العسكر والدولة السودانية: المتلازمة المتكررة في الحكم

Hani Mousa هاني موسى |

الملخّص

This study addresses a longstanding and renewed subject in the case of Sudan: the continual interference of military formations and elites in political authority and the instability of post-independence civil governance. It uses a compound methodology blending a historical reading of political events and developments with a descriptive reading of the present reality, in its domestic and foreign dimensions, and a forecast of Sudan's future in light of the current situation. The study observes that the plurality of regional, ethnic, and military structures, instead of being a constructive and integrating aspect of the Sudanese state and nation, has reflected negatively on the country's unity and its political and security stability. Since independence, these formations have remained in confrontation, whether between one another or among the internal parts and divisions of each. Evidence for this claim is found in Sudan's complex crises, including that of governance, the South, Darfur, the current transitional period, and the struggle for power presently raging between military branches. Keywords: Sudan, Army, Authority, Civil Governance, Foreign Interference.

The Military and the Sudanese State: A Recurring Syndrome of Governance

تعالج الدراسة موضوعا قديمً ا ومستجدًا في الحالة السودانية، وهو استمرار تدّخ ل التكوينات والنخب العسكرية في السلطة السياسية، وعدم استقرار الحكم المدني بعد الاستقلال. و اعتمدت منهجً ا علميا مركبا، يجمع بين القراءة التاريخية لمجريات الأحداث السياسية وتطوراتها، والقراءة الوصفية للواقع الراهن، بأبعاده الداخلية والخارجية، ومحاولة استشراف المستقبل السوداني في ضوء الحالة الراهنة. لاحظت الدراسة أن تعدد التكوينات الجهوية والعرقية والعسكرية في السودان انعكس سلبيًا على وحدته واستقراره السياسي والأمني، بدلًا من أن يُشّك ل ذلك عامل بناء وتكامل للدولة والأمة السودانية. فمنذ الاستقلال، بقيت هذه التكوينات في حالة من الاشتباك، سواء فيما بينها أو بين أجزائها وتكويناتها الداخلية. يتضح ذلك من أزمات السودان المركبة، ومنها أزمة الحكم، وأزمة الجنوب، وأزمة دارفور، وأزمات المرحلة الانتقالية الراهنة، والصراع المحتدم حاليًا على السلطة بين الأجنحة العسكرية. كلمات مفتاحية: السودان، الجيش، السلطة، الحكم المدني، التدخل الخارجي.

مقدمة

يمثّل الصراع بين المكوّنات العسكرية السودانية مؤخرًا حدثًا كاشفًا لأزمة العلاقات المدنية - العسكرية المزمنة؛ إذ إنّ الدولة السودانية، منذ حصولها على الاستقلال عام 1956، تعاني التعثر وعدم الاستقرار في مسارها السياسي والأمني. ويظهر ذلك جليًا في تكرار ظاهرة الانقلابات العسكرية على السلطة السياسية، ومحدودية فترات الحكم المدني مقارنة بالحكم العسكري، وما رافق ذلك من أزمات متعددة، سياسية واجتماعية واقتصادية وأمنية، لم تبرأ منها الدولة السودانية حتى اليوم. فدخلت هذه الدولة في خضم هذا المعترك السلطوي في حالة من الصدام مع مركّباتها ومكوّناتها المؤسسية والمجتمعية؛ ما أدى إلى التقليل من قدرتها ومناعتها الذاتية. وتجلّت هذه الحالة في هشاشة الحكم المدني، وانفجار أزمة إقليم دارفور عام 2003، وانفصال جنوب السودان عام 2011، وما أعقب ذلك مباشرةً من "حراك شعبي سوداني"، ضمن الموجة الثانية من ثورات الربيع العربي، وما نتج منه من تفاعلات داخلية أدّت إلى سقوط حكم عمر البشير، واستبدال الوجوه العسكرية في سدة الحكم. فمنذ الاستقلال، استحوذ الجيش السوداني على السلطة لما يزيد على خمسة عقود، وتجلى ذلك مع إبراهيم عبود 1965-1958()، وجعفر النميري 1985-1969()، وعمر حسن البشير 2019-1989()، وصولًا إلى الفترة الراهنة التي أعقبت حكم البشير. في المقابل، كانت فترات الحكم المدني بعد الاستقلال هشة وقصيرة زمنيًا؛ إذ إنها لم تتجاوز العقد ومنتصف العقد، وتجلى ذلك في فترة إسماعيل الأزهري وعبد الله خليل 1958-1954()، وفترة سر الختم خليفة ومحمد أحمد محبوب 1969-1964()، وصولًاإلى فترة عبد الرحمن سوار الذهب والصادق المهدي)1989-1985( 1. كل ذلك كان على حساب توطيد هياكل الدولة وبناها وقدرتها على اختراق المجتمع السوداني، بما يجعلها قادرة على الاستقرار والبقاء؛ وهو ما صرف الجهد والوقت والموارد عن العملية التي ينبغي للدولة أن تنخرط في غمارها لتحقيق التنمية والبناء، وعطّل ترسيخ قضايا الديمقراطية والمواطنة والحكم الرشيد. فالمؤسسة العسكرية السودانية وأطراف أخرى، باتت تعطّل ترسيخ دولة مدنية حديثة؛ ما قاد ويقود إلى مزيد من النزاعات الداخلية والأزمات الهوياتية في السودان. تكمن أهمية البحث في راهنيته؛ إذ إن هذا الموضوع يعكس الواقع المأزوم للدولة السودانية، وما تعانيه من تعثر في مساَرَيها السياسي والأمني بعد سقوط حكم البشير، وما أعقب ذلك من عودة ظاهرة الانقلابات العسكرية، واحتدام الصراع بين العسكريين على هذه السلطة، وعدم استقرار حكم المدنيين في السودان. فهذه الدراسة تبحث في أسباب العودة المتكررة للحكم العسكري، واستمرار تعثر الحكم المدني، وتبحث في علاقة النخب العسكرية بالنخب المدنية، في محاولة استكشاف إن كانت تربطهما علاقة عضوية، في ظل ضعف المكوّن المدني في الفضاء السياسي السوداني. يضاف إلى ذلك البحث في أسباب فشل عملية الدمقرطة في السودان بعد الاستقلال، وتبيان أهم عناصر هذا الفشل ومحدداته؛ ما قد يمثّل مدخلًاللباحثين والمهتمين بالشأن السوداني، لفهم أحد أهم جوانب أزمة ترسيخ الدولة السودانية والتنمية السياسية فيها. تتميز هذه الدراسة بتناولها إشكالية متجذرة في العالم العربي، كونها ارتبطت عضويًا "بالولادة المشوهة" للدولة الوطنية الحديثة، وأخذت تجلياتها تتفاقم وتبرز حينما اصطدم النظام السياسي بأبسط حالات عدم الاستقرار الداخلي والإقليمي والدولي. ولعل ما تمر به الدولة السودانية في الوقت الراهن يكشف إخفاق النظام السياسي في مأسسة الأدوار والوظائف التي تقوم بها أجهزة الدولة المختلفة. وتتميز أيضًا بأنها لا تركز على الجيش السوداني في العقود الماضية فقط، بل في سياق ما بعد "الثورات العربية"، وما تعرضت له المؤسسة العسكرية من انكشاف في انقساماتها الداخلية، وارتباطاتها بالبنى الاجتماعية المختلفة في التكوين والقوى السياسية، إلى جانب ارتباطاتها الخارجية. إن الفجوة العلمية في الدراسات السابقة، التي سارت بمسارات مختلفة في تناولها للحالة السودانية، تعزز أهمية هذه الدراسة؛ فقد تناولت بعض الدراسات، مثل دراسة تميم منصور 2، بإيجاز الانقلابات العسكرية التي وقعت في معظم الجمهوريات العربية، إلى جانب المغرب، باستخدام أسلوب المسح التاريخي السرريع والموجز، من دون نقاش العوامل وتفاعلاتها الداخلية والخارجية. في حين ركّزت دراسات أخرى، مثل دراسة الكاتب السوداني محمد محجوب عثمان 3، على أحداث تاريخية محددة تتمثل في حركة 19 يوليو /[تموز] 1971، حينما حاول الحزب الشيوعي السوداني إطاحة حكم النميري عبر التحالف مع المؤسسة العسكرية. وذهبت دراسات، مثل دراسة

  1. محمد محجوب عثمان،  3 الجيش والسياسة في السودان: دراسة في حركة   19 يوليو 1971 (القاهرة: مركز الدراسات السودانية،.)1998
  2. تميم منصور،  2 الانقلابات العسكرية في الأقطار العربية: العسكر والسياسة وصراع الضباط للوصول إلى السلطة في الأقطار العربية (رام الله: دار الوسط اليوم وشوقيّات للإعلام والنشر،.)2017
  3. ماجد محيي آل غزاي،  1 التاريخ السياسي في السودان منذ الاحتلال البرريطاني حتى حكم البشير (عمان: دار الأيام للنشر والتوزيع، 2019)، ص.258-257

أعدّها أحمد ولد داداه وآخرون 4، في مسار شمولي عام، فتناولت علاقة الجيش بالفضاء السياسي في الوطن العربي بعامة، من دون التركيز على حالة دراسية بعينها أو تناول المتغّي رات المستجدة في الإقليم العربي في الألفية الحالية. وبالانتقال إلى دراسة الكاتبة إيفا بيلين  5، نجدها قد تناولت إخفاقات التجارب الديمقراطية في الشرق الأوسط، محددةً أربعة عوامل رئيسة تقف خلف هذا الإخفاق، وهي: ضعف المجتمع المدني، وسيطرة الدولة على قطاع الاقتصاد، وانتشار الجهل والأمية، وابتعاد دول الشرق الأوسط جغرافيًا عن الدول الديمقراطية. لكنها لم تفرد مساحة واسعة لدور المؤسسة العسكرية في هذا التعثر. وطرحت دراسة لورد حبش  6، الواردة ضمن كتاب الثورات والانتقال الديمقراطي في العالم العربي وأوروبا الشرقية، مدخلًانظريًا يشير في جانب منه إلى أن الانتقال من الحكم العسكري إلى الحكم المدني يتطلب تعددية حزبية مع تحييد المؤسسة العسكرية، وليس تعددية حزبية تحت سيطرة المؤسسة العسكرية. وبناء على هذا، فإن تنوع شكل الحكم في السودان ما بين العسكري والفردي والحزب الواحد يُعتبر من مظاهر هشاشة الحكم المدني. وعلى خلاف هذه الدراسات المهمة، ذهبت دراسة حسن الحاج علي أحمد  7 في اتجاه مختلف لمّا ركّزت على حالة التسييس الحاد التي يشهدها المجتمع السوداني، من نقابات واتحادات ومؤسسات دينية، معتبرةً أن المؤسسة العسكرية ليست استثناء وأن الانقلاب العسكري في السودان هو استمرار للعملية السياسية بوسائل أخرى. أما دراسة محمود قلندر  8، فمع أنها تركز على ملابسات أول انقلاب عسكري في السودان، والنظام الذي تولّد منه، فإنها تطرّقت إلى الدور التاريخي للجيش السوداني، معتبرةً أن السياسة والعسكر صفتان متلازمتان في التاريخ السياسي للسودان. بناء عليه، لا تزال دراسة العلاقة بين الجيش والسلطة في سياقها العربي، ومن ضمنه السوداني، تحتاج إلى مزيد من التعمق على مستوى الأدوات والأشكال والتفاعلات والمصالح والمخرجات والاستدامة والربط المنهجي والمعرفي، في تناول موضوع الجيش والسلطة. انطلاقًا مّم ايجري في السودان من صراع محتدم على السلطة واحتراب داخلي وعدم استقرار في الحياة السياسية، ومن عودة الجيش المتكررة إلى الواجهة السياسية وسيطرته على مفاصل الدولة السودانية، يصبح السؤال الرئيس لهذه الدراسة هو البحث في أسباب استمرار تدخّل التكوينات والنخب العسكرية في السلطة السياسية في البلاد. وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من التساؤلات الفرعية النابعة من الإشكالية الرئيسة السابقة، على النحو التالي: ما دور التكوينات والنخب العسكرية في المجال السياسي السوداني؟ وما التحولات التي شهدها هذا الدور؟ كيف تأثر المجال السياسي السوداني بأداء النخب السياسية وفاعليتها؟ 3. ما أسباب غياب المأسسة في النظام السياسي السوداني وانعكاساته؟ 4. ما دور التدخلات الخارجية في أزمة المجال السياسي السوداني؟ تنطلق الدراسة في معالجة سؤالها المحوري من فرضية أساسية مفادها أن تدخّل التكوينات والنخب العسكرية في المجال السياسي بالسودان هو استمرار للدور التاريخي الذي اضطلع به الجيش في العملية السياسية خلال حقب زمنية مختلفة، وللدور الذي أداه في تشكيل النظام السياسي السوداني بعد الاستقلال؛ إذ يمثّل بقاء الجيش في السلطة تكريسًا وإدامة لعلاقات القوة التي أنشأها عبر تراكم تجاربه التاريخية. وفي هذا السياق، تشكل التجربة السودانية نوعًا من المتلازمة المتكررة لإدارة العسكر للدولة؛ ما يؤدي إلى عدم تطوير حكم مدني تراكمي، يمكّن السودانيين من الخلاص من دائرية السياق السياسي السائد منذ الاستقلال. وتحاول الدراسة الإحاطة بجوانب العلاقة المدنية - العسكرية في السودان وتحولاتها؛ لهذا الغرض، تستجلب تدّخلّات منهجية مركبة، تاريخية مقارنة – تحليلية - وصفية، في معالجة الأسئلة البحثية. فدراسة العلاقة القائمة بين العسكر والسلطة في السودان، تتطلب إجراء مقارنات تاريخية للدور الذي اضطلع به الجيش السوداني في العملية السياسية في حقب زمنية مختلفة، وإجراء وصف دقيق للواقع، وتحليل معمّق للمحددات المؤثرة في مساره وتحولاته، من خلال قراءة التطورات التاريخية، وسياقاتها السياسية والأمنية، وربط هذا التطور بالنظام السياسي السوداني وتفاعلاته مع البيئتين

  1. Eva Bellin, "The Robustness of Authoritarianism in the Middle East: Exceptionalism in Comparative Perspective," Comparative Politics , vol. 36, no. 2 (January 2004), pp. 139-157.
  2. 6  لورد حبش، "نظريات الثورات والانتقال إلى الديمقراطية"، في: أحمد مصلح [وآخرون]، الثورات والانتقال الديمقراطي في العالم العربي وأوروبا الشرقية: بولندا ومصر نموذجًا (رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية- مواطن، 2015)، ص.82-19
  3. 7  حسن الحاج علي أحمد، "الانقلاب العسكري بمنزلة عملية سياسية: الجيش والسلطة سياسات عربية، مج في السودان"، 5، العدد 24 (كانون الثاني/ يناير 2017)، ص.53-52
  4. محمود قلندر،  8 السودان ونظام الفريق عبود   17 نوفمبرر 21-58 أكتوبر 64 (الخرطوم: دار عزة للنشر والتوزيع، 2012)، ص.15-11

الداخلية والخارجية. إنّ هذا البناء المنهجي المركب يفسرر التقسيم والتبويب اللَذَين اتبعتهما هذه الدراسة، ويعكسان التكامل المنهجي.

