Return to Article Details Economic Liberalization Policies and Their Impact on Civil-Military Relations: Selected Arab Cases

سياسات التحرير الاقتصادي وأثره في العلاقات المدنية - العسكرية: حالات عربية مختارة

Economic Liberalization Policies and Their Impact on Civil-Military Relations: Selected Arab Cases

* Khalid Osman Alfeel خالد عثمان الفيل|

الملخّص

تناقش هذه الدراسة الإرث المؤسسي لسياسات التحرير الاقتصادي في تشكيل الواقع المعاصر للعلاقات المدنية - العسكرية في دول الربيع العربي، والتحديات المستقبلية للتحوّل الديمقراطي في هذه الدول. وتحاجّ بأنّ الانفتاح الاقتصادي عبر تطبيق سياسات التحرير قد أدّى إلى ظهور أوليغارشية عسكرية، تنشط تحت غطاء مدني، أو إلى تمدّد هيمنة الجيوش العربية من الحقل السياسي لتشمل الحقل الاقتصادي بصورة رسمية. وكانت النتيجة النهائية لهذه الديناميكية تدعيم مواقع هذه الجيوش وزيادة هيمنتها على الحقل السياسي، وهو ما يفرض تحديات جمّة على مستقبل التحول الديمقراطي في هذه الدول. تختبر الدراسة فرضيتها بمناقشة أربع حالات هي مصر، وتونس، والسودان، والجزائر، وتعقد مقارنات تحليليةً بين هذه الحالات.

Abstract

عنوان الكتاب: تونس: ثورة في بلاد الإسلام. عنوان الكتاب في لغته: Tunisie une révolution en pays d'islam. الكاتب: Yadh Ben Achour . الناشر: Cérès éditions ، Tunis. مكان النشر: تونس. سنة النشر: 2017. عدد الصفحات: 408 صفحات.

الكلمات المفتاحية:
  • تونس
  • الثورة التونسية
Keywords:
  • Tunisia
  • Tunisian Revolution

مقدمة

تحتفي دراسات الأنثروبولوجيا السياسية بمفهوم "المحاكاة والتقليد"، الذي نظّر له المؤرخ الفرنسي  -  الأميركي رينيه جيرارد Girard René. بناءً عليه، كثيرًا ما تحاجّ الأنثروبولوجيا السياسية بأنّ الثورات السياسية تميل في حدوثها إلى أن تكون في صورة موجات تنتقل عدواها من بلد إلى آخر، وهو ما أكّدته ثورات الربيع العربي؛ فم إن انتصرت الثورة التونسية وغادر زين العابدين بن علي تونس، في 14  كانون الثاني/ يناير 0112، حتى اندلعت ثورة 52  يناير المصرية وتلتها بأيامٍ الثورة اليمنية. وفي رصد يوميات الثورة المصرية يذكر نواف القديمي أنّه وجّه سؤالً متكرّرًا إلى عدد من الرموز الفكرية والسياسية التي كان يلتقيها في ميدان التحرير: ما الذي حرّك المصريين؟ وكانت الإجابة التي اتفق عليها الجميع: تونس1. ومفهوم الموجات الثورية لا يعني فقط انتشارها الأفقي في زمن متقارب، بل يعني كذلك احتمل تكرارها واستمرارها في المستقبل القريب حتى تتحقّق مطالب الثورات، فالتاريخ الغربي يخبرنا بأنّ الثورة الفرنسية التي حدثت في عام 7891  قد أشعلت معها ثلاث موجات ثورية: جاءت الموجة الأولى في الفترة 1820 - 8241، والثانية في الفترة 1829 - 8341، أما الثالثة فقد كانت في عام 848. لذا، يمكننا القول 12بأنّ الثورات السياسية التي يشهدها السودان والجزائر تُعتبر امتدادًا لثورات الربيع العربي، ويمكننا أن نطلق عليها الموجة الثانية من موجات ذلك الربيع. وإذا كان مفهوم المحاكاة والتقليد، بالمعنى الأنثروبولوجي، حاضرًا في فهم الثورات السياسية بوصفها "موجات"، فإنّ هذا المفهوم حاضر كذلك في صورة وعي عام في أذهان المشاركين في الموجات اللاحقة. لذلك من السهل على المتابع لثورتَ السودان والجزائر أن يرى حالةً من الوعي الشعبي بخطورة المؤسسة العسكرية والتدخل الإقليمي في مسار التحول الديمقراطي. وهذا إن دلّ على شيء فإنّا يدلّ على أنّ دروس الموجة الأولى للربيع العربي لم تذهب سدى. وقد حظيت قضية دور الجيش والمؤسسة العسكرية في التحول الديمقراطي وما يتعلق بها من إدارة ملفّ العلاقات المدنية  -  العسكرية في الفترة الانتقالية باهتمم مركزي في كثير من الدراسات التي كُتبت بعد ثورات الربيع العربي؛ نظرًا إلى أنّها قضية داخلية أثّرت بصورة رئيسة في مآلات تلك الثورات، بينم اعتبَرت هذه الدراسات أنّ قضية التدخل الإقليمي تأتي في الدرجة الثانية، لأنّها عامل خارجي لا يمكن أن يحقّق تأثيرًا كبيرًا من دون توافر الشروط الداخلية3. يدرك الناظر إلى هذه الدراسات والمناقشات أنّ أحد الأبعاد التي لم تحظَ بقدر كاف من البحث والمناقشة هو دور السياسات النيوليبرالية والتحرير الاقتصادي، التي تم تطبيقها في الدول العربية في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، في زيادة قبضة المؤسسة العسكرية على مفاصل الاقتصاد في تلك الدول، وأثر هذه القبضة في أنماط سيطرة المؤسسة العسكرية على المجال السياسي والتحول الديمقراطي في تلك الدول، وهو ما يحاول هذا البحث استكشافه ومناقشته. وتقوم الدراسة على فرضية رئيسة وتحاول التحقّق منها، وهي أنّ الانفتاح الاقتصادي عبر سياسات التحرير الاقتصادي في البلدان العربية، والذي طُبّق في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، قد أدى إلى ظهور أوليغارشية عسكرية تنشط تحت غطاء مدني، أو إلى تمدّد هيمنة الجيوش العربية من الحقل السياسي لتشمل الحقل الاقتصادي على نحو رسمي، وكانت النتيجة النهائية لهذه الديناميكية تدعيم مواقع هذه الجيوش وزيادة هيمنتها على الحقل السياسي. قبل مناقشة المفاهيم الرئيسة في هذه الفرضية، هنالك عدد من المفاهيم والأفكار المفتاحية التي لا بدّ من مناقشتها وعلى رأسها مفهوم التحوّل الديمقراطي، وملفّ العلاقات المدنية  -  العسكرية وهو ما سيناقشه بإيجاز المحور الثاني من هذه الدراسة. أمّا المحور الثالث فسيناقش أدبيات العلاقة بين التنمية والتحوّل الاقتصادي بالتحوّل الديمقراطي، كم سيناقش إسقاطات هذا الجدل على واقع الديمقراطية في العالم العربي. ويشرح المحور الرابع بصورة تفصيلية فرضية الدراسة حول تأثير سياسات التحرير الاقتصادي في واقع العلاقات المدنية  -  العسكرية في العالم العربي ومستقبل التحوّل الديمقراطي، كم يعرّف هذا المحور بسياسات التحرير الاقتصادي وتاريخها وآثارها السياسية والاقتصادية تعريفًا موجزًا. ومن المحور الخامس وحتى الثامن، تختبر الدراسة فرضيتها على أربع دول: مصر وتونس والسودان والجزائر، على التوالي. وتختتم الدراسة بالمحور التاسع الذي يستعرض أهمّ الاستنتاجات والنتائج.

  1. نواف القديمي، يوميات الثورة: من ميدان التحرير إلى سيدي بوزيد حتى ساحة التغيير (بيروت: الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر،.)2012
  2. إريك هوبزباوم، عصر الثورة: أوروبا 1848 - (1789)، ترجمة فايز الصياغ، تقديم مصطفى الحمارنة (بيروت: المنظمة العربيّة للترجمة، 0072)، ص 219 -.224
  3. ينظر على سبيل المثال: عبد الفتاح ماضي، "الجيوش والانتقال الديمقراطي: كيف تخرج الجيوش من السلطة؟"، سياسات عربيّة، العدد 24 (كانون الثاني/ يناير 0172)، ص 7 -.29

أولا: التحول الديمقراطي وإدارة العلاقات المدنية  -  العسكرية في الفترات الانتقالية

يشير مصطلح "الانتقال إلى الديمقراطية" إلى عملية انتقال السلطة من حكومة مستبدّة إلى حكومة ديمقراطية منتخبة، ويتحقق هذا الانتقال بعد إسقاط النظام القديم، بثورة شعبية أو بتسوية سياسية، ثم اتفاق القوى السياسية على ترتيبات الفترة الانتقالية، وتحويل هذا التوافق إلى حقيقة مشاهدة بعملية الانتخاب الديمقراطي للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. أمّا مصطلح "التحوّل الديمقراطي" فيشير إلى عملية ممتدة زمنيًا ذات مراحل متعدّدة تختلف من دولة إلى أخرى، وقد تشمل محاولات ارتداد عكسية عن النظام الديمقراطي. ويحدث نجاح التحول الديمقراطي عندما تستقر قواعد النظام الديمقراطي، وتفشل كلّ محاولات الارتداد العكسي سواء من الداخل أو الخارج4. بخلاف "الانتقال إلى الديمقراطية"، يحدث "التحول الديمقراطي" في الغالب على فترات زمنية طويلة، فمثلً، استغرق التحول الديمقراطي في إسبانيا سبعة أعوام، أمّا في البرازيل فقد استغرق اثني عشر عامًا.

ويمكننا القول إنّ عملية التحول الديمقراطي تكون أصعب بكثير من عملية إسقاط النظام الدكتاتوري، وخصوصًا في حالات الثورة الشعبية، لأنّ فترات التحوّل الديمقراطي تسود فيها الضبابية والاختلاف السياسي والانقسام المجتمعي؛ ما يضعف مقدرة القوى السياسية على الحشد الجمهيري، ويعطي عناصر النظام السابق ومؤسساته فرصةً لإعادة ترتيب أوراقها والسعي لإجهاض الثورة. وقد أشارت بربرا جديس Barbara Geddesفي حديثها عن الموجة الثالثة من الديمقراطية التي بدأت بثورة البرتغال عام 9741  إلى أن 03  حالةً فقط من أصل 85  حالة نجحت في تحقيق تحوّل ديمقراطي مستقرّ، أمّا البقية فقد رجعت إلى الأنظمة الاستبدادية أو تحوّلت ديمقراطيات مزيفة5. ولو تأمّلنا فقط في تجارب الموجة الأولى لثورات الربيع العربي فسنجد أنّ أغلب الدول قد نجحت في إسقاط النظام السابق؛ مصر وتونس واليمن وليبيا، ولكن دولة واحدة فقط، وهي تونس، نجحت في تحقيق إنجازات كبيرة في مسار التحول الديمقراطي بينم تعسّ هذا التحول في باقي الدول؛ وهي مصر وليبيا واليمن وسورية. وهو ما يجعل من الضروري لكلّ المهتمين بإنجاح عملية التحوّل الديمقراطي دراسة العوامل المؤثرة في هذه الفترة الحرجة. وكم ذكرنا في المقدّمة، فإنّ التجارب العربية تخبرنا بأنّ بنية المؤسسة العسكرية وطبيعة علاقتها بالاقتصاد والسياسة هم من العوامل الرئيسة المؤثرة في هذا التحوّل. تتأكّد أهمية دراسة العلاقات المدنية  -  العسكرية في الفترات الانتقالية، حينم نتنبّه لعدّة أمور متعلّقة بالجيوش/ المؤسسة العسكرية والتحوّل الديمقراطي، وهي: أنّ الجيوش في أصلها ليست مؤسسات محايدة بعيدة عن السياسة أبدًا، بل هي مؤسسات سياسية بامتياز، وذلك لأنّ طبيعة النشاطات اليومية التي تقوم بها هذه الجيوش من إخمد للتمرّد وحفظ للسلام وإدارة الحروب وملفات الدفاع، إضافة إلى إدارة ملفّات الأمن القومي التي يدخل فيها كل ما تعلّق بالاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتمعي؛ وكل هذه الملفات والقضايا هي من صميم السياسة، فكيف يصح لنا أن نصف من يقوم بهذه المهمت بأنه بعيد عن السياسة؟ لذا فإن علاقة الجيش بالسياسة هي علاقة قائمة ومستمرة، سواءً في الدول الديمقراطية أو غير الديمقراطية، وعلينا أن نفرق بين إبعاد الجيش عن السيطرة على الحكم أو المشاركة الفعلية فيه، وهو ما يجعل النظام السياسي عسكريًا غير ديمقراطي، وبين ممرسة الجيش للسياسة بالتعريف العام الذي ذكرناه في أول هذه الفقرة وهذا أمر مقبول ما دام لم يتطوّر ليصبح استيلاءً على السلطة أو الحكومة6. أنّ الجيش بحكم بنيته كمؤسّسة، يصعب عليه أن يكون ديمقراطيًا. فهو مؤسّسة هرمية يتم اتخاذ القرارات فيها من القمة إلى القاعدة، وتكون القاعدة ملزمة تمامًا بتنفيذ تلك

  1. المرجع نفسه، ص.10
  2. Barbara Geddes, "What do we know about Democratization After Twenty Years?" Annual Review of Political Science , vol. 2 (1999), pp. 115 - 144.
  3. عزمي بشارة، "الجيش والحكم عربيًا: إشكاليات نظرية"، سياسات عربيّة، العدد 22 (أيلول/ سبتمبر 0162)، ص 7 -.29

القرارات من دون اعتراض أو تذمّر. كم أنّ الثقافة المؤسسية للجيش ليست ثقافة ديمقراطية7؛ حيث تكون السلطة التنفيذية والتشريعية داخل مؤسسة الجيش في يد الرتب العليا، بينم تقوم الديمقراطية على مبدأ الفصل بين السلطات، وأنّ الشعب هو مصدر السلطات. ولذلك لا يُستغرَب أنّ المؤسسات التي تكون عمد/ ركيزة النظم السياسية الدكتاتورية هي الجيوش في المقام الأول. ولأجل هذه الطبيعة المنافية للديمقراطية، فإنّ مسألة سيطرة القوى المدنية على الجوانب التشريعية والتنفيذية والقضائية المتعلّقة بالجيش هي من الشروط الرئيسة لتحقيق الانتقال الديمقراطي المنشود. أنّ هذه السيطرة المدنية على الجيش في ف اررت الانتقال الديمقراطي تنطوي على عدّة مفارقات/ تحديات حرجة: التحدّي الأول هو أنّ تطور الاحترافية العسكرية يترافق في كثير من الأحيان مع ضعف إشراف الدولة ورقابتها على الجيش. وهذه المفارقة قد لا تكون ذات أثر كبير في الدول الديمقراطية الراسخة لأنّها تمتلك مؤسسات قادرة على إحداث توازن في ميزان القوى مقابل الجيش، لكنّها مفارقة ذات أثر خطير إذا كنّا نتحدّث عن دول ديمقراطية هشّة خارجة لتوّها من أنظمة دكتاتورية8، فهل تختار هذه الدول أن تمضي في طريق التحول الديمقراطي حتى لو كان ذلك يكلّفها ضعف احترافية مؤسستها العسكرية، الأمر الذي سيهدّد بدوره أمنها القومي؟ أمّا التحدي الثاني، فهو أنّ علاقة المؤسسة العسكرية بالنظام الاستبدادي السابق إمّا كانت أداة بطش وعنف في يد قادة النظام السابق أو كانت جزءًا أساسيًا من النظام نفسه. وفي كلتا الحالتين، تكون المؤسسة العسكرية مرتبطة بقدر هائل من المصالح الاقتصادية والمؤسساتية والشخصية التي تخشى من فواتها مع التحول الديمقراطي. فإذا حاولت السلطة المدنية الجديدة إخضاع المؤسسة العسكرية في كلّ تلك الملفات بين ليلة وضحاها، فستدفعها إلى معركة صفرية ضدّ النظام الديمقراطي، وهذه المعركة قد تؤدّي إلى خسائر كبيرة في الأرواح أو قد تجهض التحوّل الديمقراطي كليًا. وفي حالة تركت السلطة المدنية المؤسسة العسكرية تتحرك بكامل صلاحياتها، فهذا مهدّد حقيقي للنظام الديمقراطي الجديد، فكيف يجب التعامل مع هذا المأزق؟ إدارة هذه المفارقات/ التحديات هو ما نقصده، عمومًا، بإدارة العلاقات المدنية  -  العسكرية في الفترات الانتقالية.

