إشكالية الانقسام في العلاقات العسكرية - العسكرية في مرحلة الانفصال في سورية (1961 - 1963) **
الملخّص
تبحث هذه الدراسة في ضوء تحليل المصادر الأولية النوعية والأرشيفية في إشكالية العلاقات العسكرية - العسكرية في سورية خلال مرحلة انفصال الجمهورية العربية المتحدة (1961 - 1963.) وتستكشف من خلال إخفاق تطبيق ما يمكن وصفه ب "نظرية التوافق" Concordance Theory آثار الانقسامات العسكرية - العسكرية على طبيعة العلاقات العسكرية - المدنية من جهة أولى، ودورها في تحويل الانقسامات العسكرية إلى تشرذمات خطيرة على بنية المؤسسة العسكرية من جهة ثانية، ودورها في تفكك النظام السياسي نفسه كما حدث في مرحلة الانفصال، من دون إهمال الشروط الاجتماعية والسياسية التي أثرت في ذلك. وتسلط الضوء على بروز كتلة الضباط الشوام نتيجة لسياسات احتواء وتفكيك الكتل العسكرية في مرحلة الوحدة، وتمكنها من القيام بانقلاب الانفصال. وتحلل كيف أن هذه النخبة فشلت في السيطرة على الجيش وأجهزة الحكم، بحيث أنتجت محاولتها للسيطرة بروز كتل انقلابية متصارعة، أدى صراعها إلى انهيار قيادة الجيش نفسها وفقدانها زمام القيادة والسيطرة، بما فتح الباب على مصراعيه أمام قيام انقلاب 8 آذار/ مارس 1963.
By analysing qualitative and archival primary sources, this paper examines intra-military relations in Syria during the period in which Syria seceded from the United Arab Republic (1961 - 1963). It explores the consequences of the failure to apply what can be described as "Concordance Theory", particularly regarding the impact of military divisions on civil-military relations, and how these divisions led to dangerous fragmentation within the military institution itself. Additionally, it examines the role these divisions played in the disintegration of the political system during the secession, without neglecting the social and political conditions that influenced these developments. The paper highlights the emergence of the Damascene 'Shwam' officers' faction as a result of policies aimed at containing and dismantling military factions during the unity period, and how this faction managed to lead the secession coup. It also analyses how this elite failed to maintain control over the army and government institutions, with their efforts to assert control giving rise to competing coup factions, ultimately leading to the collapse of military leadership and the loss of command and control. This paved the way for the military coup on 8 March 1963.
The Problematic Division of Intra-Military Relations During the Separation Phase in Syria (1961 - 1963)
كلمات مفتاحية: عبد الكريم النحلاوي، الضباط الشوام، حركة 28 آذار/ مارس، سورية، الجيش السوري.
Keywords: Abdul Karim Al-Nahlawi, Shwam Officers , March 28 Coup, Syria, Syrian Army.
مقدمة
شكّل التنافس والصراع بين الكتل العسكرية - السياسية في الجيش السوري، الذي تأسس في الأول من آب/ أغسطس 1945، سمة أساسية في تاريخ علاقاته العسكرية – العسكرية والعسكرية – المدنية على حد سواء. وبلغ عدد التوترات في الظروف الداخلية والإقليمية التشابكية حتى عام 1963 نحو 12 توترًا بين تمرد وعصيان ومحاولة انقلاب وانقلاب ناجح. ووصل ذلك إلى أوجه في ربيع 1957، من دون أي إمكانية للحل، على غرار ما سبق من توترات. وكان هذا العجز أحد أبرز دوافع تلك الكتل مجتمعة لحل مشكلة الصراع بينها بتسليم الأمر إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر 1970-1918()، وإعداد مذكرة من دون علم الحكومة أو رئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي 1967-1891() إلى عبد الناصر، مفادها تخطي حدود الاتحاد الفدرالي إلى الوحدة الاندماجية الكاملة 1. وقد عُرف التمرد بعصيان قطنا (آذار/ مارس 1957) الذي كاد يهدد الجيش بحرب مواجهة بين وحداته الضاربة من مدرعات ومدفعية. وكان اتفاُقُ الضباط على تسليم أمرهم لعبد الناصر والمطالبة بالوحدة الاندماجية بين مصر وسورية بدلًامن صيغة الاتحاد أبرَزَ نتائجه 2. لكن عبد الناصر وضع شرَطيَن لقبول ذلك؛ وهما: حل الأحزاب، وابتعاد الضباط عن الاشتغال بالسياسة. وهكذا قام إعلان الوحدة الاندماجية في 22 شباط/ فبراير 1958 على أساس هذين الشرطين. خلال مرحلة الوحدة بين سورية ومصر 1961-1958()، تفككت التكتلات العسكرية الأساسية المسيسة، وهدأت نسبيًا إشكالية العلاقات الاستقطابية بينها، ونشأت مراكز قوى أخرى جديدة هجينة عسكريًا – سياسيًا تحددت أساسًا بمركَزَي المشير عبد الحكيم عامر 1967-1919() نائب رئيس الجمهورية، والعقيد عبد الحميد السرراج 2013-1925() الذي انتقل إلى وظيفة مدنية وهو رئيس المجلس التنفيذي، لكن ظل نفوذه في جهاز المخابرات العامة قويًا. وتطورت العلاقة بين المركزين إلى استقطاب، لكنها لا تشبه نمط الاستقطابات العسكرية – العسكرية السابقة في الجيش السوري، كما لا تشبه نمط الاستقطابات العسكرية – السياسية، بل هي شبيهة بأنماط الانقسام التقليدية في النخب التسلطية. وما إن حدث الانفصال 1963-1961() حتى عادت تلك التكتلات إلى البروز، في صورة تشكّل كتل عسكرية متعددة في مواجهة كتلة واحدة محدودة الحجم لكنها منظمة وقوية التأثير، استولت على السلطة في مجرى الصراع بين المشير عامر والعقيد السرراج، وُأ طلق عليها تسمية "الضباط الشوام"؛ ما جعل إشكالية العلاقات العسكرية – العسكرية تبرز إلى الصدارة بعد أن ضمرت خلال سنوات الوحدة. تهدف هذه الدراسة إلى النظر في التطورات داخل نخبة المؤسسة العسكرية السورية خلال مرحلة الانفصال وتتبع بنيتها الانقسامية والشروط الاجتماعية السياسية العامة التي تحكمت فيها، من أجل معرفة ديناميات الانقسام والصراع في المؤسسة العسكرية السورية. ولا يمكن عزل هذه التطورات عن تطورات العلاقة بين المؤسستين العسكرية والمدنية، وعن إشكالية الصراع بين العسكريين والسياسيين، لكنها تركز لغايات منهجية على جانب لا تزال الحاجة إلى دراسته قائمة، يتمثّل في تطورات العلاقات العسكرية - العسكرية نفسها، ودورها في تقويض النظام الجديد. وتناقش الدراسة ذلك في أربعة محاور: سياسة احتواء الكتل العسكرية وتفكيكها في مرحلة الوحدة وبروز قوة الضباط الشوام، وتصدّر الضباط الشوام لحركة الانفصال، وعجز النخبة الشامية العسكرية التي قامت بالانفصال عن السيطرة على الجيش وأجهزة الحكم وإبعاد قادتها عن سورية، وتشعب الكتل الانقلابية في الجيش وانهيار دور قيادته في 8 آذار/ مارس 1963. وتعتمد الدراسة في معالجتها مقاربة منهجية وصفية تاريخية تحليلية مركبة، تستند إلى المصادر الأولية النوعية والأرشيفية، وبعض المصادر الثانوية كشهادات الفاعلين في الأحداث ومذكراتهم، إضافة إلى بعض الدراسات الأكاديمية المختصة. تسمح دراسة العلاقات العسكرية - العسكرية في الجيش السوري بين أعضاء النخبة العسكرية من الضباط، باختبار آثار الانقسامات وفقًا لنظرية التوافق Concordance Theory التي صاغتها ريبيكا شيف عام 1995، من حيث إنها تقوم على سمة تميزها من نظرية الفصل في العلاقات المدنية - العسكرية، هي مفهوم الشراكة بين النخب السياسية والجيش والمواطنين 3. فقد وفرت طبيعة العلاقات العسكرية - المدنية في مرحلة الانفصال تجربة استثنائية مبكرة لمأسسة هذا التوافق قبل صوغ مفهومه، من خلال تشكيل مجلس الأمن القومي بصفته هيئة عليا لتجاوز حالات التسلطية العسكرية
