"الحراك الجزائري: نظرة إلى الخلف على حركة احتجاجية غير مسبوقة"
.Le hirak algérien: Retour sur un mouvement contestataire inédit عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: الحراك الجزائري: نظرة إلى الخلف على حركة احتجاجية غير مسبوقة. المحررون: سليم شنة Salim Chena وعبد النور بن عنتر Abdennour Benantar ولويزة إدريس - آيت حمادوش.Louisa Dris-Aït Hamadouche سنة النشر:.2024 الناشر: دار نشر لارماتان.L'Harmattan عدد الصفحات:.141
The Algerian Hirak: A Look back at an Unprecedented Protest Movement
مقدمة
يُخبرنا التاريخ أن ثمة لحظات فارقةً في تجارب الشعوب، تتّحد فيها صفوف الشعب، مطالبة بزعزعة الثابت المستقر مهما طال استقراره؛ وكذلك تُخبرنا الحالة الجزائرية. فبعد سنوات من الترويج لسرردية مناعة نظام الحكم الجزائري ضد الانتفاضات الشعبية، جاءت رسالة وجّهها الرئيس الجزائري السابق، عبد العزيز بوتفليقة، إلى الشعب الجزائري في 10 شباط/ فبراير 2019 1، معلنًا فيها عن ترشّحه لعهدة خامسة، فكان هذا سببًا في تأجيج احتجاجات، سرعان ما تحوّلت إلى حراك شعبي "غير مسبوق"، قضّ مضجع نظام بوتفليقة نفسه 2؛ إذ انطلقت مسيرات عارمة، تجوب شوارع المدن الجزائرية وساحاتها، لتقوّض صورة البلد الذي طالما وُصف بأنه "رمز للاستقرار السياسي واﻷمني في المنطقة" 3. انتقلت عيون العالم نحو الجزائر، تتابع مسيراتها الأسبوعية التي اتّسمت، خلافًا لما عرفه العالم العربي خلال ثورات "الربيع العربي"، بسلمية فريدة، وصارت أيام الجمعة موعدها الرسمي، في ما سُمّي لاحقًا "الحراك." استمرت مسيرات الحراك، من شباط / فبراير 2019 إلى آذار/ مارس 2020، حيث توقفت مع تفّش يجائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-.) وتحوّل اهتمام باحثين في العلوم الاجتماعية إلى هذا الحدث غير المسبوق، خاصة أن دراسة الثورات العربية ماع ف ياهتيادب تناكو، يثنحابلل لاغًاااش لاغًااش تلثّم ةقطنلام تلاوّحتو 2011. وقد تمظهر الاهتمام بالحالة الجزائرية في عدد من الإصدارات التي حاولت الإجابة عن أسئلة طُرحت من عدة جوانب حول سياقات نشوب الحراك وأسبابه وسيرورته ومآلاته. في مطلع عام 2024، صدر عن دار نشر لارماتان الفرنسية كتاب جماعي، بعنوان الحراك الجزائري: نظرة إلى الخلف على حركة احتجاجية غير مسبوقة، وهو الكتاب الذي بين أيدينا في هذه المراجعة، حرّره سليم شنة وعبد النور بن عنتر ولويزة إدريس-آيت حمادوش، يجمع مساهمات متعددة الاختصاصات لباحثين في العلوم السياسية والعلاقات الدولية وعلم الاجتماع وعلوم الإعلام والاتصال وغيرها. وقد حاول المساهمون فيه فحص سياقات نشوب الحراك وناشطيه ودينامياته وأبعاده السياسية والاجتماعية والرمزية، فضلًاعن رهاناته ومآلاته وأثره في الانتقال الديمقراطي في الجزائر. تقدم هذه المراجعة فحصًا لأبرز أطروحات هذا الكتاب، لكنها تسعى أيضًا لتتبع أوجه التقاطع بينها وبين بعض (وليس كل) الأطروحات الواردة في كتاٍبٍ آخر ذي صلة، صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بعنوان حراك 22 فبرراير 2019 في الجزائر: انتفاضة واحدة ومقاربات شتى، حرّره محمد حمشي، وساهم في كتابة فصوله باحثون من خلفيات أكاديمية مختلفة. وُتُقسم المراجعة، بحسب أطروحات الكتاب، ثلاثة محاور رئيسة: 1. أصول الحراك وطبيعته وأشكال تعبئته، 2. استراتيجيات النظام الجزائري في احتواء الغضب الشعبي، قبل الحراك وفي أثنائه وبعده، 3. تحديات التغيير في الجزائر ورهاناته.