استهلال نظري ومفاهيمي

تطرّقت العديد من الأدبيات إلى موضوع تدخل الجيش في السلطة من الناحية النظرية، مركزةً أطروحاتها العملية على الحالة العربية، آخذة في الاعتبار التباينات النسبية بين أقطارها. فتأصيل تدخل الجيش في السلطة، نظريًا، من شأنه أن يساعد في فهٍمٍ وتفسيٍرٍ أفضل للحالة السودانية الراهنة؛ ما يضفي على هذه الدراسة درجة أعلى من الدقة والموضوعية. وفي موضوع تدخل الجيش في السياسة، تناول عزمي بشارة مفهوم المهنية العسكرية ونقيضها، مبيّنًا في الوقت ذاته الإشكاليات المحيطة بهما. فهو يعتبر أن المهنية بمفهومها النظري المجرد تتمثل في حيادية الجيش وابتعاده عن شؤون الحكم، والامتثال للمستوى السياسي، والولاء للدولة، بغض النظر عن الخلفيات السياسية والأيديولوجية للنخبة الحاكمة، إلى جانب أهمية تحلي الجيش بالنزعة الوطنية، وحماية المصلحة العامة للدولة والمجتمع، وهنا يأخذ صفة "الاحتراف." في المقابل، هناك تفاوت في مدى تطبيق هذه المعايير بين بلد وآخر، وهو ما يجعل المهنية مفهومًا قيميًا أكثر منه واقعيًا. فبشارة يرى علاقة عضوية بين مفهوم المهنية والديمقراطية؛ فإذا كانت المؤسسة العسكرية موجودة في سياق ديمقراطي، فإن المصلحة العامة هي التي تحكم، وتكون السلطة السياسية هي العليا. أما إذا كان السياق سلطويًا فقد تصبح المؤسسة العسكرية هي صاحبة السلطة العليا، وهنا تتفوق المصلحة الخاصة على العامة، وقد يمهد هذا الموقع للجيش بناء منظومة مصالح اقتصادية واجتماعية وسياسية. لذا، لجأت بعض الدول إلى تحييد المؤسسة العسكرية، بسبب تخوّف النخبة السياسية الضيّقة منها؛ ففي تونس على سبيل المثال، تم تحييد الجيش وجعله جيشًا مهنيًا متفرغًا فقط للعمل العسكري، حيث اعتمد النظام السياسي على المؤسسة البوليسية لضبط المجتمع والأفراد بدلًامن الجيش  9. يقوم الحكم الديمقراطي، وفقًا لزولتان باراني، على مبادئ عديدة أهمها مدنية الحكم، من خلال ممثلين منتخبين يحتكمون في عملهم إلى العملية الديمقراطية والنظم القانونية والدستورية؛ إذ تعتبر الحوكمة الديمقراطية عاملًامهمًافي وجود مؤسسات سياسية قوية ومنضبطة. وانطلاقًا من ذلك، يصبح دور المؤسسة العسكرية محصورًا ضمن دائرة شؤونها الاحترافية، بما يشمل تقديم المشورة للمستوى السياسي، والمساعدة في مواجهة الكوارث الطبيعية داخل الدولة وخارجها  10. يضيف بوينو دي ميسكويتا، في السياق ذاته، أنه مهما كانت الترتيبات السياسية في مجتمع ما، فإن لبعض الأفراد أو الجماعات مصلحة في تغيير مؤسسات الحكم، مثل مؤسسة الجيش والفئات المهمشة، من خلال العمل على تقليل حجم التحالف الحاكم أو المسيطر، وزيادة حجم الجماعات المهمشة. لكنّ الديمقراطيات، وفقًا لدي ميسكويتا، توفر الكثير من المنافع العامة، لأن شرعيتها مرتبطة برضا أفراد المجتمع، على خلاف ما تتسم به طبيعة التحالفات داخلها من عدم الديمومة وعدم الاستقرار؛ نظرًا إلى تغّي رالنخب والبرامج المطروحة في ظل التداول الدوري والمنتظم للسلطة. في المقابل، تتقلص المنافع العامة في الدول غير الديمقراطية، وتزداد المنافع الخاصة المرتبطة بالزبائنية  11، وكذلك بالتحالف الكبير الذي يتسم بالبقاء في الحكم فترة زمنية أطول من التحالف الديمقراطي  12. يُعدّ الجيش في الدولة الحديثة، وفق رؤية عبد الإله بلقزيز، من مؤسسات الدولة وليس السلطة؛ كونه مؤسسة سيادية محايدة وغير سياسية. وانطلاقًا من ذلك، على الجيش أن لا يوظّف العنف وقدراته المادية في الفضاء السياسي؛ فتدخّله في الحياة السياسية، دعمًاأو منعًا أو رفضًا، يمثّل خروجًا عن دوره الطبيعي، وتدخلًاغير مهني، لكونه صاحب وظيفة دستورية محددة تتمثل في الدفاع عن الدولة والأمة التي يمثلها أمام التهديد الخارجي حصرًا  13. وفي مقابل هذا الطرح، تعتبر أطروحات أخرى أن للجيش دورًا سياسيًا متناميًا، وتستند في ذلك إلى الواقع الأميركي باعتباره حالة دراسية؛ فالعلاقات المدنية - العسكرية في الولايات المتحدة الأميركية، قد تسودها المساومة أكثر من تقسيٍمٍ للعمل بين القادة السياسيين والعسكريين. ولعل وصف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب للجيش بأنه حليفه السياسي

  1. 13  عبد الإله بلقزيز، "السياسة في ميزان العلاقة بين الجيش والسلطة"، في: ولد داداه [وآخرون]، ص.18-15
  2. 10  زولتان باراني، "القوات المسلحة وعمليات الانتقال السياسي"، سياسات عربية، مج 5، العدد 24 (كانون الثاني/ يناير 2017)، ص.85-83
  3. 11  يقصد بالزبائنية قيام النخبة الحاكمة للسلطة بتوزيع الموارد العامة وفقًا لحسابات سياسية، وذلك بغرض كسب الولاء، واحتواء المعارضة، ومحاصرة الصراعات المهددة لها، وهنا قد يتم ربط السلطة بأشخاص محددين أو عائلة أو طائفة، وتهميش دور المؤسسات الوطنية أو تحويلها إلى واجهات للنظام القائم أو تفريغها من مضمونها. للمزيد، ينظر: جميل هلال، النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو: دراسة تحليلية نقدية (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1998)، ص 25-24.
  4. Bruce Bueno de Mesquita et al., The Logic of Political Survival (Cambridge: The MIT Press, 2004), pp. 389, 402-403.
  5. 9  عزمي بشارة، الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.28-26

وأحد داعميه في السياسة الانتخابية، يدل على دوره، أي الجيش، المتنامي في هذا السياق، وإن كان بصفة مستترة وغير ظاهرة 14. تتعدد أشكال تدخل الجيش في السلطة في العالم العربي، وتتفاوت من دولة إلى أخرى، حيث وصف عبد الإله بلقزيز الشكل الأول ب "جيش السلطة"، وهنا يفقد الجيش استقلاليته وحياديته، ويتحول من مؤسسة سيادية ووطنية إلى أداة قمع وهيمنة بيد النخبة الحاكمة أو السلطة لتحقيق مصالح ضيقة. أما الشكل الثاني، فيتمثل في خضوع السلطة السياسية لسطوة الجيش، بحيث يتولى إدارتها وتوجيهها بصفة مباشرة أو غير مباشرة. ويبرز الشكل الثالث بظهور "الجيش الأهلي"، الذي يكون طرفًا في صراعات داخلية، وذلك عندما يتحول من جيش وطني إلى "ميليشيا" تمثل مصالح قوى اجتماعية ضيقة 15. قد تفسرر عدة عوامل تدخّل الجيش في السلطة في العالم العربي، نذكر منها أزمة تشكّل الدولة، وغياب مأسسة الجيش لاحقًا، ويظهر ذلك في فقدانه مهنيته واحترافه، خاصة عندما يتحوّل من مؤسسة وطنية عامة إلى مؤسسة ذات ولاءات وانتماءات ضيّقة، مثل الولاء للسلطة الحاكمة، أو للحاكم نفسه، أو لطبقة سياسية، أو لقبيلة، أو لطائفة دينية. تجلّت هذه الأزمة مع اندلاع ما سُمّي ثورات الربيع العربي، حينما فقدت المؤسسة العسكرية في بعض الحالات سلطتها المركزية، وأصابها التفكك لصالح جماعات وميليشيات لا يعترف بعضها بالدولة الوطنية  16. قد لا يقتصر غياب المأسسة على مؤسسة الجيش، بل يمتد هذا الأمر إلى البنية المؤسسية للنظام السياسي بعامة؛ فهناك ارتباط وثيق بين المؤسسات، وهنا حدد صامويل هنتنغتون عدة معايير يمكن من خلالها الحكم على مدى وجود المأسسة في البنية المؤسسية للنظام السياسي، لعل أبرزها: درجة استقلالية المؤسسة عن القوى الاجتماعية (القبيلة، الطبقة، الطائفة)، وكذلك عن التأثيرات الخارجية، ومستوى تماسكها الداخلي، ودرجة التعقيد في مستوياتها، ومدى تنوع وظائفها، إلى جانب مدى مواكبتها للتطور، وطول عمرها الزمني، وكذلك مدى تغّي رقياداتها من وقت إلى آخر؛ وذلك، لأن وجود هذه المعايير، وفق ما يرى هنتنغتون، يرفع مؤشر المأسسة، ويساعد في تطور النظام السياسي واستقراره، وفي التصدي للتدخلات الخارجية  17. وعلى الأغلب، فإن هذا ما يفتقر إليه السودان الذي تتجسد فيه حاليًا مظاهر التدخل العسكري في السلطة وشؤون الحكم، والتدخل الخارجي في شؤونه. من العوامل الأخرى، التي قد تفسرر تدخّل الجيش في السلطة في العالم العربي، أزمة ولادة الدولة "الوطنية"، وسياق تطورها في هذه المنطقة. فالإرث التاريخي المتمثل في نموذج الدولة السلطانية التقليدية، وتأثيره في بعض الأقطار العربية، وإن كان بدرجات متفاوتة، يفرّس رجانبًا من إشكالية العلاقة بين الجيش والسلطة، إلى جانب التأثير الذي أحدثه المستعمر، بإسقاطه نموذج الدولة "الحديثة" على السياق العربي، من دون مراعاة الخصوصيات التاريخية والثقافية والاجتماعية والطبيعية لهذا الإقليم. يضاف إلى هذا العامل ضعف الطبقة الوسطى سياسيًا وتنظيميًا؛ ما أضعف قدرتها على تغذية الحياة السياسية والحزبية بالفواعل والطاقات اللازمة لإحداث التغيير المطلوب، فدورها لا يقتصر على الجانب الاقتصادي بل يتعدى ذلك انطلاقًا من دورها الثقافي. وفي ظل هذا الضعف، شكّل لجوء بعض القوى السياسية العربية، ذات التوجه الوطني أو القومي، إلى المؤسسة العسكرية لتمكينها من الوصول إلى السلطة، بدلًامن الاستناد إلى القاعدة الاجتماعية والشعبية، عاملًامساعدًا على تدخل الجيش في الحكم 18. وفي سياق الحالة السودانية، يرى بشارة تداخلًابين عدة عوامل قد تفسرر أزمة العلاقة بين العسكريين والمدنيين، منها عدم تبلور هياكل مؤسسية قوية قائمة على مجتمع مدني يقيم نظامًا سياسيًا مستقرًا، إلى جانب عدم نجاح النخب السياسية المدنية في إقامة نظام حكم مدني منذ الاستقلال إلا فترات وجيزة، لم تتجذر فيها أسٌسٌ للاستقرار السياسي في البلاد. وقد يعود هذا التعثر، في أحد جوانبه، إلى انقسام النخب المدنية، وعدم تعاونها في بناء مشروع سوداني قائم على دولة ديمقراطية تعددية  19. من أجل البحث في دور الجيش السوداني في السلطة، تعتمد هذه الدراسة على النظرية البنائية الوظيفية، التي تحاول فهم العلاقة الجدلية بين سياسات النظام السياسي والبيئة المحيطة به، بعناصرها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية؛ وذلك من خلال تناول الكيفية التي تتفاعل بها مفاهيم النظام والبنية والوظيفة في وضع السياسات وتنفيذها، سواء داخل الدولة الواحدة أو مقارنتها بين دول مختلفة،

  1. 14  للمزيد، ينظر: Risa Brooks, "Paradoxes of Professionalism: Rethinking Civil-Military
  2. 18  بلقزيز، ص.29-25
  3. 19  عزمي بشارة، "الجيش والحكم عربيًا: إشكاليات نظرية"، سياسات عربية، مج 4، العدد 22 (أيلول/ سبتمبر 2016)، ص.13-12
  4. Relations in the United States," International Security , vol. 44, no. 4 (2020), pp. 8, 16.
  5. 15  بلقزيز، ص.23-20
  6. 16  محمد سعدي، "إمكانيات إصلاح الجيش ورهاناته في العالم العربي: دراسة أولية سياسات عربية، مج مقارنة"، 5، العدد 24 (كانون الثاني/ يناير 2017)، ص.66-65 17  صمويل هنتنجتون، النظام السياسي في مجتمعات متغيرة، ترجمة حسام نايل، تصدير فرانسيس فوكوياما (لبنان: دار التنوير للطباعة والنشر، 2017)، ص.47-38

آخذة في الاعتبار أن هذه المفاهيم قد تتغير من الناحية الفعلية بين فترة وأخرى، وبين بلد وآخر. فالنظم والبنى المؤسسية متغيرة وغير ثابتة، ومن ثمّ تتغير الوظائف في ضوء تحّولّات المصالح، وانتقال الثقل السياسي النسبي بين الفواعل المختلفة. وتحاول هذه النظرية أيضًا تفسير هذا التغير، باعتماد الربط بين الوظائف ومن يتولى تنفيذها على أرض الواقع، ومقارنة ذلك بمنظومة القواعد والمقاييس المحددة دستوريًا  20. وتذهب هذه المداخلة النظرية إلى القدرة على التكيّف في السياقات الديمقراطية الغربية، إلا أن تحديات شتى تعيق توظيفها في سياقنا هذا، خاصة في ظل تشوّه البنى السياسية وتداخل وظائفها في عالم الجنوب؛ ولذلك فإن توظيف هذا التأطير النظري هنا هو محاولة لاختبار فاعليته الشكلية على أقل تقدير، مع محاولة كشف تلك التحديات ومحاورتها نقديًا ضمن الإطار المستخدم. بناءً على ما سبق، يتمحور النقاش في الحالة السودانية حول مجموعة من العوامل المركزية، التي قد تفسرر العلاقة المأزومة بين العسكر والسلطة في السودان.