ثانيًا: التنمية والتحول الديمقراطي

ما زال النقاش حول علاقات التأثير والتأثر المتبادل بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية وحول الأصول الاقتصادية والاجتمعية للتحول الديمقراطي يأخذ حيزًا واسعًا في دراسات الاقتصاد السياسي والاجتمع السياسي. وفي هذا السياق، يجادل بعض منظري الاجتمع السياسي، مثل سيمور ليبست Lipset Seymour، بأنّ هنالك ارتباطًا وثيقًا بين تحقيق التنمية الاقتصادية ووجود المؤسسات الديمقراطية واستمراريتها، وأنّه يصعب جدًّا حدوث انتقال ديمقراطي قبل تحقيق التنمية الاقتصادية، وأنّ انتشار الفقر يرتبط في العادة بوجود الدكتاتورية. وحاجّ ليبست، أيضًا، بوجود ارتباط وثيق بين زيادة دخل الفرد وانتشار القيم الديمقراطية، وأنه كلم زاد تعليم الفرد ودرجة تثقيفه، والذي لا يمكن أن يتحقق في ظل غياب التنمية الاقتصادية، زاد إيمانه بالقيم الديمقراطية ودعمه الممرسات الديمقراطية. يقول ليبست في هذا السياق: "بالنسبة إلى الطبقات الكادحة/ الفقيرة، فإنّ التنمية الاقتصادية والتي تعني زيادة في الدخل، وزيادة في الأمن الاقتصادي، وزيادة في نسبة التعليم ودرجته؛ كل ذلك يُكّن تلك الطبقات من تبنّي تصورات ورؤى زمنية أطول وتبنّي وجهات نظر أشد تعقيدًا وتدريجيًا فيم يتعلق بالشأن السياسي". ودلّل ليبست على كلامه بنشر بيانات عن المؤشرات التالية: نصيب الفرد من الدخل، وعن نسبة العاملين في القطاع الزراعي في مقابل القطاع الصناعي، كمؤشٍّ للتحوّل الاقتصادي، وعن نسب الالتحاق بالتعليم الابتدائي، والالتحاق بمؤسسات التعليم العالي، وعن مدى انتشار الصحف والإذاعة والهاتف بين الأفراد؛ وقارن هذه المؤشرات لأربع مجموعات من الدول هي "الدول الأوروبية ذات الديمقراطية المستقرة"، و"الدول الأوروبية الدكتاتورية"، و"الدول الديمقراطية في أميركا اللاتينية"، و"الدول الدكتاتورية المستقرة في أميركا اللاتينية"9. أمّا أستاذ العلوم السياسية البولندي آدم برزيفورسكي Adam Przeworskiفحَاجّ بأنّ التنمية الاقتصادية ليس لها دور سببي في نشأة الديمقراطية، ولكنّ التنمية الاقتصادية تقوم بدور مركزي في تحديد ما إذا كان البلد سيستمر ديمقراطيًا أم سيرجع إلى الدكتاتورية10. وفي هذا السياق، تحاجّ الدراسة التي قام بها

  1. زولتان باراني، "القوات المسلحة وعمليات الانتقال السياسي"، سياسات عربيّة، العدد 24 (كانون الثاني/ يناير 0172)، ص 81 -.95
  2. المرجع نفسه، ص.83
  3. Seymour Martin Lipset, "Some Social Requisites of Democracy: Economic Development and Political Legitimacy," American Political Science Review , vol. 53, no. 1 (1959), pp. 69 - 105.
  4. Adam Przeworski, "The Poor and the Viability of Democracy," in: Anirudh Krishna (ed.), Poverty, Participation and Democracy: A Global Perspective (Cambridge: Cambridge University Press, 2008), pp. 125 - 146.

برزيفورسكي وآخرون، والتي شملت دراسة تأثير التنمية الاقتصادية في النظام السياسي في 141  دولة من خمسينيات القرن الماضي حتى تسعينياته، بأنّه حينم يبلغ إجملي الناتج المحلي للفرد 0004  دولار يصعب أن ترتد الأنظمة الديمقراطية إلى الدكتاتورية، أمّا تحت هذا المستوى فقد لا تستطيع الدولة المحافظة على مؤسساتها الديمقراطية11. ركّزت الأطروحات السابقة على علاقة التنمية الاقتصادية والثروة كشرط سابق لتأسيس الديمقراطية أو استدامتها، بينم اعتبرت دراسات الاقتصاد السياسي أنّ العامل المؤثّر في التحوّل الديمقراطي ليس تحقيق التنمية الاقتصادية والثروة فقط، وإنّا توزيع الثروة على طبقات المجتمع. ومن أشهر الأطروحات في هذا السياق أطروحة دراغون أسيموغلو وجيمس ربنسون عن "الأصول الاقتصادية للدكتاتورية والديمقراطية" التي يحاجّان فيها بأنّ المجتمعات ذات معدلات اللامساواة العالية، يكون التحوّل الديمقراطي فيها مكلفًا لأنّه يتضمّن إعادة توزيع الثروة والسلطة لذلك تلجأ النخب السياسية لقمع المطالب الداعية إلى التحول الديمقراطي. أمّا في المجتمعات التي تتميز بانخفاض في معدلّات عدم المساواة فيكون خيار القمع أعلى تكلفة من خيار إعادة التوزيع عبر التحوّل الديمقراطي بالنسبة إلى النخب الحاكمة، لذلك يتمّ التحوّل الديمقراطي في هذه المجتمعات دون الأولى. ولذلك يرى أسيموغلو وربنسون أنّ عدم المساواة مهدّد للتحوّل الديمقراطي أكثر من الفقر، كم يريان أنّ التحوّل الديمقراطي يتأثّر بالتحوّل الصناعي لأنّ مع التصنيع يتغير شكل "الأصول" التي تمتلكها النخب الاقتصادية لتصبح معتمدة على رؤوس الأموال البشرية والمالية أكثر من الأصول الثابتة؛ مثل العقار والأراضي الزراعية، ومن ثم، يزداد تأثير احتجاجات الطبقة الوسطى التي تقوم بدورين مركزيين في عملية التحول الديمقراطي. أوّلهم هو دور "المحرك" في إشعال الثورة وقيادتها، وثانيهم هو دور "الوسيط" في التسوية السياسية التي تتم بين النخب الدكتاتورية والجمهير المطالِبة بالديمقراطية وهو دور محوري في استقرار الديمقراطية بعد تأسيسها12. وحاجّ الخط الثالث من الأطروحات التي ناقشت علاقة التنمية الاقتصادية بالتحوّل الديمقراطي بأنّ العوامل المؤثِّرة في التحول الديمقراطي لا تتعلق بعدم المساواة الاقتصادية فقط، بل بالأحرى بدرجة تنظيم القوى العاملة والقوى المهمَّشة، وبطبيعة تركيب النخب الحاكمة وتحالفاتها ومصالحها، وهي بذلك تحاجّ، على خلاف أطروحة أسيموغلو وربنسون، بأنّ التحول الديمقراطي يمكن أن يحدث حتّى في المجتمعات ذات معدلّات اللامساواة المرتفعة إذا توافرت شروط التنظيم للقوى العاملة والمهمَّشة. من أبرز الدراسات في هذا الاتجاه دراسات إليزابيث وود Wood Elisabeth حول "الدمقرطة من الأسفلDemocratization from Below "في دولتَي السلفادور وجنوب أفريقيا. ترى وود أن التحوّل الديمقراطي حدث في هذين البلدين على ثلاث مراحل رئيسة؛ ففي المرحلة الأولى تقوم القوى العمّلية والفقيرة بتنظيم صفوفها والدخول في عدد من الإضرابات والعصيان تؤدّي إلى خسائر فادحة في مصالح النخب الاقتصادية. وفي المرحلة الثانية تؤدي هذه الخسائر الفادحة المستمرة إلى شرخ في المنظومة الحاكمة بين النخب الاقتصادية والنخب السياسية، حيث تبدأ النخب الاقتصادية في إعادة التفكير في دعم التحول الديمقراطي بوصفه خيارًا أنسب لمصالحها الاقتصادية وتبدأ في الضغط على النخب السياسية للقبول بالمفاوضات. وفي المرحلة الثالثة، يحدث التحوّل الديمقراطي حينم تقبل القوى العاملة بالانفتاح السياسي في مقابل التنازل عن مطالبهم الاقتصادية، بصورة رئيسة يتم الاتفاق على إعطاء القوى العاملة الحرية الاقتصادية  -  السياسية من دون تغيير يُذكَر في توزيع الثروة13. وأكد، أيضًا، عالم الاجتمع الأميركي بارينجتون مور، في دراسته الشهيرة عن "الأصول الاجتمعية للدكتاتورية والديمقراطية"، أهمية التنظيم للقوى العاملة ودراسة تركيبة النخبة الحاكمة وتحالفاتها14. إحدى الخلاصات الرئيسة التي يمكننا استنباطها من هذه الاتجاهات هي أنّ أي محاولة لإيجاد نظرية عالمية حول التحوّل الديمقراطي وجذوره الاقتصادية يشوبها النقص والقصور، في حين أن التركيز على دراسة حالات/ مناطق معّينة يُخرج نظريات أكثر تماسكًا واتساقًا. على سبيل المثال، من الاعتراضات الرئيسة التي يمكن أن تُذكر على النظريات التي تربط تحقيق التنمية الاقتصادية بالتحول الديمقراطي هو ما حدث في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته حيث شهد كثير من الدول في أفريقيا وفي أميركا اللاتينية معدلّات مرتفعة من النموّ الاقتصادي، ولكنّ ذلك لم يصاحبه انتقال ديمقراطي، أو ما يحدث الآن في دول الخليج العربية التي استطاعت تحقيق معدلّات تنمية اقتصادية معتبَرة، لكنْ من دون حدوث تغيير في أنظمة الحكم

  1. Adam Przeworski et al., "What Makes Democracies Endure?" Journal of Democracy , vol. 7, no. 1 (1996), pp. 39 - 55.
  2. James Robinson & Daron Acemoglu, Economic Origins of Dictatorship and Democracy (Cambridge: Cambridge University Press, 2006), pp. 14 - 47.
  3. Elizabeth Wood, "An Insurgent Path to Democracy: Popular Mobilization, Economic Interests, and Regime Transition in South Africa and El Salvador," Comparative Political Studies , vol. 34, no. 8 (October 2001), pp. 862 - 888.
  4. بارينجتون مور، الأصول لاجتماعية للديكتاتورية والديمقراطية: اللورد والفلاح في صنع العالم الحديث، مع تصدير جديد لإدوارد فريدمان وجيمس سكوت، ترجمة أحمد محمود (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 0082)، ص 27 -.145

السياسية. أمّا بالنسبة إلى النظريات التي تربط التحوّل الديمقراطي بانخفاض معدلّات عدم المساواة مثل أطروحة أسيموغلو وربنسون، فقد أكدت دراسة ستيفن هاغارد وروبرت كوفمن أنّ أكثر من 04  في المئة من حالات الانتقال الديمقراطي التي حدثت خلال الموجة الثالثة من الديمقراطية في الفترة 1980 - 0002  لا تتسق مع الأطروحة15. لذلك يمكننا أنّ نخلص إلى أنّ عدم التجانس الكبير في تجارب التحول الديمقراطي وعلاقته بالعوامل الاقتصادية يجعلان الخروج بنظرية عامّة لهذه العلاقة أمرًا صعبًا، كم يدعونا ذلك إلى القيام بالمزيد من البحث والتحليل لطبيعة البنية السياسية، وتركيبة النخب الحاكمة وتحالفاتها، وتركيبة القوى العاملة ودرجة تنظيمها وتفاعل كل ذلك مع العوامل الاقتصادية لكي نصل إلى فهم دقيق حول طبيعة التحوّل الديمقراطي وعقباته في الدول المعنية بالدراسة. وهذا ما توصّل إليه عدد من الباحثين الدارسين للتحوّل الديمقراطي من منظور مقارن16.