أولًا: أصول الحراك وطبيعته وأشكال تعبئته
بعد أكثر من خمس سنوات من حلول اللحظة الفارقة التي "شكل [فيها] ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة، قادحًا لنشوب حراك 22 فبراير 2019 في الجزائر[...]والتعبئة الاجتماعية وانبعاث المجتمع المدني" 4، ما زال الحراك يفرض أسئلة بحثية، أهمها سؤال صمود النظام الجزائري أمام رياح الربيع العربي واستحواذه طويلًا على شرعية جعلته يبدو حصينًا ومنيعًا من أي تهديد باحتجاجات شعبية تُعكّر صفوه. يأتي الفصل الأول من كتاب الحراك الجزائري، "كيف ساءل الحراك قدرة النظام السياسي الجزائري على الصمود؟" (ص. 11-30)، لُيُلقي الضوء على أزمة الشرعية التي شهدها النظام الجزائري خلال السنوات الأخيرة من حكم بوتفليقة، والتي تفاقمت تحت وطأة السلطوية وتفّش يالفساد والزبونية، علاوة على انكشاف الحجب على حقيقة أن الرئيس العليل لم يَعد هو المتحكم الحقيقي في سدة الرئاسة. تشرّح حمادوش في هذا الفصل الطابع غير المسبوق للحراك من حيث تأثيره وديمومته وسلميته. وتحاج بأن الحراك تمكّن من تقويض مسّلمّات الشرعية التاريخية والثورية التي يدّعيها النظام، فقد استطاع المحتجون إنهاك الموارد الاقتصادية والرمزية والبشرية التي كان النظام يوظفها منذ عام 1962 للحفاظ على سلطته ومطواعيته في وجه رياح التغيير. تُعرّف حمادوش المطواعية Resillience، في هذا السياق، بأنها "القدرة، بصرف النظر عن المجال، على مجابهة الصدمات من خلال امتصاصها والتكيّف معها" (ص. 12)
فمن خلال تبنّيهم رموز ثورة التحرير الوطني (أو حرب الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي)، تمكّن المحتجون، المشاركون في الحراك 5، من فرض أنفسهم امتدادًا للنضال من أجل التحرر، وخصوصًا أنه قد تعزّزت صفوفهم بالتحاق شخصيات وطنية ذات حمولة رمزية قوية في الذاكرة الوطنية الجزائرية، ممن مثّلوا جزءًا من ذاكرة ثورة التحرير، مثل جميلة بوحيرد ولخضر بورقعة وغيرهما (ص. 21) وتقول حمادوش في هذا الصدد: "إن جيل حراك شباط/ فبراير 2019 يتصوّر نفسه، عن وعي، وريثًا لجيل تشرين الثاني/ نوفمبر 1954 [أي جيل ثورة التحرير المظفرة]، وقداسة النضال من أجل الحرية هي بالنسبة إليه استمرارية لقداسة النضال من أجل الاستقلال" (ص. 29) وبذلك، تمكّن الحراك من افتكاك السرردية التي يستمدّ منها النظام شرعيته، لينسبها إلى نفسه، وليفرض صورته البديلة من صورة فرضها النظام طويلًا. على المنوال نفسه، تشير حمادوش أيضًا إلى أن النظام لم يقف مكتوف اليدين، بل لجأ، كالمعتاد، إلى محاولة تقويض الحراك، من خلال تبني خطاب أمني مثير للمخاوف بشأن استقرار البلاد. على الرغم من نجاح هذه الاستراتيجية طويلًا، أي اللعب على وتر المخاوف الجمعية لدى الشعب الجزائري، فإن الطابع السلمي للحراك حال دون نجاحها هذه المرة، وقد ظهر ذلك جليًا في شعاراته، من قبيل "سلمية، مطالبنا شرعية" (ص. 23)؛ ما أفشل محاولات استحضار شبح العنف والترهيب منه من خلال استدعاء ما يُسمّى في الجزائر "العشرية السوداء"، أي تسعينيات القرن العشرين التي شهدت اضطرابات أمنية واسعة تحت وطأة الاقتتال بين الجماعات الإسلامية المسلحة وقوات الجيش والأمن الجزائرية في أعقاب إلغاء مسار انتخابات عام 1991. وهذا ما ذهب إليه أيضًا محمد حمشي وعبد النور بن عنتر في فصلهما "حراك 22 فبراير 2019 وانتفاضات الربيع العربي: حدود سردية الاستثناء الجزائري؟" في كتاب حراك 22 فبرراير 2019 في الجزائر 6، حيث بيّنا أن الحراك أراد أن ينأى بنفسه عن الثورات العربية الأخرى، وأن تكون السلمية نعتًا لازمًا له حتى لا تُرفع "فزاعة الحرب الأهلية وحتمية انهيار الدولة[...]