المباشرة في الانقلابات السورية، والانتهاء من ازدواجية السلطة بين المدنيين والعسكريين الذي عبرت عنه المرحلة الأولى من حكم العقيد أديب الشيشكلي 19(كانون الأول/ ديسمبر 31-1950 تشرين الثاني/ نوفمبر 1951)، ثم مرحلته الرئاسية الثانية 2(كانون الأول/ ديسمبر 24-1951 شباط/ فبراير 1954)، التي يمكن فهمها بتصنيفات صاموئيل فاينر Samuel Finer بأنها الحكم العسكري التسلطي الذي يأخذ هنا شكل إدارة رئاسية عسكرية يستعين فيه المجلس العسكري أو الرئيس العسكري بوزراء مدنيين 4، ويكونون جميعًا معاونين له تحت مسميات قادة عسكريين ومدنيين ووزراء... إلخ، لمحاولة تجاوز الانقسامات العسكرية - العسكرية في مرحلة عودة الحكم المدني الدستوري 1958-1954() بالاتفاق على توازن "هش"، يقوم على إقلاع أي كتلة وازنة في الجيش عن القيام بعمل انقلابي. من الناحية النظرية، تَشَّكّل مؤسسيًا مجلس الأمن القومي في ترجمة لمفهوم نظرية التوافق، حتى إن كان هذا المصطلح قد صيغ في مرحلة لاحقة ووفق دراسة تجارب أخرى. وافُتضر في هذا المجلس أن يشكّل الشركاء الثلاثة: الجيش، والحكومة الدستورية، والمواطنين، ممثلين بمجلس نواب منتخب، علاقة تعاونية فيما بينهم. لكن التجربة الفعلية للنظام السياسي في مرحلة الانفصال بينت عدة حقائق، من أهمها ما تركز عليه هذه الدراسة، وهي إشكالية الانقسام في العلاقات العسكرية - العسكرية بين نخب المؤسسة العسكرية نفسها، من حيث إن عدم حلها قد أفضى إلى انهيار هذا الشكل المؤسسي الوفاقي ممثلًابالمجلس، ومن ثمّ عجز مركز القيادة والتحكم عن أداء دوره. ويبين تحليلها أيضًا، من خلال الدوافع الفعلية لتشكيلها وتجربتها كما حدثت في الواقع، أن هيئة مجلس الأمن القومي كانت أقرب إلى تمييزات فاينر بين أنواع الحكومات العسكرية، وهي: حكم العصبة العسكرية Military Junta or Stratocracy، والحكم العسكري الرئاسي Presidential، والحكم العسكري المدني التسلطي الذي يقيمه عسكري، إلا أنه يقوم على الاستعانة بالوزراء المدنيين، إلى جانب تعددية حزبية وبرلمانية مقيّدة Authoritarian Civilian States 6، أقرب إلى نمط الحكم العسكري المدني التسلطي الذي حاول أن يمارس دور القيادة - الظل من خلال المجلس تحت زعم التعاون والوفاق، ثم حاول التقدم مباشرة لإقامة تسلطية عسكرية رئاسية في حركة 28 آذار/ مارس 1962 وما تلاها من تطورات، تستعين بوزراء مدنيين هي أقرب إلى سمات الحكم العسكري المدني التسلطي.
أولا: سياسة الاحتواء
خلال مرحلة الوحدة، حُسمت إشكالية العلاقات العسكرية – العسكرية المزمنة في تاريخ العلاقات العسكرية – العسكرية في الجيش السوري، والعلاقات المدنية – العسكرية طوال عشر سنوات على الأقل، عبر تفاهم أبرمه عبد الناصر مع قادة الكتل العسكرية في الجيش السوري شرطًا لقيام الوحدة؛ وهو العمل في الأجهزة السياسية للدولة أو التفرغ للعمل العسكري المهني البحت. وتُرجم هذا التفاهم في سياسات وإجراءات متعددة ينصبّ هدفها المركزي على تفكيك الكتل وتقليص مصادر قوتها بالترغيب أو الترهيب. وقد بدأت هذه السياسة تحت عنوان "المزج" بين الجيشين في الإقليمين الجديدين للجمهورية العربية المتحدة: الجيش الأول في الإقليم الشمالي (سورية)، والجيش الثاني في الإقليم الجنوبي (مصر.) وقضت سياسة المزج بنقل عدد من ضباط الجيشين، في إطار خطة ترمي إلى توحيدهما، والهدف من هذه السياسة احتواء رؤوس الضباط المشهورين بانقلاباتهم وتكتلاتهم العسكرية في الجيش السوري السابق، وضرب مصادر قوتهم، أي قدرتهم على الأمر والنهي، بإبعادهم عن الوحدات التي كانوا يقودونها ويستمدون قوتهم منها، وذلك بالطرائق التالية: إلغاء الكلية الحربية بحمص ودمجها مع كلية الحرب في القاهرة. وإجراء كل الدورات التدريبية لتخريج الضباط فيها.
نقل قسم منهم إلى مواقع أخرى في الجيش الثاني، مع منحهم حوافز مادية تقوم على تسلّمهم راتبيَن في الشهر الواحد بدلً من راتب واحد. وتعيين معظمهم في مواقع هامشية أو صورية من دون سلطات حقيقية. وشملت هذه الطريقة خصوصًا الضباط البعثيين الذين كانوا يمتلكون تماسكًا أفضل بينهم بالنسبة إلى الكتل الأخرى، لكونهم قد شكّلوا الجناح العسكري للحزب. إيفاد عدد كبير من الضباط السوريين في بعثات عسكرية خارجية. ندب قسم منهم ليشغلوا وزراء تنفيذيين أو مركزيين، أو ملحقين عسكريين في السفارات. عزل الفريق عفيف البزري 1994-1914()، قائد المجموعتين المتنافستين البعثية والتحريرية 7، الذي قاد وفد الضباط للمطالبة بالوحدة الاندماجية والفورية من قيادة الجيش الأول، وتعيين اللواء جمال فيصل 1995-1915() قائدًا للجيش الأول بعد ترفيعه إلى رتبة فريق. نتج من هذه السياسة حدوث توترات في العلاقات العسكرية - العسكرية بين ضباط الجيشين، ولا سيما بين من شملته سياسة الاحتواء من الضباط السوريين، فقد اشتكى الضباط المنقولون من التهميش في وظائف عسكرية اسمية وشكلية بلا صلاحيات، وكذلك برزت شكوى من تصرفات فوقية وتسلطية من الضباط المصريين المندوبين للعمل في الجيش الأول بموجب سياسة المزج 8. تمكنت سياسة الاحتواء من تفكيك قدرة الكتلة التحريرية العسكرية السابقة التي كانت تطلق على نفسها بعد الوحدة اسم "كتلة المستقلين"، وكان يقودها العميد أمين النفوري، من خلال توزّر معظم ضباطها، ثم حين استقالوا من الحكم وجدوا أنفسهم بلا قوة؛ ذلك أنه لم تكن لهم قواعد عسكرية، بل كانوا يستمدون قوتهم من قوة الوحدات التي يقودونها في الجيش قبل الوحدة. وحين فكروا في القيام بحركة ما، لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا؛ "لأن قدرتهم على القيام بالتنفيذ كانت قليلة جدًا وضعيفة، بالإضافة أنه كانت مراقبة" 9، بينما انقسمت الكتلة الاشتراكية إلى كتلة بعثية وكتلة أخرى حافظت على ولائها لأكرم الحوراني 1996-1911()، الذي غدا نائبًا لرئيس الجمهورية العربية المتحدة قبل أن يقدم رفقة الوزراء البعثيين استقالتهم. وفقد العديد من رؤوسها قوتهم، ولم يعودوا قادرين على القيام بأي عمل انقلابي؛ بسبب توزّرهم مثل قائدها المقدم مصطفى حمدون، الذي كان وزيرًا للزراعة والإصلاح الزراعي في الإقليم الشمالي. في حين أن الضباط البعثيين المنقولين إلى القاهرة شكلوا فيما بينهم سرّا ما عُِرِف باللجنة العسكرية 10؛ وهو ما ساهم في تحويل كتلة الضباط الشوام إلى الكتلة الأوسع في الجيش، التي لم تشملها خطوات الاحتواء والتفكيك لُبُعدها عن العمل السياسي والحزبي المباشر، واشتهارها بنظام الانضباط العسكري. منذ تعيين المشير عامر نائب رئيس الجمهورية في 21 تشرين الأول/ أكتوبر 1959، وتفويضه ب "إصدار القرارات والأوامر التي يدخل في اختصاص رئيس الجمهورية إصدارها" في الإقليم الشمالي 11، حاول المشير تقليص سلطات وزير الداخلية العقيد السرراج السياسية والأمنية. ونتج من ذلك استقطاب مكشوف بين السرراج وعامر 12. وبعد تجميد السرراج بنقله إلى القاهرة في منصب "فخم" شكليًا، نائبًا لرئيس الجمهورية، لم يلتزم بالإقامة في القاهرة، بل عاد إلى دمشق. وبدأ أنصاره حربًا مكشوفة ضد المشير 13، الذي حل أجهزة السرراج الأمنية، وختمها بالشمع الأحمر. وهو ما جعل سورية تترقب انقلابًا وشيكًا تقوم به أجهزة السرراج في أيلول/ سبتمبر 1961 14. على الرغم من ذلك، كان تحوّل حركة العصيان في 28 أيلول/ سبتمبر 1961 إلى انقلاب كامل قد تمخض عنه انفصال الجمهورية العربية المتحدة، وعودة سورية إلى وضعها الدولي الذي كان لها قبل الوحدة،
عمليةً سريعة جدًا وحتى مباغتة. فخلال يوم واحد من قيام الحركة، غادر المشير دمشق، وبثت إذاعة دمشق في صباح 29 أيلول/ سبتمبر النشيد الوطني السوري، وأعلنت قيادة الحركة تكليَفَ الدكتور مأمون الكزبري 1998-1914() بتشكيل حكومة انتقالية في الفترة 30 أيلول/ سبتمبر 21- تشرين الأول/ أكتوبر 1961 15. وغدا الانفصال أمرًا واقعًا بعد إعلان عبد الناصر رفض البلاغ رقم)9(، ثم إقراره في خطاب 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1961 بحالة الانفصال قانونيًا، وإعلانه الاعتراف بها دولة مستقلة وعضوًا في الجامعة العربية وفي الأمم المتحدة لتسهيل الاعتراف الدولي بها. لكن سرعان ما بدأ الذهول الذي عمّ سورية في الأسبوع الأول يتكشف عن مؤشرات لإسقاط الحكم الجديد 16، الذي بدا قويًا، فقد اعترفت به نحو 60 دولة في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 1961. في حين تشكلت، بعد تسليم عبد الناصر بالانفصال أمرًا واقعًا، أولى الحركات الجماهيرية السياسية الواحدة الداعية إلى إسقاط النظام والعودة إلى الوحدة. وعاد الاستقطاب إلى الجيش لكن على أسس جديدة.