أولًا: العسكر والسلطة في السودان: سياق متكرر

لم يكن تدخل الجيش السوداني في السلطة وليد اللحظة الراهنة، بل كان نتاج تراكمات تاريخية، ساهمت ولو بدرجات متفاوتة في تكوين الواقع المعقد الذي يشهده السودان اليوم، ولعل التأصيل الجيد للأزمة يقود هذه الدراسة للعودة إلى بدايات الحكم التركي - المصري للسودان 1885-1821()؛ وذلك في محاولة لفهم السياق التاريخي والسياسي الذي نمت فيه إشكالية العلاقة بين الجيش والسلطة في السودان، وفهم أسباب استمراريتها. كما يُعدّ هذا التأريخ بداية نشوء الدولة السودانية الحديثة، جغرافيًا وإداريًا وسياسيًا، حينما انتقلت من حكم الممالك والسلطنات الصغيرة إلى حكم مركزي، ضمن وحدة جغرافية واجتماعية وسياسية واحدة  21. انخرط السودانيون، كما بقية الشعوب العربية، في صفوف الجيش العثماني، إضافة إلى الجيش المصري، وذلك في إطار الحكم المشترك، وتشرّبوا جزءًا من تقاليدهما السياسية والأمنية، وكان من ضمنها، تمتع النخب العسكرية بنفوذ سياسي، وتدخّلها في شؤون الحكم، وهؤلاء شكّلوا جزئيًا نواة الجيش السوداني في مرحلة لاحقة  22. ومن ثمّ، فإن تدخّل الجيش السوداني في السلطة من الصعب فصله عن إرثه التاريخي المرتبط على نحٍوٍ وثيق بالتجربة المصرية، وتحديدًا تجربة محمد علي باشا)1848-1821( 23، التي ارتكزت كثيرًا على الجيش بصفته مؤسسة جامعة، وكذلك على نموذج الحكم المركزي في إدارة شؤون المجتمع  24. دخل السودان مرحلة جديدة، بقيام الدولة المهدية عام 1885، ذات الخصائص الصوفية، والتي وُصفت بالدولة الوطنية الأولى في السودان، بعاصمتها الإدارية والسياسية أم درمان، إلا أنها فشلت في إنشاء بنى وهياكل وطنية حديثة، تستوعب في إطارها التناقضات الموجودة في بنية المجتمع السوداني كافة، وتمكّنها من بناء مؤسسة عسكرية تتسم بالمهنية والحرفية في أداء مهماتها الوظيفية. وبدلًا من ذلك، اتجهت المهدية نحو الفردانية في الحكم، وفرض نظام إدارة مركزي، وإقصاء الفواعل الاجتماعية التقليدية مثل القبيلة، وعدم التسامح مع المعارضة السياسية. وقد مثّلت هذه القضايا عامل عدم استقرار في الدولة المهدية، وذلك في ظل الانقسامات الداخلية التي عصفت بها سواء أكانت قبلية أم جهوية أم مذهبية  25. أدى تفاقم أزمات الدولة المهدية إلى سقوطها عام 1898 أمام المستعمر البريطاني، لينتقل السودان بذلك إلى مرحلة أخرى جديدة

  1. جابرييل إيه الموند وجي بنجهام باول الابن،  20 السياسات المقارنة في وقتنا الحاضر: نظرة عالمية، ترجمة هشام عبد الله، مراجعة سمير نصّار (عمان: الدار الأهلية للنشر والتوزيع،
  2. 21  شلعي بله بشارة محمد النور، "الصراع المدني العسكري وأثره على الحكم في السودان "، رسالة ماجستير، جامعة النيلين، الخرطوم، 2010، ص 112. (غير منشورة)
  3. منذر سليمان، "الجيش والسلطة في الوطن العربي"، في:  22 الحوار العربي   - التركي بين الماضي والحاضر: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية والمؤسسة العربية للديمقراطية ومركز الاتجاهات السياسية العالمية (إستانبول: مركز دراسات الوحدة العربية والمؤسسة العربية للديمقراطية، 2009)، ص 69.4
  4. 23  توفيق المديني، تاريخ الصراعات السياسية في السودان (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2012)، ص.22-21
  5. أنور عبد الملك،  24 الجيش والحركة الوطنية: مصر، فيتنام، الباكستان، إندونيسيا، اليابان، الصين، الكونغو (بيروت: دار ابن خلدون للطباعة والنشر والتوزيع، [د. ت)].، ص.77-73 25  النور، ص. 118-117
  6. 1998)، ص.23-16

من الحكم الأجنبي، بخضوعه لحكم ثنائي بريطاني - مصري مشترك بدءًا من عام 1899. وقد لجأت بريطانيا، كما فعلت في مستعمراتها الأخرى، إلى حكم غير مباشر للسودان، ولتحقيق هذه الغاية، أسست قوة سودانية ذات بنية قَبَلية وجهوية، كي تتولى حفظ الأمن والنظام، وأصبحت لاحقًا الأساس الذي نشأ عليه الجيش السوداني. وعلى الرغم من أن بريطانيا حاولت إبعاد هذه القوة عن العمل السياسي، أو المشاركة في دعم المقاومة الوطنية، فإنّ الوقائع العملية كانت معاكسة لهذا التوجه  26؛ فالجيش أصبح أحد أبرز الداعمين للثورة المناهضة للمستعمر ودخل المعترك السياسي مبكرًا، وتجلى ذلك في محاولة التمرد التي قادها عام 1900 مجموعة من الضباط السودانيين والمصريين. وتصاعدت موجة التأثر بالثقافة الوطنية في صفوف الجيش السوداني، بعد نشوء المدرسة الحربية في السودان عام 1905، واندلاع ثورة سعد زغلول في مصر عام 1919 27، وما أعقب ذلك من نشوء جمعية الاتحاد السوداني عام 1921 28 التي تكونت عضويتها من عسكريين ومثقفين، واضطلعت بدور سياسي وعسكري مهم في ثورة حركة (جمعية) اللواء الأبيض عام 1924 29. ومن هنا، بات الجيش جزءًا من الحياة السياسية السودانية، التي بدأت في التشكل في عشرينيات القرن العشرين، بنشوء التنظيمات والجمعيات السررية، ولاحقًا النقابات المهنية والعمالية. ونظرًا إلى كون الجيش مؤسسة وطنية جامعة وعابرة لكل شرائح المجتمع السوداني وقواه، فقد برز دوره محددًا رئيسًا في المشهد السياسي لاحقًا  30. لجأت بريطانيا، بعد ثورة عام 1924 المناهضة لها، والتي شكّلت محددًا مهمًافي رسم العلاقة بين العسكريين والمدنيين في السودان، إلى بناء قوة عسكرية جديدة عام 1925، عُرفت باسم "قوة دفاع السودان" 31، التي اعتبرت البداية "الرسمية" لنشوء الجيش السوداني. وعلى الرغم من المساعي البريطانية المتكررة لجعل هذه القوة ذات عقيدة عسكرية أكثر انضباطًا وأشد تأثرًا بالثقافة البريطانية وأقل تدخلًافي الشأن السياسي، فإن ذلك تبدّد مع الانقلاب العسكري الأول في السودان عام 1958 32، وما سبقه من محاولة تمرد وقعت قبل 33إعلان الاستقلال بفترة وجيزة في مدينة توريت الجنوبية عام 1955، والذي شكّل بداية تدخل عنصر الجيش في الشأن السياسي 34.

إن هشاشة النظام السياسي السوداني، وعدم استقراره خلال التجربة الديمقراطية الأولى من الحكم الذاتي إلى الاستقلال 1958-1954()، شّكلّا مدخلًالتدخل الجيش في الشأن السياسي باستمرار؛ إذ إن الظروف والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي سادت في تلك الفترة هيّأت المناخ لوقوع الانقلاب العسكري الأول عام 1958، الذي قاده الفريق عبود، على الحكومة المدنية الأولى المنتخبة بعد الاستقلال. فقد عانى السودان عدم استقرار الحياة السياسية، في ظل حداثة التجربة الحزبية بعد الاستقلال من جهة، وتخبط الأحزاب وانقسامها في رؤيتها للواقع السوداني بعد خروج المستعمر من جهة أخرى، بين داعٍمٍ للوحدة مع مصر ومؤيد للاستقلال التام عنها، وكذلك بين داعٍمٍ للتوجه الفدرالي ورافض له، وبين من ينادي بدولة إسلامية ومناٍدٍ بدولة مدنية. وفي ظل هذا التخبط بين الأطراف السودانية وهشاشة البنى المؤسسية ذات الطابع المدني، لجأت حكومة خليل إلى تسليم السلطة المدنية للجيش السوداني، في ظل فشلها في إدارة هذا المشهد المعقد 35.

  1. عبد العزيز خالد عثمان، "الجيش السوداني: خمسون عامًا من السياسة"،  26 محاور، العدد 15-14 2008()، ص.51-48
  2. عمر النور أحمد النور، "المؤسسة العسكرية السودانية"،  27 الدراسات الإفريقية وحوض النيل، مج 9، العدد 18 2016()، ص.223-222
  3. 28  تجدر الإشارة إلى أن نشوء جمعية الاتحاد السوداني كان في آب/ أغسطس 1920، بحسب ما ورد في: آل غزاي، ص.49
  4. 29  للمزيد حول جمعية اللواء الأبيض، ينظر: شيماء حسين أحمد حسين ومصعب خليل عبد الله عبد الرافع، "دور جمعية اللواء الأبيض في الحركة الوطنية 1924-1923 م"، مجلة النيل الأبيض للدراسات والبحوث، العدد 20 2022()، ص 90-89.
  5. 30  عثمان، ص 4. 9
  6. 31  للمزيد حول قوة دفاع السودان، ينظر: النور، ص.217-215
  7. 32  أحمد، ص.53
  8. 33 يُعزى وقوع محاولة التمرد عام 1955 إلى مجموعة من العوامل أهمها: انقسام النخب السياسية وعدم اتفاقها على شكل الدولة السودانية، بين مؤيد للفدرالية ومعارض لها؛ الأمر الذي أفضى في نهاية المطاف إلى انسحاب النخب السياسية الجنوبية من الحكومة الائتلافية التي تم تشكيلها عشية الاستقلال، وكان ذلك سببًا في تمرد بعض وحدات الجيش الجنوبية.: المديني، ص للمزيد، ينظر.33-32
  9. ظاهر جاسم محمد الدوري  34، السودان في التاريخ الحديث من م 1969-1914 (دمشق: دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، 2019)، ص.108
  10. 35  نجاة أبو القاسم محمد أبو القاسم، "أسباب وعوامل تسليم السلطة للجيش في مجلة القلزم للدراسات التاريخية والحضارية السودان 17 نوفمبر 1958، العدد م"، 5 2021()، ص 9-8، 15.

