العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مارك بلوخ : من فكرة

مارك بلوخ : من فكرة

From the Notion of Marc Bloch’s Sad Societies (Sociétés Tristes) to the Historiography of the Crisis of Transformation and its times

وجيه كوثراني

Wajih Kawtharani

الملخّص

يرى مارك بلوخ أن لا مصادفات عشوائيّة في التّاريخ، ولكنْ - أيضًا - لا سببيّة أحاديّة أو تبسيطيّة كما أشرنا إلى هذا في سياق المراجعة. ولعلّ القلق الدّائم الذي يلازم الباحث عن شروط معرفة عادلة ؛هو الجامع الدّائم بين الباحثين عن الحقيقة في كلّ حضارة وفي كلّ زمان ومكان. على أنّ البحث عن الحقيقة، مشروط بالبحث عن الحرية، ومن هنا كان ذاك التوافق أو الانسجام بين خيارين تاريخيين لدى مارك بلوخ، خيار المقاومة من أجل الحرية، وخيار البحث عن الحقيقة في التّاريخ، ولعل الخيارين كانا وجهين لموقف واحد كما أرجّح.

Abstract

Marc Bloch held that there were no random coincidences in history, but also no unilateral or simplifying causation, as is indicated in the context of this review. Perhaps the constant anxiety of the authors about fair conditions for knowledge is what unites searchers for the truth in all civilizations and at all times and places. However, the search for truth is contingent on the search for freedom, and hence the consistency or harmony between two historical choices for Marc Bloch: the choice to fight for freedom, and the choice to search for historical truth. Perhaps the two choices are two aspects of a single view.

الكلمات المفتاحية:
  • التّأريخ
  • حضارة
  • التحوّل
  • المجتمعات
  • مارك بلوخ.
Keywords:
  • Historiography
  • Civilization
  • Transformation
  • Marc Bloch

قراءة في كتاب دفاعًا عن التاريخ أو مهنة المؤرِّخ

الكاتب

: مارك بلوخ. مكان النشر

: باريس/القاهرة. الناشر

: المركز العربي الإسلامي للدراسات الغربية. تاريخ النشر عدد الصفحات

1 - الإهداء كمعنى

هناك إهداءان وجدهما محقّق المخطوطة

الفرنسيّة على الصّفحات الأولى من كتاب مارك بلوخ

دفاعا عن التّاريخ. الإهداء الأوّل تخليدًا لذكرى أمّه. الإهداء الثّاني إلى صديقه لوسيان فيفر. على سبيل التقديم لهذه القراءة الثّانية لكتاب مارك

بلوخ (1944-1886)؛ لا بأس أن أستعيد جزءًا من

النصّ المُهدَى إلى الصّديق. يقول صاحب الإهداء:

" إذا قُدِّر لهذا الكتاب أن يُنشر يومًا ما، وهو الكتاب

الذي بدأتُ بكتابته كنوع من العلاج في مواجهة أسوأ

التّكديرات والآلام بهدف تحقيق درجة من درجات

توازن الروح (فقد لا يتحوّل أبدًا إلى كتاب حقيقي

يُقدّم للقراءة)؛ سوف تجد يا صديقي اسامً غير اسمك

مسجاّلعلى صفحة الغلاف الداخلي. وبوسعك

أن تستشعر أنه كان ينبغي وضع هذا الاسم في هذا المكان، كتعبير عن مشاعر حنان متأصِّلة ومقدَّسة إلى

درجة أهنّا تجد صعوبةً في التّعبير عن نفسها. وأنت

أيضًا، يا صديقي، كيف أقبل أال أرى اسمك يظهر

سوى مصادفةً في بعض إحالات الكتاب [...]. لقد

* مؤرّخ لبناني. كافحنا معًا زمنًا طويالً من أجل تاريخ أكثر رحابة

وأكثر إنسانيّةً. واليوم، في اللّحظة التي أكتب فيها،

تتعرض رسالتنا المشتركة إلى كثير من المخاطر.

