Return to Article Details Pillars of China’s Foreign Policy in Africa

مرتكزات السياسة الخارجية للصين في أفريقيا

Does the Chemical Weapons Deal Pave the Way for a Rehabilitation of Bashar Al Assad?

توفيق عبد الصادق *

الملخّص

تهدف هذه الدراسة إلى مواكبة الجدل الدائر في الدراسات والأبحاث المهتمة بالأسباب الكامنة وراء تزايد النفوذ الصيني في أفريقيا، ونجاح السياسة الخارجية للعماق الآسيوي الصاعد في القارة الغنية بالثروات. ووجدت الدراسة أنه على الرغم من التقدم الكبير على المستوى الجيو-اقتصادي في القارة الأفريقية، فإنّ السياسة الخارجية ما زالت بعيدة في جعل الصين الاعب الذي له الكلمة العليا في الساحة الأفريقية بشأن الثأثير السياسي في الأنظمة السياسية الأفريقية. أما الدول الأفريقية فعليها أن تواجه التحديات العالمية وتأخذ على عاتقها مهمة الإصاح السياسي والاقتصادي من خال تبني منظور جامع للأمن والتنمية، وتحمّل المسؤولية التاريخية للدفاع عن استقالها وكرامتها بما يحقق لها شعار "أفريقيا للأفريقيين" ويجعل ثروات القارة الغنية ومواردها تعود بالنفع عليهم جميعًا.

Abstract

The Assad regime was quick to accept the terms of a Russian proposal to destroy its stockpile of chemical weapons following a chemical weapons attack on civilians under siege in East and West Ghouta. Within days of the attack on August 21, 2013 the regime’s chemical weapons stockpile was made available to international observers, with the Syrian regime even making an application to join the Chemical Weapons Convention on September 20 of the same year—Damascus had previously insisted that Israel join the Nuclear Nonproliferation Treaty before it signed up to the CWC. This paper seeks to understand (the possible) increased acceptance of Bashar Al Assad by the global media, which might presage a rehabilitation of his image, pending his presentation on the world stage as a legitimate head of state for Syria in the wake of the chemical weapons deal his country has struck.

الكلمات المفتاحية:
  • سورية
  • بشار الأسد
  • السلاح الكيماوي
Keywords:
  • Assad regime
  • Russian proposal
  • chemical weapons

مقدمة

تزايدت أهمية حضور الصين في القارة الأفريقية، حتى صارت الشريك التجاري الثاني لدول القارة مع نهاية عام 010.2 فمنذ وصول الرئيس الصيني السابق هو جينتاو إلى السلطة عام 0032، تسارعت وتيرة الحضور الصيني المكثف في أفريقيا، ليتفاجأ العالم في تشرين الثاني/ نوفمبر 0062 بانعقاد قمة صينية - أفريقية في بكين، حضرها 84 زعيمً أفريقيًا؛ ولتكون بمنزلة الإعلان المباشر لما بات يعرف بالظاهرة الصينية في أفريقيا، وتصبح من أهم الموضوعات الدراسية للخبراء والباحثين لا سيم في الدول الغربية، كم شكلت النقطة الأهم في جدول أعمل رجال السياسة والدبلوماسية في عدد من عواصم العالم. تهدف هذه الدراسة إلى مواكبة الجدل الدائر في الدراسات والأبحاث المهتمة بالأسباب الكامنة وراء تزايد النفوذ الصيني في أفريقيا، ونجاح السياسة الخارجية للعملاق الآسيوي الصاعد في القارة الغنية بالثروات. كم تهدف إلى عرض هذا الموضوع أمام صانعي القرار السياسي والدبلوماسي في دول المغرب العربي، بهدف التنبه لهذا اللاعب المهم في الساحتين الإقليمية والدولية. فإذا كانت السياسات الخارجية لدول المغرب العربي تتميز بكونها تتحرك في إطار جغرافي محدود يتمثل في علاقاتها مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، فهذا لم يعد كافيًا لتحقيق المصالح الحيوية لتلك الدول، بل يتعين عليها اليوم تكييف سياساتها وسلم أولوياتها بشكل مستمر ليتوافق مع التحولات التي فرضتها المتغيرات السياسية والاقتصادية في العالم، وليتمشى مع توسّع جغرافية المصالح. العالمية. وتحاول الدراسة الإجابة عن السؤالين التاليين: ما هي مرتكزات السياسة الخارجية للصين في أفريقيا؟ وكيف استطاعت الصين النجاح في تقديم نفسها كحليف للبلدان الأفريقية وكنموذج للتنمية؟ إنّ الاهتمم الصيني بأفريقيا ليس حديث العهد، لكون العلاقة الصينية - الأفريقية قديمة وترجع بدايتها إلى الخمسينيات من القرن الماضي؛ فمنذ مؤتمر باندونغ بأندونيسيا للدول الأفرو-آسيوية عام 9551، الذي عقد في ظل المناخ التحرري للبلدان الآسيوية والأفريقية من نير الاستعمر، بدأت جمهورية الصين الشعبية تعبِّ عن مكانة أفريقيا في سياستها الخارجية، ويرجع ذلك للالتقاء الموضوعي للصين بعد الثورة الشيوعية مع حركات التحرر الأفريقية في مواجهة الإمبريالية من جهة، وتقديم الصين نفسها كدولة نامية تختلف من حيث التوجهات والأهداف مع شريكها الأيديولوجي الاتحاد السوفيتي سابقًا من جهة ثانية. وقد جسّدت الصين الشعبية هذه السياسة على مستوى الممرسة السياسية، فقدّمت الدعم للحركات التحررية، مثل حركة UNITA""يونيتا  بأنغولا، وكانت الدولة الأولى من غير البلدان العربية التي اعترفت بالحكومة الجزائرية المؤقتة عام 9581، كم قامت ببناء أطول خط للسكك الحديدية ربط بين العاصمتين الزامبية والتنزانية1.

