تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة
US Policy Toward Democratization in Europe (1989) and in the Arab World (2011)
الملخّص
منذ عهد الرئيس توماس جيفرسون، مرورا برؤساء القرن العشرين مثال وودرو ويلسون، ورزوفلت، وترومان، وكيندي، ظلت الولايات المتحدة الأمريكية تتحدث عن نفسها كناشر للديمقراطية في العالم وحام لها ومدافع عنها. على الرغم من كلّ ذلك لم تخجل الولايات المتحدة يومًا من إقامة أحلاف عسكرية وسياسية مع أنظمة استبدادية في أميركا اللاتينية، وأوروبا، وآسيا، وأفريقيا (سالازار في البرتغال، والجنرالات في اليونان، والنظام العسكري في تركيا، وفرانكو في إسبانيا، على سبيل المثال لا الحصر). وهي تبرر تحالفاتها الدولية هذه على أساس أنّ "الدكتاتوريات في العالم ليست كلّها أعداءً للولايات المتحدة، وأنّ أعداءها كلّهم دكتاتوريات". وقد اتبعت في ذلك مسارًا دبلوماسيًّا مزدوجًا؛ ففي الوقت الذي تعمل فيه على نشر الديمقراطية (مباشرةً أو عبر مؤسسات دولية ومنظمات غير حكومية) لا تتردد في دعم حكومات أوتوقراطية لديها مصالح معها. فعلى أيّ نحوٍ كانت سياسات الولايات المتحدة تجاه التحول الديمقراطي في دول المعسكر الشرقي السابق الأوروبية، عشية انهيار جدار برلين عام 1989 ثمّ غداته، حينما اتفقت القيم والمصالح الأميركية، ثمّ تجاه ما سُميَ "الربيع العربي" عام 2011، وقد اتفقت في هذا السِّياق واختلفت في ذاك، تبعًا لحالة كلّ بلد وأهميته الإستراتيجية من المنظور الأميركي؟ وما هي نتائج هذه السياسات؟ ثمّ ما هي الفروق التي تخرج بها مثل هذه المقارنة بين الحالتين العربية والأوروبية - الشرقية؟
Abstract
Since the time of President Thomas Jefferson, and on through the presidents of the 20th century, the United States has talked about itself as the propagator, protector, and defender of democracy around the world. Yet America has never showed any qualms of forming military and political alliances with authoritarian regimes in Latin America, Europe, Asia, and Africa. The US justifies these international alliances on the basis that “not all dictatorships in the world are enemies of the United States, but all the United States’ enemies are dictatorships.” The US therefore adopted a two-track diplomacy: while working to spread democracy (directly or by means of international organizations and NGOs) the US has no issue in supporting autocratic governments when its interests are involved. How did US policy apply to the democratic transformation in the former Eastern bloc states in Europe on the eve of the collapse of the Berlin Wall in 1989 and subsequently, when American values and interests went hand in hand, and how did it then apply to the Arab Spring of 2011, when US values and interests were congruent in some cases and out of sync in others, according to the situation in each country and its strategic importance from America’s perspective? What are the results of these policies and what differences emerge from such a comparison of the Arab and East Europe cases.
