صعود المرجعية ما بعد التقليدية: السلطة السياسية بين نظام ولاية الفقيه في إيران والمؤسسة الدينية الشيعية في العراق

Harith Hassan حارث حسن |

الملخّص

This study explores the relationship and reciprocal influence between the political authority in Iran, led by the Supreme Leader, Ali Khamenei, and the religious authority in Najaf, led by the Grand Ayatollah and marja', Ali al-Sistani. Rather than focusing exclusively on jurisprudential/ideological doctrines, the paper approaches the subject from a perspective that emphasizes the interactive relationship between the structure and the agency. It suggests that the emergence of the Islamic regime in Iran, based on the principle of Willayat Al-Faqih, had a significant impact on reshaping power relations in the Shi'i theological space and the response of Shi'i religious actors. At the same time, the practices adopted by al-Sistani in Iraq after 2003 , the context he was responding to, and the emergence of the Marji ʿ yya as an extraconstitutional actor, allowed for the formation of an alternative transitional model, which I term a "neo-traditional authority". The study argues for an alternative to two theses: first, the potential decline of the traditional Marji ʿ yya due to the dominance of the Willayat Al-Faqih in Iran, put forward in particular by Mehdi Khalaji, and second, the superiority and continuity of the traditional Marji ʿ yya due to its depoliticization, contended by Linda Wallbridge. The paper also maintains that there is an interpretive framework that meets the two theses in the middle, represented by the rise of the neo-traditional Marji ʿ yya and the possibility it will emerge as an alternative model in the future.

The Rise of Neo-Traditional Marji ʿ yya: Political Authority Between Najaf and Iran's Willayat Al-Faqih

تركز هذه الدراسة على العلاقة والتنافس بين السلطة السياسية في إيران التي يقودها الولّي الفقيه، علي خامنئي، والسلطة الدينية في النجف التي يقودها المرجع الأعلى، علي السيستاني. وبدلًا من الاهتمام الحصري بالمتبّن يات الفقهية/ الأيديولوجية، تقارب الدراسة الموضوع من منظور يهتمّ بالعلاقة التفاعلية بين البنية والفاعلية الذاتية، وتقترح أّن ه كان لنشوء النظام الإسلامي في إيران، وفقًا لمبدأ ولاية الفقيه، أثٌرٌ كبيٌرٌ في إعادة صوغ علاقات القوّة في الحقل الديني الشيعي، وتشكيل استجابة الفاعلين الدينيين الشيعة له. وفي الوقت نفسه، فإن الممارسات التي تبّناها السيستاني في العراق بعد عام 2003، وتجّن به إضفاء الطابع الدستوري على المرجعية الدينية، أتاح تشّك ل نموذج انتقالي بديل، سمّ يته "المرجعية ما بعد التقليدية." وُت جادل الدراسة على نحو مقابل لأطروحتين: أطروحة الانحطاط المحتمل للمرجعية التقليدية بسبب هيمنة نظام الولي الفقيه في إيران، التي طرحها مهدي خلجي خصوصًا، وأطروحة تفوّق المرجعية التقليدية واستمراريتها بسبب عدم تسييسها، التي طرحتها ليندا وولبريدج. وتجادل أيضًا في أنّ هناك إطارًا تفسيرًّيًا وسطيّا بين الأطروحتين، يُمّث له صعود المرجعية ما بعد التقليدية، واحتمال استقرارها نموذجًا بديلًا مستقبلًا.

كلمات مفتاحية: المرجعية الشيعية، ولاية الفقيه، العراق، إيران.

مقدمة

أدّى سقوط نظام الشاه في إيران، في شباط/ فبراير 1979، وسقوط نظام صدام حسين في العراق، بعد الاحتلال الأميركي، في نيسان/ أبريل 2003، إلى أن تكون النخبة الدينية الشيعية في كلا البلدين تجاه تحدّي التعامل مع وضع جديد: كيف يمكن قيادة الدولة الحديثة التي كانت هذه النخبة تميل إلى التعامل معها في شٍّكٍ وريبة؟ بعبارة أخرى، ما هو النموذج الذي ستتبنّاه تلك النخبة حين توافرت لها فرصة توّل يالحكم، أو التأثير في عملية تشكّله؟ كما هو معلوم، كان زعيم الثورة في إيران، آية الله الخميني، قد اشتبك نظريّا مع هذه الفكرة قبل قيام الثورة، واقترح نموذجه للحكومة الإسلامية المستند إلى نظرية ولاية الفقيه المطلقة التي تطوّرت من رحم الفكر الأصولي الشيعي، واتّجه إلى تطبيقها في إيران بعد الثورة. كان ذلك تطوّرًا غير مسبوق في المقاربة الشيعية للدولة الحديثة، أنهى الموقف السلبي القائم على "الانتظار" إلى حين ظهور الإمام الغائب، كي يُقيم دولة "العدالة الإلهية"، وفق المتبنّيات الشيعية المذهبية، وتجاوز موقف الريبة والمعارضة للدولة - الأمة بشكلها الحديث، منتقلًاإلى محاولة إعادة تشكيلها وتكييفها مع المنطلقات الفكرية للنخبة الدينية. ونتج من ذلك ظهور نظام الجمهورية الإسلامية، بوصفه النموذج العملي (المؤطر أيديولوجًّيًا) لدولة يمثل الشيعة غالبية سكانها، وتحكمها النخبة الدينية الشيعية، وُتُعِّفرِ نفسها أساسًا عبر الهوية الدينية (الطائفية)، وفي سياق تاريخي عامّ كان الإسلام يبرز فيه بمنزلة لغة للتعبير السياسي وتشكيل الهوية الجمعية. في مقابل ذلك، وجدت النخبة الدينية الشيعية في العراق، وسلطتها الهيراركية المتمثلة في المرجعية الدينية في النجف، في عام 2003، أنها إزاء وضع لم تُسِهِم في صنعه، خلافًا لدور الخميني في الثورة الإيرانية، نتج من سقوط نظام صدام حسين عبر الاحتلال الأميركي، وظهور الفرصة للفاعلين الدينيين والسياسيين الشيعة لقيادة عملية تشكيل النظام الجديد ومؤسساته وسردياته التأسيسية. جاء هذا التحوّل في سياق تسييس الهويات الطائفية، وأسهم في تسريع هذا التسييس ومأسسته، وصعود مقولات "التمكين الشيعي" و"اليقظة الشيعية"، بعد أن بقيت الدولة العراقية الحديثة خاضعة للهيمنة "الُسُنّية" منذ تأسيسها 1، وهي مقولات تبسيطية، شكّلتها إلى حدّ بعيد الأهواء الأيديولوجية والقراءة المختزلة للتاريخ الحديث، والفهم الجوهراني للهويات الطائفية/ المذهبية  2. وكما هو معروف، فإن السلطة الدينية الشيعية في النجف، لأسباب عقائدية/ أيديولوجية تتعلق بتفسيرها المختلف لسلطة الفقيه، وأسباب عملية تتعلق بوجود الاحتلال الأميركي وبالبنية التعددية مذهبيّا وإثنيّا للمجتمع العراقي، لم تتَبّنَ نموذج "ولاية الفقيه المطلقة" لتشكيل نظام الحكم الجديد في العراق، بل اختارت موضعة نفسها ككيان فوق- دستوري Extra-constitutional يمتلك حق التدخل في الشأن السياسي عندما تستوجب الأمور ذلك، مؤِّرطّة هذا الخيار بمقولات فقهية ونظرية سياقية، وبنمط من الممارسات الأدائية التي شاعت في عراق ما بعد عام 2003، والتي أكسبت "المرجعية الدينية" منزلة اعتبارية عالية، وجعلت تبجيلها وزعم الالتزام بتوجيهاتها من العناصر الرئيسة في الخطاب السياسي السائد في عراق ما بعد صدام حسين. مع اتّضاح بعض معالم الصيغة "السيستانية" وتمايزها من الصيغة "الخمينية"، ظهرت العديد من المحاولات التفسيرية التي غالبًا ما ركّزت على المتبنّيات الفكرية المختلفة لما تمّت تسميته - بشيء من التساهل - مدرسَتَي النجف وُقُم، وذهب بعض الباحثين إلى التنقيب في البحوث الفقهية والكتابات النظرية التي أرشدت مُنظّري هاتين المدرستين  3. وفي الغالب، كان المنطلق في هذه الكتابات هو "فكر" المرجع، وليس تأثيرات البنية السياسية والاجتماعية، مع تصوّر لتطوّر "العقل الفقهي" بوصفه مسارًا منقطعًا عن السيرورات التاريخية، ولا يدخل في علاقة جدلية معها، وعلى نحو خاص، غياب الحساسية الكافية لشروط الواقع الذي نتج من تشكّل الدولة الحديثة. فعلى الرغم من أهمية المنطلقات الفكرية والفقهية لتحليل مواقف الفقهاء الشيعة، فإن السلطة - بوصفها ظاهرة اجتماعية تتشكّل في الواقع وتؤثر فيها ظروف ومعطيات غير أسيرة للمدوّنات المكتوبة، وتتفاعل مع هذا الواقع - هي ظاهرة سياقية مستمرة التحوّل. ومن هنا، فإن المقاربات السوسيولوجية التاريخية، خصوصًا المقاربات التي تسترشد بالمنهجية المؤسساتية وتعديلاتها الحديثة نسبًّيًا، المتمثلة في مؤسساتية 4المؤسساتية الشبكية والنيو-، التي حاولت إقامة التوازن

  1. 1ُيُنظر مثل:ا Vali Nasr, The Shia Revival: How Conflicts Within Islam will Shape the Future (New York: W.W. Norton & Company, 2006).
  2. ينظر مثلًا: حسن العلوي، 2 الشيعة والدولة القومية في العراق (  4 191 - 990) 1 (قم: دار الثقافة للطباعة والنشر، 1990)؛ وفي نقد هذا التصوّر الجوهراني، ينظر: عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.582-579
  3. مثلًا: محمد صادق كوشكي، تأّملّات في الفكر السياسي للإمام الخميني (بيروت: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، 2011)؛ حسين محمد علي الفاضلي، الإمام السيستاني: أمّة في رجل (بيروت: مؤسسة البلاغ، 2008.)

بين البنية والذات الفاعلة، كما هو الشأن في مفهوم الهابيتوس عند بيار بورديو  5، والتهيكل عند أنتوني غيدنز6، تساعدنا في تطوير فهم أكثر اقترابًا من الواقع لتجربَتَي الفقهاء الشيعة السياسية في العراق وإيران. وبينما انشغلت معظم الكتابات - ا القليلة أصل - بالمقارنة بين الاتجاهين الفكريين لمدرستي "ُقُم والنجف"، لم يُبذل جهد مناظر للتعامل مع سلطة الوليّ الفقيه في إيران، والمرجعية الدينية الشيعية في النجف، بوصفهما مركَزَي سلطة وتأثير متنافسين في العالم الشيعي، على نحٍوٍ أنتج أنماطًا معقدةً من العلاقة والتفاعل والتباين بينهما. وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى الدراسة الرائدة لخلجي 7، وكتابات ليندا وولبريدج  8، باعتبار تمُّيُز كلّ منها بتبنّي المقاربات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية في فهم العلاقة/ التنافس بين السلطتين، وعدم اختزال النقاش في المتبنّيات الفكرية والفقهية. جادل خلجي في أنّ نموّ سلطة الولي الفقيه في إيران، واستخدامها مقدّرات الدولة الإيرانية ومواردها، جعلاها تُصبح القطب السياسي - الديني المهيمن في العالم الشيعي، في حين أن مرجعية النجف التي برزت بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق، بقيادة السيستاني، لن تتمكّن مستقبلًامن الحفاظ على الخط "التقليدي"، غير المسيّس والمؤدلج، الذي لا يتبنّى نظرية ولاية الفقيه الُمُطلقة، بل سيكون السيستاني هو المرجع التقليدي الأخير الذي استطاع أن يحتفظ بمستوى عاٍلٍ من الاستقلالية عن طهران، إضافة إلى أن إيران ستتمكّن من مدّ نفوذها إلى النجف وإضعافها، أو استتباعها بعد رحيل السيستاني. في مقابل ذلك، مالت كتابات وولبريدج إلى مقاربة مختلفة، معتبرةً أن نموذج السيستاني، بوصفه امتدادًا لنموذج المرجع التقليدي، أبي قاسم الخوئي، استفاد من طابعه غير المسيّس لكسب أتباع في العالم الشيعي من الباحثين عن مرجعية دينية بحتة، وُمُشَت ري الفتوى بوظيفتها التقليدية المتعلّقة بالعبادات والمعاملات الشخصية، بدلًامن التورّط باتّباع الوليّ الفقيه في إيران، خصوصًا أنّ غالبية من الشيعة، حول العالم، لم تجد أنّ خامنئي - في فترة تنصيبه مرشدًا أعلى - قد استوفى شروط العلم الديني والفقهي الكافي لتبنّي منزلة المرجعية الدينية، ونظرت إليه أساسًا بوصفه زعيمًاسياسًّيًا. وبحسب وولبريدج، فإن تقليدانية السيستاني كانت مريحة لأطياف من الشيعة حول العالم، مثل جماعة الخوجة النافذة في شبه القارة الهندية، وقسم مهم من شيعة الخليج الذين اتّسمت علاقتهم بأنظمة الحكم في بلدانهم بالتوتر، خصوصًا بسبب التسييس المتزايد للانتماء الطائفي الذي كانت الثورة الإيرانية و"النموذج الإيراني" من أبرز محفّزاته 9. قد يكون للمرحلة الزمنية التي كتب فيها كل من وولبريدج وخلجي في هذا الشأن، دوٌرٌ في صوغ تصوّراتهما، فخلجي أنتج نصّه في عام 2006، بعد انهيار نظام صدام حسين الذي كان يُنظر إليه على أنه بمنزلة حاجز أساسي تجاه المد الأيديولوجي للجمهورية الإسلامية، ومع بروز حلفاء لإيران من الجماعات الشيعية بوصفهم فاعلين رئيسين في صوغ النظام السياسي الجديد، ودخول إيران إلى العراق عبر بوابة دعم الفصائل المسلّحة. كان النظام الإسلامي في إيران يرى أعداءه الأيديولوجيين والسياسيين، مثل حركة طالبان في أفغانستان ونظام البعث في العراق، يتساقطون، بينما نجح خامنئي في توطيد سلطته الداخلية وإقصاء أبرز منافسيه، والهيمنة على الحقل الديني في إيران. وفي مقابل ذلك، كتبت وولبريدج نصوصها (أحدها نشُر بعد وفاتها) في التسعينيات، وقد اهتمت كثيرًا بانتقال منزلة المرجع الأعلى من الخوئي إلى السيستاني، مرورًا بأبي الأعلى السبزواري، ورأت نفوذ بعض الفئات والجماعات الشيعية، مثل مؤسسة الخوئي في لندن، يتنامى في ذلك الوقت، ويعكس رسوخ الشبكة التقليدية وقدرتها على مقاومة تحدّي نظام ولاية الفقيه. لكن ما يلتقي عنده وولبريدج وخلجي هو النظر إلى السيستاني باعتباره تمثيلًانموذجًّيًا للمدرسة التقليدية في الحوزات الشيعية التي تتّسم بعدم تسييسها وانكفائها عن الشأن العام وتركيزها على الإنتاج ح الفقهي بوصفه حقلًااجتماعًّيًا -َرَفًّيًا متمايزًا، ليفترقا في استنتاجاتهما من حيث إنّ خلجي رأى في تلك التقليدانية مصدر ضعف، في زمن صعود التشيع السياسي المؤدلج والمحارب، ورأتها وولبريدج مصدر قوّة واستمرارية، وبديلًاُيُلبّي طلبًا في "السوق الدينية" على هذا النوع من "السلع الدينية." وعند هذه المسألة، تقدّم هذه الدراسة مساهمة مختلفة باقتراح أن "السيستانية" مثّلت استجابة النخبة الدينية التقليدية لشروط الواقع الجديد الذي ما عاد ممكنًا الإبقاء

  1. Pierre Bourdieu, The Logic of Practice , Richard Nice (trans.) (Stanford, CA: Stanford University Press, 1990).
  2. Anthony Giddens, The Constitution of Society: Outline of the Theory of Structuration (Berkeley: University of California Press, 1984).
  3. Mehdi Khalaji, "The Last Marja: Sistani and the End of Traditional Religious Authority in Shiism," Policy Focus , no. 59, The Washington Institute for Near East Policy (September 2006), accessed on 1/9/2024, at: https://acr.ps/1L9zQqT
  4. من أبرز هذه الكتابات: Linda S. Walbridge, Thread of Mu'awiya: The Making of a Marja' Taqlid (Indiana: The Ramsay Press, 2014); Linda S. Walbridge, "Counterreformation: Becoming a Marja ʿ in the Modern World," in: Linda S. Walbridge (ed.), The Most Learned of the Shi'i: The Institution of Marja ʿ Taqlid (Oxford: Oxford University Press, 2011), pp. 230-246; Linda S. Walbridge (ed.), "Shi ʿ ism and
  5. Authority," in: Walbridge (ed.), The Most Learned , pp. 3-16. 9  Walbridge, "Counterreformation," pp. 239-240.