ثانيًا: تشكيل أول قيادة للجيش بعد نجاح الانقلاب
تشكلت أول قيادة عامة للجيش فور مغادرة المشير عامر في 29 أيلول/ سبتمبر 1961 دمشق إلى القاهرة، وكانت مؤلفة من عشرة ضباط، كلهم من الضباط السنّة سوى درزي واحد، ومن بين الضباط السنّة شكّل الضباط الشوام نصفهم 17، ولم يكن بينهم سوى ثلاثة شاركوا مباشرة في تنظيم الانقلاب، بينما التحق بعض آخر به بعد قيامه 18. وشغل فيها عبد الكريم النحلاوي منصَبَ مدير شؤون الضباط، الذي سبق له التمرس به حين كان نائبًا لمدير إدارة شؤون الضباط في الجيش الأول، وشارك في كل عمليات تنقلات الضباط وترفيعهم... إلخ. أما الدرزي الوحيد بين مجموعة القيادة، وهو اللواء عبد الكريم زهر الدين 2009-1917()، فقد اختير لكونه الأعلى رتبة بين الضباط، وقد كان أمام قيادة الحركة أربعة مرشحين لتولي منصب القائد العام، لكن اسُتُبعدوا لكون اثنين منهم مسيحيين والثالث علوي 19. وكان ممكنًا أن يُرفّع أحد العمداء الشوام إلى رتبة لواء، لكن النخبة الضيقة حول النحلاوي، مؤسس الحركة وقائدها، لم تلجأ إلى ذلك لاحتواء الأصوات التي أخذت تتعالى بأن الحركة من فعل مجموعة شامية وليست كلها من فعل الجيش. واختاروا زهر الدين، مدير الشؤون المالية والإدارية في الجيش الأول الذي اختاره قائد الانقلاب، قائدًا للجيش واجهةً ضعيفة؛ لكونه إداريًا أكثر منه ضابطًا ميدانيًا 20. واعترف النحلاوي لاحقًا بسبب اختيار زهر الدين لقيادة الجيش؛ إذ قال: "باعتبار صار في تركيز على الضباط الدمشقيين الشوام لذلك فضلت أن يكون قائد الجيش ما هو من دمشق كما أنني فضلت أن يكون رئيس الجمهورية ما هو من دمشق" 21. أما زهر الدين، فيشير إلى أن تعيينه كان لاحتواء الاستياء الذي صدر عن العديد من الضباط برفض انفراد الضباط الشوام بالسلطة العسكرية. ووفقًا لشهادته، قِبِل المهمة للحيلولة دون الصدام العنيف بين فئات الجيش؛ "إذ لا يمكن أن يسمحوا لأحد من ضباط الحركة الذين أطلقوا عليهم لقب شلة الضباط الشوام أن يستلم الجيش أبدًا" 22، فقد كان النحلاوي معروفًا بين ضباط الجيش بأنه صاحب نفوذ وتأثير. فإضافة إلى كونه نائبًا لمدير شؤون الضباط، كان مديرًا لمكتب المشير عامر، وكاتمًا لأسرار الجيش. وكانت الشكاوى والتقارير والأوضاع اليومية والمطالبات بإصلاح العلاقة بين الضباط المصريين والسوريين تصل إليه، واستثمر ذلك كي يستمع مباشرة إلى شكاوى الضباط واتجاهاتهم، ولا سيما الصغار والمتوسطين منهم. وتمكن من الحصول على موقع ثقة بينهم، كما كان بحكم موقعه البيروقراطي العسكري القوي والمتشعب قادرًا على التقييم والتأثير في اتخاذ القرارات 24.
وكانت خبرة النحلاوي قبل توليه هذه المناصب الكبيرة في الجيش الأول في الأساس؛ إذ كان ضابط استخبارات عسكرية في الشعبة الثانية (المكتب الثاني) منذ عام 1953، وتمرس بالعمل الاستخباري وطرائق الاتصال السررية والخاصة بالضباط 25. وكان، من خلال عمله مديرًا لدورات الطلاب الضباط قبل الوحدة، ولا سيما الدورة الأخيرة 1958-1957()، يعرف معظم ضباط الجيش وميولاتهم السياسية، ومطمئنًا إلى أن معظمهم سيؤيدون حركته، وسينقادون إليه، باعتبار أن الضباط الشوام كانوا يشكلون في الجيش بعد التسرريحات في فترة الوحدة ما لا يقل عن 45 في المئة من إجمالي عدد الضباط 26. وتمكن النحلاوي من تعيينهم في قيادات الوحدات المقاتلة حول دمشق، ولا سيما وحدات المدرعات بحيث تتجمع في كل وحدة عسكرية القوة اللازمة للتفوق والسيطرة 27. ولكون النحلاوي كاتم الأسرار، كانت كل المعلومات التي تتعلق بكل ضابط لديه؛ إذ كان لديه ملف وظيفي رسمي وملف سري يشتمل على جميع التقارير والتقييمات المتعلقة بكل ضابط، وكان على دراية بطبيعة علاقات الضباط السياسية، وعززت ذلك خبرته السابقة. بنى النحلاوي كتلة موثوقة بطريقة الاتصالات الثنائية التي تحدث عادة في أي شبكة سرية تقوم علاقتها على الأسلوب الخطي وليس الهرمي؛ وهو ما كان يتطلب ذكاء تنظيميًا متطورًا ومهارات تنسيقية فائقة. وركز على الضباط الصغار الذين منحوه ثقتهم واحترامهم واستعدادهم للعمل بما يقوم به. وشكلت اتجاهاتهم المحافظة، ورفض مسايرة الكتل الانقلابية السابقة في حركاتها وعصياناها، مرجع وصف خصومهم لهم من الكتل العسكرية العقائدية والعقائدية الانقلابية في الجيش السوري ب "الرجعية"، وكانت كتلتهم يصفها البعثيون بأنها "مناهضة للبعث" 28. وبرزت بصفتها قوةً حيادية في عصيان قطنا الذي كاد أن يتحول إلى حرب طاحنة بين الوحدات التي يقودها ضباط بعثيون والوحدات التي يقودها ضباط تحريريون، حين حاولوا رأب الصدع ورفضوا الانحياز إلى أي طرف 29. وكانوا يتمتعون بإمكانية المبادرة بالحكم، فمعظم أعضاء التنظيم شباب، تراوح أعمارهم بين منتصف العشرينيات ومطلع الثلاثينيات، وهي الفئة العمرية التي تتميز بحساسيتها الفائقة تجاه التغيرات 30. ويتألف معظمهم من "صغار الضباط" الذين شكلوا مصدر قوة النحلاوي 31، و"لم يكن لهم أي نشاط سياسي واضح"، و"أي دور فعال أو ظاهر في الانقلابات العسكرية الماضية" 32. وارتبط قسم نشط منهم برابطة عسكرية خاصة هي رابطة "أبناء الدورة"، وهي نوع من رابطة أخوية عسكرية تضرب جذروها بعيدًا في البنية العسكرية المحترفة من أيام المماليك؛ حيث ارتبط الجنود والضباط المماليك برابط أبناء الدورة أو الدفعة وكانت تدعى الخشداشية 33. وعلى الرغم من أن بقية الوحدات سارت مع الحركة التي نجحت بعد نحو يوم واحد من الإعلان عنها في التحول إلى انقلاب ناجح، فإن جملة تلك العوامل جعلت من الانقلاب على حد تعبير نيقولاس فان دام Dam Van Nikolaos "عملية دمشقية بحتة" 34، بل عملية لبعض الضباط الشوام وليسوا كلهم، فمن الحقائق أن هؤلاء الضباط لم يدافعوا عن النحلاوي ومجموعته حين تقرر بعد شهور قليلة إبعادها عن سورية، فلم يتجاوز عدد أعضاء تنظيم النحلاوي