- جدار برلين
- المعسكر الشرقي
- المنظور الأمريكي
- Eastern Bloc
- American View
- Berlin Wall
اختلاف خطاب "الممانعة" لدى النظام السوري
شنّت إسرائيل عدوانًا على قطاع غزة في 8 تموز/ يوليو 2014، اختلف عم سبقه من حيث إنه جاء في مرحلة ما بعد الثورات العربية ونجاح الثورة المضادة في مصر التي أوصلت مرشح الجيش وقائد الانقلاب العسكري المشير عبد الفتاح السيسي إلى منصب رئاسة الجمهورية. اختلفت المواقف العربية والإقليمية من العدوان الإسرائيلي على غزة؛ إذ قدّمت قطر وتركيا الدعم السياسي والإعلامي، وربما المالي أيضًا، لحركات المقاومة الفلسطينية. أما دول "الاعتدال" العربية التقليدية فتراوحت مواقفها بين أخذ مسافة "متساوية" بين طرفي الصراع، وميلها للوقوف ضد المقاومة الفلسطينية عبر تحميلها مسؤولية سقوط ضحايا أبرياء على يد الإسرائيليين، وذلك لأنها رفضت المبادرة المصرية بصيغتها الأولية الداعية الى الاستسلام غير المشروط أمام المطالب الإسرائيلية. وكان الغائب الأكبر عن هذه المعادلة هو المحور الذي اصطلح على تسميته بمحور "الممنعة" ويضم إيران وسورية وحزب الله. ومن بين هؤلاء، يستدعي موقف النظام السوري أهمية خاصة في نقاش فكرة دعم المقاومة الفلسطينية لتباينه بحسب الظروف السياسية التي تمر بها المنطقة العربية، وارتباط الموقف من دعم المقاومة عمومًا بمصالح النظام وسياساته خاصة في ظل ظروف الثورة عليه.
حماس في محور المقاومة!
كان مطلب وقف دعم حركتي المقاومة الفلسطينيتين حمس والجهاد الإسلامي وإخراجهم من الأراضي السورية باعتبارهم "جمعتين إرهابيتين"، على قائمة الشروط التي وضعها وزير الخارجية الأميركي كولن باول أمام النظام السوري خلال زيارته دمشق في 3 أيار/ مايو 2003. لكنّ الضغوط الأميركية لم تفلح في إخراج القيادات الفلسطينية المقيمة في دمشق؛ إذ تعثّ المشروع الأميركي في العراق، وصمدت حركات المقاومة في فلسطين ولبنان في مواجهة محاولات إسرائيل المتكررة سحقها. وتشكّل إثر ذلك ما أصبح يعرف بمحور "الممنعة" أو "المقاومة"، وضمّ إلى جانب سورية، إيران وحركتي حمس والجهاد الإسلامي وحزب الله اللبناني. وعندما شنت إسرائيل عدوانها على قطاع غزة في 28 كانون الأول/ ديسمبر 2008، قادت سورية نشاطًا دبلوماسيًا مشتركًا مع دولة قطر لعقد قمة عربية طارئة للعمل على وقف العدوان. إلا أنّ دول "الاعتدال العربي" حينها نجحت في منع اكتمل النصاب القانوني لعقد القمة، ما دفع سورية وقطر إلى عقد قمة سميت "قمة غزة" في الدوحة في 16 كانون الثاني/ يناير 2009، وجمعت دولً عربية وغير عربية اتفقت على الوقوف ضد العدوان الإسرائيلي ودعم صمود الشعب الفلسطيني. أما على الصعيد الميداني، فقد قامت سورية بإسناد الجهد الحربي لحركة المقاومة الإسلامية "حمس" عبر إبلاغها عن توقيت الطلعات الجوية الإسرائيلية التي كانت ترصدها الرادارات السورية1، كم أطلقت الحكومة حملة تبرعات شعبية لدعم أهالي غزة.
حماس خارج محور المقاومة!
