العودة إلى تفاصيل المؤلَّف قراءة في كتاب:فلسفة حضارات العالم،نظريّات الحقيقة وتأويلها

قراءة في كتاب:فلسفة حضارات العالم،نظريّات الحقيقة وتأويلها

Review of “Philosophy of World Civilizations: Theories and Interpretations of the Truth”

هيثم أحمد مزاحم

Haitham Ahmad Muzahem

الملخّص

الكتاب الذي بين أيدينا محاولة لعرض الأسس الفلسفيّة لحضارات العالم الكبرى بطريقةٍ إجماليّة ومكثّفة. يبدأ أوّلاً باستعراض مسائلَ تتعلّق بتفسير العالم، وتوجّهات الحياة واكتساب المعرفة، والحياة الاجتماعيّة وبنية اللغة. فكلّ حضارة بدأت في زمن ما بالتأمّل في تفسير العالم وشكل الحياة والتفكّر فيهما نقديًّا. وتشكّل النقلة من التفسير الأسطوري إلى التفكير العقلاني المكثّف بداية الفلسفة بالمعنى الدقيق للكلمة. ويثير الكتاب السّؤال عن الموضوعات التالية: نظريّة المعرفة، فلسفة الطّبيعة، الأنطولوجيا، الماورائيّات، فلسفة الدّين، الأخلاق وفلسفة الأخلاق، المنطق وفلسفة اللّغة، الفلسفة الاجتماعيّة وفلسفة الحضارة، وتجري مناقشتها على مستويات عقلانيّة مختلفة.

Abstract

This book aims to take philosophical dialogue over world civilizations some small steps forward. It reflects the early possibilities for exchange, and its limits, with Western interpretations of the world and the value system. It then reviews the philosophical theories about world civilizations in a clear and coherent fashion and in understandable, non-technical language.

الكلمات المفتاحية:
  • الحضارات
  • الهندية
  • الصينية
  • الإسلامية
  • التاوية .
Keywords:
  • Indian Civilization
  • Chinese Civilization
  • Taoism

الكاتب:أنطوان غرابنر هايدر وآخرون. ترجمة: د. جورج كتورة. تاريخ النشر: الطبعة الأولى.2010 الناشر عدد الصّفحات: 480 صفحة.

الكتاب الذي بين أيدينا محاولة لعرض الأسس الفلسفيّة لحضارات العالم الكبرى بطريقةٍ إجماليّة ومكثّفة. يبدأ أواّل باستعراض مسائلَ تتعلّق بتفسير العالم، وتوجّهات الحياة واكتساب المعرفة، والحياة الاجتماعيّة وبنية اللغة. فكلّ حضارة بدأت في زمن ما بالتأمّل في تفسير العالم وشكل الحياة والتفكّر فيهما نقديًّا. وتشك ل النقلة من التفسير الأسطوري إلى التفكير العقلاني المكثّف بداية الفلسفة بالمعنى الدقيق للكلمة. ويثير الكتاب السّؤال عن الموضوعات التالية: نظريّة المعرفة، فلسفة الطّبيعة، الأنطولوجيا، الماورائيّات، فلسفة الدّين، الأخلاق وفلسفة الأخلاق، المنطق وفلسفة اللّغة، الفلسفة الاجتماعيّة وفلسفة الحضارة، وتجري مناقشتها على مستويات عقلانيّة مختلفة.: مؤسّسة شرق - غرب وديوان المسار للنشر.

ويهدف الكتاب إلى دفع الحوار الفلسفي بشأن حضارات العالم خطوات صغيرة إلى الأمام، فهو يعكس أواّلً إمكانيات التبادل وحدوده مع التفسيرات الغربيّة للعالم ولنظام القيم، ثمّ يعرض النظريّات الفلسفية في حضارات العالم بشكل واضح ومتماسك، في لغةٍ مفهومة وعامّة وبطريقة بسيطة وغير معقّدة.

فلسفة ثقافيّة

في الفصل الأوّل كتب أنطوان غرابنر - هايدر مقالة بعنوان " فلسفة ثقافيّة " تساءل فيها عن الفرضيّات العينيّة اللازمة لفكر وفهم ثقافينّيْ؟ يقول غرابنر - هايدر إنّه من أجل ذلك يجب إيجاد شيء مثل * باحث في الفكر العربيّ والإسلاميّ- لبنان. الثوابت البيولوجية للانفعالية المعرفية والثقافية، إذ

نحن نتعرّف بادئ الأمر لدى جميع الناس والثقافات على بنَى عقليّة تتعلّق بتفسير العالم ونظام الحياة. ومن دونها ربمّا لا يمكن للمجموعات الإنسانية أن تستمرّ على قيد الحياة. وإلى هذه الثوابت تنتمي الحاجة الشديدة إلى البقاء وتفتح الحياة. فالناس في كلّ الثقافات يريدون التعبير عن مشاعرهم المعيشة والاتّصال مع الآخرين، كما أهنّم يريدون قيادتهم وتوجيههم عبر قدراتهم العقلية. نتيجة ذلك تتكوّن أشكال تواصل شديدة الاختلاف، إذ لا حفظ لبقائهم إالّ وسط المجموعة. فالبشر عاشوا ضمن مجموعات صغرى من الصيّادين والقطافين ثمّ ضمن مجموعات أكبر من البدو الرّعاة ومريبّ الماشية، ولاحقًا ضمن مجموعات منتظمة من المزارعين الصغار والكبار. وأيًّا كان مستواهم الثقافي أحسّ البشر بالحاجة إلى تنظيم حياتهم، وإعطاء سلوكهم معنى، ووضع قواعد لتصرّفاتهم والإقرار بدلالة تطاول كامل وجودهم البشري. ففي الحضارات المبكّرة توىلّ الكهّان ومنشدو الطقوس وكبار المعلّمين هذه الوظيفة، ولاحقًا تولا ها الزّعماء والكهنة. لقد رووا الأساطير الصغيرة والكبيرة، معربّين بذلك عن مصدر الحياة وعن السّبب الذي يحيا من أجله البشر. وبذلك قدم التفسير الأسطوري للعالم لأناس الثقافات الأولى توجّهًا واضحًا في الحياة، وأعطى كل تجارب الأفراد الحياتية معنى ووجّه سلوكهم نحو أهدافٍ معيّنة. ويتضمّن التأويل الأسطوري للعالم باستمرار عناصرَ وبنى عقلانية حتّى لو أمكن اعتبار فرضياته الأساسيّة ما قبل عقلانية، وذلك أنّ الصّور الأسطورية غالبًا تدمج ببعضها بشكل عقلاني. عبر الأساطير يعربّ البشر عن مجال غير المحسوس حقًّا، إذ يتحدّثون عن قوى وقدرات لا ترى عن جوهر روحي وحقيقة إلهية. وإبّان التطوّر الثقافي يطلق رواة الأساطير والمعلّمون القدامى باستمرار بنى عقلانية واضحة ونماذج تأويل، فهم يسألون عام كان في أصل عالم الإنسان، ولماذا تتحرّك الكواكب بانتظام، وأين يذهب الإنسان بعد الموت. تلك كانت بدايات التّأويل الفلسفي للعالم بالمعنى الضيّق للكلمة، وبذلك أخذت العناصر المعرفيّة والعقلانية في الازدياد. ويعزّز التفكير العقلاني للعالم النظرة الواقعية لعالم حياة الإنسان، ولعالم الكوكب الأكبر. حيث طرح التفسير العقلاني السّؤال عن الزّمان والمراحل الزمانية، وعن المكان والعناصر الماديّة. وفي ذلك الوقت تكوّنت أنظمة كتابة والأعداد الحسابية في العديد من الثقافات، لتثبيت تفسير العالم لزمن أطول ولجعل التواصل داخل المجموعات تواصالً أفضل. وبإمكاننا أن نتعرّف إلى بدايات الفلسفة من الزّمن التاريخي الذي استخدم فيه أنظمة الكتابة، إذ أن الحضارات التي لم تعرف الكتابة لا نعرف منها إالّ تفسيرات العالم التي نقلت شفويًّا وتمّ تناقلها عبر أجيال عديدة.

