العلاقات المدنية - العسكرية في السودان: إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية
الملخّص
This study examines the redefinition of civil–military relations in Sudan, arguing that the prevailing approach in the country reduces these relations to the issue of military reform and reduces that reform to preventing the army from carrying out a coup, removing it from politics, or restricting its economic activity. The study begins with a critique of Samuel Huntington's traditional theory and presents alternative approaches that advocate integrating the military into society and expanding its roles under civilian control. It also offers a typology of armies based on four models according to their political and economic engagement, applying this framework to the Sudanese army and its transformations since the independence (1955). The study concludes that building a more sustainable relationship requires rethinking the framework that shapes civil–military relations in Sudan. It calls for involving military personnel in formulating national policies and regulating their economic activities through governance in ways that strengthen national security and support the political process. Keywords: Civil–military Relations, Military Professionalism, Sudanese Army, Military Advisory.
Civil–Military Relations in Sudan: Redefining the Role of the Military Institution
تبحث هذه الدراسة في إعادة تعريف العلاقات المدنية - العسكرية في السودان، وتجادل في أن النهج الُمُ ت بع في السودان يختزل هذه العلاقات في قضية الإصلاح العسكري، ويختزل هذا الإصلاح في منع الجيش من القيام بانقلاب، أو إخراجه من السياسة ومنعه من النشاط الاقتصادي. تنطلق الدراسة من نقد النظرية التقليدية لصمويل هنتنغتون، وتعرض مقاربات بديلة، تدعو إلى اندماج الجيش في المجتمع وتوسيع أدواره في ظل رقابة مدنية، كما تقدم تصنيف ا للجيوش في أربعة أنماط، وفق انخراطها السياسي والاقتصادي، وُت طبّق ذلك على حالة الجيش السوداني وتحّولّاته منذ الاستقلال (1955.) وتخلص إلى أن بناء علاقة أكثر ب إعادة التفكير في الإطار الذي يُشّك ل العلاقات المدنية استدامة يتطّل - العسكرية في السودان، وتدعو إلى إشراك العسكريين في صوغ السياسات الوطنية، وضبط نشاطهم الاقتصادي عبر الحوكمة، بما يُعّز ز الأمن القومي ويخدم العملية السياسية. كلمات مفتاحية: العلاقات المدنية – العسكرية، الاحترافية العسكرية، الجيش السوداني، المشورة العسكرية.
مقدمة
بعد سقوط نظام عمر حسن أحمد البشير في نيسان/ أبريل 2019، تصدّرت قضية الإصلاح الأمني والعسكري المشهد السوداني، ومن بين أبرز الشعارات التي رفعها الثوار كان شعار "العسكر للثكنات والجنجويد 1 ينحلّ." يعكس هذا الشعار ثلاثة مطالب رئيسة؛ أولًا: الدعوة إلى حكم مدني ديمقراطي يُعّب رعن تطلّعات الشعب السوداني نحو الحرية والسلام والعدالة، ثانيًا: المطالبة بخروج الجيش من حلبة السياسة والنشاط الاقتصادي، ثالثًا: رفض ظاهرة تعدّد الجيوش التي تزعزع استقرار البلاد وُتُعوّق بناء دولة مؤسساتية قوية. ولم تكن هذه المطالب إّل انتاج الوعي بالدور الذي ظل يقوم به الجيش السوداني في الشأن السياسي واختراقه بوساطة الأحزاب السياسية منذ الاستقلال، ليكون أداةً لها للوصول إلى سُدة الُحُكم. وبعد اندلاع حرب نيسان/ أبريل 2023، تعالت الأصوات المطالبة بضرورة إعادة تأسيس الدولة السودانية عقب انتهاء الحرب بصيغ جديدة تضمن عدم العودة إلى مثلّث الحرب والجهل والجوع. ولا شك في أن مسألة علاقة الجيش بالدولة والمجتمع، وهو ما يُصطَلَح عليه بالعلاقات المدنية – العسكرية، تبقى إحدى أبرز القضايا الواجب إعادة النظر فيها. تجادل هذه الدراسة في أن النهج الُمُتّبع يختزل العلاقات المدنية - العسكرية في قضية الإصلاح العسكري، ويختزل هذا الإصلاح في إخراج الجيش من السياسة ومنعه من النشاط الاقتصادي. وتنظر الدراسة في فترة ما بعد الحرب، وتسعى للبحث في إعادة بناء التصوّرات بشأن العلاقات المدنية - العسكرية في السودان، بغرض الوصول إلى مقاربة أكثر اتّزانًا واستدامة، تتجاوز مسألة حصر هذه العلاقات في كيفية تجُّنُب وقوع الانقلابات العسكرية. ومن ثم، فإن الدراسة غير معنيّة بالبحث في آليات الإصلاح العسكري، أو وضع إجراءات معيارية، إنما تحاول ابتدار نقاش أكثر عقلانية واستنارة، يُشجع أولئك الذين يخوضون غمار العمل اليوم، والذين سيخوضونه غدًا، على النظر إلى العلاقة بين المدنيين والعسكريين من منظور أوسع، لفهم أعمق وأشمل للعلاقات المدنية - العسكرية، وهو ما يتطلّب، كما يقول أبراهام لوينثال، تمنيًا مفعمًابالتفكير أكثر من تفكير مُفعم بالتمنّي 2. بناءً عليه، تسعى هذه الدراسة للإجابة عن سؤال رئيس: كيف يمكن إعادة بناء العلاقة بين المدنيين والعسكريين في السودان بعد الحرب، على نحو يتجاوز مجرد منع الانقلابات أو إخراج الجيش من السياسة، ويؤسس لمقاربة أكثر استدامةً واتّزانًا؟ وتتبنّى الدراسة التوجهات الحديثة في حقل العلاقات المدنية - العسكرية، التي يتمثّل أحدها في التركيز على دراسة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجالات السياسية والاقتصادية في الدولة. وتعرض بإيجاز الأسس النظرية لهذا الحقل، وأبرز المساهمات الحديثة في هذا المجال، وُتُسلّط الضوء على حالة الجيش السوداني وكيفية تفاعله مع المجالات السياسية والاقتصادية منذ الاستقلال. وتحاول تقديم مقاربة يمكن أن تكون مفيدة لتجنّب تكرار أخطاء الماضي، وفي الوقت نفسه تفادي التوجّه نحو مستقبل غير معلوم.
