تمثيل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في صحافة النخبة الأميركية: خطاب الأخلاق والقوة
الملخّص
This study examined representations of the Israeli military establishment in the U. S. elite press, focusing on aspects of power and morality. it poses a key question: How did the Israeli military establishment appear to be represented in the American elite press after October 7 , 2023. The study employs critical discourse analysis (CDA) techniques alongside a review of relevant literature and secondary sources to uncover the characteristics of the representations constructed by media narratives. This is achieved through reflective thematic analysis of in-depth reports from a sample of American elite press outlets, represented by three major publications: The New Yorker, The Atlantic, and Foreign Policy. The findings reveal that much of the journalistic discourse has focused on the moral dilemma surrounding the Israeli military's actions. The moral reputation of the Israeli military establishments, once central to its image, has suffered significant erosion. Additionally, the analysis highlights notable shifts in the perception of power, self-defense, technological and qualitative superiority, and the image of victory. Keywords: Media Representation, Israeli Army, American Elite Press, Critical Media Discourse.
Media Representations of the Israeli Military in the U. S. Elite Press: Discourse of Ethics and Power
تفحص هذه الدراسة تمثيلات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في صحافة النخبة الأميركية، مع التركيز على جوانب القوة والأخلاق. وتطرح سؤالًا رئيسا مفاده: كيف جرى تمثيل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في صحافة النخبة الأميركية في تغطية الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان خلال الفترة 2023 - 2025؟ وتعتمد على تقنيات تحليل الخطاب النقدي إلى جانب مراجعة الأدبيات والمصادر الثانوية للكشف عن التمثيلات التي شّك لتها الخطابات الصحافية المبحوثة، وذلك من خلال التحليل الموضوعي لمحتوى التقارير المعمقة لعيّنات من صحافة النخبة الأميركية ممثلة بثلاث مجلات، هي: ذا نيويوركر، و ذي أتلانتك، و فورين بوليسي. وتخلص الدراسة إلى أن جل الخطاب الصحافي ركز على المعضلة الأخلاقية، وأن سمعة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي طالما ش يِدت على البعد الأخلاقي قد فقدت الكثير من رصيدها، إلى جانب تحولات واضحة في نظرة هذا النوع من الصحافة إلى تمثيلات القوة والدفاع عن النفس والتفوّق النوعي والتكنولوجي. كلمات مفتاحية: التمثيل الإعلامي، الجيش الإسرائيلي، صحافة النخبة الأميركية، الخطاب الإعلامي النقدي.
مقدمة
شهدت التمثيلات الإعلامية للجيش والمؤسسات الأمنية الإسرائيلية في الخطاب الإعلامي الغربي تطورًا ملحوظًا عبر الحروب العربية - الإسرائيلية، حيث أدّت وسائل الإعلام الغربية دورًا محوريًا في تشكيل تصورات الجمهور على مدى عقود. وبلغت هذه الصورة ذروتها بعد حرب حزيران/ يونيو 1967، حينما تجسدت صورة "الجيش الذي لا يُقهر." وعلى الرغم من التحديات والضربات التي تعرّضت لها المؤسسات العسكرية والأمنية الإسرائيلية، ما انفك خطاب القوة والتفوق يتعزّز، مدفوعًا بتنامي اعتماد المؤسسات على التكنولوجيا المتقدمة وعمليات الاغتيال الدقيقة؛ ما رسّخ صورة تفوّق الأجهزة الأمنية والاستخبارية على صعيد دولي. وقد ساهمت الخطابات الإعلامية الغربية، وتحديدًا الأميركية، منذ اندلاع الانتفاضة الأولى أو انتفاضة الحجارة عام 1987، في تعميق صورة "التفوّق الأخلاقي" للجيش الإسرائيلي على مدار العقود الماضية؛ بدافع تبرير الاشتباك مع المقاومة الشعبية المعزولة من السلاح في أغلب الأوقات. في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وفي الذكرى الخمسين لحرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، تعرضت هذه الصورة لضربة جديدة ومؤثّرة، ترافقت مع تحولات بارزة في الخطاب الإعلامي. في هذا السياق، تتناول هذه الدراسة سؤلًا رئيسًا مفاده: ما تمثيلات المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية في صحافة النخبة الأميركية بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023؛ أي مرحلة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ولبنان؟ وتركز على ثلاث محطات رئيسة، هي: عملية "طوفان الأقصى"، والقصف الجوي الإسرائيلي للأحياء المدنية في غزة والغزو البري، وعمليات الاغتيال التي استهدفت قيادات حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وحزب الله. تعتمد الدراسة على تقنيات تحليل الخطاب النقدي إلى جانب مراجعة الأدبيات والمصادر الثانوية للكشف عن التمثيلات التي شكّلتها الخطابات الصحافية المبحوثة، وذلك من خلال التحليل الموضوعي لمحتوى التقارير المعمقة لعيّنات من صحافة النخبة الأميركية ممثلة بثلاث مجلات، هي: ذا نيويوركر The New Yorker و ذي أتلانتك The Atlantic و فورين بوليسي Foreign Policy. وتقسم إلى ثلاثة مباحث رئيسة: يقدّم المبحث الأول الإطار النظري، ويتناول الإعلام وبناء تصورات الحرب؛ أمّا المبحث الثاني فيفحص تطور صورة الجيش الإسرائيلي والمؤسسات الأمنية في الصحافة الغربية؛ في حين يناقش المبحث الثالث نتائج الدراسة التحليلية لتمثيلات الجيش والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، كما تبدو في تغطية المجلات الأميركية الثلاث.
أولًا، الإطار النظري: الإعلام وبناء تصورات الحرب
تطورت مفاهيم الصورة النمطية والصورة الذهنية والتمثيل في الدراسات الإعلامية منذ النصف الثاني من القرن العشرين. فقد بقي هناك تفاوت وتداخل متعدد المستويات في استخدام مفهوَمَي الصورة الذهنية والصورة النمطية، ولعل أقدم الإشارات إلى الصورة الذهنية في الإعلام جاء بها والتر ليبمان الذي طوّر المفهوم لاحقًا، وأوضح أنّ الصور في أذهان الناس غالبًا ما تختلف عن الواقع، وهو صاحب عبارة "العالم في الخارج والصورة في أذهاننا." ورأى ليبمان أنّ الرأي العام ما هو إلا رد فعل على ما يتلقاه الجمهور من محتوى وسائل الإعلام، أو هو صورة له، وليس بالضرورة انعكاسًا للواقع 1. من ناحية أخرى، حاَّجَ كينيث بولدينغ في عمله المهم، في كتابه الصورة: المعرفة في الحياة والمجتمع، بأنّ الصورة هي المعرفة الذاتية التي يحوزها المرء نتيجة علاقاته بالعالم، وهي تحدد نظرته إلى العالم، وإحساسه بالوجود في المكان والزمان، كما أنها شبكة من المعارف والعلاقات والعواطف الإنسانية 2. ويذهب إلى وجود ثلاثة تأثيرات للرسائل الخارجية في الصورة: فهي قد تظل بعيدة عن التأثّر، وقد تُحدث الرسالة تأثيرًا بسيطًا، وقد تخضع الصورة لتغيير ثوري وإعادة تنظيم 3. تُعَّرّف الصورة أيضًا بأنها "البنية المعرفية والعاطفية والتقييمية الكلية لوحدة السلوك، وهي الرؤية التي تحدد النظرة للذات وللكون" 4. والصور النمطية هي تصوّر شبه ثابت وذات طابع عام، أي إنها جماعية، أمّا الصور الذهنية فهي في الأغلب تتشكل فرديًا. أخيرًا، التمثيل هو الواقع الذي يجري إنشاؤه من خلال وسائل الإعلام، ويمكن التعرف إليه عبر تحليل النصوص والخطابات الإعلامية، حيث تعمل وسائل الإعلام على خلق التمثيلات بوصفها ممارسات دلالية مركزية لإنتاج معنى مشترك 5. تُعدّ تمثيلات المنظمات والمؤسسات في وسائل الإعلام عنصرًا مهمًا للغاية في تشكيل التصور العام للأمم والدول، والجيوش والمؤسسات
6. ومع تزايد الاعتماد على وسائل الإعلام والمعلومات الأمنية الأخرى ، باتت المصلحة الوطنية، في أوقات الحروب، الهدف الأساسي لوسائل الإعلام؛ ومن ثمّ، فإن التغطية الإعلامية، وخاصة في الصراعات والحروب، تصبح وطنية؛ ما يؤدي إلى المساس بالممارسات الصحافية المهنية 7. وتذهب بعض نظريات الحرب الحديثة إلى أن الحروب لا تُحَسَم في ساحات الوغى فحسب، بل تُكسب أيضًا في عقول الناس ومن خلال تشكيل إدراك الجمهور. فعلى سبيل المثال، تمكّنت الولايات المتحدة الأميركية من إلحاق دمار واسع بخصمها في حرب فيتنام، وحققت جانبًا مهًّم امن أهدافها، وكسبت أغلب المعارك العسكرية، لكن ما ترسّخ في أذهان الأميركيين من خلال وسائل الإعلام أنهم خسروا تلك الحرب. ويتعلق ذلك بكيفية تقديم رواية الحرب ومبرراتها، وبطريقة عرض مجرياتها، ومستوى الدعم الشعبي الذي حظيت به. وقد أُطلق على هذه العوامل اسم "سرديات الحرب" 8. إن تصور الحرب هو إحدى نتائج السرديات الإعلامية الرئيسة، وعادة ما يتشكل من عناصر أساسية هي أطراف الصراع وتعريف وسائل الإعلام لكل طرف من خلال التمثيلات التي تحدد عادة الأوصاف والأدوار، وتعريف طبيعة الصراع، والمخاطر التي ينطوي عليها، والحالة النهائية المرغوبة، وتحديد الوسائل، وتقدير مدة الحرب، وتحديد معنى النصر 9. ولا يمكن فهم تمثيلات الحرب والجيوش المشاركة فيها فهمًاسوًّيًا بالاقتصار على تحليل عناصر الخطاب والسردية، بل لا بد من البحث في السياق، أي في الكيفية التي تُفرَّس ربها الأحداث والمعلومات والسرديات من خلال التجارب الثقافية والتاريخية والسياسية 10. ويذهب ستيوارت هول إلى أن وسائل الإعلام لا تنقل المعلومات فحسب، بل تضطلع بدور فاعل في بناء الواقع من خلال عمليات انتقاء السرديات وتأطيرها وتمثيلها؛ وهي عمليات تسهم في إعادة تشكيل إدراكات الجمهور. وغالبًا ما تشَّفَر الرسائل بقيم مقصودة وانتقائية، تصوّر دولًاأو كياناٍتٍ أو مجموعاٍتٍ معيّنةً على أنها "الآخر." وتتضمن هذه العملية التمييز بين مجموعات على أنها "طبيعية" وأخرى على أنها "مغايرة" 11. وفي أوقات الحرب، غالبًا ما يُصَّوَر الخصوم بوصفهم "الآخر"؛ إذ تقدّمهم وسائل الإعلام على أنهم مختلفون جوهريًا، لا يقتصر تهديدهم على طرف بعينه، بل يُصاغ وجودهم باعتباره تهديدًا للجميع. ولا ينحصر التمثيل في الوصف، بل يشمل بناء المعنى من خلال تشكيل إدراكات الجمهور، عبر توظيف الصور النمطية والرموز والاستعارات التي يمكن أن تجرّد مجموعات معينة من إنسانيتها، بينما تضفي قيمة أخلاقية عالية على مجموعات أخرى. وتعمل عملية خلق "الآخر/ العدوّ" على تبرير أفعال أو سياسات أو عمليات القتل والتدمير؛ ما يؤثّر في المواقف، وفي بناء التصورات العامة 12. ويوظف التمثيل أيضًا الصور النمطية لإنشاء حدود بين المقبول وغير المقبول؛ وباستخدام هذه الرموز، تخلق المجموعة الداخلية أيضًا انطباعًا واضحًا عن "نحن." ومن خلال تصنيف الذات والآخر، يجري تعزيز الشعور بالقوة والفضيلة الأخلاقية 13. ومن خلال تعزيز سرديات الخطر والحاجة إلى الحماية الدائمة، تعمل وسائل الإعلام على تهيئة بيئة تجعل الجمهور ينظر إلى الصراع بوصفه حالة طبيعية أو مبررة 14. وليست تقارير الحرب سردًا موضوعيًا بحتًا، بل هي عملية منظمة وانتقائية تبني "واقعًا" محددًا 15، كما أن الروتين والمواعيد النهائية والقرارات التحريرية في تغطية الحرب تسهم في تكوّن أنماط متكررة، وتؤثّر في الطريقة التي يفرّس ربها الجمهور الأحداث 16. إنّ كل عدوّ هو "آخر"، ولكن ليس كلّ "آخر" عدًّوًا، ويمكن توضيح عملية إنشاء صورة العدوّ من خلال خلق الآخر أولًا، وذلك وفقًا لتسلسل مفهومي. تتشكل التمثيلات المضادة عندما تُعَّرَف الذات تدريجيًا على أنها نقيض للآخر. إذا أ دِرَِكَ الآخر على أنه يمثّل تهديدًا في لحظة تاريخية معيّنة، يمكن تحويله بسهولة إلى صورة العدوّ. وقد تتطور تمثيلات العدوّ الراسخة ليصبح عدًّوًا لدودًا، يمثّل تهديدًا