فيه على المسار الانعزالي التقليدي بشكله السابق، لتؤسّس أنماطًا من الممارسات والسلوك الأدائي، أسهمت في تشكيل ما أ سمّيه "المرجعية ما بعد التقليدية"، وتشير ال "ما بعد" هنا إلى الطابع الانتقالي، وعدم رسوخ تجربة السيستاني بعُدُ بوصفها نموذجًا مستقرًا بديلًا. وأخذ هذا السلوك التكيّفي مع بنية الفرص والتحديات التي نشأت عن سقوط نظام صدام حسين و"التمكين السياسي الشيعي"، في تغيير دور مرجعية النجف وبنيتها المؤسساتية إلى الحد الذي ما عادت فيه مجرد امتداد واستمرارية للخط التقليدي بالنسبة إلى الخوئي. يؤدّي هذا التحوّل في بنية المرجعية النجفية ودورها، وأنماط حضورها في الحيّز العام، إلى استنتاج مختلف عن كل من وولبريدج وخلجي. فلا يبدو أنّ المرجعية النجفية تعيش مرحلة ضمور كاملة مُتّ هّد لاستيلاء نموذج ولاية الفقيه المطلقة عليها؛ ذلك أنّها شرعت في تطوير نموذجها المختلف وبناء شبكاتها ومؤسساتها وتوسيعها، وتطوير فاعليتها الاجتماعية وعلاقاتها الدولية على النحو الذي قد يساعدها في البقاء - بافتراض عدم حصول تحوّل جذري في الظروف السياسية واستمرار نفوذ الشبكات الشخصية والعائلية المؤثرة في حوزة النجف. وفي الوقت نفسه، صار التحوّل الذي طرأ على المرجعية وبنيتها ونمط حضورها في الحيّز العام، بعد عام 2003، يضع في موضع الشك فرضيَةَ أن قوّتها تنبع من عدم تسييسها وانعزالها عن الشأن العام، كما يُستشف من قول وولبريدج المتمثل في أن السيستاني كان نموذجًا للمرجع التقليدي "الذي انغمس كلًّيًا في دراساته الدينية، وتخّل ىعن أي نشاط في الشؤون العراقية والإيرانية [وكان] نوعًا من رجال الدين الذين انتقدهم الخميني بمرارة في حياته" 10. سأحاول البرهنة على أنّ ثنائية "حركي - انعزالي" التي حكمت التأطير الأكاديمي لرجال الدين الشيعة، لم تُعُد كافية لفهم علاقة النجف بطهران، أو التنافس بين مرجعية النجف وسلطة ولاية الفقيه، وأنّ السياق السياسي - الاجتماعي أسهم في إعادة تشكيل السلطتين وشخصيتهما إلى حدّ بعيد، وأنّ هذا السياق أساسي في فهم مستقبل السلطة الدينية الشيعية. تبدأ هذه الدراسة بمحور يتناول فهم إشكالية تحدي الدولة الحديثة لدى السلطة الدينية الشيعية من منظور سوسيولوجي، أساسًا، ثم تتطرق إلى التباين بين نموذجي ولاية الفقيه المطلقة في إيران ونموذج سلطة المرجعية الذي تشكّل في العراق بعد عام 2003، ثم تنظر في العلاقة بين السلطتين كما تتجسّد في الواقعين السياسي والاجتماعي، وتناقش مواقفهما السياسية، لتنتهي إلى نقاش مآلات تلك العلاقة ومستقبل النجف ومرجعيته.

أولًا: الفقيه والدولة: بين دولنة الفقيه والسلطة الموازية

مثّلت إشكالية العلاقة بين الفقيه الشيعي والدولة اهتمام العديد من الباحثين (توفيق السيف 11، وفؤاد إبراهيم12، ومحسن كديور13، وسعيد أرجوماند  14، وغيرهم)، وليس الأمر مفاجئًا، نظرًا إلى حيوية العلاقة بين الديني والسياسي في التاريخ الإسلامي، والموقف السياسي الُمُثبت في البنية العقائدية الشيعية (والترجمات المذهبية المتعددة لها) إزاء قضية الشرعية السياسية. لكن الموضوع، عند الانتقال من الحقل الفقهي - العقائدي إلى الحقل السوسيولوجي، يكتسب مزيدًا من التعقيد المرتبط بتعقيد الظاهرة الاجتماعية نفسها. وهنا نعثر على كتابات متعدّدة ومهمة تتعلق بإيران (سعيد أمير أرجوماند 15، وعباس أمانات  16، وأحمد كاظمي موسوي17، ومهران كامرافا18) والعراق (إسحق النقاش 19، وفالح عبد الجبار20، وعقيل عباس21، وحيدر سعيد  22)، تعاملت مع جوانب مختلفة من الموضوع. الأمر الأساسي هنا هو إدراك أنّ الفقيه في المدرسة الأصولية الشيعية التي هيمنت على الحوزات الشيعية في إيران والعراق، منذ القرن الثامن عشر، قد تقمّص سلطة اجتماعية واسعة من خلال البناء

  1. Ibid., p. 237.
  2. توفيق السيف، نظرية السلطة في الفقه الشيعي (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.)2002
  3. فؤاد إبراهيم، الفقيه والدولة في الفكر السياسي الشيعي (بيروت: دار الكنوز،.)1998
  4. محسن كديور، نظريات الحكم في الفقه الشيعي: بحوث في ولاية الفقيه (بيروت: دار الجديد،.)2000
  5. Saïd Amir Arjomand (ed.), Authority and Political Culture in Shi'ism (New York: State University of New York Press, 1988).
  6. Saïd Amir Arjomand, "The Mujtahid of the Age and the Mulla-Bashi: An Intermediate Stage in the Institutionalization of Religious Authority in Shi ʿ ite Iran," in: Ibid., pp. 80-97.
  7. Abbas Amanat, "In Between the Madrasa and the Marketplace: The Designation of Clerical Leadership in Modern Shi ʿ ism," in: Ibid., pp. 99-124.
  8. Ahmad Kazemi Moussavi, Religious Authority in Shi ʿ i Islam: From the Office of Mufti to the Institution of Marja ʿ (Malaysia: International Institute for Islamic Thought and Civilization, 1996).
  9. Mehran Kamrava, How Islam Rules Iran: Theology and Theocracy in the Islamic Republic (Cambridge: Cambridge University Press, 2024).
  10. Yitzhak Nakash, The Shi ʿ is of Iraq , 2 nd ed. (Princeton, N.J.: Princeton University Press, 2003).
  11. Faleh A. Jabar, The Shi ʿ i Movement in Iraq (London: Saqi Books, 2003).
  12. Akeel Abbas, Between the Ideal and the Real: Shiite Purism and the Dilemma of Modernity in Iraq (Maryland: Rowman & Littlefield, 2024).
  13. حيدر سعيد، "شيعة العراق وضغط الهوية الدينية: حفريات في معنى الهوية الشيعية"، في: الشيعة العرب: الهوية والمواطنة، حيدر سعيد (محرر) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.)

على التطور الإبستيمولوجي للمدوّنة الفقهية الشيعية، والفراغ السياسي الذي نشأ بعد انهيار الدولة الصفوية في إيران، وضعف الدولة العثمانية في العراق. وطوّرت المدرسة الأصولية - بالبناء على تراث سابق - مفهوم الاجتهاد وممارسته، وقنّنت العلاقة الهرمية بين الفقيه (المجتهد) والمقلد ونظّمتها، جاعلةً من التقليد شرطًا من الشروط الأساسية للإسلام الصحيح؛ ما فرض على المؤمن - إن لم يكن مجتهدًا أو محتاطًا - اتّباع فتاوى المجتهد الأعلم ووصاياه 23. وبالطبع، هنالك مدوّنة غنية حول مفهوم الأعلمية، وطرائق ثبوتها وشيوعها، عكست المزيد من المركزة في الحقل الديني الشيعي التي ساعدها بروز النجف بوصفها مركزًا لأكبر الحوزات الشيعية، ومقرّ إقامةٍ لأبرز المجتهدين (الذين كانوا في الغالب من أصول فارسية أو تركية) 24. وتحقق هذا البروز بسبب هجرة العلماء الذين كانوا في إيران إلى العراق، والاستقلالية النسبية التي تمتّعت بها فئة الفقهاء الشيعة إزاء كل من الدولة العثمانية والقاجارية، على نحٍوٍ ساعدها في تأكيد سلطتها الاجتماعية؛ كما تمثّل، لاحقًا، في فتوى تحريم التنباك والثورة الدستورية، وهي أحداث أدّى مجتهدو النجف أدوارًا أساسيةً فيها  25. وارتبط بذلك ضعف السلطة المركزية في مدن العتبات المقدّسة، وجنوب العراق الذي شهد العديد من تمرّدات القبائل، في تزامن مع التهديدات الوهّابية منذ القرن الثامن عشر، لُتُخلق حاجة إلى سلطة أخلاقية واجتماعية تملأ شيئًا من الفراغ، وتدخل في علاقة تخادمية مع عشائر جنوب العراق، لا تتّسم بالقسر والإجبار 26. يعني ذلك أنّ سلطة الفقيه الأصولي (التي أخذت تدريجًّيًا تسمية "المرجعية)" تشكّلت باستقلالية عن السلطة السياسية، على نحٍوٍ جعل منها سلطة اجتماعية موازية، وقد بَنَت لنفسها منظومة عقائدية - دينية للشرعية، تمنح الفقيه صلاحية تحديد المسار القويم دينيًا، في سياق ما قبل-تحديثي، لم يكن قد تحقق فيه كثير من التمايز وتقسيم العمل الاجتماعي، حيث كان فيه "الديني" متداخلًامع معظم الحقول الاجتماعية الأخرى. واتّسمت تلك السلطة بطابعها "اللاقومي" أيضًا، بمعنى أنّها سبقت ظهور القومية أساسًا لشرعية الدولة الحديثة، وأنّ الفقيه الشيعي كان يمارس مسؤوليته إزاء مجتمع المؤمنين العابر للحدود القومية، حتى لو كانت أصوله ولغته وانتماؤه الثقافي والإثني من العوامل المؤثرة في تحديد مدى تأثيره.

يكتسب هذان العاملان، الشرعية الدينية والطابع فوق الوطني Transnational، أهميةً خاصّة في سياق الدولة-الأمّة الحديثة، لأن الأخيرة تقوم على مفهوم للشرعية والهوية يصطدم جذريّا بذلك الذي تستند إليه المرجعية الدينية. ولا يتعلق الأمر بالتفريق الفيبري المعروف بين الشرعية التقليدية التي تستند إليها المرجعية والشرعية القانونية (التي يُفترض أنّ الدولة الحديثة أ العقلانية -سّست عليها، وفي هذا جدل طويل ليس هنا محلّه) فحسب، بل يتعلّق أيضًا بحقيقة أن الدولة الحديثة أسّست على بردايم لبناء الأمّة والتحديث يقوم على تحقيق قدٍرٍ عاٍلٍ من الاختراق للمجتمع، وتفكيك بُنى السلطة التقليدية - العرفية عبر سياسات العلمنة، والقوننة، والرسمنة، وتأكيد الحدود القومية، بما يعنيه ذلك من تشكيل علاقة "نحن - الآخرين" على أساس الانتماء الدولتي الوطني، وليس على أساس الانتماء الديني. من هنا، تنبع إشكالية العلاقة بين الدولة الحديثة والمرجعية الدينية، في كل من العراق وإيران، حيث صار يجري تأكيد سلطة الدولة وتقويتها دائمًا على حساب سلطة المرجعية وحضورها؛ ما فرض على النخبة الدينية تحديات كبيرة. وأخذت الاستجابة لتحدي الدولة الحديثة، وعلى نحو خاص للعلمنة، بوصفها تجلّيًا لتوسّع الفضاء

  1. رضا الصدر، الاجتهاد والتقليد، ط 2 (ُقُم، إيران: مركر انتشارات مكتب التبليغات الإسلامي، 1420 ه.)
  2. Amanat; Juan Cole, "Shi ʿ i Clerics in Iraq and Iran,1722-1780: The Akhbari-Usuli Conflict Reconsidered," Iranian Studies , vol. 18, no. 1 (1985), pp. 3-34; Zackery M. Heern, The Emergence of Modern Shi ʿ ism: Islamic Reform in Iraq and Iran (London: Oneworld, 2015).
  3. Mateo Mohammad Farzaneh, The Iranian Constitutional Revolution and the Clerical Leadership of Khurasani (New York: Syracuse University Press, 2015).
  4. Yitzhak Nakash, "The Conversion of Iraq's Tribes to Shi ʿ ism," International Journal of Middle East Studies , vol. 26, no. 3 (August 1994), pp. 443-463.

الدولتي، تُشكل الانقسامات المعروفة في الحقل الديني بين الحركيين والانعزاليين، والإصلاحيين والتقليديين، والمسيّسين، والُمُهادنين، وهي انقسامات تُعّب رعن أنماط تكيّفية مختلفة مع البيئة المتحوّلة التي أنتجتها الدولة الحديثة  27.

