العنف الإبستيمي للنظريات الوضعية في العلاقات الدولية: التحرر من القصة الواحدة **
الملخّص
This study explores epistemic violence afflicting the field of international relations and the way it relates to Eurocentrism. It probes the consequences this has had for international relations theories, revealing blind spots regarding states of the South. It challenges the Western narratives and perspectives that dominate international relations whilst demonstrating there are voices and theories in the South that have been historically silenced and marginalized in that discipline. The study poses the following key questions: What are the mechanisms by which epistemic violence is exercised against the Global South? What are its implications for positivist theories? How is epistemic violence to be overcome? In its analysis and response to these questions, the study employs the methodology of discourse analysis to clarify the position of countries of the South in the discourse of international relations and positivism. As well, it makes use of the concept of epistemic violence to understand the mechanisms of action of epistemic hegemony in this discipline, and the concept of epistemic disobedience to propose a method by which to disengage from this hegemony with focus on examples from the Arab world. The study concludes by highlighting the importance of epistemic disobedience for research methods as a basic instrument for crafting policies to make international relations global in terms of issues, substance, and knowledge.
The Epistemic Violence of Positivist Theories of International Relations: Breaking Free of the Single Narrative
تسعى هذه الدراسة للبحث في العنف الإبستيمي الذي اعترى حقل العلاقات الدولية وعلاقته بالمركزية الغربية، ومآلات ذلك على نظريات العلاقات الدولية، وللكشف عن النقاط العمياء تجاه دول الجنوب. وتهدف إلى تحدي السرديات ووجهات النظر الغربية السائدة في العلاقات الدولية، مع تأكيد وجود أصوات ونظريات في الجنوب جرى إسكاتها وتهميشها تاريخيا في حقل العلاقات الدولية. ولتحقيق ذلك، تطرح الدراسة هذه الأسئلة الرئيسة: ما الآليات التي يتم من خلالها ممارسة العنف الإبستيمي تجاه دول الجنوب؟ وما انعكاساته على النظريات الوضعية؟ وكيف يمكن التغلب على العنف المعرفي؟ تعتمد الدراسة في تحليلها وإجابتها عن الأسئلة على منهج تحليل الخطاب لتبيان موضع دول الجنوب في خطاب حقل العلاقات الدولية والنظريات الوضعية، إضافة إلى التوظيف المعرفي لمفهوم العنف الإبستيمي لفهم آليات اشتغال الهيمنة المعرفية في هذا الحقل، ومفهوم العصيان المعرفي لاقتراح طريقة للانفكاك من هذه الهيمنة بالتركيز على أمثلة من العالم العربي. وتخلص إلى إبراز أهمية العصيان المعرفي للمناهج الدراسية، باعتباره أداة أساسية في وضع استراتيجية لجعل حقل العلاقات الدولية عالمَّيَ القضايا والمضمون والمعرفة.
كلمات مفتاحية: المركزية الغربية، العنف الإبستيمي، النظرية الواقعية الجديدة، النيوليبرالية، العصيان المعرفي.
Keywords: Western-Centrism, Epistemic Violence, Neorealist Theory, Neoliberalism, Epistemic Disobedience.
"لا يوجد شيء متمركز حول العرق، وخصوصي، مثل ادعاء الكونية" إيمانويل والرشتاين1
مقدمة
أثار أميتاف أشاريا تساؤلًا مهًّم ا: هل يعكس تخصص العلاقات الدولية المجتمع العالمي الذي نعيش فيه اليوم؟ 2 إن الإجابة عن هذا السؤال تحيل إلى جدل فكري دائب حول قصور هذا الحقل في معالجة القضايا التي تخص دول الجنوب، وتحيّزه الجليّ نحو دراسة الدول الغربية وتجاربها وتحليلها، مما يتسبب في تهميش تجارب دول الجنوب. في الإمكان فهم الطرح السالف من خلال تموضعه ضمن إطار أوسع وأكثر شمولًا يُعرف بالمركزية الغربية. فقصة نظريات العلاقات الدولية تأثرت إلى حد بعيد بهذه المركزية، الأمر الذي عنى وضع أوروبا والحضارة الغربية في مركز التطور التاريخي والثقافي والفكري، وإعطاء تجارب الدول الغربية أهمية على حساب الجزء الأكبر من دول العالم. وقد أدى ذلك إلى إغفال تجارب الدول الأخرى، وإلى عدم تناول قضاياها وتحدياتها المحورية على نحو كاٍفٍ ومنصف. فُأسّست الإبستيمولوجيا في حقل العلاقات الدولية بناءً على قوالب ومفاهيم غالبًا ما يتم استدعاؤها من التجارب الأوروبية، ما أدى إلى تفضيل الدول الغربية على غيرها، والتركيز على قضاياها في الدراسات والأبحاث. من أفضل المفاهيم التي يمكن من خلالها فهم الهيمنة المعرفية الغربية واستيعاب حالة تهميش دول الجنوب مفهوم الإبستيمي "العنف " 3لغيتارا Epistemic Violence سبيفاك "الإبادة المعرفية أو " لبوافينتورا دي Epistemicide سوزا. فالعنف هنا مقتِرِن Boaventura de Sousa Santos سانتوس4 بالمعرفة ومآلاته في إقصاء الآخر معرفيًا، وتأثيراته في عملية تقييد الآخر والحدّ من قدراته. ويسلط هذا على الارتباط بين القوة والمعرفة، الأمر الذي يحيل إلى ميشيل فوكو الذي أخرج المعرفة من نظريات الحداثة التي تراها على أنها حيادية، مقدّمًا تصورًا نقيضًا لذلك. فالمعرفة عنده مرتبطة بنظام القوة، معارضًا بذلك الفكرة الشائعة المتمثّلة في أنّ القوة شيء والمعرفة شيء آخر؛ إذ اعتبر فوكو أنّ "القوة والمعرفة تقتضي إحداهما الأخرى"، وأنه "لا توجد علاقة قوة من دون التكوين المترابط لمجال المعرفة، ولا أي معرفة لا تفترض مسبقًا وتشكّل في الوقت نفسه علاقات قوة" 5. يشدد هذا الطرح على العنف المتأصل بعمق في المعرفة نفسها، بما في ذلك أصولها وتشكيلها وتنظيمها وتأثيرها. ويلقي الضوء على السبل التي يمكن أن تقمع من خلالها أنظمة المعرفة المهيِمِنة وهياكلها طرائق معيّنة لمعرفة العالم وفهمه أو تهمّشها أو تستبعدها. فمن خلال فرض نظرية معرفية فريدة، تتمحور حول الغرب، يؤدي هذا العنف إلى إدامة تسلسل المعرفة هرمًّيًا، والتقليل من قيمة وجهات النظر المتنوعة، وعرقلة الاعتراف بأشكال المعرفة الأخرى. لقد أثّرت المركزية الغربية واقترنت المعرفة بالقوة في حقل العلاقات الدولية بخاصة في التنظير في هذا الحقل، ونتج منها ما يسميه محمد حمشي "نقاط عمياء" في داخل النظريات الكبرى لعدم اكتمال البنية الفكرية، في الوقت الذي تدّعي فيه هذه النظريات أنها تنطلق من "ادعاءات العمومية والإطلاق" 6. هذه النقاط العمياء مقترنة في الأساس بدول الجنوب. وبناءً عليه، تطرح الدراسة الأسئلة التالية: ما الآليات التي من خلالها ي ماَرَس العنف الإبستيمي تجاه دول الجنوب؟ وما انعكاساته على النظريات الواقعية الجديدة والنيوليبرالية؟ 7 وكيف يمكن التغلب على العنف المعرفي وتعزيز نهج أكثر شمولًا وإنصافًا بالتركيز على العالم العربي؟ وتنبثق من هذه الأسئلة عدة أسئلة فرعية، منها: هل هناك حاجة إلى نظرية غير غربية؟ وما النقاط العمياء في النظرية الواقعية الجديدة والنيوليبرالية عند معالجة قضايا دول الجنوب؟ تعتمد الدراسة على منهج تحليل الخطاب لفهم موضع دول الجنوب ضمن سياق خطاب النظريات الوضعية وتحليله، وتنطلق من ثلاثة افتراضات: يشير الأول إلى أنّ حراس البوابة في النظام المعرفي الغربي
يؤدون دورًا رئيسًا في استدامة العنف الإبستيمي، من خلال اعتبار المرجعية المعرفية الغربية هي الإبستيمولوجيا الوحيدة المعتَرَف بها. ويعني هذا وجود سعٍيٍ للحفاظ على السيطرة والهيمنة على المعرفة من جانب الأطراف الغربية، ما يقود إلى تجاهل المعرفة والمفاهيم الأخرى وتهميشها. أما الثاني، فيشير إلى أن النظرية الواقعية الجديدة والنيوليبرالية تميلان إلى اعتبار بلدان الجنوب ضعيفة وغير فاعلة في النظام الدولي، فتساهمان في تعزيز النظرة الدونية إلى دول الجنوب، واعتبارها تابعة لدول الشمال وتدور في فلكها، فتكون محصّلة ذلك اضمحلال الاهتمام بها. أما الافتراض الثالث، فمفاده أن التحرر من هذا العنف يبدأ بالعصيان المعرفي للمناهج الدراسية. جرى تقسيم هذه الدراسة خمسة محاور: الأول، يقدّم تعريفًا بمفهوم "دول الجنوب" ويبّي نأسباب استخدامه بدلًامن مفهوم "العالم الثالث." ويحاول المحور الثاني تقديم فهٍمٍ لكيفية قمع الأطروحات والنظريات البديلة في حقل العلاقات الدولية. أما المحور الثالث، فيعرض حُججًا لأهمية وجود نظريات غير غربية. ويقدّم المحور الرابع رؤية لموضع دول الجنوب في فكر النظرية الواقعية الجديدة والنيوليبرالية. أمّا المحور الخامس (الأخير)، فيتناول مفهوم العصيان المعرفي باعتباره نهجًا للخروج من العنف الإبستيمي، ملقيًا الضوء على العالم العربي مث لًاعلى دول الجنوب.