ويمكن القول إنّ مرحلة جديدة في سياسة الصين الخارجية بدأت بعد وفاة الزعيم ماو تسي تونغ ووصول دينغ هسياو بينغ إلى السلطة عام 9781، وما أحدثه هذا الزعيم من قفزة نوعية في السياستين الداخلية والخارجية الصينية؛ إذ شكل نهجه الاقتصادي المستند إلى فلسفة الانفتاح الخارجي - أو ما سمّه "اشتراكية السوق" إلى جانب نظرية "العوالم الثلاثة"، أو كم عبّ عنها عالم الجيوبوليتيك الفرنسي يفيس لاكوست ب "الرأسملية الفريدة"؛ أي اقتصاد رأسملي بقيادة شيوعية - الإطار الموجِّه في عملية البناء الإستراتيجي للسياسة الخارجية، بهدف إيجاد دور أساسي للصين في ميزان تفاعلات القوى

وبحسب الباحث الفرنسي فاليري باون في مركز تيو سيديد بجامعة باريس، فقد بنيت إستراتيجية القيادة الصينية على العمل لبناء اقتصاد قوي، وهنا برزت الرغبة الصينية في البحث عن دعائم هذا الاقتصاد والمتمثلة في قطاع الطاقة والمواد الأولية إلى جانب البحث العلمي من خلال إنشاء الجامعات والمدارس العليا2. وإذا نظرنا إلى التحليلات والدراسات الإستراتيجية المرتبطة بالمكانة التي تحتلها أفريقيا في ساحة التنافس والصراع الجيوسياسي للقوى

  1. François la Fargue, “La chine une puissance Africaine,” Perspectives chinoises , no. 90 (Juillet – Août 2005), p. 2.
  2. Valérie Paone, “L’influence de la chine en Afrique, une Alternative au poste colonialisme?” Afrique Contemporaine , p. 319, at: http://www.afri-ct. org/IMG/pdf/20_Paone.pdf

الدولية، يمكن للباحث الاستعانة بنمذج جديدة للعلوم الاجتمعية بهدف التفسير؛ كالجغرافيا الاقتصادية والجغرافيا السياسية وتحديد المواقع. كم يتعين في هذا السياق النظر إلى دور أفريقيا في الفضاء العالمي؛ أي في الاقتصاد والدبلوماسية والتوازنات الجيوسياسية في العالم؛ فالقارة تشكل خزانًا كبيرًا للمواد الخام ومنها النفط والغاز3، والصين تستهلك حسب إحصاءات عام 0102 نسبة %30 من الإنتاج الأفريقي من النفط4، كم أنّ أفريقيا تشكل سوقًا واعدة للتسويق، فهي تضم نحو مليار نسمة، ومن المتوقع أن تصل إلى حوالي 1.4 مليار نسمة بحلول.030 25وإذا استندنا إلى الدراسات الجيوسياسية، فإنّ أفريقيا كانت حاضرة في كتابات الجيل الأول في هذا الحقل العلمي مع البريطاني هالفورد ماكيندر في إطار نظرية "الجزيرة العالمية" التي تتكون من القارات الثلاثة (أفريقيا وأوروبا وآسيا). أما الأميركي نيكولاس سبيكمن فقد نظر إلى أفريقيا وأستراليا كقارتين ساحليتين؛ إذ تتصل أفريقيا بالسواحل الجنوبية الغربية لأوراسيا عن طريق البحر الأبيض المتوسط6. أما الصين، فهي في طريقها إلى أن تصبح مركز العالم الجديد ليس اقتصاديًا وحسب، ولكن سياسيًا وإستراتيجيًا أيضًا.7وبالنظر إلى متغيرات دراسة قوة الدول في النظام السياسي للعلاقات الدولية للقرن الحالي الذي تزداد فيه العلاقات المتبادلة، سيجري قياس قوة أي دولة بناء على ثقلها النوعي في ساحة التأثير الدولية، فقيمة الدولة الحقيقية ليس في قوتها الفعلية داخل محيطها وحسب، بل أيضًا في التأثير الاقتصادي والسياسي، إضافة للتأثير الدبلوماسي والثقافي خارجيًا. وعند النظر إلى التحولات الجديدة في الاقتصاد السياسي الدولي، وتوزيع الموارد الجيو-اقتصادية في المناطق الجغرافية، نجد المفكر الإستراتيجي ومنظّر السياسة الخارجية التركية، وزير الخارجية الحالي أحمد داود أوغلو، يقول "إنّ القرن الواحد والعشرين مرشح لأن يكون قرنًا آسيويًا في بدايته، وأفريقيًا في نهايته"8. كل هذه المعطيات والمتغيرات التي أشرنا إليها ستشكل الإطار الموضوعي والمنهجي للدراسة، والتي تتكون من ثلاثة محاور رئيسة، بالإضافة إلى الخاتمة.

الشراكة الاقتصادية وهيمنة الطاقة

جاءت العودة الصينية إلى أفريقيا في إطار النظرة الإستراتيحية للقيادة الصينية في التعامل مع الخارج، والتي بدأت منذ التسعينيات من القرن الماضي، كمرحلة ثالثة في مسلسل الإصلاحات؛ إذ ربطت بين التنمية الداخلية والانفتاح الخارجي والانخراط في الاقتصاد العالمي. فقد سعت القيادة الصينية خلال هذه المرحلة إلى الانضمم للمنظمت الدولية الاقتصادية، فدخلت في منظمة التجارة العالمية عام 0012؛ بهدف تدعيم تجارتها الخارجية وتوفير حاجاتها من الطاقة9. هذه النظرة الإستراتيجية محكومة بمتغيرات البنية الدولية من ناحية، وبالأولويات الملحة في السياسة الخارجية الصينية من ناحية أخرى. فبكين تطرح نموذجًا للشراكة وفق شعار "المشاركة في الحصول على المكاسب" (ربح – ربح win–win)، وهو معارض بشكل مباشر للنموذجين الغربي والياباني. فالصين حسب فاليري نيكي تقدم نموذجًا للتنمية يعد فعالً وبراغمتيًا ومخصصًا حسب المقاس للبلدان الأفريقية، وقوامه الفصل بين الأهداف الاقتصادية والإصلاح السياسي؛ فهي التي لم تعرف الديمقراطية حسب الفهم الغربي، نجحت في صناعة مجتمع أخرج ملايين الصينيين من الفقر المدقع، وهو ما شكّل عامل جذب ورغبة للنخبة الأفريقية في التعامل مع هذا النموذج10. وعلى الرغم من سلوك الصين لمسار التحول إلى قوة كبرى، فم زالت تعتبر نفسها زعيمة الدول النامية، فهي تقول دائمًا في طرحها الإستراتيجي للشراكة مع القارة: إنّ أفريقيا هي القارة التي تضم أكبر عدد من البلدان النامية، وإنّ الصين هي أكبر بلدان العالم النامية على الإطلاق11.