العسكري الذين شاركوا في انقلاب الانفصال أكثر من 35 ضابطًا 35. ويقلص بعضهم العدد إلى نحو 27 ضابطًا تراوحت رتبهم بين ملازم وعقيد، ويتألف معظمهم من الضباط الصغار دون رتبة نقيب 36. كان النحلاوي الدينامو الحقيقي في القيادة، على الرغم من أنه في رتبة مقدم، بينما كان أعضاء القيادة الآخرون إما في رتبة لواء (اثنان)، وإما عميد (خمسة)، وإما عقيد (واحد)، لكن منافسه في القيادة كان الُمُقَّدَم حيدر الكزبري 1996-1920() قائد قوات حرس البادية. طوّر، من خلال توليه مسؤولية إدارة شؤون الضباط، محوَرَ القوة الذي كان له في الجيش الأول في فترة الوحدة، وهو نائب مدير إدارة شؤون الضباط، وبات أقوى عضو في لجنة الضباط التي هي المرجع في تعيين الضباط في مناصب القيادة وأركان الحرب والوظائف الرئيسة الأخرى، أو تسرريحهم أو نقلهم، وتعيين الضباط من رتبَتَي العميد والعقيد في الوحدات أو ما يقابلهما، ونقل الضباط من وحدة إلى أخرى في الجيش 37(. وكانت القيادة العامة الجديدة تتلقى أوامرها وتوجيهاتها "بصورة خفية" من قيادة الحركة التي تسمت باسم القيادة العربية العليا للقوات المسلحة، وهي تضم عددًا صغيرًا من الضباط الشوام يقودهم النحلاوي 38. في حين حاول الأخير أن يحكم سيطرته على جهاز الحكم المدني الجديد، بإنشاء هيئة سرية سُِّمِيت مجلس الأمن القومي. وتستحق هذه الهيئة التوقف عندها، لكونها تمثل أول هيئة مؤسسية في تاريخ الدولة السورية تجمع قيادة الجيش مع القيادة المدنية المفترض أنها منتخبة.
ثالثًا: مجلس الأمن القومي
طورت قيادة الجيش سلطتها على الحكم المدني، عبر تشكيل هيئة سرية بمرسوم تشريعي من حكومة عزت النص 1972-1900() الانتقالية، من 22 تشرين الأول/ أكتوبر إلى 21 كانون الأول/ ديسمبر 1961، حملت اسم "مجلس الأمن القومي" 39، الذي تألف من عشرة أعضاء؛ خمسة عسكريين، وخمسة مدنيين من أعضاء الحكومة، ويترأسه رئيس الجمهورية 40. وضم المجلس أعضاء الحكومة ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية والمالية والاقتصاد، والقائد العام للجيش وقادة هيئة الأركان العامة 41. لكن يبدو أنه كان يضم فعليًا عددًا أكبر من العسكريين، من خلال رؤساء المصالح في الأركان الذين يدعون بصفة مراقبين، غير أنه كانت لهم إمكانيات النقاش والضغط على القرارات والتأثير فيها. وحرصت هذه الهيئة، نزولًاعند رأي العسكريين، على الحفاظ بموجب قَسَم خاص على سريتها، وحصر المعرفة في أعضائها، أو مجريات مداولاتها، أو قراراتها بشأنهم 42. ويشير أسعد الكوراني) 1995-1905(إلى "أن أحدًا من النواب لم يكن على علٍمٍ بهذا المجلس واختصاصاته التي علت على كل اختصاص تشريعي وتنفيذي، وجعلت السلطة الفعلية بيد ضباط الجيش، أو بيد ضباط الانفصال على الأغلب" 43، و"حدّدت مهمة المجلس بدراسة كافة الأمور التي تنعكس من قريب أو بعيد على سلامة وأمن الدولة من الداخل والخارج. وحصرت تسيير دفة سياسة البلد بهذا المجلس الذي شُكّل ليرسم الخطوط العريضة للدولة، من ثم يكلف السلطات التشريعية والتنفيذية باتخاذ الإجراءات والشكليات اللازمة لوضع تلك الخطوط موضع التنفيذ" 44. مثّل العسكريون مركز القوة في قرارات المجلس، وقد عبر زهر الدين عن ذلك بأن "الأكثرية الساحقة من أعضاء المجلس كانت من العسكريين، ولذلك كان من المفروض أن تطبق السياسة التي كان يرغب بها العسكريون" 45. وكانت اجتماعات المجلس تتم على ثلاث مراحل: الأولى: اجتماع النحلاوي عضو المجلس مع الضباط الصغار الذين اعتمد عليهم في قيام الحركة. الثانية: مرحلة اجتماع العسكريين قادة الحركة فيما بينهم، وكانت تتم أحيانًا بمعزل عن قائد الجيش 46.
الثالثة: مرحلة الاجتماع الموسع مع الأعضاء "المدنيين"، وكانت القرارات التي يصدرها المجلس هي القرارات التي اتخذها العسكريون.
1. التصفيات الأولى في قيادة الجيش
أحاط الإعلام المعادي للحركة - وفي صلبه الإعلام الناصري - قيادتها بشبهات التآمر مع دول أجنبية وتلقي الرشوة منها لقاء قيامها بحركة الانفصال؛ ما جعل أعضاءها يتبادلون الشكوك فيما بينهم. فكان المقدم حيدر الكزبري، عضو قيادتها والفاعل في نجاحها، ضحيتها الأولى؛ فقد اُّتُِهِم في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1961 بالخيانة والتآمر مع الملك الحسين بن طلال بن عبد الله 1999-1935()، وُزُجّ به في السجن بقرار من القيادة. ثم أ وِدِع عضو القيادة ورئيس شعبة العمليات، العميد فيصل سري الحسيني، السجن في كانون الأول/ ديسمبر 1961، بتهمة تلقي رشوة قدرها ستة آلاف ليرة سورية مقابل مشاركته في الانقلاب، وكان كلاهما دمشقيين 47. ونفى النحلاوي فيما بعد تهمة الرشوة والخيانة عن المقدم الكزبري، على الرغم من أنه هو الذي رتب مع مدير المخابرات هذه التهمة له. وفسرر اعتقاله بانتقاده الحاد للقيادة بعد إقالة ابن عمه الدكتور مأمون الكزبري 1998-1914() من القيادة 48، والذي لم يقدم استقالته إلا بعد أن هدده قائد الجيش بعدم استعداد الجيش للحفاظ على حياته، حيث قررت القيادة محاربة كل آل الكزبري 49. ومن الحقائق أن ردة فعل المقدم الكزبري على إقالة ابن عمه بأسلوب الضغط والتهديد كانت حادة، واتسمت بالتبجح والتهور، لكنها عبرت عن بروز الصراع بينه وبين النحلاوي، الرأس الحقيقي للقيادة، قبل إقالة ابن عمه، فقد تخوف النحلاوي - ومعه قادة الحركة - من طموحات زميلهم في مجلس القيادة؛ إذ "بدأ بطرح نفسه بوصفه صاحب حركة 28 أيلول/ سبتمبر 1961، حتى إنه ضرب خيامًا حول وزارة الدفاع، واستقر فيها مع قوات البادية التي كانت بإمرته. وقد أحدث هذا التصرف ردة فعل أيضًا في الجيش؛ لأن ضباطه لا يقبلون أن يكون حيدر الكزبري وجه حركة 28 أيلول/ سبتمبر، فهو ليس من كبار ضباط الجيش، وإنما من ضباط الصف، عدا عن علاقته التي أصبحت معروفة مع النظام الأردني" 50. أما ضباط الجيش الآخرون، وعدد من قادة وحداته، فقد ساءتهم طريقة اعتقال الكزبري باعتماد الخديعة، ولم يعودوا يأمنون النحلاوي حتى لا يلقى بعض من يختلف معه المصير نفسه بتهمة ملفقة وأسلوب استخباري 51. ولم يثبت على الكزبري، لا في تحقيق قادة الحركة، ولا في محكمة الأمن القومي، بعد حركة 8 آذار/ مارس 1963 الانقلابية الثانية التي قادها قادة الانفصال أنفسهم، أنه تلقى أي أموال مقابل اشتراكه في حركة عسكرية انقلابية ضد الوحدة. وقد أثرت طريقة اعتقاله وتسرريحه أخلاقيًا ونفسيًا في موقف العديد من الضباط الذين رأوا أن ما تعرض له لم يكن إلا عملية "غدر"، ونوعًا من "جزاء سنّم ار" 52.