دائمًا وقائمًا 17. وعندما ثَل الآخر على أنه عدوّ، يعَّرَف بأنه شرير، بمعنى أنّ جوهره وذاته موسومان بالشر، والأدوار التي يؤديها شريرة بطبيعتها. وفي هذه الحالة، يبدو قتله وتدميره أمرًا عقلانيًا ومشروعًا، بل حتى مشرّفًا 18. بلغت ثقافة التلفزيون ذروتها في تمثيل الحرب وصورها، وخلّدت لحظات أيقونية للجيوش في سياقات تاريخية مميزة. لكننا، في العصر الرقمي، نشهد مرحلة جديدة من الحروب تركّز على بناء تصورات الجمهور، حيث اندمجت النصوص والصور والمشاهد المرئية مع الصور الإدراكية والبصرية، لتشكّل مزيجًا فريدًا يعكس طبيعة العالم الرقمي الجديد. وهكذا، بدأ عصر جديد لتوظيف الصور وتصنيع الخيال، من خلال المزج بين المصالح والعواطف 19. في هذا العالم، أصبحت "حروب الصور" Warfare Images لا تقتصر على ساحات القتال، بل نشأت جبهة جديدة للصراع على بناء التصورات. إن ما يميز هذه الحرب هو أنها شكل غريب من أشكال "حرب الجميع ضد الجميع"؛ إذ بات كل مستخدمي الشبكات الرقمية قادرين على خوضها عبر الإنترنت. وتصاعد حضور هذا المفهوم مع صعود الحروب غير المتماثلة، فقد تحولت الصور المادية والذهنية والنمطية إلى بديل من الأساليب العسكرية أو مكمّل لها في تحقيق الأهداف 20. فالحروب الجديدة في القرن الحادي والعشرين لم تُْفِْضِ عمومًا إلى انتصارات حاسمة يحققها طرف على آخر؛ ما دفع إلى الاعتماد على آليات بناء التصورات العامة لإثبات التفوق، والسعي نحو تحقيق ما يُعَرَف ب "صورة النصر."
ثانيًا: التطور التاريخي لتمثيلات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وصورها في الإعلام الغربي
تصف البحوث تغطية الصحافة الغربية للصراع في الشرق الأوسط بأنها معقّدة ومتشابكة. وليس العرب والفلسطينيون وحدهم من يشتكون من تحيز الإعلام الغربي لمصلحة الرواية الإسرائيلية، بل برزت أيضًا انتقادات تشير إلى تحوّل الدولة الإسرائيلية أحيانًا إلى "كبش فداء" في وسائل الإعلام العالمية 21. ومع ذلك، فقد أكدت غالبية البحوث الموثوقة وجود تحيّز غير متوازن في وسائل الإعلام الغربية، وتحديدًا الأميركية، إلى الرواية الإسرائيلية 22.
1. تطور صورة الدفاع والقوة
في العقود الأولى من القرن العشرين، وخلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، صوّرت معظم وسائل الإعلام الغربية "الهاغاناه" بوصفها قوة دفاعية، وركزت تغطياتها على "بطولة" أفرادها و"تضحياتهم"، وصوّرتهم على أنهم حركة نضال تهدف إلى إقامة وطن قومي لليهود يحميهم من الاضطهاد 23. ويعود ترسيخ مفهوم "الدفاع" في صورة الجيش الإسرائيلي إلى السرديات المبكرة. فقد كانت الهاغاناه، التي تعني بالعبرية "الدفاع" أو "الحماية"، النواة التي انبثق منها لاحقًا "جيش الدفاع الإسرائيلي" بعد حرب 1948. وقد أضفت وسائل الإعلام الغربية، منذ وقت مبكر، طابع الاعتدال على صورة الهاغاناه، وقدّمتها قوة دفاعية، مميزةً إياها من المجموعات والميليشيات العسكرية اليهودية الأخرى، مثل "الأرغون" و"الشتيرن"، حيث اعُتبُرت الأكثر اعتد لًاوفضيلة 24. وظل هذا المفهوم الدفاعي، الذي ارتبط بالجيش الإسرائيلي منذ ذلك الحين، يمثّل الثقل الرئيس في تصوير هذه القوة العسكرية. ومع ذلك، فإن استراتيجية الهاغاناه، كما يصفها المؤرخ آفي شلايم، عُرَفَت ب "الدفاع الهجومي"، وكانت جزءًا من خطة مدروسة مسبقًا لتهجير الفلسطينيين وطردهم بالقوة 25. أغفلت معظم وسائل الإعلام الغربية إدراج أنشطة الهاغاناه ضمن السياق الأوسع للاستراتيجيات الصهيونية الرامية إلى الاستحواذ على الأراضي وفرض التهجير القسري. ويبرز مثال ذلك في تجاهل التغطية الإعلامية الغربية لدور الهاغاناه في تهجير الفلسطينيين قرسرًا من أراضيهم عام 1948 26. ويندرج في هذا الإطار اعتماد التغطية الإعلامية الغربية على الرواية الإسرائيلية، التي صورت الحرب ملحمة
بطولية خاضها الجيش الإسرائيلي ضد سبعة جيوش، وقدّمتها بوصفها انتصارًا للقلّة على الكثرة، بينما تشير الوقائع التاريخية إلى أن حجم القوات الإسرائيلية كان ضعف القوات العربية، فضلًاعن تفوّقها الواضح في التسليح والتنظيم 27. منذ أوائل الخمسينيات، شرعت إسرائيل في حملة دعائية متواصلة وبعيدة النظر للتحضير لحرب مستقبلية طالما أشير إليها بوصفها "حرب البقاء الوطني الحتمية." وقد عملت الدعاية الإسرائيلية على تعديل صورة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في إطار البحث عن المزيد من صفقات التسليح، وروّجت لمفهوم "شمشون الضعيف"، أي الشجاع الذي يحتاج إلى دعم إضافي. وفي هذا السياق، يمكننا تفسير حرب السويس عام 1956، حينما احتل الجيش الإسرائيلي غزة وسيناء، واضطر إلى الانسحاب منهما تحت الضغط الدولي، بوصفها تأكيدًا لصورة الجيش الوليد القوي، مع إغفال أيّ إشارة إلى طموحات توسعية. مرة أخرى، جرى تمثيل وسائل الإعلام الغربية لحرب حزيران/ يونيو 1967 على أنها حرب دفاعية شنّتها إسرائيل، على الرغم من أنها وسّعت الأراضي التي احتلتها بمقدار أربعة أضعاف. ومع ذلك، كشفت العديد من الوثائق أن الجيش الإسرائيلي استعد لهذه الحرب على نحو مكثف طوال 19 عامًا؛ ما ينفي كونها حرب صدفة أو حربًا استباقية، كما ادعى السياسيون ووسائل الإعلام 28. شكّلت وسائل الإعلام الغربية صورة مشبعة بالإعجاب حول كيفية تغيير الجيش الإسرائيلي للشرق الأوسط جذريًا وتأثيره العميق في السياسة الدولية. فقد برزت سردية تسلط الضوء على العسكريين الإسرائيليين البارزين والمبتكرين، الذين طوّروا استراتيجيات مرنة وخططًا عملياتية وتكتيكات ميدانية مكّنتهم من التفوّق على القوات العربية الكبيرة 29. وبرزت تمثيلات أخرى أكثر تطرفًا في الصحافة الغربية مع اندلاع الحرب، وقادت إلى تشكيل "صورة المعجزة." فقد صوّرت الصحافة اليهودية في أوروبا والولايات المتحدة ما حدث على أنه ثمرة عون من الربّ؛ وقدّمت سردًا احتل مساحات كبيرة في العديد من الصحف الغربية، مفاده أن النصر هبة من الربّ، بل إن العمليات العسكرية التي خاضها الجيش تحاكي السرد التوراتي، وأن الرعب الذي أصاب الجيوش العربية يماثل الرعب الذي حلّ بأعداء اليهود في معاركهم التوراتية 30. ومثّل انتصار حزيران/ يونيو أكبر فرصة لإسرائيل لتعزيز خطاب الهولوكوست في وسائل الإعلام الغربية 31. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1973، واجهت إسرائيل أعظم تهديد وجودي لها منذ تأسيسها عام 1948. وفي الواقع، أبرزت وسائل الإعلام الغربية الهجوم العربي بوصفه إحدى المفاجآت الاستراتيجية الكبرى في القرن العشرين، وانتقدت بعض الوسائل الفشل الاستخباري الإسرائيلي، وتحديدًا الفرنسية والبريطانية 32. أمّا في الصحافة الأميركية، فقد راجت صورة البطولة والمرونة، حيث سلطت التغطية المبكرة الضوء على مرونة الجيش الإسرائيلي في مواجهة الصعاب الجسيمة، وقدرة إسرائيل على التعبئة السريعة والتكيف الاستراتيجي، فضلًاعن التفوّق التكنولوجي الذي استطاع قلب مجريات القتال في وقت قصير 33. لقد عزّز هذا التمثيل المشبع بالقوة والتفوق تصوّرات الجمهوَرَين الإسرائيلي والغربي تجاه الجيش الإسرائيلي والمؤسسات الأمنية الإسرائيلية، وصورة الجندي الإسرائيلي المرتبطة بالرجولة والذكورة 34. وبدأت هذه الصورة تتراجع تدريجيًا مع مطلع الثمانينيات؛ نتيجة عوامل متعددة، أبرزها الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، وارتفاع التكلفة الأخلاقية المرتبطة بمسألة اللاجئين وحق العودة، وتعامل الجيش مع المدنيين في المناطق المحتلة، وتحديدًا بعد انطلاقة الانتفاضة الأولى عام 1987، والعمليات العسكرية المحدودة أو المتوسطة، بما فيها الوجود العسكري الطويل الأمد في المنطقة الأمنية في لبنان، وحرب لبنان الثانية عام 2006، وعملية "الرصاص المصبوب" في غزة 2009-2008(.) وعلى المستوى الداخلي الإسرائيلي، تحولت صورة الجندي الإسرائيلي من صورة الرجال الذكوريين إلى صورة يديعوت أحرنوت، في الأولاد المغَّرَر بهم؛ فقد ورد في صحيفة 27 حزيران/ يونيو 1982، عنوان "دعوا الأولاد يعودون إلى ديارهم قبل
فوات الأوان" 35. ومنذ ذلك الحين، أصبحت صورة الجيش الإسرائيلي وطريقة تمثيله في وسائل الإعلام مسألة معقدة ومثيرة للجدل، لا سيما مع تزايد قوة التدخل الرسمي في صياغة التصوّرات العامة، فقد أخذت وحدة الناطق الرسمي باسم الجيش تؤدي دورًا أساسيًا في العلاقات الإعلامية الدولية، وبناء التصوّرات العامة حول الجيش، في الوقت الذي طورت فيه إسرائيل خلال العقود التالية قدرة واسعة النطاق على الضغط وتعزيز العلاقات العامة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة 36. وفي أجواء الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، صُِّوِرت الضفة الغربية في وسائل الإعلام الغربية على أنها ساحة معركة، حيث يظهر الفلسطينيون من خلال "رماة الحجارة، والاحتجاجات، وإضرام النيران، وعمليات طعن، وإحراق العلَميَن الإسرائيلي والأميركي"، بينما صُِّوِر الجيش الإسرائيلي بوصفه يطلق "الرصاص المطاطي" أو عبر تعليقات تشير إلى أن الجنود يتلقّون أوامر بعدم إطلاق النار إلا إذا تعرضت حياتهم لخطر فعلي 37. وقد أثبتت دراسات نشرها مات فيزر 38، وكل من غادي وولفسفيلد وبول فروش وموريس عوابدي 39، وسوزان دينتي روس40، أن الصحافة الأميركية أظهرت مزيدًا من التحيّز إلى الرواية الإسرائيلية خلال الانتفاضة الثانية، مع حرص بالغ على إبراز صورة الجيش الإسرائيلي. فعلى سبيل المثال، لم تشر أغلب التقارير الإخبارية في القنوات التلفزيونية البريطانية إلى أن الاحتجاجات كانت تجري في الضفة الغربية الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، بل وُصفت على أنها تجري داخل "إسرائيل" 41.