كان حدث الثورة الإيرانية، وما تمخّض عنه من نشوء لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مبنيّا على نظرية ولاية الفقيه العامّة، حدثًا مفصلًّيًا في تاريخ الدولة الحديثة والجماعة الشيعية. لقد أصبح الفقهاء هم الذين يمتلكون السلطة السياسية، وُيُهيمنون على مقدّرات الدولة ومواردها، وما عاد التمايز بين السلطتين السياسية والدينية، أو بين الحقلين السياسي والديني، يشبه ما كان عليه الأمر خلال حكم الشاهات  28. فمن جهة، نقلت الجمهورية الإسلامية نظرية دينية كانت في هامش المتن الفقهي الشيعي إلى المركز، جاعلةً منها قضية أساسية في الجدل بين الفقهاء، ومسارًا بديلًالحل إشكالية الشرعية في ظل غياب الإمام المعصوم، وصياغة نظرية شيعية فعّالة في الدولة. ومن جهة أخرى، تحوّلت إيران، في ظل الجمهورية الإسلامية، الدولة "الشيعية" الأكبر، إلى قاعدة سياسية وإقليمية أساسية للتأثير في وضع الشيعة في منطقة الشرق الأوسط وخارجها؛ ما جعل العلاقة بين الجمهورية الإسلامية ومرجعية النجف، بوصف الأخيرة سلطة دينية فوق-وطنية متموضعة في بلد آخر، محورًا للاهتمام. لا ننسى أنّ الخميني كان قد صعّد من لهجته الناقدة للتيار التقليدي في حوزة النجف بعد عام 1970، معتبرًا أن النجف تخلّت عن دورها القيادي والتزاماتها تجاه الأمّة. وتدريجًّيًا، صار الخطاب السياسي يميل إلى إضفاء بعد أيديولوجي على الاختلاف بين حوزيَت يُقُم والنجف، باعتبار الأولى برزت بوصفها مصدرًا للتيار الحركي من رجال الدين  29. وصل الأمر إلى حدّ أن إمام جمعة طهران، أحمد جنتي، وصف السيستاني، في عام 2003، بأنه عميل بريطاني 30. وقد انعكس هذا الأمر على التمييز في الخطاب الديني بين الفقيه المتصدّي وغير المتصدّي، واتجه نظام الجمهورية الإسلامية إلى إعطاء علوية للفقهاء الحركيين حتى لو كانت معرفتهم المتخصصة أقل من غيرهم من الفقهاء، ما دامت معرفتهم بالشؤون السياسية أكبر، وهو ما انسجم مع عملية نقل منصب الولي الفقيه من الخميني إلى خامنئي الذي لم يكن معروفًا بتميزه في الاجتهاد والإنتاج الفقهي  31. ويتّصل ذلك بكون نظام الجمهورية الإسلامية قد أعاد تعريف العلاقة بين الديني والسياسي، لُيُضفي على اشتغال المجتهد بالسياسة وإدارة المجتمع منزلةً أعلى من الاشتغال بالعمل الفقهي التقليدي، معتبرًا أن لمصلحة الجمهورية الإسلامية (بوصفها تعبيرًا عن مزيج من إرادة الله والشعب) علوية على ما سواها من الواجبات الدينية (وفقًا لما يُعرف بفقه المصلحة)، إلى حد أنه صار في وسع الولي الفقيه تعطيل بعض الفرائض الدينية إن استوجَبَت المصلحة العامة ذلك  32. وإذا كان يمكن النظر إلى نظام ولاية الفقيه المطلقة في إيران باعتباره نموذجًا لدولنة سلطة الفقيه، أي جعل الفقيه دستوريّا زعيمًالدولة- أمّة مُعّرفة على أساس جغرافي، وتستمد شرعيتها من الاعتراف الدولي، وُت مارس معظم وظائف الدولة الحديثة التعليمية والقضائية والاجتماعية والاقتصادية، فإن النموذج التقليدي الذي بقي سائدًا في العراق هو نموذج السلطة الموازية الذي أبقى على المرجعية الدينية معزولة عن البناء الدستوري المؤسساتيي للدولة، لتواصل اشتقاق شرعيتها من مصادرها التقليدية. لكن هذا النموذج مرّ بتحّولّات

  1. 31  Walbridge, "Counterreformation," pp. 233-235.
  2. 32  Naser Ghobadzadeh, Religious Secularity: A Theological Challenge to the Islamic State (Oxford: Oxford University Press, 2015), pp. 78-79.
  3. Devin J. Stewart, "The Portrayal of Academic Rivalry: Najaf and Qum in the Writings and Speeches of Khomeini 1964-78," in: Walbridge (ed.), The Most Learned , pp. 216-229.
  4. وقد اضُطُرّ جنتي إلى الاعتذار لاحقًا بضغط من المرشد الأعلى في إيران. ينظر: عباس بن نخي، "إيران ومرجعية السيد السيستاني"، مدوّنة بن نخي، شوهد في 2024/10/16، فh يttps://acr.ps/1L9zQTr:
  5. 27 للاستزادة، ينظر A. Jabar, pp. 52-54:.
  6. 28  Theda Skocpol, "Rentier State and Shi'a Islam in the Iranian Revolution," Theory and Society , vol. 11, no. 3 (May 1982), pp. 265-283.

أساسية بعد سقوط نظام صدام حسين في عام 2003، واضطرار المرجعية إلى التفاعل مع واقع مختلف والإسهام في إعادة تشكيل النظام الجديد، ليتم إنتاج مؤسسات وممارسات هجينة، تعكس حالة التعايش، لا الصراع بين المرجعية والدولة، وليتمخّض عن ذلك تشكّل نموذج انتقالي للسلطة الدينية، سمّيته "المرجعية ما بعد التقليدية."

ثانيًا: الفقيه والدولة: من الأطروحات النظرية إلى التجارب العملية

إذا كانت الجمهورية الإسلامية بعقيدتها الثورية وأيديولوجيتها الدينية وجدت الفرصة مواتية لتوسيع نفوذها في العالم الشيعي باستغلال ظروف، من بينها القيود الصارمة التي فرضها النظام البعثي على مرجعية النجف، فإنّ سقوط نظام صدام حسين طرح سؤلًامركزًّيًا متعلقًا بالمسار الذي سيأخذه شيعة العراق، وبخيارات مرجعية النجف بعد أن تحررت من قيود هذا النظام. وكما شرحنا سابقًا، ظهرت بنية جديدة من الفرص والتحديات التي جعلت مرجعية النجف تبرز بوصفها فاعلًاأساسًّيًا وحاسمًافي بعض المفاصل السياسية المهمة. وفي الوقت نفسه، كان على المرجعية أن تجيب عن السؤال المتعلّق بالدور الذي تتخيّله لنفسها مع نهاية الظروف التي أجبرتها على الانعزال وممارسة التقية. ومن هنا، كانت أهمية الموقف الذي يتبنّاه السيستاني من مبدأ ولاية الفقيه؛ فحتى لو لم يكن قد طرح نظرية سياسية بديلة، فإن تصدّيه للشأن العراقي العام من موقعه بوصفه مرجعًا، كان ينطوي على ممارسة في السلطة نظر إليها بعضهم على أنها نموذج بديل من النموذج الإيراني  33. أوضح السيستاني موقفه من مبدأ ولاية الفقيه السياسية في سياقات متفرّقة، من بينها سلسلة من المحاضرات ألقاها وجمعها أحد طلابه، محمد علي الرباني، في كتاب الاجتهاد والتقليد والاحتياط. ويتتبّع السيستاني الأدلّة العقلية والنقلية التي ساقها مؤيدو هذا المبدأ، وعلى نحو خاص الخميني، ليتوصل إلى أن جلّ الروايات المنسوبة إلى الأئمة الشيعة، التي اسُتُدل منها على ولاية الفقيه السياسية، إما روايات مخدوشة، وإما أنّ القصد منها انصرف إلى معاٍنٍ أخرى غير تلك المعاني التي نسبها إليها من تبنّى هذا المبدأ. ثمّ إنّ الأدلّة العقلية لا تثبت - بحسب رأيه - هذا المبدأ، ويتبنّى في هذا السياق رأي المرجَعيَن محمد حسين النائيني وأبي الحسن الأصفهاني، في أنّ مبدأ ولاية الفقيه العامة هو محلّ شك كبير  34. لكنه في الوقت نفسه، لا يرفض ولاية الفقيه فيما يُسمّى الشؤون الحسبية، وهي الأمور التي لا يرضى الُمُشرّع بتركها  35. وفي وقت يميل فيه كثيرون إلى النظر إلى مواقف السيستاني باعتبارها امتدادًا للمدرسة الفقهية الانعزالية التي مثّلها الخوئي في فترة مكوثه في منزلة المرجع الأعلى، فإنّ ثمة فوارَقَ بينهما تشير إلى أنّ السيستاني - مع تطوّر الأحداث وتحّولّات السياق السياسي - تبنّى موقفًا أقل تحفّظًا من الخوئي بشأن الانخراط في الشأن العام، حينما تسنح الظروف (وهو ما حدث بعد عام 2003.) فتلميذه منير الخباز يشير إلى تأثّر السيستاني بتراث النائيني الذي دعم الحركة الدستورية في إيران، والذي كان أستاذ السيستاني، المرجع الحّلي، من طّل ابه البارزين  36. ويشير عبد الجبار الرفاعي إلى تقارب في النهج بين النائيني والسيستاني، خصوصًا من حيث دعمهما فكرة الدستور المقيّد للسلطات والمانع للاستبداد، وحق الفقهاء في القيام بدور إشرافي لضمان الالتزام بأحكام الإسلام، من دون حاجة إلى تأويل

  1. Sajad Jiyad, "Iran and Iraq Are Competing Over Leadership of Shiite Islam After Sistani," New Lines Magazine , accessed on 21/10/2024, at: https://acr.ps/1L9zR2L
  2. محمد علي الرباني، 34 الاجتهاد والتقليد والاحتياط: تقريرًا لأبحاث سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني [(د. م:]. [د. ن].، 1435 ه) [نسخة أولية محدودة التداول]، ص 129-85.
  3. المرجع نفسه، ص. 128-127
  4. Ali Teymoori, "Ayatollah Sistani's Doctrine Differs from Ayatollah Khoui's One," Ijtihad Network , 26/9/2020, accessed on 17/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zRis

هذا الدور من داخل المدوّنة الفقهية  37. ويمكن تبّي نمواقف فقهية للسيستاني، إضافة إلى تصريحاته 38، تُحيل إلى مثل هذا الفهم. فهو، مثلًا، لا يستبعد إمكانية توّل يالفقيه دور الحاكم (ثمة غموض في تفسير معنى الحاكم؛ إذ يبدو السيستاني أقرب إلى اعتماد تعريف ضيّق، يُرادف مفهوم القاضي)، على أن يكون منتخبًا، أي ليس بوصفه نائبًا للإمام، بل بوصفه مؤهلًاللتصدي للشأن العام، ويحظى بمقبولية واسعة  39. وعندما يُسأل السيستاني عن مقصده من تعبير "الحاكم الشرعي" الذي يَِرُِدُ في فتاواه الفقهية، فإنه يقول إنّه "الفقيه الجامع لشروط التقليد[...]الُمُطّلع على الجهات العامّة، كما في صرف سهم الإمام من الخمس وإرث من لا وارث له وأموال الحكومة في الدولة الإسلامية مما يُطلق عليها مجهول المالك" 40. لذلك، لا يخضع السيستاني ببساطة لثنائية حركي - انعزالي التي تُستخدم عادةً في تصنيف المجتهدين الشيعة  41. وفي الوقت نفسه، ترتب على مواقفه وممارساته ظهور تصوّر أن التشيّع اليوم ينقسم إلى منهجين مختلفين في التعامل مع الشأن السياسي؛ منهج أيديولوجي صارم مثّله نظام ولاية الفقيه في إيران، ومنهج براغماتيي مَرن (هناك من يقول "ديمقراطي)" مُتّ ثّله مرجعية النجف. ويمكن تبّي نالتنافس الكامن بين الطرفين، ابتداءً بالموقف الفقهي. فخلافًا للسيستاني، يرى المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، أنّ ولاية الفقيه العامّة هي من أركان المذهب الاثني عشري الشيعي. وبينما يشير إلى أن المراجع الذين أوصلهم استدلالهم إلى عدم ثبوتها معذورون، فإنه يرفد ذلك بالقول إنه لا يجوز لهم "بث التفرقة والاختلاف" 42. وبوضوح أكثر، يرى خامنئي أنّه "طبقًا للفقه الشيعي، يجب على جميع المسلمين "إطاعة الأوامر الولائية الشرعية الصادرة من ولي أمر المسلمين والتسليم لأمره ونهيه"، وأنّ ذلك يشمل خضوع المراجع الآخرين ومقلّديهم، معتبرًا "أنّ رأي ولي أمر المسلمين هو الُمُتّبع في المسائل المتعلقة بإدارة البلد الإسلامي، وبالقضايا العامّة للمسلمين، وكل مكلّف ي مكنه اتّباع مرجع تقليده في المسائل الفردية المحضة" 43؛ أي إنّ خامنئي يضع مستويين للولاية؛ المستوى الأعلى الذي يتعلّق بولاية الفقيه المتوّل يأمر المسلمين، التي تشمل القضايا السياسية العامة وإدارة المجتمع، وهي ولاية لا يُسمح بتحدّيها ما دام من يتوّل اها هو الفقيه المؤهّل المتصدي (وفق بنود الدستور الإيراني) 44، ومستوى أدنى يتعلّق بالأحكام الفردية المتعلقة بالعبادات والمعاملات، على أّل ا تتعارض أي من هذه الأحكام مع صلاحيات الولي الفقيه. لكنّ مثل هذا التصنيف لم يلَقَ بالضرورة قبولًامن المراجع الآخرين، بمن فيهم عدد من كبار المراجع في حوزة قُم، وهو ما قاد إلى قمع بعضهم أو فرض الإقامة الجبرية عليهم، كما حدث مع محمد كاظم شريعتمداري   45وحسين منتظري46. لذلك، يبُرز كثيرون مفارقة؛ هي أنّ الجمهورية الإسلامية، على الرغم من طابعها الثيوقراطي، فإنها قامت بنوع من "العلمنة"، عبر سعيها لتأكيد سلطة الدولة

  1. عبد الجبار الرفاعي، "مفهوم الدولة في مدرسة النجف: سياقات المفهوم وتحولاته في التاريخ القريب من الشيخ النائيني إلى السيد السيستاني"، مؤمنون بلا حدود، حزيران/ يونيو 2022، شوهد في 2024/3/17، في https://acr.ps/1L9zQFA:
  2. ينظر: حامد الخفاف، 38 النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية (بيروت: دار المؤرخ العربي،.)2015
  3. الرباني.
  4. الموقع الرسمي لمكتب المرجع الأعلى علي الحسيني السيستاني، شوهد في 2024/3/17، في: https://acr.ps/1L9zQtL؛ ومن المهم ملاحظة أنّ السيستاني - كما فعل مجتهدون آخرون قبله - أكد في تصريحاته المبكرة بعد احتلال العراق 2003() حق الأمّة في تقرير مصيرها، وكانت هذه الثقة بخيار الأمّة تقوم أيضًا على افتراض أنّ المسلمين سُيُفضّ لون
  5. لفهم أعمق لتوجه السيستاني الفقهي، استفدُتُ من كتابات الباحث علي المدن، ومن بينها بحث غير منشور تحت عنوان "عقم العقل الفقهي المعاصر في العراق: إشكالية العملية الاجتهادية في تراث الصدر والسيستاني."
  6. موقع مكتب سماحة القائد آية الله العظمى علي الخامنئي، شوهد في 2024/10/20، فh يttps://acr.ps/1L9zQQ3:
  7. المرجع نفسه.
  8. على نحو خاٍّصٍ، ينظر المادتان 5 و 107 من الدستور. يمكن الاّطلّاع على النسخة العربية، في: دستور إيران الصادر في عام 1979 شاملًاتعديلاته لغاية عام 1989، شوهد في 2024/3/25، في https://acr.ps/1L9zQYP:
  9. عارض شريعتمداري تفسير الخميني لولاية الفقيه، ودعا إلى دور أكثر محدودية لرجال الدين في الحكم. وفي عام 1982 اُّتّهم بالتورط في محاولة انقلاب مزعومة، وُوُضع قيد الإقامة الجبرية، وتعرّض أتباعه إلى الاضطهاد، وُأ غلقت حوزته العلمية في قُم. ينظر: Homa Omid, Islam and the Post-revolutionary State in Iran (London: The Macmillan Press LTD, 1994), p. 104; Shahrough Akhavi, "Contending Discourses in Shi ʿ i Law on the Doctrine of Wil ā yat al-Faq ī h," Iranian Studies , vol. 29, no. 3/4 (Summer/ Autumn 1996), pp. 229-268, a ccessed on 18/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zQlv 46 كان منتظري في البداية حليفًا مُقرّبًا من الخميني وخليفته الُمُعّين، لكنه أصبح ينتقد بشدة انتهاكات النظام لحقوق الإنسان ومعاملته المعارضين السياسيين في الثمانينيات. وانتقد علنًا الإعدامات الجماعية للسجناء السياسيين في عام 1988. ونتيجةً لمواقفه المعارضة، جُرّد من مكانته بوصفه خليفة للخميني في عام 1989، وُوُضع قيد الإقامة الجبرية بين عام 1997 و 2003 خلال حكم خامنئي. ينظر: Saïd Amir Arjomand, After Khomeini: Iran Under His Successors (New York: Oxford University Press, 2009), pp. 35, 53.
  10. نظامًا سياسًّيًا يمنح القيم الإسلامية مكانة مركزية. وهو أمٌرٌ أشار إليه السيستاني في معرض إجابته عن سؤال لصحيفة ذي واشنطن بوست، بقوله: "إنّ من المفترض بالحكومة التي تنبثق عن إرادة أغلبية الشعب أن تحترم دين الأغلبية وتأخذ بقيمه، ولا تخالف في قراراتها شيئًا من أحكامه." ينظر: الخفاف، ص 32.