2. التسريحات وآثارها
لجأ النحلاوي إلى إعادة إنتاج السياسة التي انتهجت في مرحلة الوحدة، فطهّر الجيش من الضباط البعثيين والناصريين، الذين كان يطلق عليهم في هذه المرحلة أيضًا اسم الوحدويين ومن يشتبه بميوله الشيوعية. وشملت تسرريحاته، في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1961، العدد الأكبر من ضباط البعث العائدين إلى سورية من مصر، بعد حدوث الانفصال، أو ممن أنهوا دوراتهم العسكرية في الاتحاد السوفياتي. وكان أعلاهم رتبة ممن كانوا في مصر المقدم محمد عمران 1972-1922() رئيس اللجنة العسكرية البعثية السررية، وأعلاهم رتبة ممن كانوا موفدين إلى الاتحاد السوفياتي العقيد أمين الحافظ
2009-1921() الذي أوفد ملحقًا عسكريًا إلى السفارة السورية في الأرجنتين. وبلغ عدد الضباط المسررحين نحو 73 ضابطًا 53. ويحدد النحلاوي، الذي كان في حينه مديرًا لشؤون الضباط، أسباب ذلك بأنهم كانوا حزبيين شيوعيين أو اشتراكيين، أخذوا يجتمعون معًا "ويتآمرون مع بعض من أجل استلام الحكم"، حيث أعد قائمة بأسمائهم ومواقعهم، وحصل على موافقة لجنة القيادة، أو قيادة الجيش، على تسرريحهم، "حتى يكون الجيش بعيدًا عن السياسة لا يتطرق للسياسة إطلاقًا" 55. أزّمت هذه التسرريحات الكبيرة العلاقات العسكرية - العسكرية؛ إذ أثارت قلقًا شديدًا بين ضباط الجيش، وخوفًا من أن تمس بقية الضباط ممن يرتبطون بصداقات أو علاقات أو حتى قرابات مع الضباط المسررحين، أو ممن اتبع دورات تدريبية سابقة في الاتحاد السوفياتي، ويرون أفكارًا اجتماعية وسياسية معينة من دون أن تكون لهم ارتباطات حزبية. ونشأ لدى العديد من الضباط اقتناعًا بأن هناك حلقة ضيقة حول النحلاوي تتخذ من القيادة واجهة، وهي التي تتحكم في قراراتها. وقد ترجم ذلك القلق الشديد، وتهاوي الثقة بين فئة الضباط في أن "وضع الجيش الداخلي كان في غاية من التناقض والبلبلة، وذلك على صورة الوضع السياسي في البلد" 56، لكن الأبرز هو التناقضات والتوجسات العسكرية - العسكرية. ويشير الدندشلي إلى أنه "ليس من الممكن طوال هذه الفترة أن نتحدث عن الجيش السوري كجيش موحد، جيد التنظيم والانضباط"؛ فقد غدا يتكون من "كتل متضاربة متصارعة، وكثر الحديث في تلك الآونة عن قيادات القوى المسلحة كأنها قطاعات شبه مستقلة 'نشأت تحالفاتها' بحسب الميول السياسية أو العلاقات الشخصية والإقليمية، أو غالبًا على أساس من الانتهازية والمصلحة الشخصية" 57. وقد تبنى بعض قادة المناطق العسكرية هذا التقييم، مثل العميد بدر الأعسرر 1998-1905() قائد المنطقة الوسطى، وأخذوا يحرضون قائد الجيش على النحلاوي، مستغلين التنافس بينهما، ومحاولة قائد الجيش فرض سلطته. في حين رأى النحلاوي أن قائد الجيش حاول أن يستفيد من ذلك بتقوية سلطته، وممارسة صلاحياته التامة، اعتمادًا على من اعتبرهم النحلاوي "الضباط اليساريين" 58. من هنا أحدثت مسألة التسرريحات أزمة في العلاقات العسكرية - العسكرية، لحقت الضباط المسررحين وأصدقاءهم ممن لم تشمله التسرريحات، وكذلك الضباط الذين أطلق عليهم اسم الوحدويين، ولم يكونوا ناصريين تمامًا، لكنهم كانوا مع عودة الوحدة. فإلى جانب التسرريح المباشر، أبعدت إدارة شؤون الضباط العديد من الضباط الآخرين إلى الملحقيات العسكرية في السفارات السورية، مثل الحافظ الذي عين في 31 كانون الأول/ ديسمبر 1961 ملحقًا عسكريًا في الأرجنتين 59، وكان قد عاد من دورة تدريبية في الاتحاد السوفياتي وُعُّي نفي موقع هامشي مراَقَب، حيث طرح بعض أعضاء مجلس القيادة اعتقاله، لكنّ العاقلين من الأعضاء رأوا إبعاده لوزنه ومكانته لدى شريحة واسعة من الضباط، وذلك بإحداث منصب ملحق عسكري في السفارة السورية في الأرجنتين، و"تسفيره" إليه 60. فاتسعت دائرة معارضة سلطة النحلاوي والمجموعة الصغيرة حوله من الذين قاموا بحركة 28 أيلول/ سبتمبر، الذين ضاقت سلطاتهم كثيرًا بحكم ارتفاع وتيرة الشكوك بينهم وبين أعضاء مجلس القيادة من جهة، والخلافات السياسية بين أعضاء القيادة حول إعادة البحث مع عبد الناصر في إعادة الوحدة من جهة أخرى، وبروز اعتراضات وانتقادات صريحة على تسلط مجموعة النحلاوي على القيادة. وبلغ من الأثر الكبير لهذه التسرريحات في العلاقات والاستقطابات العسكرية - العسكرية أن اعتبرها أكرم الحوراني الدافع للعصيان "كما كانت سببًا مهمًامن الأسباب التي أدت إلى انقلاب الثامن من آذار، بتحالف الضباط الموالين للبعث مع الضباط الناصريين مرحليًا" 61. وقد تصدر هذه الاعتراضات العميد الأعسرر.
رابعًا: حركة 28 آذار/ مارس 1962: انفجار العلاقات العسكرية - العسكرية
1. محاولة ركوب موجة الدعوة إلى عودة الوحدة
تضافر تأزم العلاقات العسكرية – العسكرية مع تأزم العلاقات العسكرية - المدنية بين مجلس القيادة والقيادة المدنية (رئاسة الجمهورية، والحكومة، ومجلس النواب)؛ ما دلّ على عدم تمكّن مجلس الأمن القومي، بصفته إطارًا مؤسسيًا، من حل مشكلة
العلاقات المدنية - العسكرية بطريقة التعاون والوفاق. ومارست المنظمات الوحدوية الكبيرة والواسعة التي برزت في الشارع السياسي، إلى جانب الدعاية الناصرية ونشاط أجهزة الأمن الناصرية، ضغوطًا سياسية كبيرة على مجلس القيادة للعودة إلى الوحدة. واضطر النحلاوي ومجموعته الصغيرة المسيطرة إلى السير في هذا الاتجاه، فسار مع مجلس القيادة الذي أوفد في 13 كانون الثاني/ يناير 1962 ثلاثة من ضباطه إلى القاهرة للتباحث مع عبد الناصر حول إعادة الوحدة، والتأكيد له أن هدف حركة 28 أيلول/ سبتمبر هو الإصلاح لا الانفصال، وأنهم مستعدون لتصحيح الخطأ 62. وحددت مجموعات الضباط المسررحين موعدًا للقيام بالحركة وإسقاط حكم الانفصال في 22 شباط/ فبراير 1962، في ذكرى إعلان قيام الجمهورية العربية المتحدة. لكنها لم تتمكن من تنفيذ ذلك، لحاجتها إلى مزيد من التنسيق بين القوى، فأجلت تنفيذ العملية 63.