الفلسفة الهنديّة

الفصل الثاني عن " الفلسفة الهندية "، كتبه هايكة ميخائيل - هورمان، ويقول من الصّعب إخضاع الفلسفة الهندية لترتيب تاريخي أكيد. لكن بالإمكان تحديد أربع حقب زمنيّة كبيرة. تتضمّن الحقبة الأولى فلسفة العصر القديم الذي يمتدّ من بداية الأقاويل الفلسفية المبكرة، أي في عصر الأوبانيشاد (بين 800 و 600 قبل الميلاد) وعصر الملاحم (حتّى سنة 400 قبل الميلاد). تتميّز الحقبة الثانية بتكوّن الأنظمة الكلاسيكية الستّة التي امتدّت فترة ازدهارها حتّى عام 1000 بعد الميلاد. نجد هنا عقائد تتميّز بأفكار الخالق إلى حدٍّ بعيد، وهي عقائد تطوّرت بمنهجيّة علميّة. ثمّ نجد حقبة فلسفة العصر المتأخّر التي علينا تحديد بدايتها منذ منتصف القرن الأوّل بعد الميلاد، والتي ما زالت مدارسها قائمة وإن جزئيًّا حتّى اليوم. وهي تتميّز إلى حدٍّ كبير بالنظام الفيسنوي والسيفاتي أي يغلب عليها الطّابع التأليهي. أمّا الحقبة الرابعة فهي الحقبة المخصّصة للفلسفة الحديثة، ومن أبرز معالمها الأخذ بالفكر الغربي.

فلسفة العصر القديم (عصر الفيدا)

من أقدم آثار الفلسفة الهندية الكتابات الدينية القديمة المسامّة الفيدا. والفيدا تعني المعرفة، وهي المعرفة لكسب رضا الخالق. والفيدا هي من أقدم المصادر الأدبيّة الهندية، وهي مجموعة من النصوص المقدّسة المكتوبة بالسنسكريتية. ويعتقد الهنود أن الإله الأعظم (براهما) كتب الفيدا بيده. وتتمثّل أسس الفكر الفلسفي فيها في ثلاثة أسئلة هي: السّؤال عن الإنسان، وعن علّة الحياة، وعن المصير بعد الموت أو أثناء النّوم الذي يُعدّ صنو الموت. إن بعض هذه الأعمال يثير مسائلَ أساسيّة في الفلسفة، مثل: كيف نشأ العالم؟ وكيف ظلّ باقيًا؟ وما أسسه؟ تجيب عن هذه الأسئلة بعض التسابيح الفيدية في زعمهم بذكر اسم إلهٍمعنيّ. لكن النقطة الفلسفيّة الكبرى نجدها في الريغ - فيدا العاشر أي تسابيح الخليقة، إذ جاء فيها أنّ أصل الخليقة يرجع إلى كائن غير مشخّص يسمّونه تاد إيكام؛ أي ذلك الأوحد الكامن في الشّعور.

فلسفة الملحمة

أمّا المصدر الأكبر الآخر فنجده في الأدب الملحمي الواسع، وفي الدرجة الأولى في كتاب مهابهراتا (الكتاب الكبير). وظهرت في هذه الفترة عقيدة التقمّص، بمعنى أنّ الروح تولد مرّات متعاقبة. وأثناء الوقت الطويل الذي استغرقته الرواية الشفهيّة لهذه الملحمة (400 ق.م و 400 ب.م) وجدت سلسلة من النصوص الفلسفيّة لها مدخالً إلى كتاب مهابهراتا الذي يضمّ اليوم نحو 100 ألف بيت شعري مثنوي (مزدوج.) إلا أنّ المصنّف الأكبر الذي يحوي نصوصًا فلسفيّة يوجد في موكشادراما (عقيدة المخلص). تقول هذه الفلسفة إنّ الجوهر الذي هو أساس كلّ شيء هو النفس الفرديّة، أو الذّات العليا. ومن النفس تنطلق المعرفة، ومن المعرفة ينطلق الفكر، ومن الفكر تنطلق أعضاء الحواسّ. يقود الفكر الأعمال الخريّة والشرّيرة معه وهي المسؤولة عن نوعيّة الوجود الجديد. الجديد في هذه النظرية هو موقع النفس التي توجد الآن خارج قانون الجزاء والثّواب، ذلك أنّ حامل الثّواب والعقاب هو الفكر الذي يصنّف هنا فوق مجموعة القوى الحاسّة. وقد أدّى الأخذ بالفكر الدوري إلى تجديد آخر يقود إلى فرضيّة نشوء العالم وانعدامه بشكل دوري حيث لا يزال هذا التصوّر إلى الآن جزءًا ثابتًا من النظرة الهنديّة للعالم.