أولًا: مدخل نظري في العلاقات المدنية - العسكرية
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تم إنجاز العديد من الدراسات والبحوث حول العلاقة بين المدنيين والعسكريين؛ ما أدّى إلى تطوير عدد من النظريات التي تهدف إلى تصنيف طبيعة هذه العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة والمجتمع وفهمها؛ وتتفق هذه النظريات على ضرورة التزام القيم والقواعد الديمقراطية من طرف "النخبة السياسية" 3، وبناء استراتيجيات واعية لإقامة علاقات نوعية بين العسكر والمدنيين، من أجل تحقيق مبدأ السيطرة المدنية الديمقراطية، وهي في شكلها المثالي تعني سيطرة المدنيين، مع الإيفاء بمتطلّبات بناء جيش قادر على القيام بمهامه بكفاءة. ومن الغريب أن معظم هذه الدراسات كان له منظور يفترض أن الجيوش مُتّ ثّل تهديدًا للمجتمع 4. يُعتبر كتاب صمويل هنتنغتون الجندي والدولة عملًاتأسيسيًا لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن حقل العلاقات المدنية – العسكرية؛ فقد أسهم إسهامًا كبيرًا في تشكيل الأسس النظرية لهذا المجال، ودعا إلى نموذج احتراف عسكري مبني على "مهارات عسكرية متخصصة وانعزال عن المجتمع وحياد سياسي." وقد ميّز بين نوَعيَن من السيطرة المدنية؛ أولهما: السيطرة المدنية الذاتية، التي يتم عن
طريقها اختطاف الجيش لمصلحة فئة محددة داخل الدولة (حزب، إثنية، قبيلة... إلخ.) ولتعزيز سيطرتها على الجيش، تعمل على ضمان هدوئه بطرائق متباينة، مثل الأدلجة الكاملة أو تقسيمه إلى أجنحة متصارعة ومتنافسة، و/ أو تشديد الرقابة على الضباط. وبهذا، يعتمد معيار البقاء والترقي، في الغالب، على الصدقية السياسية، وليس على الكفاءة المهنية. كما تنشئ أحيانًا أجسامًا رديفة وموازية للجيش. وثانيهما: السيطرة المدنية الموضوعية، وهي الأنسب للأنظمة الديمقراطية، ويرتكز جوهرها على الاعتراف بالاحترافية العسكرية المستقلة لتعزيز المهارات، مع ضرورة تقليص القوة العسكرية بما يضمن حياد الضباط سياسيًا 5. إن إبقاء العسكريين على حياد سياسي أمٌرٌ غير واقعي. ويرى موريس جاونفيتز الذي يُعتبر مؤسّس علم الاجتماع العسكري في الولايات المتحدة الأميركية، في كتابه الجندي المحترف، استحالة تحقيق الحياد السياسي من منطلق أن العسكريين هم مواطنون في المقام الأول، ولهم تفضيلات سياسية تُحرّكهم 6. وبينما اعتقد هنتنغتون أن العسكريين ينبغي لهم أن يكونوا مختلفين عن المجتمع، وأّل ايتفاعلوا مع تطور المجتمع الذي ينتمون إليه، كان جاونفيتز أقل تركيزًا على إبعاد الجيش عن السياسة، وركّز على تعزيز ارتباط الجيش بالمجتمع المدني، معتبرًا أن التغيرات التي طرأت بعد الحرب العالمية الثانية على المهنة العسكرية كانت نتيجة للتحولات الاجتماعية 7. علاوة على ذلك، اعتبر هنتنغتون أن خضوع العسكريين نابٌعٌ من الاحتراف العسكري الذي عَّرَفه بأنه القدرة على إدارة العنف 8، غير أن هذا التفسير يتناقض مع واقع البلدان التي تمتلك جيوشًا قادرة على إدارة العنف. ومع ذلك تعاني من الدكتاتوريات العسكرية وعلى هذا النحو حاجّ ألفريد ستيبان فيما طرحه بشأن مفهوم "الاحترافية الجديدة" في أوائل سبعينيات القرن العشرين. تصف الاحترافية الجديدة الأدوار التوسعية التي يقوم بها الجيش في الأمن الداخلي والتنمية الوطنية في حالة البرازيل والبيرو، لتركّز على الدفاع عن التهديدات الداخلية، بدلًامن التهديدات الخارجية، مثل الحركات الاجتماعية والأزمات السياسية ومكافحة التمردات؛ ما أدّى إلى توسيع دور الجيش في الشؤون السياسية 9، وعلى الرغم من تعرّض هذه الأنظمة، لاحقًا، إلى أزمات أجبرتها على الانتقال من السلطوية، فإن الجيش كان قادرًا على التأثير بدرجةٍ ما في وضع قواعد الانتقال ما بعد السلطوية 10. على النهج نفسه، ناقش حسن الحاج علي أحمد عن النمط نفسه من المهنية العسكرية الجديدة لعدد من الجيوش العربية (مصر، وسورية، واليمن)، التحوّل الذي شهدته هذه الجيوش في تركيزها المهني، من مواجهة التهديدات الخارجية إلى التعامل مع التهديدات الداخلية، وظهر هذا التحول بوضوح في مصر بعد تراجع الصراع العسكري مع إسرائيل، وفي سورية نتيجةً لتكرار الانقلابات العسكرية، وفي اليمن بعد معارك الوحدة. وقد تطوّرت هذه المهنية الجديدة على نحو متفاوت بين الدول المذكورة، وذلك من خلال بناء تحالفات داخلية مختلفة. ففي مصر، تعزّزت هذه المهنية عبر تحالفات مع مصالح اقتصادية ومؤسسات أمنية وبيروقراطية؛ ما أفرز دورًا متزايدًا للمؤسسة العسكرية في المجالات الاقتصادية والسياسية. وفي سورية، ظهر النمط الجديد بدرجة متوسطة عبر تحالفات مع أحزاب أيديولوجية ومؤسسات أمنية. أما في اليمن، فكان تأثير هذا النمط أضعف بسبب ارتباطه بتحالفات مع تنظيمات عشائرية. وعلى الرغم من أن المؤسسة العسكرية في هذه الدول لم تمارس السلطة على نحو مباشر، فإنها تبقى مؤثرة بقوة في القرارات السياسية وتوازنات القوة في هذه الدول 11، وفي هذه الحالات كلها كانت الجيوش قادرة على إدارة العنف واستخدامه، ومع ذلك لم تكن هذه الُقُدرة تعني بالضرورة خضوعها للسلطة المدنية. ومن ثم، فإن تعريف هنتنغتون للاحترافية العسكرية، من منظور إدارة العنف، يشمل مجتمعات عسكرية لا ينطبق عليها شرط الخضوع للسلطة المدنية؛ ما يعني أن إدارة العنف ليست معيارًا كافيًا لوصف الاحترافية. يرى جاونفيتز أن الجنود المحترفين يؤدّون دورًا مزدوجًا بوصفهم أفرادًا عسكريين ومواطنين في المجتمع، ويجادل بأن التوازن بين التخصص العسكري والمسؤولية المدنية ضروري للحفاظ على الديمقراطية والاستقرار الاجتماعي، ويرى أن الاحترافية العسكرية يجب أن تتضمن مهارات الحرب والفهم العميق للسياسة والمجتمع، من أجل فهم الوظائف الإضافية للحرب غير النظامية 12، كذلك يرى ضرورة التحوّل في مهمات العسكريين نحو المهمات الُشر طية لمواكبة
التغيرات الأمنية والمجتمعية؛ إذ أصبح العسكريون أكثر انخراطًا في عمليات حفظ السلام والأمن الداخلي؛ ما يتطلّب منهم تطوير مهارات جديدة في إدارة الأزمات والتعامل مع المدنيين، وُيُعزّز هذا التغيير دور العسكريين بوصفهم جزءًا من المجتمع المدني، ويزيد من أهمية التدريب على المهارات غير القتالية، لضمان فاعلية العمليات والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وهو ما وصفه جاونفيتز نفسه بالدمج بين القائد البطل والمدير العسكري 13. ويمكن النظر إلى نموذج جاونفيتز للاحترافية العسكرية على أنه "مهارات عسكرية أقرب إلى الشرطية/ اندماج بالمجتمع/ تثقيف سياسي." دحضت الدراسات اللاحقة حُجة هنتنغتون وكذلك معايير سلوك الضباط؛ فمن خلال الدلائل التاريخية تبّي نأن ادّعاء هنتنغتون بأن تآكل الاحترافية العسكرية ناتج من التراجع في حالة العزلة ما بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن دقيقًا، فقد ادّعى أن احترافية الضباط في الولايات المتحدة كانت نتيجةً لحالة العزلة التي أعقبت الحرب الأهلية الأميركية 1865-1856()، غير أن الواقع التاريخي يناقض ذلك؛ إذ لم يكن الضباط، منذ نهاية الحرب الأهلية، بمعزل عن التأثيرات المدنية أو الاهتمامات السياسية. وبتحليل المحتوى الذي أجراه جون غيتس ل 150 مقالة، تمثّل المجلدات العشرة الأولى ل مجلة معهد الخدمة العسكرية للولايات المتحدة Journal of Military Service التي أسّستها مجموعة من ضباط Institution of the United States الجيش في عام 1878، وجد أن الاهتمامات السياسية كانت حاضرة بقوة وبنسبة تراوح بين 30 و 33 في المئة، في المقالات التي نشرها الضباط من مختلف التخصصات في ثمانينيات القرن التاسع عشر، فضلًاعن دور الجيش الأميركي خلال فترات الاضطرابات الحضرية والعنف العمالي؛ ما يعني أن الُحُجّة التي مفادها أن العزلة من الُمُرجّح أن توفّر حلًالتراجع الاحترافية العسكرية لا تستند إلى أساس في الواقع التاريخي، بل ربما تكون مرتبطة على نحو أكبر بتركيبة سلك الضباط على مرّ الزمن، وطبيعة المهمات التي يُحدّدها الزعماء السياسيون، والمواقف وأنماط السلوك السائدة في المجتمع الذي يتم فيه تجنيد الضباط 14. وتواجه معايير هنتنغتون التقليدية للسلوك السياسي لضباط الجيش الأميركي تحديات معاصرة؛ فقد أشار باحثون إلى وجود تشكيك متزايد في قدرة تلك المعايير على ضبط السلوك العسكري. على سبيل المثال، جرَيَ في عام أظهر استطلاع أ 2013، وشمل عددًا من كبار الضباط المتقاعدين الذين شغلوا مناصب عُليا، أن 23 في المئة منهم يرون أن الضابط العسكري يجب أن "يقاوم تنفيذ أمر"، يعتقد أنه "غير حكيم"، حتى لو أدّى ذلك إلى المحاكمة العسكرية، بينما يرى 63 في المئة أنه من الأنسب، في مثل هذه الحالات، أن يستقيل احتجاجًا. جريت بين عاَمَي وأظهرت دراسة مسحَّيَة أخرى، أ 2015 و 2016 على طلاب وضباط كلّية وست بوينت العسكرية، أن وسائط التواصل الاجتماعي أصبحت تُستخدم على نحو مكثّف، وقد أفاد 44 في المئة من المستجيبين أن زملاءهم غالبًا ما يناقشون قضايا سياسية عبر تلك المنصّات، في حين لاحظ 35 في المئة من المشاركين أن زملاءهم يشاركون تعليقات موجّهة ضد مسؤولين منتخبين، وأشار 50 في المئة إلى أنهم شهدوا سلوكًا مشابهًا ضدّ مرشّحين سياسيين 15. وبهذا، يتضح أن نموذج هنتنغتون غير قابل للتعميم على نحو شامل، كما أظهرت دراسات الحالة التي قدّمها كل من ستيبان والحاج علي أحمد، والتي تناولت الاحترافية العسكرية من منظور مختلف، إضافة إلى ذلك، فإن هذا النموذج لا يعكس بدقة التجربة التاريخية الأميركية، ولم يُثبت قدرَتَه على التكيّف مع متطلّبات البيئة المتغّيةر والواقع المعاصر. وعلى الرغم من الارتباط الوثيق بين الاحترافية العسكرية والعلاقات المدنية - العسكرية، فإنه بدلًا من البحث عن تعريف صارم للاحترافية العسكرية، ينبغي فحص التعديلات اللازمة لتتلاءم مع حقيقة تنوّع الأدوار التي باتت تضطلع بها المؤسسة العسكرية على نحو متزايد في العصر الحديث، من دون تجاهل للتاريخ.