ولسنا السّبب في ذلك؛ فنحن مهزومون مؤقّتًا،

بفعل قدَر غير عادل. لكن سيأتي الزّمن -وأنا واثق

من ذلك- الذي يمكن لنا فيه أن نستأنف تعاوننا

فعليًّا وبصورة علنيّة وحرّة، كما كان عليه الأمر في

الماضي. وفي انتظار ذلك؛ فإنّ هذه الصّفحات المفعمة

تمامًا بحضورك شاهدة -من جانبي- على أنّ مهمّتنا

المشتركة ستستمر ". تختلط الأحزان في هذا الإهداء، فبين حزن شخصي

على وفاة الأمّ، وحزن عامّ على مصير الأمّة؛ خيُ تزن

الألم، ليتحوّل عبر الصّداقة بالأفكار والقيم والحب

إلى أمل.. أمل في أن يُفهم التّاريخ ويُكتب ويُصنع

من جديد. ألف بلوخ خلال سنوات الحرب كتابين

متكاملين، في أيّام الهزيمة (الهزيمة الغريبة)، وأثناء

المقاومة (دفاعًا عن التّاريخ)، فما القيمة التي يمثّلها

هذا الكتاب الأخير؟

-2 كتاب تأسيسي في سياق نشأة مدرسة

في عام 1929، أسّس مارك بلوخ ولوسيان فيفر مجلّة

الحوليات Annales les في فرنسا؛ بهدف تجديد حقل

التّاريخ وإغناء منهجه، وذلك بعد أن سادت -بتأثير

الفلسفة الوضعيّة- نظرةٌ كادت أن تحصر العمل

التّاريخي في حقول التّاريخ السّياسيّ والدّبلوماسي

والعسكريّ، وأن تحبسه في قوالب من الط رائق التّقنية

في تجميع الوثائق ونقدها واستخدامها؛ اعتقادًا بأن

التّاريخ هو سردٌ لما سُمِّي ب " الوقائع الموضوعيّة " في

الماضي. وكان المؤرّخان المذكوران متأثّرين بمدرسة

علم الاجتماع الفرنسيّة، ممثَّلة في دوركايم. وكان

هذا التمّاسّ بين علم التّاريخ وعلم الاجتماع، وقبل

ذلك بينه وبين الجغرافيا والاقتصاد؛ مدخال لتوسيع

حقل التّاريخ من حيث الأغراض والموضوعات،

وتجديد منهج التّاريخ من حيث التّحليل والرّأي

واستثارة الأسئلة. ولعلّ أعمال مارك بلوخ، على قلّتها (بسبب إعدامه

على يد القوات الألمانية في عام 1944)، كانت

شديدة التّأثير في توجّهات المجلة التي انطلقت مع

لوسيان فيفر ثم فرناند بروديل؛ لتصير مدرسةً ذات

قيمة علميّة وثقافيّة محوريّة، لا في فرنسا فحسب، بل

في أوروبا الغربيّة والولايات المتحدة وأنحاء أخرى

من العالم، لا سيمّا في مجال إرسائها للمجالات المعرفية

المتداخلة في علوم الإنسان والمجتمع وتوطيدها. كان فيليب آرييس، أوّل المؤرخين الفرنسيين من

