات الاقتصادية. ولانعدام المساواة عواقُبُ سلبيةٌ على من يملكون حصصًا منخفضة نسبيًا من الدخل القومي، وعلى الاستقرار السياسي والاندماج، كما أن وقعها سيئ على الاقتصاد الكلي؛ إذ تؤثّر في بنية الطلب وحجمه، ما يؤدي بدوره إلى تقويض نمو الإنتاجية. أما الطلب الكلي، فقد انخفض بنسبة 9.7 في المئة في أنحاء البلاد كلها،

  1. Ibid.
  2. Abdel Latif Wahba, "Egypt in Talks for $400 Million UAE Funding to Help it Buy Wheat," Bloomberg , 20/7/2023, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/fehPnKcZ;
  3. علن لاحقًا أن أبوظبي ستقدم وُأ 100 مليون دولار دفعةً أوليةً من ذلك القرض. ينظر: "مصر تقترض 100 مليون دولار من 'أبو ظبي' لتمويل شراء قمح من شركة الظاهرة الإماراتية"،، 2023/7/27، شوهد في 2023/12/14، في https://tinyurl.com/46u7ypy3: مدى مصر 55 "20 Countries Receiving the Highest Sum of Net Official Development Assistance from Official Donors Worldwide in 2022," Statista (2023), accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/oehPQrhC

وبنسبة 13.7 في المئة في المناطق الحضرية، بين عامي 2015 و 2018، ثم انخفض بنسبة 2 في المئة أخرى في عام 2020، وربما انخفض أكثر فأكثر منذ ذلك الحين  60. تتّسم بنية الطلب بالازدواجية، ففي الوقت الذي يتعّي ن على المحرومين تخصيص نسب عالية من دخل الأسرة للمواد الغذائية الأساسية، وهو ما يبلغ النصف في المتوسط، فإن أصحاب الحظوة قادرون وراغبون في استهلاك سلع وخدمات أكثر تكلفة، والكثير منها مستوَرَد. وتنعكس هذه الازدواجية في الإسكان والتعليم أيضًا. فقرابة ثلاثة أرباع المساكن في القاهرة هي مناطق عشوائية، تفتقر إلى سندات الملكية، ولا تفي بقوانين البناء، وتفتقر في الكثير من الأحيان إلى الخدمات الأساسية. وفي الطرف الآخر من سوق الإسكان، ثمة المجمّعات المسوّرة المليئة بالفيلات والمسابح والحدائق وغيرها من المرافق. وهكذا، فقد صُمّمت صناعة البناء السكنية الرسمية للإيفاء بطلب الفئة الثانية من المستهلكين، في حين تُركت المساكن غير الرسمية في يد شركات البناء التقليدية ذات رأس المال المنخفض، وحتى المالكين أنفسهم. وقد تضاءلت السوق الأولى بسبب زيادة العرض والانكماش الاقتصادي العام، إلى حدّ تراكم الشقق الفاخرة غير المبيعة في العاصمة الإدارية الجديدة، وفي أماكن أخرى 61. وقد عرقلت الازدواجية زيادة الكفاءة في هذه الصناعة على نحو عام. وتسببت عدم كفاية الاستثمار في التعليم العام، ولا سيما في المرحلتين الابتدائية والثانوية، إلى جانب التوسع في الخصخصة، في تفاقم الأثر السلبي لانعدام المساواة في تعلّم الطلبة. وصار دخل الأسرة مؤشرًا أقوى لأداء الطلبة في مصر، مقارنة بدول مماثلة 62. ومن ثم، فإن الازدواجية