الفلسفة الجينيّة

الجينية، هي من الديانات التي يعود الفضل في تأسيسها إلى مهافيرا (599 527- ق.م). وهو أمير ترك الإمارة، وراح يعذّب نفسه 12 سنة، حتّى جاءه الهدى من دون مساعدة الكهنة. وهي إحدى الفلسفات الهنديّة الثلاث التي رفضت تعاليم الفيدا، مثلها في ذلك مثل الشرفاكا والبوذيّة. تقول الجينية إنّ مصادر المعرفة ثلاثة: الإدراك والاستدلال والشّهادة. ويعتقد أصحابها أنّ أيّ حكم من الأحكام العقليّة ليس صحيحًا إالّ من وجهة نظر معيّنة. لذلك فادّعاء أنّ الحكم صحيح دون قيدٍ أو شرط، قد يؤدّي إلى الجزميّة (الدوغمائية) والتعصّب. ويعتقد أتباعها أنّ كلّ الأشياء الطبيعية تتألّف من ذرّات وأنّ جميع الكائنات الحيّة لها روح. فالروح مثلها مثل النور تنتشر في البدن الذي تحلّ فيه بأكمله. والشّعور جوهر الروح. وعندما تكون الروح في حالة جيّدة فإهنّا تبلغ الكمال المعرفي، لكن ارتباطها بالمادّة يجعل الرّوح عاجزة عن ممارسة وظيفتها الطبيعيّة. ومن معتقدات الكارما أنّ الخبرة الماضية للرّوح تحدّد نوع الجسد المتقمّص لها وما يترتّب على ذلك من قيود. وتقول الفلسفة الجينية: إنّ الخلاص يتمّ عن طريق الجواهر الثلّاثة، وهي الإيمان الصّادق والمعرفة الصّحيحة والسلوك القويم. ويستلزم السّلوك القويم ممارسة خمس خصال: -1 عدم العنف. -2 الصّدق في القول. -3 الامتناع عن السرّ. -4 العفّة. -5 عدم قة التّشبُّث بأمور الدنيا.

وأتباع الجينية هم أوّل من اختّذوا عدم العنف قاعدة لهم في الحياة.

الفلسفة البوذيّة

ظهرت البوذيّة، كردّ فعل على البراهمة، ومؤسّسها غوماتاسيدهانا -564(483 ق.م) الذي دُعي بوذا، أي المستنير، أو الذي اهتدى، وكان ابن أمير منطقة على حدود نيبال، فتنكّر لسلطةالفيدا، والكهنة البراهمة، وقرّر خمس قواعد خلقيّة، بمنزلة الوصايا وهي: عدم القتل، وعدم السرّقة، وعدم الكذب، وعدم شرب المسكر، وعدم الزّنا. وارتكز بوذا في فلسفته كلّها على فكرةٍ بسيطة من حيث الظّاهر وهي: قانون التبعيّة النشوئيّة. ويقضي هذا القانون بأنّ كلّ شيء في الكون تابع من حيث المنشأ لشيءٍ آخر هو السّبب. فما الأشياء إلا متتابعات من الأحداث، والكون زائل إذ ليس هناك من ذات دائمة ويعتقد بوذا أنّ تشبّث الإنسان بالدّنيا ناجم عن فكرة خاطئة تتمثّل في الظنّ بأنّ الأنا أو الذّات تتّصف بالدّوام. فالإنسان، بعدوله عن هذه الفكرة واتّباعه السّبيل النّبيل يحصل على السرّاح المطلق. لّم يبحث بوذا في المسائل الميتافيزيقيّة لأنّه يعتقد أن الأسئلة التي هي من نوع: هل العالم خالد؟ لا يمكن الإجابة عنها، لذلك فلا فائدة من الخوض فيها. وقدأحسّ بوذا، مؤسّس البوذيّة، بما يعانيه الناس من عذاب، خاصّةً عذاب المرض والشّيخوخة والموت، فحاول أن يعلّم قومه كيف يضعون حدًّا لكلّ أنواع العذاب؛ لذلك دعا إلى الحقائق الأربع التالية: 1 1. الحياة حزن. 2 2. الطّمع هو سبب الحزن. 3 3. إزالة السّبب (الطّمع) تضع حدًّا للحزن. 4 4. الطريق المؤدّي إلى إبعاد الحزن هو السّبيل النّبيل ذو الفروع الثمّانية.

الفلسفة الهنديّة المعاصرة

لم تحدث تطوّرات جديدة في الفلسفة الهنديّة في ما بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر الميلادييّن. وفي أواسط القرن التاسع عشر بدأ التّواصل مع الأفكار الغربيّة، وبدأ التأثير المسيحي في الفلسفة الهنديّة. وكان رام موهان (1722 - 1833) أوّل من قام بتطعيم الهندوسيّة بأفكار مسيحيّة. استقى عناصر من مثاليّات العلم الغربي ومعارفه وطوّر هندوسيّة إصلاحية، كان من نتائجها أن استعاد التفكّر في تراثه الخاصّ مع الاحتفاظ بانفتاح فعليّ على الأفكار الغربيّة. نقطة الانطلاق كانت من التوحيد الصّارم، ومنه يصار إلى السّؤال عن السّبب الملزم في الفكر الإنساني. رأى كلٌّ من سوامي فيفكانندا (1863 - 1902) وسرفيبالي راوهاكريشنان (1888 - 1975)، وإليهما يرجع الفهم الحالي للهندوسيّة، التّوحيد الصّارم الدرجة الأعلى في الفلسفة الهنديّة. أمّا القرن العشرون الميلادي فقد شهد بداية حركة تجديد في الفلسفة. إذ أنّ سري أوروبندو (1873 - 1950) في فلسفته بشأن الفيدانتا المتكاملة قد انتقل بالفيدانتا، من نظرتها المتبرصّ ة إلى منظومة فلسفيّة متطوّرة، حيث ترقى الإنسانيّة من الصعيد المادّي إلى صعيد العقل الأعلى. وأخذ في ربط الفكر الهندي بالتصرّف البشري الأخلاقي كلّ من رابندرانت طاغور (1861 - 1941)، وموهنداس كرمشند غاندي (1869 - 1948) الذي وضع فلسفة سياسيّة اجتماعية مرتكزة على نبْذ العنف، وعلى الحقيقة. أمّا ك.س. يهاتشاريا (1875 - 1949) فقال إن الفينومينولوجيا (الظواهريّة) أي الدراسة التفصيليّة للخبرة الشعوريّة، قد تساعد في تحقيق الذّات الطموح للحرّية الكاملة. كذلك بذل اوروبندوغوس (1872 - 1950) جهده للتوليف بين الفلسفة الهنديّة والفلسفة الغربيّة. ووضع مانابندرا ناث روي (1889 - 1954) للفلسفة الماديّة صيغة جديدة. ونظرًا لأنّه يميل إلى الاجتّاه الإنساني الراديكالي

فقد عدّ الإنسانيّة جزءًا من الطبيعة المادية التي لا تستكمل مقوّمات ذاتها إلا إذا تشبّعت بقيم الحرّية السياسية وبالدّيمقراطيّة.

