الانتقال السياسي في سورية: بناء الدولة وإصلاح المؤسسة السياسية، تحديات وآفاق
الملخّص
The political transition in Syria after the fall of Assad regime faces many interpretations and challenges. This study attempts to identify the situational determinants that form the general framework of the political transition map, especially since any transition process is linked to the determinants of the Syrian revolutionary situation. While most theories of political transition focus on democratization, the study assumes that the political transition in Syria requires an in-depth treatment of the issues that characterize the relationship between the three elements that make up the political sphere: state, political system and society. With help of some of Wolfgang Merkel’s theoretical ideas, the study develops a model of interactive political construction that supports the production of a collective political culture by looking at politics as a concept and as a practice. Through a critical analysis of some aspects of politics under Assad regime, the study concludes that political transition requires reforming the socio-political system by reforming the relationship between the state, power and society in order to build a new political space based on continuous interaction between them. Keywords: Syria, Political Transition, Syrian Revolution, State, Political System.
Political Transition in Syria: Challenges and Perspectives for State Building and Political Institutional Reform
يطرح الانتقال السياسي في سورية، بعد سقوط نظام بشار الأسد، العديد من التأويلات والتحديات. وتحاول هذه الدراسة تعريف المحدّدات الظرفية التي تشّك ل الإطار العام لخريطة الانتقال السياسي، خاصة أن أيّ عملية انتقال ستكون مرتبطة بمحدّدات الحالة الثورية السورية. وفي حين تنشغل غالبية دراسات الانتقال السياسي ونظرياته بالتحوّل الديمقراطي، تفترض الدراسة أنّ الانتقال السياسي في سورية يتطلب معالجة جذرية للإشكاليات التي تميّز العلاقة بين العناصر الثلاثة المكوّنة للمجال السياسي: الدولة والنظام السياسي والمجتمع. وتطرح، بمساعدة بعض الأفكار النظرية للباحث فولفغانغ ميركل، نموذج البناء التفاعلي السياسي المتناسب مع خصوصيات الحالة السورية ومقتضياتها، والذي يدعم إنتاج ثقافة سياسية جمعية بالنظر إلى السياسة مفهوما وممارسة. وبمعالجة تحليلية نقدية لبعض مفاصل السياسة في ظل نظام الأسد، تستنتج أن الانتقال السياسي يشترط إصلاح النظام السياسي الاجتماعي من خلال إصلاح العلاقة بين الدولة والسلطة والمجتمع لبناء مجال سياسي جديد يقوم على التفاعل المتواصل بينها، ولإنهاء تغريب المؤسسة السياسية عن المجتمع. كلمات مفتاحية: سورية، الانتقال السياسي، الثورة السورية، الدولة، النظام السياسي.
مقدمة
بسقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، تبدأ سورية مرحلة تاريخية جديدة قد تختلف جذريًا عن المراحل التي مرت بها منذ الاستقلال 1946(.) فالثورة السورية جسّدت الحدث الأول منذ الاستقلال الذي يشارك فيه المجتمع السوري بصورة مباشرة وواسعة في مسألة تتعلق بالمصير الوطني للمجتمع والدولة بعيدًا عن الخط الذي يحدّده النظام الحاكم، وهذا هو الجوهر الثوري في الحالة السورية. وعلى الرغم من توافر مساحة للحريات والمشاركة السياسية في الفترة بين الاستقلال والوحدة مع مصر)1958(1، فإنها كانت في إطار تحركات سياسية نخبوية في الحد الغالب، حيث بقيت مكونات المجتمع بعيدة عن عملية صنع القرار السياسي2. وفي ظل أهمية هذه الحقبة التاريخية الراهنة، تكتنف مسألة الانتقال السياسي الكثير من الآمال بإجراء إصلاحات وتغييرات جذرية من ناحية، والكثير من التحديات والقلق من إعادة أخطاء الماضي من ناحية أخرى3. تبدو التطورات في سورية مفتوحة على العديد من التأويلات، لكّن المحطة التي يمكن الانطلاق منها هي حقيقة أن الحراك الثوري والسياسي بتطوراته جاء نتيجةً لموقف مجتمعي عّب ر عن رفضه للطريقة التي تتم من خلالها الممارسة السياسية بما تتضمنه من بنى وسلوكيات وسرديات خطابية أو تبريرية. ويعني هذا الرفض الجمعي للسياسة (بصفتها مؤسسة وممارسة) تحت نظام الأسد المطالبة بنهج مغاير على أسس جديدة مناسبة للمتغّي رات الاجتماعية. ولا يمكن فهم متطلبات الانتقال السياسي وشروطه إلا بفهم هذه الأسس الحاملة لمفهوم السياسة الجديدة. ثمّة مسألة أخرى ذات أهمية في مقاربة الانتقال السياسي في الحالة السورية، تتعلق بفرضية مفادها أن سقوط، أو بالأصح إسقاط النظام عسكريًا هو حسم عسكري للصراع، لكنّه ليس حلًاللأزمة السياسية والاجتماعية التي كانت سببًا في اندلاع الثورة. لذلك، من الضروري التمييز ما بين سقوط النظام الذي حدث فعلًا، والحل السياسي للأزمة الذي ينبغي العمل على إيجاده من خلال عملية الانتقال السياسي. ففي الأشهر الستة الأولى بعد سقوط النظام، شهدت الساحة استقطابات سياسية وتوترات طائفية وإثنية (أحداث الساحل، والأحداث في مناطق الدروز، إضافة إلى تفاقم المشاكل مع قوات سوريا الديمقراطية "قسد)"، يمكن اعتبارها مخاضًا للحل السياسي المستقبلي، حيث نعتقد أنه لا يمكن الحديث عن حل سياسي إلا بقدرة السلطة الجديدة على التعامل السياسي العقلاني مع الديناميات الداخلية المختلفة للصراع في إطار عقد اجتماعي جديد. وفي هذا التدافع بين معطيات الماضي والحاضر والمستقبل، يكمن التحدي أمام السلطة الجديدة والجماعات السياسية والدينية والإثنية لبناء الدولة؛ ذلك أن "ذاكرات الصراعات السابقة تتحدى الاستراتيجيات القائمة، وتوِّجِه الاستراتيجيات المستقبلية"4. تركز الدراسة في مقاربتها للانتقال السياسي في سورية على إصلاح الدولة وإصلاح علاقتها مع قوى المجتمع. ونعتقد أن الإطار البحثي يساعد في فهم حيثيات الصراع الداخلي الذي لا يمثّل صراعًا أو تنافسًا على السلطة، إذ إن هذا النوع من الصراع اختفى من المشهد بتأسيس الدكتاتورية الشمولية كما ستوضحه الدراسة، لكنه نوع من الصراع لاستعادة الحقوق والقيم الإنسانية التي سلبتها السلطة من المجتمع5. وتفترض الدراسة أن "الدولة" في ظل نظام الأسد أخفقت في وظيفتها الاجتماعية والسياسية الأساسية المتعلقة بإنشاء منظومة قيمية إنسانية متناسبة مع قيم المجتمع، في حين أن نظام الأسد أنتج منظومة دكتاتورية قمعت قوى المجتمع وأنتجت دولة بجماعة سياسية، لكن بلا مجتمع، ما أدى إلى غياب الفواصل التمايزية بين الدولة والحكومة والمجتمع من جهة، وتفكيك التفاعل الإنساني الطبيعي فيما بينها من جهة أخرى6. ولا يعني التركيز على ضرورة إصلاح الدولة إغف لًا لأهمية إصلاح منظومة الحكم والمؤسسات وتفكيك بنيتها السلطوية؛ فالقضية هنا ليست قضية أولويات، بقدر ما هي ترتيب منطقي لمقومات الإصلاح والانتقال السياسي. فإصلاح الدولة مرتبط ومشروط بإصلاح منظومة الحكم وتفكيك بنيتها السلطوية وتهيئة المناخ لإنجاز التفاعل الإنساني الطبيعي بين الحاكمين والمحكومين، وبين المحكومين أنفسهم أيضًا.
الإشكالية البحثية
خلال سنوات الأزمة في المدة آذار/ مارس 2011 - كانون الأول/ ديسمبر 2024، كان التوصيف الرائج في مختلف النقاشات أنها صراع سياسي بين نظام الأسد ومعارضة منقسمة على نفسها يصعب وضعها في خانة واحدة. والحقيقة أن سنوات الثورة كانت نتيجة لأزمة سياسية واجتماعية تعود جذورها إلى عقود خلت وفشل نظام الأسد، الأب والابن، في معالجتها ومنع نموّها؛ إذ لم يضع حلولًالمشاكل اجتماعية مثل البطالة وتفاقم مستويات الفقر وتراجع الخدمات، فضلًاعن المشاكل السياسية المستفحلة7. وكما كانت الثورة نتيجة لأزمة سياسية - اجتماعية متراكمة، فقد كانت متصلةً أيضًا بصراع داخلي مرَّكَب يشتمل على ثلاثة مستويات: صراع طائفي إثني (بلغ ذروته خلال سنوات الثورة في انهيار جسور التعايش إلى حد بعيد بين العلويين والُسُنّة من جهة، وبين العرب والأكراد من جهة أخرى)، وصراع طبقي (يتمثل في تلاشي الطبقة المتوسطة ونشوء طبقة صغيرة جدًا من الأغنياء وتوسّع كبير في طبقة الفقراء والمحرومين)، إضافة إلى الصراع بين الريف والمدينة8. ويمكن، إذًا، اختصار خلفيات الأزمة في عجز نظام الأسد عن مواكبة المتغّي رات الاجتماعية وتلبية متطلبات المجتمع من مستلزمات حياتية إلى شعور بالانتماء إلى الهوية وصولًاإلى الحقوق السياسية. فالأزمة تكمن في جوهر النظام الاجتماعي والسياسي9. وبعد حالة الاستعصاء التي سادت القضية السورية عدة سنوات، كانت الاحتمالية الأرجح هي الوصول إلى انتقال تعاقدي أو ميثاقي ناتج من مفاوضات بين النظام والمعارضة، الأمر الذي كان سيدعم إمكانية أن يكون هناك انتقال ديمقراطي10. لكن ما حصل لم يكن انتق لًامن نظام إلى آخر بالتفاوض، بل سقوط لنظام الأسد بمعركة مع قوة من المعارضة (هيئة تحرير الشام وبعض الفصائل العسكرية.) وبغضّ النظر عن كونها ذات صبغة إسلامية، فهي قوة عسكرية نجحت في تشكيل نواة حكم في منطقة صغيرة جغرافيًا ومكتظة سكانيًا في شمال سورية، ما أكسبها نوعًا من الخبرة في الحكم والإدارة، لكن يصعب مقارنة هذه الإدارة المؤقتة لمنطقة محدودة بإدارة شؤون الدولة وأجهزتها وعلاقتها بالمكونات الاجتماعية. بناء على هذه المعطيات، تروم هذه الدراسة تحليل مقومات الانتقال السياسي في الحالة السورية وتعريف مساره ومعايير محدّداته التي يمكن تقييم هذا المسار على أساسها، وستحاول بذلك الإجابة عن السؤال البحثي: ما المحدّدات الظرفية التي تشكّل الإطار العام لخريطة الانتقال السياسي؟ ونقصد بالمحدّدات الظرفية مجموع العوامل التاريخية والحاضرة التي لا يمكن تجاهلها في معالجة الحالة السورية والتي ستتطرق إليها الدراسة. تحمل هذه المحاولة التحليلية في مضمونها سؤلًا عن موقع الديمقراطية في العملية الانتقالية. فعلى الرغم من استخدام الإدارة الجديدة التي أطاحت نظام الأسد خطابًا سياسيًا يهدف إلى طمأنة الرأي العام والمجتمع الدولي، فإن هناك شعورًا بأن الديمقراطية أو الدمقرطة لا تحظى باهتمام ملموس. لكنّ اللافت أن هذا الخطاب يتضمن وعودًا بالدولة المدنية ودولة القانون وتمثيل مختلف المكونات وحماية الحقوق وضمان الحريات11، وهذه قيم سياسية تتوافق مع الديمقراطية من حيث المبدأ12. وبما أن التحوّل الديمقراطي ليس معطى حتميًا، تفترض الدراسة أن الانتقال السياسي في سورية ليس محصورًا في بردايم الانتقال إلى نظام سياسي ديمقراطي، وأن هناك مقومات لنموذج انتقال آخر على أساس خصوصيات الحالة السورية.