الاجتماعية والاقتصادية في مصر تشوّه الطلب، ما يؤثر سلبيًا في إنتاج السلع وتقديم الخدمات، وُتُعدّ هذه الأخيرة غير فعالة نسبيًا، وتقدّم مخرجات غير مثالية. ينتج التشظي جزئيًا من انعدام المساواة، وهي الظاهرة التي وصفها عمرو عدلي بأنها "الرأسمالية المشطورة" 63، الذي يقول إن مصر، ولأنها ليست سوقًا متكاملة، فإن قطاعاتها الإنتاجية تعيش في عزلة نسبية، بعضها عن بعضها الآخر. ونادرًا ما تنمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم لتصير مؤسسات أكبر حجمًا، وأكثر رسملة، ومردّ ذلك أنها تخدم قطاعات سوقية متخصصة. ونتيجةً لذلك، تفتقر مصر إلى الصناعات المتعددة الفروع التي تُسهم بمدخلات في الإنتاج القطاعي الأوسع، ولذلك يتعّي نعلى الشركات الكبرى أن تستورد نسبة عالية من السلع الوسيطة. فصناعة الصيدلة، على سبيل المثال، تعدّ إحدى أنجح الصناعات في البلاد، لأنها تعمل، على الرغم من الحواجز التجارية المختلفة، لكنها تستورد نحو 90 في المئة من المكوّنات المستخدمة في إنتاج الأدوية  64. ولا تزال صناعة السيارات، التي أسّست في خمسينيات القرن العشرين، تستورد مكوّنات التجميع، وتعتمد عمومًا على السلع الوسيطة المستوردة لفائدة نحو نصف مدخلات الإنتاج. وقد تحقق الحد الأقصى للإنتاج في عام 2005 ب 123 ألف سيارة، وفي عام 2020، انخفض العدد إلى 23 ألف سيارة. قارن ذلك بصناعة السيارات في المغرب التي أسّست بشكلها الحالي في عام 2012، وتعتمد اليوم على المكوّنات المنَتَجة محليًا، في حين تُصدّر 400 ألف سيارة سنويًا، بقيمة تقارب أربعة مليارات دولار، معظمها من أكبر مصنع للسيارات في أفريقيا  65. يتفاقم التشظّي أكثر بسبب الهيكل العام لاقتصاد السيسي؛ إذ لم يحدث أن جرى تصميم سياسات صناعية محددة، وربما كان السبب أن من يسيطرون عليها يعتقدون أنها غير ضرورية. فنهجهم يعتمد على بناء مشروع تلو آخر، بدلًامن التركيز على تطوير القطاعات الاقتصادية المتكاملة، وقد يكمن خلف ذلك افتراض أساسي يقول: "ابِنِ المشروع وسيأتي المستثمرون"، تاركين الرغبة والقدرة على القيام بذلك للآخرين، لكن، حتى الآن لم يتمكّن هؤلاء "الآخرون" المفتَرَضون من القيام بذلك، أو لم يرغبوا. وتستتبع الندرة النسبية للسلع الوسيطة المنتجة محليًا المزيد من الواردات، وهي مشكلة تتفاقم في بلاد تواجه انخفاضًا ممتدًا في قيمة العملة، وتواجه فيها الشركات مجموعةً من القيود على الواردات التي تواصل الحكومة اليائسة فرضها بغية الحفاظ على النقد الأجنبي الشحيح أصلًا. ثمة رادع آخر هو المعاملة الحكومية التفضيلية للعدد المتزايد من الشركات المملوكة للقوات المسلحة والمرتبطة بها، وهي عادة ما تعمل ضمن قطاعات تستفيد من العقود الحكومية أو المدخلات المدعومة، أهمها الطاقة والوصول إلى الأراضي ومواردها. ومثل هذا الأمر يغلق