أولًا: مفهوم دول الجنوب: منظور جديد يتجاوز دول العالم الثالث
صيغ مفهوم "العالم الثالث" أول مرة في فرنسا، في أوائل خمسينيات القرن العشرين، إبان اشتعال الاستقطاب بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي؛ لضمان تربّعهما على عرش النظام الدولي وتوسيع نفوذهما 8. وُيُعتبر ألفرد سوفي Alfred Sauvy من أوائل من استخدموا مفهوم "العالم الثالث" في عام 1952؛ إذ راج المفهوم معِلِنًا عن ولادة ظاهرة جديدة مرتبطة بالدول التي اسُتُعمرت سابقًا، تعّب رعن عدم انحيازها 9، وعن اقترانها بمعارضة الاستعمار والإمبريالية. فاحتلّت دول العالم الثالث مساحة سياسية بين الدول الرأسمالية العالمية، "العالم الأول"، والدول الاشتراكية، "العالم الثاني"، متبنّيةً سياسة عدم الانحياز، ومؤكدةً حفاظها على الاستقلال 10. وقد أ دخل تعديٌلٌ جوهري على هذا المفهوم في ستينيات القرن العشرين، مع تحوّل الاهتمام في السياسة العالمية إلى القضايا الاقتصادية والتنموية، فأصبح محمّلًا بمعاٍنٍ اقتصادية، ويشير إلى الدول غير الصناعية وغير الاشتراكية، ود ل اعلى الدول في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، والتي تتصارع مع الفقر والتخلف. فأضحى مفهوم "العالم الثالث" يُستخدم مرادفًا لمفاهيم، مثل "العالم المتخلف"، و"البلدان النامية"، و"البلدان الأقل نموًا"، و"المستعمرات السابقة" 11، معرّب ا عن العجز السياسي والفقر الاقتصادي والتهميش الاجتماعي لدول العالم الثالث 12. هكذا، بات هذا المفهوم يشير إلى أمرين: الأوّل، انكشاف دول العالم الثالث على العوامل الخارجية بسبب موقعها في الاقتصاد العالمي، فهي عرضة للسيطرة الخارجية الاقتصادية المتمثلة بالعوامل الخارجية، كالقوى العظمى وصندوق النقد الدولي والسوق العالمية والشركات الأجنبية المتعددة الجنسيات والمؤسسات المصرفية. والثاني، هو تردّي الوضع الاقتصادي وانتشار الفقر في هذه الدول التي تُعتبر موطنًا لغالبية فقراء العالم، الذين باتوا يواجهون مشكلات اجتماعية خِطِرة 13. أما من حيث الموقع الجغرافي لدول العالم الثالث، فيشمل أساسًا كًّل امن أفريقيا وأميركا اللاتينية، وجزءًا كبيرًا من الشرق الأوسط وجنوب آسيا وآسيا الوسطى السوفياتية السابقة، وأجزاءً من شرق آسيا 14. استنادًا إلى ما سبق، نُحت مفهوم العالم الثالث ليعّب رعن استقلالية هذه الدول وعدم انحيازها إلى أي من الكتلتين الرأسمالية والاشتراكية. غير أن هذا المصطلح واجه إشكاليةً بانهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991، فلم يعد منطقيًا استمرار هذا المفهوم المرتبط بالاستقلالية وعدم الانحياز 15. نتيجة لذلك، بدأت مصطلحات جديدة تبرز في مجال دراسات العلاقات الدولية. فقد شهد هذا الحقل تطورًا في استخدام الثنائيات المفاهيمية، حيث انتقلت من
العالم الأول/ العالم الثالث إلى الغرب/ غير الغرب، وأخيرًا إلى الشمال االعالمي/ الجنوب العالمي باعتباره مصطلحًا أكثر تفضيل 16. وتؤكد الدراسات أن مفهوم "دول الجنوب" هو الأكثر شيوعًا، حيث تظهر بيانات قاعدة "سكوبس" زيادة ملحوظة في الاهتمام الأكاديمي ب "الجنوب العالمي" في السنوات الأخيرة. فقد ارتفع عدد الإشارات إلى هذا المفهوم في المنشورات العلمية على نحو كبير منذ التسعينيات، مع تسارع ملحوظ في العقَدَين الماضَييَن 17. انطلاقًا من ذلك، تتبنى الدراسة تعريف ما بعد الاستعماري لدول الجنوب على نحو ما بيّنه سانتوس، والذي يتخطى الحدود الجغرافية، على الرغم من أنه يتضمن في الغالب دولًافي نصف الكرة الجنوبي؛ إذ يُعدّ هذا التصور لدول الجنوب بمنزلة تمثيل للنضالات الإنسانية ضد الرأسمالية العالمية والاستعمار، وللمساعي المبذولة للتغلب عليها والتخلص من آثارها. ومن هذا المنطلق، فإن الجنوب العالمي يشتمل على إرث تاريخي من القهر الاستعماري والحركات التي ظهرت لمقاومته 18، ويمثّل الجهود الجماعية للأفراد والمجتمعات والأمم للتغلب على المعاناة التي تسببت فيها الأنظمة الرأسمالية والاستعمارية أو للتقليل منها. من خلال تبنّي هذا الفهم لدول الجنوب، تهدف الدراسة إلى تسليط الضوء على التفاعل المعقّد بين إنتاج المعرفة والمركزية الغربية، لا سيما في مجال العلاقات الدولية. ويحمل استخدام هذا المفهوم في الدراسة دلالات تتعلق بعملية الإقصاء، كما تشير كارين سميث وأرلين تيكنر؛ إذ تعرّفان المفهوم على أنّه يشير إلى "تلك الأجزاء من العالم التي كانت غائبة إلى حد بعيد من حيث المساهمة في فهمنا للعلاقات الدولية. وفي حين تمّت دراستها (أحيانًا)، فإنه لم يُنظر إليها في العلاقات الدولية السائدة باعتبارها قادرة على تقديم مساهمات نظرية جوهرية، بل غالبًا ما نُظر إليها على أنها توفّر بيانات تجريبية خامًا يمكن بعد ذلك أن يحللها العلماء في الشمال" 19.
ثانيًا: الهيمنة الغربية على حقل العلاقات الدولية
على الرغم من مرور خمسة وأربعين عامًا منذ أن طرح ستانلي هوفمان ادّعاءه الشهير المتمثّل في أنّ حقل العلاقات الدولية مهيَمٌَنٌ عليه أميركًّيًا 20، فإنّ الوضع ظلّ على حاله ولم يشهد أيّ تغيير جذري. وقد أكّد ذلك بيتر كريستنسن الذي أشار إلى أنّ هذا التخصص أصبح أكثر عالمية من حيث تنوّع علمائه، ولم يعد أميركيًا كما كان من قبل. ومع ذلك، فقد أكّد أنّ هذا التخصص لم يصبح عالميًا وتعدديًا؛ ف "العلاقات الدولية كما نجدها في المجلات التي تمّت دراستها هنا لا تزال تهيمن عليها بلدان قليلة في منطقة الأنكلو وأوروبا الغربية. ويظل منتجو المعرفة الموجودون في أماكن أخرى غائبين إلى حد بعيد عن العلاقات الدولية السائدة" 21. ما زال هذا الموضوع يحظى باهتمام الباحثين في المجال. فعكفوا على دراسته من خلال منهَجيَن، كمّي وكيفي. أوّلًا، الأبحاث الكيفية التي تعترف بصورة عامة بوجود هذه الهيمنة 22، وثانيًا، الأبحاث الكمّيّة التي لا تفنّد من حيث المبدأ استنتاجات الأبحاث غير الكمّيّة 23، ولكنّها تجادل بأنّ الهيمنة ليست بالدرجة ولا الحدّة التي يدّعيها النوع الأول من الأبحاث. وُتُعتبر دراسة هيلين تورتون، التي تعالج مسألة الهيمنة، واحدة من أهمّ الدراسات الكمّية التي صدرت مؤخّرًا. وهي، على الرغم من أنّها تقلّل من درجة الهيمنة على الحقل معتبرةً إياه أكثر تعددية مّم اهو متعارف عليه، لم تستطع نفي هذه الهيمنة 24. لقد
نَسجت هيمنة الولايات المتحدة على النظريات السائدة وارتباطها بالنزعة الأوروبية في حقل العلاقات الدولية علاقةً غير متكافئة بين الشمال والجنوب، محددةً شكل هذه العلاقة الهرمية التراتبية بين هذين الطرفين وطبيعتها. وقد قدّمت آنا أجاثانجيلو وليلي لينغ وصفًا مجازًّيًا للعلاقة بين الشمال والجنوب باعتبارها "بيت العلاقات الدولية"، مشيرَتيَن إلى أنّها تشمل، أوّلًا، السيادة، التي تعني أنّني، عالم الشمال أقع في المركز، بينما تقع أنت، عالم الجنوب، في الهامش. وتشمل، ثانيًا، الهرمية التي تشير إلى أنّني أعيش في الطابق العلوي، بينما تعيش أنت في الطابق الأرضي، ما يعني أنّك في خدمتي. ثالثًا، أنا الذي يضع القواعد ويفرضها، في حين أنك تلتزم بما أفرضه أنا من معارَفَ وقواعَدَ ومعايير. رابعًا، أنا الذي يمثّل الشرعية، وأنت تمثّل، في المقابل، ما هو غير حقيقي ومزيّف. خامسًا، أنا الذي يمتلك القوّة، وأنت لا خيار أمامك سوى أن تطيع وتخضع 25. وقد حذّر سانتوس من هذه الهرمية، واصفًا إيّاها بالإبادة المعرفية؛ إذ إنها تتضمّن التقليل من قدرة عالم الجنوب على فهم العالم، وتكبت إبداعه في إيجاد الحلول للمشكلات العالمية القائمة 26. إنّ عدم قدرة الفكر المهيَمَن عليه أميركًّيًا على تقديم تصوّر صحيح عن العالم الذي نعيش فيه، لا يمكن فهمه من دون أخذ العوامل الكامنة فيه في الحسبان، وهي الإبستيمولوجيا والأنطولوجيا والأيديولوجيا وبنية القوّة، وهي الأسس التي تقوم عليها المركزية الأوروبية. فالبردايم المعرفي الأوروبي يعكس العلاقات المركّبة بين المعرفة والقوّة؛ إذ إنه لم يكن نتاجًا لتطوّر الهيمنة الأوروبية الاستعمارية على بقية العالم فحسب، بل شكّل أيضًا جزءًا منها، وبرّر وجودها. فأفكار المركزية الأوروبية متأثّرة إلى حد بعيد بالإمبريالية والهيمنة الغربية 27. وأنتج ذلك ما أطلق عليها جون هوبسون اسم الأساطير التي قامت عليها المركزية الأوروبية، وهي: الهوية النبيلة، والأسطورة الوضعية، وأسطورة الجدالات الكبرى، والسيادة، وأسطورة الفوضى، وأسطورة العولمة، وأسطورة التقاليد النظرية الكبرى 28. أنتجت هذه الأساطير هرمية نظرية، تدّعي ضمنها النظرياُتُ أنّها "كونية" و"خالدة." وانطلاقًا من أنّ هذه النظريات قد أسّست نفسها باعتبارها شكلًا من أشكال الإمبريالية الأكاديمية، فإنّها أجهضت النظريات البديلة، مانعةً إيّاها من الهجرة إلى أماكن أخرى 29. استنادًا إلى ما سبق، اعتقد المنظّرون الغربيون أنّ التجربة الغربية كافية من أجل تطوير معايير كونية ومن أجل وضع أسس للقوانين العالمية 30. ووفقًا لذلك، تأسّس حقل العلاقات الدولية على افتراٍضٍ خاطئ؛ كونية التاريخ الأوروبي والنظرية السياسية الأوروبية. وبناءً عليه، رأى العلماء الغربيون أنّ هذا الحقل ابتدأ مع "صعود الغرب"، متزامنًا مع إهماٍلٍ وتهميٍشٍ مُتعمَدَين لتاريخ العالم غير الغربي 31. بهذا، يظهر بجلاء أنّ الهيمنة الأميركية على حقل العلاقات الدولية متعددة الأوجه؛ يتعلّق أوّلها بالمواضيع التي يجري بحثها، فهي مرتبطة بالضرورة بالولايات المتحدة وبالأجندات الخاصّة بها. ويتعلّق ثانيها بالهيمنة التي يمارسها حرّاس البوّابة في مجّل اتها الأكاديمية، الذين يفحصون مواضيع الأبحاث التي سُتُنشر بناءً على مدى ملاءمتها لأولويات الولايات المتحدة والمعرفة المعترف بها. لا يمكن فهم الهيمنة الأميركية بمعزل عن المركزية الأوروبية التي حددت معاييرها أودري أليخاندرو، والتي تقوم على ثلاثة أسس: "الأوّل هو إنكار الفاعلية 'الجنوبية' (باعتبار 'الغرب' هو الذات الفاعلة الاستباقية الفريدة.) هنا، يوصف 'الغرب' على أنّه الذات الفاعلة، في حين يكون سائر العالم مفعولًابه مغيّبًا في عالم السياسة.[...]والثاني هو التمركز الغائي على الذات، بحيث يكون الغرب هو الخيار الوحيد المتاح.[...]والثالث هو تعميم 'الغرب' على أنّه 'المرجع المعياري الأمثل"' 32. وقد تُرجم ذلك كله عمليًا في الإحالة المستمرة إلى المفكّرين الغربيين في أدبيات العلاقات الدولية، مثل ثيوسيديدس Thucydides، وتوماس هوبز Tohmas Hobbes، وإيمانويل كانط Immanuel Kant، في حين أنّ مفكّرين غير أوروبيين، من أمثال عبد