خارج مدرسة الحوليّات، الذين اكتشفوا أهميّة كتابات

مارك بلوخ، في سياق بحثه عن تجديد الفكر التّاريخي

فَي فرنسا بعد الحرب العالمية الثّانية والهزيمة التي مُني

بها الفرنسيّون. وكتب آرييس سنة 1949، في مقالة

تحمل عنوان " التّاريخ الوجودي "، قائالً: " كان مارك

بلوخ يفتح على التّاريخ الكبير حقالً يكاد يكون

جديدًا في فرنسا: تحولّات المشهد الرّيفي عبر التماس

للعلاقة الأكثر حميميّة بين الإنسان ووجوده اليومي

[...]. فالتّاريخ الرّيفي عند مارك بلوخ ليس تاريخ

السّياسات الرّيفية لدى الحكومات أو الإدارات؛ بل

هو تاريخ البنى الزّراعية، وطرائق استخدام الأرض،

وتوزيعها واستثمارها [...]، إنّه تاريخ المشهد المكوّن

بأيدي البشر أنفسهم ". أمّا كتابه المنهجيّ المعنْوَن ب دفاعًا عن التّاريخ أو

حرفة المؤرّخ؛ فكان تتويجًا نظريًّا لمنهج جديد في

التّاريخ، سبق أن مارسه مارك بلوخ في بحوثه من

خلال عمله التأسيسي حول التاريخ الريفيّ الفرنسي

في العصر الوسيط. يبدأ مشروع الكتاب (دفاعًا عن التّاريخ) مخطوطة

لم تكتمل في موضوع " عمل المؤرخ ". وقد أعدّها في

غضون الحرب العالمية الثّانية، في جوّ متوتّر، وبلا عدّة

مكتبيّة تُذكر. وقد بتُرت تلك المخطوطة في سياق

الفصل الخامس؛ عندما ألقى النّازيّون القبض عليه

قرب مدينة ليون. وكان قد انضمّ إلى صفوف المقاومة

الفرنسيّة في عهد فيشي؛ فأ عدم رميًا بالرّصاص في يوم

16 حزيران / يونيو.1944 نشر المخطوطة صديقه لوسيان فيفر في عام 1949؛

بعد أن استلمها من ابنه البكر إتيان بلوخ في نهاية

عام 1945. ومنذ ذلك الحين والكتاب المنشور في

مجموعة " دفاتر الحوليات " Annales des Cahiers

يُستخدم، على الرغم من أنه لم يكتمل، كمرجع

-على نحو ضمنيّ أو صريح- في معظم الكتابات

التي عالجت موضوع البحث التّاريخي ومنهجه،

لا في فرنسا فحسب، بل في العديد من الأوساط

الأكاديمية في العالم. عُدّ هذا الكتاب قطيعةً مع المدرسة الوثائقيّة المنهجيّة

التي سادت قبله في فرنسا. والواقع أنّ القطيعة – إن

وُجدت – هي في ممارسة بلوخ نقدًا حيًّا للمدرسة

المذكورة، ممثلةً بمؤرخيها الكبيرين: سينوبوس

ولانجلوا، صاحبي كتاب: المدخل للدراسات

التاريخية. والحقيقة، هي أنّ هذا النّقد هو إضافة

مُتجاوِزةٌ، وليس قطيعةً. وهو أيضًا فتحٌ لآفاق جديدة

في الموضوع والحقل؛ استكملها لوسيان فيفر وفرناند

بروديلوآخرون، مؤسّسين بأسلوب تراكميّ

مدرسةً تاريخيّةً، سيكون لها -عبر مجلة الحوليات-

دور كبير في توجيه البحث التّاريخيّ، واستقطاب

العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة الأخرى، وفي حركة

معرفيّة محوريّة؛ تستدخل المناهج والطرائق المختلفة

وتستخدمها، لا كتقنيات فحسب، بل كحقول

مشتركة ومقاربات إنسانيّة لأغراض متداخلة

ومتكاملة، ومن موقع التّاريخ. قدّم لطبعة عام 1993 الجديدة المؤرّخ جاك لوغوف،

وأعدّها تحريرًا ونشرًا إتيان بلوخ، الابن البكر لمارك.