ثانيًا: نحو نموذج حديث للعلاقات المدنية - العسكرية
بينما سعى هنتنغتون لتحديد قيم المهنة العسكرية في عالم متغير، ركّز جاونفيتز على إظهار تحوّل المهنة العسكرية في الوقت الذي تتغير فيه التهديدات والنظام العالمي والمجتمع نفسه 16. وقد نشُر العديد من الدراسات المعاصرة التي تدعم توجّهات جاونفيتز على نحو أكثر انفتاحًا، والتي اعتمدت في تنظيرها، في الأساس، على دراسة حالات متعددة. وفي هذا السياق، أكد تشارلز موسكوس استمرارية تحوّل المهنة العسكرية، مشيرًا إلى أنه بعد نهاية الحرب الباردة، اقتربت المهنة العسكرية
مان خصائص المؤسسات المدنية وسلوكها، وأوضح أن هناك تداخل وتشابكًا مستمرًا بين المجالات المدنية والعسكرية، سواء من الناحية الهيكلية والبنيوية أم من الناحية الثقافية 17. كما يتّفق عزمي بشارة18 وزولتان باراني على أن القوات المسلحة تُعتَب رمؤسسة سياسية، بما في ذلك جيوش الدول الديمقراطية. ويعتقد باراني أن التزام الجيش بطاعة الدولة هو في حد ذاته موقف سياسي، فضلًاعن التأثير المهم الناتج من موقفها تجاه عمليات التغيير السياسي المختلفة (تغُّي رالحكومة، تغُّي ر نظام الُحُكم.) وأشار باراني إلى أن الدول الديمقراطية يجب عليها أّل ا تسعى لجيش محايد سياسيًا، إنما لقوات مسلحة غير مسيّسة، ملتزمة بالحوكمة الديمقراطية، ولا يمارس أفراُدُها نشاطًا سياسيًا، باستثناء حقّهم في التصويت في الانتخابات، بوصفهم مواطنين 19. يؤكد دايفيد شوتر أن حصر العلاقات المدنية - العسكرية في إبقاء الجيش خارج السلطة يقود إلى توتّر مستمر، حيث يُصبح الأساس الجوهري للسيطرة المدنية هو تقليل النفوذ العسكري، وهو أمر ناتج من نمط تفكير المدنيين تجاه العسكريين، وفقًا ل "نظرية المخاطر" التي تُفّس رتخوّف المدنيين من العسكريين بثلاثة أسباب: خوفهم من استيلاء العسكريين على السلطة، واعتقادهم أن لدى العسكريين تعطّشًا للدماء ورغبة مستمرة في خوض الحروب، وتأثير تكاليف الجيوش في التنمية والاقتصاد 20. وُيُشدد فيليبي أغويرو على ضرورة تمييز المدنيين بين التوطيد السلبي والإيجابي لبناء علاقات مدنية - عسكرية مثمرة وصحّية؛ فالتوطيد السلبي يهتم بمطمح السياسيين وسعيهم لتوليد الأوضاع التي تحول دون وقوع انقلاب عسكري، بينما يشير التوطيد الإيجابي إلى الجهود الواعية التي تبذلها النخبة السياسية، وعلى المدى الطويل من خلال تصميم سياسات ترمي إلى إشراك العسكريين وانخراطهم في أهداف النظام الديمقراطي، من دون الوقوع في فخ الوصاية العسكرية 21. يقول طيبي غماري: "ليس من الواجب التفكير في منع تدخّل العسكر في الحياة السياسة، بل التفكير في ضبطه وتنظيمه، وجعل مشاركة العسكر في الحياة المدنية مشاركة إيجابية، تخدم الديمقراطية وتحميها" 22، ومناقشة الأوضاع التي من شأنها أن تقوي المعارضة العسكرية، ومن ثم إضعاف السيطرة المدنية الديمقراطية أو تقويضها، ومناقشة المواقف التي ينبغي للضباط أن يكونوا فيها على دراية بالسياسة أو منخرطين فيها، فلا النظرية، ولا الممارسة، تتطلّبان أن يمتنع العسكريون عن النواحي السياسية كلها بالطريقة الشاملة التي يقترحها هنتنغتون، ليمتدّ الحظر السياسي من السلوك الحزبي، مرورًا بالدعوة العامة إلى النشاط العسكري والسياسات المتعلّقة بالقوات المسلحة، ويشمل أيضًا حظر المشاركة الفكرية للقادة العسكريين في كيفية تأثير العوامل السياسية في فاعلية الاستراتيجية أو إدارة الحرب 23. إن المعرفة السياسية والمصالح السياسية والوعي ليست هي نفسها العمل السياسي والسياسة الحزبية. ومن ثم، فإن إهمال الجوانب المتعددة للسياسة، بما فيها الُبُعد السياسي المهني وتطبيق الحظر الشامل المقترح من هنتنغتون، يساهم في عدم الفاعلية الاستراتيجية 24. ويمكن القول إن العلاقات المدنية - العسكرية، القائمة على النظرة الضيقة إلى العسكريين، تُعوّق الكيفية التي يُقدّم بها العسكريون النصائح لرؤسائهم المدنيين، وإن تجاوز هذا النموذج قد يكون أكثر فاعلية واستدامة. على هذا النحو، فإن العلاقات المدنية - العسكرية يجب أن تُناِقِش اندماج المؤسسة العسكرية في الدولة والمجتمع المدني كله، وليس اعتبارها مُهدّدًا لبقاء الدولة ورفاه المجتمع، وعلى الرغم من أن إضعاف الجيش ي مثل إغراءً، خاصة في الدول التي تسعى للديمقراطية بعد فترة من الحكم العسكري، فإنه يجب على السياسيين مقاومة هذا الإغراء 25. وعلى هذا الأساس، يجب أن تُصاغ القوانين التي تنظّم العلاقات المدنية - العسكرية وتحديد المهمات والواجبات ورسم الحدود، بدلًامن النهج التقليدي القائم على قوانين تُرِّكِز على آليات تعزيز السيطرة المدنية وتقليل النفوذ العسكري؛ إذ إن استماع السياسيين إلى مشورة الخبراء العسكريين يمكن أن يُعزّز الثقة المتبادلة واحترام الأدوار والمسؤوليات 26. يشير نمط المشورة العسكرية إلى استماع المدنيين عبر وزير الدفاع إلى صوت العسكريين ومعرفة آرائهم واتّخاذ القرارات المستبصرة بناءً
الجدول)1(أصناف الجيوش بحسب دورها في السياسة والاقتصاد
| نوع الجيش | الدور السياسي)34( | الدور الاقتصادي | نوع النظام |
|---|---|---|---|
| جيش دفاعي | لا يوجد | لا يوجد | ديمقراطي |
| جيش تدّخلّي | حارس بريتوري لنظام ُمُعّي نأو مؤدلج/ لديه تاريخ انقلابي/ لديه تأثير في النظام السياسي | لام يوجد | غير ديمقراطي/ ديمقراطية وصائية)36( |
| جيش ُطُفيلي | حارس بريتوري 35() لنظام ُمُعين/ لديه تاريخ انقلابي/ لديه تأثير في النظام السياسي | حضور مكثف في الاقتصاد/ السيطرة على أجزاء واسعة من موارد الدولة/ تشريع قموانين الاستثمار | غير ديمقراطي/ ديمقراطية وصائية |
| جيش احترافي | لديه دور مفيد في العملية السياسية (المشورة العسكرية) | حضور محدود في الاقتصاد وخاضع لآليات الحوكمة (المجمع الصناعي العسكري) | ديمقراطي |