  1. 56  هذه البيانات صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، نقلًاعن: Maged Mandour, "Egypt's Free Market Capitalism," Sada , Carnegie Endowment for International Peace, 2/6/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/5ehPRGOP
  2. Taweel.
  3. 58  للاطلاع على مراجعة عن البيانات ذات الصلة، ينظر:
  4. Amr Adly, Cleft Capitalism: The Social Origins of Failed Market Making in Egypt (Palo Alto, CA: Stanford University Press, 2020). 60  Iman Amin Al-Ayouty, "R and D Performance in the Pharmaceutical Industry: The Case of Egypt," European Journal of Sustainable Development , vol. 6, no. 2 (May 2017).
  5. Robert Springborg, "Educational Policy in Sisi's Egypt," in: Hicham Alaoui & Robert Springborg (eds.), The Political Economy of Education in the Arab World (Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2021).
  6. Cars in Morocco," Observatory of Economic Complexity (OEC), accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/xehPUmjV

هذه القطاعات أمام منافسة الشركات الخاصة، ويمتص رأس المال منها. ويؤدي أيضًا إلى انخفاض الطلب على السلع الوسيطة، نظرًا إلى ظهور عدد قليل من الشركات الخاصة الكبرى التي تقوم بالشراء من الشركات المورّدة (الصغيرة والمتوسطة الحجم.) وينطبق الشيء نفسه، وإن بدرجة أقل، على المؤسسات المملوكة للدولة كليًا وجزئيًا، التي يوجد منها نحو 300 شركة بالنسبة إلى الأولى، وزهاء 650 شركة في الحالة الثانية. في الوقت الذي يجاهر نظام السيسي بتأكيده السيطرة الفعالة والصارمة على الاقتصاد، فإنه مضطر في واقع الأمر إلى تسليم مجالات السياسات الاقتصادية الكلية الرئيسة، وحتى المؤسسات الإنتاجية، إلى أيدي المصالح الأجنبية. وكما في لبنان قبل الانهيار الاقتصادي، تقتصر السياسات الاقتصادية في مصر على الحاجة الملحّة إلى الحصول على النقد الأجنبي لخدمة ديونها وشراء السلع الأساسية، وفي مقدّمتها القمح. فقد أعلنت الحكومة في أيار/ مايو 2022، على سبيل المثال، عن نيّتها بيع الشركات كلها المملوكة للدولة في 79 قطاعًا، خلال ثلاث سنوات، وبيع حصص جزئية في 45 قطاعًا، والحفاظ على أسهم الحكومة أو زيادتها في 27 قطاعًا 66. وزعمت أن هدفها هو زيادة حضور القطاع الخاص في الاقتصاد ليرتفع من النسبة الحالية البالغة 30 في المئة إلى أكثر من الثلثين في تلك الفترة 67. ولم تحدد الحكومة المنطق وراء اختيار القطاعات الذي بدا شبه عشوائي، على الرغم من أن الدافع الضمني، بخلاف الدافع العام المتمثل في الحصول على الإيرادات التي قدرت ب 40 مليار دولار، بدا أنه يتعلق برغبة الحكومة في الاحتفاظ بالقطاعات الأكثر ربحية والتنصل من تلك التي تُسهم في تقديم الخدمات العامة  68. وادّعى رئيس الوزراء أن إعداد الخطة استغرق سبعة شهور، واستفاد من خبرة ثلاثين دولة 69. تحمل هذه الخطة بشُرى بالتزام جديد بتقديم نموذج اقتصادي يمنح الأفضلية للقطاع الخاص، لكن، وفي غضون أيام معدودة، ظهر التناقض بين هذا الالتزام وإعلان السيسي عن مشروع "مستقبل مصر"، وهو مخطط حكومي لاستصلاح 1.5 مليون فدان، كان من المزمع الانتهاء منه بحلول نهاية عام 2023، وكانت ستديره شركة تنمية الريف المصري المملوكة للدولة  70. ثم وفي حزيران/ يونيو، صرّح هشام توفيق، وزير قطاع الأعمال العام آنذاك، بأن البرنامج بأكمله قد جرى تعليقه "بسبب مشكلات هيكلية ومشكلات تتعلق بالطلب في السوق المحلية" 71. وبعد ذلك، اسُتُبدلت النسخة المصغرة من برنامج الخصخصة الطموح المدمج في اتفاقية صندوق النقد الدولي في عام 2022، بقرض صندوق النقد الدولي الجديد في عام 2024، إضافة إلى شراء الإمارات والسعودية ما قيمته أكثر من 40 مليار دولار من الأراضي المصرية، ما يكشف على الأرجح أن الإصلاحات الاقتصادية المتفق عليها في عام 2022 كانت حبرًا على ورق. يبدو أن النظام ليس لديه سياسات اقتصادية شاملة وواضحة، بما في ذلك الجوانب الملحة ذات الصلة بالحصول على العملة الأجنبية. أمّا الشواغل الاقتصادية الواسعة، مثل صياغة سياسة صناعية، وإضفاء الطابع الرسمي على آفاق نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة وتعزيزها، وإصلاح وسائل تنمية الموارد البشرية، وما إلى ذلك، فقد وُضعت في مرتبة متأخرة، ليس بسبب المتطلّبات المسبقة المستعجلة لدى صناع القرار فحسب، بل أيضًا لأن الأموال التي تحتاج إليها غير متوافرة. فالفاعلون الأجانب الذين يدفعون للمصريين هم من ينادون بالتقشف المالي الضروري لخدمة الديون حتى بعد خطة الإنقاذ الدولية الضخمة في مطلع 2024. والواضح أن النظام يخشى العواقب المترتبة على فرض المزيد من التقشف، ما يُبقي عملية صنع السياسات الاقتصادية مجمّدة إجمالًا، ومردّ ذلك جزئيًا إلى أن النظام منقسم داخليًا بلا شك في شأن الخطوات الواجب اتخاذها؛ إذ تتراجع السيادة الاقتصادية لمصر على النحو الذي يتضح من بيعها عقارات ساحلية ذات أهمية استراتيجية واقتصادية إلى دول الخليج العربية، وهذا أمر يفرض ضغوطًا متزايدة على نظام كان قد شرعن نفسه على أساس قدرته على توجيه النمو الاقتصادي السريع والدفاع عن مصالح الأمة. وتعدّ الاحتجاجات في عام 2016 ضد التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر، للسعودية، مؤشرًا على المخاطر السياسية التي قد تنتظره.