  1. François la Fargue, “États-Unis, Inde, chine: Rivalité pétrolières en Afrique,” Afrique Contemporaine , no. 216 (2005).
  2. Djibril Diop, La ruée des chinois vers l’Afrique: entre amour et désamour (Québec: université de montérial, 2010).
  3. هارون باه، "دول غرب أفريقيا في ميزان الجيوبوليتيك"، رسالة لنيل دبلوم الدراسات
  4. المرجع نفسه، ص.12
  5. Yves la Coste, “La chine change l’ordre du monde,” Hérodote , no. 125 (second trimestre 2007).
  6. أحمد داود أوغلو، العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، ترجمة محمد جابر ثلجي وطارق عبد الجليل (بيروت/الدوحة: الدار العربية للعلوم ناشرون – مركز الجزيرة للدراسات، 0102)، ص.244 9  Thierry Sanjuan, “comprendre la chine contemporaine par les mots des science sociales,” Hérodote , no. 125 (second trimestre 2007), pp. 7- 8.
  7. المعمّقة، كلية الحقوق في سلا بالمغرب، 008-20072، ص.42
  8. Valérie Niquet, “la stratégie Africaine de la chine, pékin et de reteur en Afrique,” Politique étrangère , no. 2 (2006), p. 364.
  9. He Wenping, “The Balancing Act of China’s Africa Policy,” China Security , vol. 3, no. 3 (Summer 2007), p. 27.

وقد نشرت الحكومة الصينية لأول مرة في كانون الثاني/ يناير 2006، تقريرًا يسمى "الكتاب الأبيض"؛ فسّت فيه سياستها في أفريقيا. وقد شدّد التقرير على مسألة "أنّ الصين تسعى لإقامة نوع من الشراكة الإستراتيجية مع القارة، قائمة على المساواة السياسية والثقة المتبادلة والتعاون الاقتصادي والتبادل الثقافي انسجامًا مع شعار ربح – ربح"12. ومن أهم المبادئ والأهداف التي جاءت بها الوثيقة انسجامًا مع شعارها المتعلق بالعلاقة الصينية - الأفريقية، وفي ما يتعلق بأهمية الشراكة الاقتصادية، التأكيد على13:

المنفعة المتبادلة والازدهار المشترك من خلال التأييد والدعم الصيني للدول الأفريقية في مجال التنمية الاقتصادية، وإقامة تعاون متنوع الأشكال في مجالات الاقتصاد والتجارة والتنمية الاجتمعية، بالإضافة إلى تعزيز التنمية المشتركة. التعلّم المشترك والسعي لتحقيق التنمية المشتركة من خلال الاستفادة من بعضهم البعض في خبرات الإدارة والتنمية، وتعزيز التبادل والتعاون في مجالات العلوم والتعليم والثقافة والصحة، ودعم الصين للدول الأفريقية في بناء قدراتها، والعمل على استكشاف طرق التنمية المستدامة. فالأولية بالنسبة إلى الشراكة الجديدة تتمثل في الحقوق الاقتصادية والاجتمعية، وهذا ما قد عبّ عنه العديد من القادة والمسؤولين الصينيين والأفارقة؛ ففي تصريح لمديرة قسم الدراسات الأفريقية في الأكاديمية الصينية للدراسات الاجتمعية في بكين، هي ويننغ بين، قالت "نحن في الصين لا نؤمن بأنّ حقوق الإنسان يجب أن تسمو على السيادة... لنا رأينا المختلف في هذا الأمر وتشاطرنا الدول الأفريقية هذا"15. أما وزير الخارجية الصيني السابق زهو وين زهونع فقد كان أكثر وضوحًا عندما قال "إنّ التعامل مع أفريقيا يتعلق بالجوانب العملية وليس حقوق الإنسان؛ فالتجارة تجارة، وإنّ بكين لا تتدخل في الشؤون الداخلية، فهي تحاول الفصل بين التجارة والسياسة"16. وقد وجد القادة الأفارقة في الاستثمرات والمساعدات الصينية الفرصة الاقتصادية للتنمية وبناء البنية التحتية، التي تخلت عنها المؤسسات المالية الدولية، عبر وضعها ل وررط متعلقة بسياسة الحكامة والشفافية الدولية وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي لا تجد القبول عند بعض القادة الأفارقة الذين يرون فيها مجرد تبريرات لاستغلال القارة، أو لا تدخل ضمن الأولويات السياسية، كم عبّ عن ذلك مستشار الرئيس الكونغولي سيرج موبولي؛ إذ قال: "الصينيون عرضوا علينا أشياء واقعية، والغربيون عرضوا قيمً بلا أثر"، ويضيف "ما معنى الشفافية والحكامة لأشخاص لا يملكون الكهرباء وليس لديهم نقل، الديمقراطية لا تطعم"17. فحسب هذا الفهم، هناك حاجة متبادلة للطرفين؛ فالاقتصاد الصيني الذي ينمو بمعدلات متسارعة بات في حاجة متزايدة لموارد الطاقة والمعادن والمواد الخام، وهو ما يجده في قارة تضم احتياطات مهمة من الطاقة العالمية (نحو %9.4 من النفط، و%8 من الغاز الطبيعي). فالنفط الأفريقي يشكل %60 من واردات الصين من القارة، فهي تستورد %60 من إنتاج السودان ورُبع إنتاج أنغولا، كم أنّ الصين تسعى لإيجاد موقع متميز في خليج غينيا (نيجيريا، أنغولا، غينيا الاستوائية، الغابون، الكاميرون) الغني بالنفط18، إضافة إلى أنّ أفريقيا هي القارة الأغنى باحتياطات المعادن المختلفة في العالم (%80 من البلاتين، ونحو %40 من الألماس، و%20 من الذهب، و%20 من الكوبالت)، وهي التي تمتلك ثروة زراعية وحيوانية وسمكية ضخمة. وتحتاج الصين أيضًا إلى أفريقيا بوصفها سوقًا لمنتجاتها، استنادًا إلى أنّ الاقتصاد الصيني هو بالأساس اقتصاد موجه للتصدير ويحتاج إلى أسواق واسعة وكبيرة لتسويق منتجاته المتنوعة19.