الفلسفة الصينيّة

ترقى بدايات التفسير الصّيني للعالم إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، حيث سجّلت أسئلة الكهّان وأجوبتهم على عظام النبوة. وطوّر الكهنة المنجّمون كتابة صوريّة مبكرة استطاعوا من خلالها تثبيت النصوص الطقوسيّة. يدور الحديث في هذه النّصوص عن القوى غير المرئيّة، عن جوهر العقل وأرواح الأجداد، التي تؤثّر في كلّ مكان من العالم في الإنسان، في ظواهرَ الطبيعة، يفترض وجود كائنات روحية غير مرئيّة وليست تحت تصرّفهم، والتي يتمّ استحضارها بالشّعائر والصّلوات. كانت هذه الكائنات الروحية الإلهيّة أكبر وأقوى من البشر، إلا أهنّا كانت تفهم اللغة البشريّة. وجمع كهنة القرابين هذه الكائنات تحت اسم " السماء " (tien)، وكان الناس يؤمنون بالحياة الأخرى لقوى النفس غير المرئيّة (hun) التي يفترض وجودها لدى كل إنسان. بعد الموت، ترجع هذه القوى بعد انحلال الجسد إلى عالم الأجداد حيث تبقى. استمرّ التأويل الأسطوري للعالم حتّى الحقب الثقافية المتأخّرة. وتستقي المؤلّفات الخمسة الكلاسيكية المكتوبة مضمونها من عصر العالم الأكبر كونغ - فو - زي (كونفوشيوس،491-551 ق.م)، الذي أسهم مع تلاميذه في تكريس مضمون هذه العقيدة كتابيًّا. جمع المعلم كونفوشيوس الحكم القديمة وتفسيرات العالم وقواعد الأخلاق القديمة ودرّسها لتلاميذه. وكتب لاحقًا عقيدته. ويزعم تلميذه مانغ زي أنّ المعلّم كونغ زي قد كتب بنفسه حوليّات " الرّبيع والخريف ". تتمحور تعاليمه وأتباعه، في مجملها، حول الأخلاق والآداب وطريقة إدارة الحكم والعلاقات الاجتماعيّة. أثّرت الكونفشيوسية في منهج حياة الصينييّن، وحدّدت لهم أنماط الحياة وسُلّم الق يم الاجتماعيّة، كما وفّرت المبادئ الأساسيّة التي قامت عليها النظريّات والمؤسّسات السياسيّة في الصيّن. انتشرت هذه المدرسة من الصيّن إلى كوريا، ثمّ إلى اليابان وفيتنام، وأصبحت ركيزة ثابتة في ثقافة شعوب شرقيّ آسيا. وعلى الرّغم من أنّ الكونفوشيوسية أصبحت مذهب الدولة الصينيّة الرسميّ، لكنّها لم تشقّ طريقها حتّى تصبح ديانة بالمعنى المعروف، كان يعوزها وجود هياكلَ أساسيّة، وطبقة من الكهنوت. حظي كونفوشيوس بمكانةٍ رفيعة لدى أهل العلم في الصيّن، كانوا يلقّبونه " المعلِّم " و " الحكيم "، إلا أن تبجيلهم إيّاه لم يرقَ إلى درجة التأليه. فهو لم يكن يدّعي أنّه إلاه، وفشلت كلّ المحاولات التي كانت تهدف إلى جعل الكونفوشيوسية عقيدة دينيّة. أمّا سياسيًّا فقد كان كونفوشيوس يدعو إلى حكومة أبَويّة يقودها حاكم يحظى بالاحترام ومطاع بين رعيّته بحيث على الحاكم أن ينمّي أخلاقه لتبلغ الكمال حتّى يكون مثاالً يحتذي به شعبه.

التاوية

التاوية مجموعة مبادئ، تنقسم إلى فلسفة وعقيدة دينية، مشتقّة من المعتقدات الصينيّة الرّاسخة في القدم. من بين كلّ المدارس العقليّة التي عرفتها بلاد الصيّن، تُعدّ التاوية الثانية من حيث تأثيرها في المجتمع الصّيني بعد الكونفشيوسية. التاو (DAO) معناها بالعربية: الهدي، الطريقة أو الطريق، الذي يسلكه أتباع الديانة أو الهدي. حين بدأت الديانات الإبراهيمية (اليهودية، والمسيحية، والإسلام) من الأعلى إلى الأسفل (الله وملائكته)، بدأ أتباع الهدي من الأسفل إلى العالم العلوي. راقب قدماء الصينييّن الإنسان ببساطة، ثمّ جرّدوه من غلافه للمقارنة بينه وبين الحيوان، فظهر جليًّا أن

الأشياء الحيّة المتطوّرة لها أصلان، ذكري وأنثوي، متضادّان، متّحدان (الين YIN الأنثوي واليانغ Yang الذكري)، منبعهما شيء له صفتان، غموض أنثوي ونشاط ذكري، أصل كلّ الأنواع على الأرض وغيرها، التّاو. حتى يكون الإنسان في حالة تناغم مع ال " تاو "، عليه أن يمارس ال " لافعل " (وو واي)، أو على الأقل اجتناب كلّ الأفعال النّاجمة عن الغصب (الإجبار)، والاصطناع أو غير الخاضعة للطبيعيّة. عن طريق التّناغم التلقائي مع نزوات طبيعته الذاتيّة الأساسيّة، وترك كلّ المعارف العلميّة المكتسبة، يتّحد الإنسان مع " التاو " ويستخلص منه قوّة غامضة (دي). بفضل هذه القوّة يستطيع الإنسان تجاوز كلّ المستحيلات على ذوي البشر العادييّن، على غرار الموت والحياة. تدعو هذه المدرسة إلى احترام الذّات والانعزال عن الحياة العامّة، تفرّعت هذه المبادئ عن التقاليد الصينية القديمة للتصوّف والعبادة التأملية والتي ارتبطت باليوغا. النظام المثالي في رأيها هو النظام الشمولي الذي يقوده ملك-فيلسوف، أمّا الرعيّة فيجب أن تكون مسالمة ومطاوعة إلى أقصى درجة لهذا الحاكم. على عكس الكونفشيوسية والتي كانت تدعو الفرد إلى الانصياع إلى النّظام التقليدي، كانت مبادئ التاوية تقوم على أنّه على الإنسان أن يهمل متطلّبات المجتمع المحيط، وأن يبحث فقط عن الأشياء التي تمكّنه من أن يتناغم مع المبادئ المؤسّسة للكون، أو " التاو " (الط.)ّريق عرفت الصيّن خلال تاريخها اضطرابات عديدة وشديدة، جعلت فلاسفة تلك المرحلة يعودون إلى الماضي، لاستلهام البساطة، والسكينة، من سذاجة الناس، راجين الإبقاء على الأمور في حالة سكون، تفاديًا للفوضى. كان على الصيّن في القرن التاسع عشر أن تتحمّل الكثير من الإهانات السياسية والاقتصادية التي تسبّب فيها الأوروبيّون. وكانت الإجراءات الاقتصاديّة والسياسية اللازمة قد ذهبت أدراج الرّياح بسبب الموقف الصّارم الذي اختّذته الإمبراطورة الأخيرة تسي هسي. وفي 12 شباط 1912 كان عليها أن تتخىلّ عن العرش تحت تأثير الضّغط السّياسي الكبير الذي ألزمتها به القوى الثوريّة. هنا بدأ انفتاح الصيّن، وببطءٍ وبتأخّر زمني، على العلم والتقنية الغربيين، وعلى أشكال الحياة الديمقراطيّة. وبدأت نماذج الفلسفة الغربيّة تعرف في الصيّن. منذ تويلّ الحزب الشيوعي السّلطة عام 1948 صارت الماركسية الفلسفة الرسميّة في الصيّن.