على المجال الديني  47؛ أي إنّ الدولة فرضت تأويلها الخاص بها لما هو إسلامي، وهمّشت أي تأويل مغاير، إلى حد أنّ منهم مَن يرى أنّ "الإسلامي في الجمهورية الإسلامية[...]هو ما يقوله الولي الفقيه" 48. وقد جادل مهران طمادنوفير Mehran Tamadonfar في أنّ الجمهورية الإسلامية لم تلتزم بالعديد من بنود المدوّنة الفقهية، ليستنتج أن النخبة الدينية الحاكمة في إيران "محفّزة برغبة حفظ وجودها وسيطرتها"، تخلّت عن "ولاية الإسلام"، لُتُعّي ننفسها لمسؤولية "الولاية على المجتمع" 49. وكما جادل خلجي وقوبا زادة وآخرون، فإن نظام ولاية الفقيه أضعف كثيرًا التعددية التقليدية في حوزة قُم. فبدلًامن الممارسات العرفية التي سادت في الحوزة، والتي اتّسمت بتنوّع الاتجاهات وتعددية مراجع التقليد، سعى هذا النظام لمأسسة الحوزة واختراقها وتنظيمها بطريقة تتيح سيطرة السلطة السياسية على المجال الديني، وعدم بروز مراجع يتحدّونها. وقد جرى فَْرْض قيود صارمة على الحوزات والمرجعيات، بما في ذلك في النواحي المتعلقة بالإنفاق المالي وبناء المدارس والمؤسسات، في وقت أصبحت فيه الدولة هي الممول الرئيس لحوزة قُم، على نحٍوٍ أضعف استقلاليتها المالية التي كانت مصدرًا لاستقلاليتها السياسية. إنّ تدخّل الدولة الكبير في حوزة قُم متزامنًا مع الرقابة السياسية والأمنية الواسعة غّي رمن البنية التقليدية للحوزة، إلى حدّ أنّها أصبحت كيانًا شبه حكومي، بحسب خلجي. وأدّى هذا التحول إلى تقييد مراجع كبار - مثل السيستاني نفسه - فيما يخص ممارسة نشاطاتهم بطريقة مستقلة عن الدولة الإيرانية  50. وبينما كان نظام صدام حسين يسعى لاختراق الحقل الديني والتأثير في ديناميات السلطة الدينية في حوزة النجف  51، شهدت مرحلة ما بعد عام 2003 انزياح التأثير من الحوزة نحو الدولة، عبر الأدوار التي أدّاها السيستاني في التأثير في عملية تشكيل النظام السياسي الجديد، ولا سيما إصراره على كتابة الدستور بأياٍدٍ عراقية، وإجراء انتخابات مبكرة. وبينما تناولت العديد من الدراسات هذه الأدوار  52، فإنّ قليلًامنها تعمّق في تفحّص علاقة التخادم بين المرجعية/ الحوزة والدولة بعد عام 2003، التي تمخّض عنها تشكيل نظام جديد لإدارة العتبات المقدسة والأوقاف، يتوّل ىفيه المرجع الأعلى دورًا أساسًّيًا في ترشيح المتولين الشرعيين وكبار الموظفين في ديوان الوقف الشيعي، وفي المراقد الشيعية الكبرى 53، وهو دور جرت "رسمنته" في قانون ديوان الوقف الشيعي لعام 2012 54، وقانون العتبات الشيعية المقدسة لعام 2005 55. وفي الوقت الراهن، ترتبط الاستقلالية التي تتمتّع بها المرجعية في النجف بأمرين: الأول هو ضعف الدولة بعد عام 2003، الذي حدّ من طموحاتها بالسيطرة على الحقل الديني واختراقه، والثاني هو تراجع المشروع التحديثي للدولة، والانتقال في مبدئها المنظّم نحو مفهوم "المكوّنات" الذي يُضفي نوعًا من الجوهرانية على الهويات الطائفية، وينظر إليها على أنها كيانات مكتفية بذاتها، ومستقلة بوجودها عن

  1. ذلك كان مشروطًا بقبولهم مبدأ ولاية الفقيه. شعر بعض المراجع، مثل ناصر مكارم شيرازي وحسين نوري، بأنهم مضطرون إلى التعاون، جزئيّا، لحماية مصالحهم الاقتصادية. ومع ذلك،
  2. جادل أويفر روا في مقالة كتبها في عام 1999 في أن النظام الإسلامي في إيران قاد نوعًا من "العلمنة" عبر توسيعه سلطة الدولة على الفضاء الديني، وقمعه التعددية في هذا الفضاء. ومع الاتفاق مع الإطار العام للأطروحة، فإنّني أعتقد أنّ من المبالغة وصف ذلك ب "العلمنة"، لأن هذا الوصف يغفل ما أراه بُعدًا آخر مهًّم اللعلمنة، وهو تأكيد التمايز بين المجالات الاجتماعية، والسياسي والديني، وإعادة الأخير إلى "الحيّز الخاص." ينظر أيضًا تعريف عزمي بشارة للعلمنة: Olivier Roy, "The Crisis of Religious Legitimacy in Iran," Middle East Journal , vol. 53, no. 2 (Spring 1999), pp. 201-216; الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء الأول: الدين والتدين (الدوحة عزمي بشارة، / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.407-405
  3. Ghobadzadeh, p. 81.
  4. مقتبس من.Ibid., p. 78:
  5. 50ُيُوضح خلجي أن خامنئي أعاد هيكلة مجلس إدارة الحوزة العلمية ليصبح مركز الإدارة، مستبعدًا مشاركة بقية المراجع. وعلى الرغم من دعوة كبار العلماء للتعاون، فإن
  6. Abbas Khadhim, Hawza Under Siege: A Study in the Baath Party Archive (Boston: Boston University; Institute for Iraqi Studies, 2013).
  7. ينظر مثلًا: الخفاف؛ Sajad Jiyad, God's Man in Iraq: The Life and Leadership of Grand Ayatollah Ali al-Sistani (New York: The Century Foundation, 2023); Reidar Visser, "Sistani, The United States and Politics in Iraq: From Quietism to Machiavellianism?" Norwegian Institute of International Affairs (Oslo), paper no. 700, 2006, accessed on 18/4/2024, at: https://acr.ps/1L9zQLt; Juan R.I. Cole, "The Ayatollahs and Democracy in Iraq," International Institute for the Study of Islam in the Modern World (Amsterdam), paper no. 7, 2006; Caroleen Marji Sayej, Patriotic Ayatollahs: Nationalism in Post-Saddam Iraq (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2018).
  8. للتوسع بشأن موضوع الأوقاف والعتبات وعلاقتها بالتحول في موضع المرجعية، ينظر في هذا الصدد: Harith Hasan Al-Qarawee, "The 'Formal' Marja ʿ: Shi ʿ i Clerical Authority and the State in Post-2003 Iraq," British Journal of Middle Eastern Studies , vol. 46, no. 3 (2019), pp. 481-497; Harith Hasan, "Religious Authority and the Politics of Islamic Endowments in Iraq," Islamic Endowments and Shia Religious Authority , Carnegie Endowment for International Peace, 1/3/2019, accessed on 18/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zRhS; يُضاف إلى ذلك، فتاوى السيستاني الداعمة للدولة في بعض المجالات، التي فضّ لنا عدم تناولها في هذه الدراسة بسبب محدودية عدد الكلمات، لكننا تناولناها في مخطوطات أخرى.
  9. للاطلاع على نص القانون، ينظر: الوقائع العراقية، العدد 2454 (تشرين الأول/ أكتوبر 2012)، ص.19-10 55 للاطلاع على نص القانون، ينظر: "قانون إدارة العتبات المقدسة والمزارات الشيعية الشريفة رقم 19() لسنة 2005 القوانين والتشريعات العراقية "،، 2010/8/19، شوهد في 2024/1/19، في https://acr.ps/1L9zRip:
  10. بقيت غالبية العلماء المستقلين البارزين متشككة، ومتحفظة ومعزولة. ينظر: Khalaji, "The Last Marja," p. 28; Mehdi Khalaji, "Iran's Regime of Religion," Journal of International Affairs , vol. 65, no. 1 (Fall/ Winter 2011), pp. 131-147.

الدولة، ليستهدف مأسستها وإعادة إنتاجها خارج الإطار الدولتي. وبطبيعة الحال، حاولت النخبة الإسلامية الشيعية، التي سيطرت على مقاليد السلطة في العراق بعد عام 2003، التماهي مع المرجعية الدينية لكسب الشرعية الاجتماعية والسياسية، خصوصًا في حالة الجماعات التي كانت في المنفى، وعادت إلى العراق لتجد أنّها فقدت قواعدها الاجتماعية وتأثيرها، وهو وضع أسّس لظهور المرجعية بوصفها الفاعل الاجتماعي - السياسي الأقوى في العراق، والَحََكَم بين الفرقاء السياسيين عند الضرورة، والطرف الذي يُرجع إليه في اللحظات المفصلية (مثلًا: كتابة الدستور والانتخابات المبكرة في عاَمَي 2003 و 2004، ومواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" في عام 2014، والتعامل مع الاحتجاجات في عام 2019.) وقد أسهم هذا التفاعل بين التحّولّات البنيوية التي شهدها العراق والفاعلية الذاتية للسيستاني في إنتاج ما أ سمّيه "المرجعية ما بعد التقليدية"، بوصفها حالةًانتقاليةً مميزة بين نظام ولاية الفقيه في إيران، وبين المرجعية التقليدية الانعزالية التي عرفها العراق قبل عام.2003

لقد جادل السيستاني ضد نموذج ولاية الفقيه وُأُسُسه النظرية والفقهية، لكن ذلك لم يكن السبب الوحيد لعدم تبنّي هذا النموذج في العراق. كان السبب الأول هو أن سقوط النظام جاء من خلال الاحتلال الأميركي الذي فرض واقعًا جديدًا سعت معظم القوى الاجتماعية والسياسية الرئيسة للتكيّف معه، بما في ذلك إنشاء نظام ديمقراطي، ليبرالي. أما السبب الثاني، فهو وجود مراكز قوة شيعية متنافسة تجعل من الصعب على أحدها أن يفرض إرادته من دون المرور بحرب أهلية داخل الطائفة الشيعية، في وقت كان فيه الصراع مع الجهاديين الُسُنّة هو الأولوية الأساسية. وأما السبب الثالث، فهو أن معظم القوى الإسلامية الشيعية لم تكن ترتبط بعلاقة بنيوية مع مرجعية السيستاني، بالنظر إلى أن الأخيرة ورثت الشبكة التقليدية المتشككة في الإسلام السياسي الشيعي. في حين يرجع السبب الرابع إلى أن مرجعية النجف، بوصفها السلطة الدينية العليا في عموم العالم الشيعي المنتشر جغرافيّا والعابر للحدود الوطنية، ضمنت تلك المنزلة من خلال عدم تسيّسها؛ ومن ثمّ، جرى جذبها لغالبية الشيعة الباحثين عن تقليد من دون سياسة لأسباب عقائدية أو براغماتية. وهذه المنزلة العالمية هي التي شكّلت القوة الاعتبارية للمرجعية؛ إذ أصبحت حافزًا لها حتى لا تندمج أكثر من اللازم في الإطار السياسي العراقي، خصوصًا أن السيستاني نفسه ليس عراقًّيًا. بعد عام 2003، اكتسبت المرجعية منزلة فوق-دستورية، كنوع من السلطة الأبوية التي تتدخّل حين ينحرف النظام عن مساره، أو لحفظ هذا النظام. وعلى الرغم من أن السيستاني امتنع عن التأصيل النظري المباشر لهذا النوع من ممارسة السلطة، فإنّنا نجد بيانات وتصريحات تعكس الخلفية الفكرية التي يقوم عليها هذا الترتيب. ففي أثناء إجابته عن سؤال لصحيفة لوس أنجلوس تايمز، في عام 2003، قال: "إنّ الدور الأساس للحوزة العلمية هو التعليم والإرشاد والتثقيف الديني، لكن ذلك لا يمنع من أن تُبدي المرجعية الدينية رأيها في المنعطفات المهمة في حياة الشعب كإعداد الدستور الدائم للبلاد." 56 وقد عكس تصريح السيستاني، إلى حدّ بعيد، هذا الدور الذي صارت تقوم به المرجعية بوصفها هيئة فوق-دستورية، مع ملاحظة أن استخدام كلمة "رأيها"، وليس "حكمها" أو "موقفها" تعبيرًا عن نمط فاعلية المرجعية، استهدف التأكيد على "لارسمية"، حضور المرجعية في الشأن العام و"لاإلزاميته"، بوصفه موقفًا ينسجم مع الخطاب والسلوك المعتاد للمرجعية المتحفظة تجاه أي التزام مؤسساتيي يُقيّدها وَيَحُّدُ من مرونتها. بهذا المعنى، فإن السيستاني - خلافًا لموقف التيار الإسلامي الحركي الذي نَظّر لمفهوم شمولي للدولة الإسلامية، واعتبر الدولة أداةً رئيسةً في بناء المجتمع الإسلامي - ظلّ يُقارب الموضوع من زاوية الفصل بين وظيفته الفقهية التي بقيت تلتزم بشكلها التقليدي القائم على التعاملات والعبادات الفردية، ووظيفته "السوسيوسياسية"، التي تقوم على الاجتهاد غير المحكوم بمدوّنة محددة (مثل حالة نصحه حزب الدعوة بعدم التجديد لنوري المالكي في منصب رئيس

  1. الخفاف، ص.52

الوزراء) 57. ويمكن أن نلاحظ أن التقييد الأساسي، الذي وضعه السيستاني على حضوره في الحيّز العام، يتعلّق بواجب المرجع في "حفظ النظام العام"، لكن هذه الوظيفة لا تخضع لمدوّنة سلوك محددة، بل هي متروكة للمدى التأويلي الذي يتمتّع به المرجع، مع أخذ السياق والظروف في الحسبان. وهذا الفصل بين السيستاني فقيهًا، والسيستاني قائدًا اجتماعًّيًا، أعفاه من مهمة تطوير نظرية متماسكة ومحددة للدولة والحكم، وحافظ على المسافة بين نمط تفكير المرجع وحاجاته، وفلسفة حركات الإسلام السياسي القائمة على فكرة "الدولة الإسلامية." هناك أيضًا تمييز بين ما يقوله السيستاني الفقيه، وما يقوله السيستاني القائد الاجتماعي، على نحو يثير التساؤل عن أٍّيٍ منهما يقود الآخر. وفي معرض إجابة السيستاني عن استفتاء، حول حدود حاكمية المرجع ومدى نفاذها على مقلّدي المراجع الآخرين، مثلًا، يقول إن أوامر الحاكم الجامع للشرائط "ُتُنفّذ على الجميع في كل ما يتوقف عليه نظام المجتمع" 58. ويبدو استخدام كلمة "أوامر" هنا لافتًا للانتباه من حيث تأكيده الطابع الجزمي لسلطة الفقيه الجامع للشرائط (أي المرجع الأعلى.) وفي مقابل ذلك، يقول السيستاني - من خلال وكيله عبد المهدي الكربلائي في إحدى خطب الجمعة الموجّهة إلى الجمهور العام (ليست موجّهة إلى مُستفتين محددين) إن "الحكومة تستمدّ شرعيتها في غير النظم الاستبدادية وما ماثلها من الشعب، وليس هناك من يمنحها الشرعية غيره" 59. يبدو أننا إزاء نسقين متمايزين من الخطاب، على نحٍوٍ يعكس رغبة السيستاني في الإبقاء على حالة الفصل بين الحقلين الديني والسياسي، من دون أن يعني ذلك أنّه فصٌلٌ تاٌّمٌ؛ إذ بالنظر إلى كون السيستاني الفقيه الجامع للشرائط، فإنه يمتلك السلطة (المشرعنة دينيّا) لتكييف خطابه العام مع متطلّبات المرحلة ونوعية الجمهور، من دون الشعور بالتناقض بين الأمرين. لكن حيث إن مصدر الفاعليتين هو التأويل الديني لسلطة المرجع، فإن هذه المقاربة تنطوي، ضمنًّيًا، على علوية الديني على السياسي بوصفها مرجعية أخلاقية نهائية. يمكن المجادلة أيضًا في أنّ موقف السيستاني يُعّب رمجددًا عن الخشية من المسؤولية المترتبة عن الانخراط السياسي، والحاجة إلى الحفاظ على خصوصية الوظيفة الفقهية وحصريتها، وهو ما يترَجَم إلى الحفاظ على المرجعية بوصفها مؤسسة اجتماعية. لهذا السبب، فإن هذا التحسس من الانخراط الُمُضرّ بالشأن السياسي، هو الذي دفع المرجع إلى إغلاق بابه تجاه السياسيين العراقيين، وإلى الامتناع عن إظهار مواقفه علنًا تجاه العديد من القضايا؛ أي إن الأمر لا يتعلّق بتسليم بمبدأ أن مشروعية السلطة "تستند إلى الشعب"، كما يصف الرفاعي موقف السيستاني  60، بل أيضًا من خشية كامنة من الانفتاح على مجالات أوسع وأكثر خطورة في ممارسة السلطة، تفوق احتمال الكيانية التقليدية للمرجعية التي أفضت في الأصل إلى منحها هذه المنزلة الاعتبارية. وبحسب هذا الفهم، فإن توسّع السلطة قد يعني - في المدى الأبعد - خسارة المنزلة، بسبب اشتباك السياسي المكثف مع استحقاقات الحكم والإدارة والتنظيم التي تتجاوز كثيرًا، في سعتها وخطورتها ونتائجها، حدوَدَ الأدوات التي تشتغل المرجعية الفقهية بها.