الرحمن بن خلدون أو فرانز فانون Franz Fanon، قد هُمّشوا إلى حدّ بعيد، على الرغم من إسهاماتهم التي لا يمكن إنكارها 33. وقد أصبح هذا التوجه الذي يبُرز عالم الشمال ويهمّش عالم الجنوب ممنهجًا أكثر مع استيعاب الدراسات الأميركية في أدبيات العلاقات الدولية، ومع تحوّلها إلى إطار مرجعي، فنشأت علاقات غير متّزنة بين عالم الشمال وعالم الجنوب؛ إذ جرى اعتبار الباحثين الغربيين هم المنتجين، والجنوبيين هم المستهلكين 34. وقد بات تهميش المنظّرين والباحثين الجنوبيين أمرًا واضحًا لا لبس فيه، ومستمرًا؛ إذ لا يتمّ الاعتراف بجهودهم النظرية إّل اإذا تعاملت أبحاثهم مع حالات دراسية من دولهم. ويعني هذا أنّ الباحثين الأوروبيين يُنتجون النظريات الكونية، في حين يُسمح لنظرائهم في عالم الجنوب بالكتابة عن مناطقهم فحسب. بهذا المعنى، ينظر إلى النظراء غير الغربيين على أنّهم دارسون محليون لا يستخدمون إّل االنظريات الغربية لفحصها من خلال حالات دراسية. ومن الواضح أنّ التهميش الضمني لمنظّري الجنوب جزء لا يتجزّأ من التقسيم الإمبريالي للعمل، ف "الباحثون الأنكلو- أوروبيّون" هم في قمّة الهرمية النظرية، في حين أنّ أولئك الذين على "الأطراف" يحتلّون مواقع دنيا، يعملون على تصدير المواد الخام المتمثّلة بالتجارب المحلّيّة فحسب، الأمر الذي يجعلهم يؤدّون دور "الخدم" في بيت العلاقات الدولية نفسه 35. فيتمّ اعتبار المنظّرين غير الأوروبيين تابعين، غير قادرين على الكلام، وغير قادرين على التعبير عن أنفسهم أيضًا؛ ومن ثم، عليهم الاعتماد على نظائرهم الأوروبيين من أجل تفسير السياسة العالمية وتوقّع ما يتعلّق بها 36. إنّ عملية إقصاء الباحثين الجنوبيين هذه تُدار من خلال "حرّاس بوّابة المعرفة" الغربيين في المجّل ات العلمية والدوائر الأكاديمية. فيغلق حرّاس البوابة الفضاء أمام إسهامات عالم الجنوب 37 من خلال وسائل عدّة، من ضمنها تحديد معايير للتقييم لقبول النظريات أو لرفضها، ويجري استبعاد الأعمال التنظيرية بحجة أنها لا تتوافق مع المقاييس الصارمة التي وضعوها، وباعتبارها "ليست نظرية" أو "نظرية غير علمية" 38، إضافةً إلى تحديد المنهجيات المعترف بها وأجندات النشر البحثية. ويؤدي كل ذلك إلى التحكم فيما يمكن أن يُقال وكيف يُقال، وإذا كان ما قيل يمثّل إنتاجًا معرفيًا مهمًا. ويبرز التحيز على نحو أكبر تجاه الباحثين من الجنوب، عندما تكون المجلة في العلاقات الدولية ذات طابع نظري، ما يقلل من احتمال إفساح المجال أمام مساهمات من الباحثين من دول العالم الثالث 39. يمنح هذا التحيز الأطر النظرية والنظريات الغربية الأولوية باعتبارها المعايير الوحيدة والعالمية المقبولة للبحث الأكاديمي. فهناك ميل إلى رفض النظريات التي تنشأ في ثقافات الجنوب أو تُستمد منها، باعتبارها "غير نظرية"، وغالبًا ما تواجه النظريات التي تعّب رعن وجهات نظر ومواقف وأطر مرجعية غير "غربية" حواجز جمّة. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تحظى الأعمال التجريبية من دول الجنوب التي تستخدم العدسات النظرية الغربية لدراسة التجارب والسياقات غير الغربية بالقبول والاعتراف داخل مجالات العلاقات الدولية والخطابات السائدة 40. فيجري تهميش مساهمات دول الجنوب ووجهات نظرها، وحصرها في داخل الأطر النظرية المقبولة، وتشكّل قيود على أي محاولات للخروج من الهيمنة الثقافية 41. لقد تغلغلت هذه الهيمنة من دون وعي في عقول الباحثين في جميع أنحاء العالم، فهي تمارس نفوذًا غرامشيًا عليهم، بغضّ النظر عما إذا كانت النظريات صحيحة أم لم تكن كذلك. ويمكن تفسير هذه الهيمنة في ضوء الهيمنة الجيوسياسية؛ فهي مرتبطة بالهيمنة التاريخية للقوى الغربية؛ ما يعكس العلاقة بين ديناميكيات القوة وإنتاج المعرفة عالميًا، وهي مرتبطة أيضًا بالإحساس بالتفوق الثقافي لدى المنظّرين والباحثين الغربيين، فيشعرون بأنّ ثقافتهم أفضل، وأنّها مصدر للمعرفة 42. يؤدي كل ما سبق إلى تقييد الباحثين الجنوبيين مقارنةً بنظرائهم الشماليين. فيستطيع الباحثون في الشمال كتابة أعمالهم البحثية من دون الإحالة إلى أيّ مرجع من المراجع غير الغربية، الأمر الذي لا يؤثّر في مكانتهم الأكاديمية، في حين لا يتمتّع الباحثون من دول الجنوب بهذه المعاملة؛ إذ ليس في إمكانهم، من دون أدنى شكّ، إنتاج أيّ أعمال لا تحيل إلى الإسهامات الغربية. ويتسبب هذا في استمرار ارتحال الأفكار بسهولة من الشمال إلى الجنوب، ولكن ليس في الاتجاه المعاكس 43.
أضف إلى ذلك أنّ معايير مزدوجة يجري تطبيقها على تعديل النظريات. فإذا كانت التعديلات من جانب باحثين غربيين، يجري الاعتراف بها، بل حتى الإشادة بها باعتبارها إسهامات نظرية مبتكرة. وفي المقابل، إذا قدّم منظّرون جنوبيون مثل هذه الإسهامات التعديلية، فإنّه يُحَكَم عليها بالتهميش والتجاهل. وهذا ما حلّ، على سبيل المثال، بكارلوس سكوديه 44 في محاولاته التنظيرية لاستبدال الواقعية بنموذج "الواقعية المحيطية"، أو ما حلّ بمحمد أيّوب عند تقديمه لنموذج "الواقعية التابعة" 45. إنّ النموذج الذي قدّمه أيّوب، لم يخرج عن إطار النظرية الواقعية، ولم يدحض افتراضاتها الإبستيمولوجية 46، وتستند مجادلته إلى فكرة مفادها أنّ النظريات السائدة في العلاقات الدولية تتغاضى عن دول عالم الجنوب، رغم أنّ هذه الدول تشكّل الجزء الأكبر من النظام الدولي، وشهدت، وما زالت تشهد، معظم الصراعات الدائرة 47. ويبني أيّوب افتراضات هذا النموذج على أولوية العوامل الداخلية إذا ما قورنت بالعوامل الخارجية في سبيل فهم الصراعات القائمة في عالم الجنوب، وعلى التأثير التبادلي بين العوامل الداخلية والعوامل الخارجية؛ وذلك لأنّ هذا التوجّه سيساعد على فهم العلاقات بين الحروب الداخلية والدولية، وبين عملية بناء الدولة وتوازن القوى الإقليمي. وبناءً عليه، فإنّ أيّوب يبني نموذجه على أفكار هوبز فيما يتعلّق بالفوضى الداخلية، رافضًا ادّعاءات الواقعية الجديدة التي ترى أنّ الفوضى موجودة خارج الدول 48. غير أنّ منظّري الواقعية الجديدة قد غضّ وا الطرف عن نموذج أيّوب، ورفضوا الاعتراف بنتائجه، في حين أنّ جهود ستيفن والت Walt Stephen التعديلية على النظرية الواقعية، التي تمخّضت عن طرح تعديل لتوازن القوى أسماه "توازن التهديد"، قد لاقت إقبال منظّري الواقعية واهتمامهم. فعلى الرغم من أنّ الجهود التعديلية لكلا المنظَّرَين قد بُنيت على أمثلة من الشرق الأوسط، فإنّ جهود والت وأفكاره هي وحدها التي حظيت بالاعتراف الغربي. أدّى هذا التناقض الصارخ في تبنّي المبادئ التعديلية للنظرية الواقعية إلى طرح إرسيل أيدينلي وجولي ماثيوز السؤال الآتي: لو كان والت من عالم الجنوب، هل كان سيحظى بمثل هذا الاحتفاء والإشادة والاعتراف؟ 49 يؤكّد تهميش أيّوب أنّ التفاعل بين دول الشمال والجنوب هو في حدّه الأدنى. ويدل على ذلك أيضًا النتائج التي توصّل إليها بيتر كريستنسن، والتي تؤكد سيطرة الكتّاب الغربيين على الكتابة في المجلات المرموقة، مشيرًا إلى أنّ "الخريطة العالمية توضح أنّ معظم الكتّاب موجودون في الولايات المتحدة الأميركية وفي أوروبا[...]بقيّة العالم لا يكاد يظهر في أفضل عشر مجّل ات، ونادرًا ما يكتبون مقالاٍتٍ مشتركة مع كتّاب من شمال أميركا وأوروبا" 50. تتّحد هذه العوائق البشرية مع عوائق هيكلية تتمثّل في عائق اللغة، ويؤدي هذا العائق دورًا إضافيًا في تعزيز العوائق الأخرى التي تواجه الباحث الجنوبي. ويوضح أشاريا وباري بوزان كيفية تسبب اللغة في إعاقة قدرة الباحثين على النشر، مبيَّنيَن أنّ "أولئك الذين عليهم أن يعملوا بالإنكليزية باعتبارها لغة ثانية أو ثالثة، قد يشعرون أنّها عائق، بسبب الجهد الإضافي الذي على الفرد أن يضعه لبلورة أفكاره بلغة أجنبية، وبسبب معّدلّات الرفض العالية في مجّل ات العلاقات الدولية الرائدة باللغة الإنكليزية" 51. يوضح ما سبق أنّ القضايا والأجندات البحثية الغربية هي التي شكّلت جوهر الاهتمامات النظرية والإمبريقية في حقل العلاقات الدولية، ما أدّى إلى "خطر القصّة الواحدة" بحسب شيماماندا نغوزي أديشي Adichie Ngozi Chimamanda، وهي القصّة التي تُقَّدَم على أنّها القصّة غير المتغّيةر، وغير المنحازة 52، خاصة أنّ الطرح السالف يُظهر بجلاء أنّ الإبستيمولوجيا الغربية تتناقض مع دول الجنوب، لكونها "مقامة على افتراضات أنطولوجية (واقع) وإبستيمولوجية (معرفة) وأكسيولوجية (قيم) مختلفة" 53. وأفضى هذا إلى قصة واحدة تجلّت في التهميش والتقليل من مكانة المعرفة المنَتَجة في عالم الجنوب؛ إذ
إنّ حضور المنظّرين والباحثين الأميركيين، وبدرجة أقلّ الأوروبيين، لا يقابله إّل اغياب نظرائهم من عالم الجنوب 54.