الفلسفة اليابانيّة

في تطوّرها الروحي والذّهني تأثّرت اليابان بقوّة ومنذ عصور مبكرة بالثقافة الصينية. فمنذ القديم أتى معلّمو الحكمة من الصيّن إلى اليابان للعمل على تحسين نظامهم، فالصين كانت في ذلك الوقت إمبراطورية كبرى. عرفت اليابان الفلسفة الكونفوشسية والعقائد البوذيّة والتاوية ومدارس الحكمة الأخرى الصينيّة. ومنذ القرن السادس ميلادي قدم أساتذة بوذيّون من الصين، وحضرت مع الرّهبان العقائد التاوية في تفسير الحياة إذ كانت العقائد البوذيّة والتاوية قد شهدت اندماجًا في ذلك الوقت. وحوالى عام 600 أرسل الأمير شوتوكو كهنة الشنتو اليابانييّن إلى الصين بهدف دراسة الكتابات البوذيّة هناك. وتم استقبال البوذيّة في بادئ الأمر من جانب الطبقات العليا واستفيد منها في تنظيم الدولة المركزية، وبعد قرنين أخذ الشعب الياباني بدوره بهذه العقيدة الجديدة ونشأ ما يُعرف بالبوذيّة الشعبيّة (Amida.) وأشار دستور الدولة الياباني الأساسي الذي صدر في عام 604 إلى عقائد من أصل بوذيّ. في القرن الثامن الميلادي، أسّس الرّاهب سايشو مدرسة تانداي التي قامت بتفسير العالم الخارجي بوصفه كلّه شكل تمظهر عجيب لنور بوذا الذي لا يُرى. من حيث المبدأ باستطاعة كلّ إنسان أن يخلص من معاناة الحياة ومن قوى الشرّ، إذا ما تسنّى له أن يعرف عالم بوذا وأن يتّحد به عقليًًّّا.

ومنذ القرن الثامن عشر تكاثرت العقائد الغربية الفلسفيّة والعلمية التي عرفتها اليابان، فكان ما يعرف ب " مذهب هولندا " تحدّيًا قويًّا للأساتذة والمدارس الكونفوشسية، حيث ذهب البعض إلى وجوب الربط بين المذهب الهولندي والعقائد القديمة التي قال بها المعلّم كونغ فو تسي. ومالت إلى هذا الاجتّاه حجج هيراتا اتسوتان (تويفّ عام (1843 إذ أراد أن يربط بين العقائد اليابانية القديمة وعلم الأوروبييّن الجدد. وبوصول أسرة ميجي إلى السلطة في عام 1868 تعزّز الانفتاح على الثقافة الغربيّة، من استقدام علماء وخبراء غربييّن لبناء آلات جديدة، إلى إرسال طلاب يابانيين للدراسة في جامعات أوروبا وأميركا، فاحتك هؤلاء بالفلسفة الغربيّة التي كانت تُعرف في اليابان ب " العلم الهولندي ". واحتكّ الطالّب بمذاهب الفلسفة الوضعيّة والنفعيّة فبدت لهم مقبولة، بعدما طبعت العلوم التقنية والطبيعيّة الحياة في اليابان في تلك الفترة، وبذلك حصل التغريّ في المجتمع الياباني. بالنسبة إلى المعلم فوكوزاوا ياكيشي (تويفّعام 1901)، فإنّ العلم الحديث قد أوصل التاريخ الياباني إلى التقدّم، وصار من الضروري أن يتغلّب المثقّفون على أشكال تفسير العالم ذات الطّابع الصّوفي أو الماورائي. لكن بعض المفكّرين اليابانييّن قد أظهروا عدم موافقتهم على تفسير العالم بأشكاله الوضعيّة والمادّية والنفعيّة، فكانوا على قناعة بأنّ لحقيقتنا الأكيدة بعدًا آخر، بعدًا غير مرئيّ. تعرّفوا إلى المثالية الأوروبيّة بمعناها الأفلاطوني، أو الهيغلي، وقد أرادوا الربط بينها وبين التقليد الياباني، سواء التاوي أو البوذي في تفسير العالم. بدوره، أراد المفك ر الياباني تيتسو جيرو (تويفّ عام 1944) أن يربط بين العقائد الكونفوشسية ونماذج التفكير الغربي. درس الفلسفة في ألمانيا وأبدى إعجابه الشديد بنظريّات ايمانويل كانط ونيكولاي هارتمان وأراد أن يحضر توليفًا بين طريقة التفكير الغربيّة وبين تفسير العالم الرشّ. قي كما استندت مدرسة كيوتو إلى الفلسفة البوذيّة وقامت بتطويرها قدمًا. ويعدّ نيشير كيتارو (تويفّ عام 1945) الشخصية التي طبعت اجتّاه هذه المدرسة بطابعها، إذ أراد أن يكون اجت اهه متجذّرًا في الفلسفتين الشرقيّة والغربيّة في آن واحد. من جهته اتّبع كوكي شوزو (تويفّ عام)1945 تفسيرًا للعالم يأخذ بالفلسفات الوجودية وبالتأويليّة. مع ادمون هوسيرل أراد أن يصل إلى الأشياء ذاتها، ومع هيدغر أخذ برنامج التأويل الوجودي.

الفلسفة اليهوديّة

كتب هذا الفصل أنطوان غرابنر - هايدر، فرأى أنّ الثقافة اليهودية لا تفهم في بداياتها إلا في سياق ثقافات الشرق الكبرى القديمة، وقد ورثت هذه الثقافة أجزاء كبرى من تفسيراتها للعالم، من أساطير السومريين وعقائدهم إلى البابليين والمصريين والفرس والكنعانيين الذين تركوا آثارهم على التقاليد المروية للإسرائيليين. في فترة النفي البابلي (585 حتّى 537 قبل الميلاد) وفي فترة إعادة البناء التي تلت، تمّ تجميع المرويّات وتدوينها لأوّل مرّة في مؤلّفٍمكتوب. هكذا نشأت في هيكل أورشليم الأعمال القانونيّة الكبرى والتأويلات التاريخية التي شكّلت نواة التوراة. واستكمل هذا العمل من خلال الأناشيد والأغاني، ومن خلال أقوال الأنبياء ونظريّات الحكمة. كما تمّت متابعة هذا العمل في العصر الفارسي (بعد عام 537 قبل الميلاد) وفي العصر الهللينستي (منذ 332 قبل الميلاد)، وفي العصر الروماني (بعد عام 69 قبل الميلاد)، وحوالى عام 100 ميلادي تمّ الانتهاء منه. وهكذا تُعدّ التوراة اليهودية في كلّيتها نتيجة سيرورة وضع حدود مع الثقافات الغربية ونتيجة اكتشاف الهويّة. ويرى هايدر أنّ الكهنة اليهود باحتكارهم العقيدة الإلهية قد أبدوا منذ وقت مبكّر تطلّعات سياسية،

بداية على شعبهم الخاصّ بهم، ثمّ لاحقًا على شعوب أخرى. وأسدى عامل حياة الدين لهم نموذج التّناقض الكبير مع العلاقات السياسيّة الواقعية، وهكذا تسنّى لهم، وهم الشّعب الصغير وعلى علاقة بالثقافات الأخرى، رسم أكبر أسطورة تتعلّق بتاريخ العالم. والتوراة لا تزال إلى الآن أكثر الكتب انتشارًا وقراءة في تاريخ العالم.