بما أن المحتجين كانوا واعين باستراتيجية تفويت الفرصة على السلطة، كي لا تستغل عنف الاحتجاج في إضفاء الشرعية على العنف المضاد، لقمع المسيرات من ناحية، وتأجيل مطالبها من ناحية أخرى" (ص. 60)، وبيّنا في هذا الصدد أيضًا أن ما ميّز الحراك كذلك هو سلامته من الانقسامات المتعددة، على الرغم من محاولة السلطة تأجيجها؛ وهو ما أشارت إليه من جهتها حمادوش في فصلها المذكور في كتاب الحراك الجزائري، حين أشارت إلى أن النظام علاوة على تبنّيه خطابًا مثيرًا للخوف والريبة من نتائج وخيمة قد يُسبّبها الحراك على أمن البلاد، سعى لإضعافه عن طريق التفرقة والوصم والتهميش والشيطنة، فتقول: "بقيت الحجة الأمنية حاضرة منذ 22 شباط/ فبراير 2019 من خلال خطاب الشيطنة والتفريق، فقد وُصف الحراكيون بالهمجيين وبالشرذمة وبالمغرر بهم، وبأنهم يشكلون تهديدًا للوحدة الوطنية" (ص. 15) لم يسائل الحراك الجزائري الشرعية الرمزية والثورية للنظام فحسب، بل عمل كذلك على تفكيك سرديته والحيلولة دون انتشارها، مشكّلًابذلك حاجزًا بينها وبين الهيمنة في الفضاء العام، والاستمرار في الاستبداد في مخيال الجزائريين. كما عمل على تجريد الخطاب بشأن التدخل الخارجي من سطوته، الذي اسُتُخدم منذ ثورات عام 2011 العربية مطيّةً لإقناع الجمهور بضرورة استتباب الأمن ضد كل مؤامرة خارجية. في الواقع، لطالما حضر هذا التهديد في خطابات رموز السلطة في الجزائر، وظهر ذلك جليًا في تعاملهم مع ما يحدث في البلدان العربية من ثورات وانتفاضات، وعلى رأسهم الرئيس بوتفليقة نفسه، حين قال في أواخر ربيع 2012: "أنا واثق من أن شباب الجزائر، الذي تخرّج بالملايين من المدرسة الجزائرية، الواعي المتفتح على عالم المعرفة الحديثة وتكنولوجيات الاتصال، المدرك لتحديات العولمة ومخاطرها، سيتصدّى لمن يتربّص بالبلاد شّرًا، وأنا واثق من أنه سيتصدّى لُدُعاة الفتنة والفرقة وحسابات التدخل الأجنبي" 7، ومن هنا يقفز السؤال مُلحًا: منذ متى اعتبر شباب حراك 22 فبراير 2019 "شرذمة" و"مغرّرًا بيهم" (ص. 15) الحراك الجزائري يدافع عبد النور بن عنتر في فصله في كتاب، "الجزائر: الخطاب عن الخارج وعدم التدخل خلال الحراك")، عن هذه الأطروحة، مفرّس (ص. 85-106)ًا عدم قدرة النظام هذه المرة – أي خلال احتجاجات الحراك – على استخدام خطاب التخوين والتخويف من التدخل الخارجي لتجريد مطالب المعارضة من شرعيتها. صحيح أنه كان يكفي استحضار التدخل الخارجي لتأمين اللعبة السياسية الداخلية من خلال أمثلة ليبيا أو اليمن أو سورية، علاوة على أن الخارج "ُيُحيل في المخيال السياسي الجزائري إلى الخطر، وإلى انتشار العداوة. فأعداء الجزائر هي عبارة بديلة وصريحة مما يمثّله الخارج لدى الجزائريين" (ص. 86)؛ لكن الطابع غير المسبوق للحراك، وكما يُعَّب ر عنه في عنوان الكتاب، وقف في وجه هذه الاستراتيجية وأحبط نجاحها. فلم تعد سردية الغيرية المتربّصة بالبلاد