ثالثًا: طهران والنجف: التنافس في إطار التعايش

في هذا السياق، ثمة سؤال أساسي عن كيفية التعايش بين شبكة السيستاني الدينية والدولة في إيران، ولا سيما إنه مرجع التقليد الأول في العالم الشيعي، وأنّ لديه مقلدين كثيرين في إيران، وأنه يرتبط بمرجعيته العديد من المدارس والمؤسسات. ويمكن القول إن هذا التعايش استند إلى تفاهم غير مكتوب بين الطرفين، يمتنع فيه السيستاني عن تبني مواقف سياسية واضحة تتعلق بالشأن الإيراني (معترفًا بأن هذا الشأن هو مساحة الولي الفقيه في إيران.) وفي مقابل ذلك، تتفهّم السلطة في طهران خصوصية مرجعية السيستاني وكونها أكبر مرجعية دينية شيعية؛ ومن ثمّ، تسمح لها بقدر معقول من العمل والنشاط مَا لم تتجاوز في ذلك الحدود التي رسمها الوليّ الفقيه في تصنيفه السابق الذكر. وقد أدّى جواد الشهرستاني، نسيب السيستاني ووكيله، منذ عام 1977، الدور الأساسي في إدارة العلاقة بين الجانبين. ومن محل إقامته الرئيس في قُم، توّل ىإدارة عدد كبير من المؤسسات التعليمية والخيرية،

  1. جواد الحطاب، "وثيقة السيستاني قد تحسم الخلاف بين المالكي والعبادي"، 57 العربية، 2014/8/14، شوهد في 2024/3/18، في https://acr.ps/1L9zRe4:
  2. ولاية الفقيه وشؤون المجتهد"، شوهد في 2024/3/18، في: https://acr.ps/1L9zQVm
  3. علي طاهر الحمود، "شرعية الدولة: سجال السيستاني مع ولاية الفقيه"، 59 الشرق
  4. الأوسط، 2019/11/30، شوهد في 2024/3/18، في: https://acr.ps/1L9zQX7 60 الرفاعي، ص.32

يُقدّر عددها ب 27 مؤسسة 61. وبحسب بربرا سلافين، كان السيستاني مُيّ وّل دراسة 50 ألف طالب حوزة في إيران 62. في مقابل ذلك، بَنَت الجمهورية الإسلامية نفوذًا واسعًا في العراق، وصار يُنظر إليها باعتبارها تمارس دور الهيمنة فيه. فقد أنشأ الحرس الثوري الإيراني شبكة واسعة من الميليشيات الُمُسلّحة في العراق، وصلت إلى ذروتها مع تأسيس "الحشد الشعبي" بوصفها مؤسسة شبه عسكرية، مُتّ وّلها الميزانية الحكومية العراقية، لكنّ العديد من كبار قادتها موالون للمرشد الإيراني الأعلى. وعندما يحضر قائد فيلق القدس، التابع للحرس الثوري الإيراني إلى العراق، فإنه يجتمع بقيادات فصائل الحشد الشعبي من دون وجود طرف مُيّ ثّل رئيس الوزراء، القائد العام للقوات المسلحة، وهم يُنسّقون تحركات عدد كبير من مقاتلي الحشد الشعبي، من دون الرجوع إلى القيادة الرسمية الحكومية. ولذلك، لم يكن للحكومة العراقية الكثير من القول بشأن انتشار مقاتلين من "الحشد الشعبي" في سورية، أو تأسيس بعض الفصائل، مثل "كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحق"، معسكرات ومعتقلات في الأراضي العراقية، من دون علم السلطات الحكومية. من الخطأ النظر إلى الحشد الشعبي - أو حتى إلى الفصائل المسلّحة التي تُعلن ولاءها الصريح للمرشد الإيراني الأعلى - بصفتهم وكلاء لمصالح إيران، بوصفها دولة-أمة. ومُتّ ثّل هذه الشبكة من الفصائل المسلّحة الذراَعَ العنيفة لأيديولوجية ولاية الفقيه السياسية، التي تقوم - نظرًّيًا على الأقل - على فكرة الأمّة الإسلامية التي تتخطّى الحدود القومية، وتتجاوز الفكرة "المصطنعة" للدولة-الأمة، لمصلحة جماعة متخيّلة أوسع، تُشكّلها الرابطة الدينية - المذهبية. لا تنظر هذه الفصائل إلى خامنئي بوصفه قائدًا سياسًّيًا لإيران فحسب، بل بوصفه نائبًا للإمام الغائب أيضًا، وصاحب السلطة الشرعية على المؤمنين. لذلك، لا ترى في اتّباعه خيانة لكيان لا تُقرّ بشرعيته، هو "الوطن القومي"، بل ترى فيه نوعًا من الالتزام الديني. وبطبيعة الحال، توجد جوانب مهمة في علاقة تلك الفصائل بالحرس الثوري الإيراني، تتجاوز الموقف الأيديولوجي، لكنّ فهم هذه الرؤية ضروري للردّ على القراءات التبسيطية التي تنظر إلى تلك الفصائل على أنها بيادق تُحرّكها إيران، وضروري أيضًا لبناء فهٍمٍ أكثر تحسّسًا لفكرة "الجمهورية الإسلامية" وعلاقتها بالدولة-الأمّة، التي ترتب عليها أن يؤدي الولي الفقيه دورًا مزدوجًا، بوصفه قائدًا قومًّيًا إيرانًّيًا من جهة، وزعيمًالأمة المؤمنين فوق-الوطنية من جهة أخرى. لكن النفوذ الإيراني في العراق يتجاوز المجالين السياسي والأمني، بل يشمل أيضًا القوة الناعمة الدينية. فبعض الشركات التابعة للحرس الثوري الإيراني، مثل شركة "خاتم الأنبياء"، تولّت تنفيذ العديد من المشاريع في العتبات الشيعية المقدّسة، وبعض هذه المشاريع نُفذّت بطريقة طوعية وبتمويل إيراني. ومن بين هذه المشاريع مشروع توسيع مرقد الإمام علي، وبناء متحف ومكتب وقاعات دراسية في مبنى ملحق به. وقد استفادت إدارات العتبات المقدسة في العراق من النموذج الإيراني في إدارة العتبة الرضوية في مشهد، وحاولت محاكاته من حيث المشاريع التي أقامها والمؤسسات المرتبطة به، وهي ترسل كوادرها على نحو مستمر إلى إيران للتدريب  63. وتفاعل ذلك مع انتعاش الحج الديني عبر الحدود العراقية - الإيرانية، وتحوّله في زمن المناسبات الدينية الكبرى، مثل عاشوراء وأربعينية الإمام الحسين، إلى تعبيرات أساسية في التعبئة الجمعية وإنعاش الرابطة الشيعية فوق-الوطنية 64. لدى خامنئي أيضًا مكتب في النجف، يتوّل ى إدارته حاليّا ممثله، مجتبى الحسيني، يُقدّم العديد من الخدمات الدينية والاجتماعية والثقافية، وهو يتوّل ىالتدريس أيضًا في حلقة دراسية في المكتب، فضلًاعن الإجابة عن أسئلة مقلّدي خامنئي الفقهية  65. لكن كما أن مكتب السيستاني في قُم يلتزم بالحدود المقبولة من السلطة في حركته ونشاطاته، فإن مكتب خامنئي يفعل الشيء نفسه في النجف. وباستثناء المحاولة الفاشلة للترويج لمرجعية محمود الهاشمي الشهرودي (ت. 2018) المنافسة في النجف، التي دعمها رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، في سياق سعيه لإضعاف المرجعية "التقليدية" وإعادة تشكيل الحقل الديني في النجف، فإن الهرمية التي يقودها السيستاني فرضت هيمنتها على المجال الديني في النجف إلى حدّ

  1. من أبرز المؤسسات التي ترتبط بشبكة السيستاني في إيران مجمّع آية الله علي 4 ألف متر مربع، والذي أ السيستاني، في مدينة قُم، الذي يمتدّ على مساحة تُقدّر ب 0 قيم لاستيعاب عدد كبير من الطلاب. وهناك مجمعان سكنيّان آخران: مجمع الزهراء، ومجمع ثامن الحجج في قُم أيضًا. وهناك أيضًا مؤسسة الإمام علي في قُم، المعنية بالإنتاج الفكري والتثقيف الديني، ضمن 13 مكتبة ومركزًا في قُم ومشهد، متخصصة في العلوم الدينية والتاريخ، فضلًاعن مراكز للمعلومات ولنشر الفكر الشيعي، مثل مركز آل البيت للمعلومات الذي لديه فروع في قُم ومشهد. إضافة إلى بعض المؤسسات الخدمية والصحية، مثل
  2. 65 ينظر: "مكتب ممثل الإمام الخامنئي - دام ظله - في العراق"، فيسبوك، شوهد في 2024/3/18، في: https://acr.ps/1L9zQY9؛ "مكتب ممثل الإمام الخامنئي 'دام ظله' في العراق"، تيليجرام، شوهد في 2024/3/18، في: https://acr.ps/1L9zQN9
  3. علي مظلوم، "الخبرة الإيرانية والعتبات المقدسة في العراق: مقاربة لتحول دور مجلة الدراسات الإيرانية، العدد العتبتين في كربلاء من الديني إلى الدنيوي"، 7 (حزيران/ يونيو 2018)، ص 38-21. 64  Erin Cunningham & Mustafa Salim, "Iran's Spiritual Power Play," The Washington Post , 5/5/2019, accessed on 18/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zQDb
  4. مستشفى دار الثقافة للمعوّقين، ومستشفى جواد الأئمة في قُم. ينظر الموقع الرسمي لمكتب المرجع السيستاني.
  5. 62  Barbara Slavin, "Mullahs, Money, and Militias: How Iran Exerts Its Influence in the Middle East," Special Report , US Institute of Peace, 1/6/2008, accessed on 21/10/2024, at: https://acr.ps/1L9zR8G

بعيد  66. وتوجد مؤشرات دالة على أنّ الإيرانيين وحلفاءهم من الفصائل المسلحة، يحترمون هذه السلطة، ولا يحاولون تحدّيها بطريقة مباشرة، خصوصًا في مدن العتبات المقدسة، على الرغم من أن الأمر قد يتغّي رفي مرحلة ما بعد السيستاني. تتمظهر "القوة الناعمة" للنجف، بالنظر إلى القوتين الخشنة والناعمة للجمهورية الإسلامية في العراق، في أنّها صارت تُقدّم نموذجًا بديلًا متحررًا من عبء الحمولة السياسية والأيديولوجية لنظام ولاية الفقيه. لهذا السبب، يميل بعض رجال الدين والسياسيين الإصلاحيين في إيران، إلى استخدام "نموذج السيستاني" في العراق في إطار معارضتهم السجالية لسيطرة نظام الولي الفقيه في إيران. فمثلًا، يمتدح أستاذ الفقه في حوزة قُم، محمد سروش محلاتيي، حوزة النجف بسبب استقلاليتها عن الحكومة وخضوعها حصرًا لإشراف المرجعية. ويقول، مُلمّحًا إلى تدخل الحكومة الإيرانية بعمل الحوزات الإيرانية، في ثناءٍ: "إنّ المؤسسات الحكومية [في العراق] لا تمتلك سلطة للتدخل بشؤون الحوزة الداخلية، بما في ذلك إصدار الإقامات لطلبة الحوزة الأجانب، كما أنّ المرجعية لا تسعى وراء الدعم الحكومي[...]بما يحفظ استقلاليتها المالية" 67. وُيُجادل عبد الفضل فاتح، رئيس تحرير وكالة شفقنا الأخبارية الإيرانية، في أن الهمّ الرئيس لحوزة النجف هو الحفاظ على استقلاليتها المالية والأكاديمية  68. وبهذه الطريقة، يبُرز الإصلاحيون الإيرانيون ما يعتبرونه تفوّقًا لمرجعية النجف و"نموذجها"، فيستهدفون مواجهة التيار المتشدد الملتف حول خامنئي عبر طرح "السيستانية" بوصفها شكلًا من الممارسة البراغماتية - الواقعية والمفتوحة على الاحتمالات من جهة، وحماية مساحة من الاستقلالية في الحقل الديني الإيراني من هيمنة ولاية الفقيه من جهة أخرى. وبعيدًا عن ثنائية "محافظ - إصلاحي" وتأثيرها في علاقة النجف بطهران، فإنّ ثنائية "عربي - فارسي" تبدو أكثر حضورًا في الحالة العراقية، وتمارس تأثيرًا أكبر في تلك العلاقة. ويبدو السيستاني مدركًا لهذا الموضوع وحساسيته إلى حد أنّه طلب من المرجع محمد سعيد الحكيم، في عام 2003، أن يتوّل ىتمثيل موقف النجف في الشأن السياسي العراقي؛ لأنه من عائلة عربية، وخشيةً من الحساسية التي قد تثار بسبب تدخل السيستاني لكونه إيرانًّيًا. وبحسب باحث متخصص، فإن الحكيم رفض ذلك، أصلًا، لأنه ينتمي إلى مدرسة لا تجيز التدخّل في السياسة أثناء غيبة الإمام المهدي، ووعد السيستاني بأنه لن يعارض أيّ موقف من مواقفه إن هو تصدّى لهذه المهمة  69. وربما بسبب تحسّس السيستاني خطورة عزلة المراجع الإيرانيين عن المجتمع العربي في العراق، أقام مصاهرات بين أفراد من أسرته وأفراد من عائلات عربية، وأنشأ العديد من المدارس والمؤسسات التي حملت أسماء فقهاء ومراجع من العرب  70. وللموضوع بعٌدٌ آخر يتعلق بالسياسات الإقليمية وتأثيرها في العلاقات الشيعية فوق-الوطنية. فعلى الرغم من وجود مستوى من التضامن بين طهران والنجف فيما يتعلق ببعض الثوابت، مثل رفض احتلال إسرائيل الأراضي الفلسطينية واللبنانية، والتعاطف مع الشيعة الذين تعرّضوا للقمع، أو التضييق السياسي في بعض بلدان الخليج، ولا سيما في السعودية والبحرين، فإن كل طرف، حاول اعتماد نهج مختلف عن الآخر في التعامل مع هذه القضايا. فبينما يصدح الإعلام الإيراني وبعض رجال الدين المحافظين بالنقد الشديد لحكومات الخليج، اعتمد السيستاني أسلوبًا أقل صدامية، مُتجنّبًا في أغلب الأحيان اللغة السياسية المباشرة. فقد بعث برسالة إلى ملك السعودية، طالبًا منه العدول عن إعدام رجل الدين الشيعي السعودي المعارض نمر النمر، وعندما أصرّت السعودية على إعدامه، أصدر بيان تعزية تضمّن استنكارًا لفعل السلطات السعودية، لكنه أحجم عن اعتماد لغة شديدة التسييس. فبينما تضمّنت خطبة ألقاها خامنئي عبارات من قبيل أن "الانتقام الإلهي سيحل بساسة السعودية، لأنهم سكبوا دماء شهيد دون وجه حق" 71، اقتصر بيان السيستاني على التعبير عن الأسى والأسف ل "نبأ استشهاد جمع من إخواننا المؤمنين في المنطقة الذين أ ريقت دماؤهم الزكية ظلمًاوعدوانًا، ومنهم العالم المرحوم الشيخ نمر النمر طاب ثراه" 72. ثم إنّ الموقع الرسمي للسيستاني أزال البيان المذكور، ربما لتجنب تثبيته بوصفه موقفًا سياسًّيًا دائمًا، أو لتشجيع السعودية على التحوّل الإيجابي في سياستها تجاه الشيعة. وقد دان السيستاني، في بيان له، تعامل السلطات البحرينية مع المرجع الشيعي البحريني، عيسى قاسم، وتوسط لديها لإقناعها بعدم التعسف