  1. 62  ياسمين كرم، "الحكومة تتجه للتخارج من 79 نشاطًا خلال 3 سنوات وتبقي على المصري اليوم استثماراتها في قطاعين (تفاصيل")،، 2022/5/17، شوهد في 2023/12/14، فh يttps://tinyurl.com/3sh3kjfn:
  2. Egypt Plans to Sell off State Assets to Boost Private Sector but Doubts Remain," Middle East Eye , 2/7/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/6ehPO4xU
  3. Doaa A. Moneim, "Egypt to Offer $40 Billion in State Owned Assets for Egyptian, Foreign Investors," Ahram Online , 4/7/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/RehPAgfb
  4. Egypt's PM Says 'State Ownership Document' Consists of 8 Areas, Composed of 20 Pages," Egypt Today , 14/7/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/eehPSdSV
  5. Al-Sisi Follows up on Reclamation Projects by Egyptian Countryside Development Company," Egypt Daily News , 24/5/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/0ehPD3D5; "Sisi Calls for 'Egypt's Future' Project to be Completed Before the End of 2023," Ahram Online , 21/5/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/3ehPGTBT
  6. Doaa A. Moneim, "Interview: Demand not at its Best to Renew Egypt's IPO Program, Says Minister Hisham Tawfik," Ahram Online , 27/7/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/hehPHsHe

رابعًا: آفاق النمو

لا تبدو آفاق النمو مواتية، سواء نظرنا إليها من منظور الاقتصاد الكلي أم من منظور قطاعات محددة. فنموذج السيسي القائم على فكرة أن بناء البنية التحتية المادية سيوفر أسس النمو، يعاني عيوبًا في التنفيذ، وأخرى نظرية. وللمساهمة التي يُقدّمها جانب التنفيذ صلةٌ بما بُني ومكانه. وفي حالة مصر، كان مشروع البنية التحتية الأكبر والأغلى تكلفة، هو العاصمة الإدارية الجديدة، بمبلغ قدره 60 مليار دولار تقريبًا. وقد جرى تبنّي المشروع بدوافع تتعلق بالتفاخر، ولتوفير قاعدة مادية آمنة الأسس، يمكن الدفاع عنها لفائدة النظام، لكنه شكّل مشكلة واضحة على الاقتصاد، بدلًامن أن يساهم في تعزيز القدرات الإنتاجية. وربما أمكن أن تحقق نفقات النقل بالسكك الحديدية والطرق البرية أرباحًا تعويضية، لكنها عانت سوء التخطيط، وغياب التكامل، وأحدثت آثارًا سلبية في المناطق المحيطة، بل باتت تمثّل هدرًا في بعض الحالات، بسبب انخفاض معدلات الاستخدام 72. حتى لو حقق جانب التنفيذ في نموذج التنمية الذي تقوده البنية التحتية نتائج أفضل، لكان سيبقى، في أحسن الأحوال، شرطًا ضروريًا، لكنه غير كاٍفٍ لتسريع النمو الاقتصادي؛ ذلك أنّ تكامل السوق والشركات العاملة فيه لا يقل أهميةً عن البنية الأساسية الملائمة، ومثاٌلٌ على ذلك هو الاقتصاد الإيطالي في مناطقه الإنتاجية المتكاملة، على الرغم من خدمات الطرق والسكك الحديدية والاتصالات الرديئة نسبيًا. وحتى يحدث مثل هذا التكامل في مصر، لا بد من بذل الجهود للحدّ من أوجه التفاوت، وإنشاء إطار تنظيمي أكثر ملاءمة، يحكم ولوج الأسواق وتحقيق النمو، ولا سيما بالنسبة إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وسيتطلّب الأمر أيضًا تقليص حجم الاقتصاد الذي يقوده العسكر، من أجل الحدّ من عواقبه الضارّة على القطاع الخاص. ومثال الصين مفيد في هذا الصدد؛ إذ يدين النمو الذي حققته البلاد منذ عهد دونغ شياو بينغ 1992-1978()، جزئيًا، إلى تحسّن البنية الأساسية، لكن ما يحتل الأهمية نفسها كان اقتران الاستثمار الأجنبي المباشر في الصناعة التحويلية في المقام الأول، مع القوة العاملة التي خضعت لتمدين سريع. وكان الحافز وراء هذه المزاوجة، هو إحداث تحوٍّلٍ في مناخ الأعمال، يهدف إلى تشجيع بناء الشركات ونموّها، بدءًا من المناطق الساحلية، ثم في أنحاء البلاد كلها بعد ذلك. وقد اقترن ذلك كله بتصفية الشركات المملوكة للجيش. نعثر على نقيض ذلك في مصر، فقد بلغ إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في عهد السيسي ربع ما كان عليه في عهد مبارك، ثم نصفه، وبقي يتركز في النفط والغاز والعقارات، وقد انخفض من 9.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2006، إلى متوسط قدره 2 في المئة تقريبًا خلال عهد السيسي  . وتوقف التوسع الحضري، وسبب ذلك في جزء كبير منه هو غياب فرص عمل كافية في المناطق الحضرية، ولأن العيش في المدن الصغيرة والمناطق الريفية أقل تكلفة. وتمتص الزراعة اليد العاملة العاطلة عن العمل، لذلك فإن إنتاجيتها راكدة. وهكذا، فإن التحول من الفلاح إلى العامل الذي وسم الصعود الصاروخي للصين، إلى جانب إبعاد المؤسسة العسكرية عن الاقتصاد، لا يحدث مثُلُه في مصر. وفوق ذلك، فإن تحليل توقعات النمو بحسب كل قطاع محِبِط بالقدر نفسه. فالزراعة يمكنها أن تصير أكثر إنتاجية إذا ما جرى تحويل وادي النيل إلى مزرعة تصدّر مباشرة Market Garden إلى منطقة الخليج وأوروبا، لكن محدودية توافر الأراضي والمياه وعدد السكان تجعل نموذج النمو المتمحور حول الزراعة غير عملي. وفي