على تلك الآراء المهنية فيما يتّصل بسياسات الدفاع وعدد القوات وأنظمة التسليح والنفقات 27، وحينما تواجه الحكومات عددًا من الخيارات السياسية، فإن العسكريين مطالبون بتقديم الخيار الأكثر توافقًا مع القدرات العسكرية للدولة، من دون أن يعني ذلك في أي وقت أن لدى العسكريين الحق في الإملاءات بشأن الخيار الواجب تفضيله 28. وفي الآونة الأخيرة، عززّ العديد من الدول قدراتها العسكرية من خلال إنشاء المجمع الصناعي العسكري 29، الذي يعمل على تلبية احتياجات الجيش من معدّات وأنظمة تسليح، إضافة إلى مساهمته في التنمية المحلّية، ودعمه السياسات الخارجية من خلال تصدير المنتجات والمشاركة في معارض الدفاع المختلفة، وبرز البحث والتطوير العسكري بوصفه أحد العوامل الرئيسة في بناء القوة العسكرية للدول وتعزيز استقلالها الاستراتيجي 30. في المقابل، ازداد انتشار تسلّل الجيوش في المجال الاقتصادي، حيث تشكّلت تحالفات بين كبار القادة العسكريين والسياسيين بشأن المصالح المالية، يشمل ذلك مشاركة العسكريين في مجالس إدارة شركات ذات أنشطة مدنية، وإبرام العقود مع الشركات الأجنبية 31. وبوجه عام، يمكن أن تؤدي الصناعات الدفاعية دورًا بارزًا في دعم الاقتصاد المحلي من حيث التنمية وزيادة فرص التوظيف، فضلًاعن عملها بوصفها أداة للسياسة الخارجية ورافعة للسيادة الوطنية. مع ذلك، فإن هناك مخاوف جدّية تشير إلى أن غياب الحوكمة الفاعلة في مجال الصناعات الدفاعية يكون على حساب تلبية احتياجات التنمية الأخرى، وما يترتب عليه من عدم استقرار سياسي 32. بناءً على ما سبق، يمكن تصنيف الجيوش، بحسب تفاعلها في المجاَليَن السياسي والاقتصادي، إلى أربعة أنواع (ينظر الجدول 1.) تتشابه هذه الجيوش في قدرتها على إدارة العنف واستخدامه، بغض النظر عن مستوى كفاءتها وفاعليتها، لكنها تختلف من حيث الدور الذي تؤديه في السياسة والاقتصاد. يعتمد الجدول 1() على تقاطع بُعدين رئيَسيَن في تحليل العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة: الدور السياسي الذي تؤدّيه المؤسسة العسكرية، ومدى انخراطها في المجال الاقتصادي. يوضح الجدول أربعة أنماط أساسية للجيوش، تختلف في موقعها داخل النظام
السياسي والاقتصادي، ومع أن هذه الأنماط قد تظهر منفصلة نظريًا، فإنّ الجيوش في الواقع قد تنتقل من نمط إلى آخر بحسب السياقات السياسية والاقتصادية السائدة. يمكن أن نجد ضمن النظام الديمقراطي جيشًا دفاعيًا، على أن يقتصر دوره على المهمات العسكرية من دون تدخّل سياسي أو اقتصادي، ومع خضوعه الكامل للسلطة المدنية. لكن يمكن أيضًا أن يتطوّر الجيش الدفاعي في الديمقراطية إلى جيش احترافي، عندما يُسَمَح له بأدوار استشارية في النظام السياسي، وأدوار منضبطة في النظام الاقتصادي، من دون المساس بالمبادئ الديمقراطية، ويعتمد هذا التحوّل على المرونة المؤسسية في النظام. أما في الأنظمة غير الديمقراطية، فمن الممكن وجود جيش تدّخلّي، يؤدي دوَرَ الوصاية أو الحارس البريتوري، أو يؤدي وظيفة سياسية أساسية، كممارسة الحكم، من دون تدخل اقتصادي واضح. وفي السياق نفسه، يمكن أن يتطوّر هذا الجيش التدّخلّي إلى جيش طفيلي إذا بدأ بالتوسع اقتصاديًا، واحتكر موارد الدولة. ويمكن أن يكون هذا التحوّل نتيجة لتغيرات في ديناميات النظام غير الديمقراطي نفسه. ي مثل الجيش الدفاعي النموذج المثالي في الأدبيات الكلاسيكية، حيث تلتزم المؤسسة العسكرية بتنفيذ السياسات الدفاعية للحكومات الشرعية، من دون أن يكون لها أي دور في وضع تلك السياسات أو التأثير فيها، كما لا يكون لديها أي دور في المجال الاقتصادي، وتتّبع هذه الجيوش نموذج بيتر فيفر الذي استخدم مفهوم الوكالة لوصف العلاقات المدنية - العسكرية. وُيُصوّر هذا المفهوم العلاقة بين المدير (المدنيين) والوكيل (العسكريين)، بوصف العسكريين وكلاء مفوّضين لتنفيذ أهداف المدنيين، إّل اأن غياب الرقابة الفاعلة قد يجعل المؤسسة العسكرية تتهرّب وتتبع تفضيلاتها الخاصة، بدلًامن تفضيلات مديرها 33. أما الجيوش التدخّلية، فهي التي يكون لها تأثير سياسي بفرض وصاية على الأنظمة القائمة، وذلك عن طريق التهديد بالقوة أو استخدامها بتنفيذ الانقلابات لفرض تصوّراتها السياسية والاحتفاظ بالحكم، من دون أن يكون لها دور في الاقتصاد، ويمكن أن تتحوّل الجيوش الدفاعية إلى جيوش تدخّلية، كما جرت الحال في وصف الحرس البريتوري. فيما يتعلق 34 بالجيوش35 الُطُفيلية، فهي36 تلك التي يكون لها تدخّل في الشأن السياسي (بالحكم المباشر/ أو غير المباشر)، إضافة إلى استغلال الموارد والسلطة، ومن ثم، تفرض أعباء على الاقتصاد من دون المساهمة على نحو فاعل في الأمن أو التنمية. وإحدى صفات الجيوش الطفيلية هي أنها تقوم بهندسة المجتمع، فُتُكوّن مُعظم هياكل السلطة العليا، وصولًا إلى المستويات الُدُنيا من المديريات والمحلّيات، فضلًاعن الشركات ومصانع الإنتاج تحت مسؤولية ضباط، إما بالخدمة وإما بالمعاش، وهو ما يجعل الدولة والمجتمع يتبعان الجيش، وليس العكس 37. يقدم نموذج الجيش الاحترافي تصوّرًا أكثر اتّزانًا، حيث يُسمح للمؤسسة العسكرية بأدوار سياسية محدّدة في إطار المشورة الفنية، ويكون لديه نشاٌطٌ اقتصادي منضبط، يتمثّل في المجمع الصناعي العسكري الذي يعمل على إدارته وتشغيله وفق احتياجات المؤسسة العسكرية، وبما يخدم الدولة. وتتبع هذه الجيوش نظرية الإدارة لوصف العلاقات المدنية - العسكرية، التي تفترض تقارب الأهداف بين المدنيين والعسكريين، بدلًا من تباينها بحسب افتراض نظرية الوكالة. وبدلًامن الرقابة الفاعلة والعقوبات في نظرية الوكالة، تعتمد نظرية الإدارة على الثقة في كفاءة الآخر والتحفيز، بهدف بناء علاقات تعاقدية طويلة الأجل ترتكز على المهنية، وتعمل على تعزيز السمعة والاستقلالية والثقة المتبادلة من خلال الاشتراك في صوغ المشكلات واتخاذ القرار المشترك وتبادل المعلومات 38.
