Return to Article Details From the 20 February Movement to the Rif Movement: Does Morocco Fear Democracy, or the Youth Generation?

من حركة 20 فبراير إلى حراك الريف: الخوف من الديمقراطية أم الخوف من جيل الشباب بالمغرب؟

From the 20 February Movement to the Rif Movement: Does Morocco Fear Democracy, or the Youth Generation?

أحمد الخطابي| Ahmed Elkatabi *

الملخّص

تركز هذه الدراسة على الدور الذي ظل يؤديه جيل الشباب المغربي، بما هو قوة اجتماعية وسياسية، في عملية تقديم البدائل وإعادة بعث الدينامية في العمل السياسي عبر المساهمة في تأسيس الانتقال نحو الديمقراطية. وتؤطر الدراسة الأسئلة التالية: إلى أي حد ساهم الشباب المغربي في إعادة تحديد مفهوم العمل السياسي؟ وكيف تصَّور جيل الشباب عملية الانتقال إلى الديمقراطية؟ وما مآل المطالب التي رفعوها؟ تستعمل الدراسة مفهوم "الجيل" سوسيولوجيًا، من حيث إنه ليس قوة أو كتلة متجانسة اجتماعيًا، وإنما يحمل معه توترات مرتبطة بنظرته إلى العالم؛ هي التي تمنحه الدينامية المتجلية في البحث عن موقع اجتماعي، إلى جانب الأجيال السابقة.

Abstract

The book focused on the study of the US case, examining the approaches of the force on which it relied to control the course of change in the international system, and analyzing it for its own strengths.

الكلمات المفتاحية:
  • الولايات المتحدة
  • العلاقات الدولية
Keywords:
  • Generation
  • 20 February Movement
  • Rif Movement
  • Morocco
  • Democratic Transition

مقدمة

يقترن الحديث عن الديمقراطية بالحديث عن الدور الذي يمكن أن يؤديه جيل الشباب في المساهمة والتأثير في تصور هذه الديمقراطية وترسيخها؛ بما هي آلية تنظيمية للحياة السياسية، فمن المهم دراسة الجيل من أجل معرفة ما يعتمل داخل الحركات الاجتمعية عمومًا والحركات الاحتجاجية خصوصًا، ومدى مساهمة جيل الشباب في التغير الاجتمعي. وما دام المغرب قد عرف موجات من الحركات الاحتجاجية في العقود الأخيرة كان وراءها أساسًا فئة الشباب، فإن البحث في مطالب هذا الجيل يمثل أهمية كبرى من الناحية السوسيولوجية، لكونه في كل لحظة يحاول أن يعبر عنها بطرق متعددة، يُنوّعها وفق الشروط السياسية التي في إطارها تتم تلك التعبيرات الاحتجاجية. تسعى هذه الدراسة لتحقيق هدفين مترابطين، أولً: تحديد مفهوم الجيل من وجهة نظر سوسيولوجية وفلسفية، وثانيًا: إبراز دوره في عملية التحول نحو الديمقراطية وبنائها عبر اللجوء إلى الاحتجاج. الجيل هنا يحمل دلالة سوسيولوجية محددة بشروط سياسية، اجتمعية وثقافية، قبل أن يتحدد بيولوجيًا (عمريًا)؛ من أجل ذلك حاولت الدراسة توظيف المقاربة النسقية المتعددة الأبعاد Multidimensionnelle؛ عبر استثمر الدراسات المرتبطة بالموضوع في ميادين السوسيولوجيا والعلوم السياسية والتاريخ، مع افتراض أن ارتفاع منسوب الوعي الجيلي يرفع من سقف المطالب؛ ما يجعل من مطلب الديمقراطية مطلبًا ملحًّا. ومن أجل تحقيق هذه الأهداف تمّ الاستناد إلى معطيات كمية أخذت من الملاحظة بالمشاركة مادتها الأساسية، وتحليل مضامين الشعارات التي كانت ترفعها في المسيرات، إضافةً إلى المواظبة على حضور الاجتمعات العامة لحركة 02 فبراير. من جهة ثانية، تمّ الاعتمد على تحليل مضمون الفيديوهات الموثقة لحراك الريف في شبكات التواصل الاجتمعي والمواقع الإلكترونية ومقارنتها بخطاب الحركة. وقد قُسمت الدراسة إلى مستويين، يضم الأول تأطيرًا نظريًا لمفهوم الجيل والوعي الجيلي الذي يتشكل بتقاطع المحددات العمرية مع المحددات الاجتمعية والتاريخية. ويتناول الثاني الدور الذي أدته حركة 02 فبراير؛ بما هي حركة جيلية في تطوير الوعي السياسي لدى الشباب، وخلق ثقافة سياسية جديدة مرتبطة بمطالب دستورية تكون مدخلً للانتقال نحو الديمقراطية، عبر الإلحاح على مطلب الملكية البرلمانية. غير أن عدم تحقق هذا المطلب، إلى جانب التهميش والإقصاء اللذين مسَّا هذا الجيل، سمح بعودة الدينامية إلى الشارع السياسي المغربي وبروز حراك الريف وتناميه زمنيًا وكميًا ونوعيًا، مجسدًا أشكالًاحتجاجية جديدة وقيادات ميدانية كاريزمية؛ وهي كلها معطيات سوسيولوجية تؤشر إلى أن الفعل السياسي المؤسساتي يعيش أزمة حقيقة أفقدته ثقة الشارع.

أولا: الجيل والوعي الجيلي

ارتبط مفهوم الجيل في الأدبيات السوسيولوجية، خصوصًا، بكتابات كارل مانهايم الذي ميّز بين ثلاثة مستويات من التحليل في دراسة الجيل. فالمستوى الأول هو اعتبار أن الجيل مرتبط بعملية تطور بيولوجي (المدرسة الوضعية)؛ بالنظر إلى أن هناك مسارًا متطورًا ومترابطًا للأفراد، بتعاقب المراحل العمرية وتتاليها، وهو ما يُظهر أن الاستمرارية السياسية مؤسسة على الاستمرارية البيولوجية1. أما المستوى الثاني من التحليل، فهو مرتبط بالمدرسة الرومانسية التاريخية Romantic-historical التي مثلها ويليم دلتاي Dilthey Wilhelm خصوصًا، وما يهم هنا ليس عملية التعاقب والتتالي فحسب، بل التزامن والمعاصرة Contemporaneity2أيضًا؛ لهذا يمثل العمر والزمن مكونين أساسييَن وقاعدة لكل تحليل جيلي، أو كم يقول دلتاي: إن الجيل هو علاقة تزامن أو مُعاصَة بين أفراد يكونون متأثرين، إلى حد بعيد، بقوى ثقافية واجتمعية مرتبطة بمرحلتهم التاريخية3. أما المستوى الثالث، فهو مرتبط بالتحليل السوسيولوجي للجيل؛ بوصفه الخيط الناظم لكل معرفة ممكنة للحركات الاجتمعية. لهذا من المهم جدًا التركيز على التجارب التاريخية في مسألة التأثير في تكوين الأجيال. لقد أعطى مانهايم أهمية كبيرة للتاريخ فيم يتعلق بتشكل الوعي الجيلي بين الأفراد، وضمن الفئة العمرية نفسها، كم ركز على دور ديناميات الصراع بين الأجيال وداخل كل جيل أيضًا، بل داخل الفئة العمرية نفسها4. لهذا كلم كانت التحولات الاجتمعية سريعة، طورت الأجيال مواقفها الخاصة وإجاباتها النوعية في المجتمع في ارتباط دائم بالوعي الذي يحمله الجيل حول تلك التحولات ووضعها في سياقاتها التاريخية. لا يرتبط مفهوم الجيل بانتمء مشترك إلى الجمعة العمرية نفسها التي تتحد بخصائص ومميزات مرتبطة بحيز زمني لدورة الحياة

  1. Karl Mannheim, Essays on the Sociology of Knowledge , vol. 5 (New York: Routledge, 1972), p. 277.
  2. Ibid., p. 282.
  3. Richard Braungart & Margaret Braungart, "Les générations politiques," in: Jean Crete & Pierre Favre, Générations et politiques (Paris: Economica/ Les Presse de l' université Laval, 1989), p. 9.
  4. Mannheim, pp. 290-291.

فحسب، كم لا يتحدد بمرحلة تاريخية لجمعة عمرية Cohort في علاقتها بالعوامل الديموغرافية والاجتمعية للحظة الولادة، بل إنه يرتبط أيضًا بالوعي الجيلي؛ بوصفه وعيًا اجتمعيًا يساهم في الصيرورة التاريخية التي تسمح بالتطور داخل جيل بكامله، والتي يمكنها أن تؤدي إلى تغيير مسار التاريخ وحركيته5. هذا التداخل في تحديد مفهوم الجيل في علاقة بالوعي المُؤطِّر له، هو ما يجعل الباحثين في العلوم الاجتمعية والإنسانية يستشعرون الصعوبة المرتبطة بالمفهوم، وهي صعوبة تعود إلى العلاقة القائمة بين البعد البيولوجي، والبعد العلائقي/ الاجتمعي، والبعد التاريخي الزمني.