  1. Jean-Raphaël Chaponnière, “L’aide chinoise à l’Afrique: origines,
  2. حمدي عبد الرحمن حسن، "العلاقة الصينية الأفريقية: شراكة أم هيمنة؟" كراسات إستراتيجية، العدد 172 (القاهرة: شباط/ فبراير.)2007
  3. بدر حسن الشافعي، "الاهتمام الصيني بأفريقيا: الأسباب.. الآليات.. التحديات"، آفاق أفريقية، العدد 03 (القاهرة:.)2009
  4. Serge Michel et Michel Beuret, La China Afrique pékin à la conquête du continent noir (Paris: Bernard Grasset, 2008), p. 13. 17  Niquet, pp. 367-368
  5. modalités et enjeux,” L’économie politique , no. 38 (Avril 2008), p. 11.
  6. إسماعيل خيرت، "التعاون الصيني الأفريقي: مرحلة الازدهار وجني الثمار"، آفاق أفريقية، العدد 03 (القاهرة:.)2009 %الواردات % المصدر:
  7. 14 أيان تايلور، "دبلوماسية الصين النفطية في أفريقيا"، دراسات عالمية، العدد 63 (أبوظبي: 0072)، ص.10
الصادرات%الواردات%
جنوب أفريقيا20أنغولا33
مصر21جنوب أفريقيا19
نيجيريا10السودان31
الجزائر7جمهورية الكونغو8
المغرب6غينيا الاستوائية6

أما أفريقيا، فتحتاج إلى الأموال والاستثمرات ونقل الخبرات والتكنولوجيا؛ لمساعدتها في التنمية وإخراج الملايين من سكانها من براثن الفقر، وهو ما وجدته لدى الصينيين الذين يفاخرون برقم قياسي في حجم الاحتياطي النقدي الأجنبي، البالغ 04473. تريليونات دولار في نهاية آذار/ مارس 0112، وفق ما أعلنه بنك الشعب الصيني (البنك المركزي)20، وبخاصة بعد تخلي القوى الاستعمرية السابقة والمؤسسات المالية وانسحابها من أفريقيا، نتيجة تراجع سياسة الاستقطاب الغربية السوفيتية أثناء عقود الحرب الباردة21. أولً: التجارة البينية تضاعفت المبادلات التجارية بين الصين وأفريقيا 05 مرة منذ عام 9801 وحتى عام 0052؛ إذ ناهزت نحو 04 مليار دولار، ومثلت نسبة %2.5 من حجم التجارة الخارجية للصين. انطلق هذا الارتفاع بشكل كبير بعد انعقاد المنتدى الأول للتعاون الصيني - الأفريقي ببكين في عام 0002؛ ففي الفترة 006-20012 ارتفع حجم التبادل التجاري بين الشريكين بنسبة %80، نظرًا للطلب المرتفع للصين على النفط والمواد الأولية خاصة المعادن والقطن22. وفي عام 0102، قالت بكين إنّ حجم التبادل التجاري مع أفريقيا بلغ 8114. مليار دولار بنسبة زيادة بلغت %43.5. هذه الأرقام والمؤشرات جعلت من موضوع23العلاقة الصينية - الأفريقية يتصدر اهتمم الصحف الغربية وتحليلات علمء الاقتصاد والعلاقات الدولية، ولا سيم بعد أن تجاوزت الصين فرنسا كقوة ذات نفوذ كبير في أفريقيا واحتلت المرتبة الثانية كشريك تجاري بعد الولايات المتحدة الأميركية مع القارة24. هذا التطور الكبير في حجم التجارة جعل بكين تصبح الشريك التجاري للعديد من البلدان الأفريقية25، وهذا ما يوضحه الجدول.)1(ثانيًا: الاستثمرات أمام الفرص الاستثمرية التي تتوافر في أفريقيا، رجّح البنك الدولي عام 0112 أن تدفع الأجور المتزايدة للعملة في الصين شركات الإنتاج الصناعي الخفيف الصينية إلى الذهاب إلى أفريقيا حاملة معها ما بين 83 إلى 85 مليون فرصة عمل في السنوات الثلاث إلى الخمس التالية. ومن جانبها قالت أوبيجلا ازاكوسل، نائبة رئيس البنك الدولي في أفريقيا، "أنّ النجاح الاقتصادي للصين وحاجاته المتزايدة للمواد الأولية ساعد في نمو الاقتصاد الأفريقي"26. وكان صندوق النقد الدولي قدّر نسبة نمو الاقتصاد الأفريقي قبل الأزمة الاقتصادية لعام 0082 ب %6، وهي النسبة الأكثر ارتفاعًا منذ نحو

  1. http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B75DEE23-0E33-40DB-BF97- B1BD464C897D.htm
  2. Marc Aicardi de Saint–Paul, “Les Relation Taiwan–Afrique: Entre continuité et rupture,” Géostratégique no. 25, p. 267, at: http://www.youscribe. com/catalogue/presentations/les-relations-taiwan-afrique-entre-continuite-
  3. Jiang ye Wang et Abdoulay bio Tchané, “Afrique – Chine des liens,”
  4. جريدة أخبار اليومالمغربية، العدد 490،.2011/7/7 23  Michel et Beuret, p. 13.
  5. et-rupture-marc-379198
  6. La Fargue, “La chine une puissance Africaine,” p. 7. 25 جريدة أخبار اليوم.
  7. Finance et Développement (mars 2008), p. 114. الجدول (1) الشركاء التجاريون الخمسة الأوائل للصين في أفريقيا حسب الصادرات والواردات لعام 2010 Raphael Kaplinsky et Masuma Farooki, La coopération de l’Afrique avec les partenaires de développement nouveaux et émergents: option pour le dévelopement de l’Afrique (New York: Rapport, réalisé pour bureau du coseiller spécial pour l’Afrique en Nation Unies, 2010), p. 51.