وكان الأمر كذلك من الناحية الاقتصادية؛ إذ شهد السودان تراجعًا اقتصاديًا خلال التجربة الديمقراطية الأولى  36، ففي عام 1957 ضعف إنتاج القطن السوداني، وأخفقت حكومة خليل في معالجة هذه الأزمة، في ظل الواقع السياسي المضطرب، وغياب وجود رؤية اقتصادية وطنية واضحة؛ مما دفع الحكومة إلى التوجه نحو تلقي المساعدات والمعونات الأميركية، التي زادت من حدة الانقسامات تامزلاأ ةكفكف نم لادًااب، لاصًااأ ةمسقنلام ةينادوسلا فارطلاأ يبن الداخلية المسببة للتراجع الاقتصادي. وانعكس الإخفاقان السياسي والاقتصادي على الحياة الاجتماعية، من خلال بروز التأثيرات القبلية والطائفية والمذهبية  37؛ فقد شكّلت الأحزاب السودانية البارزة واجهة سياسية لطوائف محددة، وكانت امتدادًا لها في الحياة السياسية وداخل مكونات النظام السياسي. فحزب الأمة السوداني مثّل الواجهة السياسية لطائفة الأنصار، في حين عُدّ الحزب الوطني الاتحادي الواجهة السياسية للطائفة الختمية  38. وبناءً عليه، انشغلت الأحزاب السودانية بالبحث عن مصالحها الضيقة، وافتقرت إلى الصفة الشمولية في تمثيلها؛ إذ لم تكن أحزاب أمّة في منطلقاتها ونشأتها، وظهر ذلك جليًا في حزب الأمة على سبيل المثال الذي كانت عضويته تقتصر عند نشأته على أبناء طائفة الأنصار فقط، قبل أن تتوسع لتشمل بقية السودانيين، وذلك على خلاف التركيبة الغنية والمتنوعة التي تميز المجتمع السوداني، والتي تشكّل نموذجًا مصغّرًا للقارة الأفريقية، من الناحية الثقافية والعرقية والدينية واللغوية  39. تجلّت هذه الأزمات في شلّ حكومة عبود للدستور والبرلمان السودانَييَن، وكذلك للحياة السياسية القائمة على قواعد قانونية ناظمة. وظهر ذلك جليًا في حلّ الأحزاب السياسية، وإلغاء التعددية، وعدم التسامح مع المعارضة، وتهميش المكونات الاجتماعية، وتجاهل حقوقها ومطالبها؛ وهو ما تعرضت له مكونات سودانية عديدة مثل الفور والبجا والنوبة، إضافة إلى المكونات الجنوبية، على اختلاف مسمياتها، التي واجهت هي الأخرى سياسات تمييزية دفعتها في مطلع ستينيات القرن الماضي إلى تكوين أحزاب وحركات مناهضة لحكم عبود، منها حزب الاتحاد الوطني السوداني الأفريقي (سانو)، وحركة الأنيانيا، التي دخلت في مواجهة عنيفة مع نظام عبود 40. قادت سياسات حكم عبود التسلطية، التي عمّقت أزمات الدولة السودانية، إلى اندلاع ثورة مناهضة له عام 1964، نتج منها سقوط حكمه العسكري، وعودة السلطة إلى المدنيين من جديد. فتح هذا التحول في نظام الحكم، وإن مؤقتًا، آفاقًا جديدة للسودانيين، وأتاح الفرصة للقوى المدنية لتصويب وإصلاح ما أفسدته التجربة الديمقراطية الأولى 1958-1956، وكذلك تجربة الحكم العسكري الأول 1964-1958. وسرعان ما تبدد هذا الأمل؛ فالأحزاب السياسية أعادت إنتاج الأزمة السياسية من جديد، بتجدد مناكفاتها البينية، وصراعها على السلطة، وعدم تسليمها بنتائج الانتخابات البرلمانية، سواء التي جرت عام 1965 أو عام 1968، وهو ما أعاق التوجه نحو بناء شراكة حقيقية، قد تفضي إلى الانشغال ببناء مؤسسات الدولة وفكفكة أزماتها. وبدلًامن الاحتكام إلى الدستور وصندوق الاقتراع في تجاوز الخلافات، تكرر مشهد عام 1958 مرة أخرى، حينما أقام الحزب الشيوعي السوداني تحالفًا مع العسكريين، ودعمهم في انقلاب عام 1969 الذي قاده النميري 41، وذلك تكرارًا لمشهد الانقلاب الأول، لمّا طلب خليل، أحد زعماء حزب الأمة، من الفريق عبود استلام السلطة  42. وقد شهد السودان تشويهًا مستدامًا للحياة السياسية، عبر التدخل المستمر للمؤسسة العسكرية في البلاد على نحو شبه متطابق، حيث تجذر هذا التدخل في المحاولات اللاحقة التي أطاحت الحكم المدني الثالث 1989-1985، وهذه المرة بدعم من الجبهة الإسلامية القومية 43 بقيادة حسن الترابي، الذي تحالف هو الآخر مع المؤسسة العسكرية بقيادة البشير 44. وهناك من يذهب إلى أن الأمر لم يكن تحالفًا، وهنا يذكر الترابي أن الجبهة الإسلامية قررت استلام السلطة

  1. 36  جدير بالذكر أن بعض المصادر أشارت إلى أن التراجع الاقتصادي في عاَمَي 1958-1957
  2. 37  نجاة أبو القاسم محمد أبو القاسم، "الحكومة العسكرية الأولى في السودان مجلة القلزم العلمية 1964-1958، العدد م"، 9 2021()، ص.9-8
  3. 38  آل غزاي، ص.63
  4. سرحان غلام حسين العباسي،  39 التطورات السياسية في السودان المعاصر 2009-1953: دراسة تاريخية وثائقية، سلسلة أطروحات الدكتوراه 96 (بيروت: مركز دراسات الوحدة
  5. ليلى سيد مصطفى أرباب، "الجيش والاستقرار السياسي في السودان"،  40 المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 63 (خريف 2012)، ص.18-15 41  أمينة النقاش، "الفريق عبد الرحمن سعيد: الأزمة في السودان، أزمة حكم وأزمة اليسار، العدد معارضة"، 61 (آذار/ مارس 1995)، ص.47-46
  6. ارتبط بانخفاض أسعار القطن، وليس تراجع إنتاجه؛ إذ تسبب ذلك في هبوط احتياطي العملة الوطنية في العامين المذكورين آنفًا من 62 مليون جنيه سوداني إلى 8 ملايين فقط. للمزيد، ينظر: عبد العزيز محمود عبد العزيز، السودان الذي نريد، مجتبى نور الدائم وعيسى إبراهيم (محرران) (القاهرة: الشركة العالمية للطباعة والنشر، 2015)، ص.39
  7. 42  قلندر، ص.73
  8. 43  تجدر الإشارة إلى أن الجبهة الإسلامية القومية هي حزب سياسي إسلامي، انبثقت في نهاية عام 1985 بقيادة حسن الترابي من رحم حركة الإخوان المسلمين-فرع السودان. تستهدف الجبهة الإسلامية تغيير الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في السودان، وبناء دولة إسلامية تقوم على مبادئ الشريعة وفي مقدمتها مبدأ الشورى، ولا تمانع من تحقيق ذلك عبر اللجوء إلى القوة، حتى إن استدعى الأمر الاستعانة بالمؤسسة العسكرية. وقد اتسمت حركة الإخوان المسلمين في السودان بخصوصية تتماهى مع فكر الترابي "المتجدد." 44  العباسي، ص.275
  9. العربية، 2011)، ص 40،.107

بعد مذكرة الجيش لها من جهة، وإخراجها من الحكم، وبدء الحديث عن إلغاء القوانين الإسلامية من جهة أخرى  45. ومع تكرار ظاهرة الانقلابات العسكرية، كانت دوّامة العنف والصراع في السودان تتصاعد وتزداد تعقيدًا، سواء بين العسكريين والمدنيين، أو بين المركز والأطراف، أو بين الدولة السودانية وأطراف إقليمية ودولية. برزت تجليات ذلك الصراع في انفجار أزمات عديدة، منها أزمة دارفور غربًا عام 2003، وانفصال جنوب السودان عام 2011، واندلاع حراكات جماهيرية في عموم السودان، كان آخرها حراك كانون الأول/ ديسمبر 2018 46، وما مثّلته هذه الأزمات والأحداث من ورقة ضغط بيد الأطراف الخارجية تعتمدها مدخلًا لفرض أجندتها ومعادلاتها على نظام الحكم في الخرطوم. ولعل ضعف قيادة الحراك الجماهيري، وفشل محاولات توحيد المشهد الحزبي المتعثر، وغياب وجود خريطة طريق لفترة ما بعد حكم البشير، عوامل دفعت بالمؤسسة العسكرية مجددًا إلى التدخل، من خلال مقاربة ذكية حافظت عبرها على بقائها في السلطة، وإن تطلب ذلك إسقاط ممثلها البشير، وتقاسم السلطة مع المدنيين، مؤقتًا، كما حصل عام 2019 حينما أصبح السودان تحت حكم مدني وعسكري مشترك في الوقت ذاته  48. حفّزت الانقسامات الجهوية والعرقية في السودان على تدخل الجيش في السلطة السياسية، وعلى عدم تماسك مؤسسات الدولة ووحدتها، بما في ذلك المؤسسة العسكرية التي شهدت في الآونة الأخيرة انقسامًا حادًا بين مكوناتها الرئيسة، وتحديدًا بين الجيش السوداني بزعامة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السرريع بزعامة محمد حمدان دقلو (الملَّقَب بحميدتي) 49. وقد تطور هذا الانقسام بين الطرفين إلى صراع دموي على السلطة، ما زالت رحاه تدور حتى الآن، ومع أن هذه الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية تعدّ ظاهرة قديمة ملازمة لها في مسارها التاريخي، فإن الانقسام الأخير 50 بين البرهان وحميدتي قد يعدّ الأخطر في أبعاده الداخلية، وتفاعلاته الإقليمية والدولية.

ثانيًا: غياب فاعلية الأحزاب السياسية

تُعدّ الأحزاب السياسية من أهم أدوات الفعل السياسي والتغيير في المجتمعات الديمقراطية؛ إذ بات لها دور مهمّ في بناء الوعي السياسي لدى الأفراد، ورفع منسوب مشاركتهم السياسية، ورفد المؤسسات العامة للدولة بالعناصر القيادية ذات الكفاءة. فقوة البناء السياسي للدولة الحديثة باتت ترتبط، وإن بتفاوت، بمدى فاعلية الأحزاب السياسية في القيام بهذه الأدوار، وبمدى تطور بناها الفكرية، وبرامجها السياسية، وهياكلها التنظيمية والمؤسسية، ومدى وضوح مدخلاتها المادية، لكن هذا لم يتحقق في الحالة السودانية 51. ارتبطت أزمة الحكم في السودان بعد الاستقلال بعوامل عديدة، منها ضعف البناء الحزبي للأحزاب السودانية، وغياب فاعليتها السياسية؛ فمن الناحية البنائية، ارتبطت نشأة الأحزاب السودانية بالأزمة، فولادة الحزبين الرئيسين في السودان، الأمة والاتحادي، في أربعينيات القرن الماضي كانت مأزومة ومشوّهة  52؛ أولًا لكونها محكومة باعتبارات ضيقة لا تتماشى مع خصائص الحزب السياسي ومفهومه، وثانيًا لحالة التنوع الثقافي التي يتسم بها المجتمع السوداني. فقد خرج الحزبان من رحم طائفتين دينيتين صوفيتين، إذ إن الأول خرج من رحم طائفة الأنصار، بينما خرج الثاني من رحم الطائفة الختمية. يضاف إلى ذلك أن الحزبين المذكورين عانَيَا وطأة الاعتبارات الشخصية والفردية إلى جانب الطائفية، وذلك في ظل ارتباط نشأة كل منهما بأشخاص محددين، تمكّنوا من فرض رؤيتهم وسطوتهم عليهما. فحزب الأمة، خضع لتوجهات عبد الرحمن المهدي، في حين

  1. 47  طلعت رميح، "السودان وأقطاب الصراع"، مجلة البيان، العدد 164 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2021)، ص.37-35
  2. 45  للمزيد، ينظر: "برنامج شاهد على العصر، حسن الترابي 9() تفاصيل الإعداد للانقلاب عام 1989"، قناة الجزيرة، يوتيوب، 2016/6/12، شوهد في 2024/6/13 فh يttps://acr.ps/1L9zOZP:
  3. 46  يجدر التوضيح أن حراك عام 2018 لم يكن الأول في السودان بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، فقد سبقه حراك شعبي عام 2013. للمزيد ينظر: صلاح خليل، "السودان: التوازنات مجلة الديمقراطية، العدد الداخلية ومسارات المستقبل"، 58 (نيسان/ أبريل 2015)، ص.188
  4. 48  المرجع نفسه، ص 4.0-37
  5. 49  يجدر التوضيح أن إرهاصات هذا الانقسام بدأت مع تولي البشير دفة الحكم، واتباعه سياسة تفكيك المؤسسة الأمنية إلى وحدات عديدة، وعدم تركيز القوة بيد مؤسسة واحدة وموحدة قد تهدد مستقبلًاأركان حكمه. وعلى الأغلب هذا ما دفعه لإنشاء قوات الدعم السرريع عام 2013، على أثر أزمة دارفور، والتي قادت مع وحدات أمنية أخرى عملية إطاحته عام 2019، في استجابة شكلية وجزئية لمطالب الحراك الشعبي الذي انطلق عام 2018 في السودان. ينظر: رفعت الأمين، "السودان: تعقيدات الواقع وآفاق الانتقال"، مجلة الديمقراطية، العدد 75 (تموز/ يوليو 2019)، ص.191-188
  6. بهاء الدين مكاوي قيلي، "البناء السياسي وتحديات الحكم في السودان"،  50 مجلة دراسات المستقبل، العدد 5 2012()، ص.4-3
  7. 51  من الجدير ذكره أن نشأة الحزبين كانت على أنقاض مؤتمر الخريجين الذي تأسس عام 1938، والذي انقسم أعضاؤه بين مؤيد للاتحاد مع مصر ومؤيد للاستقلال، وهنا برز حزب الأشقاء الداعم للاتحاد (الاتحادي لاحقًا) عام 1943، وحزب الأمة الداعم للاستقلال عام 1945. ينظر: فدوى عبد الرحمن علي طه، "التمهيد للحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان 1955-1948() وإعلان الاستقلال"، في: استقلال السودان: ستون عامًا من التجربة والخطأ 2016-1956، حيدر إبراهيم علي (محرر) (القاهرة: الحضارة للنشر، 2015)، ص.25