  1. 68  على الرغم من مضاعفة الإنفاق على النقل بعد عام 2014 إلى نحو 63 مليار دولار، فإن مصر ارتقت أربع مراتب فقط في مكوّن البنية التحتية في مؤشر الترابط العالمي Global Index Connectedness، بسبب ركود "برامج النقل"، البشرية منها، أو التقنية، ما أفضى إلى بقاء شبكات الطرق المختلفة وبعض خطوط المترو غير مستغلة بالقدر الكافي. ينظر: Mohamed Hegazy, "Egypt Transport Policies 2014-2021," Arab Reform Initiative, 17/3/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/oehPJ3z3; وصارت واجهة القاهرة على الطريق السريعة في الساحل الشمالي، مصدر إحراج للنظام
  2. بسبب مجموعة من أوجه القصور في التصميم. ينظر: Mohamed Kotb, "Egypt's New Sahel Road Leads to Accidents and Confusion," Aljazeera , 19/7/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/kehPKByO 69  World Bank Group, "Foreign Direct Investment, Net Inflows ( % of GDP) - Egypt, Arab Rep.," World Bank Open Data (2022), accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/FehP8RED

المقابل، فإن نموذج نمٍّوٍ يتسم بقطاع زراعي منِتِج، يمكنه أن يقدّم مساهمة أكبر. أما النمو الصناعي الناجح الذي حدث خلال أكثر من جيل، فكان مدفوعًا بتوافر المواد الخام في المقام الأول، وأهمها الهيدروكربونات والمعادن والأحجار والطاقة، إلى جانب التراخي في مقتضيات حماية البيئة؛ ذلك أن الصناعات الملِّوِثة الثقيلة، مثل صناعة الإسمنت والأسمدة والتعدين واستغلال المحاجر، تُعدّ الأكثر جذبًا، بسبب القيود التي تفرضها تدابير الحماية البيئية في الاقتصادات الأكثر تقدمًا. وتعاني الصناعة التحويلية الركود، فصناعة النسيج التي كانت حيوية في الماضي، غدت اليوم أصغر من نظيرتها في المغرب، وكذلك صناعة السيارات. وتسبّب الإنفاق غير الكافي على البحث والتطوير، والتعليم عامة، وفرض ضوابط مختلفة لأغراض المراقبة والرقابة والحفاظ على الاحتكارات الحكومية، في إعاقة نمو صناعة المعلومات والاتصالات. وينطبق الشيء نفسه على صناعات الخدمات العالية التقنية في عمومها، ومنها التمويل والمصارف التي فشلت في التوسع خارج سواحل مصر، على الرغم من قربها من بعض أكثر المراكز المالية نشاطًا في العالم. فضلًاعن التطور الذي شهدته صناعة السينما والتلفزيون في تركيا وبلدان الخليج ولبنان، وكلها صارت رائدة على المستوى الإقليمي. ونخلص إلى أن آفاق النمو الاقتصادي السريع في مصر في عهد السيسي تبدو قاتمة إذا احتكمنا إلى الأداء الضعيف في الوقت الحالي، وعدم كفاية القدرات البشرية، واستمرار السياسات غير المواتية، والأزمة المالية المتفاقمة.