03 عامًا؛ إذ أرجع هذه النسبة للديناميكية التي وفرتها الاستثمرات الصينية لاقتصاد القارة27. والملاحظ أنّ بكين تركز استثمراتها ومساعداتها على الدول الغنية بالثروات، وبخاصة النفط والمعادن، وهذه أهم الاتفاقيات النفطية التي أبرمتها الشركات الصينية مع تلك الدول للفترة:008–2002 228002:2 وقعت شركة النفط والغاز الصينية SINOPEC عقدًا بقيمة 525 مليون دولار لتطوير حقول زار زاتين في الجزائر. 003:2 قامت شركة النفط الوطنية الصينية CNPC بشراء عدد من مصافي النفط الجزائرية بقيمة 035 مليون دولار، كم وقعت على صفقة تقوم بمقتضاها بأعمل التنقيب عن النفط في منطقتين مهمتين. 003:2 قامت شركة بتروتشاينا PetroChina بتوقيع عقد مع شركة هيدروجين كاربايدHydrogen Carbide الجزائرية لتطوير بعض حقول النفط وإنشاء مصفاة لتكريره. 004:2 وقعت شركة توتال غابون Gabon Total عقدًا مع شركة النفط والغاز الصينية تحصل الصين بمقتضاه على النفط الغابوني. 005:2 منحت الصين الحكومة الأنغولية قرضًا بقيمة ملياري دولار مقابل الحصول على صفقات نفطية، وقد أضافت الصين مليارًا ثالثًا في آذار/ مارس.0062 005:2 وقعت شركة بتروتشاينا عقدًا بقيمة 800 مليون دولار مع شركة البترول الوطنية النيجيرية مقابل الحصول على النفط الخام بمعدل 03 ألف برميل يوميًا تصدَّر إلى الصين. 006:2 وافقت المؤسسة الوطنية الصينية للنفط البحري CNOOC على شراء %45 من حقوق استغلال حقول النفط والغاز الطبيعي النيجيرية بقيمة 2.7 مليار دولار. 006 علن عن صفقة للتنقيب عن النفط في كينيا بحيث يجري:2 أُ السمح للمؤسسة الوطنية الصينية للنفط البحري بالتنقيب في ست مناطق تغطي مساحة 00445 ميل مربع شملي البلاد وجنوبها. 006:2 حصلت الصين على صفقة بقيمة أربعة مليارات دولار للحصول على تراخيص حفر وتنقيب في نيجيريا. 006:2 حصلت شركة النفط والغاز الصينية على %40 من حقول النفط في المنطقة رقم 81 الغنية في أنغولا، بعد موافقتها على منح الحكومة الأنغولية علاوة توقيع بقيمة 1.1 مليار دولار، وذلك إضافة إلى إجملي قيمة الاستثمر المعلن عنه والتي تزيد على 1.4 مليار دولار. 006:2 وقعت الشركات الصينية على عقود للتنقيب عن النفط واستغلاله في الكونغو برازفيل، كم أنها بدأت اسكتشاف النفط في شمل ناميبيا. 008:2 بدأت شركة نفط صينية بأعمل التنقيب في غرب أثيوبيا، كم تحاول الشركات الصينية تأسيس شراكة من أجل استغلال احتياطات النفط في جزيرة مدغشقر. 008:2 عقدت شركة النفط الوطنية الصينية اتفاقًا مع حكومة النيجر لاستغلال حقول نفطية في منطقة أغادم، وبناء 0002 كيلومتر من أنابيب النفط. ويقول مسؤولو المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية إنّ حجم الاستثمرات الصينية في الواقع أكثر بكثير مم تصرح به السلطات والمؤسسات الحكومية الصينية، على الرغم من الضغوط والمطالب التي تتعرض لها الصين للكشف عن سياساتها وبرامجها وخططها الاقتصادية والسياسية في أفريقيا29. وكدليل على الشراكة ذات النفع المتبادل، كرد على بعض الانتقادات الموجهة لبكين بتوجيه الاستثمرات إلى دول غنية بالثروات، وتشجيعها على الفساد الاقتصادي والسياسي مع حكومات مثل أنغولا والسودان وزيمبابوي وهي الدول المقربة من بكين، تقدِّم الصين إحصاءات لحجم المشاريع التي أنجزتها للنهوض بالبنية التحتية سواء بشكل مباشر كاستثمرات أو عن طريق منحها لقروض بفائدة منخفضة ولمدة طويلة الأجل، لتشمل هذه المساعدات دولً أخرى فقيرة نسبيًا من حيث الثروات، عبر إعفائها من الديون أو منح منتجاتها التجارية امتيازات جمركية وفق قانون "صفر تعريفة"30. ففي إحصاءات عام 0072، قالت بكين إنّ بنك الصادرات والواردات الحكومي الصيني EXIM قدّم 12 مليار دولار لتنمية قطاع البنية

  1. Evaluation des engagements de la chine en Afrique dans le cadre du FOCAC et cartographie de perspectives (Centre d’études chinoises, Université de Stellenbosch, 2010), p. 228, at: http://www.ccs.org.za/wp-content/ uploads/2010/03/FRENCH-Evaluating-Chinas-FOCAC-commitments-to- Africa-2010.pdf
  2. عبد الرحمن؛ وانظر أيضًا تايلور، ص-1617؛ وكذلك: Tanguy Strye de Swilande, Offensive Chinoise en Afrique (Louvain: université
  3. رضا محمد هلال، "العلاقات الصينية بالدول النامية: المنطلقات والأبعاد"، السياسة الدولية، العدد 173 (القاهرة: تموز/ يوليو 0082)، ص.133 29  Wenping, p. 24.
  4. catholique de louvain, Avril 2009), p. 16.

التحتية في أفريقيا31. ووقعت الصين 84 اتفاقية لتقديم مساعدات ل 22 بلدًا أفريقيًا ابتداءً من عام 0072 حتى عام 0092، كم أنّ عام 0092 عرف نسبة زيادة في المساعدات بلغت %200؛ فبكين على الرغم من الأزمة المالية التي هزت العالم عام 0082، ما فتئت تؤكد التزامها بمواصلة أجندتها الاستثمرية ومساعدة القارة؛ فخلال انعقاد قمة العشرين G20 في لندن عام 0092، صرح الرئيس الصيني السابق قائلً: "إنّ بلاده ستحافظ على مستوى استثمراتها ومساعداتها للقارة بل إنها ستتضاعف"32. إنّ سياسة بكين الأفريقية تعمل بمبدأ "الدولة غير الحليفة يجب أن تبقى صديقة"، وهي إستراتيجية طويلة الأمد لإزاحة القوى الكبرى عن المنافسة في القارة وباقي مناطق العالم، فقديمًا قال المفكر الإستراتيجي الصيني صن تسو "ليس صحيحًا أنّ المعارك تكسب أو تخسر لحظة المواجهة، ففي حقيقة الأمر تحسم المعارك فوزًا أو خسارة قبل خوضها"33.