ثالثًا: هل من حاجة إلى نظرية ذات طابع عالمي؟
الإجابة ببساطة "نعم"، فنظريات العلاقات الدولية لا تفرّس رالسياسة العالمية بموضوعية وعالمية، بل على العكس من ذلك؛ فهي تشيد بالغرب وتدافع عنه، وتصوّره على أنّه النموذج المثالي للسياسة العالمية، في حين أنها تهمّش كلًّيًا عالم الجنوب ودوله ومشكلاته 55. فمنذ أن بدأت مأسسة العلاقات الدولية باعتبارها حقلًامعرفيًا، وحتى يومنا هذا، لم تتمكّن دول عالم الجنوب من شدّ انتباه المنظّرين والباحثين، الأمر الذي استمرّ حتى الحرب الباردة، حيث اقتصر اهتمامهم على دراسة المواجهات بين الولايات المتّحدة والاتحاد السوفياتي. وحتى عندما حظيت دول الجنوب بالاهتمام، لم يكن ذلك سوى من حيث علاقتها بالصراع "الشرقي – الغربي" 56. ولم يتغّي ر شيء بعد انتهاء الحرب الباردة؛ إذ لم تشهد العلاقات الدولية ثورات نظرية جديدة، ولم تشهد أيّ محاولات لإعادة النظر في أساسياتها، وفي تنظيمها. فظلّت دول عالم الجنوب خارج الاعتبار، وظلّت منطقةً مجهولة نسبيًا في الأدبيات 57. إضافة إلى ما سبق، ما يبرّر الحاجة إلى نظريةٍ عالمية في العلاقات الدوليّة هو تجاهل هذه النظريات لأهم القضايا التي تواجهها دول الجنوب، وهي الحروب والصراعات المستمرة. فمن جهة، تتعامل هذه النظريات مع إشكالية الحروب والصراعات من منظور القوى العظمى. ومن جهة أخرى، تتجاهل النظريات معظم الصراعات في عالم الجنوب، على الرغم من أنها في حاجة ملحّة إلى الفهم والتفسير. فمعظم الصراعات التي حدثت في العالم في فترة الحرب الباردة كان مسررحها عالم الجنوب 58. وقد سعى كال هولستي لتفسير هذه الظاهرة باستفاضة، مؤكّدًا أنّ الحروب في فترة الحرب الباردة لم تكن أبدًا بين القوى العظمى، وهذا يخالف دراسات حقل العلاقات الدولية، النظرية والإمبريقية، التي درست الحروب وسعت لتحليلها وفهمها. وبناءً عليه، فإنّ قضيّة الحروب لم تكن يومًا قضيّة خاصّة بالقوى العظمى 59. وتتجاهل النظريات الغربية في العلاقات الدولية، عادةً، حقيقة مهمّة مفادها أنّ الحفاظ على الاستقرار في أوروبا قد جاء على حساب دول عالم الجنوب؛ وذلك لعدم رغبة الدول الكبرى في تعريض سلامة أوروبا وأمنها للخطر؛ ما دفعها إلى الابتعاد عن أيّ حدث قد يهدّد الوضع القائم في المنطقة. فجرت الاستعاضة عن ذلك بالحروب بالوكالة التي تُشنّ على أراضي دول الجنوب، لتصل حدّة الصراعات الحاصلة في عالم الجنوب وبين دوله إلى مستويات غير مسبوقة 60. دفع هذا التغييب لعالم الجنوب في الأدبيات الغربية أشاريا إلى طرح الأسئلة التالية: لماذا ننظر إلى الحرب الباردة على أنّها "سلام طويل"؟ ولماذا نتجاهل الحروب الاستعمارية أو الصراعات بين الدول والفواعل من غير الدول عندما يتمّ تقييم حالات الحرب والسلام في النظام الدولي، وتحديدًا عند بناء نظرية السلام الديمقراطي؟ 61 يطرح ما سبق تساؤلًاجوهريًا، هو: كيف يمكن ما يسمّى بالنظريات الكبرى، آخذين في الحسبان تهميشها لغالبية الحروب الحاصلة في عالم الجنوب، أن تدّعي أنها تستطيع تفسير الحرب والسلم عالميًا؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل، في ضوء ما سبق، تستوجب اعتبار الافتراضات والاستنتاجات التي تتوصّل إليها النظريات الوضعية بخصوص الحرب محصورة في مكان وزمان محدَدَْيْن، ولا يمكن إطلاق تعميمها على دول الجنوب. ولذلك، اتضحت الحاجة الملحّة إلى إعادة النظر في قدرة النظريات الوضعية على تفسير الظواهر عالميًا، والابتعاد أيضًا عن استخدام دول عالم الجنوب باعتبارها حقل تجارب لتطبيق النظريّات الغربية.
رابعًا: تقييم النظريات الوضعية في سياق دول الجنوب
تعرضت النظريات الوضعية لانتقادات بسبب ميلها إلى التغاضي عن تجارب دول الجنوب أو تهميشها، ما أثار شكوكًا وتساؤلات حول ادعاء النظريات الوضعية للعالمية. فتعرّضت هذه الادعاءات للنقد انطلاقًا من سببين رئيَسيَن مقترَنيَن بالمركزية الغربية، أوّلهما أنّ ادعاءات العالمية
زائفة وغير قابلة للتطبيق عالميًا، لأنها تستند إلى تجارب ووجهات نظر أقلية من سكان العالم. وثانيهما هو افتقار هذه النظريات إلى التمثيل الكافي، من حيث دمج أفكار متنوعة من مناطق مختلفة؛ إذ ثمة تسليط محدود للضوء على التمثيل الجغرافي والثقافي داخل نظرية العلاقات الدولية، وهو مقتصر في المقام الأول على الأصول الغربية. فيكون الانتقاد هنا مرتبطًا بالافتقار إلى الشمولية التي تتخطى الحدود الجغرافية والثقافية الغربية لتصل إلى دول الجنوب 62.