2. تطور صورة أخلاقية الجيش الإسرائيلي
تعود فكرة أخلاقية الجيش الإسرائيلي إلى جذور مرتبطة بمرحلة تأسيس إسرائيل وجيشها؛ إذ لطالما ادعى قادةٌ عسكريون وسياسيون إسرائيليون أن "الجيش الإسرائيلي هو الأكثر أخلاقية في العالم" 42، وُيُنسب هذا الوصف إلى مبدأ طهارة السلاح Purity of Arms الذي حاول الخطاب الإسرائيلي المبكر تأطير أفعال الهاغاناه من خلاله؛ أي إن الجيش لا يستخدم سلاحه إلا في القضايا العادلة، ويحافظ على إنسانيته أثناء القتال، وأن الجندي لا يستخدم سلاحه أو سطوته لإيذاء المدنيين غير المشاركين والسجناء 43. ولا توجد مدونة أخلاقية مكتوبة للجيش الإسرائيلي، ولكن هناك وثيقة مختصرة منشورة على موقعه الإلكتروني بعنوان "روح قوات الدفاع الإسرائيلية"؛ وهي في الأصل مذكرة كتبها العميد اليعازر ستيم في التسعينيات، وحملت العنوان نفسه. وأثناء الانتفاضة الثانية، أعيدت صياغة هذه المذكرة بعد الانتقادات الواسعة التي وُِّجِهت إلى الجيش ورفض بعض الجنود الخدمة في المناطق المحتلة، وصدرت مقالات تفسيرية شارحة لهذه المذكرة 44. عمومًا، ظلّت هذه المذكرة وشروحها فضفاضة، وأغفلت العديد من مبادئ أخلاقيات الحرب، سواء ما جاء حول الإرهاب أو التعامل مع المدنيين غير المسلحين أو اصطناع منطق أخلاقي للاعتداء على المدنيين في المناطق المجاورة، بالقول "إن الدولة لا تتحمل المسؤولية عن الأشخاص غير المتورطين في الإرهاب الموجودين في جوار أشخاص متورطين، أو في مناطق مجاورة، ومن ثمّ، لا ينبغي أن يتحمل الجيش مسؤوليةً إذا قتل أو أصاب غير المقاتلين الموجودين في تلك المنطقة" 45. وفي المجاَليَن السياسي والإعلامي، تصاعد خطاب أخلاقية الجيش منذ الانتفاضة الأولى، وبلغ ذروته في الانتفاضة الثانية عام 2000. فقد سعت إسرائيل لتطوير مجموعة من الإجراءات المصاحبة لهذا الخطاب السياسي والإعلامي لتخفيف الضغط على تصوير الجيش في وسائل الإعلام. ومن بين هذه الإجراءات إضفاء الطابع القضائي على الأخلاق العسكرية الإسرائيلية وتوسيع القيود القانونية ودور المحكمة العليا، وتفعيل إجراء التحقيقات الداخلية 46. وترتكز هذه السمعة على انشغال عميق لا يمكن إنكاره بالأبعاد الأخلاقية لاستخدام القوة، وهو انشغال يمكن عدّه خيارًا سياسيًا تاريخيًا للقيادة الصهيونية حتى قبل إنشاء الدولة. غير أن الوقائع التاريخية المتعاقبة تشير إلى أن هذا الخيار لم يكن أكثر من أداة دعائية، صُِّمِمت لخلق غلاف
تاريخي أخلاقي لسلوك الجيش الإسرائيلي، وهو غلاف متجذّر في جوهر المبدأ الأوّل للخطاب الدعائي المؤسس للجيش، الذي قام على الترويج لفكرة الدفاع.
ثالثًا: تمثيل المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية في تغطية صحافة النخبة الأميركية للحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان عام 2023
1. المنهجية والإجراءات
تعتمد الدراسة على تحليل نوعي يجمع بين تحليل الخطاب النقدي CDA والتحليل الموضوعي الانعكاسي RTA لفحص تمّثلّات الجيش والمؤسسات الأمنية الإسرائيلية في صحافة النخبة الأميركية. وقد اختيرت ثلاث مجلات تمثّل مواقع مختلفة داخل الحقلين الفكري والسياسي الأميركَييَن، وتمثّل تيارات فكرية متباينة. وهي مجلة فورين بوليسي، التي تمثّل تيار السياسة الخارجية الليبرالية – المؤسسية المرتبط بدوائر مراكز التفكير وصنّاع القرار، وتركّز على المقاربات الاستراتيجية والأمن القومي من منظور نخبوي. ومجلة ذي أتلانتك، التي تنتمي إلى تيار وسط الليبرالية وتجمع بين الدفاع عن القيم الديمقراطية والنقد الداخلي للسياسة الأميركية، خصوصًا في قضايا الحرب والهوية والسلطة. في حين تمثّل ذا نيويوركر تيار الليبرالية الثقافية؛ إذ تميل إلى السرد التفسيري الطويل والتحقيقات المعمقة. يُقَصَد بالمؤسسات العسكرية الإسرائيلية، في هذه الدراسة، الجيش الإسرائيلي والمؤسسات الاستخبارية الإسرائيلية، وتحديدًا شعبة الاستخبارات الإسرائيلية (المعروفة باسم أمان AMAN) وجهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد.) وتميز الدراسة بين مفهوَمَي الصورة والتمثيل؛ إذ يُستخَدَم مفهوم الصورة في السياق الذي يعّب رعن التصوّرات المتجسدة لدى الجمهور، بينما يشير التمثيل إلى المعاني والرموز المتجسدة في الخطابات والنصوص الإعلامية. اسُتُخدم برنامج التحليل النوعي أنفيفو NVivo (النسخة 16) لتحليل عينة قصدية شملت 150 مق لًاتحليليًا نشُرت في المجلات محلّ البحث، في الفترة 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 - 15 كانون الثاني/ يناير 2025، بواقع 50 مق لًالكل مجلة، وفق معايير شملت الطابع
. أ
التحليلي للنص، وارتباطه بالقوة العسكرية أو الحروب أو الأمن القومي، واستبعاد الأخبار اليومية والمقالات الانطباعية. واعتمد التحليل على أداتين أساسيتين: الأداة الأولى هي رصد الأطروحات، لتحديد الأفكار الكبرى في الخطاب، وتركز على سؤال: كيف يجري بناء المعاني والدلالات الأيديولوجية للتمثيل؟ أمّا الأداة الثانية فهي رصد الصفات والأدوار، وُتُستخَدَم للتحليل البلاغي، للكشف عن الصفات والأدوار التي من خلالها يبني الخطاب التمثيلات. دِرِجت المقالات ضمن برنامج أنفيفو أNVivo، وبدأ التحليل بمرحلة قراءة الباحث المتعمقة والمتكررة للنصوص؛ ما أتاح إمكانية الترميز الآلي المفتوح لاستخراج الوحدات الدلالية الأساسية، مثل الأفكار المركزية، وأنماط الوصف، والأدوار، وتمثيل الفاعلين (أي الجيش والمؤسسات العسكرية والأمنية.) وقد أتاح الترميز المنهجي بناء قاعدة بيانات نوعية مكّنت من استكشاف الأطروحات، من خلال تتبّع تكرار الأفكار والمفاهيم، وأنماط اقترانها، والسياقات التي تُستدعى فيها. كما اسُتُخِدِمت خاصية الملاحظات Annotations في البرنامج لتوثيق الأفكار والأطروحات المتشابهة والملاحظات والاقتباسات الملائمة، إضافةً إلى التحليل العنقودي Analysis Cluster، لتعزيز تماسك المواضيع وتوضيح حدودها. وأسهم الدمج بين التحليل الموضوعي الانعكاسي وتحليل الخطاب النقدي في الانتقال من مستوى الوصف إلى مستوى التفسير. فمن خلال تجميع الرموز في محاور كبرى (الأطروحات)، ثم مراجعتها انعكاسيًا وربطها بالإطار النظري، أمكن الكشف عن التمّثلّات الأكثر حضورًا في الخطاب الصحافي، مثل: تمثيل الأخلاق والقوة والدفاع عن النفس، وتمثيل التفوق العسكري، والتي أطلق عليها هنا الأطروحات، أي الأفكار المركزية التي دار حولها النقاش واتجاهاتها، والهياكل الصغرى، أي العناصر البلاغية المتمثّلة في الصفات والأدوار.