بدايات الفلسفة اليهوديّة

حضرت الفلسفة عند اليهود في العصر الهلليني إلى جانب الثقافة اليونانية التي كانت ثقافة اليهود ولغتهم في المدن الهللينية. ونجد في كتايب كوهيليت وحكم سليمانعقائد فلسفيّة. وانتشرت في أوساط اليهود المتعلّمين التصوّرات الأفلاطونية عن النفس والتصوّرات الأخلاقية ذات الطابع الفلسفي الرّواقي والكيلّ. ويُذكر أنّ أوّل فيلسوف يهودي هو أريستوبول الإسكندري (حوالى عام 150 ق. م). ويُروى أنّه قام بتفسير التوراة المترجمة إلى العبريّة بطريقة فلسفية، مستخدمًا الطريقة اليونانيّة المجازية التي استخدمها الفلاسفة الرواقيّون في إيضاح مؤلّفاتهم الأسطوريّة (هوميروس وهزيود). ويقال إنّ أريستوبول قد علم أنّ عقائد الفلاسفة اليونان تتوافق مع تفسير التوراة للعالم، ذلك أنّ فيثاغورس وسقراط وأفلاطون - بحسب زعمه - قد تعلّموا من المشرّع اليهودي موسى، وهذا أقدم بكثير من الفلسفة اليونانيّة. وندرك بذلك رغبته في التوفيق بين الثقافتين اليهوديّة واليونانيّة. يعدّ فيلون الإسكندري أكبر المفكّرين اليهود في الثقافة القديمة (وقد عاش بين عام 20 ق.م حتّى عام 50 ميلادي)، وهو يُعرف في النصوص اليونانية باسم فيلون اليهودي. وقد تضلّع في الأدب والفلسفة والعلوم اليونانيّة والتوراة. وكان يرى أنّ الحكمة الحقيقية في الحياة إنمّا تتمثّل في الثقافة اليهوديّة وفي التوراة قبل أيّ شيءٍ آخر، وأنّ على الفلسفة اليونانية أن تساعد على معرفة هذه الحكمة بشكل أفضل. كان فيلون يعتقد أنّ على الفلسفة أن تكون في خدمة الإيمان الديني. ويرى كثيرون فيه أوّل لاهوتي يهودي دارت فلسفته حول جوهر الألوهيّة. وبوصفه معاصرًا لعيسى المسيح ولبولس الصوري، فهو كان له تأثير حاسم في نظريّة الألوهيّة في المسيحية. إذ لا تماسّ إطلاقًا بين الله الميتافيزيقي وعالم المادّة (الهيولى)، ونتيجة لذلك لا بدّ من وجود كائن وسيط بين الله الرحيم والمادّة الناقصة، إذ بإمكان هذا الوسيط أن يقيم ربطًا بين العالم السمّاوي والعالم الأرضي. والكائنات الوسيطة هي " القوى " الرواقيّة (الديناميات)، والمثل الأفلاطونيّة، والملائكة في اليهودية. تنقل هذه الكائنات صلوات البشر إلى الله وتنقل إلى هؤلاء الرسائل الإلهيّة. هذه القوى تنبثق من الألوهيّة وتتراءى للإنسان باعتبارها قوّة ونعمة. ومن وجهة نظر يهوديّة فقد تمّت شخصنتها وعدّت في عداد " مملكة الله "، وسميّت الملائكة. يُعدّ المعلّم سعديا بن يوسف مؤسّس التأمّل الفلسفي في الدين اليهودي في القرون الوسطى، وهو رائد مدرسة تلموديّة في بابل. في كتابه كتاب الآراء الفلسفيّة والعقائد الدينية يرى أنّ الفلسفة واللاهوت يعملان معًا على إيجاد الحقيقة، فكلاهما ينبع من المصدر الإلهي عينه. أراد سعديا أن يعرض العقائد اليهوديّة بوصفها نظامًا فلسفيًّا نظريًّا. في هذا العصر انتشرت الفلسفة الأفلاطونية المحدثة في أوساط المثقّفين اليهود. وكان مؤسّس هذا الاجت اه الفكري إسحق الإسرائيلي (القرن التاسع/العاشر ميلادي) الذي ولد في مصر، ودرس الطبّ والفلسفة، وكان الطبيب الخاصّ للخليفة في القيروان؟! وقد أدخل تطوّرًا على نظرية الفيض الأفلاطونية، ذلك أن المادّة والصورة لا تنبثقان عن الذّات الإلهيّة الواحدة، بل هما من خلق هذه الذّات.. مع سالومو بن غبريول (1020 - 1070 م) في إسبانيا تبدأ الفلسفة اليهودية مكتوبة باللغة العربية. وقد ترجم كتابه حول مصدر الحياة منذ عام 1050 إلى اللاتينية. ويطلق عليه الفلاسفة اللاتينيون اسم ابن جبرول وعدّوه خطأً مسلامً. وهو بدوره جمع بين