.أ
.ب
.ج
2. حركة 28 آذار/ مارس 1962
.د ترافقت التصدعات بين أعضاء مجلس القيادة حول السلطة، والموقف السياسي من عودة الوحدة، مع اشتداد الفجوة بين الحكم.ه المدني ومجلس القيادة؛ إذ اتخذ مجلس الأمن القومي، تحت ضغط العسكريين المسيطرين عليه، مشاريع قوانين بإدخال تعديلات إصلاحية طفيفة على قوانين الإصلاح الزراعي والتأميم والنقد، لتطمين القواعد الشعبية الواسعة من عمال وفلاحين بأن مكاسبهم لن تتضرر. لكن مجلس النواب لم يلتزم بها، وأقرّ قوانين مختلفة، ولا سيما في مجال نسف قانون الإصلاح الزراعي. سارت التطورات السياسية الموضوعية في اتجاه إضعاف القدرة التسلطية لمجلس القيادة على مؤسسات الحكم المدني من جهة، وارتفاع وتيرة التظاهرات ضد مداولات مجلس النواب بتعديل القوانين، وارتفاع وتيرة الشكوك بين أعضاء القيادة من جهة أخرى. واستغل ذلك، على نحٍوٍ فعّال، الضباط المسرّحون الذين كانوا مؤلفين من ضباط بعثيين في إطار اللجنة العسكرية السررية، وناصريين مرتبطين بالأجهزة المصرية، وفي مقدمتهم العقيد الُمَُسّرَح جاسم.) وحاولت النخبة الضيقة حول النحلاوي علوان 2018-1928(إنقاذ حركة 28 أيلول/ سبتمبر بانقلاب جديد يحكم سيطرتها على الجيش ونظام الحكم، فكانت "بمثابة المحاولة اليائسة لإنقاذ انقلاب 28 أيلول/ سبتمبر "1961 64. استباقًا للحركة الانقلابية التي تعدّها التشكيلات البعثية والناصرية العسكرية، مؤيدة من المنظمات الوحدوية السياسية، أنذر النحلاوي ومجموعته، باسم القيادة العامة، رئيَسَ الجمهورية الدكتور ناظم القدسي 1998-1906() بتنفيذ ما يلي: إقالة حكومة الدكتور معروف الدواليبي 2004-1909()، والاستعاضة عنها بحكومة حيادية غير سياسية، ومن ذوي الاختصاص. رفع الحصانة النيابية عن عدد من النواب، وجّهت إليهم إذاعة القاهرة الاتهامات، ولم يتمكنوا من تبرئة أنفسهم. جعل مرحلة بقاء المجلس النيابي التي يعمل خلالها بصفته جمعية تأسيسية ستة أشهر عوضًا عن 18 شهرًا كما نص عليه الدستور. حل المجلس النيابي الذي يعمل بصفته جمعية تأسيسية بعد مضي ستة أشهر من تاريخ الانتخابات. إجراء انتخابات جديدة وفق قانون انتخابات جديد، يُسَن بما يضمن انتقاء العناصر المؤهلة فعلً لتمثيل الأمة في البرلمان 65. وقد تواصل بعض الضباط برتب عالية في مجلس القيادة وغيره، الذين وجدو أنفسهم مرغمين على الموافقة على شروط الإنذار، مع رئيس الجمهورية لتشجيعه على رفض مطالب القيادة العامة؛ باعتبارها
مطالب فئة محصورة في عناصر كتلة النحلاوي، مثل العميد مصطفى الدواليبي (شقيق رئيس الحكومة معروف الدواليبي) والعميد مسلم صباغ والعميد موفق عصاصة 2023-1927()، الذين كانوا مؤيدين للمجلس النيابي والحكومة في فكرة مقاومة الاشتراكية 66. رفض رئيس الجمهورية الرضوخ لطلبات القيادة العسكرية؛ فقامت مجموعة النحلاوي، بمعزل عن قائد الجيش الذي لم يدِرِ بالحركة إلا حينما بدأت 67، بحركة انقلابية ثانية تمثلت في اعتقال عدد من النواب، بلغ نحو مئة عضو والوزراء، واعتقال رئيس الجمهورية الذي أ وِدِع الإقامة الجبرية في مشفى المزة بدمشق. وأصدرت بيانًا مطولًا تطرح فيه برنامجًا سياسيًا كاملًا، يقوم مفهومه على حكم تسلطي عسكري يعاونه وزراء مدنيون 68، ويقدم تبريرًا لدوافع الحركة الجديدة بأنها نتيجة انحراف السلطات المدنية عن مبادئ حركة 28 أيلول/ سبتمبر، وتضحيتها بالمكتسبات الاشتراكية.
3. الاضطرابات بين العسكريين
ما إن أعلن البيان باسم القيادة العامة عن أهداف حركة 28 آذار/ مارس، حتى أعلن العميد الأعسرر تمرده عليه، وطالب بطرد "زمرة النحلاوي" من الجيش على الفور 69. واعتبر أن رفضه الانقلاب الجديد موجه ضد النحلاوي و"شلته" من الضباط الصغار، التي تفرض قراراتها على القيادة، وليس ضد القيادة، ممثلة بقائد الجيش زهر الدين 70. وتجاوب مع الدعوة العديد من وحدات الجيش؛ ما دفع زهر الدين إلى التدخل، وعقد مساء 30 آذار/ مارس مؤتمرًا صحافيًا في نادي ضباط حامية دمشق، وألقى بيانًا مطولًا، أكد فيه بقاء الجمهورية العربية السورية واستمرارها في الحقل الدولي بسياستها السابقة، وتبرئة حركة 28 آذار/ مارس من أي اتهام لها ب "الارتماء في أحضان الغير، والتقرب من دولة عربية معينة" 71، في إشارة ضمنية إلى الجمهورية العربية المتحدة. ودعا زهر الدين بصفة مستقلة قادة الأسلحة والوحدات الرئيسة إلى عقد مؤتمر عسكري في حمص للتداول في الأزمة والخروج منها. تطورت الأحداث في نسق متسارع، وفق الخطوط العريضة التالية 72.أ حدث بعد المؤتمر الصحافي لقائد الجيش في 30 آذار/ مارس 1962 اتفاق هش بين الكتلتين البعثية والناصرية، على أن تبدأ الحركة من حمص في 2 نيسان/ أبريل، ثم تنضم إليهما حلب واللاذقية وتؤيدها الجبهة، في حين تزحف قطعات السويداء في اتجاه دمشق. وأن تقوم خلال ذلك عمليات إشغال في دمشق تزرع الفوضى، فيضطر الحكم إلى التسليم 73..ب استبق العقيد علوان ساعة الصفر المقررة، فسيطر فجر 31 آذار/ مارس لفترة مؤقتة على اللواء المدرع الخامس في حمص؛ ما فاجأ شركاءه البعثيين الذين تحركوا مباشرة، فسيطر الرائد البعثي حَمَد عبيد على حلب، كما انضم إليها العقيد لؤي الأتاسي 2003-1926() ذو الميول الناصرية - الوحدوية في دير الزور، في حين لم يتحرك الرائد صلاح جديد 1993-1926() عضو اللجنة العسكرية البعثية في السويداء..ج حدث انقسام في حمص بين ألوية الجيش، حيث انسحب العميد الأعسرر بسررعة من الحركة في ضوء تطمينات قائد الجيش له على الأرجح، وقيام لواء مدرع مع الطيران بقصف إذاعة حلب التي بث منها علوان البيانات بعودة الجمهورية العربية المتحدة، فانهارت الخطط البعثية العسكرية والناصرية. تمكن مؤتمر حمص العسكري الذي انعقد، في الأول من نيسان/ أبريل 1962، من احتواء الأزمة مؤقتًا، واتخذ قرارات أساسية بالعمل على "وحدة عربية مشروطة وعلى أسس مدروسة سليمة"، وتشكيل "حكومة انتقالية" مؤلفة من اختصاصيين، على أن تتولى القيادة العامة للجيش إعداد منهجها. أما على مستوى العلاقات العسكرية – العسكرية، فقد اتخذ المؤتمر القرارات التالية: إعادة النظر في الضباط المسررحين. العفو العام عن العسكريين المشاركين في أحداث 31 آذار/ مارس.