ثالثًا: التحّولّات التي طرأت على الجيش السوداني: بين العمل السياسي والاستراتيجي
يشكّل الجيش السوداني ظاهرة سياسية مميزة وخاصة، فقد نشأ في حلبة السياسة على نحو متواصل، وما زال، وظل "القوة الضابطة
للعلاقات المدنية – المدنية من جهة، والعلاقات المدنية - العسكرية من جهة أخرى" 39، فقد كان المدنيون على الدوام، حينما يفشلون في حسم خلافاتهم عبر وسائل النقاش والإقناع، يخطبون وُدّ العسكر للحفاظ على السلطة أو الانقضاض عليها عبر الانقلابات العسكرية. وهذه الانقلابات التي وقعت في السودان كانت بسبب مشاركة أحزاب سياسية في التخطيط أو التنفيذ أو كليهما. وسعت هذه الأنظمة لأن يكون انقلابها هو الأخير، وأّل ايقوم الجيش بالانقلاب عليها. ولضمان هدوء الجيش، مارست تلك الأنظمة ما سّم اه هنتنغتون السيطرة الذاتية. من ناحية أخرى، فإن الثورات التي نجحت في إطاحة الأنظمة الاستبدادية لم تتمكّن من إسقاط تلك الأنظمة، إّل ابعدما انحاز إليها الجيش. فأصبح من المفهوم لدى النخب السياسية أن العلاقة مع الجيش تقوم حصرًا على تنفيذ الانقلابات العسكرية، وبات يُنظر إلى السيطرة عليه بوصفها وسيلة للسلطة؛ ما عزّز التنافس المستمر على تسييس الجيش، الذي أدّى إلى إضعاف قدرات الجيش السوداني على نحو ممنهج. ومع ذلك ثبت لاحقًا، وفي المراحل كلها، أن العسكر لم يُقدّموا خدماتهم مجانًا، بل كانت لديهم أيضًا الرغبة في الُحُكم، وهو ما اصطلح عليه في أدبيات السياسة السودانية ب "الدورة الخبيثة" 40. يناقش هذا المبحث من الدراسة التطور التاريخي لدور الجيش السوداني، وُيُسلط الضوء على التحّولّات التي طرأت عيه خلال حقب مختلفة.
1. التحوّل الأول: من جيش دفاعي إلى جيش تدّخ لي
أشارت العديد من الدراسات، أبرزها دراسة عصام الدين ميرغني طه، إلى أن جذور السياسة في الجيش السوداني تعود إلى فترة الحكم الثنائي البريطاني - المصري للسودان، وقبل إنشاء قوة دفاع السودان في عام 1925. وقد عزا ذلك إلى النشاط السياسي لعدد من الضباط العسكريين العاملين في الوحدات المصرية، وانتقال المشاعر القومية إليهم، تأثّرًا بحركة سعد زغلول في مصر 1919()، إضافة إلى انخراط عدد من الضباط، أبرزهم الملازم علي عبد اللطيف والملازم أول عبد الفضيل ألماظ في جمعيات سياسية، وخروج طلاب المدرسة الحربية في مظاهرات تُندّد بالاحتلال البريطاني، وَتَصاُعُد الموقف الرافض الوجود البريطاني بتمرّد بعض الوحدات العسكرية وعصيانها، وصولًاإلى حالة القتال 41، إّل اأن هذه الممارسات ي مكن أن تُقرأ في سياق النضال الوطني، ولا يوجد لها دوافع أخرى تتعلق بممارسة الحكم أو العمل السياسي والتأثير فيه. أما مرحلة تشكيل قوة دفاع السودان، في 17 كانون الثاني/ يناير 1925، فقد لازمها تحوّل في الهياكل التنظيمية والوظيفية، حيث شُكّلت هذه القوة في الأساس لعزل الضباط السودانيين عن أي مؤثرات خارجية، وكان واجبها الرئيس يتمثّل في حفظ الأمن الداخلي، في شكل قوة بوليسية مسلحة، يقودها ضباط بريطانيون، بمساعدة ضباط سودانيين، حيث كان رد العدوان الخارجي يقع على عاتق دولتي الحكم الثنائي. غير أن مهمات هذه القوة وتنظيمها قد تغّي ر خلال الحرب العالمية الثانية، في تموز/ يوليو 1939، حيث أظهرت القوة بسالة في تصدّيها للغزو الإيطالي على الحدود الشرقية مع إرتيريا وأثيوبيا؛ ما دفع الحكومة البريطانية إلى إشراكها ضمن قوات الشرق الأوسط لتقاتل في شمال أفريقيا. وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أ عيد تشكيل قوة دفاع السودان وتنظيمها مرة أخرى لتتماشى مع حاجة الأمن الداخلي 42. لا يمكن الجزم بأن مرحلة ما قبل الاستقلال لم يكن لها تأثير في جذور التكوين الفكري للضباط العسكريين خلال المراحل اللاحقة، غير أني أ كثّف الضوء على الحالة السودانية بعد الاستقلال، باعتبارها دولة حديثة ذات سيادة غير مخطوفة الإرادة، كما كانت عليه الحال خلال فترة الحكم الثنائي. ووفقًا لذلك أ ناقش فيما يلي التحّولّات التي طرأت على الجيش السوداني بعد الاستقلال من خلال بُعَدَي السياسة والاقتصاد، استنادًا إلى الجدول.)1(بعد أن نال السودان استقلاله - وهي المرحلة التي تهمّنا في التصنيف - كان الجيش السوداني ينفّذ سياسات الحكومة الشرعية بوصفه جيشًا دفاعيًا، إلى أن برزت سريعًا معالم التحوّل الأول نحو جيش تدّخلّي، وذلك بعد المحاولة الانقلابية في حزيران/ يونيو 1957 التي قادها الرائد إسماعيل كبيدة ومجموعة من الضباط الصغار وطلاب الكلية العسكرية ضد حكومة عبد الله خليل الوطنية، احتجاجًا على الصراعات الحزبية والوضع السياسي. ولم يتم رصد أي جهة حزبية ساندت تلك المحاولة التي لم يحدث بعدها أي تهديد 43.
وقد اكتمل هذا التحوّل في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1958 بعد انقلاب الفريق إبراهيم عبود الذي كان تلبية لطلب رئيس الوزراء آنذاك عبد الله خليل، سكرتير حزب الأمة، يقول ميرغني طه: "كان الجيش السوداني طوال الفترة التي أعقبت الاستقلال وحتى وقوع ذلك الانقلاب موِّجّهًا اهتماماته لتطوير قدراته الاحترافية، والقيام بواجباته المحددة في الدستور. ولم تَرُصُد أي جهة وجود نشاط سياسي أو عمل تنظيمي سرّي يهدف إلى التدخّل ضد النظام الديمقراطي الشرعي والاستيلاء على السلطة" 44. ويستمر وصف الجيش السوداني ك "جيش تدّخلّي" بعد وقوع انقلاب عبود، نظرًا إلى وجوده في الساحة السياسية، إما عبر الانقلابات، وإما من خلال المحاولات الانقلابية، أو حتى من واقع وجود كوادر حزبية داخل الجيش حتى
| نظام الحكم | النشاط السياسي للجيش | النشاط الاقتصادي للجيش | التصنيف | |
|---|---|---|---|---|
| محاولات انقلابية فاشلة | انقلابات ناجحة | |||
| حكم مدني -1956( تشرين الثاني/ نوفمبر)1958 | محاولة واحدة | انقلاب الفريق إبراهيم عبود باتفاق مع رئيس الوزراء عبد الله خليل، سكرتير حزب الأمة | ________ | دفاعي |
| حكم عسكري (عبود) -1958( تشرين الأول/ أكتوبر)1964 | 3 محاولات | انحياز الجيش إلى ثورة شعبية أجبرت عبود على تسليم الُحُكم | ________ | تدّخلّي |
| حكم مدني -1964(أيار/ مايو)1969 | _ا_______ | انقلاب النميري، عبر كوادر حزبية داخل المؤسسة العسكرية وخارجها | ________ | تدّخلّي |
| حكم عسكري (النميري) -1969(نيسان/ أبريل)1985 | محاولتان | انحياز الجيش إلى ثورة شعبية انتهى بعدها حكم النميري | ________ | تدّخلّي |
| (نيسان/ أبريل 1985-1982) انتهى بسقوط النظام | طفيلي | |||
| حكم مدني -1986(حزيران/ يونيو)1989 | _ا_______ | انقلاب العميد البشير بمشاركة كوارد حزبية داخل المؤسسة وخارجها | ________ | تدّخلّي |
نيسان/ أبريل 1982. وبعد هذا التاريخ، وفي عهد الرئيس جعفر النميري 1985-1969() الذي وصل إلى الحكم بانقلاب عسكري في أيار/ مايو 1969، حدث تحوّل مؤقت في الجيش السوداني إلى "جيش طُفيلي"، نسبةً إلى تسلل الجيش إلى النشاط الاقتصادي المدني.، أ وفي نيسان/ أبريل 1982 سّس مجلس الشؤون الاقتصادية والعسكرية، بموجب قانون صادر عن جمعية الشعب، وتم إنشاء سبع شركات فردية، تعمل في مجالات التجارة، والنقل، والصناعة، والزراعة، والبنوك والتأمين، والإسكان والخدمات الصحية والتعليمية 45. ومن خلال استغلال نفوذ الدولة، حصلت هذه الشركات على امتيازات استثنائية، مثل الوصول التفضيلي إلى النقد الأجنبي، كما مُنحت وضعية احتكارية؛ ما مكّنها من السيطرة على السوق وإزاحة
الجدول)2(التحوّل الأول
المنافسين المدنيين 46. وبعد سقوط نظام النميري في نيسان/ أبريل 1985، تم إنهاء أنشطة الشركات العسكرية في القطاع الخاص، ما عدا نشاطها المتعلّق بالتصنيع العسكري، كما أ لغي مجلس الشؤون الاقتصادية والعسكرية 47.