  1. Paul McGeough, "The Struggle to Succeed Grand Ayatollah Ali Sistani: A Letter from Najaf," Foreign Affairs , 23/5/2012, accessed on 18/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zQED
  2. محمد سروش محلاتيي، "حوزه نجف، حوزه استقلال وآزادی/ بخش أول"، 67 شفقنا، 2024/3/15، شوهد في 2024/9/1، في: https://acr.ps/1L9zQVR [بالفارسية]
  3. أبو الفضل فاتح، "مکتب نجف أشرف؛ نَكَاهى از بیرون: أبو الفضل فاتح"، 68 شفقنا، 2022/5/8، شوهد في 2024/3/15، في: https://acr.ps/1L9zQY8 [بالفارسية]
  4. مقابلة مع أحمد حميد، باحث متخصص في شؤون الحوزة الدينية والتيارات الإسلامية الشيعية، بغداد، شباط/ فبراير.2017
  5. مقابلة مع علي عبد الهادي المعموري، باحث متخصص في شؤون النجف والتيارات الدينية، بغداد، شباط/ فبراير.2017
  6. Iran's Leader Warns Saudis of 'Divine Vengeance' Over Execution of Shia Cleric," The Guardian , 3/1/2016, accessed on 18/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zQQK
  7. Iraq's Top Shi'ite Cleric Sistani Condemns Nimr Execution as 'Unjust Aggression,'" Reuters , 3/1/2016, accessed on 18/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zRrh

في محاكمتها له  73. وبعد أن أسقطت الحكومة البحرينية الجنسية عن قاسم، استقبله السيستاني في مقرّه في النجف، وسهّل له حصوله على الإقامة (بعضهم يقول إنه حصل على الجنسية) في العراق 74. من المفيد ملاحظة رسالة التعزية التي أرسلها السيستاني إلى خامنئي بعد اغتيال الولايات المتحدة زعيم فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في بغداد، في عام 2020. وقد كُتبت الرسالة بالفارسية، وجاء فيها أنّ "الدور الفريد للفقيد خلال سنوات القتال مع عناصر داعش في العراق والمصاعب الكثيرة التي عاناها في هذا الصدد، هذا الدور لا يمكن نسيانه ونسيان ما تحمّله من متاعب في هذا السياق" 75. لم تتضمن الرسالة أي إدانة صريحة للهجوم الأميركي، أو أي إشارة إلى الدور الحيوي لسليماني في تشكيل ما صار يُعرف بمحور المقاومة. أمّا التصريح الذي ألقاه ممثل السيستاني في كربلاء نيابة عن مكتب المرجع بعد اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس  76، فقد وصف الاغتيال ب "الاعتداء الغاشم" و"الخرق السافر للسيادة العراقية وانتهاك للمواثيق الدولية، وقد أدّى إلى استشهاد عدد من أبطال معارك الانتصار على الإرهابيين الدواعش"، لكنه دعا في الختام الأطراف المعنية إلى" ضبط النفس والتصرف بحكمة"، بدلًامن الدعوة إلى "الثأر والانتقام." ولنلاحظ هنا تجنّب ذكر اسَمَي سليماني والمهندس، وهو ما كان سُيُفهم منه على أنّه تكريم كبير إن أخذنا في الحسبان السياقات اللغوية الدلالية في الحقل الديني الشيعي ومنزلة صاحب البيان. ومن المفيد مقارنة هذه اللغة بالبيان الذي أصدره كاظم الحائري، المرجع العراقي المقيم في قُم، في المناسبة نفسها؛ فهو لم يكتِفِ بذكر اسَمَي سليماني والمهندس وتعزية المرشد الإيراني الأعلى باغتيالهما، بل تحدث عن إنجازات المقاومة في لبنان وفلسطين وسورية والعراق واليمن، وأكد موقفه المتمثّل في تحريم بقاء القوات الأميركية في العراق، داعيًا "فصائل المقاومة" إلى أن يكونوا جاهزين لطرد الأميركيين 77. ثمّ إنّ إيران عندما ردّت على عملية الاغتيال، بقصف قواعد عسكرية أميركية في العراق، ألقى ممثل السيستاني في كربلاء خطبةً حفلت بالنقد لسلسلة الهجمات التي "تنتهك سيادة العراق"، وقال: "إن التعامل بأسلوب المغالبة من قبل الأطراف المختلفة التي يملك كل منها جانبًا من القوة والنفوذ[...]سيؤدي إلى استحكام الأزمة واستعصائها على الحل[...]إن ما وقع في الأيام الأخيرة من اعتداءات خطيرة وانتهاكات متكررة للسيادة العراقية[...]هو جزء من تداعيات الأزمة الراهنة" 78. في هذا الموقف لا تكتفي مرجعية النجف بأن تكون على مسافة بينها وبين الجمهورية الإسلامية، بل تتقمّص دور المدافع عن المصالح الوطنية العراقية بوصفها شيئًا منفصلًاومتمايزًا من مصالح الجمهورية الإسلامية، وهو ما يتناقض مع الخطاب الأيديولوجي للأخيرة التي دمجت تلك المصالح في إطار مفهوم "محور المقاومة" والمواجهة بين الأمّة الإسلامية و"العدَّوَين الأميركي والإسرائيلي." ويتضح الأمر نفسه حينما أصدر مكتب السيستاني بيانًا ينفي فيه أخبارًا عن لقاء المرجع بوفد مُيّ ثّل حركة الحوثي اليمنية المدعومة من إيران، كان يزور العراق 79. ليس مفاجئًا، أن الموضوع السياسي الإقليمي الذي تصدّى له السيستاني باستمرارية أكبر هو قضية فلسطين والاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين ولبنان. فهذه القضية صارت بمنزلة الُمَُسَلّم العقائدي في الفضاء الديني؛ إذ تمثل إسرائيل عدًّوًا متغطرسًا عقائدًّيًا إلى حدّ بعيد. لذلك، نجد أن مكتب السيستاني قد أصدر عددًا كبيرًا من البيانات بشأن الصراع العربي - الإسرائيلي، ندّدت في معظمها بالاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين. فبعد أن ارتكبت إسرائيل مجزرة ضد اللاجئين في مدرسة التابعين في قطاع غزة، في عام 2024، أصدر السيستاني بيان إدانة "الجرائم[...]التي باءت بآثامها وحوش بشرية تجردوا من كل القيم الإنسانية والمبادئ السامية" 80. وأصدر السيستاني بيان تعزية بشأن عملية اغتيال الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، التي نفّذها الطيران الإسرائيلي 27(أيلول/ سبتمبر 2024)، أشاد فيه بدور "الشهيد الكبير" في "الانتصار على الاحتلال الإسرائيلي بتحرير الأراضي اللبنانية، وساند العراقيين بكل ما تيّس رله في تحرير بلادهم من الإرهابيين الدواعش، كما اتخذ مواقف عظيمة في نصرة الشعب الفلسطيني المظلوم حتى دفع حياته الغالية ثمنًا لذلك" 81. وأقام نجَل االسيستاني، محمد رضا ومحمد باقر، مجلس عزاء في كربلاء

  1. آية الله السيستاني يُدين الهجوم على مقرّ إقامة 'الشيخ عيسى قاسم"'، 73 وكالة أنباء أهل البيت، 2018/5/18، شوهد في 2024/3/18، في: https://acr.ps/1L9zQtW
  2. Ayatollah Sistani Receives Ayatollah Sheikh Isa Qassim," Mehr News Agency , 28/12/2018, accessed on 18/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zQtZ
  3. السيستاني يُعزّي خامنئي بمقتل سليماني"، 75 روسيا اليوم، 2020/1/5، شوهد في 2024/3/18، في https://acr.ps/1L9zRgc:
  4. Sistani Criticizes Both America and Iran Amid Ongoing Fears of Wider Conflict," Reuters , 10/1/2020, accessed on 18/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zQBa
  5. ينظر: "بيان (۸۹) بيان سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ (دام ظلّه الوارف) حول استشهاد الحاج قاسم سليماني والحاج أبي مهدي المهندس وثلة من أبناء الحشد المقدس (رضوان الله تعالى عليهم) على يد الأمريكان المحتلين"، موقع سماحة السيد
  6. نص الخطبة الثانية التي ألقاها ممثل المرجعية الدينية العليا فضيلة العّل امة السيد أحمد الصافي في يوم الجمعة 14(/ جمادى الأخرى 1441 ه) الموافق 2020/1/10(")، مؤسسة الإمام علي (لندن)، شوهد في 2024/3/18، في: https://acr.ps/1L9zQLW
  7. مكتب السيد السيستاني: المرجع الأعلى لم يلتق بالوفد الحوثي"، مؤسسة الإمام علي https://acr.ps/1L9zQTS:، في 2024/3/18 (لندن)، شوهد في
  8. ينظر: الموقع الرسمي للسيستاني، شوهد في 2024/10/10، في: https://acr.ps/1L9zRnj 81 ينظر: المرجع نفسه، شوهد في 2024/10/18، في: https://acr.ps/1L9zRGf
  9. كاظم الحسيني الحائري، شوهد في 2024/3/18، في: https://acr.ps/1L9zQiN

لتقبّل التعازي ب "استشهاد" نصر الله 82. لم تكن تلك التعزية موجّهة إلى شخصية أساسية في "محور المقاومة" الذي تقوده إيران، بقدر ما كانت تأكيدًا لما تعتبره مرجعية السيستاني حًّقًا مشروعًا في النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي ومقاومته، قام به رجل دين درس في حوزة النجف سابقًا. لم يدعم السيستاني فكرة "محور المقاومة" الإقليمي، ولم يشجّع الفصائل العراقية على الانخراط في الصراع. ومالت لغته في التعامل مع هذه القضايا إلى الاقتصاد في الكلمات، وتجنّب المواقف الحدية، والعمومية التي تستهدف تكريس وضع المرجعية فوق الانحيازات السياسية - الأيديولوجية. وفي هذا السياق، يبدو أن هاجس التمايز من مواقف إيران وعدم السماح بظهور ما يمكن تفسيره على أنه خضوع للسياسة الإيرانية كان حاضرًا عند صوغ البيانات، خصوصًا إذا أخذنا في الحسبان أن الشخصية المحورية خلف صوغ البيانات هو محمد رضا السيستاني، مدير مكتب المرجع ونجله الأول، الذي تشير المعلومات المتاحة إلى أنّه لا يرتاح لاتجاهات السياسة الإيرانية، وأنه يتجنّب زيارة إيران، وإن كان هذا التجنّب مفهومًا في ضوء حقيقة أن جواد الشهرستاني هو الذي يتوّل ىإدارة شبكة مؤسسات السيستاني في إيران. ويبدو أنّ الشهرستاني أجاد لعبة إدارة التوازن الصعب بين مرجعية السيستاني، ونظام الوليّ الفقيه في إيران. فهو قد حافظ على علاقة جيدة مع النظام، ومع خامنئي شخصيّا، وفي الوقت نفسه، بقي عمودًا أساسًّيًا في البنية التنظيمية لمرجعية السيستاني، على الرغم من وجوده الدائم في إيران.

رابعًا: الجمهورية الإسلامية في مقابل المرجعية ما بعد التقليدية

يشير خلجي إلى أن السيستاني ربما يكون المرجع التقليدي الأخير في النجف؛ إذ إنّ الجمهورية الإسلامية نجحت في فرض هيمنة كبرى على المؤسسات الشيعية، وسُتُوظّف مواردها الكبيرة للهيمنة على النجف، أو على الأقل منع ظهور مرجعية دينية كبيرة ومؤثرة على غرار مرجعية السيستاني بعد وفاته. وفي حالة عدم فرض إيران سيطرتها المباشرة، فإنها تلجأ - بحسب خلجي - إلى تكتيكات من قبيل تقسيم الفضاء الديني ومنع بروز مركز ديني قوي، وإدارة التنافس بين عدة مراكز. ويتوقع خلجي أن النموذج الإبستيمولوجي واللاهوتيي المحدد الذي استندت إليه المرجعية التقليدية في تشكّلها خلال العهد القاجاري، والمدعوم بسلسلة من السياقات التاريخية الاجتماعية والثقافية والسياسية، لن يتمكّن من الاستمرار بعد السيستاني. ومن ثمّ، فإن تراجعها المحتمل يعود إلى اندماج السلطتين السياسية والدينية من خلال مبدأ ولاية الفقيه، فضلًا عن التغيرات التاريخية، التي تمثّلت أساسًا في هيمنة طهران، بدلًامن النجف أو قُم، على السياسة والمجال الديني الشيعي 83. تنطوي هذه القراءة على نوع من الحتمية، على الرغم من أنّ العديد من افتراضاتها قد تكون جديرة بالاعتبار، ونحن نتفق مع القول إنّ العودة إلى الشكل التقليدي للمرجعية صار أمرًا صعبًا. وإذا كان هناك اتفاق على صعوبة بروز مرجع بقوة السيستاني نفسها وتأثيره في النجف بعد وفاته، لاعتبارات من أبرزها أن زعامة السيستاني قد نشأت في ظل ظروف وسياق خاص اتّسم بضعف الدولة وغياب القوى الاجتماعية البديلة، فإن التكيّفات التي حدثت في بنية السلطة الدينية الشيعية وسلوكها وعلاقتها بالدولة والحيّز العام، قد تفرز سيناريوهات أخرى. وإذا ما أخذنا في الحسبان أن قوة نظام الوليّ الفقيه تكمن في سيطرته على موارد الدولة الإيرانية وإمكاناتها، فإن أي تحوّل في بنية هذا النظام قد تترتب عليه نتائج مختلفة، ربما يكون أحدها تراجع تأثيره وجاذبيته، لمصلحة صعود جاذبية المرجعية ما بعد التقليدية واستقرارها بوصفها نموذجًا بديلًا. إن ظهور نظام ولاية الفقيه في إيران، بنزعته الأيديولوجية الصدامية وعلاقاته الخارجية المتوترة، قد أضاف مصدرًا آخر إلى جاذبية النجف، من حيث إنّها برزت بديلًاغير مسيّس، لا تخضع فيه علاقات المقلدين مع المراجع للكثير من الرقابة والسيطرة من الدول الأخرى. ويصدق هذا الأمر، خصوصًا، على شيعة العراق والخليج الذين تجمعهم روابط اللغة والثقافة العربية المشتركة، فضلًاعن الميل إلى توجيه الولاء الديني إلى النجف، على الرغم من وجود اتفاق واسع على أن حوزة قُم أخذت تتفوّق على حوزة النجف من حيث مستوى التدريس والبحث  84. وينطبق الأمر نفسه على المجتمعات الشيعية في أوروبا