مع انطلاق الثورة السورية في 15 آذار/ مارس 2011، حاولت قيادة "حمس" بما لها من رصيد شعبي ورسمي داخل سورية المساهمة في احتواء الأزمة عبر وساطة قامت بها بين النظام والقطاعات الشعبية المنتفضة ضده والقوى السياسية المعارضة له. وكان جوهر الوساطة يقوم على أن توقف الحكومة السورية استخدام العنف، وتبدأ خطوات إصلاحية جدية تفضي إلى وقف الاحتجاجات. إلا أنّ السلطات السورية رفضت أي دور لحمس في تهدئة الأوضاع. ومع تطور الحركة الاحتجاجية من مظاهرات سلمية إلى العمل العسكري نتيجة استخدام العنف ضد المحتجين في المدن والقرى السورية، طالب النظام الحركة الوقوف إلى جانبه من دون قيد أو شرط، وكذلك طلبت إيران عبر موفدها قاسم سليمني. وعندما رفضت حمس ذلك، ازدادت حدة التوتر بين النظام السوري وحركة حمس. وبالنتيجة، بدأت قيادات من حمس بمغادرة سورية اعتبارًا من كانون الأول/ ديسمبر 2011. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، أغلقت السلطات السورية مكاتب حمس في دمشق بشكل نهائي. أما حركة الجهاد الإسلامي فظلت تحتفظ بعلاقاتها مع السلطات السورية، إذ لم تتخذ موقفًا صريحًا ضد النظام وإن كانت دعت إلى
الحوار بين الأطراف السورية المختلفة وتقديم "تنازلات مؤلمة لحقن الدماء والحفاظ على وحدة سورية"2. ومع ذلك، غادر أمينها العام إلى القاهرة في أغسطس/ آب 2012 نظرًا للأوضاع الأمنية المتردية في دمشق، وكان أثناء الحرب الأخيرة على غزة مقيمً في بيروت كم يبدو. أثّر موقف النظام السوري تجاه حركة حمس، والتي رفضت تأييده في قمع شعبه، في مجمل مواقفه من دعم المقاومة؛ فعندما قامت إسرائيل بعدوانها على قطاع غزة في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، صدر عن الحكومة السورية طوال أيام العدوان بيانٌ مقتضبٌ في اليوم الأول فحسب، شجب العدوان وندّد باغتيال القيادي في حركة حمس أحمد الجعبري، واصفًا إياه بالشهيد3. وفي الوقت نفسه، قامت الصحف المحلية والإعلام الرسمي بتغطية تطورات العدوان بشكل يومي. أما في القنوات غير الرسمية ووسائل التواصل الاجتمعي، فقد ظهرت آراء وكتابات لمؤيدي النظام تنتقد مواقف حركة حمس من الأزمة السورية وتشكّك في قدرتها على الصمود في وجه العدوان الإسرائيلي.
لم يتغير الموقف السوري كثيرًا في عدوان إسرائيل الأخير على قطاع غزة؛ إذ صدرت بيانات إدانة من القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي ومجلس الشعب في 12 تموز/ يوليو 2014، ومن الحكومة أيضًا في السادس عشر من الشهر نفسه. وصفت جميع البيانات العدوان ب "حرب إبادة تستوجب محاكمة دولية للاحتلال وداعميه"، لكنها حاولت استثمره سياسيًا لخدمة سياسات النظام ومواقفه في الأزمة الداخلية؛ إذ اعتبر البيان الصادر عن الحكومة أنّ العدوان الإسرائيلي على غزة يتكامل في أهدافه مع ما تسعى لتحقيقه "الحرب الإرهابية على سورية" من استهداف لمحور المقاومة ومحاولة فرض شروط الاستسلام عليه4.
أما رئيس النظام بشار الأسد، فقد اعتبر في خطاب القسم في 17 تموز/ يوليو 2014 أنّ حكومته سوف تبقى ملتزمة مبادئ القضية الفلسطينية، لكنه ميّز بين المقاومة الفلسطينية وحركة حمس معتبرًا الأخيرة حركة تدّعي المقاومة، إذ جاء في خطابه "هذا يتطلب منا أنّ نميّز تمامًا بين الشعب الفلسطيني المقاوم الذي علينا الوقوف إلى جانبه وبين بعض ناكري الجميل منه... بين المقاومين الحقيقيين الذين علينا دعمهم والهواة الذين يلبسون قناع المقاومة وفق مصالحهم لتحسين صورتهم أو تثبيت سلطتهم، وإلا سنكون بشكل واعٍ أو غير واعٍ نخدم الأهداف الإسرائيلية"5. وبناء عليه، ظلت القنوات الإعلامية الرسمية السورية وشبه الرسمية تلتزم تسمية الفصائل الفلسطينية المقاتلة في غزة بالمقاومة، لكنها تتجنب ذكر اسم حركة المقاومة الإسلامية "حمس" كفصيل مقاوم. بل إنها ذهبت إلى حد القول إنّ المقاومة الحقيقية تأتي من فصائل المقاومة المحسوبة على
النظام السوري، مثل كتائب "جهاد جبريل" التابعة للجبهة الشعبية – القيادة العامة، والتي يذهب الإعلام الرسمي السوري إلى أنه وقع على عاتقها العبء الأكبر من مقاومة العدوان الإسرائيلي وإلحاق أكبر الضرر بجيش الاحتلال. والمعروف أنّ هذه الجبهة تقف إلى جانب النظام السوري تمامًا، وتقاتل إلى جانبه في العديد من الجبهات ضد قوات المعارضة في ريف العاصمة دمشق، أما وجودها في غزة فيكاد لا يذكر.