خامسًا: ما العمل؟

إذا كان الوضع الاقتصادي سيئًا في الظاهر، فهو في الباطن ليس ميؤوسًا منه إلى هذا الحد. فمصر تملك أصولًامعتبرة، لكنها غير مستَغَلة الاستغلال الكافي، والسؤال هو: ما أفضل طريقة للاستفادة منها؟ فإذا افترضنا وجود حكومة ملتزمة بهذه المهمة، بدلًامن استخدام الاقتصاد للحفاظ على حكمها المستند إلى الجيش، فإن تبنّي بعض الأهداف الاستراتيجية، مقترنةً بخطوات عملية، قد ينتهي إلى تحقيق نتائج إيجابية. وينبغي أن تركّز الاستراتيجية في جوهرها على تنمية الموارد البشرية لتحويل العدد الكبير والمتزايد من السكان من مجرد عبء اقتصادي، إلى أصل من الأصول. وستستلزم هذه الاستراتيجية بالضرورة قدرًا أعظم من المساواة، ولا سيما في الفرص، التي تنتج من تحسين الخدمات التعليمية والصحية. وينبغي لها أيضًا أن تقلّص دور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد وأيّ معاملة تفضيلية لأيّ مؤسسة مرتبطة بها. وُيُعدّ التوقف عن المشروعات الكبرى أمرًا ضروريًا أيضًا إضافة إلى محتوى الاستراتيجية، ينبغي تغيير مسارات إعدادها أيضًا. فضباط الجيش في الوقت الحاضر هم من يضطلعون بتوزيع موارد البلاد المخصصة للتنمية، وهم يتلقّون المشورة من خبراء مدنيين يختارونهم من وزارة المالية، وسبب اختيار النظام لهم هو خبرتهم في إدارة الُعُملة لا التنمية الاقتصادية الشاملة. والواقع أن الكادر الضخم من خبراء الاقتصاد المدرّبين تدريبًا جيدًا في البلاد محرومون من المشاركة في عملية صنع القرار، بل جرى منعهم من النقاش العام المتصل بالسياسات الاقتصادية وعواقبها. ويشكّل النقاش المفتوح والمؤهل شرطًا أساسيًا، ليس من أجل صياغة سياسات أفضل فحسب، بل لتمهيد الطريق لقبولها على نطاق واسع أيضًا، ومن ثم الحدّ من الحاجة إلى القمع والإكراه. وإلى جانب توسيع النقاش على المستوى الوطني، هناك حاجة إلى المزيد من اللامركزية في صنع السياسات وتنفيذها، حيث إن للمناطق الجغرافية المختلفة احتياجات وأصولًا مختلفة، وهي في الكثير من الحالات في وضع أفضل لإجراء التقييمات والتصرف بناءً عليها، مقارنةً بالقاهرة، حيث يتمركز صناع القرار . ينبغي أن تراعي الخيارات المتعلقة باستغلال الأصول الاعتبارات التي تتجاوز الحصول على العوائد الفورية. فالتوسع في الصناعات الملِّوِثة، مثل الإسمنت والأسمدة، التي تشكل تهديدات بيئية و/ أو تستهلك كميات كبيرة من الطاقة الكثيفة الكربون، ينبغي أن تجري موازنُةُ آثارها السلبية، سواء في صحة المصريين أم في جاذبية الصناعة السياحية، أم تلك الصناعات التي توفر عوائد إجمالية أقل، مقارنةً باستخدامات أخرى للموارد  . وقد يكون التركيز على الخدمات اللوجستية، بوصفها العنصر الأساسي في الاستراتيجية الشاملة، هو الجانب الأكثر منطقية في السياسات الاقتصادية لنظام السيسي في الوقت الحاضر، سواء في شكل تطوير منطقة قناة السويس بوصفها نقطة عبور ومعالجة، أم تحويل غاز شرق المتوسط إلى غاز طبيعي مُسال، أو بناء شبكة كهرباء واسعة قادرة على تصدير الإنتاج، بما في ذلك إلى جنوب أوروبا. وسيؤدي جْعْل القطاع الزراعي أكثر ربحية، لا إلى تحسين الدخل في المناطق الريفية المتأخّرة عن نظيرتها في مناطق

  1. 70  يمكن أن يساهم ذلك أيضًا في التعامل مع "التفاوتات الجغرافية"، التي تشكّل أكبر فجوات الدخول والأصول والخدمات بين المحافظات، في شمال العليا والوجه الجنوبي، والمناطق الريفية والمناطق الحضرية. ينظر: Mohamed Abdel Hadi Shantir, "Decentralization and Geographical Inequality in Egypt," Arab Reform Initiative, 20/4/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/AehArNHg
  2. 71  صنفت وكالة موديز درجة "الأثر الائتماني البيئي والاجتماعي والحوكمة" في مصر أنها "سلبية جدًا"، ما يعكس "التعرض الكبير للمخاطر البيئية والاجتماعية"، ومن بينها تلوث الهواء. ينظر: " Rating Action: Moody's Affirms Egypt's B2 Rating, Changes Outlook to Negative from Stable."

أخرى من البلاد فحسب، بل سيضيف إلى الثروة الوطنية والأمن الغذائي. وسيكون المفتاح هنا هو الاستثمار في التكنولوجيا والموارد البشرية والمادية اللازمة لتوسيع إنتاج المحاصيل ذات القيمة العالية التي تستهلك نسبة منخفضة من المياه، وأهمها الفواكه والخضروات