تتمثل الإشكالية الكبرى التي تواجهها النظريات الوضعية في أنها عكست في أطروحاتها التأريخ النخبوي نتيجة لتركيزها على ديناميات التفاعل بين القوى العظمى والدول الصناعية في شمال الكرة الأرضية 63. وهذا طبيعي؛ لأنّها أُسّست على تجارب الدول الغربية، ووجهات نظرها، تحديدًا الولايات المتحدة والدول الأوروبية الكبرى، وُصُمّمت لتنظر إلى العالم بعدسة هذه الدول. نتيجة لذلك، جرت عملية إهمال ممنهجة لتجربة الدول الضعيفة والصغيرة، حيث لا وجود للدول الصغرى والضعيفة في قاموس هذه النظريات. فالواقعية الجديدة أكدت ذلك صراحة، من دون أي مواراة؛ فقد رأى كنيث والتز أن "النظرية العامة للسياسة الدولية تعتمد بالضرورة على القوى العظمى" 64، مؤكدًا أنّ "الاهتمام بالسياسة الدولية باعتبارها نظامًا يتطلب التركيز على الدول التي تصنع أكبر قدر من الاختلاف" 65، والدول التي تصنع الاختلاف هي الدول العظمى والكبرى. وكذلك الحال بالنسبة إلى جون ميرشايمر الذي وضع أسس نظريته في كتابه الشهير "مأساة القوى العظمى"، مؤكدًا أن الفاعلين الأساسيين في النظام هم الدول العظمى 66. لذا، جاءت افتراضات النظرية الواقعية الجديدة جميعها مفصلة للحديث عن القوى العظمى والكبرى في عالم فوضوي، بدءًا من مفهوم المصلحة المقترنة بالقوة لتحقيقها، والاعتماد على الذات، والتركيز على القوة العسكرية، وسعي الدول الكبرى للتوازن ضد بعضها الآخر، واللعبة الصفرية والمكاسب المطلقة. وتشدّد جميع افتراضاتها على القوة وضرورة امتلاكها، وأنه لا مكان فيها للدول الصغيرة التي لا تستطيع أن تحمي نفسها، فتلجأ إلى التقاطر مع الدول العظمى والكبرى لتحقيق هذا الهدف. ويرى والتز أنّ الدول الكبرى ما دامت هي الجهات الفاعلة الرئيسة، فهي التي تحدد هيكل السياسة الدولية 67، مقدّمًا سببين للاهتمام بالدول العظمى والكبرى؛ أولهما، أنّ دول الجنوب ليس لها وزن في النظام الدولي، فتأثيرها معدوم في ميزان القوى العالمي. وثانيهما، أن هذه الدول ليست ذات تأثير فعلي ومباشر في القوى العظمى، بغضّ النظر عّم ايدور فيها 68. لذا، اعتبر والتز أنّ نظرية السياسة الدولية هي نظرية للعلاقات بين القوى العظمى، وتكون فيها دول الجنوب غير مهمة، لكونها غير مرئية 69. دفع هذا الطرح بوزان إلى اعتبار أن الواقعية الجديدة تعمل على تهميش الجهات الفاعلة الأضعف في النظام الدولي وإخضاعها لمصلحة القوى العظمى. ومن هذا المنطلق، وجّه انتقادًا لاذعًا لها لعدم اهتمامها بدول الجنوب، مؤكدًا أنها تركّز في المقام الأول على مصالح الدول القوية وديناميكياتها؛ إذ لا تولي دول الجنوب اهتمامًا كافيًا باعتبارها نظرية للقوى العظمى 70. والحالات القليلة التي اهتمت فيها النظرية الواقعية بدول الجنوب، كأفريقيا على سبيل
المثال لا الحصر، كانت مقترنة باعتبارها منطقة مهمة للمنافسة بين القوى العظمى؛ ومن ثمّ، المساهمة في فهم التأثير المستمر للقوى الخارجية الأخرى في أفريقيا، فظهرت دراسات حول صراعات القوى العظمى في المنطقة وتأثيراتها فيها 71. وتتلاقى الواقعية الجديدة مع النيوليبرالية في انحصارهما داخل بوتقة القوى العظمى، أو كما يصفها النيوليبراليون بالديمقراطيات الصناعية الكبرى. وهذا دليل على تقاسم كلتا النظريتين نظرية المعرفة الاستعمارية الجديدة، بحيث يتم إعطاء الأولوية لمصالح الشمال العالمي على حساب مصالح دول الجنوب، وتكون للقلة القوية الأسبقية على الأغلبية الأضعف 72. وقد ركّز الليبراليون على الدول القوية من ناحية اقتصادية، معتبرين أن الاعتمادية المتبادلة هي الحل الأمثل للتفاوت بين الدول الكبرى والصغرى، متناسين أنّ الرابح الأكبر من عملية التبادل والاعتمادية هو الدول الكبرى التي تسيطر على الاقتصاد العالمي. فأعاد النيوليبراليون بأطروحاتهم التركيز الضيّق على "القوة العظمى" وتهميش الدول الصغيرة. ويؤكّد فرنسيس فوكوياما ذلك في قوله إنّه "من الواضح أن الجزء الأكبر من العالم الثالث لا يزال غارقًا في التاريخ، وسيظل أرضًا للصراع سنوات عديدة قادمة. لكن دعونا نركز في الوقت الحالي على الدول الأكبر والأكثر تقدمًا في العالم، والتي تمثل بعد كل شيء الجزء الأكبر من السياسة العالمية" 73. إضافة إلى ما سبق، فإنّ أطروحة النيوليبرالية حول التعاون هي تحريف للحقائق لمصلحة الدول الغنية في الشمال. وتأكيدهم على إمكانية التعاون والاعتماد المتبادل والمكاسب المطلقة هو أمر مغاير للواقع. فتولّد هذه الافتراضات زيفًا قائمًا على وجود التبادلية، وتجاهلًا لحقيقة أن دول الجنوب تعتمد اعتمادًا كبيرًا في نواٍحٍ كثيرة على دول الشمال 74. ومن ثم، يكون تصوير العلاقة القائمة باعتبارها علاقة بين أطراف متكافئة أو متقاربة مزاعم غير صحيحة؛ إذ ربما تحقق بعض الدول مكاسب فورية من خلال علاقاتها مع الشمال، ولكن تكون تكلفة ذلك مرتفعة وذات إرهاصات سلبية على نواحي الحياَتيَن السياسية والاجتماعية في دول الجنوب. صحيح أنّ دول الجنوب ربما تتمكن، من خلال علاقاتها مع دول الشمال، من الحصول على قروض من المؤسسة الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وعلى المعدات العسكرية، لكنّ ذلك في إمكانه أن يفرض ضريبة عالية على دول الجنوب، قد تكون محصّلته تفاقم الصراعات في داخل هذه الدول وفيما بينها، الأمر الذي يجهض فكرة المكاسب المطلقة 75. وتواجه الواقعية الجديدة والنيوليبرالية إشكالية أخرى هي التركيز على الدولة القومية الوستفالية. يقول والتز، في دفاعه عن مركزية الدولة، إن الدولة هي الوحدة الأساسية التي يتشكّل منها النظام الدولي، وستبقى كذلك فترات تاريخية طويلة 76. وهذا أمر حتمي، حيث انطلقت الواقعية في أساسها لشرح سلوك الدول وتفاعلاتها، معتبرةً إياها الوحدة الأساسية في النظام الدولي؛ إذ لا يوجد ما هو أعلى من الدولة. ويرى الواقعيون أنّ الدولة مكتملة البناء في كل أرجاء العالم، وأنّ الاختلاف بين الدول إنما هو من حيث القدرات. يقول والتز، في هذا السياق، إنّ "الدول متشابهة في المهمات التي تواجهها، ولكن ليس في قدرتها على أدائها"؛ ومن هنا، فإنّ "الاختلافات [بين الدول] هي في القدرة وليست وظيفية" 77. غير أنّ دول عالم الجنوب تخالف ما يطرحه الواقعيون. فالفروق الكبيرة بين الدولة الجنوبية والدولة الوستفالية الشمالية قد أدت إلى استخدام تصنيفات مختلفة لوصف الدولة في الجنوب، مثل وصفها بالضعيفة، وشبه الدولة، والفاشلة، والفاسدة، وغير المكتملة، والمتخلفة. وقد اسُتُخدمت هذه الأوصاف في محاولة للإشارة إلى أن الدولة في الجنوب لا ترتقي إلى معايير الحضارة الحديثة 78. لقد تناسى الواقعيون أن عددًا كبيرًا من الدول في الجنوب ما زال يعاني إشكاليات داخلية؛ إذ إنّ الدولة القومية التي نشأت مع وستفاليا لم تنضج في جزء كبير من عالم الجنوب. ويرى محمد أيوب أنّ الدول في الجنوب تعيش في مرحلة بناء الدولة، بحيث تشبه هذه المرحلة العمليَةَ التي مرت بها الدولة في أوروبا الغربية خلال القرَنيَن السادس عشر والتاسع عشر 79. وأكدت تيكنر ذلك، معتبرةًالدول في الجنوب تعاني إحدى المشكلتين؛ إما أن الدولة غير قادرة على إدارة العلاقات السياسية والاجتماعية، وإما أنها تواجه إشكالية نتيجة لديناميكيات النظام الدولي؛ ما دفعها إلى التشكيك في فائدة مفهوم الدولة نفسه، فيكون من الأصوب، في رأيها، إثارة التساؤلات حول أهمية هذا المفهوم وفائدته، بدلًامن إلقاء اللوم على أوجه القصور التي تعانيها
هذه الدول. لذا، ترى أنه من الأفضل إعادة النظر في إمكانية تطبيق مفهوم الدولة على مثل هذه الدول 80.
أدّى هذا التركيز، في الواقعية الجديدة، على الدولة واعتبارها وحدة واحدة، إلى تجاهل النظرية من حيث أمرين أساسَييَن؛ الأول هو الأبعاد الداخلية لبناء الدولة في الجنوب وتأثيرها في تفاعلاتها الإقليمية والدولية، وفي تفسير الصراع في النظام الدولي، خاصة أنّ عددًا هائلًامن النزاعات في النظام الدولي يمكن إرجاع أصوله إلى العملية التي تتعلق بالدولة وصناعتها وفشلها. ومن هنا، ليس من المستغرب أن تكون محصّلة ذلك عجز النظرية الواقعية عن تفسير هذه الصراعات أو عن توقعها 81. والثاني هو الفواعل من غير الدول، وذلك بسبب تركيزها الكامل على الدولة؛ إذ لا تعتبر النظرية هذه الفواعل مؤثرة في النظام الدولي اعتقادًا منها أنها لا تمثّل تهديدًا للنظام الدولي، على الرغم من أنّ الفواعل من غير الدول تؤدي دورًا في عالم الجنوب في التأثير في مجريات الأحداث في داخل الدولة وخارجها، خاصة الفواعل العنيفة منها 82. والأمر سيّان بالنسبة إلى النيوليبرالية التي اعتبرت الدولة هي الفاعل الرئيس في العلاقات الدولية، منطلقةً أيضًا من فكرة ترسّخ الدولة الوستفالية. غير أنّ التركيز على الدولة القومية وتجاهل مشكلات الدولة في عالم الجنوب يؤديان حتمًاإلى إشكاليات عند تطبيق هذه النظرية. فالنيوليبرالية بتركيزها على التعاون والاعتمادية المتبادلة تكون بعيدة كل البعد عّم اتواجهه دول الجنوب، وتكون فائدتها مقتصرة على عدد محدود من تلك الدول التي حققت نجاحات في المضمار الاقتصادي 83. وعلى الرغم من أن الليبرالية اعترفت بالفواعل من غير الدول، واهتمت بنوع محدد من الفواعل المرتبطة بالاقتصاد الليبرالي، فإنّها لم تهتم بأي تنظيمات أخرى خارج هذا السياق. فتفسيرها يقتصر على العوامل الاقتصادية، وهي تتجاهل العوامل العسكرية والأمنية؛ ما يجعلها تفشل في معالجة الفواعل من غير الدول في النظام الدولي والشرق الأوسط، التي لم تنشأ لأسباب اقتصادية أو اجتماعية 84. ويؤدي ذلك إلى عجز الواقعية الجديدة والنيوليبرالية عن دراسة الفواعل من غير الدول، مثل داعش وطالبان وبوكو حرام وغيرها، التي كان لها تأثير كبير في الصراعات والحروب في دول الجنوب خاصة، والتي وصل تأثيرها إلى دول الشمال أيضًا. تسبّب اعتباُرُ الدولة الوستفالية المقاَسَ والمعيار في الحكم على الدولة، في النظريتين الواقعية الجديدة والنيوليبرالية، في التعامل مع دول الجنوب على أنّ فيها من الخلل والنواقص ما يبرّر عدم التعامل معها؛ إذ ليس من إشكال في تجاهل دراستها ما دامت لا ترتقي إلى المواصفات والمعايير التي تجعلها قابلة للدراسة. وقد تبع ذلك غياب الاهتمام بالمشكلات الداخلية التي تعانيها دول الجنوب، إضافة إلى عدم الاهتمام بالفواعل من غير الدول التي لها تأثيرات في النظام الدولي. ولا تقتصر المعضلة على ارتباط النظريات الوضعية بمفهوم الدولة الإشكالي بالنسبة إلى دول الجنوب، بل تعدّى ذلك إلى المفاهيم المركزية الأخرى داخل أطر النظريات، مثل الفوضى والسيادة والعقلانية والتحالف والنظام الدولي؛ إذ ثمة صعوبة في تطبيق مثل هذه المفاهيم على دول الجنوب 85. ففكرة الفوضى، التي تؤمن بها نظرية الواقعية الجديدة والنيوليبرالية، إشكالية بالنسبة إلى دول الجنوب، إذ لا ينطبق المفهوم، بحسب ما تقدّمه النظريات الوضعية، على الدول الصغيرة والضعيفة، وذلك لسببين؛ يرجع السبب الأول إلى أنّ دول الجنوب، خاصة الصغيرة والضعيفة منها، غالبًا ما تجد