الرؤية السياسية المشتركة ومحورية موضوع تايوان

فسّت الحكومة الصينية في تقرير "الكتاب الأبيض" السياسة الصينية في أفريقيا؛ فقد شدّد هذا التقرير على مسألة كون الصين تسعى لإقامة نوع من الشراكة الإستراتيجية مع القارة، قائمة على المساواة والثقة المتبادلة على المستوى السياسي، وهو ما عبّ عنه الرئيس السابق جيانغ زيمين في شرحه للسياسة الخارجية في أفريقيا أثناء انعقاد "المنتدى الأول للتعاون الصيني الأفريقي" عام 000؛ فالصين تدعم جهود 234الدول الأفريقية بشأن اختيار طبيعة النظام السياسي وأسلوب التنمية الذي يتلاءم مع الظروف الوطنية، انسجامًا مع المبادئ التي رفعتها الصين في علاقتها مع أفريقيا وعلاقات الجنوب – الجنوب القائمة على مبدأ "التنمية والسلام الدولي"، وهذه سياسة تناقض سياسة الدول الكبرى القديمة والجديدة في أفريقيا35. وقد أشار فاليري نيكي إلى أنّ الصين تتعامل في علاقاتها الأفريقية بصفتها دولة قائدة للدول النامية إلى جانب كونها قوى موازنة في التفاعلات الدولية، ويشير هنا إلى وقوف الصين ضد قرار مجلس الأمن رقم 1547 المتعلق بالسودان عام 0042، كم أنّها تستفيد من أصوات الدول الأفريقية لمناهضة المطالب الغربية للصين باحترام حقوق الإنسان36.

ويذهب الباحث فرنسوا لافارج في تفسيره للمصالح السياسية المتبادلة إلى عدة اعتبارات37: محورية المسألة التايوانية في السياسة الخارجية للصين؛ فقد نجحت الصين في صراعها مع حكومة تايوان في تمثيلها للصين الواحدة في مجلس الأمن بفضل الأصوات الأفريقية عام.1971 سحب معظم الدول الأفريقية اعترافها باستقلال تايوان عن الصين الأم؛ فعلى الرغم من حضور العلاقات الاقتصادية الأفريقية – التايوانية، فإنّ التأثير السياسي لتايوان في أفريقيا يكاد يكون معدومًا. لا تشكل الصين ذلك الهمّ المزعج للقادة الأفارقة، والذي يطالب بالإصلاحات السياسية والديمقراطية والتزام حقوق الإنسان كمقدمة للتعاون والدعم. إلى جانب هذه الاعتبارات، هناك مسألة غاية في الأهمية بالنسبة إلى المصالح الجيوسياسية للصين؛ فأفريقيا أصبحت ورقة مهمة تضاف إلى الأوراق المؤثرة التي بإمكان الصين استعملها في لعبة بناء التوازنات الإقليمية مع كل من اليابان والهند، أو على مستوى التوازنات الدولية خاصة في صراعها مع الولايات المتحدة الأميركية، نظرًا للموقع الإستراتيجي لأفريقيا الواقع في جنوب أوروبا، وثرواتها الاقتصادية، إلى

  1. de Swilande, p. 20.
  2. Nola Nouck Lucien, “China’s Promises to Africa,” pp. 367-369, at: http:// www.academicjournals.org/ajpsir/pdf/pdf2011/July/Lucien.pdf
  3. حنان قنديل، "الصين نموذج جديد للقوة الصاعدة"، السياسة الدولية، العدد 173 (القاهرة: تموز/ يوليو 0082)، ص.84
  4. Niquet, p. 363.
  5. Antoine Kernen, “Les stratégies chinoises en Afrique: du pétrole aux
  6. Niquet, p. 363. 36  La Fargue, La chine une puissance Africaine, pp. 7-8.
  7. bassines en plastique,” Politique africaine , no. 105 (Mars 2007).

جانب القوة العددية التي تشغلها أفريقيا داخل المنظمت الدولية الحكومية. كم أصبحت أفريقيا في السنوات الأخيرة سوقًا مهمةً لتجارة السلاح الصيني, مم يتيح تجريب أسلحة تقليدية غير موافق عليها من طرف الغرب. فقد أقامت الصين مصانع للسلاح في السودان ومالي وزيمبابوي، وأشرفت على تدريب 00015 جندي أفريقي في الفترة 010-20082 في إطار إستراتيجية بناء عمق عسكري لحمية أمنها القومي38. وفي هذا السياق، يأتي سعي الصين الحثيث لبناء قوة بحرية تمكنها من تأمين حمية تدفق النفط الأفريقي والعربي عبر المحيطات البعيدة عنها، ففي عام 0092 أعلنت القيادة الصينية عزمها بناء قاعدة بحرية في خليج عدن لحمية سفنها من القرصنة الصومالية39.

القوة الناعمة في ظل النموذج الصيني

عندما تسلّم الرئيس السابق هو جينتاو السلطة في عام 0032، أكد في خطابه الموجه للخارج أنّ بلاده ستواصل سياسة الصعود السلمي التي رسمها مؤسس الصين الحديثة الزعيم دينغ هسياو بينغ والمسمة "التنمية السلمية". ولأجل دعم هذه السياسة وتقوية الحضور على الساحة الدولية، عملت السلطات الصينية على الاهتمم بالعناصر الاقتصادية والسوسيوثقافية والدبلوماسية بوصفها ركائز للقوة الناعمة Soft Power، وهو المفهوم الذي جاء به عالم السياسة الأميركي جوزيف ناي40. ويشير المفهوم إلى استخدام الأدوات غير العسكرية للترويج لسياسات الدول وأفكارها في محيطها الدولي؛ إذ إنها تمثل أحد جوانب الدبلوماسية التي تنطوي على جهود الحكومة لتقديم ثقافتها الوطنية إلى الرأي العام الأجنبي بهدف تحقيق فهم أفضل لمثلها العليا ومؤسساتها الوطنية41. ولعل من أهم الدوافع المنطقية التي جعلتنا نهتم بدراسة الأطر التعبيرية والتفسيرية لمفهوم القوة الناعمة، قدرة المفهوم على المساعدة في تفسير سر انجذاب البلدان الأفريقية للنموذج التنموي الصيني في السنوات الأخيرة. فإلى أي حد ساهمت عناصر هذا المفهوم في تعميق توجّه القارة نحو الصين؟ تجدر الإشارة أولً إلى أنّ قوة الصين الناعمة تضرب بجذورها في أعمق التاريخ؛ إذ إنها ليست وليدة اللحظة، فمنذ بدايات تجارة طريق الحرير، كانت الصين تعتمد في بناء شبكة علاقاتها الخارجية على كسب النفوذ من خلال التأثير والإقناع بدلً من الصراع والسيطرة المباشرة، ففي عهد الإمبراطور تشي داي كانت البعثات الصينية تنطلق إلى أنحاء العالم المعروف آنذاك كافة وهي تحمل معها الهدايا والسلع التجارية42. وفي الوقت الراهن، تعمل بكين منذ عام 0042 على إنشاء شبكة لمعهد كونفوشيوس في أرجاء العالم لنشر اللغة والثقافة الصينية43. ويرى الكثير من الباحثين أنّ استخدام الصين لقوتها الناعمة في أفريقيا، من خلال التركيز على الأدوات الدبلوماسية والسوسيوثقافية، سوف يدفع باتجاه الشراكة الإستراتيجية مع الدول الأفريقية، والتي تقوم على تبادل المصالح وتكافؤ الأهداف والفرص44. وفي هذا الإطار يرى جوشوا كورلندزيك في مؤلفه الهجوم السحري: القوة الناعمة الصينية تغيّ العالم، وهو باحث زائر في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وعاش في الصين كمراسل لمجلة الإيكونوميستولعدد كبير من الدوريات الأميركية، أنّ الصعود الصيني في أفريقيا اعتمد على استخدام القوة الناعمة التي يصفها المؤلف بأنها دبلوماسية الحوافز التجارية والتبادل الثقافي والتعليمي وتقديم الصين لنفسها ورسم صورة قومية لها على أنها دولة نامية تمثل نموذجًا للنجاح الاقتصادي في العالم. وقد اتبعت الصين هذه السياسة في جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا. ويشير المؤلف إلى أنّ الصين عملت على الاستفادة من أخطاء السياسة الأميركية، بدءًا برد الفعل البطيء حيال الأزمة المالية الآسيوية لعام 9971 في عهد الرئيس بيل كلينتون، وصولً إلى قصر نظر إدارة الرئيس جورج بوش الابن في مواجهة الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 001.2 ويؤكد على أنّ الصين