وراء هذه الخلفية النظرية والتحليلية لسوسيولوجيا المعرفة عند مانهايم، جاءت الدراسات حول الجيل السياسي في العلوم الإنسانية مستندة إلى ثلاث مقاربات أساسية: تأثير مسار الحياة cycle Life؛ أي معرفة خصائص التطور المرتبط بكل مرحلة من الحياة المفسرة للسلوكيات السياسية المختلفة لكل فئة عمرية، وترى هذه المقاربة أن كل مرحلة عمرية تتميز بخصائص فيسيولوجية واهتممات عاطفية واجتمعية تدفع إلى تكوين هوية ذاتية معرفية مميَّزة، قادرة على منح الاستقلال عن الآخرين وخاصة الكبار منهم؛ إذ نجد أن الشباب يستثمرون في الأفعال السياسية ضد من سبقوهم جيليًا، لأنهم يعتبرون أن كل مرحلة عمرية من مسار الحياة مرحلةً تتغير فيها المواقف والسلوكيات6. وتركز المقاربة الثانية على عامل الجمعة العمرية Effet Cohort؛ أي إن مجموعة الأفراد المنتمين إلى الحقبة الزمنية نفسها يحملون تجارب اجتمعية وسياسية ممثلة، في الوقت الذي يصلون فيه إلى مرحلة الشباب والنضج. فإذا كانت الجمعة تمثل فئة اجتمعية "في ذاتها" soi En، فإن الجيل هو مجموعة اجتمعية أو سياسية تعمل "لذاتها" soi Pour، متميزة من باقي الفئات الاجتمعية؛ لأنها متجانسة عمريًا7. والمحدد الثالث هو تأثير المرحلة période de Effet؛ أي تأثير الأحداث التاريخيةEvénements التي تقع في المجتمع وتنتج فيه في لحظة ما من تاريخه، وفق سياق تاريخي واجتمعي معطى يتفاعل معه الأفراد والجمعات ويستندون إليه في محاولة التأثير في الواقع. وتتأسس تأثيرات المرحلة في الأحداث المعاصرة التي تتفاعل معها المجموعات والجمعات العمرية ويجيبون عنها8. لهذا يرى كارل ماركسأن الناس لا يصنعون تاريخهم الخاص على نحو اعتباطي وعفوي، بل ضمن شروط موروثة من الماضي؛ لأن هناك ضغطًا قويًا لإرث الأجيال السابقة على عقول المعاصرين9. بهذا المعنى، يتشكل الجيل السياسي عن طريق تفاعل قوى مرتبطة بظواهر مسار الحياة (محدد فردي)؛ حينم تُطوِّر جمعة عمرية (محدد اجتمعي) تنتمي إلى الحقبة الزمنية نفسها (محدد تاريخي) وعيًا جيليًا يصادف شروطًا تاريخية في طور التغيّ، ينتج بسببها هذا الجيل رد فعل في المجتمع بمحاولة إثارة تغيير سياسي. في هذه الشروط، تأخذ الحركية الجيلية السياسية عند مانهايم شكلين: صراع بين الأجيال يرفض فيه جيل الشباب سلطة الكبار، وصراع داخل الجيل نفسه يكون نتيجة الاختلاف في التصورات بين مكونات وحدات الجيل نفسه أيضًا، مرتبط بنظرة كل مكون إلى الواقع الاجتمعي ومدى تقييمه للمرحلة10. السؤال المطروح ما العلاقة بين الانتمء إلى زمن بيولوجي ما (مسار الحياة) والانتمء إلى لحظة تاريخية معينة؟ كيف تؤثر هذه العلاقة في تشكل الوعي الجيلي وبنائه؟ وليتشكل وعي جيلي، لا بد من أن تُخلق علاقات اجتمعية بين أفراد متقاربين عمريًا يعيشون القضايا التاريخية نفسها، ويتشاركون التيارات الاجتمعية والفكرية الرائجة في مرحلتهم التاريخية، يكون لديهم إمكان للتجاوب على نحو إيجابي أو سلبي والتفاعل مع القوى التي تخلق وضعيات جديدة. هذه الوضعيات الجديدة تجسد مواقف جذرية (راديكالية) وظيفتها الأساسية هي التجديد والرفض والاحتجاج. نحن هنا أمام وحدات جيلية تتوحد حول قيم جيلية مشتركة، لكن ليس بالمنظورات والمخرجات نفسها، نتيجة اختلاف مرجعيات التفكير. في أوضاع كهذه، يكون للنخبة المثقفة دور بارز في

  1. Braungart & Braungart, p. 8; Jean-François Sirinelli, "Génération et
  2. Ibid., pp. 16-17.
  3. Ibid., p. 21.
  4. Ibid., pp. 27-28. 9  Karl Marx, Le 18 Brumaire de Louis Napoléon Bonaparte (Paris: Éditions sociales, 1969), p. 15.
  5. histoire politique," Vingtième Siècle: Revue d'histoire , no. 22 (Avril-Juin 1989), p. 68.
  6. Mannheim, p. 292.

المساهمة في الإجابة عن الإشكالات المطروحة، على الرغم من عدم انتمئهم بالضرورة إلى الجيل نفسه، يقتسمون معهم هذا الوعي الجيلي11؛ لهذا لا يمكن الحديث عن نموذج جيلي يمكن اتباعه، بقدر ما يمكن الحديث عن وعي جيلي حامل لخصائص محددة مرتبطة بشروط اجتمعية، واقتصادية، وسياسية تحدد طرق تفكيره وإحساسه ووعيه. في هذا الإطار، يطرح جون فرونسوا سيرينيلي سؤالً حول وجاهة مفهوم الجيل في التاريخ السياسي؟ إذ يرى أن مفهوم الجيل من الصعب فصله عن الحدث L'événement؛ لأن الجيل، باعتباره موضوعًا للدراسة وأداة للبحث، يقدم نفسه بثلاثة سجلات Registres، على الأقل، هي المرجعيات (الأيديولوجيات)، والثقافة السياسية، ثم التمثلات12؛ بحيث لا يجري تصور الحدث بالطريقة نفسها ولا يحمل المعنى نفسه لدى الجميع، فهو بالنسبة إلى الراشدين والمسنين حدث إلى جانب أحداث أخرى، أما بالنسبة إلى الشباب فهو فعل اجتمعي جديد يجري التعامل معه بنوع من الذاتية لكونه تجربة حياتية أولى13. بناءً على ذلك، فإن التاريخ السياسي هو في الآن نفسه تاريخ للسلوكات أو التصرفات، والانتمءات السياسية، ثم الثقافات والأفكار السياسية. من هذا المنطلق، كم يقول راوول جيرار Girardet Raoul، يجب إعطاء أهمية لتعاقب الأجيال كعنصر لتجديد أنماط التفكير وطرق الإحساس14؛ ففي عالم متسم بالتغير، تتشكل أنماط تفكير جديدة، وقيم مُؤسِّسة جديدة، بينم تتراجع القيم القديمة ويكون الصراع الفكري بينهم قويًا حول الأسس الفكرية المشكِّلة لهم، وغالبًا ما تكون هذه الأسس تعبيرًا عن أيديولوجيات. في وضع كهذا، يجري إدراك العالم على أنه وحدة بنيوية unity Structural، وليس تعددًا لأحداث متنوعة يمكنها أن تبدو مثل بدايات لانهيار العالم (الاجتمعي). إنها أول مرحلة، كم يقول مانهايم، للتجرد من الدوغمئية الأنطولوجية التي تعتبر العالم ثابتًا ومستقلً عنا استقلالً كليًا ونهائيًا15. من خلال ما سبق، يمكن القول إن وجود الجيل على هذا النحو، بطريقة موضوعية، يجسد دائمًا بناءً سوسيوتاريخيًا؛ ومن ثم فإنه من الناحية العلمية مفهوم يتطلب بناءً نظريًا/ مفاهيميًا من أجل دراسته واقعيًا. هذا الإطار النظري المفاهيمي يمكنه أن يساعدنا في الإجابة عن الإشكالات المطروحة حول الدور الذي يؤديه التاريخ الاجتمعي في تشكل الوعي الجيلي. وكم يقول آلان سبيتزر، فإن كل جيل يكتب تاريخه الخاص للأجيال، هذا التاريخ الخاص مشروط، تاريخيًا، بتعدد الأبعاد المفسرة لكل وعي جيلي في علاقة بالأجيال السابقة؛ كصيرورة تاريخية تتقاطع فيها المحددات البيولوجية بالمحددات الاجتمعية والثقافية بحسب دلتاي؛ بالمحددات السياسية والاقتصادية بحسب ماركس16. ونحن بصدد الحديث عن الجيل، ينبغي عدم إغفال الدور الذي أصبحت تؤديه الوسائل التقنية الحديثة في التأثير وخلق ثقافة جيلية جديدة؛ فهي تؤثر بدرجة كبيرة في شكل الإنتاج الثقافي والمعرفي المستهلك ومحتواه الذي يشكّل أساسًا للوعي الجيلي. وقد أدت هذه التقنيات الحديثة دورًا بارزًا في السنوات الأخيرة، إذ مكنت جيل الشباب من التواصل واقتسام التجارب ونقلها، كم حدث خلال موجات الاحتجاج التي عرفها العالم العربي ابتداءً من سنة 0112، ومكنت أيضًا من التميز من الأجيال السابقة بسبب التوظيف المتعدد لهذه التقنيات، والنظر إليها بوصفها مؤشرًا دالً على تحول جذري في بنية العلاقات الجيلية. لهذا، يمثل مفهوم "الجيل السياسي" بخلفياته النظرية السابقة مرجعًا سيجري الاعتمد عليه من أجل فهم الدينامية الداخلية والعلائقية للفعل الاحتجاجي في بعديه السياسي والاجتمعي. كم سيمثل أداة تحليلية لقراءة سوسيوتاريخية لهذا الفعل الاحتجاجي من خلال نموذجَي حركة 02 فبراير وحراك الريف.