المنهجية ومقاربة الواقعية والمعيارية
لا تُعنى العلوم الاجتماعية والسياسية بتقديم تصورات نهائية أو معايير كافية محِّدِدة لشكل الواقع الجديد. وكما يزعم روبرت ماكيفر، تقدّم هذه العلوم "إطارًا مهًّم امن المعرفة المنهجية" عن الدولة ووظائفها وظروف نشأتها، وأشكال الحكم، وطبيعة العلاقة مع المحكومين في تجارب تاريخية مختلفة، لكن ليس في وسعها تقديم معرفة مسبقة عن سياسات الدولة وممارسات الحكم بدقة؛ ذلك أن العلوم السياسية والاجتماعية، بخلاف العلوم الطبيعية، تنشغل بالسلوكيات البشرية التي لا يمكن التنبؤ بها لأنها مرتبطة بمعطيات تاريخية وسيكولوجية وظرفية لا يقينية13. ولهذا السبب، يقرّ ماكيفر بالعلم السياسي، لكنه ينكر وجود "علم حكم/ حكومة" Government of Science، لأن مثل هذا العلم يعني وجود قواعد
ثابتة وحقائق مستندة إلى نظام معرفي معَّين، وهذا غير متوافر، ولا يمكن أن يتوافر في الدراسات عن الحكم والسلطة. تضعنا هذه الحيثيّة أمام مجموعة من الحدود المعرفية التي نحاول الالتزام بها في تناولنا الانتقال السياسي في الحالة السورية. فما هو ممكن من المنظور الحالي هو البحث منهجيًا عن الأفكار التي تطرح نفسها إطارًا مفاهيميًا معياريًا ينطلق من المعطيات الواقعية لاستشراف ما وراء ذلك؛ أي تقديم أفكار عّم ايجب أن يكون عليه الواقع. ويفسح هذا المجال التعبير عن بعض الافتراضات أو الأطروحات الذاتية التي تتجاوز حدود المعرفة التاريخية الوصفية لتناول "ما يجب أن يكون عليه الوضع"، فالدخول في هذا الحقل من المعرفة لا يُنقص من القيمة العلمية للدراسات وفقًا لماكيفر نفسه، لأن دراسة ما يجب أن تكون عليه الحكومة ليس أقل أهمية من بحث ما هي عليه14. من أجل هذه الغاية، هناك حاجة إلى منهجية تجمع بين منظورات أنثروبولوجية وسياسية فلسفية وتأويلية. ومن الطبيعي وجود بعض الصعوبات المنهجية في التعامل مع السؤال البحثي المطروح. فمن ناحية، يدفعنا السؤال إلى الدخول في العلاقة المتوترة بين ما هو عليه الأمر الواقع (النموذج السوسيولوجي) وما ينبغي أن يكون عليه (النموذج المعياري.) ومن ناحية أخرى، ما زال من السابق لأوانه مناقشة مضامين نوعية واتجاهات عملية الانتقال السياسي، حيث إنها من المتوقع أن تستغرق وقتًا ليس بالقصير. وفي هذا الإطار، لا تهدف هذه الدراسة إلى تحليل خطاب القيادة الجديدة، وخاصة أن المدة الزمنية بين سقوط نظام الأسد وإعداد الدراسة قصيرة نسبيًا، ومن ثمّ، فهي غير كافية لبلورة خطاب يمكن أن يكون مادةً للبحث. ولتذليل هذه الصعوبات، تستخدم الدراسة منهج التحليل النوعي لتقديم تشخيص نظري للسياق الزمني وللشروط التأسيسية لعملية الانتقال السياسي على خلفية المعطيات الراهنة. تفترض الدراسة أن محدّدات الانتقال السياسي في سورية مرتبطة بالقيم والمبادئ السياسية للثورة بصفتها المعطى السياقي للحدث التاريخي الذي أوصل إلى مرحلة يمكن فيها الحديث عن الانتقال السياسي من نظام الأسد إلى نظام جديد. ومن هذا المنظور، ينبغي توافر انسجام بين أفكار الانتقال السياسي وأبعاده واحتمالاته والأفكار القيمية المعيارية الخاصة بالثورة والساعية للوصول إلى واقع جديد يلبّي متطلباتها. بمعنى آخر، تتسم المرحلة الحالية بأنها مرحلة انتقالية بين مرحلة ما قبل الثورة (السلطة الاستبدادية والسلوكيات غير العقلانية) ومرحلة ما بعد الثورة المؤِّكِدة على ضرورة بناء نظام سياسي جديد يقوم على الحرية والمواطنة والعدالة الاجتماعية ويحترم حقوق الإنسان السوري وكرامته، وهذه مطالب ثورية نادى بها الشارع السوري المنتفض على نظام الأسد منذ عام 201115. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم يتعلق بكيفية الوصول إلى هذه الأهداف في ظل المتغّي رالحالي؛ أي بالنظر إلى وجود سلطة بديلة من نظام الأسد تجد نفسها في ظروف شديدة التعقيد والصعوبة. وفي حين كان سقوط نظام الأسد نتيجةً لأزمات مختلفة الأبعاد ولصراع متعدد المستويات، يبقى التحدي الأساسي أمام السلطة الجديدة في قدرتها على معالجتها من خلال بناء إرادة سياسية نحو توافق وطني حول شكل الدولة وطبيعة نظام الحكم المستقبلي. ويدفعنا هذا إلى الزعم أن المرحلة الانتقالية لا تجسّد انتق لًاماديًا من سلطة إلى أخرى، أو إعادة ترتيب وهيكلية في ماؤسسات الدولة والنظام السياسي فحسب، بل تعني أيضًا تحول نوعيًا في الوعي السياسي على مستوى النخبة والأفراد والمجتمع. وتتعزز صحة هذه الفرضية استنادًا إلى حقيقة أن التحوّل السياسي في سورية ناتج من صيرورة ثورية شاركت فيها شريحة واسعة من المجتمع، لذا لا يقتصر الفاعل المؤثر في التغيير على القوة العسكرية التي أطاحت نظام الأسد، ولا حتى على نخبة سياسية أو أكاديمية أو فكرية. تروم هذه الدراسة، إذًا، الإسهام في طرح بعض التصورات الفكرية حول بعض جوانب الانتقال السياسي في الحالة السورية. وتطرح أفكارها بتجرد وبصرف النظر عن السلطة الجديدة وأفرادها ومعتقداتها الأيديولوجية؛ ذلك أن هدفها هو استعراض أفكار نظرية متصلة بالبناء السياسي للدولة وللنظام السياسي وللإطار المحِّدِد لنوعية العلاقات بين الحاكم والمحكوم، وليس لتقييم السلطة وأيديولوجيتها وقراراتها. كما تركّز على المعطيات الخاصة بالانتقال السياسي في المرحلة القادمة من دون الدخول في توصيف الأحداث التي أوصلت إلى هذه النقطة، مع مراعاة تلك الحيثيّات من الفترة السابقة التي تلقي بظلالها على ملامح الحياة السياسية المستقبلية. ومن هذا المنطلق، تستخدم
الدراسة المقاربتين المعيارية والواقعية أداَتيَن تحليليَتيَن لاستجلاء الصيرورات والتحديات التي تفرض نفسها على السلطة السورية الجديدة من ناحية (المقاربة الواقعية)، ولتقديم بعض الأفكار والأطروحات النظرية المتصلة بهذه التحديات والإرهاصات التي نعتقد أن ثمة أهمية لإبرازها بصورة موضوعية من ناحية أخرى (المقاربة المعيارية.) وللوصول إلى هذه الغاية البحثية، من المهم إيجاد إطار نظري يمكن البناء عليه لمعرفة مكونات الانتقال السياسي وشروطه، والذي يمكن إسقاطه على الحالة السورية، وهذا ما يتناوله المبحث الأول. ثم يستعرض المبحث الثاني خصوصية الحالة السورية (أي خصوصية الظرف التاريخي) بوضع نقاط تربط الانتقال السياسي بالثورة السورية وبمضامينها السياسية والقيمية. وسيساعد ذلك في استقراء المحاور السياسية الأساسية التي تشكل معالم الانتقال السياسي وأعمدته في سورية (بناء الدولة والنظام السياسي)، وهذا ما يتطرق إليه المبحث الثالث.