خضع الحزب الاتحادي لتوجهات علي الميرغني؛ ما جعل الحزبين أقرب إلى وصف أحزاب الأشخاص وليس البرامج، إضافة إلى وصفهما منذ التأسيس بأحزاب طائفية وليس أحزاب أمّة  53. قد تفسرر أزمة الحزبين البنيوية غياب فاعليتهما السياسية، وعدم تطور بناهما المؤسسية، وهياكلهما التنظيمية، وتعّث ركل منهما في التقدم نحو الديمقراطية  54، كما قد تفرّس رالعلاقة السلبية بين هذه القوى، وسعيها المستمر بحثًا عن مصالح وأجندات سياسية ضيّقة، وسوء تعاملها مع السلطة السياسية ومقدّرات السودان في فترات الحكم المدني، وما نتج من ذلك من تعصب وعدم حيادية، وانقسامات وخلافات بينية أججت صراعًا مركّبًا بينها، وكذلك بين المركز والأطراف 55. ونظرًا إلى تركيبتها الطائفية والقبلية والجهوية، لم تتمكن الأحزاب السودانية من بناء ثقافة سياسية وطنية جامعة لدى أفراد المجتمع السوداني؛ كي تكون بمنزلة البنية التحتية التي ترتكز عليها في دعم رؤيتها السياسية والتنموية من ناحية، وصعودها إلى السلطة من ناحية أخرى. أضف إلى ذلك إهمالها مسألة تعزيز الروابط الثقافية بين مختلف المكونات السودانية، سواء العرقية أو الإثنية أو الدينية، بما يحول دون تمكّن جماعة معينة من استغلال نفوذها لفرض ثقافتها الخاصة على المجموعات الأخرى، التي فقدت نتيجة لذلك الثقة بحيادية الأحزاب السياسية وأجهزة الدولة ومؤسساتها، وخاصة في ظل فشل التجربة الوطنية والديمقراطية في الحكم. فالأحزاب السودانية ركّزت جهودها على الجانب السياسي فقط، ولم تعمل على توفير البيئة الثقافية المساندة لها في التغيير وتحقيق واقع سوداني أفضل. ولعل ذلك يوضح توجّه بعض الأحزاب إلى بناء تحالفات مع مكوّنات عسكرية، بدلًامن التعويل على الخيار الديمقراطي 56. حفّز هذا الواقع الحزبي المربك المؤسسة العسكرية على التدخل في السلطة السياسية، مرارًا وتكرارًا، خاصة مع لجوء بعض الأحزاب السياسية إلى الجيش للخروج من أزماتها المستفحلة، وهذا ما تكرر حدوثه في الأزمات المتعاقبة التي شهدها السودان بعد الاستقلال. ففي عام 1958، لجأ حزب الأمة السوداني إلى الجيش طلبًا للتدخل في المشهد السياسي المأزوم، وقد جرى ذلك بوساطة سكرتير عام الحزب ورئيس الحكومة السودانية خليل، بعد تعثره والقوى الحزبية الأخرى على مدار عامين في معالجة مجموعة من القضايا المهمة، منها مستقبل العلاقة مع مصر والنزاع الحدودي بين البلدين حول إقليم حلايب، إضافة إلى التعثر في حسم مسألة الدستور السوداني، وذلك في ظل عدم توافق الأحزاب على شكل الدولة ونظام الحكم، وعلى هوية النظام السياسي السوداني، فضلًاعن اختلافها في الوقت ذاته في المسائل التالية: من يحكم؟ وكيف يحكم؟ ولصالح من يحكم؟ وقد تركّزت الخلافات الحزبية في فترة حكم خليل بين قادة كل من حزب الأمة، والحزب الوطني الاتحادي، وحزب 57 الشعب الديمقراطي58. لم تأخذ الأحزاب السياسية، سواء التقليدية منها أو العقائدية، الدروس والعبر من أخطاء التجربة الديمقراطية الأولى 1956-1954، بل أعادت إنتاج أزمتها السياسية من جديد، بتكرار أخطائها في التجربة الديمقراطية الثانية التي أعقبت حكم الفريق عبود العسكري 1969-1965؛ فقد كرّر الحزب الشيوعي السوداني الخطأ الذي ارتكبه منافسه التقليدي حزب الأمة باللجوء إلى خيار المؤسسة العسكرية  59، وتحالفه مع النميري في انقلابه على السلطة المدنية عام 1969. ومن المعلوم أن قيام الحزب الشيوعي بهذه الخطوة لم يكن متوقعًا نظرًا إلى ما كان يتمتع به من حضور كبير في أوساط القوى السودانية الحديثة، من اتحادات ونقابات عمالية ونسائية وشبابية  60، إضافة إلى خلفياته الفكرية والأيديولوجية التي جعلته بعيدًا عن الانتماءات والهويات الفرعية الضيّقة. لقد تعّث رالحكم اليساري والعسكري في إنقاذ السودان من أزماته المركّبة، الداخلية والخارجية، وتصاعد حدّتها في هذه الفترة، ومحاولة الحزب الشيوعي عام 1971 الخروج من هذا المأزق عبر انقلاب عسكري ثاٍنٍ، في خطوة تصحيحية ضد نظام النميري، أنهت هذه الخطوة غير الناجحة التحالف القائم بين الطرفين. فقد تعرّض الحزب

  1. محمد عبد الرحمن صالح، "أزمة السودان لم تبدأ مع حكم الإنقاذ"،  52 السياسة الدولية، مج 63، العدد 141 (يوليو/ تموز 2000)، ص.93-91
  2. 53  للمزيد ينظر: السفير أحمد عبد الحليم، "مستقبل السودان السياسي: رأي ورؤية"، السياسة الدولية، العدد 141 2000()، ص.58
  3. 54  صالح، ص.93-92
  4. 55  علي عبد الله عباس، "الثقافة السياسية لبعض الأحزاب السودانية وأثرها على الموقف اليسار، العدد من الديمقراطية"، 43 1993()، ص.49-48
  5. 56  يجدر التوضيح أن حزب الشعب الديمقراطي تأسس عام 1956، ويعتبر الذراع الحزبية والسياسية للطائفة الختمية، وقد نشأ نتيجة الخلاف داخل الحزب الوطني الاتحادي بين التيار الذي قاده إسماعيل الأزهري، الذي قبل بمسألة الاستقلال عن مصر، والتيار الذي قاده علي الميرغني وعلي عبد الرحمن الأمين الأكثر استجابة لتوجهات الطائفة الختمية، والداعم للوحدة مع مصر، وكان حزب الشعب الديمقراطي جزءًا من تركيبة الائتلاف الحاكم الذي قاده حزب الأمة في الفترة 1958-1956، وبعد سقوط الحكم العسكري الأول بسبب ثورة عام 1964، عاد الأزهري والميرغني إلى الوحدة مجددًا تحت مظلة حزبية واحدة عام 1965 عُرفت باسم الحزب الاتحادي الديمقراطي. ينظر: العباسي، ص.117-112
  6. 57  الدوري، ص.127-124
  7. 58  من الجدير ذكره أن أحد أسباب لجوء الحزب الشيوعي إلى المؤسسة العسكرية والتحالف معها كان ردة فعل على حظر أنشطته في السودان، بقانون أصدرته الجمعية التأسيسية عام 1965، وذلك في ظل حالة عدم اعتراف القوى المنافسة به، ورفض التعايش معه، ولعل أبرز هذه القوى حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي وجبهة الميثاق الإسلامي. ينظر: حسن علي الساعوري، "واقع التنمية السياسية في السودان"، مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية العلمية، العدد 2 2012()، ص 228.
  8. 59  الصادق المهدي، "سقوط الأجندات الأيديولوجية في السودان"، السياسة الدولية، العدد 141 2000()، ص.69-66

الشيوعي لحملة تطهير وملاحقة عنيفة، استهدفت قيادات الصف الأول، وهنا بدأ النميري يتجه غربًا، وإن كان خلال فترة من الزمن؛ إذ إنه تمكّن بفضل ذلك من الحصول على مساعدة الغرب، والتوصل إلى اتفاقية أديس أبابا، التي أنهت حرب الجنوب في آذار/ مارس 1972. وبعد مرور اثني عشر عامًا على هذا التوجه، أعلن النميري قوانين الشريعة الإسلامية في أيلول/ سبتمبر 1983، وذلك جرّاء التحالف الذي نشأ بينه وبين التيار الإسلامي  61. وعلى الرغم من الفترة الطويلة نسبيًا التي استحوذ فيها الجيش على مقاليد السلطة السياسية في عهد النميري 1985-1969، فإن خطوة قائد الجيش سوار الذهب بنقل السلطة إلى المدنيين، بصفته رئيسًا للمجلس الانتقالي، الذي نشأ بعد ثورة نيسان/ أبريل 1985 62، قد شكّلت منعطفًا استثنائيًا في تاريخ السودان السياسي، وفتحت آفاقًا جديدة لفكفكة أزماته الداخلية والخارجية، ولعل أبرزها أزمة العلاقة بين العسكريين والمدنيين. عانت الحكومات الديمقراطية، التي تشكّلت خلال الحقبة الثالثة من الحكم المدني 1989-1986، التعثر وعدم الاستقرار السياسي؛ فخلال هذه الأعوام الأربعة، استبدلت ثلاث حكومات ائتلافية بسبب عدم توافق القوى الحزبية. فحكومة الوحدة الوطنية الأولى 1987-1986 لم تضم في تركيبتها الحزب الشيوعي والجبهة الإسلامية القومية، أما حكومة الوفاق الوطني الثانية 1988-1987 فقد ضمت كل القوى باستثناء الحزب الشيوعي، في حين عانت حكومة الجبهة الوطنية المتحدة الثالثة 1989 معارضة الجبهة الإسلامية القومية 63. أدّت هذه المعارضة، مع استفحال الأزمة، دورًا في تدخل المؤسسة العسكرية لصالحها، والتي فعلت ذلك بانقلاب البشير والاستيلاء على السلطة عام 1989 وتحالفه السياسي معها 64، لكنّ هذا التناغم بينهما انفرط عقده عام 1999 بوقوع انشقاق وسط الإسلاميين، حيث بقي جزء منهم في حزب المؤتمر الوطني الحاكم  65، وشكّل جزء آخر المؤتمر الشعبي المعارض بقيادة الترابي  66. لم تسعف عودة الحكم العسكري وتفرده بالسلطة السودان من أزماته المختلفة، بل قادت إلى مزيد من التدهور في أوضاعه الداخلية، وعلاقاته الخارجية، وتجلى ذلك في انفجار أزمة دارفور عام 2003، وما نتج منها من إصدار المحكمة الجنائية الدولية عام 2009 مذكرة اعتقال في حق الرئيس السابق البشير  67، وانفصال جنوب السودان عام 2011، وتصاعد حالات التمرد في أقاليم السودان، وتحديدًا في الشرق، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، واندلاع حراك جماهيري عام 2013، وتكرار حدوثه عام 2018 68، وصولًاإلى سقوط حكم البشير في أعقاب الحراك الأخير، ووقوع الصدام الراهن بين المكونات العسكرية المتصارعة على السلطة  69. إن فشل جولات الحوار الوطني، التي بدأت بعد انفصال الجنوب، في التوصل إلى تفاهم وطني أو تعاقد اجتماعي جديد بين جميع الأطراف، أوصل السودان إلى حالة التأزم الحالية. فالتغّي رفي المشهد السياسي والحزبي السوداني بعد عام 2011 كان شكليًا وليس جوهريًا؛ إذ إن محاولات القوى الحزبية بناء تحالفات سياسية كبيرة قبل الانفصال، مثل تحالف الإجماع الوطني عام 2009، أو التي تشكّلت لاحقًا مثل تحالف قوى نداء السودان عام 2014، وكذلك تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير عام 2018 71، لم تمكّنها من تحقيق التغيير المطلوب، ومواجهة الحكم العسكري المتشبث بالسلطة. وقد يعود هذا الفشل إلى أمرين: أولهما عدم خروج تلك القوى من دائرة الانقسامات والاختلافات البينية، واستمرارها في البحث عن مصالحها الفئوية الضيقة، وثانيهما تخوف بعض هذه القوى من عملية التغيير مثل قيادات الجبهة الإسلامية القومية؛ وذلك بسبب تورّط بعضها في قضايا فساد، وما قد يترتب على ذلك مستقبلًامن مسؤولية ومحاسبة، إذ كانت جزءًا من انقلاب عام 1989، وشريكًا في حكم الإنقاذ  72.

  1. 60  أرباب، ص.20-19
  2. 61  العباسي، ص.259-253
  3. 62  فتحي الضوّ محمد، محنة النخبة السودانية (القاهرة: مطابع سجل العرب،)1993، ص.99-97
  4. 63  الأمين معاذ عثمان صالح، "مشكلة تداول السلطة في السودان 1956 م-1999 م"، المجلة العربية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد 13 2022()، ص.40-39
  5. 64  يجدر التوضيح أن هناك اختلافات في الأسباب الكامنة وراء انفصال الترابي عن البشير، لكنّ سعي البشير للتفرد بالسلطة السياسية مثّل أبرز هذه الأسباب. للمزيد، ينظر: أرباب، ص 23.
  6. 65  حسن حامد مشيكة، "التحول الديمقراطي والبحث عن الدستور في ظلّ الحكم المستقبل العربي، مج الفدرالي في السودان"، 63، العدد 154 (أيلول/ سبتمبر 2013)، ص.30
  7. 66  للمزيد ينظر: الطيب زين العابدين، "السودان: مخرجات مؤتمر الحوار الوطني ومآلاته "، مركز الجزيرة للدراسات، 2017/2/22، شوهد في 2024/5/29، في: https://acr.ps/1L9zP2k
  8. 67  للمزيد حول أسباب ثورة ديسمبر 2018، ينظر: Serhat Orakket, "Sudan's National Unity: The Peace and Integration in the Transition," Pan-African University-Inonu International African Research Journal , vol. 1, no. 2 (2021), p. 54, accessed on 29/5/2024, at: https://2u.pw/EMbYcbSd
  9. 68  رميح، ص 35،.40-38
  10. للمزيد حول مطالب القوى المذكورة بالمتن، ينظر: أحمد إبراهيم أبو شوك،  69 الثورة السودانية مقاربة 2019-2018(توثيقية تحليلية لدوافعها ومراحلها:) -وتحدياتها، تقديم عزمي بشارة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص.136-133