بالنجاعة التي كانت عليها غداة سنوات التسعينيات، وتمكّن الحراك من استمداد قوّته من موارده الداخلية، متجاوزًا هاجس "الفزّاعة الخارجية"؛ بل أكثر من ذلك، فقد تمكّن أيضًا من الإيقاع بالنظام في تناقضاته، في ما يخص العلاقة المزدوجة مع الخارج. ففي الوقت الذي كانت السلطة السياسية تُحذّر من الأيادي الخارجية، حاولت الاستقواء بالخارج لردع الاحتجاجات من خلال الجولة الأوروبية التي قام بها وزير الخارجية رمطان لعمامرة، في آذار/ مارس 2019، في انتهاك واضح للموقف السيادي الجزائري. يذكر بن عنتر أنه "منذ بداية الانتفاضة الشعبية، رفعت السلطة الفزّاعة المعتادة: المؤامرة والأيادي الخارجية، خاصة التدخل الخارجي. لكن، بين الفترة الفاصلة بين نشوب الحراك في 22 شباط/ فبراير 2019 واستقالة عبد العزيز بوتفليقة في 2 نيسان/ أبريل 2019، كانت السلطة هي من تعوّل على الخارج، لتتمكّن من الحفاظ على موقعها. وهو ما تُبيّنه مهمة رمطان لعمامرة في العواصم الأوروبية[...]بالنسبة إلى المتظاهرين، عّب رت مواقف فرنسا والولايات المتحدة الأميركية عن دعمهما للسلطة في وجه الإرادة الشعبية، وهو ما مُيّ ثّل تدخلًافي الشؤون الجزائرية" (ص. 99) ما يمكن أن يُعّب رعنه موقف الحراكيين، من خلال شعاراتهم الرافضة لهذه السياسة الخارجية المزدوجة الخطاب، هو فقدانهم الثقة بخطاب السلطة وتجريدها من شرعيتها ومكانتها. ما مُيّ يّز الحراك الجزائري، من جهة أخرى، هو تجاوز حركته جغرافيًا الجزائر الأم، لتشمل الجزائريين في المهجر. وهو ما بيّنه ديديي لوساوت في فصله في كتاب الحراك الجزائري، "مراقبة حراكي المغرب والجزائر في فضاء المهجر: التزامات متعددة الأبعاد وُبُنى مكانية" (ص. 107-126)، الذي يقارن فيه بين حراك 22 فبراير 2019 في الجزائر، وحراك 20 فبراير 2011 وحراك الريف في المغرب وامتداداتهما في المهجر. ويتواصل ذلك مع أطروحته في الفصل الذي قدّمه في كتاب حراك 22 فبرراير 2019 في الجزائر، "الحراك هنا وهناك: قراءة في الاحتجاج في سياق الهجرة بوصفه استثناء جزائريًا"؛ حيث قارن بين الحراك الجزائري والثورات التي عرفها العالم العربي من ناحية فضاء احتجاجاتها، ليستنتج أن هذا الحراك كان "هنا وهناك" مُشِّكّالًاحالةً فريدةً، يتشابك فيها المحلي والعابر الوطن. تأتي هذه الفرادة في توسع التحركات على مجالات جغرافية متعددة. ويحاول لوساوت الإجابة عن سؤال تأثير الفضاء بوصفه بنية تحدد الأفعال التي تحدث فيها وتتحدّد من خلالها، في الاحتجاج وقوّته التنظيمية، إضافة إلى الموارد التي يوفرها؛ فانطلق من المستوى الوطني، ليفحص انتشار الحراك على مستوى الأقاليم الوطنية، ثم مضى بتحليله إلى المستوى العابر الأوطان، لُيُبّي نكيف تمكّنت الحراكات الثلاثة من تعبئة الجاليات المغربية والجزائرية في فرنسا، فيقول في فصله في كتاب الحراك الجزائري: "في عام 2019، ساهم الجزائريون المتظاهرون في باريس والعديد من المدن الفرنسية في تأجيج الاحتجاجات، في تزامن مع أبناء وطنهم في الجزائر" (ص. 119) وإن عّب رذلك عن شيء، فهو يُعّب ر عن حدود قدرة الأنظمة على فرض هيمنتها في حال وجود مهجر "يوفر" هامشًا أكبر للحرية، يتمكّن فيه المهاجرون من التعبير عن ارتباطهم ببلدانهم، فيتحوّلون إلى موارد مساعدة، تُضاف إلى سجل Répertoire الحركات الاجتماعية التي تحدث ضمن النطاق الوطني وهذا ما أشار إليه أيضًا سليم شنة، في فصله في كتاب الحراك