أولًا: نموذج التفاعلية السياسية إطارًا نظريا
يتميز التحوّل الراهن في سورية بأنه التجربة الأولى في التاريخ السوري الحديث التي ينجم عنها إسقاط نظام حكم بعد ثورة شعبية. فهو ليس انقلابًا عسكريًا داخل المؤسسة العسكرية، أو تغييرًا نخبويًا، أو انتق لًافي السلطة من نظام إلى آخر بعد تدخّل خارجي مباشر كما في حالة العراق)2003(16 مثلًا. وثمة أمر لافت آخر هو أن نظام الأسد انهار في اللحظة التي أصبحت فيها قوته العسكرية والأمنية عاجزة عن المواجهة، فانهارت هذه المؤسسة، في حين استمرت مؤسسات الدولة الأخرى، ولو جزئيًا، في القيام بمهماتها، وهذا يعني انهيار الجزء الأمني من الدولة، لكنه ليس انهيارًا للدولة. ويمكن تفسير ذلك بأن النظام أدرك مبكّرًا أنه لا يحكم إلا بوسائل القوة والقهر وسلوكيات التعسف17، في حين أن وجود باقي المؤسسات الخدمية والمدنية كان احتياجًا وظيفيًا لتأمين الاستمرارية في السلطة. في العقود التي سبقت الربيع العربي، كان جلّ اهتمام أبحاث العلوم الاجتماعية والسياسية في المنطقة العربية منصبًا على أدبيات الانتقال إلى الديمقراطية بديلًامن الاستبداد، ومن ثم كان التركيز على تبيان مكامن الأزمة السياسية وإيضاح مساوئ الاستبداد وإيجابيات الانفتاح أو الدمقرطة، وليس على تقديم نماذج عن التحوّل السياسي من نظام إلى آخر18. ويعلم المنشغل أو المختص في دراسات الانتقال السياسي الغربية (الأميركية والأوروبية) أن هذا الحقل، وحتى اندلاع ثورات الربيع العربي، لم يقدّم تصورات نظرية أو علمية حيال الانتقال السياسي أو التحوّل إلى الديمقراطية في العالم العربي بسبب غياب توجهات الدمقرطة وتماسك الأنظمة الحاكمة في مقاومتها للتحوّل الديمقراطي19، وكانت النتيجة الاهتمام بقدرة الدولة على القيام بوظائفها واستقرار نظام الحكم وتقنيات الحفاظ على السلطة مقابل إهمال مقاربات الانتقال السياسي التي يمكن تطبيقها في السياق العربي20. ويفسر هذا ذهاب العديد من الأبحاث إلى تناول جوانب بنيوية لها علاقة بمقاومة أنظمة الحكم للتغيير مثل الأبوية الجديدة Neopatriarchy21، أو الباتريمونيالية الجديدة بجوانبها المختلفة مثل الزبونية والمحسوبية22. ربما لا يمكن إنكار تأثير الاقتصاد ومستوى المعيشة الجيد في الانتقال السياسي والدمقرطة، وهذا أحد العناصر المركزية في نظرية سيمور
مارتن ليبست23. لكننا نفترض أن الاقتصاد لا يمكن أن يكون العامل الحاسم والمحِّدِد للانتقال السياسي، ولو كان كذلك، لكنّا سَّلَمنا من الآن بفشل عملية الانتقال السياسي في سورية نظرًا إلى الحالة المتردية للاقتصاد والبنية التحتية وقطاع الخدمات. ولهذا السبب، نعتقد أنه من الواقعي أن نركّز على مقاربة تشمل الفاعلين السياسيين والمحاور السياسية في مرحلة الانتقال السياسي، لذا من المهم أن تضمّ حقول السياسة والثقافة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا24. ومن أجل البناء على هذا النموذج، ثمة حاجة إلى تعريفه أو مقاربته منهجيًا، وهو ما يمكن من خلال الاستناد إلى نموذج يضعه الباحث الألماني فولفغانغ ميركل، ويركز فيه على الخطوات التي تقود إلى ترسيخ الديمقراطية. وعلى الرغم من عدم اليقين بالنسبة إلى مآل الانتقال السياسي في سورية، فإنه يمكن الاستفادة من النموذج بسبب طرحه بصورة أفكار عامة من دون تخصيصه لحالة بعينها، ما يجعل إسقاطها على السياق الخاص بسورية ممكنًا. يجعل ميركل تجارب الانتقال السياسي من الأنظمة الشيوعية إلى الديمقراطية في دول شرق أوروبا ووسطها (الموجة الثالثة) مادة لدراسته، حيث طفت على السطح الحاجة إلى إجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية في الوقت نفسه، وهو ما جعل من مقولة "مأزق التزامن"25 عبارة مفتاحية في دراسات الانتقال الخاصة بهذه الحالات. أما بالنسبة إلى ميركل، فكان التحدي في حالات الانتقال السياسي في هذه الدول متمثلًافي تزامن ثلاث عمليات انتقالية، هي أولًاعملية الانتقال السياسي من الاستبداد إلى الانفتاح (الديمقراطية)، وثانيًا عملية الانتقال الاقتصادي لتحسين الأوضاع المعيشية وإصلاح النظام الاقتصادي، وثالثًا عملية الانتقال الخاصة بالدولة التي تشمل النظام السياسي والدولة وطبيعة علاقتها بالمجتمع26. ينطلق ميركل من فكرة "الترسيخ الإيجابي" للديمقراطية في الانتقال السياسي التي يقدّمها جيوفري بريدهام، والتي تتجسد عندما لا تكون الديمقراطية شرعية من منظور النخبة فحسب، وإنما أيضًا عندما تتوافق هذه الديمقراطية مع مواقف المواطنين وقيمهم، ما ينعكس بصيغة إيمان مستقر بشرعية النظام الديمقراطي27. وبناء على هذا الجانب الإيجابي للترسيخ الديمقراطي، يميّز ميركل أربعة مستويات تبدأ في التبلور على نحو متزامن، وتقرر مدى قدرة النظام على تحقيق الانتقال السياسي28: يتعلق المستوى الأول بالترسيخ الدستوري في المؤسسات الدستورية، مثل الرئاسة والحكومة والبرلمان والقضاء ونظام الانتخاب. وُيُنَجَز هذا الترسيخ على المستوى الهيكلي للمؤسسات الدستورية في وقت سابق على باقي المستويات، لأنه يؤثر فيها من خلال المحدّدات المعيارية والهيكلية التي يفرضها. أما المستوى الثاني فهو الترسيخ التمثيلي المتعلق بالتمثيل المناطقي والوظيفي لجماعات المصالح مثل الأحزاب. وتحَّدَد تكتلات القوى المؤثرة، أو الفاعلين، وأفعالها بناء على كيفية ترسيخ المعايير والبنى في المستوى الأول، وكذلك على ملامح المشهد السياسي العام وسلوكيات مجموعات المصالح غير الرسمية التي تشكّل المستوى الثالث في نموذج ميركل. فعلى هذا المستوى الخاص بترسيخ السلوكيات يتحرك الفاعلون غير الرسميين، مثل الجنرالات ورأس المال (القوى المالية) والشركات والحركات الراديكالية التي يراها ميركل قادرة أو قد تمتلك القدرة على وضع فيتو أمام العملية السياسية أو التأثير في مسارها. ويحِّدّد مدى الترسخ في المستويين الأول والثاني نوعية السلوكيات السياسية لهذه القوى من حيث سعيها لتحقيق أهدافها في إطار المعايير والمؤسسات المعَتَمدة أو خارج إطارها. وهنا يؤكد ميركل أنه بمجرد ترسخ المستويات الثلاثة المذكورة، تتوافر "قوة دفع حاسمة لبناء مجتمع مواطنين على أرضية ديمقراطية مستقرة"29. وما إن تترسخ المستويات السابقة الذكر حتى تكون الفرصة متاحة ليترسخ المستوى الرابع؛ أي الترسخ الديمقراطي للثقافة السياسية التي يؤدي فيها المواطنون الدور الأبرز: "ينتهي ترسخ النظام السياسي الديمقراطي إلى تشكّل ثقافة دولة المواطنين أساسًا للديمقراطية"30. وأثبتت تجارب الموجة الثانية من الدمقرطة (مثل حالات ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية) أن الوصول إلى هذا المستوى الرابع قد يستغرق عقودًا وَتَعاقب أجيال. ويجادل ميركل بأنه يمكن اعتبار ترسخ هذا المستوى بمنزلة صمام أمان لبقية المستويات
لمواجهة الأزمات التي قد تنتج من ظروف مختلفة من خارج النظام، وأن شرعية النظام تتعزز هنا بتعزز مقومات الاستقرار. من أهم ميزات نموذج ميركل أنه يجمع عدة جوانب من مقاربات مختلفة في الانتقال السياسي في عملية واحدة مرَّكَبة من مستويات متداخلة. إلا أن إشكالية تطبيقه على الحالة السورية تكمن في أنه يحدّد مساره مسبقًا كونه انتق لًاسياسيًا ديمقراطيًا، في الوقت الذي تسود فيه ضبابية بشأن نوعية الانتقال في سورية. ويدفعنا هذا إلى مراجعة النموذج ومعالجة بعض أفكاره لتتوافق مع ظرفية الحالة السورية. وفقًا لميركل، هناك وجهتان لبوصلة الانتقال السياسي: إما في اتجاه الانفتاح السياسي (الانتقال الديمقراطي)، وإما في اتجاه العودة إلى النظام الاستبدادي. ومع أننا نعترف بواقعية هذين الاحتمالين، فإننا لا نبتغي تأييد أحدهما أو تفنيده على حساب الآخر، بقدر ما أننا نحاول وضع تصور لمجموعة من الأفكار السياسية ذات الأهمية في سياق الانتقال السياسي السوري بأدوات منهجية. يصل ميركل، في نهاية دراسته، إلى نتيجة تقول إن حقل دراسات الانتقال لم ينجح في جعل معالجة العلاقة بين الدولة والديمقراطية محورًا رئيسًا في دراسات تجارب الانتقال، لأنه "من دون توليفة مناسبة من عناصر نظرية تشمل التصرفات والبنيوية والثقافة، لا يمكن أن تكتشف أبحاث التحوّل والانتقال سوى حقائق جزئية في أفضل الأحوال"31. وينتقد ميركل حقيقة أن دراسات الانتقال في دول شرق أوروبا ووسطها في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين ركّزت على نحو مبالغ فيه على الفاعلين، في مقابل تهميش موضوعات الدولة (الفاعلية والقدرة على القيام بوظائفها وغير ذلك) والثقافة (االخصوصيات الاجتماعية مثل.) ويمكننا أن نجادل، على نحو متوافق ضمنيًا مع ميركل، بأنه توجد وجهة ثالثة لبوصلة الانتقال السياسي التي قد تجِّسِد نموذجًا يمكن أن ينطبق على عملية الانتقال السياسي في سورية، في إمكاننا تسميته نموذج البناء السياسي التفاعلي الذي يراعي إمكانيات التفاعل بين مجموعة من العناصر السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، لديها التأثير في التعبير عن مضامين الانتقال. وفي هذا السياق، يمكننا الافتراض أن التركيز على هذا التفاعل في المركّبات يدعم إنتاج ثقافة سياسية جمعية عبر ترسيخ مدارك جديدة بالشأن السياسي وتجلياته المختلفة، وخاصة فيما يتعلق بمفاهيم الدولة والنظام السياسي والدفع في اتجاه تفعيل مفهوَمَي المواطن والمواطنة ليحّل ا محل الرعية وصيغة "الحاكم والمحكوم" التقليدية. ويعني سقوط نظام الأسد بداية حقبة سياسية جديدة على مستوى القوى السياسية، ولعلّه يعني أيضًا تحولًافي نمط الثقافة السياسية من خلال إظهار الناس قابلية لأنماط جديدة من الحياة والتنشئة الاجتماعية وفقًا لكارل دويتش32.