2. نتائج الدراسة
أوضحت نتائج الدراسة أن مسألة المعضلة الأخلاقية، أي التمثيل الأخلاقي للجيش الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية، احتلت المساحة الأكبر في اهتمامات الخطاب الصحافي، ومثّلت الإشارات إليها أكثر من نصف النقاشات، في حين احتل تمثيل القوة الترتيب الثاني في الخطاب، وقدّم الخطاب التفوق النوعي والتكنولوجي في الترتيب الثالث، بينما تراجع الاهتمام بتمثيل الدفاع عن النفس إلى الترتيب الرابع. وفيما يلي، نعرض الأطروحات الأساسية التي توصلت إليها الدراسة والبنى البلاغية الصغرى التي عّب رعنها الخطاب من خلال الأوصاف والأدوار في كل تمثيل.
تمثيل التفوق الأخلاقي
أبرزت نتائج التحليل اهتمام الخطاب بتمثيل التفوق الأخلاقي للجيش الإسرائيلي، والذي تحوّلت مناقشته من التفوق الأخلاقي إلى المعضلة الأخلاقية، نتيجة سلوك الجيش والمؤسسات العسكرية،
سواء في غزة أو في لبنان خلال الحرب. وتعرض الدراسة فيما يلي الأطروحات الرئيسة التي شكّلت هذا التمثيل مرَّتَبةً بحسب حجم حضورها في الخطاب، حيث برزت أربع منها تؤيد وجود معضلة أخلاقية، وأطروحتان ضده. الأطروحة الأولى: هناك معضلة أخلاقية تواجه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لم تواجهها من قبل، والمكانة الأخلاقية للجيش والاستخبارات الإسرائيلية باتت موضع جدل و نتاقضات (وهي الأطروحة الأكثر ترددًا في الخطاب.) أحد مصادر هذه التناقضات الجيش الإسرائيلي نفسه؛ إذ تُنتج تكتيكاته روايات أخلاقية متعارضة، تقوّض صورته باعتباره "قوة أخلاقية." ويتجلى ذلك في أوامر الإخلاء وعمليات التهجير بين شمال قطاع غزة وجنوبه، وفي استهداف المستشفيات والمدارس وغيرها، فضلًاعن الإخلال بقواعد الاشتباك واستهداف مناطق غير قتالية. وهكذا يبرز التناقض بين الالتزامات الأخلاقية تجاه المدنيين المعَلَنة والإجراءات العملياتية المتَّبَعة. ووصفت ذا نيويوركر هذا التحول بأنه "أعظم من أيّ معضلات أخرى واجهتها إسرائيل في تاريخها الممتد ستة وسبعين عامًا" 47. ويختصر هذا الموقف بنجامين أليسون بالقول: "لقد بقيت وسائل الإعلام تردد أنّ القوات الإسرائيلية هي أكثر جيوش العالم حرصًا على تجنّب إيذاء المدنيين، بل على حمايتهم أثناء العمليات العسكرية، ويبدو أن هذا التصوّر تآكل في الصحافة لأميركية" 48. وقادت هذه المعضلة الأخلاقية في المجمل إلى جعل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية موضع نقد غير مسبوق في هذا النوع من الصحافة: " إ ن استخدام مصطلح معاداة السامية سلاحًا لإسكات الانتقادات المشروعة لإسرائيل يجعل من الصعب علينا تحديد الوجوه الحقيقية لمعاداة السامية، حيث يجري إفراغ المصطلح من معناه" 49. الأطروحة الثانية: التركيز على تضخّم أعداد الضحايا المدنيين وانتقاد الاستراتيجيات العملياتية للجيش الإسرائيلي، وتصوير التكلفة الإنسانية الباهظة بسبب تصرفاته، ووصفها بأنها ضربة موجعة لمكانته الأخلاقية (الكيفية التي تصرّف بها الجيش الإسرائيلي في غزة باعتبارها "أرضًا محروقة.)" توقّف الخطاب الذي تناول هذه الأطروحة عند الانتقادات الدولية الموَّجَهة إلى إسرائيل بسبب استخدام القوة المفرطة، وما تبع ذلك من انتقادات متكررة صادرة عن الأمم المتحدة والمفوض السامي لحقوق الإنسان. وتطرّق إلى جرائم حرب ارتكبتها إسرائيل وانتهاكات لحقوق الإنسان وللقانون الدولي الإنساني، شملت الحصار والتجويع، ومنع وصول المساعدات الغذائية، وتدمير مصادر المياه وأنظمة الصرف الصحي في غزة، وإجبار ما يقرب من مليوَن يشخص على النزوح من منازلهم إلى مخيمات مزدحمة. ووصفت فورين بوليسي الكيفية التي أفضى بها الحصار الإنساني الذي فرضته القوات الإسرائيلية إلى حرمان السكان من التغذية الأساسية والأدوية الحيوية 50. ويلخص فيل كيلي ذي أتلانتيك، قائلًا: "لذا ربما يكون هذه الحال في 7 تشرين الأول/ أكتوبر بمنزلة 11 سبتمبر بالنسبة إلى إسرائيل، ليس فقط بسبب حجم الخسائر، بل بسبب حماقة الردّ الإسرائيلي وقسوته" 51. تبدو الحرب حرب انتقام وفق هذه الأطروحة؛ "فقد بقي معدل الضحايا المدنيين في حملات الجيش الأميركي على الإرهاب التي وقعت في بيئات معظمها مدنية لا تتجاوز مقتل ما يقَّدَر بنحو 1.7 مدني لكل 100 غارة، مقابل 54 مدنيًا يقتلهم الجيش الإسرائيلي في كل 100 غارة على غزة" 52، وتنقل ذا نيويوركر أن إسرائيل تُسقط قنابل تزن ألَفَي رطل (زوّدتها بها الولايات المتحدة)، قادرة على القتل في دائرة نصف قطرها ربع ميل؛ وفي غزة، التي يبلغ عرضها خمسة أميال فقط في بعض الأماكن، يُعدّ "استخدام هذا النوع من الأسلحة في مناطق حضرية مكتظة بالسكان أمرًا غير مقبول" 53. الأطروحة الثالثة: تمثيل قوة الجيش الإسرائيلي بوصفها قوة متهورة وغير منضبطة. صحيح أن هذا الجيش بحكم طبيعة كتوينه يُعدّ قوة تعتمد على جنود الاحتياط، ولطالما واجه مشكلة عدم الانضباط، لكن الخطاب الصحافي يركّز على تفاقم هذه المشكلة على نحو لافت في هذه الحرب التي أسفرت عن تداعيات أخلاقية عميقة. في سياق ذلك، يوضح أندرو إكسوم في ذي أتلانتيك قائلًا: "أظهر جيش الدفاع الإسرائيلي نفسه على أنه غير منضبط ومتهور وعلى استعداد لاستخدام كميات كبيرة من المدفعية وقذائف الفوسفور الأبيض في المناطق الحضرية، وهي ميول تقوّض صدقية مزاعم إسرائيل العامة
بأنها تبذل قصارى جهدها لتقليل الخسائر بين المدنيين" 54. وتصوّر كيث غيسن في ذا نيويوركر الجيش الإسرائيلي بأنه افتقر إلى الانضباط بكل القواعد التي كان يتبعها، ويستخدم وسائل عشوائية في مناطق مدنية مزدحمة 55. وفي فورين بوليسي، يشير رافائيل كوهين إلى "أن هذا الافتقار إلى الانضباط لدى الجنود يكتسب أهمية بالغة في إدارة الحرب اليوم؛ وستتضاعف آثاره حينما تنتهي الحرب" 56. الأطروحة الرابعة: تصوير الجيش الإسرائيلي والمؤسسات الأمنية بوصفها جهات افتقدت المساءلة؛ وترى أن إسرائيل دأبت على تقديم قواتها باعتبارها خاضعة لأنظمة مساءلة ورقابة قانونية، وفي هذه الحرب غابت المساءلة، ولم تعد إدارة مراقبة القانون الدولي داخل الجيش مرجعيةً حاسمة في توجيه القرارات العملياتية. ومن الأمثلة التي نالت اهتمامًا واضحًا، بوصفها دليلًاعلى غياب المساءلة وتصاعد التهور، ما جرى في 1 نيسان/ أبريل 2024، حين أدت غارات إسرائيلية بطائرات مسّيةر إلى مقتل سبعة من عمال إغاثة تابعين لمنظمة "المطبخ المركزي العالمي"، ووصفها ديفيد غراهام قائلًا: "إنها وصمة عار على جبين جيش الدفاع الإسرائيلي، ولحظة مروّعة على المستوى الإنساني. لقد مات أشخاص أبرياء كانوا يؤدّون عملًاخرِ يًا لإطعام الجياع من دون أيّ مبرّر على الإطلاق" 57. الأطروحة الخامسة: ترى أن ما يقوم به الجيش الإسرائيلي لا يتجاوز حدود الضرورة العسكرية، وأن الجيش ظل متمسكًا بمبادئه وإجراءاته الصارمة في تجنب استهداف المدنيين؛ فوقوع الضحايا تتحمل مسؤوليته حركة حماس التي تتخذ من المدنيين دروعًا بشرية. تردد هذه الأطروحة التبريرية صدى الخطاب الرسمي الإسرائيلي، وتذهب أيضًا إلى القول "إن إسرائيل لا تمنع وصول المساعدات إلى شمال القطاع. إن هذا تضليل! بل إن حماس هي التي تصادر المساعدات أو تنهبها" 58. ووفق هذا الخطاب، تبيح الضرورة العسكرية ما يحدث. ويرى إليوت أ. كوهين في ذي أتلانتيك أن إسرائيل "حاولت منع العمليات الصعبة والمدمرة، مثل التوغّل في رفح، والتي أثبتت أنها ضرورية لكسر شوكة حماس بوصفها منظمة عسكرية. وعندما نفّذت إسرائيل سلسلة ضربات ضد حزب الله، سعت بأفضل النيات في العالم، للحدّ من العمليات التي تشكّل النتيجة الحتمية للحرب الحقيقية" 59. ويستند هذا الخطاب إلى فكرة أن القوات الإسرائيلية تمتلك قدرات وتكنولوجيا متقدمة تجعلها أكثر دقة في تنفيذ أهدافها وتجنّب المدنيين؛ وكما ورد في فورين بوليسي، "تستخدم القوات الإسرائيلية قوة نيران دقيقة لهزيمة الخصم بسرعة. وذلك من خلال مزيج من الضربات الجوية الدقيقة، ووحدات برية أصغر حجمًاوأكثر رشاقة وأسرع" 60. الأطروحة السادسة: تتمحور حول الخوف على إسرائيل؛ أي الخشية من أن يؤدي استمرار السلوك العسكري الإسرائيلي بهذه الوتيرة إلى تغّي رواسع في اتجاهات الرأي العام العالمي، والتأثير في تزويد الجيش الإسرائيلي بالسلاح، وتحديدًا من الولايات المتحدة 61. لا يقدّم هذا الخطاب تصوّرًا أخلاقيًا لتكاليف الحرب، بل يعكس نزعة من الرعاية لإسرائيل والخوف عليها. وتضمنت هذه الأطروحة أيضًا ترميز المقالات التي ترفض الاعتراف بأن الجيش الإسرائيلي يرتكب جرائم حرب 62. وتتجلى بوضوح لدى ديفيد ريمنيك في ذا نيويوكر حين قال: "إن استمرار الأوضاع الصحية السيئة وانتشار الأوبئة في مدن القطاع يشكّل تهديدًا لإسرائيل، وتحديدًا مجتمع الحريديم المتدينين الذين يرفضون التطعيم" 63، متجاهلًا تهديد جيل من الأطفال الفلسطينيين الذين أصبحوا مجتمعًا يعاني الأمراض. وفي السياق نفسه، يذهب المؤرخ الإسرائيلي المتخصص في الهولوكوست، عمر بارتوف Bartove Omer، إلى القول إن "الجيش الإسرائيلي قد يكون ارتكب جرائم حرب، ولكنه لم يصل إلى درجة الإبادة الجماعية. وعلينا أن نحول دون بلوغه هذه الدرجة. إن صناع السياسات في إسرائيل لا يفكرون في الإبادة الجماعية بالفعل، على الرغم من أنهم يستخدمون لغة قد توحي بها، لكن لا نية لديهم لارتكابها" 64.