الجزائري، "الحراك من دون حرقة: الرهان السياسي للهجرات في الجزائر منذ عام 2019" (ص. 69-84)، موضحًا أن الشتات الجزائري، خاصة في أوروبا وأميركا الشمالية، قد عزّز التضامن العابر الحدود. وإضافة إلى مساهمة مهاجرين في خارج البلاد، يعتبر عامل الحركية Mobility عمومًا، داخل البلاد وخارجها، عاملًامساعدًا في تأجيج الحراك أكثر فأكثر، حيث "لم يكن من الضروري التنقل بأعداد كبيرة للمشاركة في المظاهرات بالفضاء العام خلال الحراك فحسب، بل كان من الضروري أيضًا خلق شكل من التضامن العابر الأقاليم، لجعل الاحتجاج المناهض للعهدة الخامسة حركة اجتماعية دائمة بمعنى الكلمة" (ص. 79) يحاول شنة أيضًا تحليل مكانة الهجرة في الحراك في مستويات عدة، ليس من جهة مشاركة المهاجرين الجزائريين في الحراك خارج حدود الوطن وتأثيرهم فيه فحسب، بل تطرّق أيضًا إلى جنوح الخطاب السياسي، وحتى الأكاديمي في بعض الأحيان، إلى اختزال ظاهرة الهجرة واعتبارها نتيجة للانسداد السياسي في البلاد. وقارن البيانات الكمية بشأن موجات الهجرة بين السنوات السابقة للحراك والسنوات اللاحقة له، ليؤكد الشكوك في هذا الارتباط السببي، الذي صار يُستخدم سياسيًا لحساب النظام الحاكم.
ثانيًا: استراتيجيات النظام الجزائري في احتواء الغضب الشعبي قبل الحراك وفي أثنائه وبعده
علاوة على ما بيّنته حمادوش من محاولة النظام احتكار الفضاء الرمزي والثوري لمجابهة الاحتجاجات، يُبّي نلويس مارتينيز في فصله في كتاب الحراك الجزائري، "حوكمة جديدة لإنهاء الزبونية والتحّولّات الاجتماعية" (ص. 31-50)، أن السلطة الجزائرية حاولت كذلك طوال السنوات التي تلت تأجج الثورات العربية – أي قبل نشوب الحراك – شراء السلم الاجتماعي، مستخدمة الريع لتغذية علاقات الزبونية
عبر عملية إعادة توزيع انتقائية؛ فقد "أنفقت الحكومة، لاحتواء الاحتجاجات، من دون حساب حتى، استجابة لمعظم المطالب الاجتماعية"، بما في ذلك رفع أجور الموظفين والمتقاعدين (ص. 35) خلال عهد الرئيس بوتفليقة، استند استقرار النظام الحاكم إلى ثنائية إعادة توزيع الريع النفطي وولاء الجماعات المنتفعة، مثل المنظمات والنقابات والإعلام غير النزيه، وهو ما بينه مارتينيز: "ارتكز استقرار النظام السياسي تحت قيادة عبد العزيز بوتفليقة 2019-1999() على ركيزتين: إعادة توزيع عائدات النفط وولاء جماعات المصالح [...]وقد مكّنت الوفرة المالية بين عامي 2003 و 2013 من استعادة الشبكات الأساسية لاستقرار النظام، حيث كان جهاز بوتفليقة السياسي الذي ارتكزت عليه جماعات المصالح واسعًا، ضمّ أحزابًا سياسية، مثل جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، إضافة إلى المركزية النقابية والاتحاد العام للعمال الجزائريين[...] وتحصّل لوبي المجاهدين القدامى مع المنظمة الوطنية للمجاهدين 8 على ما يقارب ثلاثة أضعاف تحويلات تقدّر ب 900 مليون دولار في عام 2000، لتنتقل إلى 2.3 مليار في عام 2013، واستفاد منتدى رؤساء المؤسسات الداعم القوي للرئيس بوتفليقة من مساعدات الدولة، إما عن طريق الوكالة الوطنية لتطوير الاستثمار، وإما عن طريق الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب[...]وهو منتدى يمثل 97 في المئة من الكيانات الاقتصادية[...]