ثانيًا: جيل حركة 20 فبراير: جيل سياسي

1. الذاكرة السياسية المغربية: نصف قرن من الاحتجاج

تندرج الحركات الاحتجاجية التي عرفها الشارع المغربي في مدنه وقراه، في سنة 0112، في إطار دينامية تاريخية مرتبطة بحركية المجتمع أولً، وبعلاقته بما عرفه العالم من تحولات ومسارات سياسية مختلفة ثانيًا. إن المجتمع المغربي كان دائمًا متفاعلً مع ما يقع حوله وداخله، ونجد أن الشباب، خصوصًا، هم القوة المحركة لهذا التفاعل

  1. Marc Devriese, "Approche sociologique de la génération," Vingtième Siècle: Revue d'histoire , no. 22 (Avril-Juin 1989), p. 15.
  2. Sirinelli, p. 68.
  3. Devriese, p. 12.
  4. Sirinelli, p. 72.
  5. Karl Mannheim, Ideology and Utopia: An Introduction to the Sociology of Knowledge (London: Routledge & Kegan Paul, 1954), p. 59.
  6. Alan Spitzer, "The Historical Problem of Generations," The American Historical Review , vol. 78, no. 5 (1973), pp. 1383-1384, accessed on 21/5/2018, at: https://bit.ly/2HOgx4Z

منذ السنوات الأولى للاستقلال. لقد عرف المغرب، في أيار/ مايو 9651، موجة احتجاجات عارمة نتيجة قرار صادر من الدولة بحرمان التلاميذ الراسبين في السنة الأخيرة من سلك الإعدادي من ولوج سلك الثانوي بعد نجاحهم عند بلوغهم سن السادسة عشرة (السمح لمن هم دون 16 سنة فقط). قوبل هذا القرار برفض الشارع وبإضرابات شاملة، وخاصة في صفوف جيل التلاميذ والشباب، اضطر معها النظام إلى التدخل على نحو قوي وعنيف أسفر عن مقتل العشرات من الأفراد17. كانت هذه الأحداث كافية لتُدخل الشباب مباشرة في قلب الاهتمم بالعمل السياسي، وكانت أيضًا صدمة لجيل ما قبل الاستقلال الذي أدخلته مرحلة الحمية قسرًا في دائرة الاهتمم بالنضال من أجل التحرر. لكن السؤال الذي يُطرح هو ما خلفيات هذا الاهتمم بالعمل السياسي؟ وما أسسه؟ لقد ربط جيل ما بعد الاستقلال بين مطالب الحق في التكوين وفي التعلم وبين الحق في الإدماج في الحياة الاجتمعية؛ عبر تقليص الفوارق بين الفئات والتوزيع العادل للثروات. وكانت هذه المطالب تعبيرًا عن ارتفاع منسوب الوعي السياسي لهذا الجيل المرتبط بالوعي بالتضحيات التي قدمها الجيل السابق له؛ لهذا كانت مطالبه مشروطة تاريخيًا بالشروط السياسية المرحلية. وقد كان لعدم الاستجابة للمطالب في حينها تداعيات سياسية جعلت المغرب يدخل في لحظة من التيه السياسي18 تجلّت في عملية الاستئصال التي قامت بها الدولة في فترة السبعينيات والثمنينيات. إذا كانت سنوات الستينيات قد تميزت بحركية سياسية، واستثمر الفضاء العمومي19 للتعبير عن المطالب، تمثلت في المواجهة المفتوحة والمباشرة بين النظام السياسي ومعارضيه داخل أحزاب الحركة الوطنية (الاتجاه الراديكالي في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية خصوصًا)، فإن سنوات السبعينيات والثمنينيات عرفت، في المقابل، انغلاقًا للحقل السياسي المؤسساتي واحتكاره من طرف النظام (إقصاء تام للمعارضين، وخاصة تيارات اليسار الراديكالي)، وقد تزامن ذلك مع تنامي الأزمة الاقتصادية والسياسية المرتبطة بسياسة التقويم الهيكلي التي انتهجتها الدولة في بداية الثمنينيات20. هذا الواقع، جعل الشباب، وخاصة فئة التلاميذ والطلبة، يلجؤون إلى فضاءات خارجة عن المراقبة المباشرة للدولة؛ كالجمعيات الثقافية (النوادي السينمئية، والفرق المسرحية) والحقوقية، والإطارات الطلابية التي كان لها دور بارز في استقطاب الشباب وحفْزه على الاهتمم بالعمل السياسي والنقابي؛ وهو ما تبلور في الأحداث التي عرفها المغرب في سنوات 9819841 و 9901 و 1، في شكل إضرابات عامة دعت إليها أحزاب المعارضة والنقابات التابعة لها والحركات الطلابية. وقد تطورت هذه الإضرابات إلى تمردات تمت مواجهتها بالقوة والعنف وخلفت العديد من القتلى، ما اعتبر في حينه تجسيدًا لكره النظام للجمهور والتجمهر أو الاحتشاد، أو أي وسيلة تخلق التواصل بين الأفراد؛ من أجل تفادي أي إمكان للتعبير عن السخط وعدم الرضا21. لقد حاولت الدولة السيطرة على الفضاء العمومي واحتكاره ومراقبته حتى لا يُسمح للمعارضين لها باستغلاله، باستثناء الساحات والفضاءات الجامعية التي كانت تستقطب هذا الجيل الجديد من الشباب الذي يخضع داخلها لتنشئة سياسية نتيجة "التلاقح الجيلي". غير أن إستراتيجية احتلال الفضاء العمومي ستبدأ في التحول ابتداءً من منتصف التسعينيات ليصبح هذا الفضاء رهانًا سياسيًا، لم يعد حكرًا على المدن الكبرى، كم يقول عبد الرحمن رشيق، بل أصبح يتسع ويمتد إلى المدن الصغيرة والمناطق المهمشة22. إن الصراع السياسي الذي طبع التاريخ المغربي المعاصر هو صراع حول تحديد صلاحيات المؤسسة الملكية، فقد كان يُنظر إليها بكونها تحتكر الحقل السياسي وتهيمن عليه23. وهذا المطلب، لربما كان نقطة تقاطع بين الأجيال لم تكن لتختلف كثيرًا حولها، سواء تعلق الأمر بالجيل الذي تلا مرحلة الاستقلال أو الجيل الحالي. لكن السؤال الذي يطرح: إلى أي حد استطاع شباب 02 فبراير أن يحدث خلخلةً في المشهد السياسي المغربي؟ وما حدود الاستجابة لمطالبه؟

  1. Irene Bono, "Une lecture d'économie politique de la 'participation des jeunes' au Maroc à l'heure du printemps Arabe," Revue Internationale de Politique Comparée , vol. 20, no. 4 (2013), p. 155, accessed on 21/5/2018, at: https://goo.gl/ZLgMx9
  2. José González Riera, "Des années de plomb au 20 février,"  Confluences Méditerranée , vol. 3, no. 78 (2011), p. 36, accessed on 21/5/2018, at: https://bit.ly/2I7Rygb
  3. يحضر مفهوم الفضاء العمومي في قلب التفكير الفلسفي حول الديمقراطية، بوصفها فضاء الحوار والمساءلة والتشكيك، وقد عدّه هابرماس الوسيط بين الدولة والمجتمع المدني الذي يساهم في إمكان ممارسة النقد لسلطة الدولة ومعارضتها، انظر:
  4. Didier Le Saout & Marguerite Rollinde,  Émeutes et mouvements sociaux au Maghreb: Perspective comparée (Paris: Karthala Editions, 1999), p. 48.
  5. عبد الرحمن رشيق، الحركات الاحتجاجية بالمغرب: من التمرد إلى التظاهر، ترجمة الحسين سحبان (الرباط: بدائل المغرب، 0142)، ص.23
  6. المرجع نفسه، ص.55 23  Mohsen-Finan Khadija, "Changement de cap et transition politique au Maroc et en Tunisie," Pouvoirs , vol. 2, no. 145 (2013), p. 112, accessed on 21/5/2018, at: https://bit.ly/2FDltI0
  7. Jürgen Habermas, L'espace public: Archéologie de la publicité comme dimension constitutive de la société bourgeoise , Marc Buhot de Launay (trans.), (Paris: Payot, 1978), p. 6.