وبخلاف مقاربات الانتقال التي تقتصر في تركيزها على المؤسسات (منهج المؤسسية/ البنيوية) أو على الفاعلين (النخبة على مستوى السياسة، أو رأس المال، أو الانتماء الاجتماعي... إلخ)، يدمج نموذج البناء السياسي التفاعلي الإمكانات التأثيرية للأفراد والجماعات في المعادلة السياسية وقدرتها على التأثير في مسار العملية السياسية الانتقالية. وفي هذا المعنى، يؤكد النموذج أن مفهوم السياسة ليس مقتصرًا على ممارسة السلطة الفعلية لها، وأن من حق أيّ مواطن أن يشارك في عملية بناء الإرادة السياسية، وهو ما ينسجم مع متطلبات الثورة السورية كما عرضنا سابقًا33. ونعتقد أن هذا النموذج في إمكانه الكشف عن العوامل التي قد تقود تحت ظروف معينة نحو إعادة تأهيل حكم تسلطي استبدادي جديد. وبفهمه المبدئي للانتقال السياسي على أنه مرحلة وسيطة بين ما كان عليه الواقع (الماضي) وما ينبغي أن يكون عليه (المستقبل)، تكون هناك فرصة لإبراز عوامل الإخفاق في النظام السابق ومقومات الانفتاح والتغيير السياسي في المستقبل. صحيح أن النموذج يعتمد على التفاعلية داخل المجتمع وبين قوى المجتمع وقوى النخبة، إلا أنه ينظر إلى المجتمع وقواه وطبقاته المختلفة باعتبارها فواعل سياسية،
مع الوعي بوجود تفاوت في المصالح والتطلعات والانحيازات، وهذا بعكس "نموذج القوى الاجتماعية" الذي يركّز على تعريف الفاعلين الجمعيين على أساس طبقي (عمال، فلاحون... إلخ)34. ففي الحالة السورية، ينحو فهمنا للتفاعل الجمعي على أساس الحركية الثورية للمجتمع، بما يعني تحوّلًاداخليًا في المجتمع نفسه، من وضع ساكن غير فاعل إلى ما يمكن مقارنته بنواة لولادة مجتمع مدني مؤثّر في عمليات بناء الإرادة السياسية35. ومن أهم الأسباب التي تبرّر تبنّي هذه الدراسة نموذج البناء السياسي التفاعلي على أساس الثقافة السياسية الجمعية أنه ينأى بنفسه عن تقديم "تفسيرات حتمية"36 مسبقة عن نتائج عملية الانتقال، كما يجعل المجتمع بمداركه المتفاوتة فاعلًاأصيلًافي العملية السياسية، وليس مجرد غرض أو سلعة للتداول السياسي النخبوي. ونعتقد أن هذا المنظور من أهم عناصر التحوّل السياسي داخل المجتمع، وربما حتى أكثر أهمية من إنجاز ديمقراطية إجرائية تعتمد على بعض الخطوات الشكلية مثل الانتخابات من دون أن يوجد ترسيخ فعلي لقيم الديمقراطية في الثقافة الجمعية37. ولا ينبغي أن يُفهم من ذلك أنه تقليل من شأن الديمقراطية أو عزوف عنها، بل إنه يتماشى مع النظر إليها على أنها ليست مجرد قرار سياسي تفرضه السلطة (من أعلى إلى أسفل)، وليست مجرد أداة يمكن استخدامها بحسب الظروف والحاجة، وإنما هي عملية تفاعلية أفقية متواصلة تشمل السلطة والنخبة ومكونات المجتمع وتصبح بمرور الوقت عنصرًا لا يمكن تجاهله في الحياة السياسية38. في ضوء ما تقدّم، يتمثّل الإسهام الملموس لهذه الدراسة في تأكيدها على إعادة مفاهيم سياسية جوهرية، مثل السلطة والدولة والحكم، إلى التداول الجمعي بصفتها مفاهيم وأفكارًا وظواهر اجتماعية تمسّ المجتمع، وليست مفاهيم نخبوية مترفعة عنه. وتتجلى نخبوية هذه المفاهيم في أنها حصيلة لشكل معَّي نمن الممارسة السياسية التي تحتكرها مجموعة معيّنة من الأشخاص تحت سقف "الدولة الأمنية"39. ويبقى أن نشير إلى أن نموذج البناء السياسي التفاعلي لا يدّعي الصحة المطلقة، لكنه يستمد أسبابه من راهنية الحالة السورية وخصوصيات التجربة التاريخية السورية عمومًا، والثورية على وجه التحديد.
ثانيًا: السياقات الواقعية: الثورة ومفاصل الانتقال السياسي
مثّلت سنوات الثورة وإرهاصاتها مرحلة مفصلية في تاريخ سورية، وخلقت معطيات سياسية جديدة أثّرت في نوعية العلاقات الاجتماعية وأنتجت وعيًا جمعيًا جديدًا ركيزته مجموع القيم التي عّب رعنها الحراك الثوري الشعبي. ويعني هذا أن محدّدات الانتقال السياسي مرتبطة بواقَعيَن: واقع ما قبل الثورة، وواقع المرحلة الثورية. وبناء عليه، تتبلور أولويات الانتقال السياسي، أولًا، في معالجة السياسات الاستبدادية للنظام السابق وإدارته الخاطئة للشؤون العامة، وثانيًا، في الانصهار أو التماهي مع الوعي الجمعي المتكوّن خلال الثورة ومحاولة تحويل أفكاره إلى واقع فعليّ معيش. وعلى هذا الأساس، تنشأ الشرعية السياسية للثورة عند القوة أو القوى التي تقود المرحلة الانتقالية، وهي شرعية الأمر الواقع facto De، لكنها مشروطة بالالتزام بمبادئ الثورة وأفكارها وأهدافها (التغيير السياسي)، وهي شرعية غير دائمة لأنها مشروطة بهذا الالتزام. وتوضح هذه النقطة أهمية النظر، ولو باختصار، إلى السياق الثوري في سورية الذي سيمهد الطريق للتعرّف إلى معطيات الانتقال السياسي المعنّي. لا توجد نظرية أو تعريف واحد للثورة، بل تتوافر مجموعة من الأفكار والاجتهادات الفلسفية والسوسيولوجية والسيكولوجية التي تحاول تفسير الثورة باعتبارها ظاهرة سياسية واجتماعية ترفض واقعًا معيّنًا وتطالب بواقع جديد بديل40. فالثورة هي اللحظة التاريخية عندما ترفض مجموعة من الناس/ المواطنين الإدارة السياسية لسلطةٍ ما وتحاول تغييرها. أما أسباب التغيير ونوعه وشكله وأدواته، فهذه تختلف من حالة إلى أخرى. في سورية، كما في بقية ثورات الربيع
العربي، كان الباعث الأساسي للثورة هو رفض الاستبداد وممارسات التضييق على الحريات والمطالبة بالكرامة الإنسانية والحرية والعدل41. فللثورة أسباب أدّت إلى اندلاعها، ومطالب تسعى للوصول إليها. وبسقوط نظام الأسد، أنجزت الثورة أسباب اندلاعها المتمثلة في التخلص من الاستبداد وعنف النظام الحاكم، وهذا هو الجزء الأول من عملية التغيير الذي يكتمل بتحقيق الجزء الثاني؛ أي الجزء الخاص بالأهداف والمطالب القيمية (الحرية والكرامة والمساواة والعدالة وغيرها) التي تتماشى مع مطلب تأسيس دولة مواطنة ودولة قانون جديدة، والتي تشكّل إطارًا عاًّمًا ينبغي مراعاته في الانتقال السياسي. تختلف مقتضيات المرحلة الأولى إلى حد بعيد عن محدّدات المرحلة الثانية. ففي حين تطلّبت المرحلة الأولى مشاركة جماهيرية، كان من الصعب تنظيمها أو تحديد برنامج تَحُّرُكها بدقة، فإنه يُشَتطر في المرحلة الثانية توافر إطار واضح لعملية سياسية ببرنامج عمل يُعِّفرِ معالم التغيير السياسي وآليات تحقيقه، ومن ثمّ يكون العمل في هذه المرحلة منوطًا بمشاركة القوى الثورية والمدنية، في حين يكون دور الجماهير المتابعة والمراقبة بصفتها الرأي العام المؤثّر في العملية الانتقالية بأشكال من المشاركة المباشرة أو غير المباشرة (عبر النقابات أو الجمعيات المدنية أو وسائط التواصل الاجتماعي وغيرها.) ولا يمكن الاستهانة بهذا الدور للجماهير، وهي التي شكّلت قاعدة الثورة42 التي قد تنتفض مجددًا في وجه القوى (النخبة الجديدة) في حال انحرفت عن مسار الأهداف الثورية أو أخفقت في تحقيقها، ولهذا السبب قلنا إن الشرعية الثورية مشروطة وغير دائمة. من هذا المنظور، لا مجال للحكم النهائي على الثورة على أساس سقوط نظام الأسد من دون استمراريتها إلى حين تحقيق الأهداف، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الاستمرارية ليست فيزيائية أو ذات وتيرة واحدة بالضرورة. فإذا كانت الثورة قد حققت المطلب الأول بالتخلص من الاستبداد، فإن القوى الثورية، بصفتها حاملة سياسية للثورة، مطالبة بتحقيق مجموع مطالبها القيمية في عملية الانتقال السياسي. وهكذا، إذًا، تتقاطع الطرق بين الثورة والانتقال السياسي في أكثر من نقطة وهدف، لأن الانتقال السياسي هو جزء لاحق للثورة، لكنه ليس مستقلًاعنها43.
يساعد التأكيد على هذا الترابط بين الثورة والانتقال السياسي في إبراز عناصر التفاعل بين العملية الثورية الشعبية والعملية الانتقالية النخبوية، وفي تحديد الركائز الأساسية في المرحلة الحاسمة من الثورة كونها تنطوي على مزيج من المعايير الأخلاقية والعوامل الواقعية؛ أي إنها مرحلة ترجمة الأفكار المجردة والمفاهيم النظرية إلى معطيات واقعية. ونقصد بذلك أن الثورة ستكتشف في هذه المرحلة ضرورة التصالح مع الأمر الواقع، وذلك عبر خروجها من مستوى القيم والمبادئ المثالية إلى أرض الواقع. ولا يعني هذا تنازل القوى الثورية عن قيمها وأهدافها، بل يعني إدراك أن الثورة ليست المعطى الوحيد في المرحلة الحالية، فهناك قوى داخل الثورة تحاول فرض نفسها، وهناك تأثير القوى الإقليمية والدولية التي لديها مصالح متفاوتة في سورية44، كما تجد القوى الثورية نفسها أمام ضغوط الشارع المحلي بالنظر إلى الوضع المعيشي اليومي الصعب جدًا في ظل انهيار النظام الاقتصادي والبنية التحتية والخدمية على نحو شبه تام. وإذا كان من البديهي الاستنتاج أن الثورة في سورية، كما في بقية دول الربيع العربي، كانت انفجارًا اجتماعيًا ناجمًا عن تراكم
سنوات من الضغط السياسي والاقتصادي والثقافي45، فإننا نعتقد أن من المهم النظر إلى الفرضية التي يطرحها المفكر عزمي بشارة والتي مؤداها أن "خصوصية" الثورة السورية تكمن في المجتمع السوري المركّب دينيًا وطائفيًا وإثنيًا، والتي "أعاقت تبلور هوية وطنية جامعة تسمح بفصل المجتمع عن النظام، والنظام عن الدولة"46. وبما أن مضامين الانتقال السياسي ينبغي أن تكون انعكاسًا للأسباب التي أدت إلى الثورة ومحاولة علاجها بإحداث التغيير بإيجاد نظام سياسي بديل، يمكننا الزعم أن عملية الانتقال السياسي هي فعليًا عملية إصلاح وإعادة تفكير في العلاقة الإشكالية بين مكونات الحياة السياسية الأساسية: الدولة والنظام السياسي والمجتمع.