  1. Marie Bal et Laura Valentin, “La stratégie de puissance de la chine en Afrique,” Étude réalisée par l’ESSEC (Juin 2008), p. 7, at: http://bdc.aege.fr/ public/La_strategie_de_puissance_de_la_Chine_en_Afrique.pdf
  2. محمد السيد سليم، "واقع ومستقبل التحالفات في آسيا"، السياسة الدولية، العدد 182 (القاهرة: كانون الثاني/ يناير 0112)، ص.52
  3. Jean-pierre Cabestan, “La politique étrangère chinois: une chine sans ennemis n’est pas forcément une chine rassurante,” Hérodote , no. 125
  4. حمدي عبد الرحمن، "القوة الناعمة ومستقبل العلاقات الصينية الأفريقية"، آفاق
  5. (Décembre, second trimestre, 2007), p. 16.
  6. Cabestan, p. 16. 43 عبد الرحمن، "القوة الناعمة."
  7. أفريقية، العدد 03 (القاهرة:.)2009 41 المرجع نفسه.

ربما تكون الأمة الأولى منذ الاتحاد السوفيتي التي استطاعت منافسة الولايات المتحدة على النفوذ الدولي45. وترتكز أدوات القوة الناعمة الصينية في أفريقيا على العناصر التالية: أولً: العنصر السوسيوثقافي إدراكًا منها لأهمية النخب في التأثير الاقتصادي والسياسي والسوسيوثقافي، وعلى أمل كسب قيادات سياسية في الأمد المتوسط والبعيد والتحكم فيها، على غرار ما تفعله القوى الكبرى، اتجهت الصين إلى تشجيع الطلاب الأفارقة على الدراسة والتكوين في المعاهد والجامعات الصينية، فحرصت على تأمين العديد من المنح التعليمية لعدد كبير منهم، إضافة إلى عقد ورش للعمل والتدريب المشترك، كم تم تضمين بنود في تقرير "الكتاب الأبيض" تحث على العمل على تعميق العلاقات الثقافية مع أفريقيا بما فيها التعليم والصحة والعلوم والتبادل الشعبي. وخلال منتدى التعاون الصيني - الأفريقي الثالث، الذي أقيم بمناسبة مرور 05 عامًا على العلاقات الصينية - الأفريقية عام 0062، حين ربطت بكين أولى علاقاتها الدبلوماسية مع جمهورية مصر العربية كأول دولة أفريقية في عام 956 علن عن برنامج جرى إعداده من 1، أُ قبل القيادة الصينية لتدريب 00015 اختصاصي أفريقي، إضافة إلى رفع المنح التعليمية للطلاب الأفارقة في الصين من 0002 إلى 0004 في عام 009.2 فالصين أصبحت البلد رقم واحد في استقبال طلاب الدراسات التقنية الأفارقة46. كم قامت بافتتاح معاهد كونفوشيوس لتعليم اللغة والثقافة الصينية ودراستهم في العديد من الجامعات الأفريقية على غرار النموذج الفرنسي، مع اختلاف أنّ الأفارقة لا يساهمون في تمويل الدراسة في هذه المعاهد؛ فالحكومة الصينية تتحمل وحدها المصاريف. افتتحت تلك المعاهد في 01 تشرين الثاني/ نوفمبر 0052 في كينيا التي تعد مقر فرع الأمم المتحدة في أفريقيا، وفي زيمبابوي حليفة الصين، وجنوب أفريقيا الدولة الأكبر من حيث حضور المجموعات الصينية، ورواندا قلب منطقة البحيرات العظمى وجارة جمهورية الكونغو الدولة الغنية بالثروات، والكاميرون المحاذية لخليج غينيا الغني بالنفط، وجزر موريس التي تعد نسبة الصينيين مقارنة مع عدد السكان الأكبر فيها، ومصر التي تضم ثاني أكبر معهد كونفوشيوس في العالم وهي الحليف الأول والقديم للصين في أفريقيا في إطار دول عدم الانحياز، ويحظى الطلاب المصريون بالحصة الأولى في المنح الدراسية بالقارة، وأثيوبيا وهي مقر الاتحاد الأفريقي وتضم ثاني أكبر سفارة صينية في الخارج بعد الهند. وفي الذكرى السنوية لتأسيس الاتحاد الأفريقي في 25 أيار/ مايو 0072، أعلنت بكين منح الاتحاد 015 مليون دولار هدية لبناء مقر جديد، والذي جرى افتتاحه في نهاية عام 011.2 وبهذه المناسبة قال نائب وزير التجارة الصيني السابق وانغ شاو، "إنّ الصين تمثل عضوًا شرفيًا للاتحاد الأفريقي"، وصرح بأنّ "الهدية ثمرة للعلاقة الصينية الإثيوبية والأفريقية"47. وفي عام 0042 جرى تنظيم مهرجان "موعدكم ببكين" للشباب الصيني – الأفريقي، كم جرى تأسيس أول محطة دولية للراديو الصيني في كينيا بداية شباط/ فبراير 006. 248ثانيًا: دبلوماسية الزيارات الرفيعة المستوى نركز في هذه النقطة على فترة نهاية التسعينيات من القرن العشرين وبداية الألفية الجديدة، والتي شهدت العودة القوية للصين للمسرح الأفريقي؛ إذ تميزت بالنشاط الكثيف والفعال لدبلوماسية الزيارات الرفيعة المستوى. ففي أيار/ مايو 9961 قام الرئيس الصيني السابق جيانغ زيمين والأمين العام للحزب الشيوعي الصيني، بزيارة رسمية لستة بلدان أفريقية؛ إذ صرح في مقر منظمة الوحدة الأفريقية آنذاك في أديس أبابا "بأنّ الشراكة الإستراتيجية الصينية الأفريقية في حاجة لعمل جديد لتعزيز عقود الصداقة الأخوية وتكريسها بين الصين وأفريقيا"49.