نفسها تعمل ضمن علاقة هرمية مع الدول الأخرى، وتأخذ علاقتها بالدول الأخرى، خاصة الكبرى والعظمى، شكلًاهرميًا تراتبيًا، وليس فوضويًا كما تفترض هذه النظريات. أما السبب الثاني، فهو مرتبط بافتراض أن الفوضى موجودة خارج حدود الدولة، بينما يسود النظام داخلها. وهذا الافتراض ليس صحيحًا دائمًا، فديناميكيات القوة تؤدي دورًا مهمًافي تشكيل تفاعلات هذه الدول وتجاربها، بحيث لا تقتصر السياسة الدولية على التفاعلات الخارجية بين الفواعل الدولية، بل تشمل أيضًا التأثيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المحلية 86. انطلاقًا من الاهتمام الواقعي بالفوضى باعتبارها عاملًارئيسًا، أغفلت النظرية العوامل الداخلية، الأمر الذي جعلها عرضة للانتقادات لاعتبارها الدولة صندوقًا مغلقًا ومختومًا، لا يمكن النظر إلى داخلها أو معرفة ما يجري فيها من تفاعلات. ولكن عند دراسة دول الجنوب، لا يمكن التغاضي عن العوامل الداخلية لكونها العامل الحاسم في فهم الأحداث الدولية وتحليلها. صحيح أنّ البيئة الخارجية تُعتبر عاملًافي تفسير أمور عديدة، لكن ذلك عامل مساعد لعدم قدرته على تفسير كل شيء. لذا، تؤدي العوامل الداخلية في الدولة دورًا مهمًافي عملية التحليل 87. أما النيوليبرالية، فعلى الرغم من اهتمامها بالعوامل الداخلية، فإنّ هذا الاهتمام مرتبط بالعامل الديمقراطي أساسًا. وبناءً عليه، تصنف النظرية الدول بحسب نظامها الداخلي إلى دول "جيدة" وأخرى "سيئة" في النظام الدولي. واستنادًا إلى افتراضاتها، فإنّ الدول الجيدة تنتهج سياسات تعاونية، ونادرًا ما تشنّ الحروب على غيرها، في حين أن الدول السيئة تشعل الصراعات والحروب مع الدول الأخرى، وتميل إلى استخدام القوة للوصول إلى أهدافها. ومن ثمّ، فإن مفتاح السلام بحسب النيوليبرالية هو ملء العالم بالدول الصالحة، أي بالدول الديمقراطية، انطلاقًا من نظرية السلام الديمقراطي التي تقوم على افتراض أنّ الديمقراطيات لا تخوض حروبًا ضد الديمقراطيات الأخرى. وهكذا، فإن العالم الذي يشتمل على دول ديمقراطية سيكون عالمًا بلا حروب 88. إنّ إخفاق النيوليبرالية في تفسير الصراعات في دول الجنوب يرجع إلى ربطها بين السلام والاستقرار بالديمقراطيات الصناعية، ما يجعلها غير قادرة على تجاوز هذه النظرة الضيقة للصراعات، فيصعب عليها تصور مشكلة الفوضى والصراع خارج هذا الإطار 89. أضف إلى ذلك أنّ غياب الديمقراطية في دول الجنوب يساهم أيضًا في استبعاد هذه الدول من نطاق البحث والدراسة بالنسبة إلى النظرية الليبرالية. ويكون تصحيح مسار هذه الدول السيئة، بحسب النظرية، مرتبطًا بانتشار العدوى من دول الشمال إلى الجنوب، باعتبار دول الشمال المثال على الدول الجيدة التي يجب الاقتداء بها.
إن القاسم المشترك الذي يجمع الواقعية الجديدة والنيوليبرالية نابع من انشغالهما بعلاقات القوة العظمى، فهما تشتركان في نظرية المعرفة الاستعمارية الجديدة التي ترسم حدودًا مميزة بين دول الشمال والجنوب، الأقلية القوية والأغلبية الضعيفة 90. وإنّ ما يزيد هذه النظريات إشكاليةً أنّها على الرغم من اهتمامها بالدول العظمى فحسب، قد ذهبت إلى ادّعاء العالمية، وأنها قابلة للتطبيق والتعميم في كل الدول، بغض النظر عن أي محددات داخلية أو خارجية. وأدّى ذلك إلى فشل النظريات الوضعية في التقاط التعقيدات والتنوعات التي تتسم بها السياسة العالمية، الأمر الذي يعزز هيمنة السرردية الغربية ووجهات نظرها.
خامسًا: العصيان المعرفي بوصفه نهجًا للتحرر من سلطة الهيمنة الفكرية
على الرغم من العقبات المذكورة آنفًا، ومن أن الكثير من الإنجازات في هذا الشأن لم يتحقق بعد، فإنّه لا ينبغي النظر إلى المركزية الغربية على أنها سرمدية في حقل العلاقات الدولية، بل ثمة حاجة ملحّة
إلى استمرار الجهود، نظريًا وعمليًا، في محاولة لتجاوز الهيمنة على هذا الحقل. ولا شك في أن تحقيق مثل هذا الهدف يستلزم العمل الجمعي والمتواصل، على جميع الصّعد، بحيث تكون أولى الخطوات الواجب اتخاذها هي العصيان المعرفي. وفي الإمكان، في هذا السياق، استعراض أمثلة سريعة من العالم العربي 91، للإشارة من خلالها إلى أهمية تبنّي هذا النوع من العصيان باعتباره نهجًا للانفكاك من الهيمنة على مستوَيَي المناهج التدريسية والعمل البحثي والتنظيري. في دراسة استطلاعية أعدّها أحمد قاسم حسين بشأن حال العلاقات الدولية في العالم العربي، شمل الاستبيان 220 أستاذًا في العلاقات الدولية من جامعات مختلفة في العالم العربي، تبّي نأنّ النظريات الوضعية هي المهيمنة على مناهج التدريس في الجامعات. وقد أظهر الاستطلاع أّن 7.14 في المئة من الأساتذة يعتمدون على النظريات الواقعية خلال تدريسهم، بينما بلغ الاعتماد على النظرية الليبرالية 29.3 في المئة، وعلى البنائية 16.9 في المئة 92. أما إجابات الأساتذة حول النظريات المستخدمة في أبحاثهم، فقد جاءت متسقة مع هيمنة النظرية الواقعية والليبرالية والبنائية على الاستخدامات البحثية عندهم؛ إذ يستخدم 74 في المئة منهم النظرية الواقعية، بينما يستخدم الليبرالية 7 في المئة، ويستخدم البنائية 13 في المئة. إنّ اعتماد الأساتذة في الجامعات العربية اعتمادًا كبيرًا على هذه النظريات في المناهج التدريسية يسهم في استدامة العنف الإبستيمي، خاصة أن النظريات غير الغربية غائبة. فبدلًامن أن يساهموا في الخروج من المركزية الغربية، فإنهم يساهمون في الإبقاء عليها ونقلها إلى الأجيال الجديدة. صحيح أنه قد يجري استخدام طرائق مختلفة لتدريس المساقات، فقد أشار باسل صلوخ ومي درويش إلى أن طرائق تدريس العلاقات الدولية تتنوّع داخل العالم العربي، على الرغم من الاعتماد على النظريات الغربية 93، لكنّ هذا وحده لا يكفي لإحداث التغيير المطلوب. فغياب النظريات غير الغربية لا يمكن تعويضه بالأطروحات النقدية. وبناءً عليه، تكون الخطوة الأولى في اتجاه التحرر من المركزية الغربية مقترنة على نحو أساسي بالاعتراف بوجود العنف المعرفي بكلّ أشكاله وأنواعه. ويجب أن يتبع هذا مراجعة لطرائق تدريس العلاقات الدولية ونظرياتها، بالتركيز على المناهج النقدية؛ إذ إن مناهجنا يجب أّل اتبقى مرتكزة على النظريات التي تهمل دولنا، بل لا بد من إعادة النظر في ما يدرّس لتشمل النظريات الغربية وغير الغربية 94. وهنا لا بد من استحضار والتر مينيولو Mignolo Walter، وفكرة العصيان المعرفي، حيث تكون أشكال المعرفة المحلية أكثر ملاءمة وفاعلية لمعالجة القضايا التي تهمّ دول الجنوب. ومن ثم، واجٌبٌ توجيه الجهود إلى نظريات أشدّ صلة بسياق دول الجنوب 95. ويتصل هذا بمفهوم "حرب المواقع" الذي طرحه غرامشي؛ إذ يشير إلى ضرورة العمل على تحقيق تغيير ثقافي مستدام. وتصبح الثورة الثقافية المضادة هنا حًّل احيوًّيًا، من أجل تقوية دول الجنوب وتمكينها من تجاوز حالة الضعف التي تعانيها. وانطلاقًا من ذلك، لزاٌمٌ مدّ العصيان إلى المناهج الدراسية، خاصة أنّ المعرفة الغربية هي السائدة في مناهج دول الجنوب 96. وعلى التربويين في هذه الدول أن يكونوا أكثر وعيًا عند تطويرهم لمساقات نظرية العلاقات الدولية؛ فبدلًامن أن يعتبروها "مساحة محايدة وسلبية"، حريّ بهم أن يتعاملوا معها باعتبارها إحدى وجهات النظر الأنطولوجية والمعرفية المتنافسة على السيادة 97. إن لدى عالم الجنوب إرٌثٌ من الأدبيات والنظريات التي في إمكان التربويين والأساتذة الرجوع إليها. ومن هذا المنطلق، عليهم أن يسعوا للنأي بأنفسهم عن "خطر القصة الواحدة"، وأن يسعوا للتحرر من العنف المعرفي الواقع عليهم في بلادهم؛ كل ذلك بغية أن يصبح التدريس "نقطة انطلاق لإنتاج نظري جديد، يعكس، على نحو أفضل، واقع العلاقات الدولية في العالم العربي" 98، خصوصًا، وفي العالم الجنوبي عمومًا. من هنا، من المهم أن يبتعد باحثو العالم العربي (وغيرهم من باحثي عالم الجنوب عمومًا)، عن استحضار النظريات الغربية وعن محاولة تطبيقها على دولهم كأنها مسّلمّات، فالنظرية الغربية ليست عالمية ولا حيادية. وإن كان لا بد من استدعائها، فعلى الباحثين أن يُخضعوها للنقد والمساءلة. وعليهم أّل ايلجؤوا دائمًا إلى هذه النظريات لتفسير الدول العربية، ودول الجنوب على نحو أعمّ؛ إذ