ثالثًا: مداخل معيارية للحل السياسي
1. الدولة والمؤسسات والمجتمع
عند الحديث عن العلاقة بين الدولة والمجتمع، فإننا نناقش فعليًا موضوع "شرعية الدولة." وبما أن العلاقة بين الدولة والمجتمع تفاعلية متغّيةر بحسب تغّي رالظروف والمعطيات47، فإنه لا يوجد حكم ثابت ونهائي حول شرعية الدولة، فهذه مرتبطة بأداء الدولة ونوعية علاقتها بالمجتمع وقدرتها على إدارة الأزمات إدارة منطقية وعقلانية. وتتعزز هذه الشرعية عندما ترتفع مقبوليتها لدى المجتمع، بشرط ألا يكون ذلك إذعانًا بوسائل القهر48. وفي هذا الاتجاه يذهب عبد الإله بلقزيز، ويجادل بأن الأزمات والنزاعات الأهلية التي تعانيها المجتمعات العربية المعاصرة ناتجة من "هشاشة الدولة وهشاشة المجتمع"49، حيث يؤدي ذلك إلى تحوّل المكونات في المجتمع إلى "مجتمعات عصبوية" متنازعة (مكونات طائفية أو عرقية أو مناطقية)، ويؤكد أن ذلك يُعزى إلى "عجز الدولة نفسها عن توليد دينامية توحيد وتجانس في النسيج الاجتماعي ينشأ عنها ذلك الاندماج الاجتماعي وتتفكك بها الروابط والأطر التقليدية العصبوية"50. إن الدولة هي نتيجة لعملية بناء (بناء الدولة)، تكون مرتبطة بسياقات تاريخية معيّنة قد تساعد مسارها أو تعرقله. وربما يصعب تفنيد القول إن الثورة في سورية كانت ضد نظام الحكم وممارساته في المقام الأول، وليست ضد الدولة. ويجادل بشارة بأن ثورات الربيع العربي دلّت في المقام الأول على أزمة أنظمة الحكم في الدول المعنية، وأن "تفاقم تداخل الشروخ الاجتماعية مع السياسية" في ظل هذه الأزمة أحدث أزمة الدولة51. وهنا نتفق مع بشارة في هذا الطرح الذي يتضمن في الوقت ذاته انتقادًا للدولة المفتقرة إلى المناعة الكافية لحماية نفسها من الوقوع تحت سيطرة السلطة الحاكمة. توقفت عملية بناء الدولة في سورية مع وصول نظام البعث وحافظ الأسد إلى السلطة والنجاح في تجميد الحياة السياسية على نحو شبه تام52، حيث أصبحت ممارسة السياسة حكرًا على جماعة تمثّل أيديولوجيا واحدة وحزبًا واحدًا وموقفًا واحدًا؛ فحزب البعث السوري تمدد على نحو واسع وسريع إلى درجة أنه أصبح أكبر من الدولة وفقًا لجلال السيد المنشق عنه، والذي رأى أن هذه الشمولية للحزب الواحد خدّاعة لأن الأعداد الكبيرة من المنضمين إليه بعد أن أصبح دولة لم يؤمنوا بفكرته ومبادئه، وأن تحزّبهم يعود إلى أهداف تخدم مصالحهم الشخصية53. والحقيقة أن شمولية الحزب أصبحت أوسع من بعد صدور كتاب السيد، والمعطيات الواقعية تدلّ على أن الشمولية الفعلية كانت للجماعة الحاكمة، وليس للحزب الذي استخدمته الجماعة أداة لتبرير وجودها54. هكذا، توقفت عملية بناء الدولة وتوّل ىنظام الحكم المهمات المنوطة بها كافة، ونَّفَذها بما يخدم أهدافه ومشروعه المقتصر على السعي للاستمرارية في السلطة. وبما أن الدولة لم تعد موجودة في أعين الشعب إلا مفهومًا مجردًا ومرتبطًا عضويًا بالمنظومة الحاكمة، فقد كان من الطبيعي أن تتقوض أسس الولاء الشعبي للدولة والسلطة، ومن ثم انهيار شرعيتها. والدولة، سواء أكانت ديمقراطية أم تسلطية،
لا يمكنها الاستمرار من دون درجة معيّنة من الشرعية السياسية55. وتقودنا هذه النقطة إلى الاستنتاج أن أحد أهم جوانب (إعادة) بناء الدولة في سورية هو إعادة تأهيل جانبها القيمي لإعادة شرعيتها من خلال إعادة بناء ترابطها مع المجتمع وبناء الثقة المجتمعية بها وقدراتها ووظائفها وتماسكها. لو اقتصرت الغاية على وضع معيار لتقييم نجاح العملية السياسية الانتقالية في سورية، فربما لن تنحرف حصيلة أيّ تحليل عن التأكيد على إعادة بناء الدولة السورية بمقاييس جديدة؛ أي بتقوية رابطتها مع المجتمع56. فإذا كان الحصول على طاعة المحكومين وولائهم لسلطة الدولة هو المقياس الأهم لشرعيتها، فإن ذلك لا يكون إلا بقياس نوعية التفاعل بينهما. وُتُقاس هذه الشرعية ضمن مجموع العامة ومراعاتها لمنظومة القيم الأخلاقية السائدة سياقاتها، ولا تقتصر على الإجراءات من جانب السلطة أو على سردياتها57. وإذا كان حكم الدكتاتورية عائقًا أمام تطوير علاقة الدولة بالمجتمع، فإنه يمكن النظر إلى سقوط نظام الأسد على أنه نقطة تحوّل في إمكانية تحديث الدولة وتحويلها من دولة تقليدية سلطوية وهرمية نخبوية إلى دولة حديثة تفسح المجال لأكبر قدر ممكن من المشاركة السياسية للمجتمع، وتعمل على "تطوير مؤسسات سياسية جديدة، كالأحزاب السياسية، لتنظيم تلك المشاركة"58. ثمة مهمات وواجبات ثابتة للدولة الحديثة تجاه المجتمع تكتسب اعترافًا واسعًا في الأدبيات السياسية والفكرية النظرية، من أهمها الحفاظ على الأمن العام وضمان حماية أبناء المجتمع. ففي علم الاجتماع السياسي، يشترط ذلك قدرة الدولة على "احتكار الاستخدام الشرعي للعنف الجسدي" كما عّب رعنها ماكس فيبر59، والتي تعني قدرة الدولة على إنفاذ سلطتها. فالدولة هي الجهة الشرعية الوحيدة المخوّلة بضبط الأمن العام، وحماية المجتمع من التهديدات، وحماية المرافق والخدمات العامة. ومن الواضح أن هذا التعريف للدولة هو تعريف لأدواتها، وليس تعريفًا مفاهيميًا، لكنه مهمّ خاصة بالنظر إلى راهنية الحالة السورية. لا يمكن أن تتنبّأ هذه الدراسة بالمآلات والاحتمالات لنجاح السلطة الجديدة أو فشلها في حصر السلاح في يد الدولة ودمج جميع القوى والفصائل تحت مظلة مؤسسة عسكرية وطنية؛ فهذا مرتبط بمتغيرات وعوامل واقعية عديدة. إلا أن ما لا يمكن تجنّبه هو الحديث عن جوانب مفاهيمية خاصة بنطاق تأثير المؤسسة العسكرية والأمنية في رسم شكل العلاقة ونوعها بين الدولة والمجتمع. فالحديث عن المؤسسة العسكرية والأمنية لا يقتصر على إعادة هيكلتها فحسب، بل أيضًا على معالجة علاقتها بالشأن السياسي وتفكيك عقيدتها الأيديولوجية (البعثية.) فمنذ استقلال سورية، أدى الجيش دورًا حاسمًافي الصراعات السياسية الداخلية، لكنّ التطور الأبرز لدوره كان مع انقلاب حافظ الأسد عام 1970 الذي حوّل سورية إلى نظام عسكري بحت، وحوّل المؤسسة من خلال سياسة منح الامتيازات لكبار الضباط إلى جهاز مؤدلج مهمته حماية مصالح نظام الحكم، وليس مصالح الدولة الوطنية60. وبتحويل المؤسسة العسكرية إلى مجرد أداة قمع في يد النظام، لم يقتصر تخريبها على جعلها عنصرًا جوهريًا في الحفاظ على استمرارية نظام الأسد، بل أيضًا بتحويلها إلى جبهة معادية لتطلعات الشعب، وكانت التطورات منذ عام 2011 حتى سقوط النظام نهاية عام 2024 شاهدة على ذلك. يتطلب الإصلاح المستدام للمؤسسة العسكرية والأمنية أن يكون ناتجًا من عملية إصلاح شاملة لمؤسسات الدولة من خلال تشريعات قانونية ملِزِمة تؤطر مهمات المؤسسة وصلاحياتها وطبيعة علاقتها بالمؤسسة السياسية والمجال العام؛ أي إن الإصلاح ينبغي أن يكون مقَّنَنًا ومعَلَنًا للمجتمع حتى يأخذ طابعًا قيميًا، لا أن يكون مجرد قانون شكلي يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه بقانون جديد من قبيل قوانين الطوارئ ومحاربة الإرهاب. وبهذه الطريقة، يمكن أن يصبح الموقف الرافض للانقلابات العسكرية ولتدخّل المخابرات في الشأن السياسي والمجتمعي عرفًا سياسيًا واجتماعيًا راسخًا بوصفه مبدأ من مبادئ العقد الاجتماعي. فبعد سلسلة من الانقلابات العسكرية والحكم العسكري البوليسي الذي كان سببًا مباشرًا فيما وصلت إليه سورية، كما يؤكد غسان سلامة قبل سنوات من اندلاع الثورة61، يمكننا الافتراض، وبالاتفاق مع بشارة، أن نجاح العملية السياسية
الانتقالية مرهون بالقدرة على وضع حد لتسلّط المؤسسة العسكرية على الدولة والمجتمع وكامل المجال السياسي62. في هذا السياق، يمكننا المجادلة بأن مبدأ الاحتكار الشرعي لاستخدام العنف في نظرية الدولة ليس إجراءً ماديًا فحسب، بل هو إجراء معياري أيضًا من حيث إنه يتطلب اعترافًا من نسبة واسعة من المجتمع بشرعية السلطة العاملة باسم الدولة. وهو اعتراف معياري أخلاقي، لأنه ينطوي على ضمان الأمن والتعايش الأهلي في المجتمع طالما أنه نابع من مقبولية اجتماعية63 مستندة إلى التزام السلطة بحماية مجموع القيم والأعراف المتعارف عليها في المجتمع، وبضمانها حقوق المواطنين السياسية والاجتماعية والثقافية، وبسعيها لتحسين أوضاعهم المعيشية بتفعيل العدالة الاجتماعية. وبناء عليه، لا تتأتى شرعية المقبولية هذه بأدوات القوة والإكراه كما كان عليه الحال في نظام الأسد الذي فرض سيطرته على المجتمع والدولة بوسائل الترهيب والاعتقال وتصفية كل من يعارضه، وكانت النتيجة أن الاستقرار الذي لطالما تباهى به كان استقرارًا شكليًا، يبدو من الخارج قويًا، لكنه خاٍوٍ في جوهره64. ربما من المفيد القول إن فرض السلطة من دون مقبولية شعبية غير ممكن في سورية ما بعد الأسد؛ فذلك سيعني تأسيس سلطة أمر واقع مشابهة لتلك التي رسّخها نظام الأسد، في حين أن المقبولية الشعبية تعني منح السلطة صبغة من الشرعية، تتكامل من جانب المجتمع مع الشرعية القانونية أو الدستورية التي تؤطر السياسات والسلوكيات للسلطة الجديدة. وفي المرحلة ما بعد الثورية، تستمد هذه الشرعية، ببعَدَيها الشعبي (المقبولية) والإجرائي (الدستور)، قوّتها الذاتية من متطلبات الثورة السياسية