ركّزت كثير من الدراسات العربية التي ناقشت مسائل الديمقراطية في العالم العربي وعلاقتها بالبنية الاقتصادية على مسألة "الدولة الريعية" بصفتها عائقًا هيكليًا للتحوّل الديمقراطي17. ويُقصد بالدولة الريعية هنا تلك الدول التي تعتمد في دخلها القومي، بصورة مركزية، على عائدات من الخارج تأتي في مقابل بيع مادّة خام مثل النفط، وهذه دول ريعية، أو بيع خدمات استراتيجية لدول خارجية أو تحصيل ضريبي من القوى العاملة بالخارج، وهذه دول شبه ريعية، من دون وجود عملة كبيرة موظّفة في الاقتصاد المحلي في إنتاج هذه العائدات. وسبب إعاقة هذه الدولة الريعية التحوّل الديمقراطي هو أنّها تعيق تشكّل المجتمع المدني، ذلك المجتمع الذي يعيد إنتاج ذاته كمجتمع خارج الدولة ويمتلك استقلاليةً نسبية عنها ويقوم بتمويلها عبر الضرائب، وذلك أنّ الدولة حينم تعتمد على موارد مالية قادمة من خارج المجتمع فإنها لا تكون في حاجة إلى أن تتجاوب مع ذلك المجتمع أو أن تعطيه حقوقًا اقتصادية وتمثيلً سياسيًا كاملً. والعكس صحيح؛ فأي دولة تعتمد في عائداتها على الضرائب المدفوعة من المجتمع تكون مضطرة على المدى البعيد ومجبرة على التجاوب والتفاعل مع ذلك المجتمع18. في هذا النمط الريعي، يُعاد تعريف أبسط مكونات الدولة الحديثة؛ مثل الجهاز البيروقراطي أو مشاريع التنمية لتصبح أدوات مضبوطة و"محترمة" لتوزيع جزء من عوائد الرّيع بالقدر الذي يضمن للسلطة السياسية شراء شرعية وجودها أمام المواطنين، وتحييد المجموعات الأكثر تنظيمً في تلك المجتمعات والقادرة على تكوين معارضة للسلطة السياسية القائمة من قبائل وعشائر ومجموعات دينية19. وعلى الرغم من الجدل البحثي والانتقادات التي قُدّمت على مصطلح الدولة الريعية، فالمصطلح ما زال يتمتّع بقدرة تفسيرية عالية، وخصوصًا عند الحديث عن دول الخليج العربية التي تمثّل نسبة عائدات النفط فيها إلى إجملي عائدات الدولة أكثر من 85 في المئة. وأبرز مثال على القدرة التفسيرية لهذا المصطلح هو مرور الربيع العربي بهذه الدول دون إحداث تغيير هيكلي في أنظمة الحكم بمستوياتها المختلفة؛ التشريعية والقضائية والتنفيذية. في المقابل، ليس من الدقّة استعمل مفهوم الدولة الريعية نفسه لفهم التحول الديمقراطي في باقي الدول العربية التي توجد فيها فئات اجتمعية واسعة تعمل في شتّى القطاعات الاقتصادية داخل البلد وخارجه؛ مثل مصر والجزائر وسورية، وبعضها شهد أكثر من حكومة ديمقراطية سابقة، مثل السودان الذي قامت فيه ثورتان ديمقراطيتان في تشرين الأول/ أكتوبر 9651  ونيسان/ أبريل 9841، وبعضها يتمتّع ببنية نقابية ومجتمع مدني ذي تاريخ نضالي وسياسي عريق، مثل تونس. وهذا ما يؤكّده أحد منظري مفهوم "الدولة الريعية"، جياكومو لوتسياني Luciani Giacomo، الذي لا يرى أنّ

  1. Stephan Haggard & Robert Kauffman, "Inequality and Regime Change: Democratic Transitions and the Stability of Democratic Rule," American Political Science Review , vol. 106, no. 3 (August 2012), pp. 496 - 526.
  2. Larry Diamond, "Why Are There No Arab Democracies?" Journal of Democracy , vol. 21, no. 1 (January 2010), pp. 94 - 104; Sean L. Yom & F. Gregory Gause, "Resilient Royals: How Arab Monarchies Hang On," Journal of Democracy , vol. 23, no. 4 (2012), pp. 74 - 88.
  3. للمزيد ينظر: محمد عابد الجابري، في نقد الحاجة إلى الإصلاح (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 005 2)؛ نزيه الأيوبي، تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط، ترجمة أمجد حسين، مراجعة فالح عبد الجبار (بيروت: المنظمة العربية
  4. عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2007 19 الأيوبي، ص.633 - 573
  5. للترجمة،.)2010

نظرية الدولة الريعية تفسّ كلّ شيء، ويؤكّد ذلك عزمي بشارة الذي يرى أنّ أي أطروحة بديلة لمفهوم الدولة الريعية لا بدّ أن تُبنى بعد دراسة دقيقة لبنية اقتصاد الدولة والتكوين المجتمعي، إضافة إلى دراسة طبيعة تركيبة النخب السياسية فيه وطبيعة الخطاب السياسي الذي تتبناه تلك النخب20.

ثالثًا: تحدّيات التحوّل الديمقراطي في ظلّ التحرير الاقتصادي

1 - التحرير الاقتصادي وأثره في العلاقات المدنية  -  العسكرية

ننطلق في هذه الدراسة من مقاربة "المؤسسية التاريخية" التي تقوم في الأساس على مفهوم تبعية المسارPath Dependence والذي يشير إلى "أنّ خيارات الفاعلين تتحقّق عندما تتوافر المؤسّسات أو السياسات المساعدة على ذلك، ولهذه الأخيرة تأثير مقيد يمتد في المستقبل. ويحدث ذلك نظرًا إلى أنّ المؤسسات والسياسات لها قابلية للسكون وعدم الميل إلى التغيير. ولذا، فبمجرّد تكوّن مسار محدّد  - للسياسات أو المؤسسات  -  فإنّ تغييرها إلى مسار آخر يتطلّب جهدًا كبيرًا، وهذا يعني أهمية تأثير التاريخ"21. والحجّة الرئيسة في هذه الدراسة تنصّ على التالي: إضافة إلى فشل هذه السياسات في تحقيق التنمية الاقتصادية، فإنّ سياسات التحرير الاقتصادي قد أدّت إلى ظهور أوليغارشية عسكرية تنشط تحت غطاء مدني، أو إلى تمدّد هيمنة الجيوش العربية من الحقل السياسي لتشمل الحقل الاقتصادي بصورة رسمية، وكانت النتيجة النهائية لهذه الديناميكية تدعيم مواقع هذه الجيوش وزيادة هيمنتها على الحقل السياسي. وتُحَاجّ الدراسة بأنّ هذا التمدّد قد حصل بحسب المراحل الأربع التالية: بسبب الاستعمر الأوروبي للدول العربية، وبسبب اهتممه الرئيس بالنخب العسكرية بوصفها وريثًا شرعيًا خلفًا له، فقد كان الجيش والمؤسسة العسكرية الفاعل السياسي الأقوى والأكثر تنظيمً في الدول العربية في فترة ما بعد الاستقلال التي استمرّت من الخمسينيات حتى أواخر السبعينيات من القرن الماضي. وبسبب انتشار نظرية التحديثModernization Theory وخطابها في دول العالم العربي حينها، كان دور الجيش والمؤسسة العسكرية يقتصر على توفير الحمية والأمن للدولة المركزية، والتي بدورها كانت مسؤولة عن التخطيط الاقتصادي والاجتمعي والسياسي، والتي كانت ترى أنّ مهمّة إدارة الاقتصاد لا بدّ أن تتُرك لبيروقراطية الطبقة الوسطى المدنية. كان قرار الانفتاح الاقتصادي عبر سياسات الإصلاح الهيكلي، الذي تفرضه المؤسسات الدولية، يعني خروج الدولة المركزية من عدد من القطاعات العامّة وتقليص نفوذها وخصخصتها. لكنّ تطبيق هذه الخصخصة على وجه عادل ومحقِّق للتنافسية التي يعتمد عليها النموذج التنموي النيوليبرالي يتطلّب توفير المعلومات حول الفرص الاستثمرية للجميع وأن تتمّ عملية الخصخصة بصورة شفافة وكاملة. وغياب هذه الظروف هو ما يطلق عليه الاقتصاديون عدم تناسق توافر المعلومات Asymmetry Information، ويقصدون بذلك الحالات أو المعاملات التي يمتلك فيها أحد الأطراف معلومات مؤثرة في العملية الاقتصادية ولا يملكها الطرف الآخر، وفي هذه الحالة تكون موازين القوّة في تلك المعاملة لصالح من يملك المعلومات. كم تقتضي سياسات التحرير الاقتصادي وجود أسواق تنافسية تمتلك فيها مؤسسات القطاع الخاص درجةً من الاستقلالية مع امتلاك تلك المؤسسات قدرات تتعلّق بإدارة القطاعات الاقتصادية الكبرى. ويعدّ عدم توافر المعلومات لكلّ الأطراف، وعدم توافر الاستقلالية والقدرات التنافسية لمؤسسات القطاع الخاص من العوامل التي لا تستطيع سياسات السوق الحرّة أن تعمل فيها بتنافسية، وتسبّب هذه الظاهرة فشلً في الأسواق الاقتصاديةMarket Failures ويكون نتيجتها هيمنة الفاعلين السياسيين الأكثر تنظيمً في المشهد على القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية واحتكارها. لأنّ المؤسسة العسكرية كانت هي الفاعل السياسي الأكثر تنظيمً وقوّة منذ الاستقلال، فإنّ ما حدث في أغلب القطاعات التي تمّت خصخصتها هو قيام المؤسسة العسكرية بالدخول فيها والسيطرة عليها سواء بصفة مؤسسية مباشرة، كأن يقوم الجيش أو جهاز الأمن ببناء شركات تابعة له تعمل في القطاع الاقتصادي المعين، أو بصورة غير مباشرة عن طريق دخول الضباط المتقاعدين أو أقربائهم في المجال الاقتصادي واستفادتهم من علاقاتهم السابقة بالمؤسسة العسكرية لمعرفة الفرص الاستثمرية، ومن ثمّ السيطرة على السوق الاقتصادية.

  1. بشارة، في المسألة العربية، ص.80 - 79
  2. حسن الحاج علي أحمد، "مراحل انتقال الثورات العربيّة: مدخل مؤسسي للتفسير "، في: أطوار التاريخ لانتقالي: مآل الثورات العربيّة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 0152)، ص 65.111-

أدّى هذا الأثر المؤسسي، في بنية العلاقات العسكرية  -  المدنية في العالم العربي، إلى خلق نموذج اقتصادي ريعي مشوّه، فلا هو نموذج اش ارركي تمّ فيه تأميم كلي أو جزئي للاقتصاد ولأرباح القطاعات الاقتصادية لصالح مؤسسات الدولة، وليس للمؤسسة العسكرية وكبار ضباطها، ولا هو نموذج نيوليبرالي يعمل وفقًا لقواعد السوق الحرة المعروفة. وبناء عليه، انتفت أي ديناميكية يمكن أن تقود إلى إحداث تنمية اقتصادية، كان هذا على المدى المتوسط. أمّا على المدى البعيد، فإن سيطرة المؤسسة العسكرية وطبقة الضباط إضافة إلى كبار رجال الأعمل على القطاعات الاقتصادية في نموذج ريعي لا تتوافر فيه أساسيات التنافسية، وفي الوقت نفسه لا تقوم فيه الدولة بالإنفاق العام على قطاعات التعليم والصحة ودعم الشرائح الاجتمعية الضعيفة والمهمشة، كل ذلك أدّى إلى تآكل الطبقة الوسطى وزيادة معدلات اللامساواة في تلك البلدان، وإلى تضخم مشاكل الفساد الإداري والمالي والعجز المؤسسي، وهو ما خلق بدوره احتقانًا وغبنًا اجتمعيًا، وكان لا بدّ أن ينتهي وضع هذا النموذج الاستغلالي بثورة سياسية، مثل ثورات الربيع العربي، تطالب بتنمية اقتصادية عادلة وحرية سياسية. لكنّ طول المدّة الزمنية لهذا النموذج المشوه، والذي تعمل المؤسسة العسكرية فيه فاعلًاقتصاديًا مسيطرًا على عدد من القطاعات الاقتصادية، قد خلق تحديًا لمستقبل التحول الديمقراطي؛ حيث إنّ أي حكومة انتقالية قادمة ستواجه صعوبات جمّة في إدارة الملفّات الاقتصادية لأنّ عددًا كبيرًا من الشركات والمؤسسات التي تدير الاقتصاد الوطني لا تستطيع الحكومة السيطرة عليها إلا بالدخول في حرب مباشرة مع المؤسسة العسكرية، وهو أمرٌ صعب الحدوث في الفترات الانتقالية. سنختبر في المباحث اللاحقة هذه الفرضية على أربع دول عربية؛ اثنتان منها تعتبران من دول الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي وهم مصر وتونس، واثنتان من دول الموجة الثانية من الربيع العربي، وهم السودان والجزائر. ولكن قبل ذلك، سنقوم بتعريف موجز لتاريخ سياسات التحرير الاقتصادي وآثارها الاقتصادية والسياسية في دول شمل أفريقيا والشرق الأوسط.

2 - سياسات التحرير الاقتصادي في مصر وتونس والسودان والجزائر

يقوم النموذج الرأسملي  -  النيوليبرالي في التنمية الاقتصادية في مفهومه لنفسه على تقليل تكاليف التبادلات التجارية، وجعل الأسواق أكثر كفاءةً عن طريق رفع كل القيود التجارية سواء كانت من الدولة، مثل الجمرك أو الضرائب، أم من غيرها، مثل الفساد أو المحسوبية، إضافة إلى توفير حقوق الملكية والديمقراطية وسيادة القانون22. ينتهج هذا النموذج منهج "دعه يمرّ، دعه يعمل" فيم يتعلق بالقطاع الخاص، ويُنظر للدولة بوصفها "الحارس الليلي"23State watchman - Night؛ بمعنى أنّ هذا النموذج يعطي القطاع الخاص كثيرًا من أدوار الفاعلية الإيجابية، ويحصر دور الدولة في فاعلية "سلبية" تنحصر في حمية الأمن وتوفير الإطار القانوني لحقوق الملكية بما يخدم القطاع الخاص والسوق في أداء دورها. ينظر هذا النموذج إلى أي توسّع في أدوار الدولة في التخطيط للتنمية والمشاركة في النشاط الاقتصادي على أنه تحرّك في الاتجاه الخاطئ، وسيقلّل من فاعلية السوق الحرة، ويزيد من احتملية حدوث الفساد والمحسوبية وعدم عدالة توزيع الفرص من جانب السياسيين24. كم يؤمن هذا النموذج بأنّ تنفيذ هذه الاستراتيجية سيقود إلى تحوّل ديمقراطي في الدول التي ستتبناها وتحوّل السلطة للمدنيين فيها. وقد تبنّى هذا النموذج الدولي عددٌ من المؤسسات المالية الدولية؛ مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، ودافعت عنه نظريًا وسعت إلى تطبيقه عمليًا في أغلب دول العالم. وتُعت تجربة ما يُعرف ب اررمج الإص ح الهيكلي Structural Adjustment Programsالتي طبّقها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في الدول النامية حول العالم نموذجًا للتجارب العملية لتطبيق سياسات التحرير الاقتصادي، والتي بدأت في أواخر السبعينيات من القرن الماضي واستمرت حتى أواخر التسعينيات. وفي مطلع القرن الحادي والعشرين، تغير عنوان السياسات التي يتبناها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى ما يعرف بأوراق استراتيجية الحدّ من الفقر للبنك الدوليPoverty Reduction Strategy Papers أو ما يعرف بمشاورات المادّة الرابعةArticle IV Consultation التي يصدرها صندوق النقد الدولي بصورة دورية لكلّ دول العالم، إلا أن المضمون لم يتغير كثيرًا عن سياسات التحرير الاقتصادي في الخصخصة واعتبار القطاع الخاص هو المحرك الرئيس للتنمية الاقتصادية25. وتاريخيًا، ظلّ نموذج "إجمع واشنطن" هو المسيطر على نماذج

  1. Daniel Kaufmann, "Rethinking Governance: Empirical Lessons Challenge Orthodoxy," Social Science Research Network (SSRN), 11/3/2003, accessed on 11/4/2020, at: https://bit.ly/2JVUMTc
  2. Thandika Mkandawire, "Thinking about Developmental States in Africa," Cambridge Journal of Economics , vol. 25, no. 3 (2001), pp. 289 - 314.
  3. Robert Bates, Markets and States in Tropical Africa (Berkeley, CA: University of California, 1981).
  4. Rita Abrahamsen, "The Power of Partnerships in Global Governance," Third World Quarterly , vol. 25, no. 8 (2004), pp. 1453 - 1467.