2. التحوّل الثاني: من جيش تدخلي إلى جيش طُ فيلي
بعد سقوط نظام النميري، عقب ثورة شعبية انحاز إليها الجيش، تشكّلت حكومة عسكرية انتقالية برئاسة الفريق أول عبد الرحمن سوار الذهب، وزير الدفاع والقائد العام آنذاك، توّل ى المجلس العسكري الانتقالي إدارة البلاد إلى حين تسليم السلطة سلميًا إلى حكومة مدنية منتخبة في عام 1986، لتبدأ بذلك فترة الديمقراطية الثالثة)1989-1986( 48. اتّسمت هذه المرحلة بعدم الاستقرار؛ إذ تعاقبت خمس حكومات ائتلافية في أثناء أزمات سياسية واقتصادية متفاقمة 49، إضافة إلى تداعيات الحرب الأهلية في الجنوب التي شهدت تراجعًا ميدانيًا للقوات المسلحة بخسارتها عددًا من المدن والمعسكرات 50. وفي هذا السياق، قدّمت قيادة الجيش في 20 شباط/ فبراير 1989 مذكرة احتجاجية، موقّعة من 150 ضابطًا، على رأسهم القائد العام، إلى رئيس مجلس السيادة أحمد الميرغني ورئيس الوزراء الصادق المهدي، تضمّنت عشرين بندًا، تناولت قضايا عسكرية وسياسية، وشكّلت سابقة في علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة المدنية 51. كانت مذكرة الجيش ممارسة غير معهودة وشاهدًا جديدًا على الوصف التدّخلّي في الشأن السياسي. وقد انقسمت المواقف حول المذكرة؛ ففريق اعتبرها تعبيرًا مشروعًا عن مخاوف الجيش، وفريق آخر رأى فيها تدخلًامباشرًا في صلاحيات السياسيين، واعتبرها خطوة فتحت المجال للمغامرين من العسكريين 52. وقد عزّز انقلاب العميد عمر حسن أحمد البشير، في 30 حزيران/ يونيو 1989، هذه القراءة الأخيرة؛ إذ مثّل نقطة تحوّل أنهت التجربة الديمقراطية الثالثة، مع استمرار الوصف التدّخلّي فيما يتعلق بالمؤسسة العسكرية. وفي نيسان/ أبريل 2017 53، بدأ الجيش السوداني بالتحوّل نحو جيش طُفيلي مرة أخرى، على نحو ما جرى في عهد النميري حينما أقرّ البرلمان السوداني، الذي يهيمن عليه حزب المؤتمر الوطني الحاكم، العديد من التعديلات القانونية التي تسمح لمنظومة الصناعات الدفاعية، الذراع الاستثمارية للجيش، بالتوسع في النشاطات الاقتصادية المدنية المختلفة، فضلًاعن منحها امتيازات تتمثل في الإعفاءات الضريبية والجمركية 54، التي بلغت بحلول أيار/ مايو 2020 أكثر من 200 شركة، بإيرادات سنوية تبلغ 110 مليارات جنيه سوداني 55. وقد جرى اتفاق في 17 آذار/ مارس 2021 بين عبد الله حمدوك رئيس الوزراء آنذاك والفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة، على نقل مجموعة من الشركات التابعة للجيش إلى ولاية وزارة المالية. إّل ا أن هذا الاتفاق لم يكتمل تنفيذه، بسبب الاضطرابات السياسية التي كانت أبرز سمات الفترة الانتقالية. ونعتقد أن الجيش السوداني لم يتحوّل كلًّيًا إلى جيش طُفيلي على النحو الذي يجعله يبتلع القطاَعيَن الخاص والحكومي، كحالة الجيش المصري، على سبيل المثال 56. ونعتقد أن اتفاق آذار/ مارس 2021 يُعدّ خطوةً مهمة وغير مسبوقة في الاتجاه الصحيح، توحي بقبول المؤسسة العسكرية التنازل عن النشاط التجاري المدني في أوضاع توافقية مُعيّنة، على غرار ما جرى بعد سقوط نظام النميري 57.
| نظام الحكم | اااالنشاط السياسي للجيش | النشاط الاقتصادي للجيش | ي التصنيف | ||
|---|---|---|---|---|---|
| ا محاولات انقلابية فاشلة | سي انقلابات ناجحة | ||||
| حكم عسكري (يالبشير) | )2017-1989( | 4 محاولات | ________ | ________ | تدّخلّي |
| -2017(نأرييسان/ أبريل)2019 | ________ | انحياز الجيش إلى ثورة شعبية أنهت حيكم البشير | نشاط اقتصادي في القطاَعيَن المدني والعسكري | لي ُطُفيلي | |
| عسكري مدني 2019(–تشرين الأول/ أكتوبر)2021 البرهان وقوى الحرية والتغيير | محاولتان | انقلاب المكّوّن العسكري وفض ايلشراكة مع المكّوّن المدني)60( | نشاط اقتصادي في القطاَعيَن المدني والعسكري | ُطُفيلي | |
| عمسكري -2021(مستمر) (البرهان) | تمرد الدعم السريع | _ي_______ | نشاط اقتصادي في القطاَعيَن المدني والعسكري | ُطُفيلي | |
من خلال رصد ردات أفعال المؤسسة العسكرية تجاه الانقلابات العسكرية، يمكن أن نرى بوضوح ما أطلق عليه دايفيد شوتر "الجوع المؤسساتي" 58، الذي يشير إلى رغبة المؤسسة في الاستحواذ على السلطة والاحتفاظ بها. ويمكن أن نستنتج ذلك أيضًا من الجدولين 2(و 3)؛ فبينما نجحت الانقلابات العسكرية على الحكومات المدنية، من دون إبداء مقاومة من الجيش، ما عدا محاولة إسماعيل كبيدة، تمكّنت، في المقابل، المؤسسة العسكرية من التصدي للانقلابات العسكرية وحماية الأنظمة التي كان على رأسها عسكريون (عبود، النميري، البشير، البرهان.) وعلى الرغم من أن الانقلابات الناجحة كانت مدعومة سياسيًا من أحزاب مختلفة، فقد تبّي نلاحقًا أن قادة الانقلابات الذين استقروا في الحكم لم يقوموا بتلك الانقلابات ليحكم آخرون، وعملوا جاهدين على تعزيز سلطاتهم بالاعتماد على دعم المؤسسة العسكرية في مواجهة شركائهم في التخطيط والتنفيذ، للوصول إلى السلطة، بزجّهم في السجون و/ أو التضييق عليهم 59 .60 الجدول)3(التحوّل الثاني
والعسكري
وبينما كانت دوافع الانقلابات السابقة ذات بُعد سياسي بحت، ولم تظهر فيها عوامل أخرى اقتصادية أو إثنية أو قبلية، كان العامل الاقتصادي حاضرًا في انقلاب البرهان على الوثيقة الدستورية في تشرين الأول/ أكتوبر 2021 61. وفي الأحوال كلها، كانت الاضطرابات السياسية الناتجة من سوء الممارسة السياسية والتردّي الاقتصادي هي أبرز ذرائع الانقلابات التي تقف من ورائها الرغبة في السلطة، ومؤخرًا الثروة. ويبدو واضحًا أن هذا الموقع وهذا السلوك المتكرر كان وراء النظرة الضيقة تجاه العلاقات المدنية - العسكرية في السودان، وحصرها في السعي للسيطرة على الجيش أو الحدّ من نفوذه في ظل حضور "وسواس شبح الانقلاب"، في مقابل "الاستنجاد بالعسكر" الذي أصبح سمة مشتركة بين الأنظمة المتعاقبة في السودان.