والاجتماعية الهادفة إلى تحقيق التغيير في العلاقة بين الدولة والمجتمع عبر تحويل الدولة إلى حامية للحقوق وراعية لمصالح المواطنين وضامنة للأمن وحافظة للقيم الاجتماعية والثقافية، وهو ما يمكن تسميته بمتطلبات الشرعية الثورية على مستوى الدولة. ويعني ذلك تجسيد الدولة للقوة السيادية المنظّمة للعلاقة بين الحاكمين والمحكومين على أساس صيغة تعاقدية منصوص عليها في الدستور ومنسجمة مع مجموع الأعراف والقيم الاجتماعية والأخلاقية والثقافية في المجتمع السوري. يمثّل هذا الجانب التعاقدي في فهم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وجانب منها هو الاحتكار الشرعي لاستخدام العنف الجسدي، إحدى أهم سمات التمايز بين الدولة الحديثة والدولة ما قبل الحديثة Premodern State القائمة على فكرة أن الأقوى هو الذي يفرض النظام على من هم أضعف منه65. وتختلف التعريفات حول "الشرعية" ومصادرها، كما تختلف السياقات التاريخية لكل حالة66، لكن ما ينبغي التشديد عليه في الحالة السورية أنّ المجتمع فرض نفسه طرفًا حاسمًافي الحكم على شرعية الدولة والسلطة، وهذا مؤشر حاسم في مسار التخلص من الحكم التسلطي، لأن من السمات البارزة في أيّ حكم تسلطي أو دكتاتوري أنه يفرض شرعيته على المجتمع بالقوة والقهر أو غيرهما من الوسائل من دون أن تُؤخذ المقبولية الناجمة عن إرادة شعبية فعليّة في الاعتبار. وفي قضايا الدولة ومسؤوليتها عن تنظيم الشؤون الاجتماعية والعلاقة بين السلطة والمجتمع، تبرز مسألة أخرى لا تقل تعقيدًا عن تأطير وظائف المؤسسة العسكرية وصلاحياتها، وهي متصلة بتعريف شكل الدولة، وخاصة بالنظر إلى مسألة دينية الدولة أو علمانيتها؛ وهي مسألة جدلية في مختلف السياقات العربية والإسلامية عمومًا. لكّن أهميتها في الحالة السورية67 تنبع من الصيرورة التاريخية السورية في العقود الأخيرة، نظرًا إلى هيمنة نظام الأسد على مفاصل الدولة وقوى المجتمع معًا. ونقصد بذلك أهمية مراعاة جانبين: الأول أن نظام الأسد استخدم ما يمكننا تسميته الفهم المتطرف للعلمانية للقضاء على خصومه الإسلاميين، كما استخدم العلمانية سرديةً لحماية الأقليات الدينية من "تطرف" الأكثرية (الإسلامية.) أما الجانب الثاني فيرتبط بالفرضية القائلة إن تنامي التوجهات الإسلامية في العقود الماضية في سورية نتج من تسييس نظام الأسد للعلمانية ضد المكوّن الإسلامي، حيث تماشى تصاعد الموقف الإسلامي مع تنامي الوعي لدى القوى الإسلامية بقيادة النظام لسياسة ممنهجة ضد المكوّن الإسلامي الُّسّنّي، خاصة منذ الصدام مع الإخوان المسلمين في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن العشرين، والذي لم تقتصر نتيجته على قمع الحركة الإسلامية68، بل إن النظام استخدم
الأحداث مِبّرِرًا لمزيد من الكبت والقهر في الحياة اليومية. وأدى ذلك إلى تدخله في كل تفاصيل الحياة الإسلامية وحدّد مفاصلها ولم يترك أيّ هامش للاستقلالية الدينية في اتخاذ القرارات حتى إن كانت على مستوى العبادات الإسلامية والشعائر اليومية، وهو ما أحدث شرخًا في النظام الاجتماعي. وفي نهاية المطاف، مارس النظام شكلًامن العلمانية المتطرفة والمعادية للدين؛ أي إن العلمانية لم تُعُد هنا صيغة ناظمة للعلاقة بين السياسة والدين، بل أيديولوجيا للدولة ضد الدين. إذا أخذنا المسألة من المنظور السوسيولوجي الواقعي، يمكننا القول إن هذه السياسة لم تكن "علمانية" بالمعنى الفلسفي والمعرفي للمصطلح، بل كانت علمانية "مزيّفة" و"قمعية"69 غرضها تبرير النهج القمعي العام الذي مارسه النظام منذ البداية ضد مختلف القوى السياسية والمكونات الاجتماعية. فالعلمانية مفهومًا تحاول تنظيم العلاقة بين السياسة والدين بوصف الأخير جزءًا أساسيًا من ثقافة المجتمع، ولا تعني معاداته أو منع المتدينين من المشاركة السياسية، ويجري هذا التنظيم تحت سقف الدولة التي تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان والطوائف والمعتقدات وتضمن ممارسة الشعائر الدينية بحرّية، وأيّ خلل في موقف الدولة يعني عدم حياديتها وانحيازها إلى طائفة ضد أخرى، وهذا يقود إلى الدولة الطائفية وليس إلى الدولة المواطنية. ولم يشفع لنظام الأسد استقطابه بعض علماء الدين المنسجمين مع سياساته لإصلاح العلاقة مع المجتمع، لأنه وضع نفسه في موقع المعادي للمجتمع المسلم عمومًا، مستخدمًا العلمانية أداةً لتبرير سلوكه. ومن خلال هذه النقطة، نستنتج أن هذه الممارسة الإشكالية لهذا الشكل من العلمانية مؤشر إضافي على إشكالية المؤسسة السياسية في حد ذاتها. لا تهدف هذه الدراسة إلى تحديد الموقف من العلمانية أو الإسلامية في سورية المستقبل، لكن ينبغي التركيز على أن ذلك يتطلب نقاشًا عاًّمًا مفتوحًا يشارك فيه الجميع من حقول السياسة والعلوم والإعلام وغيرها. ومع الإدراك أن الوصول إلى توافق شعبي تام على هذه القضية يمكن اعتباره مثاليًا وشبه مستحيل، إلا أن معالجتها مرتبطة بمعالجة قضية الدولة نفسها؛ فالوصول إلى دولة مرتكزة على قيم الحرية والكرامة والعدل والمساواة هو مشروع سياسي لا يتناقض مع مبادئ العلمانية أو مع القيم الدينية. ومن هنا، فإنه من غير المجدي حصر الأدبيات السياسية بين مفهوَمَي العلمانية والدينية، لأن وجود الدولة المنبثقة من الإرادة الشعبية الحرة، دولة القانون والعدل، يختزل المفهوَميَن ويحتويهما في الوقت نفسه.
2. مقتضيات إصلاح المؤسسة السياسية
كما أشرنا مسبقًا، يمكن الافتراض أن السبب الذي فاقم الأزمة السياسية في سورية في ظل حكم نظام الأسد الأب والابن هو ذاك النوع من التسلّط الذي جعل الدولة أداةً في يد السلطة؛ أي إنه فكّك الدولة وجعلها تابعةً له وخادمة لسردياته، فُأ فرغت من محتواها الاجتماعي والقيمي، في الوقت الذي بقي فيه المجتمع محرومًا من الدولة والسياسة. لقد ادّعى نظام الأسد دائمًا أنه حريص على بناء الدولة، لكنه أضعفها بتحويلها إلى سلطة قاهرة، وفكّك نسيجها الاجتماعي. وقد ظهرت الدولة التسلطية في حكمه بهذا "التوحش"70؛ بسبب انفصالها عن المجتمع، فطالبته بالولاء والطاعة من دون أن تقدّم له أيّ حقوق في المواطنة والمشاركة السياسية والتفاعلية الإنسانية. فالدولة تكون ذات سلطة مطلقة عندما تِحلّ نفسها من التزاماتها تجاه المجتمع، وتكون ذات سلطة مقَّيَدة عندما تتشابك معه71. وقد كان من الطبيعي أن تؤدي الشمولية إلى إنهاء أيّ شكل من أشكال "المجتمع المدني" الذي يُنظر إليه بوصفه أحد أهم عوامل نجاح الديمقراطية72. تتضمن هذه المقولة دلالة على ضعف شديد للدولة مقابل قوة كبيرة لنظام الحكم Regime الذي لم يكن ليحوزها إلا بإضعاف الدولة ومؤسساتها وسلطتها القانونية. وقد أشرنا سابقًا إلى وجود تمايز مفاهيمي بين الدولة والنظام السياسي؛ فالدولة هي المستوى التنظيمي الأعلى الذي يشمل النظام السياسي وعلاقته بالمجتمع من خلال المؤسسات المختلفة. أما النظام السياسي فهو الشكل الملموس من السلطة أو الحكم الذي يحاول أن يعّب رعن هذه الدولة
ويعكس قيمها نحو الداخل (في العلاقة مع المجتمع) ونحو الخارج (في العلاقات مع الدول والمنظمات وغير ذلك)73. فإذا كان مفهوم الدولة مرتبطًا بعناصر محدّدة، مثل المنطقة الجغرافية والشعب والسيادة والاحتكار الشرعي للقوة، فإن النظام السياسي يعّب رعن مجموع المؤسسات والفاعلين والمعايير التي ترسم ملامح صنع القرار السيادي وصياغة الخطاب السياسي الرسمي. فالدولة ذات ديمومة أطول، بينما النظام السياسي قد يتغّي ر وفقًا للسياقات المختلفة. ويؤكد هذا الطرح وجود ترابط متين بينهما، مع عدم تطابقهما. ففي حين أن الدولة تُبَنَى أو تُهَدَم أو يَُعَاد بناء مفهومها ليتناسب مع معطيات واقعية جديدة، فإن النظام السياسي في الدولة هو الذي يتعرض للتغيير والإصلاح. يحدث التوتر عادةً عندما يخرج النظام عن مسار القيم المتعارف عليها في الدولة والمجتمع، وهو ما حدث في الحالة السورية عندما أوقف النظام عملية استكمال بناء الدولة وعكس العلاقة الطبيعية بتحويله الدولة إلى مفهوم يعّب رعنه وعن أيديولوجيته البعثية. وبهذه الصورة، انتهى وجود الدولة الوطنية بمعناها المتعارف عليه باعتبارها تأطيرًا قانونيًا وتعاقديًا للعلاقة بين الحاكم والمحكوم على أسس المواطنة والعيش الكريم، وتحولت إلى شكل دولة مملوكة لجماعة سياسية Political Regime قاهرة للدولة والمجتمع. وبسقوط نظام الأسد، تقابل ضرورة بناء الدولة وإصلاحها الحاجة الملحّة إلى إصلاح النظام السياسي، وهنا يبرز السؤال حول المفاصل البنيوية والمفاهيمية في النظام السياسي التي ينبغي أن تخضع لعملية الإصلاح أو التغيير. وبما أن الكلام عن انتقال سياسي نتيجةً لحراك ثوري هدف إلى تحقيق مطالب شعبية في إصلاح المؤسسة السياسية وبناء منظومة قيمية جديدة، فمن المنطقي الافتراض أن سورية مقبلة على تغيير جذري في النظام السياسي يشمل الشكل والمضمون. وسنحاول فيما يلي التركيز على بعض القضايا التي نعتقد أن من المهم مراعاتها في العملية الانتقالية. المسألة الأولى هي شكل النظام السياسي. نظريًا، يبدو أن النظام السياسي في حكم الأسد شبه