الإصلاح الاقتصادي في الدول العربية منذ الثمنينيات وحتى يومنا هذا، وممّ ساعد على ذلك حاجة كثير من الحكومات العربية إلى التمويل من تلك المؤسسات المالية ومن كبرى الدول الغربية26. من الناحية الاقتصادية، فشلت سياسات الإصلاح الهيكلي في تحقيق التنمية الاقتصادية، بل فاقمت من شدة الأزمة الاقتصادية في هذه الدول؛ فالإحصاءات تشير إلى أنّ الفترة بين 9601  والثمنينيات من القرن الماضي شهدت نموًا في معدّل الدخل الفرديPer Capita Income في أميركا اللاتينية بمعدّل 3.1 في المئة سنويًا، وفي بلدان أفريقيا جنوب الصحراء بمعدل 61. في المئة، أما في الفترة 1980 - 0092، حيث طُبّقت سياسات الإصلاح الهيكلي، فقد انخفضت معدلّات النمو إلى 1 1.  في المئة سنويًا و 0.2 في المئة سنويًا، على الترتيب27. أمّا الدول العربية التي ما زالت سياسات التحرير الاقتصادي هي النموذج المهيمن على اقتصاداتها، فتشير الإحصاءات إلى أنّ نسبة البطالة فيها بلغت 01  في المئة، في مقابل متوسط عالمي 5 5.  في المئة، أمّا في شريحة الشباب والنساء فتبلغ هذه النسبة 62 1.  في المئة و 18 9.  في المئة، على التوالي. كم تستورد الدول العربية أكثر من 50  في المئة من استهلاكها من القمح وتمثّل أكبر مستورد للسلع الغذائية في العالم28، وهو مؤشر لضعف البنية الإنتاجية في هذه الدول وفقرها. وتشير التقارير، أيضًا، إلى أنّ منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا هي أعلى مناطق العالم في معدلات عدم المساواة؛ فالتقرير العالمي لعدم المساواة يشير إلى أن 01  في المئة من السكان في الشرق الأوسط يسيطرون على 61  في المئة من الدخل القومي، وهي النسبة الأعلى في كلّ مناطق العالم29. أمّا من الناحية السياسية، فقد أطلق على الفترة 1990 - 0002  فترة الانتقال الديمقراطي في أفريقيا؛ فمن بين 84  بلدًا أفريقيًا، شهد 43 بلدًا انتخابات رئاسية، انتصرت المعارضة في 21  حالة منها، كم أنّ 14  بلدًا من البلاد التي كان يحكمها نظام الحزب الواحد تحوّلت إلى أنظمة سياسية ذات تعددية حزبية30. على الرغم من ذلك، فقد واجهت تلك الحكومات المنتخبة عددًا من التحديات سببها سياسات الإصلاح الهيكلي نفسها، فالأزمات الاقتصادية التي تسبّبت فيها تلك السياسات كانت من العوامل الرئيسة في إسقاط الأنظمة الدكتاتورية، لكنّها في الوقت ذاته جعلت تلك الأنظمة الاستبدادية تستدين كثيرًا لتسيير شؤون البلاد والحكم، على نحو جعل الحكومات المُنتخَبة ترث اقتصادات مثقلة بالديون الخارجية وتعاني تحديات كبيرة؛ نسبة بطالة عالية، وضعفًا في البنية التحتية والتعليم والصحة.

نتج من سياسات الإصلاح الهيكلي، التي كانت تقوم على تقليل دور الدولة ونشاطها في إدارة الاقتصاد، إضعافٌ لقدرات مؤسسات الدولة وموظفيها، على نحو جعل الحكومات المنتخبة ترث دولً ضعيفةً وعاجزة. وتحت ضغط الديون الثقيلة والتحديات الاقتصادية الكبيرة والضعف المؤسسي لم يكن أمام تلك الحكومات المُنتخَبة إلا اللجوء إلى مزيد من الاقتراض من المؤسسات الدولية لتسيير اقتصاداتها. ولكن، بما أنّ تلك المؤسسات المالية لا تُقرض إلا بتطبيق شروط معينة Conditionalities، فقد أجبرت تلك الحكومات المنتخبة على تنفيذ سياسات اقتصادية واجتمعية معينة تمليها عليها المؤسسات الدولية؛ وهو ما جعل تلك المجتمعات "مجتمعات قادرة على الانتخاب ولكنّها غير قادرة على الاختيار"، ومن ثم، فقد كانت تلك الديمقراطيات التي نشأت في فترة سياسات الإصلاح الهيكلي "فاقدة للقدرة على الاختيار".Choiceless Democracies31

3 - سياسات التحرير الاقتصادي في مصر

بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت عدّة دول عربية تكافح من أجل استقلالها من المستعمر الأوروبي، ونتيجةً لسياسات الاستعمر نفسها

  1. طاهر اللبدي، "أي إصلاحات اقتصاديّة في العالم العربيّ؟"، حبر، 018/11/132، شوهد في 019/7/12:2، في https://bit.ly/2H1xvy2
  2. Ha - Joon Chang, "Institutions and Economic Development: Theory, Policy and History," Journal of Institutional Economics , vol. 7, no. 4 (2011), pp. 473 - 498.
  3. اللبدي.
  4. World Inequality Lab, World Inequality Report 2018 , p. 9, accessed on 11/4/2020, at: https://bit.ly/2yTxgnQ
  5. Nicolas van de Walle, African Economies and the Politics of Permanent Crisis: 1979 - 1999 (Cambridge: Cambridge University Press, 2001), pp. 78 - 79.
  6. Thandika Mkandawire, "Disempowering New Democracies and the Persistence of Poverty," United Nations Research Institute for Social Development, Democracy, Governance and Human Rights, Programme Paper , no. 21 (January 2006), pp. 21 - 25, accessed on 11/4/2020, at: https://bit.ly/2wC8F6g

فقد كانت المؤسسة العسكرية أحد أهمّ الفاعلين السياسيين في الدول العربية حديثة الاستقلال. بعد الاستقلال، كان أول ما قامت به الثورة المصرية بعد قيامها في عام 9521  بقيادة الجيش هو الإصلاح الزراعي الذي صادر الأراضي من كبار الملاك وأعاد توزيعها على الفلاحين. ثم قامت حكومة جمل عبد الناصر بتأميم عدد من المؤسسات وتكوين الاتحاد الاشتراكي العربي، الحزب السياسي المصري الوحيد، في عام 9621. من المهم الإشارة إلى أنّ دور المؤسسة العسكرية وعقيدتها في هذه الفترة كانا مُنصبين على "مصرنة" وتأميم القطاع الصناعي والمالي لصالح الدولة المركزية، وعلى المساهمة في تطبيق السياسات الاشتراكية. ومع أنّ كبار الضباط احتلّوا الكثير من الوظائف العامة، فإنّ المؤسسة العسكرية لم يكن لها أي تحركات في اتجاه امتلاك قطاعات اقتصادية أو التدخل فيها، لذلك لم يهدف عبد الناصر إلى إقامة دكتاتورية عسكرية، وإنّا أراد بناء حكم جمهوري شعبوي مسنود بالجيش. ولأنّه كان يعرف أهمية الجيش السياسية ودوره الانقلابي المحتمَل، فقد أبعد الجيش ليس عن التدخل في القطاعات الاقتصادية فقط، بل عن التدخل المباشر في السياسة ككلّ32. كانت بداية تطبيق سياسات التحرير الاقتصادي في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات متأثرًا بالأزمات المالية وبما كان سائدًا من توجّه عالمي نحو النيوليبرالية، وفي عام 9741  فتح فرص الاستثمر أمام الشركات الأجنبية ودعم سياسات الارتباط بالسوق العالمية من خلال ما أطلق عليه وقتها "الانفتاح". مع ذلك، لم يحدث تغوّل للجيش المصري في القطاعات الاقتصادية في تلك الفترة؛ لأنّ السادات كان يعمل جاهدًا على إضعاف مؤسسة الجيش لصالح مؤسسة "الرئاسة"، وتضمّن هذا الإضعاف إبعاد كبار الضباط عن المناصب في القطاع العام، وتقليل نفقات الجيش، وتغيير العقيدة العسكرية للجيش، وخصوصًا بعد اتفاقية كامب ديفيد33. بعد أن تولى محمد حسني مبارك السلطة في عام 9811، بدأ دخول الجيش المصري في امتلاك مشاريع اقتصادية في عهد المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة الذي كان وزيرًا للدفاع في الفترة 1981 - 9891. لكن بداية التوسع الحقيقي في تطبيق سياسات التحرير الاقتصادي كانت في مطلع التسعينيات، واستمرّ في حكومات مبارك المتتالية؛ عاطف صدقي وكمل الجنزوري وعاطف عبيد وأحمد نظيف. وكان هذا التحوّل يقوم على خصخصة أكثر من 004  شركة عامة وتسريح مئات الآلاف من القوى العاملة فيها. وبسبب غياب عمليات الرقابة والشفافية، قامت هذه الخصخصة بزيادة تمكين الطبقة العسكرية الحاكمة ورجال الأعمل، وزادت سيطرتهم على مفاصل الاقتصاد المصري. وبحسب الإحصاءات الخاصة بالعشرية الأولى من هذا القرن، فإن 03  شركة مصرية مملوكة لكبار رجال الأعمل استحوذت على 04  في المئة من حصّة الاقتراض في البنوك المصرية، كم سيطرت هذه الطبقة الرأسملية على الصناعات المصرية الرابحة: الإسمنت والسراميك والحديد34. فقبل ثورة يناير وتحديدًا في سوق الحديد والصلب، كانت 3  شركات، من أصل 22  شركة، تسيطر على 90  في المئة من إنتاج الحديد في مصر، أمّا سوق الإسمنت فقد سيطرت أربع شركات أجنبية على 87  في المئة من إجملي الإسمنت في مصر، وقل مثل ذلك في باقي الصناعات الغذائية، مثل السكر والمشروبات والمشتقات الحيوانية35. ولم تكتفِ هذه الطبقة الرأسملية بالسيطرة على الاقتصاد فتجاوزته إلى المجال السياسي؛ ففي عام 9951  زادت نسبة رجال الأعمل في البرلمان المصري لتصبح 12  في المئة، ووصلت 22  في المئة في عام 200537. ومع النمو العام في الناتج القومي في السنوات الأولى من القرن الماضي، فإن هذا النمو لم ينعكس إيجابيًا على الأوضاع المعيشية؛ ففي الفترة 2005 - 0082 أصبح 55  في المئة من السكان تحت خط الفقر38. ع صعيد آخر، حدثت تسوية "تاريخية"، في عهد محمد حسني مبارك، بين مؤسسة الرئاسة ومؤسسة الجيش؛ حيث أعطى مبارك الجيش الضوء الأخضر لزيادة امتيازاته الاقتصادية ومواقع الضباط المتقاعدين في دولاب الدولة، وفي المقابل تنازل الجيش عن التدخل في الشؤون السياسية لصالح الرئيس والمخابرات والداخلية. ويتمثل سبب هذه التسوية بأنّ مبارك كان يدرك حقيقة أنّ الجيش هو قاعدته الاجتمعية وقلب قوته السياسية، فمبارك هو نائب الرئيس الذي أصبح رئيسًا بصدفة تاريخية، تمثلت في اغتيال السادات، ولا يمتلك أي مصادر شرعية ولا كاريزما سياسية إلا أنّه ابن المؤسسة العسكرية39. لذلك فقد استفادت المؤسسة العسكرية من سياسات الخصخصة؛ حيث بدأت القوات المسلحة المصرية توغّلها التام في الاقتصاد والبنية البيروقراطية وكلّ المجالات تقريبًا، واستمل مبارك كبار الضباط عن طريق تعيينهم بعد التقاعد في مناصب عليا

  1. عزمي بشارة، الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية (الدوحة/ بيروت:
  2. المرجع نفسه، ص 1.83 - 168
  3. ياسين السويحة، "محاسيب سوريا وم:رر الانفتاح الاقتصادي كإعادة إنتاج للنخب السلطوية"، الجمهوريّة، 018/11/14 2، شوهد في 019/7/12 في:2، https://bit.ly/2OyENNE
  4. مجدي عبد الهادي، "الاقتصاد السياسيّ لثورة يناير في مصر"، لباب، العدد 1 (شباط/ فبراير 0192)، ص 54 -.56 36 السويحة. 37 عبد الهادي، ص.54 - 52
  5. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 0172)، ص 150 -.160
  6. بشارة، الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية، ص.190 - 183

في الوزارات والهيئات الحكومية والشركات المملوكة للدولة. هذا التوغل الشديد للجيش صنع ما أطلق عليه يزيد صايغ "جمهورية الضباط" التي ظلّت تحتفظ بنفوذها السياسي وتأثيرها الاقتصادي؛ حيث استأثرت ب 03  في المئة من الناتج المحلي المصري، بينم تشير تقارير أخرى إلى أن الجيش المصري يتحكم في 45 - 60  في المئة من قطاعات الاقتصاد المصري40، حتى بعد سقوط مبارك، عن طريق اختراق جهاز الدولة والاقتصاد على حدّ سواء، لا على مستوى القيادة فحسب، بل على جميع المستويات الإدارية والبيروقراطية41.

وبعد ثورة يناير، خشي الجيش من ضياع هذه الامتيازات الاقتصادية تحت الحكم الديمقراطي ورقابة البرلمان على ميزانية الجيش، وسعى ليتضمّن الدستور المصري بعد الثورة مواد تنصّ على الحفاظ على امتيازاته الاقتصادية وسيادية قراراته، وأخيرًا، تحالف مع مؤسسة القضاء لمنع قيام نظام ديمقراطي منتخب يمكن أن يجعل للمدنيين سلطة الرقابة على المكون العسكري، وهو ما تمخّض عن انقلاب تموز/ يوليو 0132. وبذلك كان تغوّل المؤسسة العسكرية في الاقتصاد المصري من العوامل المؤثرة في إجهاض التحوّل الديمقراطي في مصر، وهو الأمر الذي ساهمت سياسات التحرير الاقتصادي في حدوثه تاريخيًا ووفّرت له الظروف المواتية.