ثالثًا: غياب المأسسة في النظام السياسي السوداني

يرتكز مفهوم المأسسة على مجموعة من العناصر والمعايير التي تضفي طابعًا مؤسسيًا على السلطة السياسية، منها: وجود قواعد قانونية ناظمة ومقيدة لسلوك الأفراد، والفصل بين شخص الحاكم وسلطته السياسية، والتزام الأفراد بدورهم الوظيفي ضمن مراكز وأدوار محددة، وعدم تجاوزها، وأن تكون المؤسسة أو السلطة فعّالة وذات استمرارية، وكذلك ذات خصائص وطنية جامعة، تعزز حكم القانون والمواطنة وقيم الديمقراطية والمساواة  73. يميّز هنتنغتون بين مفهوم المأسسة والشخصنة من خلال أربعة معايير أساسية، قد أشير إليها في مستهل الإطار النظري لهذه الدراسة، وهي: التكيّف، والتعقيد، والاستقلالية، والتماسك؛ إذ إن طول عمر المؤسسة يجعلها أكثر استقرارًا مقارنة بالمؤسسات الحديثة النشأة، ويرتفع مؤشر المأسسة كلما كانت قيادة المؤسسة تتغير من وقت إلى آخر، إضافة إلى مدى قدرتها على مواكبة التطورات في أدائها الوظيفي، كما أن تنوع تركيبة المؤسسة، وتعدد وحداتها ومستوياتها ووظائفها يجعلان هيكليتها أكثر تعقيدًا؛ الأمر الذي يرفع من مؤشر المأسسة فيها، وكلما كانت المؤسسة مستقلة ماليًا، ومستقلة في تعبئة شواغرها الوظيفية كان مؤشر المأسسة مرتفعًا أكثر. يضاف إلى ذلك أن وجود تيارات مختلفة ومتصارعة داخل المؤسسة يحدّ من مأسستها، ويضعف مناعتها الذاتية في مواجهة التحديات والمخاطر الخارجية  74. وبالنظر إلى الحالة السودانية، يتبين حجم الفجوة بين الواقع والمعايير النظرية السالفة الذكر؛ فالمؤسسات السودانية الناشئة بعد الاستقلال تُعتبر حديثة النشأة، وعمرها الزمني قصير نسبيًا، نظرًا إلى عدم مراكمة البناء المؤسسي بين أنظمة الحكم المختلفة التي تعاقبت على حكم السودان، وعدم استقرار نظمها الإدارية. فمن ولادة الدولة السودانية الحديثة عام 1821 إلى نيل الاستقلال عام 1956، كانت سيادة أنظمة الحكم صورية، وإن بدرجات متفاوتة، وذلك بسبب وجود مؤسسات شكلية، وعدم وجود سلطة مؤسسية فعلية، لا سّيمّا في ظل نظم اجتماعية مختلفة، واحتفاظ بعض المناطق والأطراف السودانية بأنظمتها التقليدية في الحكم، مثل: مناطق جنوب السودان ودارفور والنيل الأزرق وشرق السودان  75، وهي مناطق بقيت علاقتها بالمركز حتى بعد الاستقلال متوترة وهشّة، وشكّلت باستمرار الخاصرة الرخوة للدولة السودانية. إنّ هذا الضعف في المأسسة قبل الاستقلال شمل أيضًا الأحزاب السودانية، التي نشأت حديثًا في أربعينيات القرن الماضي، حيث كانت تجربتها السياسية غير ناضجة، وافتقرت إلى البرامج الوطنية الجامعة والواضحة، وإلى التنظيم الداخلي المنضبط؛ بحكم هويتها القبلية والطائفية والجهوية، وخضوع أنظمتها ومؤسساتها الداخلية لتوجهات ضيّقة من زعماء القبائل والطوائف  76. وبالانتقال إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، نجد أن الحكومات الوطنية المتعاقبة أخفقت في بناء مؤسسات وطنية جامعة، تتسم بالمأسسة، وتتوافر فيها معايير الاستمرارية والتكيّف والتماسك والاستقلالية، وتتيح بناء نموذج ديمقراطي تعددي ينقل السودان من حالة التخلف والتبعية إلى حالة النهوض والازدهار. ولعل ذلك يتضح في حالة التسييس والاستقطاب التي تحوّلت بفعلها الكثير من المؤسسات السودانية لتصبح امتدادًا للقوى السياسية والحزبية، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية التي أصبحت في مناسبات عديدة أداة وظيفية في يدها  77. كما أن ذلك يتضح أكثر في واقع السودان اليوم، الذي يشهد حالة غير مسبوقة من الاحتراب الداخلي والانقسام، ليس بين المركز والأطراف كما جرى عليه الحال، بل بين أجنحة عسكرية متنافسة للسيطرة على النظام السياسي، وهو ما يجري حاليًا بين جناَحَي المؤسسة العسكرية: الجيش السوداني، وقوات الدعم السرريع. وهذا يبين الفكرة التي يطرحها الباحث في فشل السودانيين في تحقيق المأسسة، ومن الممكن أن يرجع ذلك إلى الأسباب التالية:

أزمة النشأة والتكوين

لم تكن نشأة الدولة السودانية الحالية استجابة طبيعية لتطورات بنيوية داخلية نمت على نحٍوٍ تدريجي، بقدر ما كانت استجابة لتدخلات خارجية وظروف موضوعية فُرضت عليها، سواء في فترة الحكم التركي - المصري 1882-1821()، أو في فترة الحكم البريطاني - المصري 1956-1899(.) وقد كان للفترة الثانية التي سبقت الاستقلال الدور الأكبر في تحديد معالمها الحالية، ورسم حدودها، وتصميم نظامها السياسي والإداري؛ وبالنتيجة لم تكن نشأتها طبيعية وانسيابية أو بفعل تعاقد مجتمعي  78، فالمجتمع السوداني لم يكن مشاركًا في

  1. نغم نذير شكر، "مأسسة السلطة كمعيار للحكم الرشيد: دراسة نظرية"،  71 مجلة الجامعة العراقية، العدد 52 2011()، ص.508-507
  2. 72  هنتنجتون، ص 4.8-38
  3. 73  عبد العزيز، ص 29،.62-61
  4. 74  المرجع نفسه، ص 38،.62
  5. 75  أحمد، ص.53-52
  6. طلعت رميح، "ثورة الإنقاذ في السودان: مشروع بناء الدولة وإشكالياته"،  76 مجلة شؤون الأوسط، العدد 48 1996()، ص.101

عملية البناء والتكوين، وما جرى من بناء للمؤسسات عند الاستقلال كان محاكاة لنموذج الدولة المستعمرة (بريطانيا)، ومحاكاة لنظريات غربية تأثرت بها نخبة الحركة الوطنية، من دون أن تساير خصوصية البنى الثقافية والاجتماعية القائمة في السودان  79. انعكست أزمة التكوين على البنية المؤسسية للدولة السودانية؛ ما قد يفسرر جانبًا مهمًامن حالة الضعف وغياب التماسك التي تعانيها، ويتضح ذلك في سقوط الحكومات الوطنية المنتخبة، والتدخل المستمر للجيش في السلطة السياسية، وتصدع الأحزاب السياسية كما حصل مع الحزب الوطني الاتحادي الذي انقسم عام 1956، وأدى ذلك إلى نشوء حزب الشعب الديمقراطي  80، إضافة إلى ما تعرّض له جهاز الدولة من تصدع جهوي وعرقي، وخاصة بين شمال السودان وجنوبه، والدور المهم الذي أداه المستعمر في هذا السياق 81.

الثقافة السياسية للمجتمع السوداني

من الناحية النظرية، تعدّ الثقافة السياسية جزءًا من الثقافة المجتمعية العامة، وهي عبارة عن مزيج من الرموز والقيم والمعارف السياسية والتوجهات والسلوكيات الاجتماعية التي تراكمت في مجتمع معين، عبر سنوات طويلة من التفاعلات الداخلية، بين التركيبة السكانية والواقع السياسي والاقتصادي والجغرافي من ناحية، والتدخلات الخارجية وتأثيراتها من ناحية أخرى؛ إذ تعطي هذه الثقافة العمليَةَ السياسية نظامًا ومعنى، وتحدد تصرفات الأفراد، وطبيعة مشاركتهم في النظام السياسي. وهنا تتفاوت المجتمعات: مجتمعات تتسم ثقافتها السياسية بالمشاركة، وأخرى تتسم بالرعوية، وثالثة تتسم بالخاضعة، ورابعة تتأرجح ثقافتها بين النوعين الأخيرين، أي بين الرعوية والخاضعة في الوقت ذاته  82. يرتفع مؤشر المأسسة والديمقراطية عندما تكون الثقافة السياسية للأفراد مشاركة، وهذا يتحقق كلما اقترب الفرد من مؤسسات الدولة وأجهزتها، وابتعد عن الولاءات والانتماءات الفرعية الضيّقة، وكان مدركًا لقواعد النظام السياسي، ومدخلاته ومخرجاته، ومطّلعًا في الوقت نفسه على حقوقه وواجباته، ومؤثرًا في مجريات العملية السياسية؛ ما يجعل منه فردًا نشطًا وفاعلًا. في المقابل، إن غياب هذه الخصائص لدى الأفراد والمجتمع يؤدي إلى انخفاض مؤشر المأسسة والديمقراطية، وبالذات عندما تكون الثقافة السياسية أقرب إلى الرعوية والخاضعة  83. وعلى الأغلب، فإنّ الواقع السوداني يتأرجح بين الثقافة الرعوية والخاضعة، ويتضح ذلك من بنية المجتمع السوداني، والتركيبة القبلية والطائفية، والتأثير الذي أحدثته هذه البنية في تكوين النخب والأحزاب السياسية، وممارساتها الضيّقة 84، هذا إلى جانب دور هذه البنية في عزل المجتمع عن العملية السياسية، وتكوين مجتمعات صغيرة منغلقة على نفسها  85، وبعيدة نسبيًا عن مؤسسات الدولة وبناها الحديثة؛ ولعل ذلك يفسرر جانبًا من غياب المأسسة وفشل الديمقراطية في السودان  86. عمومًا، عانى السودان، وفق رؤية محمد علي جادين، وجود ثلاثة تيارات متناقضة في توجهاتها وثقافتها السياسية، ومتفاوتة في تأثيرها وقوّتها. الأول هو التيار الأضعف، لا يعارض التحول نحو الديمقراطية، وإجراء عملية إصلاح شاملة في بنية النظامين الاجتماعي والاقتصادي في السودان. ويبرز هذا التيار أكثر في أوساط الحزب الاتحادي الديمقراطي. في حين يقبل التيار الثاني بالديمقراطية من حيث الشكل وليس المضمون؛ إذ يدعم تقييد العمل الحزبي والنقابي والصحفي، وعلى نحٍوٍ أوسع تقييد الحريات العامة، ويفضل أن تقتصر الديمقراطية على إجراء الانتخابات وشكل النظام السياسي، ويبرز هذا التيار أكثر في أوساط حزب الأمة. أما التيار الثالث، فلا يؤمن بالديمقراطية، ولا يعارض اللجوء إلى الحكم الدكتاتوري أو العسكري، ويبرز ذلك في أوساط الجبهة الإسلامية القومية التي شاركت في انقلاب عام 1989 87.

3. عدم الاستقرار السياسي

عانى السودان بعد الاستقلال عدم الاستقرار السياسي، وقد بدأت إرهاصات ذلك في عدم توافق السودانيين على دستور دائم للبلاد، والإبقاء على الدستور المؤقت الذي صُمم لفترة الحكم الذاتي الانتقالي 1956-1953، وليس لفترة الاستقلال الوطني، وما تحتاج إليه من

  1. 77  شمس الهدى إبراهيم إدريس، مستقبل النظام السياسي في السودان (الخرطوم: شركة مطابع السودان، 2017)، ص.118-117
  2. 78  المرجع نفسه، ص. 118-117
  3. 79  رميح، "ثورة الإنقاذ في السودان"، ص 101. للمزيد حول دور المستعمر البريطاني،
  4. 85  محمد علي جادين، السودان: تحديات بناء الدولة الوطنية (الخرطوم: دار عزة للنشر والتوزيع، 2015)، ص.163-162
  5. 81  للمزيد حول أنماط الثقافة السياسية ينظر: المرجع نفسه، ص.99-92
  6. استقلال السودان: ستون عامًا من التجربة والخطأ 2016-1956 ص،.16
  7. 83  من الجدير ذكره أنه على الرغم من الخصائص العامة التي تميز المجتمع السوداني، فإن السودان شهد حراكًا جماهيريًا طلابيًا ونقابيًا في مراحل مختلفة من تاريخه السياسي، وبرز ذلك مؤخرًا بعد إطاحة نظام البشير، حينما رفضت الجماهير الوضع القائم، وكذلك دور المؤسسة العسكرية وأداء المجلس الانتقالي. للمزيد، ينظر: طلعت رميح، "السودان بعد تمديد مجلة البيان، العدد الصراعات وتدويل أزمة الحكم"، 387 2019()، ص.51-46 84  هيثم غالب الناهي، الدولة وخفايا إخفاق مأسستها في المنطقة العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2016)، ص.212
  8. ينظر: عبده مختار موسى، مسألة الجنوب ومهدّدات الوحدة في السودان (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص.82-72
  9. 80  سليمة بن حسين، "مفهوم اقتراب الثقافة السياسية عند غابريال آلموند وسيدني فيربا"، مجلة المفكر، مج 16، العدد 2 2021()، ص 82-79،.99-92

عملية بناء للأمة السودانية، وكذلك لدعائم الدولة ومؤسساتها 88. وقد يعود ذلك إلى عدم توافق الفواعل السودانية على رؤية وطنية جامعة، تحدد من خلالها شكل الدولة، وطبيعة الحكم، وهوية النظام السياسي، وانشغالها أكثر بالبحث عن السلطة وامتيازاتها 89. ومن هنا دخل السودان في دوامة من عدم الاستقرار، سواء في نظام الدولة أو مؤسساتها، وكانت البداية في حادثة التمرد التي وقعت عام 1955، وما أعقبها من تناوب على السلطة بين المدنيين والعسكريين  90، وتدحرج أزمات السودان وتصاعد حدّتها، لا سّيمّا في فترة الحكم العسكري الثالث 2019-1989، ويتضح ذلك في زيادة الصراع بين المركز والأطراف، وانحلال مؤسسات الدولة، والتفكك المجتمعي والجغرافي، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية التي كانت عاملًامهمًافي اندلاع ثورة ديسمبر 2018 91.