رئاسي؛ إذ إنه تضمّن عناصر من نظاَمَي الحكم الرئاسي والبرلماني، وينبغي أن تنال الحكومة التي تتشكّل ثقة الرئيس ومجلس الشعب (البرلمان.) أما فعلًّيًا، فهو نظام سياسي شمولي؛ نظام الرجل الواحد والحزب الواحد. وقد أدى هذا التناقض بين الشكل النظري والتجسيد العملي إلى فجوة داخل النظام الذي تجاوزها بمنهجية الشمولية الدكتاتورية التي أسكتت كل الأفواه التي قد تجرؤ على البوح بهذا الَعَور الذي يمكن معاينته في مؤسسات فروع الحكومة الثلاثة: القضائية والتشريعية والتنفيذية. والقاسم المشترك الأوسع في آليات عمل هذه المؤسسات هو عدم استقلاليتها وتبعيتها التامة لقرار مركزي تصوغه قيادة نظام الحكم. وتشكل هذه "اللامؤسساتية"، المتنكرة بتنظيم بيروقراطي غير فاعل، تحدّيًا أمام السلطة الجديدة يتعلق بقدرتها على بناء منظومة مؤسساتية وأجهزة إدارية تعمل وفقًا لضوابط وقواعد قانونية تستمد شرعيتها من أنها تعكس تطلعات فئات المجتمع المختلفة إلى العدالة الاجتماعية وصون الكرامة الإنسانية وتحقيق الرفاهية، وتعالج معوقات الوصول إلى هذه التطلعات. من هذا المنظور، تتعلق المسألة الثانية بفكرة أن مهمّة القيادة السورية الجديدة لا تقتصر على إصلاح النظام السياسي والمؤسسات والجهاز البيروقراطي، بل تمتد لتشمل ضرورة مواكبة الوعي الجمعي بخطاب سياسي حديث ومعاصر ومتناسب مع معطيات الواقع ومتطلبات الفئات الاجتماعية، ويكون ذلك بإصلاح الجوهر السياسي للنظام من خلال إنهاء حالة الاغتراب مع المواطنين، ودعم التفاعل بين القوى السياسية والمجتمع74. ويشترط الوصول إلى هذه الحالة تهيئة بيئة سليمة للعمل السياسي، وهذا يستلزم بناء أواصر الثقة المتبادلة بين النظام السياسي والشعب، بحيث تعمل القيادة الجديدة على إيجاد صيغة من نظام سياسي جديد تستوعب المجتمع وقواه ومكوناته واختلافاته، وتعزز المشاركة السياسية الحقيقية في الانتخابات والعمل ضمن الأحزاب والنقابات، وتفسح المجال أمامها في المشاركة في بناء الإرادة السياسية. وبناء عليه، فإن ما تعيشه سورية منذ بداية الثورة عام 2011 هو تحوّل جذري في الوعي السياسي الذي قاد إلى تكوين علاقات قوى جديدة لن تنتهي بسقوط النظام، بل من المتوقع أنها ستتطور في أفكارها وستكون قادرة على التكيّف مع المعطيات الواقعية الجديدة. في جميع الأفكار المذكورة بخصوص المجتمع وعلاقته بالمؤسسة السياسية، ننطلق من أننا لا نعتقد أن المجتمع عبارة عن علاقات تبادلية بين الأشخاص، بل هناك حاجة إلى الحفاظ على تفاعلية أفراد
المجتمع من خلال الممارسة المستمرة للاعتراف المتبادل والقدرة على التنسيق بينهم، ولا يعمل المجتمع بمجرد وجود صيغة تعاقدية غير مرئية بمعنى عقد اجتماعي75 مجرد، بل يعمل عندما يجري تفعيل مضامين التعاقد ومعايشته بصورة يومية واقعية وملموسة. فهناك ضرورة للتفكّر بمعايير عقلانية تشرح سبب توجّه الأفراد في المجتمع الواحد نحو التوافق مع القواعد والأعراف والمعايير، على الرغم من الرفض الداخلي أحيانًا. وبصرف النظر عن درجة التوافق أو الاختلاف بين أفراد المجتمع، لا يكون تنظيم العلاقات بينهم إلا بوجود قانون الحقوق الذي يوحّد الطريق ويرسم الحدود بين حرية الفرد والآخر. ومن خلال هذه العقلانية الحقوقية، يتولد إدراك مفاده أن التعاملات الاجتماعية ترتكز على الوعي بحتمية التعايش، وليس على الإكراه المفروض من قوةٍ ما. تقودنا هذه الحيثية إلى إبراز المسألة الثالثة المتصلة بآليات تكوين الإرادة السياسية أو بنائها على المستوى الوطني، وهي مسألة مرتبطة بالمؤسسات التمثيلية (البرلمان) ونفاذ التشريعات القانونية (مثل قانون المطبوعات وحرية النشر وقانون الأحزاب)، إضافةً طبعًا إلى قنوات التواصل بين السلطة والمجتمع (الرأي العام.) ومن أجل استيعاب القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية الناشئة، ينبغي إعادة هيكلة البرلمان76 وصلاحياته؛ ليكون هيئة وطنية تمثّل هذه القوى وأطياف المجتمع السوري من دون إقصاء. ومن المهم أن يؤدي البرلمان دورًا مركزيًا في صنع القرار الوطني السيادي وممارسة الرقابة على عمل المؤسسات المختلفة. وحتى لا يكون البرلمان عرضة للمحاصصات الخارجة عن الإرادة الوطنية، فإن هذا يستلزم ضمان التعددية السياسية عبر قانون جديد للأحزاب. ومن المؤكد أن الوصول إلى هذه المرحلة سيستغرق وقتًا بسبب "التصحّر" الذي أصاب الحياة السياسية السورية منذ الوحدة مع مصر عام 1958 ومنع الأحزاب، قبل أن يأتي حزب البعث ليكون الحزب القائد للدولة والمجتمع، في حين اجتمعت عدة أحزاب تحت سقف الجبهة الوطنية التقدمية لتصبح أحزابًا تابعة Ploc Parties من دون أيّ تأثير في صنع القرار السياسي77.
خاتمة
حاولت الدراسة إلقاء الضوء على محدّدات الانتقال السياسي في سورية في سياقها الواقعي المتمثل في الحراك الثوري ضد نظام الأسد الشمولي. ولا يمكن التنبؤ بشكل هذا الانتقال ومضامينه واتجاهاته، أو إعطاء إجابة نهائية عن ذلك كلّه، لأنه مرتبط بمعطيات الأمر الواقع وتحولاته. لذلك، انتهجت الدراسة مسار طرح أفكار نظرية ومعيارية من خلال قراءة تحليلية لخصوصيات الحالة السورية، وهذا انطلاقًا من فكرة أنّ تكوين أساس قويّ لنظام اجتماعي شامل وحامل للقيم والمبادئ السياسية والثقافية والاجتماعية الأساسية يسير بالتوازي مع العمل على إعادة تعريف المجال السياسي السوري بشقّيه المفاهيمي النظري والواقعي العملي. واستنادًا إلى أفكار نموذج الانتقال للباحث فولفغانغ ميركل، بهدف المساعدة في التعرّف المبدئي إلى الاتجاهات الممكنة نظريًا للانتقال في الحالة السورية، جرى تطوير نموذج البناء السياسي التفاعلي المتناسب مع مقتضيات هذه الحالة، والذي يعكس مفهوم السياسة على أنها مجال من التفاعل المستمر بين القوى والمؤسسات والمجتمع، الأمر الذي يساعد في معالجة المكامن الإشكالية في العلاقة بين العناصر المكوّنة للمجال السياسي: الدولة والنظام السياسي والمجتمع. وتصل الدراسة إلى نتيجة مفادها أن عملية الانتقال السياسي ينبغي أن تمرّ عبر إصلاح العلاقة الإشكالية بين هذه العناصر بتطوير سياسات تعيد بناء المجال السياسي بإعادة بناء العلاقة التفاعلية بين العناصر الثلاثة، ما يمكن أن يؤدي إلى الوصول إلى دولة مواطنة ومجتمع مواطنين. لهذا السبب، ركّزت الدراسة على أهمية استكمال بناء الدولة والنظام السياسي على قاعدة مبادئ الثورة ومنظومة القيم المعترف بها اجتماعيًا. وقد يشكّل هذا الإصلاح الجذري للمؤسسة السياسية والنظام الاجتماعي منطلقًا لتطوير آليات ديمقراطية مستقبلية، في حين أنه يصعب تحقيق الانتقال الديمقراطي المباشر من دون بناء الدولة وتفعيل المواطنة: "من دون دولة لا يمكن أن تكون هناك مواطنة، ومن دون مواطنة لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية"78. وجادلت الدراسة، بتناولها مجموعة من السياقات والافتراضات، بأن الجمود الذي أصاب النظام السياسي في سورية، بسبب حرمان المجتمع من المشاركة السياسية واحتكار القيادة العليا للعمل السياسي في النظام الحاكم، يفسر التناقض بين النظرية والواقع؛
أي بين ما هو نظري بالنسبة إلى النظام السياسي وآليات عمله، وما هو عليه الواقع من حال بالنسبة إلى هيمنة التعسّف والإجراءات غير المستندة إلى القانون، إضافةً إلى الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان. وترتّب على ذلك وصول النظام الحاكم إلى مأزق لم يستطع الخروج منه، وهو أن المتغيرات الحاصلة، بوصفها نتيجة طبيعية للتحولات في العلاقات الاجتماعية، أدت إلى تبلور وعي سياسي على مستوى الأفراد والمجتمع تجاوز مستوى وعي النظام المتحِّجِر الذي فصل نفسه عن المجتمع، ومن ثمّ لم يكن قادرًا على استيعاب توسّع الفجوة في الوعي بينه وبين المجتمع، فكانت النتيجة الطبيعية الوصول إلى الحالة الثورية. نجح نظام الأسد في تحويل الدولة ومؤسساتها إلى مجرد أداة سخّرها لتحقيق مصالحه السلطوية التي كرّست إهمال حقوق المواطنين وحرمانهم من الحريات والمشاركة في صنع القرار. وكانت هذه مقدّمات ظلت تتراكم حتى أدت إلى اندلاع الثورة التي خلقت واقعًا جديدًا مع منظومة جديدة من القيم السياسية. وفي ظل التمزق الذي تعانيه الدولة والمجتمع، هناك حاجة ملحّة إلى بناء الدولة وإعادة تجميع المجتمع من خلال أفكار جديدة تعزز الهوية السورية. ويعني هذا أنّ بناء الدولة ونظامها السياسي مرتبط بالالتزام بمبادئ الثورة لخلق شكل جديد من أشكال التعايش الجمعي، وذلك بمعالجة عقلانية للظروف والعوامل من الماضي عبر إجراء مراجعة دقيقة لأخطاء النظام السابق، وخاصة تجاهله لعمق الصراع الاجتماعي ومستوياته المختلفة (سياسي، طبقي، إثني... إلخ.) وبناء على هذه الأفكار والمحاجّات، وصلت الدراسة إلى نتيجة مفادها أن إصلاح الدولة وعلاقتها بالمجتمع، بمختلف قواه ومكوناته، من خلال بناء قنوات وصل جديدة تُنهي حالة الاغتراب السياسي التي كرّسها نظام الأسد، يُعدّ من أهم مقتضيات عملية الانتقال السياسي باعتبار ذلك القاعدة لإعادة بناء المجال السياسي برمّته، ومن ثمّ بناء دولة القانون والمواطنة والمجتمع التفاعلي.