في تعريف المقاومة!
ظلت علاقة النظام السوري بحركات المقاومة محددةً على الدوام بمدى توافقها مع إستراتيجية بقائه واستمراره وخدمة سياساته الخارجية والداخلية على حد سواء؛ فعندما كانت العلاقة مع حمس تخدم إستراتيجية النظام الإقليمية وتزيد من قوة الضغط لديه عند التفاوض مع واشنطن، كان النظام السوري يوفّر لها وسائل الدعم والقوة. وعندما رفضت حمس أن تقف إلى جانبه في قمع الشعب السوري، فقد أصبحت الحركة "ناكرةً للجميل ومدعيةً للمقاومة"! وكان هذا موقف النظام سابقًا من حركات المقاومة الفلسطينية كافة، ولا سيم حركة فتح. وفضلً عن ذلك، يصح القول بأنّ النظام السوري، وبخاصة في عهد الرئيس بشار الأسد، كان أبعد ما يكون في تركيبته ونمط حياة أفراده عن فكر المقاومة ومبادئها، ولكن تدهور علاقاته مع الغرب خاصة بعد احتلال العراق واغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، اضطره إلى ترسيخ تحالفاته مع حركات الإسلام السياسي التي تتبنى خطاب المقاومة. هذا المنطق يوضحه انهيار تقاطعات النظام السوري المصلحية مع الحركات المناوئة لسياسات الولايات المتحدة في فلسطين والعراق؛ إذ اتهمت السلطات السورية حركة حمس بأنها ليست حركة مقاومة مع أول حالة صدام في المبادئ والقيم الوطنية والإنسانية، على الرغم من أنها هي التي تقاتل إسرائيل فعليًا على أرض الواقع إلى جانب الفصائل الفلسطينية الأخرى. كم بنى النظام في دمشق تحالفًا وثيقًا مع حكومة رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته نوري المالكي بعد الثورة السورية، مع أنّ هذه الحكومة جاءت محمولةً على دبابات الاحتلال الأميركي وتكرست سلطتها من خلاله. إنّ "المقاومة" في عرف النظام السوري تقتصر على كل من يقف معه، حتى لو كان مؤيدًا لإسرائيل. أما من يقف ضده فهو خائن، ومدعٍ للمقاومة، حتى لو كان يحارب إسرائيل. (ومؤخرًا ظهرت بوادر نسبة هذه التسمية بحسب التصنيف الطائفي؛ فالصحف الإيرانية مثلً تسمّي حركة الحوثيين في اليمن "المقاومة اليمنية". بهذا، بلغت صراحة الربط بين المقاومة والانتمء الطائفي، أو الانتمء لسياسة الدولة الخارجية، حد العبث).
وعمومًا، يمكن القول إنّ الموقف السوري من العدوان الإسرائيلي على غزة لا يختلف كثيرًا عن الموقف المصري الذي يتحكّم بسياساته الخارجية وعلاقاته بالحركات والقوى الإقليمية هاجسُ بقائه في مواجهة قوى سياسية داخلية تنازعه الشرعية. لكنّ الموقف السوري يعبّ عن مواقفه بطريقة مختلفة؛ تعتمد على التمسك بلفظ المقاومة كاستمرار للنظام على مستوى الخطاب، وكي يستمد مشروعيةً أيضًا من قضايا وطنية عادلة.