ينبغي للباحثين أن يسعوا لإحياء المساهمات النظرية الجنوبية 99، بدلًامن عملهم على تكييفها، إضافةً إلى بذلهم جهودًا أكبر للعمل على إنتاج نظريات جديدة. تحقيقًا لذلك، ظهرت عدة توجهات ومدارس لتجاوز المركزية الغربية. وعلى الرغم من الاتفاق العام بين الاتجاهات المختلفة على الحاجة إلى إثراء نظريات العلاقات الدولية بالأصوات والثقافات المختلفة، نشأ الخلاف بينها حول طرائق تحقيق هذا الهدف 100. ومن هذه المدارس "العلاقات الدولية غير الغربية" IR non-Western، و"العلاقات الدولية ما بعد الغربية" IR Post-Western، و"النهج ما بعد الاستعماري" Approach Postcolonial، و"العلاقات الدولية. 101العالمية Global IR " أما في العالم العربي فيمكن حصر المحاولات العربية في ثلاث، اثنتان منها محاولات ليست عربية محضة، وإنما بالشراكة مع آخرين من العالم، وهي مدرسة بيروت للدراسات الأمنية النقدية 102، ومدرسة العلاقات الدولية للشرق الأوسط 103، وأما المحاولة الثالثة فهي توجه عربي يتمثل في النموذج الحضاري الإسلامي 104. هذه المحاولات محدودة مقارنة بدول الجنوب، ولم تحقق النجاح كغيرها من المدارس الأخرى، إذا ما جرْتْ مقارنتها مثلًابالمدرسة الصينية 105، أو الهندية 106، أو بالمدرسة المحلية Homegrown theory 107 التي عمل الباحثون الأتراك على بلورتها. فهناك نقاشات عميقة وجدّية في هذه المدارس وغيرها في دول الجنوب، لتقديم أطروحات وتصورات بديلة؛ إذ دعت إلى الاستفادة من التراث المحلي مثل الكونفوشية والتراث الهندي في بناء نظريات العلاقات الدولية وعدم الارتهان بالثقافة الغربية 108. من المهم البناء على المحاولات الثلاث التي يشارك فيها العرب، ومن المهم توسيعها والعمل على تحقيق تفاعلها مع التوجهات العالمية. إن إجراء الحوار والنقاش والتفاعل مع عالم الجنوب أمر أساسي لتجاوز المركزية الغربية، خاصة أن دولًاجنوبية سبقتنا، نحن العرب، في فتح الحوار والنقاش، وأثارت قضايا مهمة، منها ما ركزت عليه نافنيتا تشادا بيهيرا في نقاشها حول العلاقات الدولية الهندية وطرحها لأسئلة من قبيل: ما حدود تخصص العلاقات الدولية؟ وما قواعد اللعبة؟ ومن يُعتبر صوتًا شرعيًا في هذا المجال؟ ومنها ضرورة فتح أبواب هذا الحقل، إضافة إلى القضايا الإشكالية التي تتعلق بضرورة تجنب تقليد الغرب، والاستفادة من التراث، على أن يتضمن ذلك معالجة للمفاهيم التراثية لتتلاءم مع الحاضر 109. من المهم الانتباه لهذه القضايا وغيرها ومعالجتها في العالم العربي، والدخول في نقاشات جادّة بشأنها مع دول الجنوب. فالتركيز على مصدر المعرفة والانفتاح على الثقافات المختلفة باعتباره أساسًا للمعرفة أمٌرٌ ضروري لتجاوز المركزية الغربية.
وهنا تبرز أهمية "العدالة المعرفية" التي يطرحها المؤرخ ومنظّر ما بعد الاستعمار سابيلو جيه ندلوفو-جاتشيني، والتي لا غنى عنها لتحدي التفاوتات المعرفية السائدة في عصرنا. فلا بد من الاعتراف بأن أفريقيا والجنوب 110 يشّكلّان إطارًا تاريخيًا ومعرفيًا صالحًا لفهم العالم، فينبغي السعي نحو تحقيق التحرر الإبستيمي الذي هو ضرورة لتحرر أفريقيا والجنوب 111؛ إذ إن الحرية المعرفية تقوم على الانعتاق الكيّل يمن المركزية الغربية، ولذا يرى ندلوفو-جاتشيني أنها "تتعلق في الأساس بالحق في التفكير، وتكوين النظريات، وتفسير العالم، وتطوير منهجيات خاصة، والكتابة من حيث نوجد، من دون أن نثقل كاهلنا بالنزعة الأوروبية المركزية[...]والعدالة المعرفية تتعلق بتحرير العقل نفسه من الاستعمار" 112. وهذا مرتبط أساسًا بظهور الوعي النقدي الضروري ضد الاستعمار 113. إنّ الوعي النقدي والتحرر الإبستيمي يتناقضان مع ما طرحه أشاريا وبوزان بمشروعهما الذي أطلقا عليه "العلاقات الدولية العالمية"، والذي يؤكدان فيه على إمكانية الحوار بين النظريات الغربية والجنوب. لقد تعرّض هذا المشروع لانتقادات كثيرة، أهمها ميله إلى دعم نظرية المعرفة الأوروبية المركزية، فهو لا يدعو إلى إعادة تقييم أطر المعرفة الغربية 114، بل يحافظ على هيمنة المعرفة الغربية من دون التشكيك في أسسها أو مبادئها المعرفية. وبدلًامن تحدّي النظريات أو المفاهيم أو السررديات القائمة، فإنه يؤيدها إلى حد بعيد، ويحاول تجاوز المركزية الأوروبية من خلال دمج الأصوات الجنوبية في الإطار الغربي القائم 115. استنادًا إلى ما سبق، من المهم تأكيد أنّ الهيمنة المعرفية لا تقاَبَل بمشروع حواري تحتفظ فيه النظريات الغربية بالمركزية، بل بمشروع مضادّ، يبدأ بالعصيان المعرفي. لذا، لا بد من البناء على النظريات والمصادر المعرفية المحلّية، ويجب العمل على نحو متواٍزٍ على إنتاج نظريات جديدة قد تفشل أو تنجح، ولكن لا مندوحة من أن تكون المحاولات طموحة، لأنها تساهم في عودة صوت التابع المغيب إلى نظريات العلاقات الدولية. فالتابع يستطيع الكلام والتنظير، ويستطيع تقديم إسهامات فكرية تصل إلى العالمية. كل ذلك للدفع في اتجاه أن تصبح نظريات العلاقات الدولية أكثر شمولية وموضوعية وعالمية. والمقصود بالعالمية هنا أنها "ليست ثابتة أو خالدة، بل إنها مشروع مفتوح النهاية يكون بناؤه وفقًا للظروف التاريخية المحددة من جانب جميع أولئك الذين يشاركون الالتزام بتدمير علاقات الهيمنة داخل العلاقات الدولية وخارجها" 116. لا يمكن إنكار الصعوبات التي يواجهها المنظرون في دول الجنوب، خاصة فيما يتعلق بمشكلة اللغة. ومع ذلك، يجب أّل اتمثّل هذه العقبة عائقًا أمام جهودهم. ومن المهم تشجيع المحاولات التنظيرية باللغة الأم؛ وذلك لضمان عدم إقصاء أولئك الذين لا يتقنون لغة النظريات السائدة. فالتوجه نحو استخدام اللغة الأم يعزز قدرة الباحثين على التعبير عن أفكارهم بدقة وبعمق أكثر. وما دامت الترجمة متوافرة فلا مبرر لأْنْ يكون ذلك عائقًا. فمثلًا، كُتب جزء كبير من الأدب العالمي بلغات الكتّاب الأم، وبعد ذلك تُرجم إلى اللغات أخرى، ولم يمنع ذلك من انتشاره وانطلاقه إلى العالمية. فكتابات راؤول بريبيش Raúl Prebisch المنظّر الأساسي لنظرية التبعية كانت باللغة الإسبانية، ورغم ذلك نجحت، فبنى عليها باحثون آخرون. إنّ تحقيق مثل هذا العصيان المعرفي لتجاوز الهيمنة الغربية، واستكمال الجهود التنظيرية الجنوبية، يتطلبان بيئة حاضنة تهتم بهذه الجهود وتعمل على تشجيعها. وتعدّ البيئة الحاضنة من أهم التحديات التي تواجه الجهود التنظيرية في دول الجنوب. فهناك نقص في الاهتمام بالمحاولات التنظيرية وتشجيعها، ما يمثّل عاملًا أساسيًا في تثبيط هذه الجهود. فمن دون الدعم المؤسسي والبيئة المناسبة، يصبح من الصعب على الأفكار الجديدة أن تنمو وتزدهر. لذا، من الضروري أن يتمّ إيجاد بيئة أكاديمية تحتضن هذه الجهود وتدعمها، على نحٍوٍ يمكّن المنظّرين من العمل بحرّية، ومن تبادل الأفكار؛ ومن ثمّ، تعزيز الإنتاج الفكري في دول الجنوب.
خاتمة
هناك عوالم متعددة لا يمكن النظر إليها من خلال عدسة النظريات الغربية، فلا يمكن فهم دول الجنوب اعتمادًا على افتراضات هذه النظريات التي تتجاهلها وتخرجها من مجالات التأثير في العلاقات الدولية. لقد ركزت النظرية الواقعية الجديدة والنيوليبرالية على التفاعلات المرتبطة بالدول الكبرى والعظمى عسكريًا أو اقتصاديًا. ومن هذا المنطلق، فإنّ الافتراضات والمفاهيم التي قدّمتها هاتان
النظريتان جاءت لتترجم الاهتمام بالدول الكبرى والعظمى، الأمر الذي أدى إلى إهمال دور دول الجنوب وقضاياه ومشكلاته. فترسخت صورة دول الجنوب باعتبارها طرفًا هامشيًا في النظام الدولي، على نحو عزز قلّة الاهتمام بالدول الجنوبية والتحديات التي تواجهها في السياسة الدولية. إنّ سمة العالمية، عندما تقترن بالنظريات، تفترض القدرة على تفسير حالة السلم والحرب في معظم دول العالم. غير أنّ النظريات الوضعية السائدة هي نظريات نخبوية، لا تهتم إّل ابقلة من الدول، وتعجز عن تفسير ما يجري في الغالبية العظمى من دول العالم. بناءً عليه، في الإمكان القول إن النظريات الوضعية قدّمت نفسها على أنها عالمية، لكنها في الواقع حصرت العلاقات الدولية بين الدول الغربية القوية، لاوًااعفم لاوًااد اهايإ ةبترعم، لامعلا لود ةيبلاغ اهتاباسح نم تطقسأو بها، وليست دولًافاعلة في العلاقات الدولية. يمكن أن تُظهر أي مراجعة للأدبيات مؤشرات ملموسة على استمرار العنف الإبستيمي، وأنه لم يطرأ عليه أيّ تغيير جذري. ويرجع سبب ذلك إلى وجود آليات تسهم في تغذية هذا العنف، قائمة على اعتبار معارف هذا الحقل، ومفاهيمه وأفكاره، غربية، وعلى اعتبارها معيار القياس بناء على ذلك، إضافةً إلى الدور المحوري الذي يؤديه حرّاس البوابة في المجلات والدوائر الأكاديمية الغربية. وللخروج من هذه الهيمنة الإبستيمية، لا بد من تبنّي سياسة العصيان المعرفي، وهي تستوجب في البداية موضعة النظريات الغربية في سياقاتها، وعدم التعامل معها على أنها عالمية وصالحة لكل زمان ومكان. ويجب أن يتُرجم ذلك على نحو أساسي في المناهج التدريسية في جامعات عالم الجنوب عمومًا، وفي العالم العربي من ضمنه؛ إذ لا بد من تدريس النظريات بطريقة نقدية، فضلًاعن استحضار النظريات غير الغربية. ويجب أن يقلّل الباحثون الجنوبيون، ومن بينهم العرب، اعتمادهم على النظريات الغربية في أعمالهم البحثية، وأن يسعوا للبحث عن أطر نظرية بديلة. فمحاولات تكييف النظريات السائدة لا تكفي للخروج من هيمنة المركزية الغربية على حقل العلاقات الدولية، بل إن هذه الهيمنة، بما تتضمنه من عنف معرفي، تتطلب العصيان المعرفي خطوةً أولى للتحرر منها.