  1. نجلا السيستاني يقيمان مجلس عزاء لنصر الله بكربلاء نيابة عن والدهما"، 82 عربي   " 21، 2024/9/30، شوهد في 2024/10/18، في https://acr.ps/1L9zQM5:
  2. Khalaji; في مقابل ذلك، جادلت إلفاير كوربوز في أن لمرجعية النجف القدرة على مقاومة نفوذ الولّي الفقيه الإيراني، لأنها تمتلك قدرات هيكلية تساعدها في الحفاظ على وجودها، مبرزةً في هذا السياق ثلاث خصائص جوهرية للمرجعية تساعدها في الحفاظ على نفسها: طبيعتها "متعددة الرؤوس"، امتدادها الزمني الواسع، وانتشارها الجغرافي الشامل. وتقول كوربوز إن "هذه الخصائص لا تُسهم في قدرة المرجعية على المقاومة فحسب، بل يمكنها أيضًا تشكيل طبيعة ونتائج المنافسة مع نظام ولاية الفقيه، بما في ذلك الحاجة إلى التكيّف المتبادل بين الطرفين. وتنطلق هذه الحجة من اعتبار المرجعية على أنها هيكل سلطة، بغض النظر عن التوجهات الأيديولوجية أو اللاهوتية المختلفة التي ينتمي إليها المراجع المتعددون." ينظر: Elvire Corboz, "The Najafi Marja'iyya in the Age of Iran's Vali-ye Faqih (Guardian Jurist): Can it Resist?" Project on Middle East Political Science (New Analysis of Shia Politics) (December 2017), pp. 10-14; وقد طرح حيدر الخوئي العديد من الحجج التي ترفض الافتراض الذي يقول إن إيران توشك أن تسيطر على النجف. ينظر: Ha yder Al-Khoui, "Post-Sistani Iraq, Iran, and the Future of Shi ʿ i Islam," War on the Rocks , 8/9/2016, accessed on 18/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zQm8
  3. Khalaji; للمزيد عن شيعة الخليج والتحديات التي يواجهونها، ينظر: Laurence Louër, "The Transformation of Shi'a Politics in the Gulf Monarchies," Project on Middle East Political Science , New Analysis of Shia Politics, pp. 39-42.

وأميركا الشمالية وأستراليا التي شهدت توسعًا مع موجات الهجرة إليها من العراق وإيران وباكستان والهند. فهذه المجتمعات تخشى من تبعات الارتباط بالجمهورية الإسلامية، وتميل إلى سُبل وتعبيرات تعبّدية وطقوسية في تجسيد التمسك بهويتها الطائفية. وسهّل ذلك وجود مؤسسات وممثلين عديدين لمرجعية النجف في تلك البلدان؛ إذ لا تواجه المستوى نفسه من التضييق الذي قد تواجهه مؤسسات مرتبطة بالجمهورية الإسلامية. ومن أبرز ممثلي السيستاني في أوروبا، مرتضى الكشميري الذي يتوّل ى الإشراف على مؤسسات المرجعية ونشاطاتها، وقد عمل بمنزلة مركز اتصال رئيس لها في بريطانيا وأوروبا والأميركَتيَن، ومحمد حسين الأنصاري في أستراليا ونيوزلندا.

إنّ مجتمع المقلّدين، عمومًا، غير معني كثيرًا بالجدالات الكلامية والفلسفية، بقدر اهتمامه بشراء الفتوى من الفقهاء. وهكذا، فإن المرجع الذي يسكن في النجف، بتاريخها العريق ورمزيتها العميقة في الوجدان الشيعي (بالنظر إلى احتضانها ضريح علي بن أبي طالب، أول أئمة الشيعة الاثني عشرية)، سيكون له امتياز أكبر، خصوصًا إن كان هو نفسه من نسل علي بن أبي طالب، كما هو حال السيستاني. وقد يدعم ذلك كون هذا المرجع مَُقًَّرًا له بالمعرفة الاجتهادية الواسعة؛ ومن ثمّ يستند إلى المصدر التقليدي في شرعية السلطة الدينية، ولا يستند إلى المصدر الذي أنتجه نظام ولاية الفقيه الذي يربط الشرعية بالتصدي والاّطلّاع على الشأن السياسي والعام  85. جادلت وولبريدج في أنّ محاولة خامنئي أن يكون زعيمًاسياسًّيًا ومرجعًا للتقليد في الوقت نفسه لم تلَقَ ترحيبًا واسعًا من غالبية الشيعة في مختلف أنحاء العالم، ذلك أنّ "المرجعية هي مؤسسة تنشأ على مستوى القاعدة الاجتماعية Institution Grassroot؛ إذ يؤدي المقلّد دورًا كبيرًا في "تحديد شخصية المرجع." وبحسب وولبريدج أيضًا، انطوت تسمية الحكومة الإيرانية خامنئي مرجعًا للشيعة على "اختطاف دور القواعد الاجتماعية" 86. لكن فرضية اعتماد المرجعية على القاعدة الاجتماعية تبدو ناقصةً، لأنّها تتجاهل تأثير البنية السياسية العامة، خصوصًا في سياق الدولة الحديثة، في علاقات السلطة، بما في ذلك اللارسمية والُعُرفية، فضلًا عن تأثير الشبكات الدينية في "صناعة" المرجع وتقديمه للقاعدة. ثمّ إنّ تجربة المرجعية ما بعد التقليدية التي مثّلها السيستاني، والتي شكّلتها أنماط تكيّفية جديدة من العلاقات المؤسسية والحضور في الحيّز العام، تعكس صعوبة استمرار الاعتماد على الآليات التقليدية والُعُرفية، مع تنامي تأثير عوامل أخرى، مثل تفضيلات السلطة السياسية ونفوذ الشبكات الدينية المحلية وفوق-الوطنية ودور القوى الاجتماعية الأخرى. يُضاف إلى ذلك أن التسييس المتزايد للمجتمعات الشيعية يطرح أسئلة جدية متعلقة بإمكانية استمرار نموذج المرجعية التقليدية بحسب شكله السابق، وإمكانية تجريد الفاعل الديني من الاهتمام السياسي، خصوصًا أن المرجعية - بالنظر إلى كونها سلطة اجتماعية - تُعّب رفي وجودها وفعلها عن شكل من الفعل السياسي (إصدار الفتاوى بوصفها إرشادات من أعلى (المجتهد) إلى أدنى (المقلّد.)) وحيث إن حضور هذه السلطة في الحيّز العام الذي شكّلته الدولة الحديثة، فلا بد من أن ينطوي على تموضع ضمن منظومة من علاقات القوة. لذلك، لا تبدو أطروحتا وولبريدج وخلجي دقيقتين كلًّيًا، لأنهما - نمع اختلافهما البّي - لم تأخذا في الحسبان إمكانية تطوّر نموذج المرجعية ما بعد التقليدية واستقراره مستقبلًا. تميزت المرجعية ما بعد التقليدية من المرجعية التقليدية بسياق وفّر لها بنية من الفرص لم تكن متاحة لغيرها. ولهذا السبب، فإن فهم مرجعية السيستاني من خلال السيستاني فحسب، غالبًا ما يكون فهمًاقاصرًا، لأنه يتجاهل السياق العام الذي تناولناه من قبل، وهو ما أتاح إعادة تشكيل دور المرجعية وعلاقتها بالدولة عبر ترتيبات مؤسساتية جديدة (الأوقاف والعتبات) وتعبيرات خطابية جديدة (التبجيل السياسي الدائم لتوجيهات المرجعية وقيادتها.) ما بعد التقليدانية، في هذا السياق، ليست موقفًا فكرًّيًا، أساسًا، أو نظرية دينية، أو حتى خيارًا سياسًّيًا، بل هي نتاج للتفاعل بين السياق

  1. وفقًا لوولبريدج، خلال موسم الحج في عام 1997، عندما أقام المراجع الكبار مكاتب لإصدار الفتاوى وتلقّي التبرعات من الحجاج، كان الطابور أمام مكتب السيستاني أطول على نحو ملحوظ، مقارنة بالمكاتب الأخرى. وقد أشار ذلك إلى ميل الحجاج إلى تفضيله، حتى في وقت لم يكن اسمه معروفًا على نطاق واسع سياسًّيًا بعد، وفي ظل وجود حركات، مثل حركة محمد صادق الصدر التي كانت تشكك في قدراته العلمية. ويعكس ذلك ميلًاإلى تفضيل المرجع الأعلى في النجف على سواه، بسبب ما تمتلكه النجف من رأس مال رمزي. ينظر:
  2. Walbridge, "Counterreformation," p. 238. 86  Ibid., p. 244.

والفاعلية الذاتية Agency. إنها مرجعية تفصل، إلى حدّ بعيد، بين الحيّزين الديني والسياسي، وتستخدم آليات مختلفة في الحضور في كل منهما، وتستفيد على نحو خاص من انفتاح الحقل السياسي أمامها للانخراط في مجالات لم تكن ممكنة للمرجعية التقليدية. وبسبب هذا الانخراط، فإن عليها أن تُكيّف التقليد والُعُرف مع نمط الحضور الجديد؛ بما في ذلك، ما يتعلّق بموقفها من الدولة الحديثة والديمقراطية والانتخابات. أخيرًا، يكون السؤال البارز عن مستقبل المرجعية ما بعد التقليدية بعد السيستاني. وللإجابة عنه، توجد مسألتان أساسيتان تساعداننا في ذلك. تتمثّل المسألة الأولى في أن أحد الأخطاء التي ترتكبها المقاربات التي تركز على مرحلة ما بعد السيستاني من زاوية البحث في المؤهلين دينيّا وفقهيّا لخلافته  87، هو تصوّرها الستاتيكي الذي لا يأخذ في الحسبان أن مؤسسة المرجعية الدينية نفسها تشهد تحوّلًا، وأنه يوجد فاعلون من خارجها يؤثرون فيها. إن المرجعية ما بعد التقليدية ليست السيستاني الشخص، حتى إن كان هذا الشخص قد أدّى الدور الأساسي في بنائها. هي، على نحو أدق، تفاعل السلطة الدينية الشيعية مع سياق الدولة الضعيفة، وصعود البردايم المكوّناتيي، ومع توّل يالإسلاميين الشيعة السلطة في العراق؛ ومن ثمّ، فإن مستقبلها لا يتّصل بشخص المرجع الأعلى فحسب، بل بالسياق نفسه وتحّولّاته المستقبلية أيضًا. فبعد سنوات من عدم الاستقرار، يَُتَبَّي نوصول المنتظم السياسي الراهن في العراق وعلاقات القوة فيه إلى مرحلة أعلى من الاستقرار، لكنه استقرار هٌّشٌ بسبب استمرار البيئة الصراعية الداخلية والخارجية. وما زالت توجد صراعات بين مراكز السلطة المختلفة، مع نموّ النزعة الإقصائية لدى الجماعات الإسلامية الشيعية، وتنامي قوّتها. قد يساهم استمرار التنافس بين الجماعات السياسية المختلفة في إبقاء المجال مفتوحًا أمام أن تؤدي المرجعية دورًا مَُحَِكِمًاوحاسمًا، ولا سيما في ظروف الاحتجاجات الشعبية أو الأزمات الكبرى. وستسهم الحاجة إلى المرجعية باستمرار الطلب على دورها، ما يُعطيها نفوذًا في التأثير في توازنات القوة، وفي تأطير حضورها في الحيّز العام. لكْنْ ربما لا يؤدّي مزيد من استقرار النظام، ونجاح بعض قواه في توطيد سلطتها السياسية، وتحوّله التدرجي المطّرد، إلى نظام أكثر سلطوية؛ إلى تغيير جذري في البردايم المكوّناتيي لمصلحة بردايم أكثر مركزية وإدماجية فحسب، بل إنه قد يؤدّي أيضًا إلى شعور السلطة السياسية بعدم الحاجة إلى المرجعية الدينية. وقد يترتب على ذلك مسعى الفاعل السياسي إلى اختراق الحقل الديني والتأثير فيه، وربما إنتاج مرجعية (أو مرجعيات) بديلة تتلاءم مع مصالحه، وهو ما سيشكّل نموذجًا مشابهًا، وإن لم يكن مطابقًا، لما كانت عليه الحال قبل عام 2003. وبهذا المعنى، فإن القراءة التاريخية توضح أنه توجد علاقة عكسية بين قوة المرجعية وقوّة السلطة المركزية، وأن هذه العلاقة لا يحتمل أن تتغير حتى مع سيطرة الإسلاميين الشيعة على السلطة في العراق. ويعكس ذلك أيضًا الحالة الانتقالية للمرجعية ما بعد التقليدية التي تبقى عُرضة للتغيير المستقبلي؛ بسبب الطابع الهجين، والمأسسة المحدودة لعلاقتها بالسلطة السياسية. أمّا المسألة الثانية التي يجب أخذها في الحسبان، فهي متمثّلة في أن المرجعية ما بعد التقليدية اكتسبت خصائصها من نمط الفاعلية المتميز الذي اختاره السيستاني، ولم تكتسبها من السياق فحسب. وهكذا، يرتبط مستقبلها بنمط فاعلية من سيحلّ محلّه، أو إن كان هناك من سيملأ الفراغ الذي يتركه. إن تجربة السيستاني، على الأرجح، غير قابلة للتكرار، وإن الطبيعية التدرجية لملء منزلة المرجع الأعلى التي قد تأخذ سنوات، توحي أنه من غير المحتمل أن يكون هناك مرجع يملأ فراغ السيستاني على نحو تامّ في وقت قريب. وحتى في حال وجود هذا المرجع، فإن خياراته الشخصية ستكون مهمة في تكريس وجود المرجعية ما بعد التقليدية، أو العودة إلى النموذج التقليدي، أو الانتقال إلى نموذج آخر. وتتّصل بذلك طبعًا ظروف سياقية أخرى، من بينها إذا ما كان نظام ولاية الفقيه في إيران سيستمر بشكله الحالي بعد خامنئي. إن مستقبل السلطة الدينية، فيما هو أبعد من العوامل السياسية المباشرة، يعتمد على اعتبارات تتعلّق بالتحوّل المحتمل في علاقة المرجع - المقلّد في ظل الثورة الرقمية التي ربما سُتُحجّم الحاجة إلى دور الوسطاء بين المرجع ومشتري الفتوى. وقد يسهل ذلك على المرجعية توسيع رقعة حضورها في مجتمع المقلدين، لكنه سُيُعطي هذا المجتمع تأثيرًا أكبر في تشكيل الحقل الديني من خلال خياراته في فضاء بات أكثر ديمقراطية وانفتاحًا على مجهزين متعددين للفتوى، بل إن نمط التدّين وتحّولّاته سيؤديان دورًا مستقبليّا؛ إذ قد يؤدي انفضاض الأجيال الجديدة عن الفتوى أو تخلّيها عن الهرمية الدينية التقليدية، إلى تفكك في الحقل الديني، وربما نمو تيارات هيترودوكسية داخله، على نحو يتحدّى المدرسة الأصولية التي بقيت مهيمنة على التشيع الاثني عشري طوال أكثر من قرنين. يضاف إلى ذلك أن ظهور مراجع محليين، سواء كانوا في منطقة الخليج أو آسيا أو أوروبا أو أميركا الشمالية، قد يسهم في عملية اللامركزة تلك، لتشتغل بوصفها دينامية معاكسة لدينامية المركزة التي شهدها العالم الشيعي مع صعود مؤسسة المرجعية.