التي أنشأ 76.6 في المئة منها خلال فترة حكم بوتفليقة. [ويظهر ولاء موظفيها] للسلطات العمومية في غياب الشفافية عن المناقصات العمومية" (ص. 34-35) سمح ذلك كله بتمكين هذه الجماعات من مفاصل الدولة، من خلال تسهيل ولوجهم إلى المناقصات العمومية، وهو ما طوّر أوليغرشيا مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالسلطة السياسية، وهكذا حافظ النظام على سيطرته التي سرعان ما انهارت مع تزايد إحباطات الشريحة الشبابية المتعلمة التي "دفعت ثمن فشل التنمية الاقتصادية للبلاد" (ص. 32) يُبّي نمارتينيز كذلك أن النظام، وللحدّ من عواقب انخفاض مستوى أسعار النفط، انتهج إصلاحات تلَّخَصت في محورين رئيسين (ص. 32): أولًا، الحفاظ على استمرارية الآلة التوزيعية الأوليغارشية؛ و ثانيًا، إخفات الأصوات المعارضة التي بدأت بالتعالي؛ فقد "خصصت الحكومة جزءًا مهمًامن المصاريف للتحويلات الاجتماعية في قانون مالية عام 2022، قُدّر ب 19 في المئة من الميزانية الوطنية، كما أحدث [الرئيس الحالي] عبد المجيد تبّون منحة، في شباط/ فبراير 2022، مخصصة للعاطلين عن العمل بين عمر 19 و 40 عامًا، وهي فئة شملت أكثر من 1.9 مليون شخص. وقد تضافرت الأخيرتان في الوقت نفسه مع تبني خطاب مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين. لكن في الواقع لم تكن هذه القرارات الإصلاحية سوى مطيّة لَيَعُب ربها النظام الجزائري إلى برّ الأمان، بعد تعكّر الأجواء نتيجة للربيع العربي، ف "اليد الخفية"، على حد تعبير مارتينيز، استمرت في تحريك خيوط اللعبة في الظل، من خلال الحفاظ على الموالين له واستبقاء ولائهم. وهو ما بيّنه كذلك خالد منة ورضا حمزة بوجانة في فصلهما في كتاب حراك 22 فبرراير 2019 في الجزائر، "الاقتصاد السياسي للانتقال الديمقراطي في الجزائر: حسابات الحقل ومآلات البيدر"، من خلال الإشارة إلى فشل الحكومة في تنويع اقتصادها والتضييق على الاستثمارات الأجنبية واستشراء الفساد. حين بدأت المظاهرات في الاتساع، رفضًا للعهدة الخامسة، وأبانت المقاربة الاقتصادية القائمة على شراء السلم الاجتماعي عن محدوديتها، اتّجه النظام نحو منصّات الإعلام الموالي له، لترداد دعايته والحطّ من شأن الحراك، سعيًا لتطويق انتشاره. في هذا السياق، يرسم فصل شريف إدريس في كتاب الحراك الجزائري، "الإعلام الجزائري والحراك: السرردية والسرردية المضادّة لانتفاضة شعبية (شباط/ فبراير - كانون الأول/ ديسمبر 2019") (ص. 51-68)، بانوراما منوعة للإعلام الجزائري العربي والفرنكفوني، الخاص والعمومي، وكيف تطوّر خطابه منذ بداية الحراك، من الإنكار إلى الاعتراف. ومن خلال تقاطع دراسة الصفحات الأولى من الصحف اليومية وتصريحات مسؤوليها، تتبّع إدريس تطوّر المواقف المتعلقة بالحراك طوال شهور الاحتجاج، لُيُقسمها في استنتاجاته إلى إنكار في البداية، حيث تجاهلت وسائل الإعلام العمومية والخاصة الاحتجاجات المندّدة بالعهدة الخامسة، ثم اعتراف تدرّجي، حيث بدأ الإعلام في هذه المرحلة بإنصاف الحراك، نسبيًا، والاعتراف بمطالبه، وصولًاإلى تملّك الحراك جزءًا من الصحافة، حين انتشرت شعارات من قبيل "العصابة، يتنحاو قاع، ماكاش الخامسة يا بوتفليقة" (ص. 60) (أي، "يجب أن ترحل العصابة كلها، ولا عهدة خامسة يا بوتفليقة.)" في السياق نفسه، يذهب يامين بودهان في فصله في كتاب حراك 22 فبرراير 2019 في الجزائر، "تحّولّات المجال الإعلامي