قدّم الخطاب الصحافي هياكل صغرى، أي على مستوى اللغة والبلاغة، تدعم هذا التمثيل، ويمكن الكشف عنها من خلال رصد الأوصاف والأدوار الأكثر تكرارًا والمصاحبة للأطروحات السابقة. وفيما يلي أبرز الفئات الأربع مرَّتَبةً بحسب قوة حضورها في الخطاب: الفئة الأولى، تداعيات العمليات العسكرية: تصوّر الأوصاف التي مثّلت العمليات العسكرية وتداعياتها السياسية والأمنية، وتحديدًا الإنسانية، والأدوار التي مارسها الجيش في هذا السياق (غارات وحشية، ضربات عشوائية، الحرب الأبدية، الهجمات الجوية المكثفة، جيش يتميز بالتكيف والحلول والمرونة، منع المساعدات وتقييدها، الخسائر البشرية والنزوح المدني، الأضرار الجانبية، الحلول الدبلوماسية للتخفيف من التأثير العسكري، الاستخدام غير المناسب للقوة، الدروع البشرية من قبل حماس، الحصار اللاإنساني... إلخ)، وجاءت "الهجمات الجوية المكثفة" أكثر الأوصاف حضورًا، أمّا "الاستخدام غير المناسب للقوة" فهو أكثر الأدوار حضورًا. الفئة الثانية، انتقاد عمليات الجيش الإسرائيلي: تصوّر هذه الأوصاف والأدوار الانتقادات المباشرة للجيش والمؤسسات الأمنية الإسرائيلية، وأبرزها حضورًا في الخطاب: الحرب غير المتكافئة، الفظائع، الوحشية، الإضرار بالمدنيين وتعريضهم للخطر، الفشل العسكري، تراجع نزاهة جيش الدفاع الإسرائيلي الأخلاقية، تراجع منظومة القيادة، عدم الامتثال للقانون الدولي، التهور العملياتي، تكتيكات الأرض المحروقة، التجويع، الجرائم ضد الإنسانية، التطهير العرقي، تدمير البنية التحتية، المجازر المرتكبة في غزة، استهداف الأونروا، استهداف المستشفيات، الحصار. وأكثر الأوصاف حضورًا هو "التهور العملياتي"، بينما أكثر الأدوار حضورًا هما "دور الجيش في تدمير البنية التحتية في غزة" و"الإضرار بالمدنيين وتعريضهم للخطر." الفئة الثالثة، التبرريرات - الروايات المضادة: تصوّر هذه الأوصاف والأدوار التي قدّمت الرواية مبررات أخلاقية مؤيدة مباشرة للجيش الإسرائيلي: الضرورة العسكرية، الجيش ينفّذ عملياته بدقة عالية، دور جيش الدفاع الإسرائيلي في جهود السلام الإقليمية، الجيش يتجنب المدنيين، منطق الحرب المتمركزة حول إيران، إسرائيل تخوض معركة العالم ضد الإرهاب، تحذيرات إسرائيل قبل الغارات الجوية، تحذيرات الإخلاء، العمليات العسكرية تتم بطريقة أخلاقية. وأكثر الأوصاف حضورًا هو "الضرورة العسكرية"، بينما أكثر الأدوار حضورًا هو "الجيش الإسرائيلي يقوم بعمليات مبررة." الفئة الرابعة، المساءلة: تصوّر هذه الأوصاف والأدوار طريقة تقديم الخطاب لقضية المساءلة القانونية والأخلاقية التي تُعدّ أحد أبرز ملامح إدراك التصوّر الأخلاقي التقليدي للجيش والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية: غياب المساءلة والتدقيق القانوني، الحرب العادلة، التوازن بين الإجراءات، إنكار استهداف المدنيين، المعايير المزدوجة، فاعلية التدقيق القانوني، الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، الإدانة الدولية، إدانة محكمة العدل الدولية، إدانة الأمم المتحدة. وأكثر الأوصاف حضورًا هو "تراجع التزام الجيش بالتدقيق والمساءلة"، وأكثر الأدوار حضورًا هو "مواجهة الجيش للمساءلة العامة."
. ب تمثيل القوة
احتل تمثيل القوة المرتبة الثانية في الخطاب موضوع الدراسة، بوصفه تصوّرا تقليديًا ارتبط بنشأة الجيش الإسرائيلي وتعزّز مع سلسلة انتصاراته العسكرية. وُتُظهر نتائج الدراسة استمرار البنى التقليدية في هذا التمثيل، إلى جانب تحولات فرضتها هذه الحرب، وتلَّخَص في ثلاث أطروحات رئيسة: الأولى، وهي الأبرز حضورًا، تعزّز صورة قوة الجيش وقدرته على الردع، بينما تنطوي الأطروحتان الأخريان على نقد واضح لقوة الجيش الإسرائيلي. الأطروحة الأولى: تمثيل الجيش الإسرائيلي على أنه قوة عسكرية مهيمنة ذات قدرات تدميرية واسعة النطاق، ما يعزّز صورة الردع الاستراتيجي، وأن ضباط الجيش وجنودهم يتمتعون بشجاعة وبطولة نادرََتيَن. فورين بوليسي: "سيخبرك الإسرائيليون ورد في - بفخر - أن ضباطهم دومًا في المقدمة، يقودون جنودهم في الجبهة. القادة هم أول من يتحركون" 65. لقد برز خطاب القوة في تمثيل قدرة الجيش في تحقيق الردع سواء في الجبهة الجنوبية أو الشمالية، بل ردد الخطاب الصحافي الأطروحة الرسمية الإسرائيلية القائلة بقدرة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في الحرب على سبع جبهات وتحقيق الردع وحماية أمن إسرائيل. وورد أيضًا: "إن جيش الدفاع الإسرائيلي، الذي بُني على نظام التجنيد الشامل والخدمة الاحتياطية، سيبقى أحد أفضل الجيوش في العالم. وتمثّل قواته الجوية ووحدات العمليات الخاصة موضع حسد العديد من جنرالات حلف شمال الأطلسي" 66. وكما هو الحال في تصوّر قدرة الجيش والاستخبارات على فرض هيمنة القوة وتحويلها إلى قوة دبلوماسية، مثلما حدث مع حزب الله، بحسب تصوير ستيوارت أيزنستات في ذي أتلانتيك حين قال: "سعى الموساد بشكل حاسم لقطع رأس قيادة حزب الله، وتعطيل قيادته وسيطرته واتصالاته، وتدمير 80 في المئة من قوته الصاروخية؛
كما ردّت إسرائيل على الهجمات الصاروخية الإيرانية ودمّرت معظم الدفاعات الجوية لدى إيران" 67. يتمثّل خطاب القوة في ترميم صورة فشل الجيش الإسرائيلي في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، من خلال طرح قصص تروي البطولة والشجاعة وتنسبها إلى ضباط وجنود ومتقاعدين: "هناك اللواء المتقاعد الذي، بعد أن سمع بالهجوم، أمسك بمسدسه وتوجّه جنوبًا لإنقاذ أسرة ابنه، لكنه أرجأ مهمة الإنقاذ التي كان يؤديها بمفرده عدة ساعات؛ من أجل إنقاذ إسرائيليين آخرين على طول الطريق. كما ارتدى اثنان آخران من المتقاعدين منذ فترة طويلة، وكلاهما في الستينيات من العمر، زيّهما العسكري القديم لتقديم المساعدة" 68. وهذا التمثيل امتداد للصورة التقليدية التي لا تزال موجودة بقوة، وتسعى لتصوير الجيش الإسرائيلي على أنه لا يُقَهَر أو "بطولي"، وقادر على معالجة تهديدات متعددة في وقت واحد. وحتى لو لم تُذكر عبارة "الجيش الذي لا يُقهر" صراحةً، فإن النبرة الواثقة يمكن ترميزها على أنها تصوير "بطولي" أو "لا يُقهر" في المعالجة الصحافية. الأطروحة الثانية: تمثيل مشكلات القيادة والسيطرة والتدخّل السياسي. ترددت هذه الأطروحة بقوة على خلفية التكلفة المدنية الهائلة للحرب وطبيعة بعض قرارات العمليات التكتيكية التي تَُّتَخذ على أرض المعركة. وتصف فورين بوليسي ذلك بالقول إن "أفراد الجيش الإسرائيلي منخرطون في أنشطة تشير إلى وجود مشكلة خطيرة في سلسلة القيادة؛ هناك ثلاثة عوامل تفسر هذه الظاهرة: وجود بيئة سياسية عسكرية متساهلة، والعقيدة العسكرية الإسرائيلية، وحقيقة أن جيش الدفاع الإسرائيلي هو جيش مجندين" 69. وركّز الخطاب في المجلات المبحوثة على الخلافات بين المستوَييَن السياسي والعسكري وتأثيرها في أداء الجيش وصورته، وهي الخلافات التي امتدت فترة طويلة من الحرب حول مسؤولية الفشل العسكري في هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وأجندة صفقة الرهائن، وحول قانون تجنيد المتدينين، وأدّت إلى إقالة وزير الدفاع أثناء الحرب 70. في حين يتجلى مستوى آخُرُ في تدخّل وزراء الحكومة في الجيش وتحريضهم المستمر للجنود عبر تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم؛ ما زاد من أعمال التهوّر العسكري 71. الأطروحة الثالثة: تمثيل فشل القوة المهيمنة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وتشديد الخطاب على نقاط الضعف في جاهزية الجيش واستعداداته. تستمر هذه الأطروحة، على الرغم من استخدام الجيش قوة مدمرة هائلة وتحقيق العديد من أهدافه، في تصوير عدم القدرة على الحسم والفشل في العديد من المهمات العملياتية؛ إذ "هز الهجوم الإرهابي في 7 تشرين الأول/ أكتوبر علاقة الإسرائيليين بجيش الدفاع الإسرائيلي من أساسها؛ في ذلك اليوم، لم يفشل الجيش في الدفاع عن الشعب، بل فشل في الدفاع عن نفسه" 72. وصوّرت المجلات الثلاث ما حدث في ذلك اليوم بوصفه عارًا على الجيش الإسرائيلي 73. وعلى الرغم من امتلاك إسرائيل أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي المتطورة، والمقاتلات الشبحية، فضلًا عن قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع المتقدمة، فإن "عبادة التكنولوجيا" ساهمت في فشل الاستجابة ل 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وساهمت في تعّث ر العديد من عمليات الهجوم البرّي 74. ويتردد تمثيل هذا الفشل بمرارة، كما فعل أنشيل فيفر، في ذي أتلانتيك، حين قال: "سمح نتنياهو بالانهيار الكامل للهيكل العسكري والاستخباراتي الإسرائيلي لمصلحة حماس باختراق حدود إسرائيل والشروع في موجة من القتل والخطف والاغتصاب. إن الكوارث التي حدثت في ذلك اليوم، وإخفاقات القيادة والصدمات التي أحدثها، ستظل تطارد إسرائيل طوال أجيال" 75. أما على مستوى الهياكل اللغوية الصغرى، التي تشكّل بنية الخطاب، فهناك ثلاث مجموعات من الأوصاف والأدوار، هي كما يلي: القوة المهيمنة، وأبرز الأوصاف والأدوار: القوة المفرطة، البطولة والقوة، وهم الجيش الذي لا يقهر، الهيمنة البحرية، القوة العسكرية، المشاركة المتعددة الجبهات، القدرة على الردع الاستراتيجي، قدرات عسكرية ساحقة، هيمنة كاملة النطاق، غزو بري، ضربات انتقامية. وجاءت أكثر الأوصاف حضورًا "الهيمنة العسكرية" و"قوة الاتصالات الاستراتيجية"، بينما جاءت "القدرة على الردع" أكثر الأدوار حضورًا. التميز العملياتي والتكتيكي، وأبرز الأوصاف والأدوار: التفوق الدفاعي، التعاون مع الجيش الأميركي، حرب العصابات، الانتشار والاستعداد
العسكري، التميز العملياتي والتكتيكي، التحديات العملياتية، الثغرات العملياتية، غارات جوية، غزو بري، القدرات العسكرية الساحقة، اعتبارات الضربة الاستباقية. وجاء "تميز العمليات التكتيكة" أكثر الأوصاف حضورًا، بينما تمَّثَل أكثر الأدوار حضورًا في "التعاون مع الجيش الأميركي." التصعيد والأعمال العدائية، وأبرز الأوصاف والأدوار: الضربات الجوية المكثفة، السيطرة على المعابر، أخطار التصعيد، أوامر الإخلاء، الغزو البري، غزو لبنان، التصعيد العسكري، احتلال غزة، ضربات بطائرات دون طيار إسرائيلية، الهجمات الصاروخية، السيطرة على المعابر. وأكثرها حضورًا "التصعيد العسكري" و"الغزو البري."