2. مراجعة دستورية تحت أعين القصر

عمومًا، يمكن تقسيم مطالب حركة 02 فبراير إلى ثلاثة مستويات متداخلة فيم بينها، هي: مطلب سياسي يدعو إلى إعادة صوغ وثيقة دستورية تنظم العلاقة بين السلطة الحاكمة وعموم المواطنين، وهي وثيقة تفترض هيئة منتخبة مختصة تحرص على صوغها، تنقل نظام الحكم إلى ملكية برلمانية. مطلب اجتمعي متجلٍ في إقامة عدالة اجتمعية وتقليص الفوارق الطبقية بين الفئات تسمح لهم على نحو متساوٍ بالولوج في الخدمات الاجتمعية، وضمن شغل يحقق الكرامة الإنسانية. مطلب اقتصادي يركز على عدم الجمع بين السلطة والثروة، ورفض كل أشكال المحسوبية والزبونية، ومحاربة الفساد واقتصاد الريع24. هذه المطالب كانت حاضرة لدى جيل الستينيات والسبعينيات، ثم لدى جيل الثمنينيات والتسعينيات بسقف أعلى، غير أن كل جيل يكون - كم قلنا - محكومًا بشروط تاريخية تحدد نوعية المطالب ويتحدد هو بها. إن جيل شباب 02 فبراير هو جيل سياسي حامل لمشروع اجتمعي إصلاحي وخريطة طريق لنوع المجتمع الذي يطمح إلى العيش فيه، مُمَيزًا ذاته من الأجيال الأخرى بالطريقة والأسلوب المُعَبّ بهم عن تلك المطالب؛ لهذا فإن كل جيل، هو بالضرورة، جيل سياسي حينم تكون له مواقف تتجه نحو التغيير الاجتمعي والسياسي25. إن تأكيد مطلب الإص ح السياسي الذي يكون مدخله الإصلاح الدستوري كان أهم ما ميز الصراع بين أحزاب الحركة الوطنية والمؤسسة الملكية من أجل التأسيس للانتقال الديمقراطي؛ من أجل ذلك تحدّث الحسن الثاني عن التناوب والمصالحة وإنقاذ البلاد من "السكتة القلبية"، وتحدّث الملك الحالي عن المجتمع الديمقراطي الحداثي، وعن المفهوم الجديد للسلطة، لكنهم لم يتحدّثا عن الانتقال الديمقراطي بوصفه مشروعًا اجتمعيًا يستلزم إصلاحًا دستوريًا حقيقيًا وتغييرات جذرية على المستويين الاقتصادي والسياسي26. يتطلب الانتقال الديمقراطي إجراءات وآليات تفعيله، على رأسها مؤسسات حزبية قوية قادرة على الدفع نحو الانتقال إلى أهدافه والسهر على تحقيقه27. وهو ما لا نجده حاضرًا؛ لأن المؤسسات السياسية، وخاصة المؤسسات الحزبية، في وضعية عجز نسبي، وفي حالة من الانتظارية، مقارنة بالمؤسسة الملكية التي تستمد قوتها من نفوذها وعلاقتها بالنخبة التي يمكن احتواؤها في أي لحظة28. لقد تجلى مطلب الانتقال الديمقراطي، على نحو أساسي، في مطالب حركة 02 فبراير بالتوجه مباشرة إلى مطلب الملكية البرلمانية. وساهم ذلك كله في فقدان الملك طابعه القدسي الذي كان يحمله سابقًا، وقد حاول أن يعبّ في خطاب 9 آذار/ مارس 0112 عن عدم استجابته لمطالب الشارع، بل إن الأمر يتعلق بإصلاح سياسي يخصه بوصفه رئيس دولة29. وهذا ليس جديدًا في تعامل الملك مع الشارع، لأن الدساتير السابقة تقدمه على أنه شخصية ضامنة لوحدة المجتمع، وليس بوصفه فاعلً سياسيًا، وهو ما برز في الفصل 91 من دستور 996.1 غير أننا نجد هذه الصفة أيضًا في الدستور الحالي، لكن ذلك على نحو موزع في أكثر من بند دستوري30. أكد العديد من الباحثين المغاربة والأجانب أن الوثيقة الدستورية الحالية لم ترقَ إلى المطالب التي كان الشباب يرفعونها، ولو في حدودها الدنيا31. إذ ظلت صلاحيات الملك غير محددة، وموزعة على أكثر من بند دستوري. وهو، إلى جانب اختصاصاته الدينية والعسكرية، فاعل في السلطة التنفيذية ووصي على السلطة القضائية والمشكّل لكل هياكلها ومؤسساتها. وكل ذلك، كم يقول عبد الرحيم العلام، تم في جو تميز بوضع خاص كذلك؛ تمثل في وجود نظام ملكي يسود فيه الملك ويحكم32، ما لم يمكّن من صوغ الوثيقة الدستورية المراجعة من طرف لجنة مستقلة أو منتخبة ممثلة لكل الأطياف

  1. Joseph Hivert, "Les rapports entre générations dans le mouvement du 20 février," in: Dupret Baudouin et al. (dir.), Le Maroc au présent: d'une
  2. Braungart & Braungart, p. 9.
  3. عمر البرنوصي، "المجتمع المدني، الانتقال الديمقراطي والملكية في المغرب"، وجهة نظر،
  4. زين العابدين حمزاوي، "الأحزاب السياسية وأزمة الانتقال الديمقراطي في المغرب "، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 16 (خريف 0072)، ص.106
  5. جون واتربوري، أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية، ترجمة عبد الغني أبو العزم وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق، ط 2 (الرباط: مؤسسة الغني للنشر،، ص.140042)
  6. Bernabé López García, Le Maroc et le printemps arabe dans un monde en plein changement , PapersIEMed 11, série en partenariat avec Euro Mesco (Barcelona: Institut Européen de la Méditerranée, 2012), accessed on 21/5/2018, at: https://bit.ly/2HM9CgD 30 عبد الرحيم العلام، "صلاحيات الملك في الدستور المغربي: دراسة نقدية"، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 42-41 (0142)، ص.139-138
  7. époque à l'autre, une société en mutation (Casablanca: Centre Jacques Berque- Fondation du Roi Abdul-Aziz Al Saoud pour les Études Islamiques et les Sciences Humaines, 2015); Riera, p. 43.
  8. Thierry Desrues, "Le Mouvement du 20 février et le régime marocain: Contestation, révision constitutionnelle et élections," L'Année du Maghreb, no. 8 (2012), accessed on 21/5/2018, at: https://bit.ly/2JQHxS3 32 العلام، ص.142
  9. العدد 23 (خريف 0042)، ص.23

والتوجهات السياسية والحقوقية الموجودة في الساحة. لهذا يرى شباب حركة 02 فبراير أن الإصلاحات الدستورية التي تمثل مدخلً لكل إصلاح ممكن، لم يتم تحققها في الوثيقة الدستورية.

3. موت الأحزاب السياسية وانبعاث الشارع

أظهرت استطلاعات المؤشر العربي أن اهتمم الأفراد في العالم العربي بالشؤون السياسية قد ازداد منذ ثورات "الربيع العربي"؛ إذ إن ثلاثة أرباع المستجيبين عبّوا عن اهتممهم قليلً أو كثيرًا، نصفهم مهتم ومتابع للشؤون السياسية في بلده33. فيم يخص حالة المغرب، بيّ المؤشر أن 7 في المئة من المغاربة مهتمون جدًا بالشؤون السياسية، و 21 في المئة مهتمون، و 36 في المئة مهتمون قليلً؛ أي إن نحو ثلثَي المستجيبين (64 في المئة) مهتمون بالشؤون السياسية لبلدهم. ولكن ذلك لا يعني أنهم يشاركون وينخرطون في النشاطات السياسية، مثل توقيع العرائض والمشاركة في المسيرات والوقفات، إذ يظهر المؤشر أن هذه المعدلات لا تتجاوز 13 في المئة في المغرب (0 2 في المئة عربيًا)34. ما زالت نسبة الانتمء إلى هيئات أو أحزاب سياسية تثير انتباه المهتمين بالشأن السياسي في العالم العربي. وفي المغرب، لا تتجاوز هذه النسبة 5 في المئة، بحسب المؤشر العربي، وهي نسبة قريبة إلى حد ما مم أبانت عنه الأبحاث والدراسات حول الشباب المغربي35. إن ضعف الانخراط في الإطارات السياسية والحزبية يتم تبريره بعدم جدوى هذه الإطارات، بما أنها غير فعالة في الحياة السياسية، لأنها بدت متخلفة عن الشارع، وعن مطالبه، إبان حركة 02 فبراير. لقد عبّت أغلبية الأحزاب عن عدم مساندتها للحركة، بل ذهب بعضها إلى منع قواعدها من المشاركة في الاحتجاجات باسم الحزب؛ كم حدث مع حزب العدالة والتنمية الذي قطف في الأخير ثمار الحركة؛ عبر الاستثمر الأمثل لشعارها الأساسي "محاربة الفساد والاستبداد". كل هذه المعطيات تذهب في اتجاه تأكيد أن الشباب فقدَ الثقة بالمؤسسات والهيئات الوسيطيةIntermédiaires التي بإمكانها أن تعكس مطالبه وتعبّ عنها؛ ومن ثم فإنه يكون للجوئه إلى الفضاء العمومي معنيان؛ الأول: عجز هذه المؤسسات التي أصبح ينظر إليها بوصفها قد أصيبت ب "شيخوخة" سياسية واجتمعية، وغير قادرة على الدفاع عن تلك المطالب، وهي مطالب في جوهرها سياسية قبل أن تكون اجتمعية واقتصادية. أما الثاني فمفاده أن الوعي الذي أصبح يحمله جيل الشباب بضرورة مشاركته في الحياة العامة، عبر السعي نحو دمقرطتها، لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تجاوز الأجيال السابقة. هذه العوامل مجتمعة، إلى جانب عوامل أخرى، ساهمت في عودة الاحتجاج إلى الشارع، وفي جعل الأحزاب السياسية في وضعية حرجة؛ لأن الجيل الجديد من الشباب قد تجاوزها، سواء في مستوى التأطير والتأثير، أو في مستوى أشكال العمل والتواصل. إضافة إلى ذلك، أصبح هناك وعي جيلي مرتبط بالحياة السياسية المغربية المتعلق بمعرفة مراكز القرار السياسي الفعلي، وقد ظهر ذلك خلال جولات الحوار التي عقدها الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية التي أجريت في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 0162 (حزب العدالة والتنمية المحافظ). فقد استمرت المفاوضات أكثر من 6 أشهر نتيجة وضعية التأزيم blocage Le التي قامت بها الأحزاب الإدارية المقربة من القصر، والتي فرضت في النهاية شروطها في التفاوض، فجاءت الحكومة بعيدة عم أفرزته صناديق الاقتراع.