4 - سياسات التحرير الاقتصادي في تونس

مرّت تونس منذ الاستقلال بثلاث مراحل رئيسة: الأولى، من الاستقلال حتى عام 9701، انتهجت فيها الحكومة سياسات اشتراكية وحدث فيها تحالف الحكومة والنقابات العملية حيث كانت التنظيمت النقابية جزءًا من النظام الحاكم، وكان للاتحاد العام التونسي للشغل وزراء يمثلونه في الحكومة. وكانت المرحلة الثانية من عام 9701 وحتى نهاية حكم بورقيبة في عام 9871، شهدت هذه المرحلة "تعدديةً سياسية"، كم شهدت سياسات تقوم على تطوير السياحة والفلاحة الموجهة للتصدير42. وعلى الرغم من أنّ سياسات التحرير الاقتصادي بدأ تطبيقها في أواخر السبعينيات في العالم العربي عمومًا، فإنها لم تطبّق بصورة كبيرة في فترة بورقيبة؛ وذلك لعامليَن رئيسين: أولهم أنّ النظام الحاكم كان لا يزال يحافظ على توجهاته الاشتراكية ولم يطبّق سياسات الإصلاح الهيكلي بصورة كاملة بل استعاض عنها بتوسيع القطاعين العام والمختلط ممّ تسبّب في خلق فرص تشغيل كبيرة، أكبر ممّ كان يوفّره القطاع الخاصّ نفسه، وزيادة في الطبقة الوسطى، بل إنّ بعض الوظائف مثل أساتذة الجامعات تضاعف عدد العاملين فيها في القطاع العام أكثر من ستة أضعاف مقارنةً بفترة الستينيات، ممّ جعل بعض الباحثين يطلق على هذه الفترة "فترة بناء الطبقة الوسطى" في تونس43. العامل الثاني الذي أضعف من تطبيق سياسات الإصلاح الهيكلي هو انتهاء التحالف بين الاتحاد العام التونسي للشغل والحكومة؛ ما خلق معارضةً شرسةً لسياسات الخصخصة وقيّد قدرة الحكومة على تطبيق سياسات الإصلاح الهيكلي. أمّا المرحلة الثالثة، فهي مرحلة الرئيس بن علي التي شهدت التطبيق الحقيقي لسياسات التحرير الاقتصادي، والتي نتج منها إضعاف للطبقة الوسطى وإحداث تنمية غير متوازنة أدّت إلى تفاقم مشاعر الظلم والحرمان في مناطق الوسط الغربي، وهي المناطق التي تفجّرت منها الثورة. كم ساد مرحلة بن علي بروز شبكة فساد تنتمي إلى الطبقة الحاكمة، من أقارب وأصدقاء الأسرة الحاكمة ورجال الأعمل، إضافة إلى انحسار الأيديولوجيا التحريرية الوطنية للحزب الحاكم، التي كانت تضمن له تأييد فئات عريضة من الشعب التونسي44. على الرغم من تطبيق سياسات التحرير الاقتصادي في عهد بن علي، لم يحدث تغوّلٌ للجيش في القطاعات الاقتصادية، وذلك يرجع إلى ثلاثة عوامل مؤسسية؛ أولها، هو تهميش بورقيبة وبن علي للجيش التونسي وتحييده عن السلطة السياسية وإبعاده عن القطاعات الاقتصادية، خشية ترتيب الانقلابات عليهم. وممّ ساهم في ذلك

  1. Egypt," Government Defence Anti - Corruption Index 2015,
  2. يزيد صايغ، "فوق الدولة: جمهورية الضباط في مصر "، مركز كارنيغي للشرق الأوسط،
  3. أحمد، "مراحل انتقال الثورات العربيّة..."، ص.78 - 77 42 حسين الديماسي، "الأهمية الاجتماعية والسياسية للطبقة الوسطى في تونس"، في: ثورة تونس: الأسباب والسياقات والتحديات (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 0122)، ص 141 -.163 43 أحمد، "مراحل انتقال الثورات العربيّة..."، ص.79 - 78
  4. Transparency International Defence & Security (2015), accessed on 12/7/2019, at: https://bit.ly/3egsnFG
  5. أوراق كارنيغي، آب/ أغسطس 0122، شوهد في 019/07/12:2، في https://bit.ly/34rgacE

أنّ الجيش التونسي تأسّس رسميًا بعد الاستقلال، ولم يكن هنالك جيشٌ وطني ليرث المستعمر كم هو الحال في مصر، والجيش التونسي قام بدور ثانوي في حركة الاستقلال ممّ حرمه من امتلاك الشرعية السياسية للحكم كم هو الحال في الجزائر45. وثاني هذه العوامل هو وجود قوى عمّلية ذات التنظيم والفاعلية منذ فجر الاستقلال، فقد بدأ النشاط النقابي التونسي منذ بدايات العشرينيات في القرن الماضي بين عمّل الرصيف في الموانئ وعمّل المناجم، وكان لقيادات هذا النشاط احتكاكٌ ومعرفةٌ بالحركات الاشتراكية في أوروبا الأمر الذي كان له أثر في تطور هذا النشاط النقابي بإنشاء أول نقابة تونسية في عام 9241. لاحقًا، ساهم الاتحاد العام التونسي للشغل في النضال من أجل الاستقلال ونجح في استقطاب فئات كثيرة من الطبقات الوسطى في المجتمع التونسي، حتى إنّه استطاع لمّ شمل التونسيين وتعيين فقيه بارز من علمء جامع الزيتونة، هو محمد الفاضل بن عاشور (1909 - 9701)، ليكون رئيسًا شرفيًا لهذا الاتحاد في الفترة الأولى من تأسيسه عام 9461، وهو ما يعكس قدرة الاتحاد على تمثيل كلّ فئات المجتمع التونسي وانضممها إليه. وكان الاتحاد مسؤولً عن وضع البرنامج التنموي الرسمي الذي سارت عليه الدولة التونسية في فترة ما بعد الاستقلال، "ومنذ ذلك الوقت، أصبح الاتحاد العام التونسي للشغل أكبر قوّة في البلاد"، وقد كان لهذا الاتحاد دورٌ كبير في إشعال شرارة الثورة التونسية وفي اكتمل المرحلة الانتقالية للثورة46. وثالث هذه العوامل هو النموذج التنموي ذو الشمولية الاجتمعية Inclusiveness مقارنةً بباقي دول المنطقة، فقد حافظت الدولة التونسية على تاريخ صناعي طويل وناجح نسبيًا، وكان نموذجها التنموي يقوم على الأيدي العاملة ويشمل أغلب الشرائح العملية. هذا النجاح في التصنيع كان من أسبابه الرئيسة تبنّي الدولة في مراحلها المبكّرة مشاريع التصنيع القومي الذي بدأ بسياسات إحلال الواردات منذ الستينيات، وبعد ذلك زيادة الشركات العامّة المملوكة للدولة في السبعينيات والتي زاد عددها من 52  شركةً في عام 9601  لتصبح 851 في عام 9701، وفي الفترة نفسها، قفزت مشاركة الدولة في الاستثمر من 2  في المئة لتصبح 34  في المئة. أما في الثمنينيات، في عهد بورقيبة، فقد بدأت تونس تتحوّل نحو الصناعات التي تقوم على الأيدي العاملة intensive - Labor وتمّ افتتاح ما يقارب ال 800  مشروع صناعي على نحو ضاعف القدرات والمهارات العملية. وعلى الرغم من الأزمات المالية والاقتصادية التي أطاحت الرئيس بورقيبة في عام 9871، فإن وجود مسار تراكمي ناجح لسياسات تصنيعية تعتمد على تدخل الدولة هو ما أدى إلى تحقيق نمو اقتصادي جيد جدًا47. وهذا النجاح يمكن تقييمه مقارنة بين حال تونس عند الاستقلال وحالها قبل الثورة التونسية. فعند استقلال تونس في عام 9561 كان عدد الشركات التونسية لا يتجاوز ال 902  شركة و 85  في المئة منها يملكها أجانب، وكانت أغلبية الأيدي العاملة الوطنية في القطاع الزراعي والتجاري. في المقابل، منذ مطلع عام 9961  استطاعت تونس أن تقوم بتثبيت معدّل نموّ يقارب ال 5  في المئة لما يقارب ال 51 عامًا، وقفز التصنيع من 2  في المئة ليصبح 34 6.  في المئة من الاقتصاد التونسي، بينم أصبحت المنتجات الصناعية تشكّل أكثر من 75  في المئة من صادرات تونس في عام 0092. هذا المشروع التصنيعي الذي كان يقوم على الأيدي العاملة أدى بصورة مباشرة إلى تكوين طبقة وسطى قوية تشكّل غالبية في المجتمع التونسي، وذلك أن 80  في المئة من السكان التونسيين يتم تصنيفهم على أنهم من الطبقة الوسطى، ونسبة السكان التي تعيش تحت خط الفقر كانت أقلّ من 3 8.  في المئة في عام 200548. أدّت هذه الأسباب الثلاثة مجتمعةً إلى إضعاف أثر سياسات التحرير الاقتصادي، ومنعت دخول المؤسسة العسكرية في الاقتصاد التونسي. وقد أكّدت مؤشّات قياس الفساد أنّ الجيش التونسي بعيد تمامًا عن تكوين مصالح اقتصادية أو مالية سواء على مستوى المؤسسة أو مستوى كبار الضباط، كم لم يثبت وجود أي فساد اقتصادي غير مباشر في طريقة توزيع مقاولاته. وهذا المنع من التغوّل الاقتصادي منصوصٌ عليه قانونيًا، فالمادة 03  من القانون رقم 67 - 02  الصادر منذ عام 9671  تحظر على الجيش القيام بنشاطات تجارية أو ممرسة نشاط خاص مقابل أجر، كم تحظر على الضباط تولّ المناصب الإدارية في الشركات التجارية. وبسبب ما ذكر، فإن مؤشرات الفساد العالمية تشير إلى أنّ الجيش التونسي هو الأفضل في كل منطقة شمل أفريقيا والشرق الأوسط من ناحية الشفافية السياسية والاقتصادية49.

  1. شاران غريوال، "ثورة هادئة: الجيش التونسي بعد بن علي"، مركز كارنيغي للشرق
  2. مولدي الأحمر، "النشاط النقابي وتحديات المرحلة الانتقالية في سياق 'الربيع العربي': مثال الاتحاد العام التونسي للشغل"، سياسات عربية، العدد 03 (كانون الثاني/ يناير 2018)، ص.44
  3. Tilman Altenburg, "Can Industrial Policy Work under Neopatrimonial Rule?" United Nations University  -  World Institute for Development Economics Research, German Development Institute, Working Paper , no. 2011/41 (August 2011), pp. 16 - 18, accessed on 12/4/2020, at: https://bit.ly/3b0qf2A 47  Ibid., p. 16.
  4. الأوسط، 016/2/242، شوهد في 019/7/12:2، في https://bit.ly/3ccfomw
  5. Tunisia," Government Defence Anti - Corruption Index 2015, Transparency International Defence & Security (2015), accessed on 12/7/2019, at: https://bit.ly/3egkWOu

5 - سياسات التحرير الاقتصادي في السودان لعلّ أبرز ما يميز هذه المرحلة من تاريخ السودان هو عدم وجود نموذج اقتصادي محدّد، وخصوصًا مع التقلّبات السياسية التي حدثت في هذه الفترة من صراع سياسي بين القوى الديمقراطية، وانقلابات عسكرية، وثورات سياسية تعيد المسار الديمقراطي، وصراع سياسي بين القوى الديمقراطية ثمّ انقلابات عسكرية، ويتخلّل كلّ ذلك محاولاتٌ انقلابية فاشلة. ولذلك لم يكن المؤرخ بيتر ودوارد مخطئًا حينم سمّى كتابه الذي يناقش تطوّر الدولة في السودان منذ بداية الحكم الثنائي حتى انقلاب 03  يونيو 989 1  ب السودان: الدولة المضطربة 1898 - 198950. في فترة الديمقراطية الأولى (1958 - 9561)، على سبيل المثال، كانت هنالك ثلاث حكومات؛ الأولى برئاسة الرئيس إسمعيل الأزهري (1965 - 9691)، ولم تكمل هذه الحكومة خمسة شهور حتى تغيرت في تموز/ يوليو 9561  بحكومة ائتلافية بين حزبَ الأمة والشعب الديمقراطي وترأسها عبد الله خليل (1956 - 9581)، ثم تكوّنت حكومة جديدة للتحالف نفسه في آذار/ مارس 9581  برئاسة عبد الله خليل أيضًا. كان هذا التحالف مصطنعًا ويهدف فقط إلى إزاحة إسمعيل الأزهري وحزبه عن السلطة، كم كان هنالك تناقض بين طرفي التحالف فيم يتعلّق بالسياسات الرئيسة ولم يتحقّق تنسيق بين الوزارات. شكّلت هذه التقلّبات السياسية وصراعات البيئة الملائمة لانقلاب الفريق إبراهيم عبود (1958 - 9641) في عام 9581. أمّا فترة الديمقراطية الثانية (1964 -  9691) فلم تختلف كثيرًا عن الديمقراطية الأولى حيث تعاقبت ثمان من الحكومات المختلفة في حكم السودان نتيجة للصراعات السياسية بين الأحزاب السودانية، وهو ما مهّد مرّة أخرى لانقلاب جعفر نميري (1969 - 9851) في أيار/ مايو 9691، ولم تختلف الديمقراطية الثالثة (1985 - 9891) كثيرًا عن الأولى والثانية حيث تعاقبت فيها ثماني حكومات وائتلاف كذلك على حكم البلاد وللسبب السابق ذاته، وانتهت النهاية ذاتها بانقلاب الإنقاذ في 198951. طوال هذه الحقبة، لم يكن للجيش السوداني أي مصالح في القطاعات الاقتصادية، فقد كان عبود والضباط الذين قاموا بانقلاب عام 9581  من المحافظين الذين تربّوا على الثقافة التنظيمية البريطانية التي كانت تَعُدّ الجيش بمنزلة منظمّة ذات انضباط عال لكنّها غير مسيسة52. أمّا بالنسبة إلى نظام نميري العسكري، فعلى الرغم من أنّ تكوين كبار ضباطه وانتمءهم كانا مختلفيْ عن الحكم العسكري الأول، وكان يهدف إلى إحداث تغييرات اقتصادية وسياسية واجتمعية في السودان، فإنّ المحاولة الانقلابية التي قادها الرائد هاشم العطا في عام 9711، بدعم من بعض أعضاء الحزب الشيوعي السوداني، قد غيرت رؤية نميري لكلّ النموذج وسياساته، فتراجع عن مشروع التأميم، كم تغيرت رؤيته لطبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه الجيش في حكمه، فسعى نميري جادًا لتغيير عقيدة الجيش السوداني حيث اضطر ضباط الجيش إلى تغيير أداء القسم من الدفاع عن الأمة والأراضي السودانية إلى الدفاع عن النظام الحاكم، كم أنشأ نميري "جهاز أمن الدولة" وهو ما يعرف اليوم بجهاز الأمن والمخابرات في عام 9781  واعتمد عليه بصورة متزايدة لحميته من أي تمردّ محتمل من الجيش السوداني53. واحتفظ نميري لنفسه بسلطة تعيين رئيس هذا الجهاز وضبّاطه، وذلك للتأكّد التام من ولائه وعمله على حميته. إضافة إلى ما سبق، اعتمد نميري على جهاز الأمن في البطش بكلّ المخالفين والمعارضين السياسيين للنظام، وبلغت قوّة الجهاز أن أصبح المؤسسة السياسية الأولى في البلاد حتى إنّ اللواء عمر محمد الطيب، رئيس جهاز أمن الدولة، كان يشغل في الوقت نفسه منصب نائب رئيس الجمهورية وكان هو الشخصية الأقوى في السودان بعد نميري، لذلك لم يكن من المستَغرَب أن يكون أول القرارات التي صدرت بعد ثورة أبريل 9851  قرار "تصفية جهاز أمن الدولة"54. وعلى الرغم من أن نميري أنشأ المؤسسة الاقتصادية العسكرية في عام 9821  لخدمة ضباط الجيش وتقديم المواد الاستهلاكية والسيارات لكبار ضباط الجيش وإرضاء الضباط المتقاعدين بإعطائهم أراضي زراعية لإبعادهم من السياسة، "فإنّ الجيش السوداني لم يمتلك أي مصالح تجارية أو اقتصادية" وإنّا تمّ تقديم كلّ ذلك لإرضاء قادة الجيش في مقابل السلطة والنفوذ المتنامي لجهاز أمن الدولة، كم أنّ هذه المؤسسة حلّتها في عام 9871  حكومة الأحزاب55. عندما وصلت حكومة الإنقاذ إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري في عام 9891، بتحالف بين الحركة الإسلامية السودانية وضباط في الجيش السوداني، كانت تبشّ بمشروع سياسي تحت اسم "المشروع الحضاري"، وكان مفهوم "التمكين" جزءًا رئيسًا من خطاب الإنقاذ