. ج تمثيل الدفاع عن النفس
أظهرت نتائج الدراسة أنّ هذه الحرب وفّرت بيئة ملائمة لاستمرار ترسيخ تمثيل "الدفاع عن النفس" بعد هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر، حيث برزت ثلاث أطروحات أساسية لهذا التمثيل: أطروحتان تبرّران ممارسات الجيش بوصفها دفاعًا عن النفس، مقابل أطروحة واحدة ناقدة لهذا التصوّر. الأطروحة الأولى: الجيش الإسرائيلي لم يبدأ الهجوم، وبذلك فإن تصرفاته دفاعية. تصوّر هذه الأطروحة السلوك الإسرائيلي بوصفه رد فعل على "اعتداء وحشي وقع على الإسرائيليين"، وهدفه القضاء على حماس، وما تشكّله من تهديد، وكما ورد في فورين بوليسي: "اللوم يقع على حماس. والمسؤولية تقع على عاتقها؛ فهي التي بدأت القتال وللجيش الإسرائيلي الحق في إتمام هذه المهمة، وإلا فإن قدرات حماس سوف تتجدد" 76. الأطروحة الثانية: الضرورة الاستراتيجية والردع. تصِّوِر هذه الأطروحة الحرب الإسرائيلية بوصفها حاجة ضرورية لردٍعٍ استراتيجي دائم، ومنع أيّ تهديد مستقبلي، وتحقيق أمن إسرائيل القومي، وإجراء تدابير وقائية لتجنب تكرار التهديدات الأمنية الكبيرة: "إن الحق في الدفاع عن النفس ينبغي أن يسمح لإسرائيل بإنقاذ رهائنها، ومنع حماس من شنّ هجوم آخر على غرار هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وهو ما وعدت به بالفعل، وقتل المسؤولين عن ذلك الهجوم أو أسرهم" 77. وتصوّر هذه الأطروحة الجيش الإسرائيلي بوصفه قوة عقلانية تمارس الدفاع عن النفس وتسعى لتحقيق أهداف عسكرية محددة تعكس مصالح سياسية؛ ويصوّر الخطاب أن إسرائيل تحتاج إلى ردع شامل لأنها تخوض حربًا أبدية ضد قوى تريد تدميرها، كما ورد في ذي أتلانتيك: "تعتقد إسرائيل أن الغرض من هذه الهجمات [أي هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر]، على مدى السنوات القليلة المقبلة، لم يكن إلحاق الضرر بإسرائيل، بل تدميرها" 78. الأطروحة الثالثة: وهم الردع الكامل والدائم. تصِّوِر هذه الأطروحة مبدأ الردع الكامل والأمن المطلق الذي تتحدث عنه إسرائيل، في ضوء سلوك الجيش الإسرائيلي، بوصفه وهمًالن ذي أتلانتيك: "بعد يتحقق؛ أو كما تصفه 7 تشرين الأول/ أكتوبر، أطلقت إسرائيل العنان لجيشها بحثًا عن قدٍرٍ أعظم من الأمن، ولكنها، بعد مرور عام على الحرب، تجد نفسها رازحة في مستنقع غزة، وفي فوضى أمنية من كل الجهات" 79؛ وتذكر فورين بوليسي أن "الهجمات الجوية المروعة قد تنتج في البداية هالة من الردع، ولكنها قد تؤدي أيضًا إلى مزيد من الكراهية الدائمة" 80. وقد توسّعت النقاشات حول زيف الردع الكامل الذي يبحث عنه الجيش الإسرائيلي مع توسّع عدوانيته، وتصاعدت الأصوات التي تشكك في هذا التبرير الإسرائيلي لاستمرار الحرب، فتشير فورين بوليسي إلى "التوقف عن تبرير أي عمل عنيف يقوم به الجيش الإسرائيلي في غزة باعتباره عملًامشروعًا، لأنّ هدفه النهائي هو القضاء على حماس" 81. أما على مستوى التحليل الأصغر للهياكل اللغوية في الخطاب، فقد انقسمت الأوصاف والأدوار التي شكّلت التمثيل بحسب قوة حضورها، على النحو التالي: مبرررات الدفاع عن النفس، وأبرز التعبيرات التي شكّلت هذه الفئة من الأوصاف والأدوار: إسرائيل لم تبدأ الحرب، أمن إسرائيل، الاستعداد الدفاعي، حق إسرائيل في الرد عسكريًا، العمل العسكري الوقائي، الجيش يدافع عن أمن إسرائيل، مبررات الأمن القومي، استعادة الردع الاستراتيجي، منع تكرار هجوم في 7 تشرين الأول/ أكتوبر،
إسرائيل تدافع عن نفسها، ممارسة حقها القانوني في الدفاع عن النفس، الرد المشروع، القوة المبررة، العمليات الدفاعية، الدفاع الاستباقي عن النفس. وأكثر الأوصاف والأدوار حضورًا في الخطاب هي "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" و"أمن إسرائيل." الضرورة العسكرية والردع المصطنع، وأبرز التعبيرات التي شكّلت هذه الفئة من الأوصاف والأدوار: الضرورة العسكرية، الردع المصطنع، الدفاع عن النفس المصطنع، الضرورة العسكرية غير المقنعة، ضربات عسكرية استباقية لمنع المزيد من التصعيد، التصعيد لمنع المزيد من التصعيد، قواعد الاشتباك الجديدة، هذا هو الرد المناسب على ما فعله الإرهابيون. وأكثرها حضورًا "الضرورة العسكرية" و"الردع المصطنع." الحرب الوجودية، وأبرز التعبيرات التي شكّلت هذه الفئة من الأوصاف والأدوار: الجيش يخوض حربًا وجودية، حماية السيادة، ضمان الأمن الدائم، رد الفعل على التهديدات الدائمة، إنكار حق إسرائيل في الوجود، الدعوة لتدمير إسرائيل، التهديد الاستراتيجي. وأكثرها حضورًا هو "ضمان الأمن الدائم."