رابعًا: التدخلات الخارجية

أدت التدخلات الخارجية دورًا مهمًافي تعزيز حالة عدم الاستقرار السياسي في السودان، وقد شكّلت أزمة العلاقة بين المدنيين والعسكريين، وبين المركز والأطراف، مدخلًاجيدًا للتدخل؛ حيث استثمرت هذه الأزمات في التأثير في السياسة الداخلية للسودان، وكذلك في علاقة المكونات العرقية والجهوية والسياسية بعضها ببعض. وقد برز هذا الدور بوضوح في فترة الحرب الأهلية بين شمال السودان وجنوبه 2005-1983()، وكذلك في أحداث أزمة دارفور عام 2003، إضافة إلى الفترة الراهنة التي أعقبت نظام البشير. وقد تعددت الفواعل الخارجية المؤثرة في الواقع السوداني، وتنوعت بين دول ومؤسسات إقليمية ودولية، وتفاوتت في دورها وتأثيرها، وسيتناول هذا الجزء من الدراسة أبرزها. شهدت العلاقات السودانية - الأميركية محطات عديدة، اتسمت في معظمها بالتوتر وعدم الاستقرار، ووصلت إلى حد القطيعة وفرض العقوبات في بعض الحالات، وقد ارتبطت هذه العلاقة بأوضاع السودان غير المستقرة، وكذلك بالدور الأميركي في مجرياتها. فعند وقوع الانقلاب العسكري الأول عام 1958، اتهمت بعض القوى السودانية الولايات المتحدة بالتآمر على الدولة السودانية، مستندة في اتهامها إلى وجود علم مسبق لدى السفارة الأميركية في الخرطوم بحدوثه، وكان من أبرز هذه القوى الحزب الشيوعي السوداني. وقد يندرج هذا التدخل الأميركي ضمن الهدف المعلن في ذلك الوقت، وهو التخلص من الاستعمار القديم، والحلول مكانه، ومنع وصول النخب التي تشكل امتدادًا له إلى السلطة  92. تكرر المشهد السابق فيما عُرف بأحداث الجزيرة "أبا وود نوباوي"، التي وقعت عام 1970، حينما حاولت بعض الأحزاب السودانية، مثل الإخوان المسلمين وحزب الأمة، إطاحة نظام النميري ذي التوجه اليساري في حينه. وهنا اتهم النميري الولايات المتحدة بدعم الأطراف المذكورة آنفًا، إضافة إلى دعمها أطرافًا أخرى مناوئة لحكمه، مثل المعارضة الخارجية وحركة الأنانيا الجنوبية، وذلك في سبيل إسقاط حكومته اليسارية التي لا تخدم الرؤية الأميركية ومصالحها في السودان والمنطقة  93. وبالانتقال إلى الحرب الأهلية التي تجددت بين الشمال والجنوب عام 1983، يلاحظ أن التقارب الأميركي مع نظام النميري، بعد سقوط الحكومة اليسارية عام 1971، لم يكن ثابتًا ومانعًا للتدخل في الشأن السوداني. ويتضح ذلك من استمرار الدعم الأميركي لقوى التمرد الجنوبية، والضغط المتواصل على الخرطوم سواء في عهد النميري، أو خلال التجربة الديمقراطية الثالثة 1989-1986()، لتخفيف قوانين الشريعة الإسلامية وتغيير النهج المتّبع في التعامل مع الجنوبيين. وقد

  1. 86  للمزيد حول التطور الدستوري في السودان، ينظر: مشيكة، ص.35-34
  2. 87  شمس الهدى إبراهيم إدريس وحسن علي الساعوري، "مستقبل النظام السياسي في السودان خلال الحراك الداخلي والإقليمي والدولي"، رسالة ماجستير، جامعة أم درمان الإسلامية، السودان، 2016، ص 149. (غير منشورة)
  3. 88  رميح، "ثورة الإنقاذ في السودان"، ص.102
  4. Nada Ali, "Stubborn Historical Legacies: Power Relations and Government Policy in Sudan," Working Paper , no. 1551, Economic Research
  5. 90  عبد الوهاب محمد الزنتاني، أزمات السودان بين الديموقراطية والدكتاتورية (القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، 2004)، ص.151-149 91  أرباب، ص.19
  6. Forum (May 2022), p. 3.

تعمّقت الأزمة أكثر إبان حكم الإنقاذ، حينما أ درج السودان ضمن قائمة الدول الداعمة للإرهاب، وتحديدًا عام 1994، وما تبع ذلك من إغلاق للسفارة الأميركية في الخرطوم، وتعرّض البلاد لسلسلة عقوبات دولية ضاغطة ومقيدة للدولة السودانية. وازداد هذا المشهد تعقيدًا بعد انفجار أزمة دارفور عام 2003، وتوسع دائرة الصراع، وقيام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عام 2005 بإحالة المتهمين بارتكاب جرائم حرب في نظام البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ ما عزز عزلة السودان، ومثّل ورقة ضغط إضافية في انفصال الجنوب 94. وإلى جانب الدور الأميركي في السودان، برزت أدوار أخرى مكمّلة لعدة دول إقليمية تدخّلت في الشأن السوداني، وإن بدرجات متفاوتة، وعززت كذلك حالة عدم الاستقرار؛ ففي مراحل مختلفة، دعمت مصر  95 تيار الاتحاديين المتمثل في الحزب الوطني الديمقراطي، في المقابل دعمت ليبيا التيار القومي السوداني المتمثل في حزب الأمة، أما السعودية فقد دعمت التيار المحافظ المتمثل في الإسلاميين. وبعد تجدد الحرب الأهلية عام 1983، برز مجددًا الدور الإثيوبي والأوغندي والإرتيري في دعم الحركات الجنوبية المناوئة للخرطوم، وكان أهمّها، الحركة الشعبية لتحرير السودان التي تأسست عام 1984 بقيادة جون قرنق. ولم يتوقف التدخل الإقليمي عند هذا الحد، بل امتد أيضًا إلى أزمة دارفور؛ وقد برز هنا دور كل من تشاد وليبيا وإرتيريا في دعم القوى المناهضة للخرطوم  96، وكان أهمها حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة  97. وفي خضمّ هذه الأحداث، كان الدور الإسرائيلي حاضرًا، وقد برز على خط الأزمة منذ ستينيات القرن الماضي، مستغلًاالتحالف مع إثيوبيا ودول أفريقية أخرى، من أجل زعزعة استقرار السودان وإضعافه. يتضح ذلك من خلال الدعم الإسرائيلي للانفصاليين، وتجّل ىذلك في دعم حركة الأنانيا الجنوبية بقيادة جوزيف لاغو، وكذلك دعم الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة قرنق، وتمثّل هذا الدعم في إرسال المستشارين والفنيين العسكريين، وتقديم التدريبات والعتاد العسكري لهذه القوى. فمن مطلع الثمانينيات إلى مطلع التسعينيات، درّبت إسرائيل قرابة عشرة آلاف عنصر مقاتل من الجنوب السوداني في معسكراتها بالنقب الصحراوي، وبالتوازي مع ذلك، درّبت نصف هذا العدد في معسكرات أخرى داخل دول أفريقية حليفة لها مثل كينيا وزائير وإثيوبيا  98. مثّل اكتشاف موارد ذات جدوى اقتصادية، من النفط، في السودان عنصرًا إضافيًا للتدخلات الأجنبية في شؤونه، فقد تنافست الشركات الصينية والأميركية والكندية في مشاريع التنقيب، وكان هذا التنافس عاملًا مساعدًا على دعم التوجه الانفصالي لجنوب السودان  99، لوجود موارد طبيعية مجدية تدعم الاستقلال، فضلًاعن التطلعات القومية التي نمت في ظل سوء إدارة أنظمة الحكم في الخرطوم. ومن جانب آخر، فإن المستجدات السياسية والأمنية التي يشهدها السودان، منذ إطاحة نظام البشير في نيسان/ أبريل 2019، هي نتاج تراكمات تاريخية من عدم الاستقرار، وامتداد لتفاعلات داخلية وخارجية مضطربة. لقد أخفق مجلس السيادة السوداني المؤقت، الذي ضمّ في عضويته مدنيين وعسكريين، بقيادة البرهان، في تحقيق متطلبات المرحلة الانتقالية التي أعقبت حكم البشير 2021-2019، وكان أبرزها نقل السلطة تدريجيًا من العسكريين إلى المدنيين، والبدء في عملية إصلاح شاملة في أجهزة الدولة ومؤسساتها  100. وقد يرجع ذلك إلى عدم التزام المؤسسة العسكرية، بأجنحتها المختلفة، بما ورد في الوثيقة الدستورية المعتمدة في آب/ أغسطس 2019، والتي تم بموجبها تقاسم السلطة بينها وبين المكوّن المدني  101. يضاف إلى ذلك أنّ رفض الجيش لما ورد في الاتفاق الإطاري لبعض القوى المدنية في ورشة الإصلاح العسكري، بقبول طلب الدعم السرريع بأن يكمل دمج قواته في الجيش في غضون عشر

  1. إجلال رأفت [وآخرون]،  92 السودان على مفترق الطرق بعد الحرب.. قبل السلام (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2006)، ص 30-27، 52-51،.147
  2. 93  يجدر التوضيح أن مصر اُّتُهمت بأداء دور مهم في الانقلابات العسكرية السودانية، لا سّيمّا في فترة جمال عبد الناصر، على الرغم من اعترافه باستقلال السودان عام 1956. وفي هذا السياق، يُذكر على سبيل المثال الاتهامات التي وُجّهت إلى القاهرة بدعم انقلاب الفريق عبود عام 1958، في ردة فعل مصرية على سياسة الأحلاف المدعومة في ذلك الوقت من الولايات المتحدة الأميركية، والتي كانت تستهدف إبعاد السودان عن مصر، وزجّه في حزام أفريقي يخدم مصالح أميركية وإسرائيلية في المنطقة. وعند وقوع الانقلاب العسكري الثاني عام 1969، اُّتُهمت مصر مجددًا بدعم الانقلابيين، وتحديدًا اليساريين منهم، نظرًا إلى الصلات القوية التي ربطت نظام عبد الناصر بالحزب الشيوعي السوداني في خمسينيات القرن الماضي وستينياته. للمزيد حول الدور المصري في الانقلاب الأول عام 1958، ينظر: أحمد عبد الدايم محمد حسين، "موقف مصر من مطالب استقلال السودان في الفترة من 1942-1956 "، المجلة التاريخية المصرية، مج 56، العدد 56 2022()، ص 429، 456، 76-4754؛ للمزيد حول
  3. Alex de Waal, "Sudan: What Kind of State? What Kind of Crisis?" Crisis States Research Centre, Paper no. 2 (April 2007), pp. 1-27, accessed on 9/4/2024, at: https://2u.pw/1CDxUHRt
  4. 95  للمزيد ينظر: المديني، ص.89-88
  5. 96  المرجع نفسه، ص.63-58 97  ذاكر محي الدين عبد الله، "نفط السودان في خارطة التنافس الدولي "2011-1999، دورية كان التاريخية، العدد 44 (حزيران/ يونيو 2019)، ص.225-222
  6. الدور المصري في الانقلاب العسكري الثاني، ينظر: زينب جبار رحيمة، "الانقلابات في السودان مجلة المستنصرية وموقف مصر منها 1989-1964، العدد "، 80 2022()، ص.86
  7. 98  فهد المضحكي، "السودان بين صراع العسكر والأطماع الخارجية"، الأيام (البحرينية)، العدد 12439، 2023/4/29، شوهد في 2023/5/30، في https://2u.pw/jzxDwxRR:
  8. 99  سامي صبري عبد القوي، "إسرائيل والسودان: رهانات التطبيع ومقاربة دعم المكون مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد العسكري"، 131 (صيف 2022)، ص.63

سانوات، ومطالبة الجيش بالدمج في سنتين فقط، قد يفسرر جانبًا مهم من الحالة التي وصل إليها السودان اليوم  102. ترجمت المؤسسة العسكرية رفضها لمتطلبات المرحلة الانتقالية بانقلابها على الحكومة المدنية برئاسة عبد الله حمدوك في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، وحلّها مجلس السيادة المؤقت، ووقف عملية التحول الديمقراطي المفترضة، واستفرادها مجددًا بالسلطة السياسية. ومع عدم تماسك الجيش، وبحث أجنحته عن مصالحها الضيّقة، انتقل الصراع على السلطة ليصبح بين الجناحين الرئيسين في المؤسسة العسكرية، أي بين الجيش الذي يقوده البرهان وقوات الدعم السرريع التي يقودها حميدتي، وقد تطور هذا الصراع في نيسان/ أبريل 2023 إلى صدام مسلح ما زالت رحاه تدور حتى الآن  103. من الصعب فصل التطورات السودانية السابقة الذكر عن العامل الخارجي؛ إذ إن توجه مجلس السيادة المؤقت نحو التطبيع مع إسرائيل، لا سّيمّا بعد التوجه الإماراتي، حفّز قادة الجيش، البرهان وحميدتي، على اتخاذ خطوة مشابهة والانضمام إلى اتفاقيات "أبراهام." وقد أدى ذلك إلى فكفكة جزء من أزمات السودان الخارجية، مع الولايات المتحدة تحديدًا، وزيادة في حدة الأزمات الداخلية بين المدنيين والعسكريين؛ حيث مثّل اقتصار العلاقة الإسرائيلية مع السودان على المكونات العسكرية دون غيرها عاملًا مساعدًا على تقويض الحكم المدني المتمثل في حكومة حمدوك  . وبعد إطاحة الجيش حكومة حمدوك، وتفجّر الصراع بين قادة أجنحته العسكرية، وُجّهت اتهامات إلى عدة دول إقليمية بالمشاركة في تأجيجه وإذكائه، من خلال دعمها طرفًا ضد آخر، تحقيقًا لمكاسب سياسية واقتصادية خاصة بها. وهنا اُتُهمت دولَتَا الإمارات العربية المتحدة ومصر بدعم الانقلاب العسكري، ولاحقًا اُتُهمت أبوظبي بدعم قوات الدعم السرريع في المواجهة الحالية مع الجيش السوداني، في المقابل اُتُهمت القاهرة بدعم هذا الأخير  ، وبين هذا الاستقطاب وذاك، ازدادت احتمالية تفكك السودان مرة أخرى.