المراجع
العربية
أبو سمرة، أميرة علي الدين. "مناهج ومناهجية دراسة العلاقات الدولية فيما بعد الغرب: إسهامات نظرية صينية في العلاقات الدولية نموذجًا." المجلة العلمية لكلية التجارة (أسيوط). العدد 74 (آذار/ مارس.)2022 أدمام، شهرزاد. "الفواعل العنيفة من غير الدول: دراسة في الأطر سياسات عربية. مج المفاهيمية والنظرية." 2، العدد 8 (نيسان/ أبريل.)2014 حسين، أحمد قاسم. "استقصاء حقل العلاقات الدولية في الوطن العربي: دراسة في الواقع والتحديات." سياسات عربية. مج 11، العدد 61 (آذار/ مارس.)2023 حمشي، محمد. "الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية." سياسات عربية. مج 5، العدد 28 (أيلول/ سبتمبر.)2017 صلوخ، باسل ومي درويش. "تدريس العلاقات الدولية في العالم العربي: الإشكاليات المعرفية والنظرية." سياسات عربية. مج 11، العدد 61 (آذار/ مارس.)2023
الأجنبية
Abboud, Samer et al. "Towards a Beirut School of Critical Security Studies." Critical Studies on Security. vol. 6, no. 3 (2018). Acharya, Amitav & Buzan Barry. "Why is there no Non-Western International Relations Theory? An introduction." International Relations of the Asia- Pacific. vol. 7, no. 3 (2007). Acharya, Amitav. "Global International Relations (IR) and Regional Worlds: A New Agenda for International Studies." International Studies Quarterly. vol. 58, no. 4 (2014). Agathangelou, Anna M. & L.H.M. Ling. "The House of IR: From Family Power Politics to the Poisies of Worldism." International Studies Review. vol. 6, no. 4 (2004).
Akbarzadeh, Shahram (ed.). Routledge Handbook of International Relations in the Middle East. London: Routledge, 2019. Alejandro, Audrey. Western Dominance in International Relations? The Internationalization of IR in Brazil and India. Abingdon: Routledge, 2019. Anderl, Felix & Antonia Witt. "Problematising the Global in Global IR." Millennium: Journal of International Studies. vol. 49, no. 1 (2020). Aydinli, Ersel & Gonca Biltekin (eds.). Widening the World of International Relations: Homegrown Theorizing. London: Routledge 2018. Aydinli, Ersel & Julie Mathews. "Are the Core and Periphery Irreconcilable? The Curious World of Publishing in Contemporary International Relations." International Studies Perspectives. vol. 1, no. 3 (2000). Ayoob, Mohammad. "Inequality and Theorizing in International Relations: The Case for Subaltern Realism." International Studies Review. vol. 3, no. 4
Behera, Navnita Chadha. "Re-imagining IR in India." International Relations of the Asia-Pacific. no.7
Behr, Hartmut & Giorgio Shani. "Rethinking Emancipation in a Critical IR: Normativity, Cosmology, and Pluriversal Dialogue." Millennium. vol. 49, no.2 (2021). Bilgin, Pinar. "Contrapuntal Reading" as a Method, an Ethos, and a Metaphor for Global IR." International Studies Review. vol. 18, no. 1 (2016). Bull, Hedley & Adam Watson (eds.). The Expansion of International Society. Oxford: Oxford University Press, 1984. Darwich, May & Juliet Kaarbo. "IR in the Middle East: Foreign Policy Analysis in Theoretical Approaches." International Relations. vol. 34, no. 2 (2020). Darwich, May et al. "The Politics of Teaching International Relations in the Arab World: Reading Walt in Beirut, Wendt in Doha, and Abul-Fadl in Cairo." International Studies Perspectives. vol. 22, no. 4 (2021). De Matos-Ala, Jacqueline. "Making the Invisible, Visible: Challenging the Knowledge Structures Inherent in International Relations Theory in Order to Create Knowledge Plural Curricula." Revista Brasileira de Política Internacional. vol. 60, no. 1 (2017). Desch, Michael C. "Why Realists Disagree about the Third World (and Why They Shouldn't)." Security Studies. vol. 5, no. 3 (1996). Domínguez, Jorge & Ana Covarrubias (eds.). Routledge Handbook of Latin America in the World. New York: Routledge, 2014. Dunn, K. C. & T. M. Shaw (eds.). Africa's Challenge to International Relations Theory. International Political Economy Series. London: Palgrave Macmillan, 2001. Fawcett, Louise & Yezid Sayigh (eds.). The Third World beyond the Cold War. Oxford: Oxford University Press, 1999. Foucault, Michel. Discipline & Punish: The Birth of the Prison. Alan Sheridan (trans.). London: Viking, 1977. Fukuyama, Francis. "The End of History?" The National Interest. no. 16 (1989). Gofas, Andreas et al. The SAGE Handbook of the History, Philosophy and Sociology of International Relations. London: Sage Publications Ltd, 2018. Hauga, Sebastian et al. "The 'Global South' in the Study of World Politics: Examining a Meta Category." Third World Quarterly. vol. 42, no. 9 (2021).
Hobson, John. The Eurocentric Conception of World Politics: Western International Theory, 1760–2010. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. Hoffmann, Stanley. "An American Social Science: International Relations." Daedalus. vol. 106, no. 3
Holm, H. -H. "The End of the Third World?" Journal of Peace Research. vol. 27, no. 1 (1990). Holsti, Kalevi J. The State, War, and the State of War. Cambridge: Cambridge University Press, 1996. Katzenstein, Peter J. "Is There a Chinese School of IR Theory?" The Chinese Journal of International Politics. vol. 17, no. 3 (2024). Kristensen, Peter Marcus. "Revisiting the 'American Social Science'—Mapping the Geography of International Relations." International Studies Perspectives. vol. 16, no. 3 (2013). Layug, A. & J. Hobson (eds.). Globalizing International Theory: The Problem with Western IR Theory and How to Overcome It. London: Routledge, 2022. Mearsheimer, John. The Tragedy of Great Power Politics. New York: W.W. Norton & Company, 2003. Mostafa, Nadia. Approaching the Discipline of International Relations: Competing Paradigms and Contrasting Epistemes. London/ Washington: International Institute of Islamic Thought, 2022. Muni, S.D. "The Third World: Concept and Controversy." Third World Quarterly. vol. 1, no. 3 (1979). Ndlovu-Gatsheni, Sabelo J. Epistemic Freedom in Africa: Deprovincialization and Decolonization. New York: Routledge, Taylor and Francis Group, 2018. Neuman, Stephanie (ed.). International Relations Theory and the Third World. New York: St. Martin's Press, 1998. Posholi, Lerato. "Epistemic Decolonization as Overcoming the Hermeneutical Injustice of Eurocentrism." Philosophical Papers. vol. 49, no. 2 (2020). Roach, Steven C. (ed.). Handbook of Critical International Relations. London: Edward Elgar Publishing, 2020. Sachsenmaier, Dominic. "World History as Ecumenical History?" Journal of World History. vol. 4, no. 18
Santos, Boaventura de Sousa. Epistemologies of the South: Justice against Epistemicide. New York: Routledge, 2016. Shani, Giorgio & Navnita Behera. "Provincializing International Relations through a Reading of Dharma." Review of International Studies. vol. 48, no. 5 (2022). Shani, Giorgio. "Towards a Post Western IR: The Umma, Khalsa Panth and Critical International Theory." International Studies Review. vol. 10, no. 4 (2008). ________. "IR as Inter-cosmological Relations?" International Politics Review. vol. 9, no. 4 (2021). Smith, Karen & Arlene Tickner (eds.). International Relations from the Global South Worlds of Difference. London: Routledge, 2020. Spivak, Gayatri Chakravorty. "The Rani of Sirmur: An Essay in Reading the Archives." History and Theory. vol. 24, no. 3 (1985). Thomas, Caroline. "Where Is the Third World Now?" Review of International Studies. vol. 25 (1999). Tickner, A. B. & O. Wæver (eds.). International Relations Scholarship around the World: Worlding Beyond the West. Oxon: Routledge, 2009. Tickner, Arlene. "Seeing IR Differently: Notes from the Third World." Millennium: Journal of International Studies. vol. 32, no. 2 (2003).
Turton, Helen. International Relations and American Dominance: A Diverse Discipline. London: Routledge, 2016. Valensi, Carmit. "Non-State Actors: A Theoretical Limitation in a Changing Middle East." Military and Strategic Affairs. vol. 7, no. 1 (March 2015). Vasilaki, Rosa. "Provincializing IR? Deadlocks and Prospects in Post-Western IR Theory." Millennium: Journal of International Studies. vol. 41, no. 1 (2012). Waever, Ole. "The Sociology of a not so International Discipline: American and European Developments International Relations." International in Organization. vol. 52, no. 4 (1998). Wallerstein, Immanuel. European Universalism: The Rhetoric of Power. New York: The New Press, 2006. Waltz, Kenneth. Theory of International Politics. Massachusetts: Addison Wesley, 1979. Wang, Hung-jen. "Chinese IR Scholarship as a Relational Epistemology in the Study of China's Rise" The China Quarterly. no. 245 (April 2020). Wemheuer-vogelaar, Wiebe et al. "The Global Division of Labor in a Not So Global Discipline." All Azimuth: A Journal of Foreign Policy and Peace. vol. 11, no. 1
Widening the World of International Relations: Homegrown Theorizing. Ersel Aydinli & Gonca Biltekin (eds.). London: Routledge, 2018. Yaqing, Qin. "Why is there no Chinese International Relations Theory?" International Relations of the Asia-Pacific. vol. 7, no. 3 (September 2007). ________. "A Relational Theory of World Politics." International Studies Review. vol. 18, no. 1 (2016). ________ (ed.). Globalizing IR Theory: Critical Engagement. London: Routledge, 2020.