. د تمثيل التفوّق النوعي والتكنولوجي
عادة ما ترتبط فكرة التفوّق النوعي بالتفوّق التكنولوجي وتفوّق الأجهزة الاستخباراتية؛ وفيما يلي الأطروحات الأربع حول تمثيل التفوّق النوعي والتكنولوجي مرَّتَبةً بحسب قوة حضورها في الخطاب. الأطروحة الأولى: توصيف الفشل الأمني والاستخباري على خلفية هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر. "ُوُِصِ ف هذا الفشل بأنه "أسوأ فشل أمني في تاريخ إسرائيل 82، حينما فشلت المؤسسات الأمنية في كشف أكبر هجوم من نوعه تتعرض له منذ خمسين عامًا قبل وقوعه؛ وبحسب وصف ديفيد ريمنك في ذا نيويوركر، "إن إسرائيل كانت تمتلك قدرًا ضئيلًاللغاية من المعلومات الاستخباراتية عن الأصول العسكرية لحماس" 83. وعلى المنوال نفسه، جاء في فورين بوليسي: "كان فشل المخابرات الإسرائيلية في توقّع المذبحة بمنزلة صدمة كبرى" 84. الأطروحة الثانية: توصيف الفشل الت نكولوجي. تصف هذه الأطروحة عملية 7 تشرين الأول/ أكتوبر بأنها أكبر ضربة يتلقاها التفوّق التكنولوجي الإسرائيلي؛ إذ اخِرُت ق السياج الأكثر تحصينًا في العالم، على الرغم من أنظمة المراقبة المتطورة والحدود المجَّهَزة بمئات من أجهزة الاستشعار والكاميرات والرشاشات الآلية وأسراب الطائرات دون طيار الآلية إلى جانب قواعد البيانات وبرامج التجسس 85. لقد كانت غزة، بحسب وصف فورين بوليسي، المكان الأكثر مراقبة عسكريًا على وجه الأرض. كانت المنطقة تحت الحصار مدة عقد ونصف العقد، مع حصار بحري إسرائيلي وطائرات دون طيار مسلحة تحلّق باستمرار في سمائها. وتتولى صواريخ اعتراضية إسرائيلية عالية التقنية وأجهزة كشف الأنفاق تحت الأرض إنجاز دوريات مستمرة في القطاع. لكن حماس كانت قادرة على شنّ هجومها الجوي والبري والبحري الضخم المتعدد المراحل واختراق هذه التكنولوجيا 86. الأطروحة الثالثة: توصيف استعادة سمعة التفوّق الاستخباراتي. عّب رت المجلات المبحوثة عن حاجة إسرائيل إلى استعادة تفوّقها الأمني، كما أورد دانيال بايمان في فورين بوليسي حين قال: "من المهم استعادة سمعة هذه الأجهزة القوية لطمأنة الإسرائيليين إلى أنهم على الرغم من جوارهم الخطير، يستطيعون أن يعيشوا حياتهم وهم يدركون أن حكومتهم قادرة على حمايتهم" 87. وازدادت قوة هذا الخطاب بعد سلسلة الاغتيالات التي نفّذتها إسرائيل بدقة واستهدفت قادة حماس في غزة وبيروت وطهران وقادة حزب الله وغيرهم، وصولًاإلى عملية أجهزة النداء (البيجر) والاتصالات، التي وصفها روبرت ورث في ذي أتلانتيك قائلًا: "إن هجوم أجهزة البيجر حقق أحد أهم أهداف إسرائيل: فقد ترك أعداءها يشعرون بأن لا مكان آمن لهم" 88. الأطروحة الرابعة: توصيف تداعيات التفوّق الت نكولوجي. توضح هذه الأطروحة حجم اعتماد الجيش الإسرائيلي على عمليات واسعة النطاق قائمة على الأتمتة؛ ما يجمع صورة للكفاءة والغموض الأخلاقي معًا؛ حيث ازداد اعتمادها في هذه الحرب على أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مثل "لافندر"، إلى جانب القدرات التكنولوجية المتقدمة في تعطيل اتصالات الخصم. ووفق هذا الخطاب، يستخدم هذه الأنظمة لتحديد الأهداف في غزة، وهناك شعور متزايد بأن استخدام إسرائيل لهذه التكنولوجيا يأتي لتبرير قتل عدد كبير من
المدنيين أثناء ملاحقة عناصر حماس من ذوي الرتب المنخفضة. ويردد الخطاب الصحافي أنّ هناك مخاوف من "أنّ جيش الدفاع الإسرائيلي يختبئ وراء التكنولوجيا للانتقام من المدنيين" 89. أما على مستوى الهياكل اللغوية والبلاغية الأصغر التي شكّلت هذه الأطروحات، فقد رصد الخطاب أربع فئات من الأوصاف والأدوار التي مثّلت خطاب التفوّق النوعي والتكنولوجي: التفوق العسكري الت نكولوجي، وأبرز التعبيرات التي شكّلت هذه الفئة من الأوصاف والأدوار: التفوّق العسكري، التفوّق الجوي، البراعة العسكرية، التشكيك في تفوّق جيش الدفاع الإسرائيلي، الحسابات الاستراتيجية، الهيمنة الاستراتيجية، العمليات العسكرية المفاجئة، الضربات الجوية بقنابل ضخمة، التكتيكات الدقيقة، أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية، قوة دبابة ميركافاه، فاعلية القبة الصاروخية، النجاح العسكري، النجاح الاستراتيجي. وأكثرها حضورًا "التفوّق العسكري الإسرائيلي" و"القيام بالتكتيكات الدقيقة." الفشل والتفوّق الاستخباراتي، وأبرز التعبيرات التي شكّلت هذه الفئة من الأوصاف والأدوار: الفشل الاستخباراتي الأخطر في تاريخ إسرائيل، الفشل شكّل وصمة عار، الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي، تحديات مكافحة التجسس الاختراق السيبراني، حرب المعلومات، تفوّق الاستخبارات، التنبؤ الاستباقي، تفوّق التجسس، الاختراق التكنولوجي، استعادة سمعة الاستخبارات الإسرائيلية، عمليات الوحدة 8200، الاغتيالات الدقيقة، القتل المستهدف. وأكثرها حضورًا "فشل الاستخبارات" و"استعادة سمعة الاستخبارات." العمليات الدقيقة والمستهدفة، وأبرز التعبيرات التي شكّلت هذه الفئة من الأوصاف والأدوار: الاغتيالات عبر الضربات الاستراتيجية، الاغتيالات عبر أجهزة الاتصال اللاسلكية، الضربات المنسقة والمحسوبة، الاستهداف الدقيق والاغتيالات، الانفجارات المتزامنة. وأكثرها حضورًا "القيام بالاغتيالات الدقيقة" و"الضربات المنسقة."
3. مناقشة النتائج
ازداد الجدل في السنوات الأخيرة حول تغطية الإعلام الغربي للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، في حين ظلّت التغطية الإعلامية الأميركية تعكس العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وتمثّل حالة فريدة في الانحياز. وعلى الرغم من أن الانتفاضة الفلسطينية الأولى حظيت باهتمام واسع في وسائل الإعلام والرأي العام الأميركي، ظلت هذه التغطية في إطار صون المصالح الأميركية 90. وزاد التمثيل السلبي في الصحافة الأميركية للطرف الفلسطيني في الانتفاضة الثانية 91، وقدّمت بحوث عديدة أدلة على تحيّز ممتد على فترة طويلة لمصلحة إسرائيل في وسائل الإعلام الأميركية الرئيسة 92. وبينما شهدت التغطية الإعلامية لهذا الصراع بعض التحولات المحدودة في بعض الدول الغربية، استمرت التغطية الإعلامية الأميركية في الانحياز الشديد إلى إسرائيل 93. وفي السنوات الأخيرة، ومع تنامي الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل، أخذت في تأجيج ما بات يُسَّمَى "معاداة السامية الجديدة"، وتحديدًا في وسائل الإعلام، مع محاولة الخلط بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية 94. أصبحت التغطية الإعلامية الغربية لهذا الصراع موضع جدل، عكسته المواقف السياسية والبحوث الأكاديمية. وتطور هذا الجدل مع تغطية الحروب الإسرائيلية الخمس على غزة والحروب الإسرائيلية على لبنان. وقد مثّلت الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان 2025-2023()، التي أعقبت عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، نقطة تحوّل أخرى في اتجاهات التغطية الإعلامية. ففي الوقت الذي ذهبت فيه دراسات عديدة إلى تأكيد التحيّز الحاسم لوسائل الإعلام الأميركية لمصلحة الرواية الإسرائيلية، كما بدا الأمر في تحيّز تقارير البثّ الغربي التي سلطت الضوء على الضحايا الإسرائيليين وأهملت الضحايا الفلسطينيين 95، أخفقت وسائل الإعلام الغربية في الإعلان صراحةً أن الحرب تسببت في آثار أشدّ على الفلسطينيين منها على الإسرائيليين 96، بينما ذهبت بحوث أخرى إلى رصد أخطاء وتشوهات في التغطية الإعلامية لمصلحة الفلسطينيين 97.
لقد حظيت إسرائيل بتعاطٍفٍ ودعٍمٍ واسَعَي النطاق من معظم الدول الغربية، حينما أرسلت جيشها إلى الحرب على حماس بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر، ووقفت وسائل الإعلام الغربية الرئيسة في المجمل تردد الرواية الرسمية الإسرائيلية 98. غير أن نتائج هذه الدراسة، التي ذهبت إلى فحص عنصر محدد في بناء تصورات الحرب، هو تمثيلات الجيش والمؤسسات الأمنية، تبِ ني أن هذا النوع من الصحافة الأميركية شهد تحولات واضحة في تمثيل هذه المؤسسات مقارنة بالتمثيلات التقليدية التي طالما رسختها وسائل الإعلام الأميركية؛ وهو ما يتفق مع التحولات التي شهدها الرأي العام الأميركي والغربي. تُظهر نتائج هذه الدراسة أن التمثيل الأخلاقي للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية قد تعرّض لهزة قوية، وأن التصور التقليدي الذي شيدته الرواية الرسمية الإسرائيلية ووسائل الإعلام الغربية حول "الجيش الأكثر أخلاقية" خضع لمراجعة غير مسبوقة في صحافة النخبة، تحديدًا الممَّثَلة في المجلات المبحوثة في الدراسة، حيث تصدّر النقاش حول المعضلة الأخلاقية جلّ الخطابات. وبينما شمل الجدل آراء متعددة حول المعضلة الأخلاقية، فإن أغلب الأطروحات شكّلت تمثيلًاسلبيًا للجيش الإسرائيلي، وهو ما يطرح أسئلة جديدة بشأن فكرة أن الأخلاق قد تُستخَدَم سياسيًا وإعلاميًا لا لضبط السلوك العسكري فحسب، بل أيضًا لإنتاج شرعية رمزية؛ فلطالما كان ربط الجيش الإسرائيلي ب "الانضباط الأخلاقي" و"طهارة السلاح" في الخطاب الإعلامي الغربي جزءًا من بناء الصورة وتبرير العدوانية والحرب 99. عملت الاتصالات الاستراتيجية للجيش الإسرائيلي وفعاليات الهاسبرا 100 الدعائية خلال العقود الثلاثة الماضية على تطوير حملات متنوعة لترويج فكرة أخلاقية الجيش الإسرائيلي ومبدأ طهارة سلاح الجيش، تحديدًا في الولايات المتحدة، حتى بلغ الأمر تنظيم حملات واسعة وجذابة للترويج لهذه الأطروحة. وذهبت البحوث إلى المحاجّة بأن الفاعلية الاتصالية الإسرائيلية، وتحديدًا وحدة الناطق الإعلامي للجيش الإسرائيلي، تمتعت في العقود الماضية بالتكيف أثناء الحروب وبعدها، وفي تقديم استجابات مرنة على المستويات التكتيكية والاستراتيجية والإدراكية 101؛ غير أن نتائج هذه الدراسة تبين أن طبيعة هذه الحرب وطولها أضعفا قدرة إسرائيل على الاستجابة الإعلامية المرنة، على الأقل فيما يتعلق بهذا النوع من الصحافة التحليلية. لقد تطور تمثيل هذا النوع من الصحافة للجيش الإسرائيلي مع تطور الحرب واستمرارها مطوّلًا؛ إذ تبنّى معظم التحليلات الصحافية الرواية الإسرائيلية - الأميركية في الأسابيع الأولى من الحرب، وتحديدًا فيما يتعلق بهجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر والردّ العسكري ومهمة الجيش الإسرائيلي في استعادة الرهائن وإعادة بناء الردع وأمن الإسرائيليين، ومثّلت الجيش بصورة عقلانية محورها الدفاع عن النفس، وهي الصورة التقليدية التي طالما ارتكز عليها الخطاب الإعلامي المؤيد لإسرائيل في كل حروبها السابقة. في المقابل، رصدت هذه الدراسة كيف اهتزت صورة التفوّق النوعي للجيش والمؤسسات الأمنية، وتردد وصف اختراق حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر للسياج الإسرائيلي بأنّه لحظة "خزي ووصمة عار على جبين الجيش والاستخبارات الإسرائيلية." ويبدو أنّ استمرار الحرب في الأشهر التالية، ومع القصف الجوي المكثف، والغزو البري قد أوجد تحولات واضحة في الخطابات الصحافية: تراجع تمثيل القوة والبطولة والإعجاب، مع ظهور تمثيل أكثر حضورًا هو التشكيك في هذه القوة ووصفها ب "القوة المتهورة." وأظهر التحليل أيضًا أن تمثيل "الجيش المهيمن" أو "الذي لا يُقَهَر" قد أخذ يميل نحو السلبية مع استمرار العمليات العسكرية وغياب الأفق السياسي واستمرار التكلفة الإنسانية للحرب، وعلى الرغم من أن المادة المبحوثة لم ترمز عبارات واضحة تذكر "الجيش الذي لا يُقَهَر" مباشرة، فإن الخطاب الصحافي في العموم ظل يقدم استخدام القوة باعتباره ضرورة أمنية، وهو ما يتفق مع ما ذهب إليه إينتمان من أن هذا التأطير يحوّل النقاش من سؤال "هل يجب استخدام القوة؟" إلى سؤال "كيف نستخدم القوة بكفاءة؟" 102 إن العلاقة المتبادلة بين وسائل الإعلام والرأي العام في أوقات الحروب والأزمات تفسر كنه التحولات، ومن الواضح أن التغطية الإعلامية الأميركية لهذه الحرب، بما في ذلك محتوى شبكات التواصل الاجتماعي، مثّلت أساسًا قويًا لتشكيل تصورات الجمهور، إضافة إلى أنّ مواقف الجمهور قد ساهمت في تشكيل اتجاهات الصحافة. وقد
أشار استطلاع أجراه مركز أبحاث بيو إلى تحيز واضح لدى الجمهور الأميركي لمصلحة الرواية الإسرائيلية في الشهر الثاني من الحرب، وميله نحو تحميل الطرف الفلسطيني المسؤولية 103. ويلاحظ أيضًا تغييرًا متفاوتًا في وجهات نظر الأميركيين بعد مرور عام على الحرب؛ إذ أظهر استطلاع المركز الثاني أن الأغلبية باتت ترى أن إسرائيل ذهبت في حربها إلى أبعد مما ينبغي 104، كما أظهرت استطلاعات مؤسسة غالوب تغيرًا واضحًا في مواقف الرأي العام الأميركي بشأن وقف الأعمال العسكرية في غزة 105، وهو ما يتفق مع التحليل السابق.