رابعًا: من تقليل النفوذ إلى المشورة العسكرية
يُعدّ تفضيل نمط المشورة العسكرية ضرورة، وليس تنازلًاعن مبدأ السيطرة المدنية الديمقراطية؛ إنه ضرورة يُحتّمها الواقع الجديد لنظرية الأمن القومي التي تطوّرت مع تطوّر الحالَتيَن الاجتماعية والسياسية، ليكتسب الأمن أبعادًا أ خرى تتخطّى النظرة التقليدية
إلى الأمن، وبات الحفاظ عليه يتقاطع مع الجهات الفاعلة الحكومية كلها 62، بمعنى أن الدفاع أصبح أحد مكوّنات الأمن القومي الذي يتشارك في تحقيقه عدد من الجهات الفاعلة الحكومية، بوصفها أدوات للأمن، مثل وزارة الدفاع والخارجية والداخلية والمالية. ومن ثم، فإن إشراك العسكريين في فهم الأهداف الوطنية يُعزّز قدرتهم على تزويد القيادة السياسية بأفضل التقييمات المهنية بشأن استخدام القدرات والموارد العسكرية لتحقيق أهداف الأمن القومي. وذلك من واقع إدراكهم أن استخدام القوّة هو قرار سياسي، وهو جزء من استراتيجية أكبر، بمعنى أن السبب الرئيس لاستخدام القوة هو تسهيل الأهداف السياسية، وأن المسار العسكري يعمل ضمن مسارات أخرى. ويساعد هذا الفهم العسكريين في تقديم خطط مرنة تدمج الأدوار المختلفة للمؤسسات الحكومية، لذا، يتطلّب تحقيق استراتيجية متكاملة دمج عناصر القوة الوطنية كلها، فهي مسألة تكامل لا تنافس. في المقابل، فإن عدم إشراك العسكريين في فهم الأهداف، يجعل من الصعوبة تحقيق استراتيجية متكاملة 63. عمليًا، تحتاج مكافحة الإرهاب إلى مزيج من التعاون بين الجيش والشرطة وأجهزة الاستخبارات، فضلًاعن التعاون الخارجي مع دول العبور أو القدوم في حال تتبع خلية إرهابية. وهذا النمط من التعاون ينطبق أيضًا على مكافحة الهجرة غير الشرعية، التي تستوجب أحيانًا تعاونًا مع منظمات مدنية، تعمل على تقديم المساعدات الإنسانية والطبّية لضحايا التهريب. ويتطلّب كذلك تأميُنُ الحدود البحرية والثروة السمكية والساحل لدولة ما تعاونًا وتنسيقًا مستمرين بين القوات البحرية وخفر السواحل، إضافة إلى الوزارات التي يقع على عاتقها تنظيم حركة السياحة البحرية والصيد. وفي هذا السياق، يمكن التطرّق إلى العديد من الأمثلة التي تُشير إلى أن تنفيذ سياسة أمنية متماسكة وفاعلة يستلزم إشراك فاعلين عدة في مراحل التخطيط والتنفيذ، بمن فيهم العسكريون. وبالمثل، فإن تداخل العمل العسكري مع الشأن المدني لا يقتصر على القضايا الأمنية المباشرة، بل يمتدّ أيضًا إلى ملفات السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، مثل مسألة الابتعاث العسكري وعلاقته بالتحالفات والصفقات. وهو الأمر الذي يجعل التنازل عن اللوائح الصارمة وإبداء مرونة في تطبيقها على متدربين مبتعثين من دولة صديقة في الكليات والمعاهد العسكرية أحد المتطلّبات اللازمة للُمُضيّ قُدُمًا في عقد صفقات تجارية أو بناء تحالف جديد. في المقابل، فإن التمُسُك بها ربما يؤدّي إلى خلق أزمة دبلوماسية تُسبب خللًاطارئًا في سياسة الدولة الخارجية. ومرة أخرى يتّضح أن إشراك العسكريين لا يعني الإضرار بمبدأ السيطرة المدنية الديمقراطية، بل قد يكون أحد عناصر دعم سياسة الدولة الُكُلية. وبهذا، يمكن أن يؤدي الجيش دورًا سياسيًا حيويًا من دون قتال 64. وفيما يتعلق بالنشاط الاقتصادي، كان لتطوير الهند 1962() وباكستان 1972() قواعدهما الصناعية في مجال الذخائر أثٌرٌ بالٌغٌ في تعزيز الاعتماد على الذات وتقليل الاعتماد على الدول الغربية. فقد سمح تطوير هذه القواعد لهذه الدول بتعزيز قوّتها الوطنية والحفاظ على السيادة في المسائل الدفاعية، وزيادة فُرص العمل، وتوليد الإيرادات وتقليل الاعتماد على الواردات وزيادة الصادرات لكسب عملات أجنبية، فقد وصلت صادرات الدفاع الهندية، بحلول عام 2023، إلى 85 دولة 65، وحافظت الشركات الهندية على ظهورها من ضمن أفضل 100 شركة لإنتاج الأسلحة والخدمات العسكرية في العالم، بين عاَمَي 2002 و 2021، بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام 66. مع ذلك، فإن لغياب الإشراف والرقابة على النشاط الاقتصادي للجيوش نتائج عكسية؛ فبينما يعمل آلاف المجندين المصريين في الشركات العسكرية تحت إدارة عُليا مكوّنة من تكتلات من الضباط في الخدمة العسكرية والمتقاعدين، نجد أن النموذج التركي مؤسسي للغاية، ويعمل تحت إدارة مدنيين تكنوقراط وعّم ال مدنيين في الشركات العسكرية، مع وجود غير مؤثر لضباط عسكريين في مجلس الإدارة. وبينما غاب النقاش بشأن الأعمال التجارية العسكرية للجيش في مصر منذ وجوده في الاقتصاد، فإن القوة الاقتصادية للجيش التركي تتصدر نقاشات البرلمان التركي، كما وجدت مكانها في جداول أعمال النقاشات العامة والأكاديمية، وعلى مستوى المجتمع المدني 67. وتبرز الحالة التركية بوصفها حالة فريدة، تستحق الوقوف عندها، لا سيما
في مجال الصناعات الدفاعية التابعة للمؤسسة العسكرية 68، وكيف أنها في ظل علاقات مدنية - عسكرية صحّية، انتقلت من "نموذج الإنتاج القائم على التهديد إلى نموذج الإنتاج القائم على المواهب والابتكار، ومن منظور أمني عسكري إلى منظور مدني عسكري" 69. بناء عليه، يعكس التحوّل من منطق تقليص النفوذ العسكري إلى نهج المشورة تطوّرًا في طبيعة العلاقات المدنية - العسكرية، يقوم على إدراك أن دور الجيش لا يقتصر على القتال فحسب، بل يمكن أن يكون شريكًا فاعلًافي السياسة والأمن والاقتصاد، شرط أن يتم ذلك في إطار من التكامل المؤسسي والمشورة المهنية والرقابة المدنية الديمقراطية. وبذلك يمكن أن يتحوّل وجود الجيش في المجالين السياسي والاقتصادي من مصدر تهديد للديمقراطية إلى مقاربة أوسع، تجعل هذه العلاقة رافعة حقيقية للأمن والتنمية والسيادة الوطنية.