خاتمة

تنوعت العوامل المركزية التي تفسرر أزمة العلاقة بين المكوَنيَن المدني والعسكري في السودان، وانقسمت بين عوامل داخلية وأخرى خارجية، تفاوتت في دورها وتأثيرها، وتكاملت في تكوين الأزمة واستمرارها، حيث كان للتجارب التاريخية، وبالذات تجربة محمد علي باشا، وتجربة الحكم الثنائي البريطاني - المصري، التأثير الأبرز في رسم العلاقة بين العسكر والسلطة في السودان. وازدادت هذه العلاقة تعقيدًا في ظل غياب فاعلية الأحزاب السياسية، وبقائها أسيرة اعتبارات وانتماءات ضيّقة، قَبَلية وطائفية وجهوية، وعزز ذلك غياب المأسسة في مؤسسات النظام السياسي السوداني. وأتاح هذا الواقع الذي تناولته الدراسة الفرصة لتدخلات خارجية، عززت حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني في السودان، وزادت احتمالية تعرّضه لمزيد من التشظي في خريطته الجغرافية والسياسية. سيظل السودان معرّضًا لمزيد من الأزمات، ما لم تُحلّ الإشكاليات المزمنة من الصراع الدائم على السلطة بين مختلف مكوناته العسكرية والمدنية، وكذلك الجهوية والعرقية. ولعل الملاحظ في هذه الدراسة أن الجيش السوداني هو انعكاس وامتداد للتكوينات القبلية والإثنية والطائفية والجهوية. فالصراع بين أجنحته العسكرية على السلطة هو صراع بين قوميات مختلفة، سواء على الجغرافيا أو الثروات أو مناطق السيطرة والنفوذ، إضافة إلى تأثر الجيش بعامل الولاءات خارج الحدود، والتي استطاعت هي الأخرى أن تتقاسم أجنحته المختلفة، وتعزز تَأ جج الصراعات فيما بينها. وقد تكون هذه العوامل مهمة في صياغة العلاقة المأزومة بين الجيش السوداني والقوى السياسية المدنية بعد الاستقلال، لا سّيمّا أن الصراع على السلطة بات يخفي وراءه تلك التباينات القبلية والإثنية والجهوية وارتباطاتها الخارجية. يتطلب الواقع السوداني الراهن توصّل مختلف القوى السودانية، الفاعلة في الساحة السياسية والعسكرية، إلى رؤية سودان موحّد ومستقر، قائم على قواعد دستورية متفق عليها، تعّب رعن عقد اجتماعي جامع لكل السودانيين. ولعل بناء نموذج ديمقراطي، ضمن نظام فدرالي حقيقي، يعكس بداخله مكونات الدولة السودانية كافة، يمثّل مخرجًا من أزمة العلاقة بين المركز والأطراف من جهة، وبين العسكريين والمدنيين من جهة أخرى. ولعل ذلك يتطلب مجلسًا تأسيسيًا يأخذ السودان نحو بناء حكم تشاركي بعيد عن تفرد جهة معينة بالسلطة، سواء أكان حزبًا أم فردًا أم مكونًا عرقيًا أم جهويًا، وتعزيز هذا الحكم بالاستناد إلى الشرعية الدستورية القائمة على رضا الأفراد، والتقاء المصالح بين الحاكم والمحكومين، بما يوفر للسودانيين الأمن والاستقرار السياسي. يضاف إلى ذلك أن إيمان الأطراف كافة

  1. 100  للمزيد ينظر: النور أحمد النور، "الجزيرة نت تكشف الأسباب.. لماذا لم الجزيرة نت توقع الأطراف السودانية على الاتفاق السياسي؟"،، 2023/4/1، شوهد في 2023/8/10، في https://2u.pw/KRfjT9gN:
  2. 101  محمد ناجي الأصم، "الحرب في السودان: بين الأجندة الذاتية والتدخلات مبادرة الإصلاح العربي الخارجية"،،، 2023/6/6 ص 4، شوهد -1 في 2023/6/30 فh يttps://acr.ps/1L9zOmB:
  3. 102  عبد القوي، ص.69-63
  4. 103  للمزيد من المعلومات حول الدور المصري والإماراتي والأسباب الكامنة خلفهما، ينظر: الأصم، ص.5-2

بأهمية وجود معارضة فعّالة بموازاة النظام الحاكم، تكون غايتها الصالح العام وليس الحكم والسلطة، إلى جانب وجود منظومة رقابة ومساءلة ومحاسبة، قد يمثّل أساس بقاء النظام السياسي وحيويته. ومن شأن هذا البناء الداخلي تمكين الدولة السودانية من مواجهة التحديات الداخلية والخارجية على حد سواء. ويبقى البحث في كيفية منع تعرّض السودان لمزيد من التشظي بين مكوناته المختلفة مج لًابحثيًا مهمًاللباحثين المهتمين بدراسة الشأن السوداني.

المراجع

العربية

أبو القاسم، نجاة أبو القاسم محمد. "أسباب وعوامل تسليم السلطة للجيش في السودان 17 نوفمبر 1958 م." مجلة القلزم للدراسات التاريخية والحضارية. العدد).2021(5 أبو شوك، أحمد إبراهيم. الثورة السودانية (2019-2018:) مقاربة توثيقية - تحليلية لدوافعها ومراحلها وتحدياتها. تقديم عزمي بشارة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 أحمد، حسن الحاج علي. "الانقلاب العسكري بمنزلة عملية سياسية: سياسات عربية. مج الجيش والسلطة في السودان." 5، العدد 24 (كانون الثاني/ يناير.)2017 إدريس، شمس الهدى إبراهيم. مستقبل النظام السياسي في السودان. الخرطوم: شركة مطابع السودان،.2017 إدريس، شمس الهدى إبراهيم وحسن علي الساعوري. "مستقبل النظام السياسي في السودان خلال الحراك الداخلي والإقليمي والدولي." رسالة ماجستير. جامعة أم درمان الإسلامية. السودان. 2016. (غير منشورة) أرباب، ليلى سيد مصطفى. "الجيش والاستقرار السياسي في السودان." المجلة العربية للعلوم السياسية. العدد 63 (خريف.)2012 استقلال السودان: ستون عامًا من التجربة والخطأ 2016-1956. حيدر إبراهيم علي (محرر.) القاهرة: الحضارة للنشر،.2015 آل غزاي، ماجد محيي. التاريخ السياسي في السودان منذ الاحتلال البرريطاني حتى حكم البشير. عمان: دار الأيام للنشر والتوزيع،.2019 الأمين، رفعت. "السودان: تعقيدات الواقع وآفاق الانتقال." مجلة الديمقراطية. العدد 75 (تموز/ يوليو.)2019 باراني، زولتان. "القوات المسلحة وعمليات الانتقال السياسي." سياسات عربية. مج 5، العدد 24 (كانون الثاني/ يناير.)2017 بشارة، عزمي. "الجيش والحكم عربيًا: إشكاليات نظرية." سياسات عربية. العدد).2016(22 _______. الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017

بن حسين، سليمة. "مفهوم اقتراب الثقافة السياسية عند غابريال آلموند مجلة المفكر. مج وسيدني فيربا." 16، العدد 2.)2021(جادين، محمد علي. السودان: تحديات بناء الدولة الوطنية. الخرطوم: دار عزة للنشر والتوزيع،.2015 حسين، أحمد عبد الدايم محمد. "موقف مصر من مطالب استقلال السودان في الفترة من 1942-1956 ". المجلة التاريخية المصرية. مج 56، العدد 56.)2022(حسين، شيماء حسين أحمد ومصعب خليل عبد الله عبد الرافع. "دور جمعية اللواء الأبيض في الحركة الوطنية 1923-1924 م." مجلة النيل الأبيض للدراسات والبحوث. العدد).2022(20 الحوار العربي - التركي بين الماضي والحاضر: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية والمؤسسة العربية للديمقراطية ومركز الاتجاهات السياسية العالمية. إستانبول: مركز دراسات الوحدة العربية والمؤسسة العربية للديمقراطية،.2009 خليل، صلاح. "السودان: التوازنات الداخلية ومسارات المستقبل." مجلة الديمقراطية. العدد 58 (نيسان/ أبريل.)2015 الدوري، ظاهر جاسم محمد. السودان في التاريخ الحديث من 1969-1914 م. دمشق: دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع،.2019 رأفت، إجلال [وآخرون.] السودان على مفترق الطرق بعد الحرب.. قبل السلام. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2006 رحيمة، زينب جبار. "الانقلابات في السودان وموقف مصر منها مجلة المستنصرية 1989-1964. العدد).2022(80 ". رميح، طلعت. "ثورة الإنقاذ في السودان: مشروع بناء الدولة مجلة شؤون الأوسط. العدد وإشكالياته." 48.)1996(_______. "السودان بعد تمديد الصراعات وتدويل أزمة الحكم." مجلة البيان. العدد).2019(387 الزنتاني، عبد الوهاب محمد. أزمات السودان بين الديموقراطية والدكتاتورية. القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع،.2004 الساعوري، حسن علي. "واقع التنمية السياسية في السودان." مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية العلمية. العدد).2012(2 سعدي، محمد. "إمكانيات إصلاح الجيش ورهاناته في العالم العربي: سياسات عربية. العدد دراسة أولية مقارنة." 24 (كانون الثاني/ يناير.)2017 شكر، نغم نذير. "مأسسة السلطة كمعيار للحكم الرشيد: دراسة مجلة الجامعة العراقية. العدد نظرية." 52 2011(.) صالح، الأمين معاذ عثمان. "مشكلة تداول السلطة في السودان 1956 م-1999 م." المجلة العربية للعلوم الإنسانية والاجتماعية. العدد.)2022(13 صالح، محمد عبد الرحمن. "أزمة السودان لم تبدأ مع حكم الإنقاذ." السياسة الدولية. العدد 141 (يوليو/ تموز.)2000 الطويل، أماني. "السودان: مخاض عسير لتغيير سياسي." مجلة الديمقراطية. العدد). 2019(74 العابدين، الطيب زين. "السودان: مخرجات مؤتمر الحوار الوطني مركز الجزيرة للدراسات ومآلاته.".. 2017/2/22 في: https://acr.ps/1L9zP2k عباس، علي عبد الله. "الثقافة السياسية لبعض الأحزاب السودانية وأثرها اليسار. العدد على الموقف من الديمقراطية." 43.)1993(العباسي، سرحان غلام حسين. التطورات السياسية في السودان المعاصر 2009-1953: دراسة تاريخية وثائقية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2011 عبد الحليم، أحمد. "مستقبل السودان السياسي: رأي ورؤية." السياسة الدولية. العدد).2000(141 عبد العزيز، عبد العزيز محمود. السودان الذي نريد. مجتبى نور الدائم وعيسى إبراهيم (محرران.) القاهرة: الشركة العالمية للطباعة والنشر،.2015 عبد القوي، سامي صبري. "إسرائيل والسودان: رهانات التطبيع ومقاربة دعم المكون العسكري." مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 131 (صيف.)2022 عبد الله، ذاكر محي الدين. "نفط السودان في خارطة التنافس الدولي ". دورية كان التاريخية 2011-1999. العدد 44 (حزيران/ يونيو.)2019 عبد الملك، أنور. الجيش والحركة الوطنية: مصر، فيتنام، الباكستان، إندونيسيا، اليابان، الصين، الكونغو. بيروت: دار ابن خلدون للطباعة والنشر والتوزيع، [د. ت.].

عثمان، عبد العزيز خالد. "الجيش السوداني: خمسون عامًا من محاور. العدد السياسة." 15-14 2008(.) عثمان، محمد محجوب. الجيش والسياسة في السودان: دراسة في حركة 19 يوليو 1971. القاهرة: مركز الدراسات السودانية،.1998 قلندر، محمود. السودان ونظام الفريق عبود 17 نوفمبرر 21-58 أكتوبر 64. الخرطوم: دار عزة للنشر والتوزيع،.2012 قيلي، بهاء الدين مكاوي. "البناء السياسي وتحديات الحكم في مجلة دراسات المستقبل. العدد السودان." 5 2012(.) محمد، فتحي الضوّ. محنة النخبة السودانية. القاهرة: مطابع سجل العرب، 1993. المديني، توفيق. تاريخ الصراعات السياسية في السودان. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب،.2012 مشيكة، حسن حامد. "التحول الديمقراطي والبحث عن الدستور في ظلّ الحكم الفدرالي في السودان." مجلة المستقبل العربي. مج 63، العدد 154 (أيلول/ سبتمبر.)2013 مصلح، أحمد [وآخرون.] الثورات والانتقال الديمقراطي في العالم العربي وأوروبا الشرقية: بولندا ومصر نموذجًا. رام الله: مواطن- المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية،.2015 منصور، تميم. الانقلابات العسكرية في الأقطار العربية: العسكر والسياسة وصراع الضباط للوصول إلى السلطة في الأقطار العربية. رام الله: دار الوسط اليوم وشوقيّات للإعلام والنشر،.2017 المهدي، الصادق. "سقوط الأجندات الأيديولوجية في السودان." مجلة السياسة الدولية. العدد).2000(141 موسى، عبده مختار. مسألة الجنوب ومهدّدات الوحدة في السودان. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2009 الموند، جابرييل إيه. السياسات المقارنة في وقتنا الحاضر: نظرة عالمية. ترجمة هشام عبد الله. مراجعة سمير نصّار. عمان: الدار الأهلية للنشر والتوزيع،.1998 الناهي، هيثم غالب. الدولة وخفايا إخفاق مأسستها في المنطقة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2016 النقاش، أمينة. "الفريق عبد الرحمن سعيد: الأزمة في السودان، أزمة اليسار. العدد حكم معارضة." 61 (آذار/ مارس.)1995 النور، النور أحمد. "المؤسسة العسكرية السودانية." الدراسات الإفريقية وحوض النيل. مج 9، العدد 18.)2016(النور، شلعي بله بشارة محمد. "الصراع المدني العسكري وأثره على الحكم في السودان." رسالة ماجستير. جامعة النيلين. الخرطوم. 2010. (غير منشورة) هلال، جميل. النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو: دراسة تحليلية نقدية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.1998 هنتنجتون، صمويل. النظام السياسي في مجتمعات متغيرة. ترجمة حسام نايل. لبنان: دار التنوير للطباعة والنشر،.2017 ولد داداه، أحمد [وآخرون.] الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002.

الأجنبية

Ali, Nada. "Stubborn Historical Legacies: Power Relations and Government Policy in Sudan." Working Paper , no. 1551. Economic Research Forum (May 2022). Bellin, Eva. "The Robustness of Authoritarianism in the Middle East: Exceptionalism in Comparative Perspective." Comparative Politics. vol. 36, no. 2 (January 2004). Brooks, Risa. "Paradoxes of Professionalism: Rethinking Civil- Military Relations in the United States." International Security. vol. 44, no. 4 (2020). Mesquita, Bruce Bueno de et al. The Logic of Political Survival. Cambridge: The MIT Press, 2004. Orakket, Serhat. "Sudan's National Unity: The Peace and Integration in The Transition." Pan-African University- Inonu International African Research Journal. vol. 1, no. 2 (2021). at: https://2u.pw/EMbYcbSd Waal, Alex de. "Sudan: What Kind of State? What Kind of Crisis?" Crisis States Research Centre. Paper no. 2 (April 2007). at: https://2u.pw/1CDxUHRt