المراجع
العربية
إبراهيم، سعد الدين [وآخرون.] المجتمع والدولة في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1988 الأتاسي، كريم. سوريا: قوة الفكرة، المشروع الوطني والهندسات الدستورية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2022 المجتمع المدني: دراسة نقدية بشارة، عزمي.. ط 6. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012.________ سورية: درب الآلام نحو الحرية، محاولة في التاريخ الراهن. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 في الثورة والقابلية للثورة.________. ط 3. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016.________ الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 الدولة العربية. بحث في المنشأ والمسار.________. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2024 بلقزيز، عبد الإله. المجتمع والدولة: جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2008 بين الرشاد والتيه بن نبي، مالك.. دمشق: دار الفكر،.1978 العلمانية المزَّيَفة. ترجمة عبد الله بوبيرو، جون. المتوكل. مراجعة محمد الحاج سالم. بيروت: مركز نهوض للدراسات والنشر،.2020 "تحديات المرحلة الانتقالية في سورية وآفاقها." تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات..2024/12/12 فh يttps://acr.ps/1L9zRJx: تيوريل، يان. محدّدات التحول الديمقراطي: تفسير تغّي ر أنظمة الحكم في العالم)2006-1972(. ترجمة خليل الحاج صالح. مراجعة عمر سليم التل. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019
حنا، عبد الله. صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سورية القرن العشرين وأجواؤها الاجتماعية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018._________ صور من حياة مجتمعات سورية القرن العشرين. جمعها الدارسون في المعهد النقابي بدمشق. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 الخاني، عبد الله فكري. سورية بين الديمقراطية والحكم الفردي: سنوات في الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية (عشر) 1958 - 1948. بيروت: دار النفائس،.2004 خضور، خضر. "القوة في الضعف: قدرة الجيش السوري العَرَضية على الصمود." مركز كارنيغي للشرق الأوسط..2016/3/14 فh يttps://acr.ps/1L9zS36: الإسلام السياسي في سوريا زيادة، رضوان.. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.2008 المجتمع والدولة في المشرق العربي سلامة، غسان.. ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999.]1987[الدولة المتوحشة سورا، ميشيل.. ترجمة أمل سارة ومارك بيالو. تقديم برهان غليون وجون كيبل. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2017 حزب البعث العربي السيد، جلال.. بيروت: دار النهار للنشر،.1973 الدولة العربية: معضلات التشكّل المتأخر صولي، أدهم.. ترجمة مجد أبو عامر ويارا نصار. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2024 عبد الله، ثناء فؤاد. آليات التغيير الديمقراطي في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1997 المحنة العربية: الدولة ضد الأمة غليون، برهان.. ط 4. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015.________َعَطَب الذات: وقائع ثورة لم كتتمل، سورية –2011 2012. ط 2. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2020 تدمير وطن: الحرب الأهلية في سوريا فان دام، نيقولاس.. بيروت: دار جنى تامر للدراسات والنشر،.2018 قبلان، مروان. "الثورة والصراع على سورية: تداعيات الفشل في إدارة سياسات عربية لعبة التوازنات الإقليمية.". مج 4، العدد 18 (كانون الثاني/ يناير.)2016 الكواري، علي خليفة وعبد الفتاح ماضي (تنسيق وتحرير.) لماذا انتقل الآخرون إلى الديمقراطية وتأخر العرب؟ بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2009 التراجيديا السورية: الثورة وأعداؤها كيلة، سلامة.. بيروت: منشورات المتوسط،.2016 سورية في عهدة الجنرال الأسد لوغاك، دانييل.. ترجمة حصيف عبد الغني. القاهرة: مكتبة مدبولي،.2006 سورية: سقوط مملكة الأسد ليش، دايفيد.. بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر،.2014 مجدال، جويل. الدولة في المجتمع: دراسة كيف تُحوّل الدول والمجتمعات بعضها البعض. ترجمة محمد صلاح علي. بيروت: عالم الأدب،.2018 مصطفى، طلال وحليم الصالح. "تجليات الدولة الأمنية في النسق السوري." مركز حرمون للدراسات المعاصرة الاجتماعي. 2022/5/2 في https://acr.ps/1L9zRub:. خلدون حسن النقيب،. الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1991 هايدمان، ستيفن. التسلطية في سوريا: الصراع بين المجتمع والدولة. ترجمة عباس عباس. مراجعة رضوان زيادة. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.2011 النظام السياسي في مجتمعات متغيرة هنتنجتون، صمويل.. تصدير فرانسيس فوكوياما. ترجمة حسام نايل. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 2017.]1968[تشكيل الدولة الشمولية في سورية البعث هينبوش، رايموند.. ترجمة حازم نهار. مراجعة وتقديم رضوان زيادة. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.2014 وادين، ليزا. السيطرة الغامضة: السياسة، الخطاب، والرموز في سورية المعاصرة. ترجمة نجيب الغضبان. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.2010
الأجنبية
Anderson, Lisa. "Searching Where the Light Shines: Studying Democratization in the Middle East." Annual Review of Political Science. vol. 9, no. 1
Barker, Rodney. Political Legitimacy and the State. Oxford: Clarendon Press, 1990. Beetham, David. The Legitimation of Power. New York: Palgrave Macmillan, 1991. ________. "The Contradictions of Democratization by Force: The Case of Iraq." Democratization. vol. 16, no. 3 (2009). Bill, James A. & Robert Springborg. Politics in the Middle East. New York: Harper Collins Publishers, 1990. Bilton, Tony et al. Introductory Sociology. 4 th ed. New York: Palgrave Macmillan, 2002 [1981]. Dryzek, John S. et al. (eds.). The Oxford Handbook of Political Theory. London: Oxford University Press, 2008. Deutsch, Karl W. "Social Mobilization and Political Development." American Political Science Review. vol. 55, no. 3 (1961). Posusney, Marsha Pripstein & Michele Penner Angrist (eds.). Authoritarianism in the Middle East: Regimes and Resistance. Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2005. Fullinwider, Robert K. (ed.). Civil Society, Democracy, and Civic Renewal. Lanham: Rowman & Littlefield Publishers, 1999. Gill, Graeme. Dynamics of Democratization: Elites, Civil Society and the Transition Process. London: Palgrave Macmillan, 2000. Gilley, Bruce. The Right to Rule: How States Win and Lose Legitimacy. New York: Columbia University Press, 2009. Hampton, Jean. Hobbes and the Social Contract Tradition. Cambridge: Cambridge University Press, 1986. Hinnebusch, Raymond. "Authoritarian Persistence, Democratization Theory and the Middle East: An Overview and Critique." Democratization. vol. 13, no. 3 (2006). ________. "Syria: from 'Authoritarian Upgrading' to Revolution?" International Affairs. vol. 88, no. 1
Hinnebusch, Raymond & Omar Imady (eds.). The Syrian Uprising, Domestic Origins and Early Trajectory. New York: Routledge, 2018. Iakovlev, Gennadii. "Preconditions for Pacted Transitions from Authoritarian Rule." European Political Science Review. vol. 15, no. 2 (2023). Kersting, Wolfgang. Vertragstheorien. Kontraktualistische Theorien in der Politikwissenschaft. Stuttgart: Kohlhammer, 2015. Koolaee, Elaheh et al. "Causes of The Failure of The State in Syria (2010-2019)." Geopolitics Quarterly. vol. 16, no. 4 (2021). Lefort, Claude. The Political Forms of Modern Society: Bureaucracy, Democracy, Totalitarianism. John Thompson (ed.). Cambridge: Polity Press, 1986. Linz, Juan & Alfred Stepan. Problems of Democratic Transition and Consolidation: Southern Europe, South America and Post-Communist Europe. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1996. Lipset, Seymour Martin. "Some Social Requisites of Democracy: Economic Development and Political Legitimacy." American Political Science Review. vol. 53 (1958). ________. Political Man: The Social Bases of Politics. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1981
MacIver, Robert M. The Web of Government. New York: Macmillan Company, 1947. _______. The Modern State. London: Oxford University Press, 1962 [1926].
Martin, Kevin W. Syria's Democratic Years: Citizens, Experts, and Media in the 1950s. Bloomington: Indiana University Press, 2015. Merkel, Wolfgang. "Gegen alle Theorie? Die Konsolidierung der Demokratie in Ostmitteleuropa." Politische Vierteljahresschrift. vol. 48, no. 3 (2007). Offe, Claus. "Das Dilemma der Gleichzeitigkeit. Demokratisierung und Marktwirtschaft in Osteuropa." Merkur. vol. 45 (1991). Pierret, Thomas. Religion and State in Syria: The Sunni Ulama from Coup to Revolution. Cambridge: Cambridge University Press, 2013. Gunther, Richard et al. (eds.). The Politics of Democratic Consolidation: Southern Europe in Comparative Perspective. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1995. Putnam, Robert D. "Tuning in, Tuning out: The Strange Disappearance of Social Capital in America." PS: Political Science and Politics. vol. 28, no. 4 (1995). Salaymeh, Bilal. "Syria under al-Assad-Rule: A Case of Neopatrimonial Regime." Middle East Studies. vol. 10, no. 2 (2018). Scalon, Thomson M. What we Owe to Each Other. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1998. Schlumberger, Oliver & Holger Albrecht. "Waiting for Godot: Regime Change Without Democratization in the Middle East." International Political Science Review. vol. 25, no. 4 (2004). Senghaas, Dieter. Wohin driftet die Welt? Über die Zukunft friedlicher Koexistenz. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1994. Sharabi, Hisham. Neopatriarchy: A Theory of Distorted Change in Arab Society. New York: Oxford University Press, 1988. Gerschewski, Johannes & Christoph H. Stefes (eds.). Crisis in Autocratic Regimes. Boulder/ London: Lynne Rienner Publishers, 2018. Weber, Max. Wirtschaft und Gesellschaft: Grundriss der verstehenden Soziologie. 5 th ed. Tübingen: Mohr 1972 [1922].