في الجزائر زمن حراك 22 فبراير 2019"، إلى أن تبنّي الإعلام الجزائري للحراك شاَبَه التردّد والغموض: "اتّسمت علاقة الإعلام في الجزائر بالحراك الشعبي بالتباين وعدم الوضوح منذ بداياته الأولى. ويمكن تقسيم التجاذبات التي مرّت بها تلك العلاقة إلى مراحل متعددة، لكنها كلها لم تؤيّد الحراك تأييدًا مطلقًا، وذلك بسبب تبعية المؤسسات الإعلامية للسلطة السياسية القائمة، وعجزها عن التملّص من الرقابة الشديدة التي ت مارسها أطراف السلطة على الصحافيين وأصحاب وسائل الإعلام، سواء تعلق الأمر بالإعلام الحكومي الذي يخضع بطبيعة الحال
تنظيميًا وإجرائيًا لوزارة الاتصال، أم بمؤسسات الإعلام الخاصة، مثل الصحف والقنوات التلفزيونية التي لا يحظى الكثير منها باعتماد رسمي لممارسة النشاط الإعلامي في الجزائر، لذلك فهي تشتغل من موقع ضعف، وتحاول التقرّب من دوائر السلطة لتحظى بنصيب من ريع الإعلانات، وهو مسوّغ وجود غالبيتها" 9. ولئن مثّلت المنصّات الإعلامية مصدحًا للنظام، تترجم استراتيجيته في التشبث بالهيمنة، فقد جاء خطاب الجيش في أثناء فترة الحراك، وهو الذي أدار المرحلة الانتقالية التي تلت استقالة بوتفليقة، متبنّيًا "سردية خطابية شعبوية عملت من خلالها [المؤسسة العسكرية] على بناء معنى مشترك للسياسة، من أجل توسيع نفوذها والتأثير في سلوك الحراك، وإعادة تشكيله، فضلًاعن إدارة تطلّعاته والحدّ من البدائل الممكنة" 10. وكانت النتيجة "استقطابًا حاًّدًا في الحراك الشعبي، أحبط آمال الانتقال الديمقراطي، ومن ثم حافظ النظام القائم على بقائه" 11. جاء خطاب الجيش فارضًا صورة واحدة للممكن، وهو الاتفاق على حتمية إجراء الانتخابات الرئاسية في أقرب وقت ممكن 12. وقد خلق "علاقة متخيّلة خطابيًا بين رافضي الحوار وخريطة طريق الانتخابات، من حراك شعبي ونخب سياسية، وحتى من نخب أكاديمية، وبين العصابة في الداخل من ناحية وأطراف خارجية معادية للوطن من ناحية أخرى" 13.
ثالثًا: تحديات التغيير في الجزائر ورهاناته
تشير حمادوش إلى أنه على الرغم من تمكّن الحراك من تثبيط مناعة النظام الجزائري وصموده على نحو غير مسبوق، من خلال افتكاك شرعيته التاريخية وتقليص وسائل إعادة إنتاجه، فإن ذلك لم يكن كافيًا لإطاحة النظام كلّيًا؛ فقد تمكن الجهاز الأمني من تحصين المجال السياسي وقمع المحاولات المنادية بتغير جذري، وذلك ما يسمح بالقول إن الحراك لم يبلغ فعليًا التغيير المنشود، واقتصرت النتائج على تحّولّات أو إصلاحات أبقت الوضع القائم تقريبًا كما هو. في هذا السياق، يوافق كمال جعلاب 14 ن حمادوش في ما ذهبت إليه، وُيُبّي أن السلطة السياسية انطلقت بمفردها، في إصلاح المسار الدستوري؛ ما حال دون وصول مستواه إلى العمق المنشود الذي يسمح بإطاحة المنظومة الدستورية القديمة. فقد أعاد النظام إنتاج نفسه؛ فبقي مسار الانتقال الديمقراطي متعثرًا، حيث تحوّلت مطالب الحراك إلى مُخرجات "تخدم بقاء التسلّطية واستمراريتها، وبدلًامن الاستجابة لمطالب الحراك بتبني إصلاحات عميقة تؤسس الجمهورية الجديدة وتنطوي على تغيير كلي لجزء كبير من القيادات، اكتفت باستبدال قيادات بقيادات أخرى من الخلفيات نفسها الموالية للسلطة" 15. ومن الناحية الاقتصادية، فضلًا عن إشارته إلى حدود المقاربة الاقتصادية التي تعتمدها الجزائر، يقدم مارتينيز تحليلًاللإصلاحات