نقل 6 من الضباط إلى خارج البلاد، يمثلون قيادة الحلقة الضيقة للنحلاوي في الجيش، وهم: العميد عبد الغني دهمان، والعقيد النحلاوي، والعقيد مهيب الهندي، والرائد هشام عبد ربه، والرائد بسام العسلي 2018-1929()، والنقيب عادل الحاج علي. ومن الملاحظ أن أولئك قد شكلوا القوام الأساسي لتنفيذ حركة 28 أيلول/ سبتمبر، وإعادة النظر في كل التسرريحات التي أحدثتها بعد هذه الحركة، لجنة جديدة للضباط ستشكل لاحقًا. إعادة تشكيل القيادة العامة للجيش 74.
4. سابقة عسكرية: انتخاب أعضاء القيادة العامة
بمؤتمر حمص يُطوى فعليًا فصل سيطرة نخبة من كتلة الضباط الشوام على قيادة الجيش؛ إذ رحل الضباط الخمسة، وعلى رأسهم العقيد النحلاوي في مساء اليوم الثاني من المؤتمر إلى خارج سورية، وُعيُن معظمهم في ملحقيات عسكرية في السفارات السورية 75. وظهر من خلال عدم قيام أي حركة تمانع إبعادهم تقلص سلطة النحلاوي وترديها، كما أن الضباط الشوام الذين اعتمد عليهم لم يتدخلوا لإنقاذه، فكان ذلك مؤشرًا دامغًا على تدهور سلطة النحلاوي وسلطة النخبة الضيقة المحيطة به، وعمومًا انحسار قوة الضباط الشوام؛ ذلك لأن القيادة العامة للجيش، التي قرر المؤتمر تشكيلها، لم تضم سوى دمشقي واحد بين ضباطها التسعة 76. ويعدّ انتخاُبُ أعضاء المؤتمر، وعددهم 41 ضابطًا يمثلون قادة المناطق والألوية والإدارات للقيادة العامة، سابقةً في تسوية الانقسامات العسكرية - العسكرية؛ حيث جرت انتخابات لقيادة الجيش، تشكلت نتيجة لها القيادة العامة الجديدة، ووصفها زهر الدين قائد الجيش نفسه ب "بدعة "؛ "لأنه لم يسبق لأي جيش من جيوش العالم أن تنتخب قيادته انتخابًا" 77. وقد جرى منذ البداية، كما يظهر تحليلًا، أن المؤتمر قرر استبعاد النحلاوي ورفاقه الخمسة من المشاركة في المؤتمر، فلم يسجل لهم مشاركة، وحين تقرر إبعادهم وتسفيرهم على الفور وجدوا أنفسهم وحيدين. وخلافًا لطريقة حل أزمة عصيان قطنا في ربيع 1957؛ إذ تقاسمت الكتلتان المتنافستان مواقع القيادة مع بقاء قبضة ضباط كل منهما على الزناد، جرت تسوية أزمة حركة 28 آذار/ مارس بطريقة الانتخاب. ويستفاد من نتائج عملية التصويت، التي نشر زهر الدين تفاصيلها، نشوء ضغائن بين أعضاء المؤتمر؛ فقد ظلت الضغائن تتحكم في نظر القادة المنتخبين بعضهم إلى بعض، وفي تراجع الثقة فيما بينهم، ويشير تحليل الانتخابات إلى أن رئيس المؤتمر اللواء الجوي وديع مقعبري 2018-1924() لم يحصل على أكثر من 19 صوتًا بوصفه قائدًا لسلاح الطيران من أصل 40 ممن شاركوا في الانتخابات. ووجد رئيس الأركان اللواء نامق كمال نفسه محرجًا بسبب ترشيح غيره لرئاسة الأركان، وحصوله على أصوات متدنية؛ ما دفعه إلى الانسحاب، لولا تدخل قائد الجيش لصالحه. ولم يحصل ضابط على الإجماع سوى قائد الجيش زهر الدين، بينما حصل القادة الآخرون على أقل من النصف؛ حوالى 19 صوتًا، أو أقل من.30
خامسًا: النتائج على مستوى العلاقات العسكرية - العسكرية
1. بروز الكتلتين الجديدتين البعثية والناصرية أدت الأزمة الناتجة من انقلاب 28 آذار/ مارس 1962 إلى تغيرات كبيرة في الحياة السياسية - الاجتماعية في سورية، وفي سياقها حصلت تغيرات كبيرة في موازين القوى العسكرية المتربصة بعضها ببعض. وتدخلت الولايات المتحدة الأميركية لدعم النظام الجديد بعد مؤتمر حمص، بمنع الأردن من التدخل العسكري المباشر. فقد كانت أجهزة السفارات الأجنبية والعربية تتابع أحداث حركة 28 آذار/ مارس، وسط حالة غموض في المعلومات، حيث لم تشارك الولايات المتحدة الحكومة الأردنية استعدادها لتدخل عسكري مباشر في سورية يصل إلى دمشق، للحيلولة دون عودة عبد الناصر إلى سورية، وتهديد كيان المملكة الأردنية. فرأت أن هذا قد يعزز جنوح الرأي العام السوري نحو مصر، ونصحت الحكومة الأردنية بصرف النظر عن ذلك 78. وأبدت دعمها لمؤتمر حمص، وما انبثق منه من سياسات، وأبدت استعدادها لمواصلة الدعم الاقتصادي، وحتى الاعتراف بالحكومة الجديدة لو طلبت ذلك 79.
2. تفكيك مواقع قوة الضباط الشوام وبروز الكتلتين البعثية والناصرية
أما على المستوى العسكري، فقد اتبعت قيادة الجيش الجديدة سياسة منهجية في ضرب نفوذ الضباط الشوام، ووصلت هذه السياسة إلى حد يشبه عملية تطهير؛ حيث استبدلت بالضباط الشوام من قيادة الوحدات ضباطًا كارهين للضباط الشوام، ووصفهم زهر الدين بأنهم "لا يضمرون على دمشق وأهلها إلا الحقد والكراهية" 80. وبسبب الضربة التي تلقتها نخبة الضباط الشوام، غدا المسررح مفتوحًا أمام الكتلتين البعثية والناصرية، اللتين تدعي كلتاهما أنها وحدوية. وانقسم الضباط بينهما، لكن ساد انحلال في مركز قيادة الجيش نتيجة طريقة تشكيلها في مؤتمر حمص. وتضافر هذا الانحلال مع تجدد ازدواجية السلطة بين الجيش والحكومة المدنية. وحينما حاولت قيادة الجيش أن تجري، درءًا لحدوث انقسامات ومحاولات انقلابية جديدة، حركَةَ تنقلات، وإيفادات في بعثاٍتٍ تدريبية إلى الاتحاد السوفياتي، شملت اللواء زياد الحريري 1963–1929() قائد الجبهة تحت مظلة حركة تنقلات بين كبار الضباط، وإيفاد رؤوسهم في بعثة تدريبية إلى الاتحاد السوفياتي ، فإنه رفض تنفيذ الأمر، كما رفض بعض رؤوس الضباط الآخرين أوامر نقلهم، ولم يستطع قائد الجيش ولا قيادته أن يفعلوا شيئًا.