خاتمة
إن الهدف الأساسي من هذه الدراسة هو إعادة النظر في العلاقة بين المدنيين والعسكريين من منظور أوسع وأشمل، يتجاوز النهج التقليدي الذي يركّز على كيفية منع الانقلابات العسكرية فحسب، وهو نهج أدّى إلى إضعاف الجيش، وزاد من وتيرة الصراعات بين المدنيين والعسكريين. وقد بدأنا بطرٍحٍ ينتقد النظريات التقليدية في حقل العلاقات المدنية - العسكرية، وعرضنا نموذجًا بديلًايتمثّل في أن اتّباع نموذج حديث لهذه العلاقات يشمل إشراك العسكريين في فهم الأهداف الوطنية والسياسات الاستراتيجية للدولة، يساهم في تحقيق الأمن القومي، وأن النشاط الاقتصادي للجيش فيما يتصل بالصناعات الدفاعية في ظل رقابة فاعلة يساهم في تلبية الاحتياجات العسكرية وتعزيز السيادة الوطنية وخدمة السياسات الخارجية. وقد وجدنا دعمًاقويًا لهذا التوجّه في الدراسات الحديثة للعلاقات المدنية - العسكرية. من خلال دراسة تفاعل الجيش مع المجالين السياسي والاقتصادي، تم تصنيف الجيوش أربعة أصناف (ينظر الجدول 1.) وفي ضوء هذه التصنيفات، تم النظر إلى حالة الجيش السوداني والوقوف على التحّولّات التي مرّ بها منذ الاستقلال (ينظر الجدولان 2 و 3.) ثم قدّمنا ملمحًا لما يمكن تطبيقه عمليًا نحو نموذج لعلاقات مدنية - عسكرية ترتكز على التكامل والتعاون، وليس على التنافس والصراع، ما يمكن أن يُشكل لبنة أولى في بناء مقاربة جديدة لهذه العلاقات، ومنطلقًا لبحوث أعمق وأكثر تفصيلًا، للوصول إلى جيش احترافي، يكون له دور مفيد في العملية السياسية، ولا يتغوّل على موارد الدولة، ويستثمر فيها من دون رقيب. يمكن أن يوفّر تكثيف الدراسات المتخصصة في هذا الحقل حلولًا عملية للحالة السودانية، وذلك بتوسيع الأجندة البحثية في الدراسات المستقبلية، والتطرّق إلى العديد من المسائل التي تساعد في الاستفادة من قدرات العسكريين، مثل كيفية دمج سياسة الدفاع في السياسات الخارجية، من خلال التحالفات العسكرية والمشاركات الدولية، وآليات دمج نظام التعليم العسكري في نظام التعليم الحكومي على النحو الذي يُعزّز قدرات الُنُخب العسكرية، ويزيد من اندماجهم في المجتمع، وكذلك دراسة تأثيرات النشاط الاقتصادي للجيش في الاقتصاد الوطني، وسبل تحسين الشفافية والحوكمة في هذا المجال، والوقوف على تجارب دول أخرى في إدارة العلاقات المدنية - العسكرية واستخلاص الدروس المستفادة التي يمكن تطبيقها في السودان.
المراجع
العربية
الآغا، ملاذ. "دمقرطة العلاقات المدنية العسكرية التركية وأثرها في)". ورقة استراتيجية تطور الصناعات الدفاعية 2022-2002(، رقم 12. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2023/12/28 في https://acr.ps/1L9GP52:. الأفندي، عبد الوهاب. "العرب والسودان: بين السلبية والغياب." سلسلة ملفات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات https://bit.ly/3AzzuV0:). في 2011 (شباط/ فبراير باراني، زولتان. "القوات المسلحة وعمليات الانتقال السياسي." سياسات عربية. مج 5، العدد 24 (كانون الثاني/ يناير.)2017 ________. الجندي والدولة المتغيرة: بناء جيوش ديمقراطية في أفريقيا وآسيا وأوروبا والأميركتين. ترجمة نبيل الخشن. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 البدوي رحمة الله، البدوي عبد القادر. الثقافة السياسية والعلاقات المدنية العسكرية: دراسة حالة القوات المسلحة السودانية. برلين: المركز الديمقراطي العربي،.2022 ________. "إصلاح قطاع الأمن مدخلًالتحقيق الأمن الإنساني: الُفُرص ورقة استراتيجية. رقم والتحديات." 20. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2024/6/2:. في https://acr.ps/1L9GP4f بشارة، عزمي. الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي ومآلاته. إعداد وتنسيق محمد جمال باروت. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 الجيوش والتحوّل الديمقراطي في أفريقيا: معوّقات بناء الدولة الوطنية. حمدي عبد الرحمن (محرر.) الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.2015 النخبة السودانية وإدمان الفشل. ج. خالد، منصور. 2 الخرطوم: الساق للنشر والتوزيع،.1993 سيرا، نارسيس. الانتقال العسكري: تأّملّات حول الإصلاح الديمقراطي للقوات المسلحة. ترجمة وفيقة مهدي. بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر،.2016 شوتر، دايفيد. حوكمة وإدارة قطاع الأمن. بريتوريا: معهد الدراسات الأمنية،.2011 صايغ، يزيد. فوق الدولة: جمهورية الضباط في مصر. بيروت: مركز كارنيغي للشرق الأوسط،.2012 طه، عصام الدين ميرغني. الجيش السوداني والسياسة: دراسة تحليلية للانقلابات العسكرية ومقاومة الأنظمة الدكتاتورية في السودان. القاهرة: مركز الدراسات السودانية،.2002 غماري، طيبي. الجندي والدولة والثورات العربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 الفكي، عبد الرحمن. تاريخ قوة دفاع السودان. السودان: الدار السودانية،.1971 قوجيلي، سيّد أحمد. الدراسات الأمنية النقدية: مقاربات جديدة لإعادة تعريف الأمن. عمان: المركز العلمي للدراسات السياسية،.2014 مقالات مرجعية في دراسات الانتقال الديمقراطي. ترجمة الباسل الحوراني [وآخرون.] مراجعة محمد حمشي وعبد الفتاح ماضي. تقديم محمد حمشي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 المهدي، الإمام الصادق. الديمقراطية في السودان راجحة وعائدة. ط 2. القاهرة: مكتبة جزيرة الورد،.2015 النور، خالد التيجاني. "السودان وجدلية العسكري والمدني: الفرص وتحديات الانتقال." ورقة تحليلية. مركز الجزيرة للدراسات. 2019/4/23 في https://acr.ps/1L9BPyH:. وادراوغو، إميل. "الارتقاء بالاحتراف العسكري في أفريقيا." مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية (واشنطن.) البحث السادس https://acr.ps/1L9GP2R:). في 2014 (تموز/ يويليو
الأجنبية
Anderson, Mark. "Bad Company: How Dark Money European Transition." Sudan's Threatens Council on Foreign Relations. 14/7/2022. at: https://short-link.me/JGrI
Bennett, Douglas W. Military Advice and Civil-Military Relations. Fort Leavenworth, KS: School of Advanced Military Studies, United States Army Command and General Staff College (2010). at: https://short-link.me/JwsF Bienen, Henry & Jonathan Moore. "The Sudan: Military Economic Corporations." Armed Forces & Society. vol. 13, no. 4 (Summer 1987). Brooks, Risa. "Paradoxes of Professionalism: Rethinking Civil-Military Relations in the United States." International Security. vol. 44, no. 4 (Spring 2020). Cartwright, Gen James E. "Best Military Advice." Strategic Studies Quarterly (Fall 2015). at: https://acr.ps/1L9GPdq Constitutionalism and Democracy. J. Elster & R. Slagstad (eds.). Cambridge: Cambridge University Press, 1988. Feaver, Peter D. Armed Servants: Agency, Oversight and Civil-Military Relations. Cambridge: Harvard University Press, 2003. Gates, John M. "The 'New' Military Professionalism." Armed Forces & Society. vol. 11, no. 3 (Spring 1985). Hoffmann, Anette & Guido Lanfranchi. Kleptocracy versus Democracy: How Security-Business Networks Hold Hostage Sudan's Private Sector and the Democratic Transition. The Hague: Clingendael Institute, October 2023. Huntington, Samuel P. The Soldier and The State: The Theory and Politics of Civ Civil-Military Relations. Massachusetts: Harvard University Press, 1957. Janowitz, Morris. The Professional Soldier: A Social and Political Portrait. Glencoe, IL: Free Press, 1960. Lima, Michael. "Strategic Competition and Self-Reliance: Analyzing Munitions Industrial Bases in India and Pakistan amid Great-Power Rivalry." Journal of Indo-pavific Affairs (July-August 2023). Reis, João Carlos Gonçalves dos. "Politics, Power, and Influence: Defense Industries in the Post-Cold War." Social Sciences. vol. 10, no. 10 (2021). Sarkesian, Sam C. "Military Professionalism and Civil- military Relations in the West." International Science Review. vol. 2, no. 3 (1981). Sayigh, Yezid. "Sudan's Military Companies Go Civilian: How the Recent Divestment Agreement Can Succeed." Carnegie Middle East Center. 23/4/2021. at: https://n9.cl/2atuy "SIPRI Arms Industry Database." Stockholm International Peace Research Institute (December 2022). at: https://short-link.me/JlDG Stepan, Alfred. Arguing Comparative Politics. Oxford: Oxford University Press, 2001. Strategies and Trends in Organizational and Project Management. P. V. Trifonov & M. V. Charaeva (eds.). Lecture Notes in Networks and Systems. vol. 380. Cham: Springer, 2022.