  1. ينظر على سبيل المثال: بيتر ودوارد، السودان: الدولة المضطربة 1989 - 1898، ترجمة
  2. حسن الحاج علي أحمد، "الانقلاب العسكري بمنزلة عملية سياسية: الجيش والسلطة
  3. المرجع نفسه، ص.55
  4. Atta El - Battahani, "The Sudan Armed Forces and Prospects of Change," CMI Insight , no. 3 (April 2016), pp. 1 - 9. 53 حنان بدوي، "من حل جهاز أمن الدولة 985 1؟"، سودانيز أونلاين، 2009/2/9، شوهد في 020/1/17:2، في https://bit.ly/387VqYo 54  El - Battahani, p. 3.
  5. محمد علي جادين (أم درمان: مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية،.)2002
  6. في السودان"، سياسات عربية، العدد 24 (كانون الثاني/ يناير 0172)، ص 52 -.62

وممرسته في تلك الفترة، وقُصد به احتكار السلطة السياسية والمناصب الإدارية والفنية لكوادر الحزب وإقصاء المخالفين من الأحزاب أو الأيديولوجيات الأخرى. كم كان للتمكين شقّ اقتصادي يقضي بتدخل الحزب والمؤسسة العسكرية في المجالات الاقتصادية كجزء من عملية التمكين. وفي سبيل تحقيق هذا التمكين الاقتصادي كان تطبيق سياسات التحرير الاقتصادي في السنوات الأولى من عهد الإنقاذ السبيل الرئيس لتغوّل الحزب والمؤسسة العسكرية في القطاعات الاقتصادية. فتحت دعوى الخصخصة والتحرير الاقتصادي قامت حكومة الإنقاذ بقيادة وزير المالية عبد الرحيم حمدي بتصفية عدد كبير من مؤسّسات القطاع العام وبيعها، وتمّ تحديد 732  مؤسسة في المرحلة الأولى من مراحل الخصخصة ونتج من ذلك تشريد 8934  من العاملين56. لكنّ المفارقة تكمن في أنّ أغلب تلك الشركات التي تمّت خصخصتها جرى تحويل ملكيتها عبر استغلال "العلاقات والمعلومات" لأفراد يتبعون للنظام الحاكم58، وفي الوقت نفسه تم إنشاء قرابة 600  شركة تجارية عامّة تابعة لوزارات اتحادية وللأجهزة الأمنية والجيش لا تخضع لمراقبة المُراجع العام، وتتمتّع بحرية الصرف خارج الميزانية الرسمية للدولة. كانت هذه الشركات تمثل غطاءً للنشاط التجاري لكبار الولاة والضباط في الجيش والأمن59، وكانت تعمل في كل القطاعات الاقتصادية.

وإذا استثنينا فترة 1996 - 0002، فقد ظلّ النموذج الريعي القائم على سياسات التحرير الاقتصادي المشوّهة مسيطرًا على السودان، وخصوصًا بعد استخراج النفط بكميات تجارية في عام 9981، وقد كان لهذا النموذج آثار سلبية في الأوضاع الاقتصادية، وفي عدالة توزيع الثروة والدخل بين الأفراد وبين المناطق الحضرية والريفية، كم أدّى إلى تآكل الطبقة الوسطى. ولذلك لم يكن مستغربًا التصريح الذي صدر عن وزير التجارة والصناعة قبل شهرين من ثورة ديسمبر، حين قال إنّ السوق السودانية لا تقوم على أساس المنافسة الحرّة، وأشار إلى أنّ هنالك ستة أشخاص يتحكّمون في تجارة السكر والتمويل المصرفي لتلك التجارة، كم أشار إلى 11  شخصًا، 5  منهم كانوا قادة في الحزب الحاكم، بينهم سياسيون يتحكّمون في سوق الإسمنت60. أمّا بخصوص أثر هذه السياسات في باقي المؤشرات الاقتصادية، فنسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر تجاوزت 46 5.  في المئة في عام 200961، وبحسب الإحصاءات الأخيرة لوزارة المالية بلغت هذه النسبة أكثر من 65  في المئة في عام 202062. وتشير دراسة أُجْريت قبل شهر من الاحتجاجات الأخيرة إلى أنّ تكلفة المعيشة الشهرية تجاوزت ال 52181  جنيهًا سودانيًا، بينم يبلغ الحدّ الأدنى للأجور 542  جنيهًا سودانيًا، أي إنّه يغطّى 2 8.  في المئة فقط من تكاليف المعيشة الحالية63. على صعيد آخر، في ظل سياسات التحرير الاقتصادي حدث تغيير جوهري لمؤسسة الجيش في عهد الإنقاذ؛ فأول مرة في تاريخه يبدأ الجيش في التغول والدخول في القطاعات الاقتصادية. ومع صعوبة توافر المعلومات والتقارير حول المصالح الاقتصادية للجيش في عهد الإنقاذ، يمكننا أن نحدّد عددًا من المجالات الاقتصادية التي يمتلك الجيش السوداني فيها نصيبًا معتبرًا ومؤثّرًا؛ على سبيل المثال، في مجال الصناعات يمتلك الجيش مجموعة التصنيع الحربي، وهي مجموعة شركات تعمل في كلّ مجالات التصنيع إضافة إلى البحوث التقنية والإلكترونية. وفي مجال التصنيع يمتلك الجيش أيضًا "مجمّع سارية للصناعات والأحذية"، و"شركة سونا غاز" المتخصّصة في غاز الوقود، و"مجموعة شركات ومحطات بشائر للبترول ومشتقاته"، كم يملك الجيش مصانع لتعليب الفاكهة والخضروات، ومصانع للزيوت والصابون. وفي مجال التصنيع يمتلك الجيش أيضًا مجموعة

  1. عطا البطحاني، "نقاش ورقة بعنوان: الاقتصاد السوداني 60 عامًا"، مجموعة آلاء الثقافية، موقع يوتيوب، 016/12/172، شوهد في 020/4/12:2، في https://bit.ly/2xrUAIX
  2. التجاني عبد القادر، نزاع الإسلاميين في السودان: مق لات في النقد والإصلاح (الخرطوم: مطبعة الصلحاني، 0082)، ص 134 -.151 57 البطحاني.
  3. وزير الصناعة: شبكتان من 7(1) شخصًا تتحكمان في تجارة السكر والإسمنت"، موقع النيلين، 018/10/172، شوهد في 020/2/6:2، في https://bit.ly/3eeAFOd
  4. United Nations Development Programme, "About Sudan, Sudan: The Land and the People," accessed on 6/2/2020, at: https://bit.ly/386zywG
  5. شوقي عبد العظيم، "وزير المالية السوداني يُلوحّ بالاستقالة ويتمسك برفع الدعم التدريجي عن المحروقات"، صحيفة التغيير، 020/1/22، شوهد في 020/1/19:2، في https://bit.ly/2Us30sK
  6. في دراسة عن الأجور تجمع المهنيين السودانيين: ")1(، الحزب الشيوعي السوداني، 018/11/152، شوهد في 019/7/12:2، في https://bit.ly/2uqpbF7

شركات جياد لتصنيع السيارات والشاحنات وقطع الغيار، كم يمتلك "مجموعة الصافّات القابضة للطيران" المتخصصة في تصنيع وصيانة الطائرات وقطع غيارها. ويمتلك الجيش أكبر مصنع نسيج في السودان، وهو "مصنع سور لصناعات الغزل والنسيج". أمّا في مجال المالية والتأمين، فيمتلك الجيش "شركة شيكان للتأمين وإعادة التأمين" التي تُعتبَر من أكبر شركات التأمين على مستوى السودان، كم يمتلك الجيش بنك أم درمان الوطني ثاني أكبر بنك في السودان بعد بنك الخرطوم. وفي مجال الإنتاج الزراعي والحيواني، يمتلك الجيش شركة الاتجاهات المتعدّدة المحدودة، وهي شركة قابضة تتحكّم في تصدير نسبة معتبرة من الصادرات الزراعية والحيوانية السودانية، وتحتوي بداخلها ست شركات تتخصّص كلّ واحدة منها في تصدير المنتجات التالية: لحوم الأبقار، لحوم الأغنام والجمل، المنتجات الجلدية، الأسمك والبحريات، الدواجن والطيور، الأعلاف والمنتجات البستانية. كم يمتلك الجيش "شركة زادنا القابضة" التي تعمل في المنتجات الزراعية كذلك، إضافة إلى عدد من المشاريع الزراعية في السودان. أمّا في مجال المقاولات والإنشاءات، فيمتلك الجيش العديد من الشركات المتخصصة في الإنشاءات والمقاولات، مثل "شركة بروج الاستشارية"، و"شركة شواهق الهندسية"، و"شركة الأشغال الهندسية"، و"شركة النصر للإسكان"، و"شركة روينا للإنشاءات"، و"شركة عزة للنقل". وفي مجال الخدمات الطبية والمستشفيات، يمتلك الجيش السوداني ما يُعرف بالصندوق القومي لتطوير الخدمات الطبية ويتضمن عددًا من الشركات المتخصّصة في صناعات الأدوية والمعدات الطبية، من ضمنها "شركة علياء". كم يمتلك الجيش عددًا من الشركات الأخرى التي تعمل في كلّ القطاعات التجارية والاقتصادية، مثل "شركة الحلول المتكاملة"، و"شركة أقلام للدعاية والإعلان"، وغيرهم من الشركات. ومع غياب معلومات دقيقة حول إنتاج هذه الشركات وحجم تأثيرها في الاقتصاد السوداني فإنّه من الصعب تحديد أثرها ومقدار سيطرتها على الإنتاج السوداني، لكن عمومًا يمكننا القول إنّ هذه الشركات ليست شركات هامشية أو لا وزن لها في القطاعات الاقتصادية الحيوية، بل يبدو أنّها قادرةٌ على دفع مصروفات الحكومة كم صرّح رئيس المجلس العسكري الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، في معرض حديثه عن طريقة إدارة المؤسسة العسكرية للبلاد في الفترة الانتقالية، قائلً: إنّ المجلس العسكري يدير اقتصاد البلاد من موارده الخاصة64، وبحسب وزير المالية فقد وافقت مجموعة شركات المنظومة الدفاعية، التصنيع الحربي، على دعم الحكومة الانتقالية بمبلغ 2  مليار دولار65، وهذا المبلغ يمثّل 52  في المئة من العجز المالي لكلّ الفترة الانتقالية في السودان. جديرٌ بالذكر هنا، أنّ هذا المبلغ دفعته مؤسسةٌ واحدة فقط من مؤسسات الجيش السوداني. بل بحسب تصريحات الوزير السابق موسى كرامة، فإنّ هذه الشركات الرمادية تستهلك ما يقارب 82  في المئة من موارد الموازنة العامة66. وممّ يؤيد ذلك ما ذكره التقرير الصادر عن منظمّة الشفافية الدولية بأنّ هنالك ما لا يقلّ عن 601  شركة مسجّلة خاضعة لسيطرة المؤسسة العسكرية والأمنية، بل إنّ تغوّل الجيش في الاقتصاد قد أصبح قانونيًا ومؤسسيًا، فالمادّة 94  من قانون القوات المسلحة قد سمحت للجيش صراحةً بإنشاء "أي مشاريع اقتصادية أو استثمرية" يراها الجيش مناسبةً، وأن يكون ذلك تحت الإشراف المباشر لوزير الدفاع، وسوى هذه المادة فلا توجد أي لوائح أو ضوابط موجّهة لدخول الجيش في القطاعات الاقتصادية والاستثمرية67. يصح قول الأمر نفسه عن جهاز الأمن والمخابرات في عهد الإنقاذ، فقد تحوّل جهاز الأمن والمخابرات الوطني تحت إدارة الفريق أول صلاح قوش، وبوجود سياسات التحرير الاقتصادي كأرضية قانونية، إلى فاعل اقتصادي رئيس في السوق السودانية، وهو ما جعله يضمن بنفوذه وسلطاته عددًا معتبرًا من عطاءات الدولة وينافس بشركاته واستثمراته كبار الشركات الأخرى68.