التصوّرات الأفلاطونيّة المحدثة والأرسطيّة. في كتابه تاج الملوكيظهر تقوى يهوديّة عميقة، فهو يسبّح الله الخالق وسيّد الكون. والعالم بنظره يشارك في جمال الله وكماله، والحكمة الإلهيّة هي مصدر كلّ حياة. كما لمع نجم الفيلسوف اليهودي باخيا ابن باكودا في إسبانيا في القرن الحادي عشر. وتناول أبراهام بارشيا في القرن الثاني عشر في تأملّاته القضايا الأخلاقيّة والحياة السعيدة، وفي كتابه عن الكشف نتعرّف إلى طريقة مقاربة التفكير الأفلاطوني المحدثة. ويعرض المؤلّف هايدر لأعمال فلاسفةٍ يهود آخرين، وصوالً إلى موسى بن ميمون الفيلسوف اليهودي الشّهير الذي نال حظوة واسعة في ذلك القرن الثاني عشر. وهو يرى أنه بإمكاننا أن نسند للذّات الإلهية إرادة حرّة كاملة، فالسببيّة الصارمة عند أرسطو ليست ملزمة. إذ يجب فصل المجال الدينوي عن المجال الإلهي كلّيًّا، وبذلك يمكن عرض عقائد الدين بطريقةٍ عقليّة. وضع الرياضي والفلكي ليفي بن غرشوم في القرن الرابع عشر رسائلَ فلسفيّة، وعبر شروحات ابن رشد تعرّف إلى نظريّات أرسطو. ومع بداية العصر الحديث وجب على اليهود والمسلمين الخروج من إسبانيا، وقد انتهى طردهم منها بحلول عام 1492. وفي إيطاليا في عصر النهضة، ظهر يهودا بن ليون الذي أل ف شروحات على أرسطو وابن رشد. جمع ليون ابريو النظريات الأفلاطونيّة والأرسطيّة والأفلوطينيّة معًا ونرشَها في إيطاليا. لاقى الكتاب استحسان العلماء حتّى القرن السادس عشر، ومنه تعلّم باروخ سبينوزا أيضًا. وقد تجاوز سبينوزا (تويفّعام 1677 الفكر) اليهودي كثيرًا، علامً أنّه تربّى وسط إرث اليهودية، وكان مطّلعًا على نظريّات ابن ميمون وكرسكاس وليون ابريو. لكنّه تخىلّ عن جماعة المؤمنين اليهود، وأراد أن يتماهى مع فكر الثقافة الأوروبيّة. كذلك كتب سلمون ميمون (تويفّ عام 1800) وهو يهودي من ليتوانيا، شرحًا لأعمال موسى بن ميمون، وتعرّف على كتابات إيمانويل كانط وأخذ عنه فرضيّته الأساسية بإمكان بناء دين في حدود العقل المحض. وإلى كانط توجّه أيضًا هيرمان كوهين (تويف عام 1918) وقد كان أستاذ الفلسفة في جامعة مرابورغ. ويُعدّ مؤسّس مدرسة ماربورغ الكانطيّة الجديدة. وعدّ مارتن بوبر (تويفّ عام 1965) نفسه يهوديًّا بولنديًّا وألمانيًّا، واعتقد أنّ بإمكانه جسر الهوّة بين اليهودية والثقافة الألمانيّة. كما التحق بالحركة الصهيونيّة في وقت مبكر، وهاجر إلى فلسطين عام 1938. واخت ذ من التقليد الخاصّ موقفًًّا نقديًّا، إذ أراد أن يوصل مجدّدًا صوت التصوّف الحسيدي. أمّا من مفكّري ما بعد الحداثة اليهود، فنجد إيمانويل لفيناس الذي تويفّ عام 1995. في كتابه الكليانيّة واللانهائيعام 1961 عدّ نفسه المدافع عن الذاتيّة تجاه أشكال الكليانية في الفكر والسّياسة. كذلك انطبع تفكير جان فرانسوا ليوتار (تويف عام 1998) بالإرث اليهودي، اتّبع أواّلً أفكارًا ماركسيّة، ثمّ اهتمّ بفلسفات كلٍّ من كانط وفيتغنشتاين وهيدغر. وفي كتابه شرط ما بعد الحداثة عام 1979 أعلن تقرّبه من الحداثة. وفي سياق الثقافة اليهودية، انصبّ فكر جاك دريدا (تويفّ عام 2004)، الذي عاش طفولته في الجزائر وسط أسرة يهوديّة قبل أن ينتقل إلى فرنسا ثمّ أميركا.

الفلسفة المسيحيّة الحديثة

في الفلسفة المسيحية الحديثة، يعرض الباحث رينهولد استرباور لتطوّر هذه الفلسفة التي تهدف إلى البرهنة على وجود الله، وهي المسألة المهمّة للكنيسة الكاثوليكيّة قبل أيّ شيءٍ آخر، أي العلاقة بين الفلسفة والإيمان الديني. هذه المسألة تمتدّ منذ صدور الرسالة البابويّة عام 1879 والتي ترقى إلى ليون الثالث عشر حتّى الرّسالة البابوية التي أعلن عنها يوحنّا بولس الثاني عام 1998، حيث تمّ التركيز على استقلاليّة العقل وعلى المهمّة التعليمية التي جعلت فوق العقل.

إنّ الخلاف الذي يدور حول ما إذا كان بالإمكان الاعتراف بالفلسفة كسعيٍ مستقلّ إلى الحقيقة أو لا، قد يكون لعامّة على العلاقة الصعبة بين الفلسفة والعقيدة المسيحية أو اللاهوت تحديدًا. عبر هذه الإضاءة يكتسب مفهوم " الفلسفة المسيحية " معنى دقيقًا. وهذا المفهوم هو اليوم إشارة إلى معضلة، إذ لا تملك الفلسفة المسيحيّة منهجية مستقلّة خاصّة بها، الأمر الذي قد يسمح بتصنيفها أو بوصفها إلى جانب الفنومنولوجيا (الفلسفة الظاهراتية)، أو الفلسفة المتعالية أو الفلسفة التحليلية. بل إن المتفلسفين الذي يقولون إهنّم مسيحيّون، هم بدورهم ملتزمون بتيّارات فلسفيّة متنوّعة. وثانيًا لا وجود لموضوعات قانونية ثابتة تنتمي إلى اختصاص يمكن تحديده مضمونيًّا بالقول إنّه " فلسفة مسيحيّة ". فللفلسفة المسيحية من حيث المنهجية والمضمون وجوهٌ متعددة. ويعرض الكاتب أبرز آراء الفلاسفة المسيحييّن من أوغسطينوس 354(- 430 م) إلى أنسلم كانتربري 1033(- 1109 ورينيه)، ديكارت (1596 - 1650)، إذ سعى الأخيران للأخذ بالبرهان الأنطولوجي، أي أنّ مفهوم الله يُستدلّ عليه من ماهيّته إلى وجوده. ثمّ يعرض لفلسفة توماس الاكويني (1226 - 1274) وأكثر البراهين على وجود الله شهرة والتي أطلق عليها تسمية " الطّرق الخمس "، وصوال إلى إيمانويل كانط (1724 - 1804) في كتابه العقل المحض، حيث ينتقد البرهان الأنطولوجي على وجود الله.