خاتمة

ليست العوائق الرئيسة التي تحول دون تسريع النمو الاقتصادي عوائق بنيوية، لأن مصر تملك أصولًاومقوّمات معتبرة. والسبب الكامن وراء النمو دون المستوى الأمثل المسجّل في الوقت الراهن هو السياسات الهزيلة الناجمة عن عملية صنع القرار البدائية نسبيًا، والتي تُهيمن عليها المؤسسة العسكرية، وهي مؤسسة غير معدّة، وغير مجهّزة لتصميم سياسات اقتصادية مناسبة أو تنفيذها، ومعقدة بالضرورة. لذلك تكشف مصر عن مشكلة رئيسة تعانيها التجارب التنموية التي تتم في النظم التسلطية على نحو عام؛ إذ يعمل النظام على إخضاع الاقتصاد لخدمة هدفه الأساسي المتمثل في الاحتفاظ بالسلطة، بدلًا من السعي لاستخدام صلاحياته لتسريع النمو الاقتصادي والدفع به، مهما كانت العواقب المترتبة على ذلك على حكمه. فلو سعى النظام لتوسيع المشاركة في تصميم الاقتصاد وإدارته والاستفادة منه، لتعرّضت قاعدته القسرية الحيوية للتهديد. فما يقدّمه النظام المصري، والنظم المماثلة، ليس تنمية في جوهره، بل محض قشور تنمية، فضلًاعن القمع والتهميش الاقتصادي والسياسي لقطاعات كبيرة من السكان، وفي حالة مصر خاصة، الاعتماد المتزايد على الدعم الخارجي الذي يقوّض السيادة الوطنية، السياسية والاقتصادية، للبلاد. ستتصاعد الضغوط ضد النظام، اقتصاديًا وسياسيًا على السواء، على النحو المتوقع في حالات مماثلة من التنمية التي تقودها النظم التسلطية. لكن الانهيار الاقتصادي لن يُفضي بالضرورة إلى إطاحة الحكام التسلطيين، على النحو الذي تكشفه حالات مجموعة من البلدان، من زيمبابوي إلى فنزويلا؛ ذلك أن الجمع بين القمع، وتوليد الولاء من خلال التلاعب بالرموز القومية والاقتصادية، وإفقار قطاعات كبيرة من السكان، ومن ثم جعلهم غير قادرين على العمل السياسي، لَُهُو مزيج قوي بالفعل. بل يبدو أن لهذا الأمر فاعلية أشد مما تحظى به الديمقراطية من جاذبية، ومثال تونس هنا كاشف، حيث يزيد اقتصادها المنهار من دعم رئيسها الدكتاتوري قيس سعيّد  . ففي أوقات الحاجة، يميل السكان إلى اللجوء إلى الرجال الأقوياء ووعودهم بالخلاص والإيمان بتحُّقُق المعجزات، عوضًا عن محاولة بناء حكومة دستورية أكثر فاعلية وتشاركية. ونضيف عاملًامهمًايِسِم عالَمَ اليوم هو طابع الأمننة في مواجهة مجموعة من التهديدات المحلية والإقليمية والدولية، على نحو يعزز جاذبية الحكام التسلطيين. ولا يقتصر هذا الجذب على قواعدهم الناخبة فحسب، بل على الدول الأخرى التي تخشى عواقب الفوضى، وتبدو على استعداد للمساهمة في دعم حكام مثل السيسي. تتمثل التداعيات في الحالة المصرية في أن أكثر السيناريوهات ترجيحًا، على المدى القصير والمتوسط على الأقل، هو استمرار الوضع القائم. فلا يوجد في الوقت الحاضر سوى النزر اليسير من المعارضة المنظمة للنظام، أو لعلها غائبة تمامًا، مع تمتّع النظام بقاعدة واسعة من الدعم الإقليمي والدولي. ويمكن أن تحدث ضده انتفاضة جماهيرية وعفوية، وربما قد تسودها الفوضى، لكنها تبقى غير محتملة. وليس من المتوقّع اعتماد إصلاحات جوهرية حقيقية قد تؤول إلى تقاسم السلطة بين العسكر والفاعلين السياسيين المدنيين المنظّمين، مثل "الحوار الوطني"، الذي أطلق في عام 2022، والذي يبدو أنه كان مجرد وسيلة للتحايل الانتخابي، وسرعان ما جرى تعليقه. وقد كشفت هذه المبادرة السياسية النادرة عن أن النظام يدرك عزلته السياسية الداخلية النسبية، إلى جانب القلق الدولي المتزايد حيال انتهاكات حقوق الإنسان والحقوق المدنية. كما كشفت المبادرة أيضًا عن عدم رغبة النظام في تقديم العلاج الحقيقي الذي يتعامل مع الأسباب الحقيقية لمشكلاته. يتبقّى أن الاحتمال الأكثر ترجيحًا للتغيير السياسي هو أن يأتي من داخل النظام، في حال جرت إزاحة السيسي على يد ضباط ساخطين. لكن حتى في هذه الحالة، سيستمر النظام من دون إصلاحات جوهرية، وحنلا لعى، لاوًاابق ثكرأ هلعجي ام دحٍ لإى افلتخم لاكًااش ىنّبت ابرمو الذي شهدناه بعد انتفاضة عام 2011. كذلك يبدو من غير المرجح أن يرتكب النظام الخطأ الفادح المتمثل في خوض مغامرة عسكرية فاشلة، على نحو ما فعل الجنرالات الأرجنتينيون ضد إنكلترا، والعقداء اليونانيون ضد الأتراك، فعلى الرغم من التعزيزات العسكرية المكلفة التي يستفيد منها جيش مصر، فإنه يبدو أن الرغبة ضئيلة في إرساله إلى الخارج حتى في حال انخفضت حصة مصر من مياه النيل بسبب سدّ النهضة الكبير في إثيوبيا. ويرفع هذا الحذر الستار عن الهدف الحقيقي للمؤسسة العسكرية، ألا وهو دعم النظام، وطموحاتها لا تمتد إلى إبراز القوة خارج حدود البلاد، بل الاحتفاظ بها في الداخل، مهما كانت التكلفة التي قد تتحمّلها الأمة برمّتها.