خاتمة
تناولت هذه الدراسة تمثيل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في صحافة النخبة الأميركية، ممثّلة في مجلات فورين بوليسي و ذي أتلانتيك و ذا نيويوركر؛ وذلك من خلال تحليل الخطاب النقدي لعيّنة قصدية. وهدف البحث إلى التعرّف إلى تمثيلات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بعد عملية طوفان الأقصى، في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أي تغطية الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان 2025-2023() وتداعياتها. ورصدت المراجعة التاريخية تطور هذه التمثيلات في وسائل الإعلام الغربية ضمن أربعة مجالات شيّد من خلالها الإعلام التصور الغربي للجيش والاستخبارات الإسرائيلية على مدى سبعة عقود، وهي: صورة القوة، والدفاع عن النفس، والتفوّق النوعي والتكنولوجي، والتفوّق الأخلاقي. وقد أظهرت نتائج الدراسة أن صحافة المجلات الأميركية، القائمة على المحتوى التحليلي، شهدت تحولات كبيرة في تمثيل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية؛ ومع استمرار بعض التمثيلات التقليدية، نجد أن التحول الأبرز ظهر في "المعضلة الأخلاقية" التي احتلت التمثيل الأوسع للجيش والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية. لقد انتقد الخطاب الصحافي الفكرة التقليدية عن أخلاقية الجيش الإسرائيلي، واهتز هذا التمثيل على نحو غير مسبوق، كما كشفت الدراسة تغيرًا واضحًا في تمثيل "الجيش القوي" وظهور تمثيل "الجيش المتهور"، وتغيرًا أيضًا في مضامين تمثيل التفوّق النوعي والتكنولوجي إلى جانب بروز تمثيل سلبي لاستخدام التكنولوجيا العسكرية. مثّل البعد الأخلاقي عنصرًا أساسيًا في بناء التصوّرات الإعلامية التاريخية حول إسرائيل في الغرب؛ إذ عملت الصهيونية، عبر أذرعها المتعددة، على تعميق هذه التصوّرات وترسيخها. وقد بقي الجيش الإسرائيلي والمؤسسات الأمنية في صلب هذا البناء الخطابي، بحيث يصعب فهم العديد من أوجه الدعم الغربي لإسرائيل من دون الإحاطة بهذا الخطاب الأخلاقي التبريري. وعلى الرغم من عمل وحدة الناطق الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي، خلال العقدين الأخيرين، على إطلاق حملات دعائية عقب كل حرب بهدف استعادة قوة الخطاب الأخلاقي، فإن نتائج هذه الدراسة تفتح المجال أمام أسئلة بحثية أخرى تتناول الكيفية التي يقدّم بها الإعلام الغربي العقيدة العسكرية الإسرائيلية، والآثار الفعلية التي خلّفتها التغطية الإعلامية للحرب الإسرائيلية على غزة في تشكيل تصوّرات الرأي العام الغربي.
المراجع
العربية
جريش، ويليام. "حرب الصور: إستراتيجيات التغطية الإعلامية اتجاهات الأحداث. العدد في الصراعات اللامتماثلة." 18 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2016 شلايم، آفي. الحائط الحديد. ترجمة ناصر عفيفي. القاهرة: مؤسسة روز اليوسف،.2001 الطويسي، باسم. "تغطية الإعلام الغربي لحرب إسرائيل على غزة: الحرب في عصر ما بعد الحقيقة." تقييم حالة. 2023 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات..2023/10/31 فh يttps://acr.ps/1L9F3aS: ملتسر، أبراهام. صنع معاداة السامية: أو تحرير نقد إسرائيل. ترجمة سمية خضر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022
الأجنبية
Assalia, Ibrahim. "Western Media Coverage of the Ongoing War in Gaza." Journal of Artificial Intelligence General Science (JAIGS). vol. 4, no. 1 (2024). Ben-Zvi, Abraham. "Perception, Misperception and Surprise in the Yom Kippur War: A Look at the New Evidence." Journal of Conflict Studies. vol. 15, no. 2 (1995). Boulding, Kenneth Ewart. The Image: Knowledge in Life and Society. Ann Arbor: University of Michigan Press, 1956. ________. "National Images and International Systems." The Journal of Conflict Resolution. vol. 3, no. 2 (1959). Campbell, Jan & Mark Erickson (eds.). CCCS Selected Working Papers: vol. 2. Abingdon: Routledge, 2007. Chouchane, Samia. "The Judicialization of Israeli Military Ethics." Bulletin Du Centre de Recherche Français à Jérusalem. no. 20 (2009). Elmasry, Mohamad Hamas. "Images of the Israel- Gaza War on Instagram: A Content Analysis of Western Broadcast News Posts." Journalism & Mass Communication Quarterly. vol. 102, no. 3 (October 2024). Entman, Robert M. Projections of Power: Framing News, Public Opinion, and U.S. Foreign Policy. Chicago: University of Chicago Press, 2004. Eastwood, James. Ethics as a Weapon of War: Militarism and Morality in Israel. Cambridge: Cambridge University Press, 2017. Gelvin, James L. The Israel-Palestine Conflict: One Hundred Years of War. 3 rd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 2014. Gilboa, Eytan & Lilac Sigan. "The New York Times Coverage of the Israel-Hamas War: Errors, Omissions, and Poor Editorial Supervision." Israel Affairs. vol. 30, no. 5 (2024). Goldman, Emily. "Strategic Communication: A Tool for Asymmetric Warfare." Small Wars Journal by Arizona State University. 6/10/2007. at: https://acr.ps/1L9F2od Hahn, Peter L. "The View from Jerusalem: Revelations about U.S. Diplomacy from the Archives of Israel." Diplomatic History. vol. 22, no. 4 (1998). Hall, Stuart (ed.). Policing the Crisis: Mugging, the State, and Law and Order. London: Macmillan, 1978. ________. Representation: Cultural Representations and Signifying Practices. London: Sage Publications Ltd., inassociation with The Open University, 1997. Hammel, Eric. Six Days in June: How Israel Won the 1967 Arab-Israeli War. Pacifica, CA: Pacifica Military History, 2001 [1992].
Hussain, Shabir. "Media Coverage of Taliban: Is Peace Journalism the Solution?" Asia Pacific Media Educator. vol. 26, no. 1 (2016). Israeli, Zipi & Elisheva Rosman-Stollman. "Men and Boys: Representations of Israeli Combat Soldiers in the Media." Israel Studies Review. vol. 30, no. 1 (2015). Jackson, Holly M. "'The New York Times' Distorts the Palestinian Struggle: A Case Study of Anti- Palestinian Bias in US News Coverage of the First and Second Palestinian Intifadas." Media, War & Conflict. vol. 17, no. 1 (2024). Kamalipour, Yahya R. (ed.). War, Media, and Propaganda: A Global Perspective. Lanham, MD: Rowman & Littlefield Publishers, 2004. Karsh, Efraim. Fabricating Israeli History: The "New Historians". 2 nd ed. Cass Studies in Israeli History, Politics and Society. vol. 10. London: Frank Cass, 2000. Khalidi, Muhammad Ali. "'The Most Moral Army in the World': The New 'Ethical Code' of the Israeli Military and the War on Gaza." Journal of Palestine Studies.. vol. 39, no. 3 (2010). Kressel, Neil J. "Biased Judgments of Media Bias: A Case Study of the Arab-Israeli Dispute." Political Psychology. vol. 8, no. 2 (1987). Liebes, Tamar. "Our War/Their War: Comparing the 'Intifadeh' and the Gulf War on U.S. and Israeli Television." Critical Studies in Mass Communication. vol. 9, no. 1 (1992). Lippmann, Walter. Public Opinion. London: George Allen & Unwin Ltd, 1922. Magen, Clila & Ephraim Lapid. "Israel's Military Public Diplomacy Evolution: Historical and Conceptual Dimensions." Public Relations Review. vol. 44, no. 2 Olmos, Paula (ed.). Narration as Argument. Argumentation Library: vol. 31. Cham: Springer International Publishing, 2017. Philo, Greg & Mike Berry. More Bad News from Israel. London: Pluto Press, 2011. Popp, Roland. "Stumbling Decidedly into the Six-Day War." The Middle East Journal. vol. 60, no. 2 (2006). Ross, Susan Dente. "Framing of the Palestinian Israeli Conflict in Thirteen Months of New York Times Editorials Surrounding the Attack of September 11, 2001." Conflict & Communication Online. vol. 2, no. 2 (2003). Said, Edward W. The Question of Palestine. New York: Vintage Books, 1992. Tuchman, Gaye. Making News: A Study in the Construction of Reality. New York: Free Press, 1978. Viser, Matt. "Attempted Objectivity: An Analysis of The New York Times and Ha'aretz and Their Portrayals of the Palestinian–Israeli Conflict." The International Journal of Press/Politics. vol. 8, no. 4 (2003). Wolf, Joan B. "'Anne Frank Is Dead, Long Live Anne Frank': The Six-Day War and the Holocaust in French Public Discourse." History and Memory. vol. 11, no. 1 (1999). Wolfsfeld, Gadi & Paul Frosh & Maurice T. Awabdy. "Covering Death in Conflicts: Coverage of the Second Intifada on Israeli and Palestinian Television." Journal of Peace Research. vol. 45, no. 3 (2008). Yarchi, Moran. "ISIS's Media Strategy as Image Warfare: Strategic Messaging over Time and across Platforms." Communication and the Public. vol. 4, no. 1 (2019). Zeitzoff, Thomas. "Using Social Media to Measure Conflict Dynamics: An Application to the 2008–2009 Gaza Conflict." Journal of Conflict Resolution. vol. 55, no. 6 (2011).