ويمكن القول إنّ فترة الرئيس هو جينتاو في بداية عام 0032، شكلت علامة فارقة في دينامية الدبلوماسية الصينية وبراعتها بوصفها أحد المفاتيح المهمة في بناء السياسة الخارجية؛ فقد كانت أول زيارة

  1. فتحي حسن عطوة، "الصورة الإيجابية للصين بأفريقيا"، آفاق أفريقية، العدد 30:(القاهرة.)2009
  2. Diop, p. 8.
  3. Michel et Beuret, p. 53.
  4. Mbaye Cisse, “L’affirmation d’une stratégie de puissance: la politique africaine de la chine,” at: http://www.diploweb.com/forum/chine07102.htm
  5. Bal et Valentin, p. 19.

له في كانون الثاني/ يناير 0042 لكل من مصر والغابون والجزائر، وفي نيسان/ أبريل 0062 قام مع فريقه الدبلوماسي الثلاثي المشكل من رئيس الوزراء ون جياباو ووزير الخارجية لي تشاو شينغ بزيارة تاريخية لبلدان القارة بمناسبة الذكرى الخمسينية للعلاقة الدبلوماسية الصينية – الأفريقية والتي شملت خمسة عشر بلدًا. كم عرفت فترة كانون الثاني/ يناير – شباط/ فبراير 0072 جولة جديدة لدبلوماسية الزيارات الرفيعة المستوى، فقد زار الرئيس هو جينتاو عشرة بلدان أفريقية لإعطاء حيوية للعلاقة الصينية – الأفريقية50. وتعد الصين اليوم البلد الأكثر حضورًا على المستوى الدبلوماسي في القارة (84 سفارة و 7 قنصليات)51. وفي السنوات الأخيرة كانت أفريقيا الوجهة المفضلة للمسؤولين الصينيين في مختلف القطاعات وبمختلف الدرجات52. بل وذهبت بكين أبعد من ذلك إلى نسج علاقات قوية تتجاوز النخب السياسية للطرفين عبر نهج الدبلوماسية الشعبية التي أعلن عنها جينتاو في عام 0092، والتي يسعى من خلالها لتعزيز الروابط الشعبية من خلال تبادل زيارات الفنانين والمثقفين والصحفيين وغيرهم63.

خاتمة

حققت السياسة الخارجية الصينية في أفريقيا تقدمًا كبيرًا في العقد الأخير على المستوى الجيو-اقتصادي، وتمثل في جعل القارة خزانًا للمواد الأولية الضرورية للصين؛ لمواصلة بناء اقتصادها الصاعد نحو السيطرة على الاقتصاد العالمي. إنّ بكين في طريقها لإضعاف الحضور الاقتصادي للقوى الاستعمرية السابقة مثل بريطانيا وفرنسا، كم أنها أصبحت المنافس الأساسي للوجود الأميركي. وبالنسبة إلى القوى الإقليمية المنافسة كالهند واليابان، فإنها لا تزال بعيدة عن مقارعة التنين الصيني. على مستوى الترجمة السياسية لهذا الحضور من حيث تحقيق المصالح الجيوسياسية للصين، ما زالت السياسة الخارجية بعيدة في جعل الصين اللاعب الذي له الكلمة العليا في الساحة الأفريقية بشأن الثأثير السياسي في الأنظمة السياسية الأفريقية؛ فعلى الرغم من نجاحها الكبير في الملف التايواني، وبشكل نسبي في المنظمت الدولية، فهي لا ترقى في تأثيرها إلى مستوى القوى الاستعمرية السابقة وبخاصة بريطانيا وفرنسا، أو مستوى الولايات المتحدة الأميركية.

تدفع المصلحة الجيو-اقتصادية والجيوسياسية للصين في عملية بناء التوازنات الإقليمية مع اليابان والهند من جهة، وإيجاد موقع متقدم في لعبة التنافس وصراع الزعامة مع الولايات المتحدة في رسم معالم جديدة للتوازنات الدولية من جهة أخرى، إلى التساؤل: إلى متى ستبقى الصين وفيّة لنهجها التشاركي والتعاوني في ظل هذا التنافس؟ وما الذي يمكن أن يسفر عنه استعمل كل الأساليب مثل الورقة الأفريقية بهدف تعزيز المصالح الجيوسياسية للبلدان المتنافسة؟ وهل يمكن أن تكون أفريقيا على مشارف عهد جديد شبيه بمؤتمر برلين عام 8851، والذي قسّم أفريقيا على الدول الاستعمرية؟ أم أنّ الدول الأفريقية ستعي الدرس وتستغل هذا التنافس من أجل نهضتها، وتنتقل من دور المتفرج إلى دور الفاعل؟ ومهم كان الأمر، فإنّ على أفريقيا أن تتحد لمواجهة هذه التحديات، وتأخذ على عاتقها مهمة الإصلاح السياسي والاقتصادي من خلال تبني منظور جامع للأمن والتنمية. وعلى الأفارقة تحمّل المسؤولية التاريخية للدفاع عن استقلالهم وكرامتهم بما يحقق لهم شعار "أفريقيا للأفريقيين" ويجعل ثروات القارة الغنية ومواردها تعود بالنفع عليهم جميعًا.