  1. Simon Speakman Cordall, "Kais Saied's New Constitution is Roiling Tunisia," Foreign Policy , 6/7/2022, accessed on 14/12/2023, at: https://cutt.ly/nehAy9gl

المراجع

Adly, Amr. Cleft Capitalism: The Social Origins of Failed Market Making in Egypt. Palo Alto, CA: Stanford University Press, 2020. Alaoui, Hicham & Robert Springborg (eds.). The Political Economy of Education in the Arab World. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2021. Al-Ayouty, Iman Amin. "R and D Performance in the Pharmaceutical Industry: The Case of Egypt." European Journal of Sustainable Development. vol. 6, no. 2 (May 2017). Al-Laithy, Heba & Dina M. Armanious. "Inequality of Education Opportunity in Egypt: Impact Evaluation." Working Paper. no. 216. Egyptian Center for Economic Studies (March 2021). Elgendy, Karim. "Egypt as an Eastern Mediterranean Power in the Age of Energy Transition." Middle East Institute (July 2022). El-Haddad, Amirah. "Picking Winners: Identifying Leading Sectors for Egypt and Tunisia Using the Product Space Methodology." Review of Middle East Economics and Finance. vol. 16, no. 1 (2020). "Fighting Inequality in the Time of Covid-19: The Commitment to Reducing Inequality Index 2020." Development Finance and OXFAM Report (October 2020). Haikal, Gamal, Islam Abdelbary & Dina Samir. "Lazy Banks: The Case of Egypt." Macroeconomics and Finance in Emerging Market Economies. vol. 16, no. 3 (2023). Hashad, Reem Nabil. "Childhood Stunting in Egypt: Trends, Causes, Solutions." The Forum: Economic Research Forum (ERF) Policy Portal. 20/1/2020. at: https://cutt.ly/6ehmsScM Helmy, Imane et al. "Reaping the Harvest of Economic Reform: The Case of Social Safety Nets in Egypt." Working Paper. no. 200. Egyptian Center for Economic Studies (February 2019). Larres, Klaus (ed.). Dictators and Autocrats: Security Power Across Global Politics. London: Routledge, 2022. Naím, Moisés. "The Dictator's New Playbook: Why Democracy is Losing the Fight." Foreign Affairs. vol. 101, no. 2 (March-April 2022). "Revenue Statistics in Africa 2023: Egypt." OECD (2023). at: https://bit.ly/3WmirkC Sayigh, Yezid. Owners of the Republic: An Anatomy of Egypt's Military Economy. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace, 2019. ________. "Retain, Restructure, or Divest? Policy Options for Egypt's Miliary Economy." Working Paper. The Carnegie Endowment Malcolm H. Kerr Middle East Center. 31/1/2022. at: https://cutt.ly/3ehAEsmi Sobhy, Hania. Schooling the Nation: Education and Everyday Politics in Egypt. Cambridge: Cambridge University Press, 2023. Taweel, Sarah. Al-Sisi's Bubble in the Desert: The Political Economy of Egypt's New Administrative Capital. Washington, DC: Project on Middle East Democracy (POMED), 2023. Wezeman, Pieter D. et al. "Trends in International Arms Transfers, 2021." Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI) (March 2022). Wheelock, Keith. Nasser's New Egypt: A Critical Analysis. New York: Foreign Policy Research Institute, 1960. World Bank Group. "Tax Revenue ( % of GDP) - Lower Middle Income." World Bank Open Data (2018). at: https://cutt.ly/ZehAfB5w

".________Foreign Direct Investment, Net Inflows ( % of GDP) - Egypt, Arab Rep." World Bank Open Data (2022). at: https://cutt.ly/FehP8RED ________. "Gross Fixed Capital Formation ( % of GDP) - Egypt, Arab Rep." World Bank Open Data (2022). at: https://cutt.ly/jehbmWzu ________. "Research and Development Expenditure ( % of GDP) - Egypt, Arab Rep." World Bank Open Data (2022). at: https://cutt.ly/HehbQHDu