ثالثًا: الجيل بين أزمة الخطاب وخطاب الأزمة

1. أزمة الخطاب

إذا أخذنا مفهوم الخطاب كم حدده ميشيل فوكو في درسه الافتتاحي، سنكون أمام منظومة من الأفكار والتصورات التي تُيّز لحظة تاريخية ما وظيفتها، هي مراقبة إنتاج الخطاب الذي يدخل في إطار إستراتيجية الاقتصاد السياسي للحقيقة؛ بما هي إنتاج وتوزيع واستهلاك لها وصراع حولها36؛ ومن ثم فإن كل خطاب هو خطاب ممُأسس Institutionnalisé صادر عن مؤسسة ومعبّ عنها. لهذا فإن الخطاب حامل لسلطة هي بالضرورة سلطة المؤسسة تمنحه لمن يتم الاعتراف بهم اجتمعيًا؛ بوصفهم معبّين وناطقين باسمها37. وبما أن كل خطاب هو خطاب ممأسس ومراقب، فقد أصبح الفضاء العمومي بعد 02 فبراير فضاءً مراقبًا من جانبين، من جانب السلطة وخوفها من احتكاره من طرف الشباب والحركات الاجتمعية الجديدة، ومراقب من جانب الشباب خوفًا من هيمنة السلطة عليه؛ ما جعل هذا الفضاء غير متحكم فيه كليًا. في هذا الإطار، نشير إلى

  1. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، برنامج قياس الرأي العام العربي: المؤشر العربي 2016 (الدوحة: 0162)، ص 981، شوهد في 018/5/21:2، في https://bit.ly/2iNsvkM
  2. المرجع نفسه، ص.207
  3. Royaume du maroc, Haut Commissariat au Plan, Les jeunes en chiffres (Rabat: Août 2012), accessed on 21/5/2018, at: https://bit.ly/2HNBSQ9
  4. Michel Foucault, L'ordre du discours (Paris: Gallimard, 1971), pp. 10- 11; Michel Foucault, Il faut défendre la société: cours au collège de France (1975-1976), Édition numérique réalisée en août 2012, p. 21, accessed on 21/5/2018, at: https://goo.gl/m5FDpU
  5. Pierre Bourdieu, "Le langage autorisé: Note sur les conditions sociales de l'efficacité du discours rituel," Actes de la recherche en sciences sociales , vol. 1, no. 5-6 (1975), p. 186.

ما ذهب إليه عادل المستوي الصغير حينم تحدّث عن وجود نظام من الخطاب وحقل من المعرفة يتميزان بسيطرة وهيمنة لعلاقات القوة المتجلية في الخطابات الرسمية، وظيفتها السيطرة على الحقل الاجتمعي والسياسي، ووجود فضاءات حوارية معارضة تحاول أن تنفلت من هذه الهيمنة المطلقة للخطابات الرسمية38.

معنى هذا أن الأمر لا يقتصر على محاولة الهيمنة على المجال القانوني والسياسي، بل إنه يتعدى ذلك إلى الأدوات التي من خلالها يتم تصريف تلك الخطابات، وهي الفضاءات العمومية. وقد تركّز اهتمم شباب 02 فبراير على الفضاءات الافتراضية من أجل التواصل والتأثير؛ إذ فُتحت نقاشات حول المطالب على نحو جريء وغير مسبوق، تفاعل معها جيل الشباب بجرأة كبيرة مستعملين التقنيات الحديثة في التواصل باعتبارها فضاءات معارضة. يجب وضع هذا المسار وهذه السيرورة في سياقهم الاجتمعي المتمثل في بروز حركة فنية تعبيرية أخذت من الموسيقى، خصوصًا، أداةً لإيصال صوتها وإبداء آرائها. لقد ظهرت في السنوات الأخيرة من القرن الماضي مجموعات موسيقية شبابية أخذت من "الهارد روك" rock Hard و"الراب" Rapp أدوات تعبيرية للتواصل مع المراهقين والشباب. واعتمد هؤلاء الشباب على العالم الرقمي، بوصفه فضاء عموميًا، لنشر موسيقاهم وتوزيعها؛ إذ نجد أن مضامين هذه الأشكال التعبيرية من الموسيقى مضامين مطلبية؛ كالعيش الكريم، وحرية التعبير، والحق في الاختيار، والمواطنة، والهوية، ومحاربة الفساد والرشوة39. وتم استثمر هذه الأشكال التعبيرية الفنية والرمزية كثيرًا أثناء التظاهرات والمسيرات وفي التجمعات، وقد عبّت عن تلقائيتها وحرفيتها خارج المؤسسات والإطارات الفنية الرسمية التي بدت متجاوزة إلى حد بعيد، والتي بدا أنها تعيش أزمة؛ لأنها لم تعُد هي الأخرى تساير التحولات الاجتمعية التي يعرفها الواقع. في واقع اجتمعي وسياسي مأزوم، كان لا بد من ظهور هذه الأزمة أيضًا على مستوى الخطاب السياسي؛ لهذا نجد أن من بين ما حاولت حركة 02 فبراير فعله، تجديد أساليب الخطاب الذي تمثّل في إنتاج لغة تخَاطُب مُتميزة ومختلفة عن اللغة التي تتداولها النخب السياسية؛ وذلك من خلال التركيز على اللغة العامية والمفردات التي يفهمها الجميع، والابتعاد عن الغموض والشعبوية40. والهدف من ذلك هو التميز من لغة التخاطب الرسمية التي تبدو لغةً مأزومة لا تعكس معاناة المواطن المغربي واهتمماته. إن المكسب الذي حققته حركة 02 فبراير هو ممرستها تأثيرًا كبيرًا ومباشرًا في نظام الخطاب داخل الخطاب الرسمي ذاته، الذي حاول أن يستعمل اللغة السياسية والحقوقية نفسها المتداولة من طرف الشباب في الفضاء العمومي. وغالبًا ما يأتي الخطاب الرسمي ليحتوي الغضب والمطالب التي يتم الإعلان عنها؛ كم حدث في مناسبات عديدة (ما بات يعرف في الأوساط الحقوقية والصحفية بفضيحة مغتصب الأطفال دانييل Gate Daniel. لقد كان خروج الشباب41المغربي للاحتجاج هذه المرة ضد المؤسسة الملكية التي طالبوها بعدم احتكار العفو من دون المرور بالمساطر القانونية والمؤسساتية، وكذا المطالبة بتوضيح الإجراءات المرتبطة بعملية العفو.

2. خطاب الأزمة

فرض الواقع الجديد تجديد الخطاب السياسي، سواء كان خطابًا حزبيًا أو رسميًا. في هذا الإطار، نشير إلى اللغة التي أصبحت تصاغ بها الخطابات الملكية؛ ففي إحدى فقراته، أشار الخطاب الملكي، في 03 تموز/ يوليو 0142، إلى مطلب 02 فبراير المتعلق بالتوزيع العادل للثروة. وتمّت الإحالة في الخطاب على الدراسات التي أنجزها البنك الدولي حول الوضع الاقتصادي للبلد بالقول: إن المغرب مصنف من بين الدول الأولى على الصعيد الأفريقي، من دون أن ينعكس ذلك

  1. Adil Moustaoui Srhir, "Le Mouvement 20 février au Maroc entre l'autolégitimation et la délégitimation de l'État: Une analyse critique du discours," Pragmalingüística , no. 22 (2014), p. 118, accessed on 21/5/2018, at: https://bit.ly/2HKcMkY
  2. Bouchra Sidi Hida, "Mobilisations collectives à l'épreuve des changements au Maroc," Revue tiers monde , no. 5 (2011), p. 168, accessed on 21/5/2018, at: https://bit.ly/2FEWGmG
  3. Adil Moustaoui Srhir, "New linguistic Practices of the February 20 Movement in Morocco: Toward a New Model of Language Policy," Nordic Journal of African Studies , vol. 25, no. 1 (2016), p. 74, accessed on 21/5/2018, at: https://bit.ly/2JP2a0S
  4. في آب/ أغسطس 0132، أصدر العاهل المغربي عفوًا عن مجموعة من السجناء، من ضمنهم سجين إسباني متابَع في قضايا جنائية تتعلق باغتصابه 12 طفلً مغربيًا أثناء إقامته بمدنية القنيطرة شمال العاصمة الرباط. وقد كان رد فعل الشارع قويًا اضطر معه القصر الملكي إلى إصدار بلاغات متتالية في ظرف وجيز؛ وذلك في سابقة من نوعها في تاريخ المؤسسة الملكية التي وضعته في موقف محلي ودولي محرج.