الاقتصادية المقترحة غداة الحراك. ومن وجهة نظره، "ُتُطرح مسألة الإصلاحات الضرورية للاقتصاد الريعي عند كل أزمة نفطية[...] وعند ارتفاع أسعار النفط، تركز السلطة جهودها على إعادة توزيع الثروة عوضًا عن استثمارها" (ص. 45) وينقد مارتينيز هذه السياسة الاقتصادية ويواصل نقده، ليشمل القرارات الإصلاحية الرامية إلى الانفتاح على السوق العالمية من خلال جذب الاستثمارات ودمج الاقتصاد الجزائري فيها، علاوة على التركيز على الجوار المغاربي في السياسة الخارجية. وُيُقرّ مارتينيز أنه على الرغم من وجود هذه النيّات الإصلاحية، فإنها واقعيًا تصطدم بقدرة غير فعلية للسلطة في التحوّل نحو هذا الانتشار الاقتصادي الدولي المنشود، إضافة إلى أن الإرث الدبلوماسي للجزائر مع البلدان المغاربية لا يُعدّ عاملًامساعدًا في إنجاز هذا الإصلاح. وبناء عليه، يدعو مارتينيز إلى إعادة تأسيس حوكمة فعلية تتطلب بداية إنهاء علاقات الزبونية، ومن ثم الاستثمار في القطاعات الإنتاجية وتحرير الطاقات الريادية وتعزيز الشفافية والمساءلة على الصعد كلها، لتقف سدًا منيعًا في وجه المحسوبية. وللوصول إلى ذلك، لا بد من إصلاح مؤسسي عميق في ذهنية النخب السياسية، تتضافر معه مواكبة اجتماعية واسعة لتخفيف الآثار على الخاسرين في هذه المعادلة الجديدة، أولئك الذين لطالما استفادوا من الريع والتوزيع الزبوني.
خاتمة
يقدم الكتاب، موضوع هذه المراجعة، مساهمة مركبة ونوعية في فهم حراك 22 فبراير 2019 في الجزائر، من خلال مقاربة متعددة الاختصاصات، تسمح بوضع هذه الحركة الاحتجاجية في سياقها التاريخي والسياسي والاقتصادي. لقد مثّل تضافر زوايا النظر في الكتاب محاولة طموحة لفك شيفرات حدث غير مسبوق عرفته الجزائر، وللوقوف على فرادته وأبعاده الرمزية والهوياتية وغيرها، من دون إغفال التحديات والرهانات التي يمر به الانتقال الديمقراطي في الجزائر، خاصة بعد أن أ جهضت آمال التغيير الجذري وحصرت التحّولّات في إصلاحات لا تزال محدودة من حيث نجاعتها، خصوصًا في المجال الاقتصادي. ويوسّع الكتاب بؤرة النظر إلى الحراك بطريقة متماسكة، بعيدًا عن الوقوع في التشظّي، ويدعونا إلى أن نعي الحراك ليس بوصفه حدثًا سياسيًا فحسب، بل بوصفه أيضًا حدثًا له آثار اجتماعية غير مسبوقة، منها إعادة تشكيل تمّثلّات السلطة السياسية لدى المجتمع الجزائري الذي ظهر جليًا في فقدان الخطاب السياسي نفوذه عليه. يمكن القول إن كتاب الحراك الجزائري: نظرة إلى الخلف على حركة احتجاجية غير مسبوقة ليس مجرد توثيق للحظة فريدة في تاريخ الشعب الجزائري المعاصر، بل هو دعوة إلى التفكر مجدّدًا في الحركات الاجتماعية والاحتجاجية ومساراتها، وفي الانتقال الديمقراطي، وفي صمود الأنظمة السياسية السلطوية، مدنية كانت أم عسكرية. وإعادة التفكر هذه لا بد من أن تكون مقرونة بالوعي بأن الثورات هي مسارات غير معزولة عن واقعها بما أنها وليدة كرّ وفرّ، وتقدم وتراجع، ولا تعني فيها الإخفاقات هزيمة مطلقة 16.
المراجع
العربية
حراك 22 فبرراير 2019 في الجزائر: انتفاضة واحدة ومقاربات شتى. محمد حمشي (محرر.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023
الأجنبية
Bayat, Asef. Revolution without Revolutionaries: Making Sense of the Arab Spring. Redwood City, CA: Stanford University Press, 2017.