6 - سياسات التحرير الاقتصادي في الجزائر

تعود جذور سيطرة الجيش على السياسة في الجزائر إلى السياقات التي نشأت فيها الدولة الوطنية الجزائرية، فقد كان الدور المهم الذي قام به الجيش في فترة تحرير الجزائر هو ما أعطى المؤسسة العسكرية وزنها في المخيال الاجتمعي ومكّنها من اكتساب شرعية سياسية وتاريخية وسمح لها بالسيطرة على المؤسسات السياسية لاحقًا. وقد أكّدت كلّ الدساتير التي صدرت بعد عام 9631 على سيطرة الجيش، على المؤسسات السياسية وسمحت له بإدارة الاقتصاد والمجتمع. وفي هذا السياق، كان الانقلاب الذي قام به قائد أركان الجيش هواري بومدين (978-19651) في حزيران/ يونيو 9651 على الرئيس أحمد بن بلة (965-19631) استمرارًا لسيطرة الجيش

  1. العسكري: ندير الاقتصاد بأموال الجيش والدعم السريع"، موقع النيلين، 019/6/292، شوهد في 020/2/6:2، في https://bit.ly/2yKVLmX
  2. عبد العظيم.
  3. سليمان بلدو، "عندما تقود السياسات الرعناء إلى الانتحار الاقتصادي: السودان نموذجًا "، مشروع كفاية، 018/11/152، شوهد في 020/1/17:2، في https://bit.ly/2GX1YwT
  4. Sudan," Government Defence Anti - Corruption Index 2015, Transparency International Defence & Security (2015), accessed on 12/7/2019, at: https://bit.ly/34wtOet
  5. مجدي الجزولي، "القوى المسلحة في السودان: سلطة العنف"، سودان تربيون، 019/1/152، شوهد في 020/4/12:2، في https://bit.ly/2JVPlUq

على المجال السياسي بعد أن حاول الأخير الاستفراد بالسلطة وفك الارتباط بين الرئاسة والجيش. كان حكم بومدين في الجزائر شبيهًا بحكم عبد الناصر في مصر من حيث وجود مشروع تحديث اشتراكي قومي يحارب الإقطاع والبرجوازية ويقوم بتأميم بعض الصناعات، مثل المحروقات، يؤسّس المصانع وينشر التعليم والصحة، وهو ما أدّى بدوره إلى زيادة حجم الطبقة الوسطى الجزائرية وتطورها. كانت وفاة بومدين فاتحة لمرحلة سياسية جديدة في تاريخ الجزائر، فبعد أن رأت النخب العسكرية كيف يمكن أن يؤثّر الرئيس صاحب الكاريزما والتأثير في نفوذهم، اتفقت على اختيار شخصية عسكرية تفتقر إلى الطموح السياسي لمنصب رئيس الجمهورية وقد وقع الاختيار على العقيد الشاذلي بن جديد (992-19791)، الأعلى رتبةً في الجيش وقتها، والذي توافرت فيه الصفات المطلوبة. على الرغم من أنّ دخول الجيش الجزائري في الاقتصاد بدأ منذ حقبة ما بعد الاستقلال، فإنّ درجة تغوّله في فترة بومدين لا تكاد تُذكر. حيث لم تكن السيطرة والحكم في يد الجيش، بل في يد الرئيس بومدين، وهو الذي أعاد تشكيل الجيش ليخدم مؤسسة الرئاسة والدولة المركزية وليس العكس، ولهذا السبب تحديدًا عمدت المؤسسة العسكرية بعد وفاة بومدين إلى اختيار شخصية عسكرية لا تملك طموحًا سياسيًا. عمل بن جديد على تطبيق حزمة إصلاحات اقتصادية تضمّنت إعادة تأهيل القطاع الصناعي الخاصّ المحلي وقدّم قانونًا جديدًا للاستثمر في عام 9821 يهدف إلى استعادة روح المبادرات الخاصة من خلال تشجيع التوفير وتقديم الضمنات والقروض والإعفاءات الضريبية. عمومًا، لم يختلف نموذج بن جديد الاقتصادي والسياسي كثيرًا عن نموذج بومدين من حيث الاعتمد على الدولة في تخطيط الاقتصاد والمضي قدمًا في مشروع التحديث الوطني. وعلى الرغم من حرصه على المؤسسة العسكرية، لم تشهد فترته أي ازدياد كبير في تغوّل الجيش، حيث إنه كان مهتمًّ بعمليات تحديث الجيش الجزائري وتسليحه وفقًا للمعايير العصرية، أي إنّه كان متأثرًا برؤية التحديث للجيش، وظهر هذا جليًا في الانفتاح السياسي الذي قام به بن جديد بعد انتفاضة عام 9881، وهو ما أغضب كبار ضباط الجيش من الرئيس وجعلهم يطالبونه بالاستقالة. وبعدها فتح الجيش النار على الشباب الجزائري المعارِض والمطالِب بإصلاحات اجتمعية - اقتصادية، ثم في كانون الأول/ ديسمبر 9911 ألغى الجيش نتائج الانتخابات التشريعية التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ودخلت البلاد بعد ذلك في حرب أهلية استمرّت سنوات وأطلق عليها اسم "العشرية السوداء". وعلى الرغم من أنّ قدرة الجيش على إنهاء تلك الحرب قد أعادت له الكثير من الشرعية السياسية، فإنه أصبح واضحًا أنّ استمرار الحكم بالآليات السابقة نفسها أصبح مستحيلً، وأصبح السؤال الأكثر إلحاحًا على النخبة العسكرية هو كيفية نجاح المؤسسة العسكرية في إعادة إنتاج نفسها وإحكام سيطرتها على المجال السياسي بصورة تامّة كم كان الحال قبل أواخر الثمنينيات. اعتمدت النخبة العسكرية، في تعاملها مع التحدي السابق، على استراتيجية إدارة المشهد السياسي والاقتصادي من وراء الكواليس، ممّ أكسبها فرصةً للمناورة وتجنّب المحاسبة، مع إظهار تغييرات كبيرة على مستوييَن: في المجال السياسي حدث التغيير بالتخلّ عن منهجية الحزب الواحد وتبنّي التعددية السياسية، أمّا في المجال الاقتصادي فقد حدث ذلك بالتخلي عن التوجّهات الاشتراكية السابقة لصالح انفتاح اقتصادي انتقائي يحتذي نموذج الليبرالية الجديدة. في الواقع لم يكن هنالك تعدديةٌ سياسية حقيقية كم لم يكن هنالك انفتاح اقتصادي حقيقي، وكان الجيش الجزائري طوال سنوات التعددية السياسية هو الذي يختار مرشّح الرئاسة قبل دخوله للانتخابات العامة المحدّد نتائجها سلفًا. فالجيش هو الذي اختار اليامين زروال (999-19951) ثم من بعده عبد العزيز بوتفليقة (019-19992)، وهو الذي سمح بتغيير الدستور الجزائري ليمكن بوتفليقة من تولّ فترة رئاسية ثالثة، وراهن على بوتفليقة عندما ترشّح للفترة الرئاسية الرابعة بسبب قابليته الصحية للاستمرار وقتها، وهو الذي أزاحه من المشهد في عام 0192 لأنّه لم يكن قادرًا على الاستمرار69. وقد كان تغوّل جنرالات الجيش في الاقتصاد، عبر سياسات التحرير الاقتصادي الانتقائي، الأداة التي وفّرت الموارد والظروف المؤسسية التي جعلت هؤلاء الجنرالات يسيطرون على المشهد السياسي عن طريق تكوين نخبة اقتصادية تشترك مصالحها مع سيطرة الجيش على المجال السياسي. كم أنّ عبد العزيز بوتفليقة كان معروفًا بتوجهاته الليبرالية وميوله إلى القطاع الخاص منذ السبعينيات، الأمر الذي جعله الشخص المناسب ليتولى رئاسة الجزائر في أجواء عالمية تبحث عن رئيس بهذه المواصفات70. ومن الأمثلة الجديرة بالذكر هنا، ذلك التغيير الذي طرأ على قطاع الأدوية، فحتّى عام 9951  كان هذا القطاع تابعًا لمؤسّسات الدولة العامّة، أمّا اليوم فيسيطر ما يقارب 01  أفراد من ذوي الصلات الوثيقة بالنخبة العسكرية عبر شركاتهم الخاصة على 85  في المئة من هذا القطاع.

  1. الجيش والسياسة: دراسة حالات الجزائر وم وليبيا والسودان"، مركز كارنيجي للشرق الأوسط، موقع يوتيوب، 29 5/ 019/2، شوهد في 12 7/ 019/:2، في https://bit.ly/2 umH4 Vi
  2. دالية غانم، "الحد من التغيير عبر التغيير: ما وراء ديمومة النظام الجزائري "، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، دراسة، 018/5/8 2، شوهد في 019/7/12 في:2، https://bit.ly/2SkXky8

فمثلً "يتولّ مصطفى أيت عجاجو إدارة المختبر الجزائري لتصنيع الأدوية، وهو مقاول بارز في القطاع العسكري، معروف بالعلاقة التي تربطه بمحمد العمري، قائد الأركان السابق في الجيش الجزائري. وبالمثل، يملك أفراد من عائلة الجنرال محمد غنيم، الأمين العام السابق لوزارة الدفاع، شركة "أبوتكس" Apotex للأدوية، في حين تملك ابنة الرئيس السابق لقسم مكافحة التجسّس والأمن الداخلي، إسمعيل العمري، شركة "فارماليانس" Pharmalliance71 من أجل دعم إعادة انتخاب بوتفليقة لفترة رئاسية رابعة. وبعد تلك الحملة بشهور، تمّت مكافأة حداد بتنصيبه رئيسًا لمنتدى رؤساء المؤسسات72 بحضور عدد من قادة الحكومة. أخيرًا، مثلم حدث في مصر والسودان وسورية، ساهمت سياسات التحرير الاقتصادي في زيادة معدلّات عدم المساواة في الجزائر؛ فبحسب دراسة قامت بها الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان في عام 0162  وجدت أن 01  في المئة من السكان في الجزائر يستولون على أكثر من 80 في المئة من الثروة73، ويقول محمد السعدي: "مع بداية سياسات التحرير الاقتصادي والخصخصة، بدأ تغلغل العسكريين وتحكّمهم في الكثير من القطاعات الاقتصادية والاجتمعية، وتحوّلوا إلى مقاولين اقتصاديين، وانخرطت المؤسسة العسكرية أحيانًا في الاقتصاد القومي عبر نشاطات إنتاجية وخدماتية تدعم ميزانية الجيش"74، كم ينص التقرير الصادر عن منظمة الشفافية الدولية والخاص بالمؤشر الحكومي لمكافحة الفساد في قطاع الدفاع لعام 0152  على أنّه: "منذ تطبيق سياسات التحرير الاقتصادي في العام 9941، تمكّنت النخب الجزائرية، بما في ذلك عددٌ كبيرٌ من كبار الضباط في المؤسسة العسكرية، من احتكار قطاعات اقتصادية في الجزائر "....75. حاولت هذه الدراسة بناء أطروحة تفسيرية لكيفية تأثير سياسات التحرير الاقتصادي في تغوّل الجيوش العربية في القطاعات الاقتصادية، واختبرتها في أربع دول عبر تتبّع التغييرات في العلاقات المدنية  -  العسكرية قبل الانفتاح وبعده، مع رصد العوامل المؤسسية التي أعاقت هذا التغوّل أو سهّلته، وعقد مقارنات بين هذه التجارب. في كلّ الحالات التي ناقشتها الدراسة، وباستثناء الجزائر، فإنّ فترات التحرير الاقتصادي هي الفترات التي تغوّل فيها الجيش في كل الدول المدروسة في القطاعات الاقتصادية والتجارية، مصر والسودان، وليس قبل ذلك. وحتى في حالة الجزائر؛ على الرغم من أنّ تغوّل الجيش في الاقتصاد قد بدأ في فترة ما بعد الاستقلال نسبةً إلى الدور التاريخي الذي قام به الجيش في تحقيق الاستقلال، فإن دخول الجيش الجزائري في الاقتصاد شهد توسعًا كبيرًا في حقبة التحرير الاقتصادي بداية من منتصف التسعينيات، وهذا يؤكّد فرضية الدراسة القائلة بأنّ سياسات التحرير الاقتصادي قد ساهمت في تغوّل الجيوش العربية في القطاعات الاقتصادية بحسب الديناميكية التي شرحتها الدراسة. مثّلت تونس استثناءً من هذه القاعدة نظرًا إلى عدّة عوامل مؤسسية منعت تغوّل الجيش التونسي في القطاعات الاقتصادية، أوّلها أنّ الجيش التونسي تأسّس رسميًا بعد الاستقلال ولم يكن هنالك جيش وطني ليرث المستعمر كم هو الحال في مصر، كم أنّ الجيش التونسي قام بدور ثانوي في حركة الاستقلال حرمه من امتلاك الشرعية السياسية للحكم كم هو الحال في الجزائر. ثانيًا، تم تهميش الجيش التونسي في عهدَي بورقيبة وبن علي وتحييده عن السلطة السياسية وإبعاده عن القطاعات الاقتصادية خشية ترتيب الانقلابات عليهم. ثالثًا، وجود القوى العمّلية ذات التنظيم والفاعلية والتأييد المجتمعي متمثّلةً في الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يُعتبر من أقوى الفاعلين السياسيين منذ ما قبل الاستقلال. رابعًا، لم يطبّق النموذج التنموي التونسي سياسات التحرير الاقتصادي بحذافيرها، بل حافظ على تنمية اقتصادية تتصف بالشمولية الاجتمعيةInclusiveness حتى السنوات الأخيرة قبل الثورة التونسية وهو ما قلّل كثيرًا من نتائج سياسات التحرير الاقتصادي حتى بعد تطبيقها في عهد بن علي. على الرغم من أنّ تطبيق سياسات التحرير الاقتصادي في السودان ومصر بدأ منذ منتصف السبعينيات، فإن آثار هذه السياسات فيم يتعلق بتسهيل دخول الجيش في القطاعات الاقتصادية تأخّرت فترات لاحقة؛ وذلك نتيجةً لوجود موانع مؤسسية في كلّ حالة. ففي حالة مصر، لم يحدث تغوّل للجيش المصري في القطاعات الاقتصادية في فترة السادات لأن الأخير كان يعمل جاهدًا على إضعاف مؤسسة الجيش لصالح مؤسسة "الرئاسة". أمّا في السودان فقد قام نميري أيضًا بإضعاف المؤسسة العسكرية لصالح مؤسسة "الرئاسة" متمثّلةً في جهاز أمن الدولة الذي كان تابعًا له، واعتمد عليه بصورة متزايدة لحميته من أي تمرد محتمل من الجيش السوداني. وبناء عليه، ففي كلّ تجارب الدراسة، نجد أنّه متى ما انتفت الموانع المؤسسية من تقوية الجيش عند النظام الحاكم،

  1. وهو اتحاد شركات يضمّ7000 شركة ويندرج تحته أكثر من 003 ألف موظف وله قدرة كبيرة على التأثير في المشهد السياسي والاقتصادي في الجزائر، ويعتبر ثاني أقوى جسم بعد الحكومة الجزائريّة.
  2. Breaking Algeria's Economic Paralysis," International Crisis Group, Middle East and North Africa, Report , no. 192, 19/11/2018, accessed on 11/7/2019, at: https://bit.ly/2vWHLoX
  3. الأيوبي، ص.773 - 772
  4. منقول بتصرف من: بشارة، الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية، ص
  5. El - Battahani, p.4.