إيجابيًا على المواطن. إذ نجد في إحدى فقرات الخطاب الملكي الجملة التالية: "أتساءل باستغراب مع المغاربة: أين هي هذه الثروة؟ وهل استفاد منها جميع المغاربة، أم أنها همّت بعض الفئات فقط؟"42. لم يكن ممكنًا لخطاب سياسي من هذا النوع أن يظهر لولا الدور الذي أداه جيل الشباب، بإثارة قضايا وموضوعات تهمّ الشأن اليومي للمواطنين؛ كالبطالة، والفقر، والهشاشة، والإقصاء الاجتمعي. وقد عبّ الشباب عن ذلك بلغة واضحة، من خلال استعمل التقنيات الحديثة ووسائل التواصل العصرية كقنوات اليوتيوب والبودكاست43. يضاف إلى ذلك أن المواكبة الإعلامية من طرف الشباب للقضايا المحلية والإقليمية والتفاعل معها في مواقع التواصل الاجتمعي، أحرج النخبة السياسية التي ظلت في أغلبها سجينة الممرسات السياسية التقليدية، ما جعل من القادة السياسيين والفاعلين الحزبيين موضوع استهزاء في كثير من الحالات، وهو أمرٌ يكشف عن أن خطابهم كان مأزومًا. وفي مثل هذه الحالات، من الطبيعي جدًا أن تظهر حركات اجتمعية تطرح نفسها بوصفها بديلً، كاشفةً تناقضات خطاب الأزمة. في هذا السياق، يرى إريك نوفو أن طبيعة النسق السياسي تساهم في ارتفاع حظوظ نجاح الحركات الاجتمعية أو انخفاضها، ويرتبط ذلك بأربعة محددات أساسية، هي: درجة انفتاح النظام مع وجود تقاليد ديمقراطية وثقافة سياسية، تحوّل الفعل الاحتجاجي إلى مجال للتسامح وإعادة البناء. درجة من الاستقرار في التحالفات السياسية؛ فكلم كانت علاقات القوى السياسية قوية والنتائج الانتخابية ثابتة، كانت النتائج المتوقعة من الفعل الاحتجاجي ضعيفة. إمكان وجود قوى بديلة من الوضعيات الإستراتيجية والانقسام الذي يمكن أن يحدث داخل النخبة. قدرة النظام السياسي على تطوير السياسات العمومية، وإعطاء إجابات عن المشكلات والمطالب التي تطرحها الحركات الاجتمعية44. في غياب تقاليد ديمقراطية، مع وجود تحالفات سياسية هشة غير مؤسسة على برامج سياسية واضحة في بلد مثل المغرب، لا بد من أن يكون الأداء السياسي ضعيفًا وبعيدًا عن أفق انتظارات الفئات التي ترفع المطالب وتحتج من أجل تحقيقها. إن الرهان الذي ركزت عليه الحركات الاحتجاجية منذ الاستقلال إلى اليوم يصب، في معظمه، في خانة "الإصلاح"؛ إصلاح الملكية والحد من هيمنتها على المجال السياسي؛ لهذا فإن تاريخ الحركات الاحتجاجية إلى اليوم هو مسار يأخذ من الفضاء العمومي أداة وآلية للضغط. كم أن ما ميّز هذا المسار الاحتجاجي المغربي هو أن جيل الشباب، بوصفهم فاعلين اجتمعيين، يختارون أشكال الفعل الملائمة لمطالبهم. وحتى إن كانت ردود فعل السلطة عنيفة، فإنهم يتجنبون المواجهة معها. كم أن أحد تمظهرات هذا التحول هو انهيار "حائط الخوف"؛ من خلال احتلال الفضاء العام على نحو يتوقف فيه الفرد عن عدّ ذاته مهمشًا، وهذا وحده سبب كافٍ ليحمل الفرد وعيًا سياسيًا حول واقعه، وهو ما ذهبت إليه الباحثة مُنية الشرايبي في دراستها حول علاقة الشباب الحاصلين على شهادات والمعطلين بالوعي السياسي، لتخلص إلى أن هناك نوعًا من "التنشئة النضالية" للشباب الحاصلين على الشهادات الجامعية45؛ ففي هذه الحال، يكون الشاب في علاقة زمنية بمن سبقه ثم يلتحق بالمجموعة، لتتأسس علاقة جيلية داخلها. تكون الأشكال الاحتجاجية من وقفات ومسيرات مصحوبة بشعارات بعضها ذات مطالب اجتمعية، لكن هناك شعارات أخرى ذات حمولات ودلالات سياسية، تجعل من المعطل الحاصل على دبلوم في قلب الاهتممات والقضايا التي ترتبط بالسياسات العمومية عامة، وليس بسياسة التشغيل فقط. وإذا حدث أنْ وضع الطالب أثناء فترة الدراسة في الجامعة مسافة بينه وبين العمل السياسي، فإن عدم إدماجه في سوق الشغل يجعله، موضوعيًا، مهيأ للاهتمم بها ومعرفة توجهات الدولة بخصوص سياسة التشغيل على الأقل، وهذا في حد ذاته اهتمم سياسي. إن مفهوم "الشباب"، كونهم فئة عمرية محددة سوسيولوجيًا46، أصبح مرادفًا للإقصاء والإبعاد عن المسؤولية الاجتمعية، ومرادفًا لغياب إمكان ممرسة السلطة، والخضوع للفرص المحدودة أيضًا، ولكنه في الوقت نفسه، يمثل صورة ضمنية بالنسبة إلى الفئات التي من المحتمل أن تمثل، أيضًا، "خطرًا". ومن خلال الرجوع إلى تمثيلية الشباب في المجتمع المغربي، نجد أنها هي التي تمثل القاعدة العريضة من المجتمع؛

  1. خُطب صاحب الجلالة، "نص الخطاب الذي وجهه جلالة الملك إلى الأمة بمناسبة الذكرى 51 لعيد العرش المجيد"، البوابة الوطنية للمغرب، 03 تموز/ يوليو 0142، شوهد في 018/5/21:2، في https://bit.ly/2IVhvAe
  2. نشير في هذا الصدد إلى العديد من المبادرات التي قام بها ناشطو حركة 02 فبراير من
  3. Erik Neveu, Sociologie des mouvements sociaux , 3 rd ed. (Paris: La Découverte, 2002), p. 102. 45  Mounia Bennani-Chraïbi, "Jeunesses marocaines et politique: le clivage générationnel revisité," in: Mounia Bennani-Chraïbi & Iman Farag, Jeunesse des sociétés arabes: par-delà les promesses et les menaces (Le Caire: CEDEJ, 2007).
  4. أجل الاستمرار في الفعل على المستوى الإعلامي، على الرغم من خفوت الحركة في الشارع؛ مثل تجربة "تسوليزم" التي كانت من إبداع أحد الأعضاء الناشطين في شباب الحركة وقد لقيت إقبالً كبيرًا، وقد دفع تفاعل الشباب مع مثل هذه التجارب أحد ممثلي اليسار الاشتراكي الموحد في البرلمان إلى التواصل مع المواطنين والمنتخبين عبر تقنية البودكاست.
  5. Pierre Bourdieu, La jeunesse n'est qu'un mot: En Questions de sociologie (Tunis: Repris Cèrès, 1993), p. 144.

فبحسب الإحصاءات الرسمية، يمثل نحو 8.63 في المئة من الساكنة التي يراوح عمرها ما بين 02 و 44 سنة47. وهنا تظهر خطورتها في المطالب التي يمكن أن تحملها هذه الفئة؛ فهي لم تعُد تقبل بالتهميش والإبعاد والإقصاء، بل تريد أن تكون طرفًا فاعلً في الحياة الاجتمعية. وهذا يجعلنا أمام صيرورة اجتمعية جيلية تجعل من كل جيل حامل لبراديغم خاص به مطورًا ومجددًا للبراديغمت الجيلية السابقة على نحو متراكب.Chevauchement des générations إن التحولات الاجتمعية لا تأتي فجأة ومن دون توقعات. وإن بدت كذلك؛ فلأننا عجزنا، أو لم نعطِ أهمية لصيرورة التحولات والتغيرات البطيئة التي لا تظهر أمام أعيننا، مثلم أن التحولات العلمية لا تكون عفوية؛ فهي تحدث نتيجة تراكمت في المعارف، وكل ثورة علمية تأتي لتجيب عن تساؤلات وإشكالات جديدة لا تستطيع النظريات السابقة الإجابة عنها (وجود أزمة)؛ نظرًا إلى تغير شروط بناء الموضوع العلمي48. إن كل تحول سياسي ليس إلا أحد تمظهرات التحولات التي تحدث في الحقول الأخرى، وخاصة الحقول الاجتمعية الثقافية المرتبطة بطبيعة العلاقات بين الأفراد، والنظرة التي تكون لديهم تجاه العالم. لهذا يجب رفض فكرة أن النظام لا يتغير ولا تقع داخل بنيته تحولات، وإلا سنجد أنفسنا أمام أنظمة سلطوية تتكون من ذاتها. كل ما في الأمر أن كل شيء يتغير وتقع داخله حركية من أجل أنْ يبدوَ ألا شيء تغير49. كل هذا يؤشر إلى أن الفعل السياسي يحمل أزمة مزدوجة، أزمة خطاب، لأنه غير قادر على تجديد آليات العمل السياسي بما يساير التحولات التي عرفها المجتمع، وواقع يجعل من خطابه تجليًا لأزمة يعشيها في مستويات تنظيمية وفكرية.