  1. ينظر مثل:ا Abbas Kadhim & Barbara Slavin, "After Sistani and Khamenei: Looming Successions Will Shape the Middle East (Issue Brief)," Atlantic Council (July 2019), accessed on 18/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zR5W

وبالنسبة إلى العراق، قد يؤدي ذلك إلى مزيد من "العرقنة" للمرجعية؛ إذ يتسبب تراجع نفوذها فوق الوطني في دفعها نحو تركيز أكبر على المجال العراقي، خصوصًا أن مثل هذا التركيز قد يكون محفّزًا بأمرين: الأول، هو نمط العلاقة المؤسسية الهجينة التي صارت تربط المرجعية بالدولة في مجال إدارة الأوقاف والعتبات المقدسة، وقد تمتد إلى مجال إدارة الأحوال الشخصية، على نحٍوٍ أحدث تغييرات مهمة في شبكة المرجعية ومصادر تأثيرها ونفوذها. وهذا يعني أن تلك الشبكة ستحرص على أداء دور في اختيار مرجع بديل يتيح باستمرار نفوذها ونمط العلاقة الهجينة القائم من جهة، ودخول الدولة العراقية، بوصفها فاعلًافي اختيار المرجع المستقبلي، بالنظر إلى أنها سُتُحدّد من هو المرجع الأعلى الذي ستعود إليه في تحديد من سُيُدير وكيفية إدارة الأوقاف والعتبات من جهة أخرى. أمّا الأمر الثاني، فهو يتمثّل في أن النجف ستشهد، على الأرجح، صعود جيل جديد من الفقهاء العراقيين الذين وُلدوا وعاشوا في العراق، مع تراجع محتمل لنفوذ الفقهاء الإيرانيين؛ إما بسبب استقرار معظم هؤلاء في قُم، وإما بسبب الغلبة الديموغرافية العربية في النجف. ومثل هؤلاء الفقهاء، قد يميلون إلى تغليب الاهتمامات العراقية على ما سواها، وقد يجدون صعوبة في بناء مرجعيات فوق وطنية نافذة؛ ما قد يؤدّي إلى مزيد من العرقنة للمرجعية، أو يُكرّس التشظّي، على الأرجح، في الحقل الديني بين مراجع من العرب والفرس ومراجع آخرين.

استنتاجات

ناقشت هذه الدراسة العلاقة والتنافس بين نظام ولاية الفقيه في إيران والمرجعية الدينية الشيعية في النجف، باعتبارهما مركَزَي السلطة الأساسيين في الفضاء الديني والسياسي الشيعي. وتطرقت إلى إشكالية العلاقة بين الفقيه والدولة، من منظور مؤسساتيي سوسيولوجي أساسًا، وظهور نظام ولاية الفقيه في إيران باعتباره محاولة لحلّ هذه الإشكالية، لكنها أفرزت من حيث التطبيق نوعًا من الدولنة لسلطة الفقيه وهيمنة نموذج من الضبط الدولتي للمجال الديني؛ استنادًا - على نحو جزئي - إلى مقولات فقه المصلحة وعلوية سلطة المرجع المتصدّي. ثم تطرقت الدراسة إلى موقف مرجعية النجف من نظام ولاية الفقيه، ثم استجابة هذه المرجعية إلى بنية الفرص والتحديات التي نتجت من سقوط نظام صدام حسين، لتبلور شكلًاجديدًا من الممارسات وبعض المقولات التي أّشر ت إلى نمط حضور مختلف في الحيّز العام عّم اُعُرفت به المرجعية التقليدية. وتطرّقت أيضًا إلى الكيفية التي أدارت بها مرجعية النجف ونظام ولاية الفقيه علاقتهما في الحيّزين الإيراني والعراقي، وما انطوت عليه هذه العلاقة من تنافس بين نموذجين وشكلين لممارسة السلطة الدينية. وجادلت الدراسة في أنّ هناك مسارًا ثالثًا مغايرًا للمسارين اللذين تبنّتهما أطروحتا الهيمنة الكاملة لنظام الوليّ الفقيه على الحقل الديني الشيعي، التي قدّمها مهدي خلجي، وتفوّق المرجعية التقليدية غير المسيّسة التي طرحتها ليندا وولبريدج. ويتمثّل هذا المسار في فهٍمٍ مفاده أنه ترتب على التحّولّات التي شهدها العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، ونمط الفاعلية الذاتية الذي عّب رت عنه ممارسات مرجعية السيستاني، تمفصل جديد للسلطة الدينية الشيعية، سمّيته "المرجعية ما بعد التقليدية." وقد اخترت هذا التصنيف ليس بوصفه نموذجًا مثاليّا Type Ideal، بل بوصفه تعبيرًا عن حالة انتقالية نحو نمذجة جديدة تتميز من نموذج ولاية الفقيه في إيران من جهة، ومن نموذج المرجعية التقليدية الانعزالية من جهة أخرى. لم تسَعَ المرجعية ما بعد التقليدية، التي مثّلتها تجربة السيستاني، لمأسسة سلطتها دستورًّيًا، كما حدث مع نموذج ولاية الفقيه، بل ارتأت البقاء بوصفها فاعلًافوق-دستوري ينشط من خارج البنية المؤسساتية للنظام السياسي. وخلافًا لنموذج ولاية الفقيه، لم تؤطّر حركتها بموقف أيديولوجي صارم، ولا بمشروع لإقامة "الدولة الإسلامية"، كما هو الحال في النموذج الإيراني، بل إن فاعليتها السياسية ارتبطت بمبدأ "حفظ النظام العام"، ومسؤولية المرجع في تقديم الإرشادات لمنع انهياره. ولم تستند توجيهات المرجع إلى قوّة قسرية لتنفيذها، بل اعتمدت أساسًا على القوّة المعنوية المستبطنة في موقع المرجع الأعلى، وعلى إمكانية أن تتحوّل هذه القوة إلى تأثير سياسي عبر توجيه القاعدة الجماهيرية من المقلدين (مثلما حدث في دعوة السيستاني العراقيين إلى التظاهر والمطالبة بكتابة الدستور بأياٍدٍ عراقية.) من ناحية أخرى، أنتج هذا التحول في حضور المرجعية في الحيّز العام العراقي، في أثناء ضعف الدولة وهيمنة القوى السياسية الشيعية على السلطة السياسية، ترتيبات مؤسساتية جديدة في إدارة الحقل الديني، واعترافًا رسمًّيًا بالمرجع الأعلى وتقنينًا "غير مباشٍرٍ" لمنزلته، كما في قوانين الأوقاف والعتبات الشيعية المقدسة؛ ما أدّى إلى قدر من الرسمنة لهذه السلطة، وتشكّل منظومة "هجينة" مبنيّة على التعايش بين الدولة والسلطة الدينية، من دون أن تهيمن إحداهما على الأخرى. وعلى الأرجح، سيؤدّي استقرار هذه المنظومة لفترة طويلة، خصوصًا في مرحلة ما بعد السيستاني، إلى بلورة وإدامة نمط التفاعل الجديد واستمرار فاعلية المرجعية النجفية بوصفها مركز سلطة موازيًا لنظام ولاية الفقيه في إيران. لكن حيث إن النموذجين

تشّكلّا في سياقات سياسية معيّنة، وتأثّرا بهذه السياقات، فإنّ الأمر المؤَّكَد هو أنّ أًّيًا منهما لن يتحوّل إلى حالة ثابتة ودائمة على المدى الطويل؛ فالأكثر ديمومة هو أن التفاعل بين البنية المتحوّلة باستمرار والفاعلية الذاتية، سينتج على الدوام تمفصلات جديدة للسلطة وللعلاقة بين الحقلين الديني والسياسي.

المراجع

العربية

إبراهيم، فؤاد. الفقيه والدولة في الفكر السياسي الشيعي. بيروت: دار الكنوز،.1998 بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء الأول: الدين والتدين. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 ________. الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 الخفاف، حامد. النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية. بيروت: دار المؤرخ العربي،.2015 "دستور إيران الصادر في عام 1979 شاملًاتعديلاته لغاية عام 1989." فh يttps://acr.ps/1L9zQYP: الرباني، محمد علي. الاجتهاد والتقليد والاحتياط: تقريرًا لأبحاث سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني. [د. م:]. [د. ن].، 1435 ه. سعيد، حيدر (محرر.) الشيعة العرب: الهوية والمواطنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019. السيف، توفيق. نظرية السلطة في الفقه الشيعي. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2002، رضا. الاجتهاد والتقليد. ط الصدر 2. قم، إيران: مركز انتشارات مكتب التبليغات الإسلامي،.1420 ه العلوي، حسن. الشيعة والدولة القومية في العراق 1990-1914(). قم: دار الثقافة للطباعة والنشر،.1990 الفاضلي، حسين محمد علي. الإمام السيستاني: أمّة في رجل. بيروت: مؤسسة البلاغ،.2008 كديور، محسن. نظريات الحكم في الفقه الشيعي: بحوث في ولاية الفقيه. بيروت: دار الجديد،.2000 كوشكي، محمد صادق. تأّملّات في الفكر السياسي للإمام الخميني. بيروت: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية،.2011 مظلوم، علي. "الخبرة الإيرانية والعتبات المقدسة في العراق: مقاربة لتحول دور العتبتين في كربلاء من الديني إلى الدنيوي." مجلة الدراسات الإيرانية. العدد 7 (حزيران/ يونيو.)2018

الوقائع العراقية. العدد 2454 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2012 فh يttps://acr.ps/1L9zR1H:

الأجنبية

A. Jabar, Faleh. The Shi ʿ i Movement in Iraq. London: Saqi Books, 2003. Abbas, Akeel. Between the Ideal and the Real: Shiite Purism and the Dilemma of Modernity in Iraq. Maryland: Rowman & Littlefield, 2024. Akhavi, Shahrough. "Contending Discourses in Shi ʿ i Law on the Doctrine of Wil ā yat al-Faq ī h." Iranian Studies. vol. 29, no. 3/4 (Summer/ Autumn 1996). at: https://acr.ps/1L9zQlv Al-Khoui, Hayder. "Post-Sistani Iraq, Iran, and the Future of Shi ʿ i Islam." War on the Rocks. 8/9/2016. at: https://acr.ps/1L9zQm8 Al-Qarawee, Harith Hasan. "The 'Formal' Marja ʿ: Shi ʿ i Clerical Authority and the State in Post-2003 Iraq." British Journal of Middle Eastern Studies. vol. 46, no. 3 (2019). Arjomand, Saïd Amir (ed.). Authority and Political Culture in Shi'ism. New York: State University of New York, 1988. Rhodes, R. A. W., Sarah A. Binder & Bert A. Rockman. The Oxford Handbook of Political Institutions. Oxford: Oxford University Press, 2008 [2006]. Arjomand, Saïd Amir (ed.). Authority and Political Culture in Shi'ism. New York: State University of New York Press, 1988. ________. After Khomeini: Iran Under His Successors. New York: Oxford University Press, 2009. Bourdieu, Pierre. The Logic of Practice. Richard Nice (trans.). Stanford, CA: Stanford University Press, 1990. Cole, Juan. "Shi ʿ i Clerics in Iraq and Iran,1722-1780: The Akhbari-Usuli Conflict Reconsidered." Iranian Studies. vol. 18, no. 1 (1985). Cole, Juan. "The Ayatollahs and Democracy in Iraq." International Institute for the Study of Islam in the Modern World (Amsterdam). paper no. 7. 2006. Corboz, Elvire. "The Najafi Marja'iyya in the Age of Iran's Vali-ye Faqih (Guardian Jurist): Can it Resist?" Project on Middle East Political Science (New Analysis of Shia Politics). December 2017. Farzaneh, Mateo Mohammad. The Iranian Constitutional Revolution and the Clerical Leadership of Khurasani. New York: Syracuse University Press, 2015. Ghobadzadeh, Naser. Religious Secularity: A Theological Challenge to the Islamic State. Oxford: Oxford University Press, 2015. Giddens, Anthony. The Constitution of Society: Outline of the Theory of Structuration. Berkeley: University of California Press, 1984. Hasan, Harith. "Religious Authority and the Politics of Islamic Endowments in Iraq." Islamic Endowments Carnegie Authority. Religious Shia and Endowment for International Peace. 1/3/2019. at: https://acr.ps/1L9zRhS Heern, Zackery M. The Emergence of Modern Shi ʿ ism: Islamic Reform in Iraq and Iran. London: Oneworld, 2015. Helmke, Gretchen & Steven Levitsky. "Informal Institutions and Comparative Politics: A Research Agenda." Perspectives on Politics. vol. 2, no. 4

Jiyad, Sajad. God's Man in Iraq: The Life and Leadership of Grand Ayatollah Ali al-Sistani. New York: The Century Foundation, 2023.

Kadhim, Abbas & Barbara Slavin. "After Sistani and Khamenei: Looming Successions Will Shape the Middle East (Issue Brief)." Atlantic Council. July 2019. at: https://acr.ps/1L9zR5W Kamrava, Mehran. How Islam Rules Iran: Theology and Theocracy in the Islamic Republic. Cambridge: Cambridge University Press, 2024. Khadhim, Abbas. Hawza Under Siege: A Study in the Baath Party Archive. Boston: Boston University; Institute for Iraqi Studies, 2013. Khalaji, Mehdi. "The Last Marja: Sistani and the End of Traditional Religious Authority in Shiism." Policy Focus. no. 59 (The Washington Institute for Near East Policy). September 2006. at: https://acr.ps/1L9zQqT ________. "Iran's Regime of Religion." Journal of International Affairs. vol. 65, no. 1 (Fall/ Winter 2011). Louër, Laurence. "The Transformation of Shi'a Politics in the Gulf Monarchies." Project on Middle East Political Science (New Analysis of Shia Politics). McGeough, Paul. "The Struggle to Succeed Grand Ayatollah Ali Sistani: A Letter from Najaf." Foreign Affairs. 23/5/2012. at: https://acr.ps/1L9zQED Moussavi, Ahmad Kazemi. Religious Authority in Shi ʿ i Islam: From the Office of Mufti to the Institution of Marja. Malaysia: International Institute for Islamic Thought and Civilization, 1996. Nakash, Yitzhak. "The Conversion of Iraq's Tribes to Shi ʿ ism." International Journal of Middle East Studies. vol. 26, no. 3 (August 1994). ________. The Shi ʿ is of Iraq. 2 nd ed. Princeton, N.J.: Princeton University Press, 2003. Nasr, Vali. The Shia Revival: How Conflicts Within Islam will Shape the Future. New York: W.W. Norton & Company, 2006. Omid, Homa. Islam and the Post-revolutionary State in Iran. London: The Macmillan Press LTD, 1994. Roy, Olivier. "The Crisis of Religious Legitimacy in Iran." Middle East Journal. vol. 53, no. 2 (Spring 1999). Sayej, Caroleen Marji. Patriotic Ayatollahs: Nationalism in Post-Saddam Iraq. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2018. Skocpol, Theda. "Rentier State and Shi'a Islam in the Iranian Revolution." Theory and Society. vol. 11, no. 3 (1982). Slavin, Barbara. "Mullahs, Money, and Militias: How Iran Exerts Its Influence in the Middle East." Special Report. US Institute of Peace. 1/6/2008. at: https://acr.ps/1L9zR8G Visser, Reidar. "Sistani, the United States and Politics in Iraq: From Quietism to Machiavellianism?" Norwegian Institute of International Affairs (Oslo). no. 700, 2006. at: https://acr.ps/1L9zQGg Walbridge, Linda S. (ed.). The Most Learned of the Shi'i: The Institution of Marja ʿ Taqlid. Oxford: Oxford University Press, 2011. ________. Thread of Mu'awiya: The Making of a Marja' Taqlid. Indiana: The Ramsay Press, 2014.