نتج من ذلك مباشرةً تغوّل الجيش في الاقتصاد، وهذا بسبب البيئة التي وفّرتها له سياسات التحرير الاقتصادي، وهو ما يثبت صحّة فرضية الدراسة. يشبه تدخّل الجيش في الاقتصاد في الحالة السودانية ما حدث في الحالة المصرية؛ حيث أنشأ الجيش في الحالتيَن مؤسسات وشركات خاصّة تابعة له بصورة مباشرة. أمّا على صعيد التغوّل داخل البنية البيروقراطية للمؤسسات العامة، فبينم تم ذلك عن طريق الضباط المتقاعدين في الحالة المصرية، تم بصورة رئيسة عن طريق التمكين لكوادر جبهة الميثاق الإسلامي وتشريد المخالفين باسم الصالح العام في الحالة السودانية. ومن الجدير بالذكر هنا أنّ جزءًا كبيرًا من هذه الكوادر، منذ عام 0112، قد تخلّ عن أفكار النظام الحاكم وبدأ في كثير من المراجعات الفكرية؛ ومن أبرزها: مذكرة الألف أخ في 0112، ثم مبادرة سائحون في 0122، ثم الحركة الوطنية للتغيير في 0132، ثم انقسام غازي صلاح الدين في 0142، وآخرها تكوين تنسيقية الإسلاميين التي دعمت الثورة. النتيجة الطبيعية لذلك هو أنّ المؤسسة العسكرية في السودان، مع نفوذها القوي في الاقتصاد، لم تستطع أن تسيطر على دولاب الدولة، بل قام عدد كبير من الإسلاميين الموجودين في دولاب الدولة بدعم مظاهرات الثورة والعصيان المدني الذي تم في حزيران/ يونيو 201976. أحد الاختلافات الجوهرية بين موجات ثورات الربيع العربي وبين الموجة الثالثة من الديمقراطية والتي ابتدأت في البرتغال عام 9741، هو أنّ بنية الاقتصاد في الدول العربية كانت قد شهدت، أكثر من ثلاثة عقود، تطبيق سياسات التحرير الاقتصادي التي أضعفت مؤسسات الدولة وزادت في الهوة الاجتمعية  -  الاقتصادية بين طبقات المجتمع وأضعفت البنية الصناعية. هذا الأمر لم تواجهه موجات التحول الديمقراطي الأخرى لأنّ تطبيق سياسات التحرير الاقتصادي على نحو واسع بدأ في أواخر السبعينيات من القرن العشرين. يضع هذا الوضع الكثيرَ من المهدّدات على المراحل الانتقالية للثورات العربية؛ فعلى الرغم من أنّه قد ساهم في إشعال فتيل الثورة في الدول العربية، فإنه مدّد الاستبداد العسكري من الفضاء السياسي ليشمل القطاعات الاقتصادية، وهو ما ساهم في تقييد مسارات عدد من ثورات الموجة الأولى للربيع العربي، ويضع الكثير من التحديات حول الانتقال الديمقراطي في دول الموجة الثانية من الربيع العربي. أثبتت الدراسة، بخلاف ما يدّعيه منظرو المدرسة النيوليبرالية، أنّ تطبيق سياسات التحرير الاقتصادي في أي بلد نامٍ قد يقلّل من إمكانية تحوّله إلى الديمقراطية لأنّها ستُضعف من قدرة مؤسّسات الدولة وستساعد في تآكل الطبقة الوسطى كم رأينا في كلّ الحالات هنا. وممّ يؤيد ذلك أنّ عددًا من النمذج التي حدث فيها تحوّل ديمقراطي بسبب النمو الاقتصادي، مثل كوريا الجنوبية وغيرها، سبقتها سياسات اقتصادية تصنيعية تستثمر في القطاع العام وتشرف عليها الدولة، وليس القطاع الخاص. بل إنّ هذا الأمر هو الذي حدث في الديمقراطيات الغربية العريقة، مثل بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، قبل حدوث الانتقال الديمقراطي في تلك البلاد وهذا ما تتبّعه تاريخيًا الاقتصادي هاجون تشانج في دراسته المشهورة "رَكْل السِّلم بعيدًا" Ladder the Away Kicking، كم أنّ أغلب الدراسات التي ناقشت مآلات الموجة الأولى من الثورات العربية تحدّثت عن دور المؤسسة العسكرية والثورات المضادّة في وأد الربيع العربي.

  1. عبد الفتاح ماضي، "تحولّات الثورة المصرية في خمس سنوات"، سياسات عربية، العدد 81 (كانون الثاني/ يناير 0162)، ص 18 -.41
  2. ينظر على سبيل المثال: أحمد الكواز، "السياسات الاقتصادية التقليديّة والاستقرار الاجتماعي"، ورقة مقدمة في المنتدى الإقليمي حول اقتصاديات الربيع العربي، المعهد العربي للتخطيط، البحر الميت، 7012/12/181 و 2؛ خالد عثمان الفيل، "الاحتجاجات السودانيّة 018:2 الأسباب الهيكليّة، تطور الحراك وسيناريوهات المستقبل، العدالة السياسيّة كمخرج للأزمة"، مرايا، العدد 9 (آذار/ مارس 0192)، ص 27 - 33؛ أشرف العربيّ، "الربيع العربي:ّ مقاربة اقتصاديّة لفهم الدوافع واستخلاص الدروس"، ورقة مقدمة في المنتدى الإقليمي حول اقتصاديات الربيع العربي، البحر الميت، 7.2012/12/181 و
  3. Nana Yaw Oppong, "Failure of Structural Adjustment Programmes in Sub - Saharan Africa: Policy Design or Policy Implementation," Journal of Empirical Economics , vol. 3, no. 5 (2014), pp. 321 - 331.

المراجع

العربية

أطوار التاريخ لانتقالي: مآل الثورات العربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.0152

أحمد، حسن الحاج علي. "الانقلاب العسكري بمنزلة عملية سياسية: الجيش والسلطة في السودان". سياسات عربية. العدد 24  (كانون الثاني/ يناير.)0172

الأحمر، مولدي. "النشاط النقابي وتحديات المرحلة الانتقالية في سياق 'الربيع العربي': مثال الاتحاد العام التونسي للشغل". سياسات عربية. العدد 03  (كانون الثاني/ يناير.)0182

الأيوبي، نزيه. تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط. ترجمة أمجد حسين. مراجعة فالح عبد الجبار. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.0102

باراني، زولتان. "القوات المسلحة وعمليات الانتقال السياسي". سياسات عربية. العدد 2).017(24

بشارة، عزمي. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.0072

________. الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.0172 ________. "الجيش والحكم عربيًا: إشكاليات نظرية". سياسات عربية. العدد 22  (أيلول/ سبتمبر 2).016

الجابري، محمد عابد. في نقد الحاجة إلى الإصلاح. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.0052

ثورة تونس: الأسباب والسياقات والتحديات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، شباط/ فبراير.0122

دريس، نوري. "الجيش والسلطة والدولة في الجزائر: من الأيديولوجيا الشعبوية إلى الدولة النيوباترمونيالية". سياسات عربية. العدد 3  5 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)0182

السعدي، محمد. "إمكانيات إصلاح مؤسسة الجيش ورهاناته في العالم العربي: دراسة أولية مقارنة". سياسات عربية. العدد 24 (كانون الثاني/ يناير.)0172

صايغ، يزيد. "فوق الدولة: جمهورية الضباط في مصر". مركز كارنيغي للشرق الأوسط. أوراق كارنيغي. آب/ أغسطس 0122. في: https://bit.ly/34 rgacE عبد القادر، التجاني. نزاع الإسلاميين في السودان: مق لات في النقد والإصلاح. السودان: مطبعة الصلحاني،.0082

عبد الهادي، مجدي. "الاقتصاد السياسي لثورة يناير في مصر". لباب. العدد 1  (شباط/ فبراير.)0192

العربي، أشرف. "الربيع العربي: مقاربة اقتصادية لفهم الدوافع واستخلاص الدروس". ورقة مقدمة في المنتدى الإقليمي حول اقتصاديات الربيع العربي. البحر الميت. 7181  و 12/.012/2

غانم، دالية. "الحد من التغيير عبر التغيير: ما وراء ديمومة النظام الجزائري". مركز كارنيغي للشرق الأوسط. دراسة 2. 018/ 5/ 8. ف:ي SkXky8 https://bit.ly/2 غريوال، شاران. "ثورة هادئة: الجيش التونسي بعد بن علي". مركز كارنيغي للشرق الأوسط. 24 2/ 016/:2. في ccfomw https://bit.ly/3 "في دراسة عن الأجور تجمع المهنيين السودانيين: (1)" الحزب الشيوعي السوداني. 15 11/ 018/:2. في uqpbF7 https://bit.ly/2 الفيل، خالد عثمن. "الاحتجاجات السودانية 018 الأسباب 2: الهيكلية، تطور الحراك وسيناريوهات المستقبل، العدالة السياسية كمخرج للأزمة". مرايا. العدد 9  (آذار/ مارس.)0192

القديمي، نواف. يوميات الثورة: من ميدان التحرير إلى سيدي بوزيد حتى ساحة التغيير. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.0122 قاسي، فوزية وعربي بومدين. "العلاقة بين الجيش والسلطة السياسية في الجزائر: بين حكم الواقع وتحديات نزع الطابع العسكري". سياسات عربية. العدد 91  (آذار/ مارس.)0162

الكواز، أحمد. "السياسات الاقتصادية التقليدية والاستقرار الاجتمعي". ورقة مقدمة في المنتدى الإقليمي حول اقتصاديات الربيع العربي. المعهد العربي للتخطيط. البحر الميت. 7181  و 12/.012/2 ماضي، عبد الفتاح. "تحولّات الثورة المصرية في خمس سنوات". سياسات عربية. العدد 81  (كانون الثاني/ يناير.)0162

________. "الجيوش والانتقال الديمقراطي: كيف تخرج الجيوش من السلطة؟". سياسات عربية. العدد 24  (كانون الثاني/ يناير 2).017 مور، بارينجتون. الأصول لاجتمعية للديكتاتورية والديمقراطية: اللورد والفلاح في صنع العالم الحديث. مع تصدير جديد لإدوارد فريدمان وجيمس سكوت. ترجمة أحمد محمود. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.0082

هوبزباوم، إريك. عصر الثورة: أوروبا 1848 - (1789). ترجمة فايز الصياغ. تقديم مصطفى الحمرنة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ودوارد، بيتر. السودان: الدولة المضطربة 1989 - 1898. ترجمة محمد علي جادين. أم درمان: مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية،.0022

الأجنبية

"About Sudan." United Nations Development Programme. at: https://bit.ly/386 zywG

Abrahamsen, Rita. "The Power of Partnerships in Global Governance." Third World Quarterly. vol. 25, no. 8 "Algeria." Government Defence Anti - Corruption Index 2015. Transparency International Defence & Security (2015). at: https://bit.ly/3 ekKBpA

Altenburg, Tilman. "Can Industrial Policy Work under Neopatrimonial Rule?" United Nations University - World Institute for Development Economics Research. German Development Institute. Working Paper. no. 2011/41 (August 2011). at: https://bit.ly/3b0qf2A

Bates, Robert. Markets and States in Tropical Africa. Berkeley, CA: University of California, 1981.

"Breaking Algeria's Economic Paralysis." International Crisis Group. Middle East and North Africa. Report. no. 192. 19 /11 /2018. at: https://bit.ly/2 vWHLoX

Chang, Ha - Joon. Kicking Away the Ladder: Development Strategy in Historical Perspective. London: Anthem, 2002. ________. "Institutions and Economic Development: Theory, Policy and History." Journal of Institutional Economics. vol. 7 , no. 4  (2011).

Diamond, Larry. "Why Are There No Arab Democracies?" Journal of Democracy. vol. 21, no. 1 (January 2012).

"Egypt." Government Defence Anti - Corruption Index 2015. Transparency International Defence & Security (2015). at: https://bit.ly/3 egsnFG

El - Battahani, Atta. "The Sudan Armed Forces and Prospects of Change." CMI Insight. no. 3 (April 2016). Geddes, Barbara. "What do we know about Democratization after Twenty Years?" Annual Review of Political Science. vol. 2 (1999).

Haggard, Stephan & Robert Kauffman. "Inequality and Regime Change: Democratic Transitions and the Stability of Democratic Rule." American Political Science Review. vol. 106, no. 3 (August 2012).

Kaufmann, Daniel. "Rethinking Governance: Empirical Lessons Challenge Orthodoxy." Social Science Research Network (SSRN). 11/3/2003. at: https://bit.ly/2JVUMTc Krishna, Anirudh (ed.). Poverty, Participation and Democracy: A Global Perspective. Cambridge: Cambridge University Press, 2008.

Lipset, Seymour Martin. "Some Social Requisites of Democracy: Economic Development and Political Legitimacy." American Political Science Review. vol. 53, no. 1 (1959).

Mkandawire, Thandika. "Thinking about Developmental States in Africa." Cambridge Journal of Economics. vol. 25, no. 3 (2001).

________. "Disempowering New Democracies and the Persistence of Poverty." United Nations Research Institute for Social Development. Democracy, Governance and Human Rights. Programme Paper. no. 21  (January 2006). at: https://bit.ly/2 wC8 F6 g

Oppong, Nana Yaw. "Failure of Structural Adjustment Programmes in Sub - Saharan Africa: Policy Design or Policy Implementation." Journal of Empirical Economics. vol. 3, no. 5 (2014).

Przeworski, Adam et al. "What Makes Democracies Endure?" Journal of Democracy. vol.7, no.1 (1996).

Robinson, James & Daron Acemoglu. Economic Origins of Dictatorship and Democrac y. Cambridge: Cambridge University Press, 2006.

Shaw, Martin (ed.). Marxism and Social Science. Basingstoke: MacMillan, 1999.

"Sudan." Government Defence Anti - Corruption Index 2015. Transparency International Defence & Security (2015). at: https://bit.ly/34 wtOet

"Tunisia." Government Defence Anti - Corruption Index 2015. Transparency International Defence & Security (2015). at: https://bit.ly/3 egkWOu

United Nations Development Programme. "About Sudan, Sudan: The Land and the People." at: https://bit.ly/386zywG

Walle, Nicolas van de. African Economies and the Politics of Permanent Crisis: 1979 - 1999. Cambridge: Cambridge University Press, 2000.

Wood, Elizabeth. "An Insurgent Path to Democracy: Popular Mobilization, Economic Interests, and Regime Transition in South Africa and El Salvador." Comparative Political Studies. vol. 34, no. 8 (October 2001).

World Inequality Lab. World Inequality Report 2018. at: https://bit.ly/2yTxgnQ

Yom, Shaun. "Resilient Royals: How Arab Monarchies Hang On." Journal of Democracy. vol. 23, no. 4 (2012).