رابعًا: "حراك الريف" واندحار الفعل السياسي المؤسساتي

يمكن عدّ الحركة الاحتجاجية التي عرفها شمل المغرب، وخاصة منطقة الريف وما بات يعرف ب "حراك الريف"، لحظة مجددة في الفعل الاحتجاجي بالمغرب لما تراكم منذ 02 شباط/ فبراير 0112؛ فعلى الرغم من الطابع الاجتمعي والاقتصادي للمطالب المتجلي في رفع التهميش وإقامة البُنى التحتية ومحاسبة المفسدين، فإنه في الوقت نفسه تعبير عن خطاب سياسي واضح. لقد كان لمقتل بائع السمك محسن فكري وطحنه في حاوية قممة وقع الصدمة على الشارع المغربي؛ إذ خرجت أغلبية المدن المغربية للتنديد بالحادث والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عنه. هذا الحدث، وإن بدا عارضًا Accidentel، فإنه أثار مسارًا تجديديًا اتسع وانتشر في المجتمع حتى أخذ صفة التغيير50. وإن وظيفة الحدث عمومًا، كم يقول إدغار موران، هي تسريع الشروط الموضوعية السابقة له، وخصوصًا إذا كان صادمًا وفي نطاق أزمة هائلة يعرفها المجتمع51. إن الحدث ينقل المجتمع من الجزئي إلى الكلي والعام، ومن العناصر الدقيقة إلى القضايا المركبة والمعقدة؛ ولهذا يتحول الحدث إلى قوة موحدة وعامل أساسي لطرح السؤال وللنقد. إن حراك الريف انعكاس لوعي جيلي يعيد إحياء الذاكرة السياسية الجمعية للسنوات الأولى من الاحتلال الإسباني للمنطقة، والمقاومة المسلحة الشرسة التي قُوبل بها من طرف الساكنة المحلية تحت قيادة عبد الكريم الخطابي52. إنها رموز ثقافية وسياسية في الآن نفسه، تحيل على قوة المقاومة من جهة، وعلى مقاومة الشباب للتهميش الذي لحق بالمنطقة منذ الانتفاضة التي حدثت سنة 9581، والتي ردت عليها الدولة بالعنف والقوة، من جهة أخرى. إن من شأن هذه الرموز التاريخية، بمعناها الأنثروبولوجي لكونها تحمل دلالات ومعاني مُوحَّدة ومُوحِّدةً للجمعة، أن تمثل تعبيرًا عن المقاومة والتضحية والهوية. وهذه الدلالات هي التي نجدها في الوعي الجمعي لدى شباب الحراك، وبواسطتها يتم وصل الذاكرة السياسية للأجيال بالحاضر لبناء وعي جيلي جديد. إن الحراك يحيل في هذا السياق الاجتمعي على آليات التغير الاجتمعي؛ وذلك بالتركيز على تعاقب الأجيال ومفعولها الزمني، المتجلي في القدرة على إدماج أجيال جديدة ودورها في عملية الانتقال واستمرار التنشئة الجيلية53. من منظور تاريخي، تُعرف الذاكرة بأنها تجسيد لعلاقة انتقائية للمضي، وإعادة بنائه؛ ليخدم الوجود الحاضر للجمعة الاجتمعية.

  1. Haute Commissariat au Plan, "Démographie – Maroc," Indicateurs
  2. Thomas Kühn, La Structure des révolutions scientifiques (Paris:
  3. Jean-Noël Ferrié, "Dispositifs autoritaires et changements politiques: Les cas de l'Égypte et du Maro," Revue Internationale de Politique Comparée ,
  4. المقصود بالتغيير ليس دعوة إلى قلب الأوضاع، وإنما محاولة تغيير علاقة السلطة بالمواطن عبر العمل على ضمان حقوقه وكرامته، على الرغم من أن الحدث في بعض الأحيان يكون عاملً على قلب الأوضاع والقيام بانتفاضات وثورات؛ كما حدث في تونس مثلً. 51  Edgar Morin, "Pour une sociologie de la crise,"  Communications , vol. 12, no. 1 (1968), p. 5. 52 مقاومة ألحقت هزيمة بالاحتلال في معركة أنوال قبل تدخّل السلطات الفرنسية لهزيمتها ونفي عبد الكريم الخطابي إلى مصر. هذه الأحداث ما زالت تلهم شباب المنطقة؛ لذا نجدهم يحملون أعلام جمهورية الريف التي تأسست في الفترة.1926-1921 53  Devriese, p. 11.
  5. RGPH, HCP, 2014, accessed on 21/5/2018, at: https://bit.ly/2w6tqpF
  6. Flammarion, 2008), p. 25.
  7. vol. 19, no. 4 (2012), p. 94.

فالذاكرة (الجمعية) تنير تَجذُّرَ الذكرى الفردية في المجتمعي والجمعي على حد سواء، وترسّخ التمثلات اليومية في التاريخ؛ لأن وظيفتها تأسيس هوية الجمعة الاجتمعية54. هذا الانتقاء للأحداث الماضية لديه وظائف اجتمعية، لأنه يتم بطريقة واعية وغائية Intentionnelle؛ بالنظر إلى أنه يتوجه إلى فئة اجتمعية جيلية ليطعم وعيها، ويربط ماضيها بحاضرها على اعتبار أن هذا الحاضر امتداد للمضي. هناك علاقة بين الجيل والذاكرة الجمعية، وهذه العلاقة تتأسس على الحدث لأنه يحيل على ضرورة التفكير في نموذج يجب اتباعه واقتفاء أثره55. في حراك الريف هناك ذاكرة جمعية تحيل على المقاومة والانتصار، وهناك وعي جيلي في هذه الذاكرة يريد استعادة أمجادها، وهناك حدث. كلها عناصر قابلة، في شروط اجتمعية معينة، لأنْ تخلق حركة اجتمعية بمطالب محددة. وقد جاءت تعبيراتها السياسية متضمنة لكل هذه العناصر بلغة سياسية قوية غير معتادة. لهذا، وبحسب باتريك شارودو الذي يقول: "إن الخطاب السياسي هو عبارة عن نتاج لغوي ضمن علاقات الإقناع"56، لا بد من أن تتوافر في هذا الخطاب ثلاثة محددات حتى يحقق الفعل التواصلي؛ هي البساطة، والصدقية، والتأثير. حينم يكون الخطاب بسيطًا، تكون له قوة مُوحِّدة، ويمس عددًا أكبر من الجمهير أو المناصرين، وهي خاصية تسمح لهؤلاء المناصرين بالتأكد من صدقيته وقياسه واقعيًا؛ ومن ثم ممرسة التأثير فيهم وكسب ثقتهم. وهذا بالضبط ما يمكن ملاحظته في ظاهرة "الحراك". خطاب يدخل في خانة التضحية بكل شيء من أجل استمرارية المبدأ والفكرة. يقول ناصر الزفزافي، بوصفه قائدًا ميدانيًا للحراك في أحد تجمعاته: "إذا اعتقلت فقد انتصرت، وإذا اختطفت فقد انتصرت، وإذا عذبت فقد انتصرت، وإذا استشهدت فقد انتصرت"57. وإذا كان الجيل لا يمكنه أن يوجد إلا في علاقة تزامن مع أجيال أخرى، فإن واقعه الاجتمعي لا يُختزل في بعد رمزي فحسب، بل يُجسد أيضًا واقعًا اجتمعيًا في فترة محددة وملموسة58. كذلك هو جيل الحراك؛ إذ يجسد الذاكرة الجمعية ويعطيها مدلولًاجتمعيًا جديدًا يحدد به هويته في علاقته بالأجيال الأخرى، ويتحدد هو بتلك الذاكرة. إنه وعي جيلي يتوسط التاريخي/ الزمني والاجتمعي ويربط بينهم. هناك ثقل التاريخ بوصفه جغرافيا اجتمعية تضم تضاريس جيلية متنوعة مُكملة لبعضها، كل طبقة تنبني على أخرى مشكّلة قاعدة ومرجعًا لها، وفي الوقت نفسه، معارضة لها؛ لأنها محكومة بشروط تاريخية جديدة.