الفلسفة الإسلاميّة

كتب كارل برنر عن الفلسفة الإسلاميّة فرأى أن الاستناد إلى الفلسفة الهللينستية - اليونانية كان حاسام بالنّسبة إلى نشأة الفكر الفلسفي الإسلامي وتطوّره اللاحق، لاسيمّا الإرث الأفلاطوني، والأرسطي، والأفلوطيني. ورأى أنّ الفلاسفة المسلمين قد تعرّفوا إلى تأويلات الفلسفة الأفلوطينية للفلسفة اليونانيّة. وانطلاقًا من أفلوطين (القرن الثالث الميلادي) ونظريّته عن الفيض، قام الذين خلفوه بتطوير النظام المدرسي (السكولائي) في الأفلاطونية المحدثة، وكان هدفهم أوّل الأمر الجمع بين أفلاطون وأرسطو. وبهذه الطريقة أمكن تأويل أرسطو بشكل أفلوطيني ما جعل منه حجّة كلّ تفلسف. والنتيجة من ذلك كلّه تمثّلت في إمكان الربط الأكيد بين الفلسفة والدين. وتحت اسم أرسطو كان يصار إلى فهم " اللاهوت الفلسفي في الأفلوطينية "، والتّمييز الأرسطي بين الصورة (الله) والمادّة غير المتشك لة أوصل بتأثير الأفلوطينية إلى تكوّن نظريّة الفيض، والتي تمثّل النقطة المتوسّطة بين تصوّرات كبار الفلاسفة، أمثال الكندي والفارابي وابن سينا من أجل إيضاح العالم والإنسان والكون. ويرى الكاتب أنّنا نجد أنفسنا هنا إزاء نوعٍ من " الحكمة " التي نجد صداها في التصوّف أيضًا. وبذلك تكوّن نوعٌ من العلم الذي يجمع بين الكلام والتصوّف والفلسفة ضمن سياقٍ واحد. رأى إخوان الصّفا بدورهم، وهم تيّار إسماعيلي شكّلوا عصبة سرّية من المتصوّفة في القرن العاشر الميلادي في البصرة، أنّ هدف كلّ تفلسف يقوم على جعل النفس التي هي فيض من النفس الكلّية، تعود مجدّدًا إلى الله، أي أن تصبح شبيهًا به تعالى. وقاموا بوضع موسوعة علم طبيعي - فلسفي، هي رسائل إخوان الصّفا، تضمّنت إلى جانب العقائد الشيعيّة، تصوّرات الفيض الأفلوطيني استنادًا إلى إرث فكري فارسي هندي، ما شكّل عقيدةً فلسفيّة انتقائيّة. وقد قادت هذه النمّاذج ذات الأصل الأفلوطيني أبا حامد الغزالي إلى اهتّام الفلاسفة بالكفر والإلحاد في كتابه تهافت الفلاسفة. وردًّا عليه وضع ابن رشد كتابه تهافت التّهافتورأى إمكانية التوفيق بين الفلسفة والوحي. من جهته، جمع السهروردي بين الوجود والنور، وتبعًا لذلك تُعدّ نظريّته في الوجود نظريّة في النور. فالمعرفة، ومعرفة الذات هما حدث نوراني يحدث في نفس الأفراد. الله هو مصدر كلّ الأنوار، إنّه نور خالص، وليس جسامً، ومن مصدر النور الأزلي هذا ينطلق بالمعنى الأفلوطيني لنظريّة الفيض النور

بمختلف رتبه ودرجاته، ما يعيدنا مجدّدًا إلى مسلّمة القول بأزليّة العالم. نتيجة التطوّر التاريخي العقلي للفلسفة وعلم الكلام، ظهر ما يسمّى بعلم الكلام الفلسفي أو " العلم الإلهي ". بعد الغزالي، قوي التوجّه الفلسفي في أوساط علماء الكلام الفرس كما مع الرّازي (تويف عام 1209 م) ونصير الدين الطوسي (تويفّ عام 1274 م)، وهو ممثّل علم الماورائيّات المدرسي، وقد دافع بوصفه فيلسوفًا عن عقيدة الشّيعة الإثني عشريّة في مقابل السنّة في كتابه تجريد الاعتقاد. أدّى التطوّر الروحي للتصوّف ولعلم الكلام العقلاني في القرن السّابع عشر إلى قيام نظام فلسفي مستقلّ، عُرف تحت اسم " الحكمة ". يجمع هذا النظام بين مختلف التيّارات العقلانية: النظريّة الماورائيّة الأفلاطونيّة - الأرسطيّة، نظريّة الكشف الفلسفية كما عند السهروردي، وحدة الوجود عند ابن عربي، نظرية علم الكلام العقلانية، والعقيدة الباطنيّة في أئمّة الشّيعة بوصفهم تمظهرات النور الإلهي. ويعد ميرداماد (تويفّ عام 1040 م) مؤسّس هذه المدرسة في العلم الإلهي. ترى هذه المدرسة أن " الوحي الإلهي... والعقل الإنساني.. والكشف الصوفي.. بنظر رؤيوي وبالطريقة نفسها طريق لمعرفة الحقيقة الواحدة: يؤكّد النّظر العقلي الحقائق الإيمانيّة المنزّلة بالوحي، كما أنّه يمكن لنتائج النّظر الماورائي أن تدرك بواسطة الرّؤية الصوفية ". بلغ هذا التفكير قمّته مع الملا صدرا الشيرازي (تويفّ عام 1640)، فهو يرى أنّ أفلاطون وأرسطو كانا من الحكماء على غرار الفلاسفة ما قبل سقراط. وهو يعتقد أنّ الموجودات هي تمظهرات الوجود الواجب، أي تمظهرات الله، النّور. بدل مصطلح الفيض يستخدم مصطلح التّمظهر بتأثير من ابن عربي في القول بميتافيزقيا النور. في العصر الذي تلا انصبغت الفلسفة بالأثر الذي تركه الملا صدرا. تبحث الفلسفة العربية - الإسلاميّة في تحديد العلاقة بين الأخذ عن الحداثة الأوروبيّة أو التوجّه إلى التقاليد الخاصّة، إلى الإرث الخاصّ. وبذلك يطرح السؤال عن الهويّة أو عن الاستقلال والتبعيّة. جرى الحوار مع أوروبا المتقدّمة تحت عنوان " النّهضة "، أي تجدّد المجتمعات الإسلاميّة. ولم تحصل أيّ قطيعة مع التقليد الإسلامي، بل كان الأمر يتعلّق بعملية إحياء مع الحرص على الاستفادة من المكتسبات التقنية الأوروبيّة لا من التصوّرات العلمانيّة التي تتعلّق بالنّظام الاجتماعي. ويعرض الباحث لحركة الإصلاح التي دعا إليها جمال الدين الأفغاني ومحمّد عبده وغيرهما، وصوالً إلى المفكّرين المعاصرين من الرّاحل محمّد عابد الجابري، إلى حسن حنفي، وصوال إلى طيّب تيزيني ومحمّد عارف وغيرهم الذين يستندون إلى مظاهر محدّدة من فلسفة ابن رشد ببعدها الغربي، إلى تيّار المعتزلة الكلامي - الفلسفي. كما يعرض لآراء عددٍ آخرَ من المفكّرين المعاصرين من زكي نجيب محمود إلى الإسلام السّياسي مع سيّد قطب، وأبي الأعلى المودودي، إلى تأويل النّصوص مع المفكّرين الراحلين حامد نصر أبوزيد، ومحمّد أركون، وهشام شرابي، وانتهاءً بهشام جعيّط، وحليم بركات، وصادق جلال العظم، وبسام الطيبي، والمفكّر الإيراني عبد الكريم سروش.