3. انحلال قدرة قيادة الجيش على القيادة
فقد الجيش السوري خلال هذه الفترة القوة البنيوية الأساسية لأي جيش، وهي قوة الانضباط، وتحول إلى كتل متصارعة يتربص بعضها ببعض وتتآمر للوثوب على السلطة على نحٍوٍ مكشوف، وغدا النظام أسير تناقضات و"تآمرات"، ظهر فيها "الجميع ضد الجميع"؛ ففقدت قيادة الجيش سيطرتها على الجيش نفسه، ولم تعد أوامرها تُطاع أو تُنفذ، وكانت شعبة المخابرات العسكرية ضد قوى الأمن الداخلي، التي تتبع لها الشعبة السياسية، وكان كل من زهر الدين وقائد قوى الأمن الداخلي، مطيع السمان، مشغولين بتصفية الحسابات بينهما: الأول بمحاولة التخلص من مركز القوة الذي كوّنه السمان بدعم من رئيس الحكومة خالد العظم - القدسي، بمحاولة إعادته إلى الجيش؛ والثاني باستخدامه تمسك القدسي- العظم به لتحدي زهر الدين، ورفض تنفيذ قرار قيادة الجيش. وعلى العكس من ذلك، انكشف التوتر بين زهر الدين والعظم، وجرت تصفيته بالوساطة. كان زهر الدين لا يحضر أي اجتماع للحكومة، إن لم يكن منعقدًا برئاسة رئيس الجمهورية، كما منع قادة المناطق من استقبال العظم في جولاته في المحافظات . وظهرت قيادة الجيش التي كانت منقسمةً وكأنها "لا تقيم وزنًا للسلطة المدنية" . وفي هذا السياق، كان النظام السياسي منذ بدايات عام 1963 يترنح بشدة، فحاول النحلاوي وبعض الضباط المبعدين التسلل من جديد إلى سورية في كانون الثاني/ يناير 1963، وتحريك بعض الوحدات التي كان على رأسها بقايا ضباط يدينون بالولاء له، لاعتقال قائد الجيش وإرغام القيادة على تنفيذ بقية مقررات مؤتمر حمص، إلا أن محاولته فشلت فشلًاذريعًا، لكنها عكست ترنح القيادتين العسكرية والسياسية للنظام برمته، وهو ما استغلته الكتلتان البعثية والناصرية بتوجيه الضربة القاضية إلى النظام بالقيام بانقلاب أبيض في 8 آذار/ مارس 1963، شكل مرحلة فاصلة، ليس في التاريخ السوري الحديث برمته فحسب، بل أيضًا على مستوى العلاقات العسكرية - العسكرية التي ظلت تحكمها البنية الانقسامية، ولكن غطاءاتها الأيديولوجية والسياسية هي التي تبدلت، وظلت البنية نفسها تشتغل، وتسودها الانقسامات والتكتلات والصراعات. وبقيت العلاقات العسكرية - العسكرية غير مستقرّة؛ بسبب ما اعتراها من انقسامات جهوية وأيديولوجية واجتماعية بدرجات متفاوتة حتى الفترة 1984-1983؛ إذ تفجرت آخر المشكلات الكبيرة في تاريخ الجيش السوري، وذلك بإخفاق المحاولة الانقلابية لقائد سرايا الدفاع، العميد رفعت الأسد، وانتهت بعدها إشكالية هذه العلاقات لتهبط إلى مستويات اعتيادية غير دالة.
خاتمة
لم يكن حدوث انقلاب عسكري في أيلول/ سبتمبر 1963 مفاجئًا؛ إذ كان الجميع يترقب حدوثه، غير أن التوقعات كلها ذهبت إلى أن السرراج سينفذ الانقلاب على خلفية احتدام صراعه مع المشير عامر، المفوض من عبد الناصر لحكم سورية. لكن ما حدث كان غير متوقّع؛ فالانقلاب لم يصدر من جماعة السرراج، بل من كتلة الضباط الشوام بزعامة النحلاوي، وسرعان ما تحول خلال أقل من 24 ساعة وإثر رفض عبد الناصر البلاغ رقم 9()، إلى انفصال سياسي بين الإقليمين الشمالي والجنوبي في الجمهورية العربية المتحدة، وعاد التلفزيون السوري لبث النشيد الوطني السوري السابق مع العلم السوري، وأقر عبد الناصر بعد أيام قليلة بالأمر الواقع. وفي أقل من شهر حصل النظام الجديد على اعتراف الدول به، وتولى السياسيون السوريون القدامى إعادة هندسة النظام الجديد، وحاول العسكريون والسياسيون تفادي ما حدث في مرحلة الشيشكلي من ازدواج للسلطة، بمحاولة بناء علاقة على أساس ما تشرحه نظرية التوافق في العلاقات المدنية – العسكرية في النظام الجديد. لكن انقسامات المؤسسة العسكرية وصراعاتها حالت دون ذلك. وأدت هذه الصراعات، إضافة إلى عوامل أخرى، إلى قيام الطرف الذي نفذ الانفصال بانقلاب ثاٍنٍ على انقلابه في 28 آذار/ مارس 1962، هدد بنشوب حرب عسكرية داخلية. غير أن مؤتمر حمص العسكري حاول معالجة ذلك، لكن هذه المعالجة جاءت مؤقتة؛ إذ استمر التأزم في العلاقات العسكرية – العسكرية داخل الجيش، ووصل إلى درجات مكشوفة، فقد فقدت قيادة الجيش قدرتها على السيطرة، وحصل انقلاب 8 آذار/ مارس 1963، في شكل انقلاب أبيض، وبدأت معه مرحلة جديدة من تاريخ سورية عمومًا، وعلى مستوى تاريخ علاقاتها المدنية - العسكرية وعلاقاتها العسكرية - العسكرية خصوصًا.
المراجع
العربية
باروت، محمد جمال. حركة القوميين العرب: النشأة – التطور – المصائر. دمشق: المركز العربي للدراسات الاستراتيجية،.1997 بشارة، عزمي. الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 توري، جوردون ه. السياسة السورية والعسكريون 1958-1945. ترجمة محمود فلاحة. ط 2. دمشق: دار الجماهير،.1969 البعث. بيروت: دار النهار الجندي، سامي.،.1969 حداد، غسان. أوراق شامية: من تاريخ سورية المعاصر، 1966-1946. عمان: مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية،.2001 حمداني، مصطفى رام. شاهد على أحداث سورية وعربية وأسرار الانفصال. ط 2. دمشق: دار طلاس،.2001 مذكرات أكرم الحوراني. القاهرة: مكتبة مدبولي الحوراني، أكرم.،.2000 الدندشلي، مصطفى. حزب البعث العربي الاشتراكي 1963-1940. ج 1. بيروت: دار الطبعة،.1979 زاوي، رابح وفارس لونيس. "فهم صيرورة العلاقات المدنية العسكرية من خلال مدخل نظرية التوافق." مجلة الناقد للدراسات السياسية. مج 4، العدد 1 (نيسان/ أبريل 2020.) فh يttps://bit.ly/3UGAxOG: الزغير، خلود. الجيش والسياسة في سورية (من 1946 إلى 1963:) التحالفات والصراعات والتصفيات. إسطنبول/ باريس: ميسلون للنشر،.2022 زهر الدين، عبد الكريم. مذكراتي عن فترة الانفصال في سورية ما بين 28 أيلول 1961 و 8 آذار 1963. بيروت: [د. ن].،.1968 زين العابدين، بشير. الجيش والسياسة في سورية 2000-1918(م:) دراسة نقدية. لندن: دار الجابية،.2008 السمان، مطيع. وطن وعسكر: قبل أن تدفن الحقيقة في التراب، مذكرات 28 أيلول 8-1961 آذار 1963. بيروت: دار بيسان،.1995 سيل، باتريك. الصراع على سوريا. ترجمة سمير عبده ومحمود فلاحة. دمشق: طلاس للدراسات والترجمة والنشر،.1986
الشعيبي، فوزي. شاهد من المخابرات السورية. لندن: دار الريس،.2000 طلاس، مصطفى. مرآة حياتي: العقد الأول 1958-1948. ط 4. دمشق: دار طلاس،.1997 عبد الكريم، أحمد. سنين خصبة وحصاد مر. بيروت: دار بيسان،.1994 يوميات دبلوماسي عربي. بيروت: دار بيسان ________._،.2006 عصاصة، سامي. أسرار الانفصال مصر.. وسوريا. القاهرة: مطبوعات الشعب،.1989 مذكرات العظم. ج العظم، خالد. 3، ط 3. بيروت: الدار المتحدة للنشر،.1973 فان دام، نيقولاس. الصراع على السلطة في سوريا: الطائفية والإقليمية والعشائرية في 1995-1961. ط 2. القاهرة: مكتبة مدبولي،.1995 الكوراني، أسعد. ذكريات وخواطر مما رأيت وسمعت وعرفت لندن: دار الريس،.2002 ماضي، عبد الفتاح. الديمقراطية والبندقية: العلاقات المدنية – العسكرية وسياسات تحديث القوات المسلحة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021
الأجنبية
Jankowski, James. Nasser's Egypt, Arab Nationalism and the United Arab Republic. Colorado: Lynne Rienner Publishers, 2002. Palmer, Monte. "The United Arab Republic: An Assessment of Its Failure." Middle East Journal. vol. 20, no. 1 (Winter 1966). Podeh, Elie. The Decline of Arab Unity: The Rise and Fall of the United Arab Republic. Brighton: Sussex Academic Press, 1999. Schiff, Rebecca L. "The Military and Domestic Politics: A Concordance Theory of Civil–Military Relations." Armed Forces & Society. vol. 22, no. 1 (Fall 1995).