لقد اتضح أن الحراك، كم يقول أحد الناشطين، ليس هو حركة 20 فبراير، إنه حراك قادم من الهامش - مقارنة بحركة 02 فبراير التي كان وراءها شباب متعلم ومسيّس - أغلبه ينتمي إلى الطبقات الوسطى. ووراء حراك الريف، تقف قيادات شعبية بسيطة يصعب احتواؤها، قيادات لا تهادن ولا تساوم، مثلت كاريزما استثنائية مكنتها من تعبئة الشارع بكل أطيافه، وتلك هي قوّته. لكنه في المقابل حراك لا يلغي التاريخ، ومن أهم نقاط قوّته استناده إلى خطاب سياسي يمس كل الفئات الاجتمعية بلغة بسيطة خلقت تجانسًا ثقافيًا، واجتمعيًا وسياسيًا. أظهر "الحراك" أن جيلً جديدًا من الشباب قد ظهر إلى جانب جيل 02 فبراير مبدِعًا أشكالً تعبيرية احتجاجية نوعية59، جيل يرى أن المطالب التي خرج من أجلها سنة 0112، تزامنًا مع ما عرف ب "الربيع العربي"، لم تتحقق. من جهة أخرى، فإن عدم التجاوب مع مطالب الحراك والتعامل معه بمقاربة أمنية يجعل الجيل الصاعد يستبطن مشاعر عدم الثقة؛ ومن ثم يؤكد النظرة السلبية التي

  1. Marie-Claire Lavabre, "Génération et mémoire," Intervention au Congrès de l'Association Française de science politique, 22-24 Octobre 1981, Paris, France, table ronde no. 2, "Génération et politique," p. 3, accessed on 21/5/2018, at: https://bit.ly/2juhmFD
  2. Marie-Claire Lavabre, "Du poids et du choix du passé: lecture critique du syndrome de Vichy," in: Denis Peschanski, Michael Pollak & Henry Rossou (dir.) , Histoire Politique et Science Sociale (Paris: editions Complexe, 1991), p. 269.
  3. شارودو باتريك، "الخطاب السياسي أو سلطة اللغة"، ترجمة نجيب غزاوي، مجلة الفكر السياسي، العدد 52-51 (0142)، ص.131
  4. علي أنوزلا، "دفاعًا عن ناصر الزفزافي"، مدونات الجزيرة، 017/6/12، شوهد في 018/5/21:2، في https://bit.ly/2wYRjQh
  5. Attias-Donfut Claudin, "La notion de génération: Usages sociaux et concept sociologique," L'Homme et la société: Le temps et la mémoire aujourd'hui , vol. 90, no. 4 (1988), p. 49.
  6. لأول مرة في المغرب نلاحظ مسيرات احتجاجية نسائية استُعملت فيها الأواني المنزلية من أسطح المنازل وشبابيكها لإحداث ضجيج حتى يجري إيصال صوت المحتجين، بعد منعهم من التظاهر في الفضاء العام.

مثلتها الأجيال السابقة. هناك، إذًا، تطعيم للوعي السياسي لدى جيل الشباب من طرف الأجيال السابقة، وهو لا يرتبط بمنطقة ويستثني أخرى، بل نجده يغطي كل الحقل السياسي والاجتمعي بدرجات متقاربة. أعاد حراك الريف إلى الساحة السياسية والفضاء العمومي طرح الأسئلة من جديد حول مطلب الديمقراطية وإعادة بناء الدولة الحديثة. وهكذا فإن الحركات السياسية، عمومًا، بحسب ريتشارد ومارغرت برونغرت، تشتغل بقضيتين أساسيتين، هم: الحق المدني (ضمن الحقوق الأساسية كم هو متعارف عليها كونيًا)، والإصلاح السياسي (أو تغيير النظام).

خاتمة

من خلال ما سبق، يظهر في نهاية التحليل أن أزمة المجتمع المغربي هي أزمة مرتبطة بالخوف من جيل الشباب الذي يحمل مطالب ومشروعًا مجتمعيًا، مدخله الأساسي مجتمع ديمقراطي يضمن حقوق الأفراد، ليصبح الخوف من الجيل، الذي تمرَّس بالاحتجاج وأبدع في أشكاله، خوفًا من قيام مجتمع ديمقراطي وحداثي يضمن للجميع تكافؤ الفرص؛ عبر التخلص من كل مظاهر الفساد والمحسوبية. الخوف من جيل الشباب ليس باعتباره فئة عمرية ولحظة زمنية من مسار الحياة، وإنما هو خوف من أن يصبح المجتمع في حركية دائمة تقوم على تشبيب الأسئلة والدعوة المستمرة إلى إحياء الدينامية الاجتمعية. غير أن هذا الوعي السياسي الجيلي ليس وليد لحظة راهنة بل إنه تكوَّن نتيجة مسارات وص ورررات تاريخية حاضرة في الذاكرة الجمعية للأفراد، يتم العودة إليها في كل لحظة؛ سواء لانتقادها وتقييمها أو لتجديدها وتجاوزها.

المراجع

العربية

باتريك، شارودو. "الخطاب السياسي أو سلطة اللغة". ترجمة نجيب غزاوي. مجلة الفكر السياسي. العدد 2).014(52-51

البرنوصي، عمر. "المجتمع المدني: الانتقال الديمقراطي والملكية في المغرب"، وجهة نظر. العدد 23 (خريف 2).004

حمزاوي، زين العابدين. "الأحزاب السياسية وأزمة الانتقال الديمقراطي في المغرب". المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 16 (خريف.)2007

رشيق، عبد الرحمن. الحركات الاحتجاجية بالمغرب: من التمرد إلى التظاهر. ترجمة الحسين سحبان. الرباط: بدائل المغرب،.2014

العلام، عبد الرحيم. "صلاحيات الملك في الدستور المغربي: دراسة نقدية". المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 2).014(42-41 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، برنامج قياس الرأي العام العربي: المؤشر العربي 2016. الدوحة:.2016

واتربوري، جون. أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية. ترجمة عبد الغني أبو العزم وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق. ط.2 الرباط: مؤسسة الغني للنشر،.2004

الأجنبية

Baudouin, Dupret et al. (dir.). Le Maroc au présent: d'une époque à l'autre, une société en mutation. Casablanca: Centre Jacques Berque- Fondation du Roi Abdul-Aziz Al Saoud pour les Études Islamiques et les Sciences Humaines, 2015.

Bennani-Chraïbi, Mounia & Iman Farag. Jeunesse des sociétés arabes: par-delà les promesses et les menaces. Le Caire: CEDEJ, 2007.

Bono, Irene. "Une lecture d'économie politique de la 'participation des jeunes' au Maroc à l'heure du Printemps Arabe." Revue Internationale de Politique Comparée. vol. 20. no. 4 (2013).

Bourdieu, Pierre. "Le langage autorisé: Note sur les conditions sociales de l'efficacité du discours rituel." Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 1. no. 5-6 ________. La  jeunesse n'est qu'un mot: en Questions de sociologie. Tunis: Repris Cèrès, 1993.

Claudin, Attias-Donfut. "La notion de génération: Usages sociaux et concept sociologique." L'Homme et la société: Le temps et la mémoire aujourd'hui. vol. 90. no. 4 (1988). Crete, Jean & Pierre Favre. Générations et politiques. Paris: Economica/ Les Presse de l' université Laval, 1989.

Desrues, Thierry. "Le Mouvement du 20 février et le régime marocain: contestation, révision constitutionnelle et élections." L'Année du Maghreb. no. 8 (2012).

Devriese, Marc. "Approche sociologique de la génération." Vingtième Siècle: Revue d'histoire. no. 22 (Avril-Juin 1989).

Ferrié, Jean-Noël. "Dispositifs autoritaires et changements politiques: Les cas de l'Égypte et du Maro." Revue internationale de politique comparée. vol. 19. no. 4 Foucault, Michel. L'ordre du discours. Paris: Gallimard, 1971.

________. Il faut défendre la société: Cours au collège de France (1975-1976). Édition numérique réalisée en août 2012.

García, Bernabé López. Le Maroc et le printemps arabe dans un monde en plein changement. PapersIEMed 11. Série en partenariat avec Euro Mesco. Barcelona: Institut Européen de la Méditerranée, 2012.

Habermas, Jürgen. L'espace public: Archéologie de la publicité comme dimension constitutive de la société bourgeoise. Marc Buhot de Launay (trans.). Paris: Payot, 1978.

Hida, Bouchra Sidi. "Mobilisations collectives à l'épreuve des changements au Maroc." Revue Tiers Monde. no. 5 Khadija, Mohsen-Finan. "Changement de cap et transition politique au Maroc et en Tunisie." Pouvoirs. vol. 2. no. 145 (2013).

Kühn, Thomas. La Structure des révolutions scientifiques. Paris: Flammarion, 2008.

Lavabre, Marie-Claire. "Génération et mémoire." Intervention au Congrès de l'Association Française de Science politique. 22-24 Octobre 1981. Paris, France.

Le Saout, Didier & Marguerite Rollinde.  Émeutes et mouvements sociaux au Maghreb: Perspective comparée. Paris: Karthala Editions, 1999.

Mannheim, Karl. Ideology and Utopia: An Introduction to the Sociology of Knowledge. London: Routledge & Kegan Paul, 1954.

________. Essays on the Sociology of Knowledge. New York: Routledge, 1972.

Marx, Karl. Le 18 Brumaire de Louis Napoléon Bonaparte. Paris: Éditions sociales, 1969.

Morin, Edgar. "Pour une sociologie de la crise."  Communications. vol. 12. no. 1 (1968).

Neveu, Erik. Sociologie des mouvements sociaux. 3 rd ed. Paris: La Découverte, 2002.

Peschanski, Denis, Michael Pollak & Henry Rossou. Histoire politique et science sociale. Paris: editions Complexe, 1991.

Riera, José González. "Des années de plomb au 20 février."  Confluences Méditerranée. vol. 3. no. 78 (2011). Royaume du maroc, Haut Commissariat au Plan. Les jeunes en chiffres. Rabat: Août 2012.

Sirinelli, Jean-François. "Génération et histoire politique." Vingtième Siècle: Revue d'histoire. no. 22 (Avril-Juin 1989).

Spitzer, Alan. "The Historical Problem of Generations." The American Historical Review. vol. 78. no. 5 (1973).

Srhir, Adil Moustaoui. "Le Mouvement 20 février au Maroc entre l'autolégitimation et la délégitimation de l'État: Une analyse critique du discours." Pragmalingüística. no. 22 ________. "New linguistic Practices of the February 20 Movement in Morocco: Toward a New Model of Language Policy." Nordic Journal of African Studies. vol. 25. no. 1 (2016).