وقد أرجع المحرّر إصدار الطّبعة الجديدة لاكتشافه

مخطوطتين كان قد احتفظ بهما منذ عام 1945،

أي مدّة شارفت على العقد الخامس؛ ظنًّا منه أهنمّا

ليستا إالّ نُسَخًا عن المخطوطة التي تسلّمها لوسيان

فيفر، وحرّرها في صيغة الطبعة الأولى عام 1949،

مضيفًا إليها بعض لمساته (إضافة بعض العناوين

الفرعيّة، وأحيانًا بعض الجمل، أو تعديل بعض

الكلمات). أمّا الط بعة الجديدة؛ فقد حاول فيها

المحرِّر أن يصفّي الطّبعة القديمة من " الإضافات "،

على ضوء خط والده الذي" يألفه "، مع نشر " حرفيّ "

للمخطوطات الثلّاث. ذاك هو التبّرير التّقني الذي يقدّمه إتيان بلوخ. أمّا ما

يُسكَت عنه في التّقديم؛ فهو الأزمة التي كانت تمر بها

مدرسة " الحوليّات " في السّنوات الأخيرة من القرن

العشرين بعد رحيل بعض كبارها. ومن مظاهرها –

إذا صحّ التعبير:- " الإعجاز " الذي يقدّمه نموذج من

أعمال بروديل أمام المؤرّخين الجُدد (العمل التوليفي،

وضخامة الحجم، وتغطية المدى الطويل في التاريخ)

من جهة، وغرق الباحثين في معالجات فرعيّة

وقطاعيّة وميدانيّة موزّعة على مناهج وطرائق مختلفة

من جهة أخرى. وهو الأمر الذي تنبّه إليه فرنسوا

دوس؛ فوصف حالة البحث التاريخيّ الفرنسيّ منذ

ثمانينيات القرن العشرين بالتّفتّت أو " التّشظّي ". لم يكن هدف مارك بلوخ تعريف التّاريخ، وتعيين

مهنة المؤرّخ فحسب، مثلما هو دارجٌ في زمنه؛

بل تبيان ما يجب أن يكون عليه التاريخ، وكيف

يشتغل المؤرّخ؟ في الفصل الأوّل -الذي يحمل عنوان " التاريخ،

معرفة الإنسان في المجتمع " -دّد بلوخ هدفحيُ

التّاريخ بأنّه الإنسان، " الإنسان الكل " homme ’ L

total في أبعاده المتعدّدة: في بُعده الأنثروبولوجي

الذي هو موضوع الأنثروبولوجيا التّاريخيّة، وفي بُعده

الاجتماعي (الناس في المجتمع) وهو موضوع التاريخ

الاجتماعيّ أو ما هو جماعيّ أو جمعي Collectif في

التّاريخ. والتّاريخ وفق هذا التّعريف، ليس " حدثيًّا "

وليس " تجريديًّا " أيضًا. يدخل بلوخ من هذا التّعريف مباشرةً حقل الرصّاع

والتّنافس بين حقول الاختصاصات العلميّة

Disciplines؛ إذ ليس التّاريخ سياسةً ومؤسّسات

سياسيّةً وحروبًا فقط، ولا هو فلسفةٌ فحسب، إنّه

دراسة مجتمع بوجه أساسيّ. يقول بلوخ هذا الكلام

في زمن السّيادة العلميّة الدّوركايميّة. إنّه إذ، ا " تعدّي "

على الحدود في المعيار التّصنيفي الوضعي وكذلك في

معيار الدوركايمييّن أنفسهم، الذين " احتكروا "

دراسة المجتمع، وقلّصوا حقل التّاريخ، وحبسوه

في السّجن الذي " استأنس " به المؤرّخون. إنّه تأثّر

بدوركايم، ولكن من موقع المؤرّخ، وكذلك بأعمال

ماكس فيبر من الجهة الألمانية؛ لا سيمّا أنّ مارك بلوخ

ينتمي إلى بيئة ستراسبورغ الثّقافيّة الألمانيّة. ولعل

هذه العوامل مجتمعة، هي التي مهّدت لهذا النوع من

الاختراق المتبادل بين التّاريخ وعلم الاجتماع. إنه

التّجاذب بين علمين، يشدّ الواحد منهما الآخر إلى

حقله ومنهجه في كلّ من فرنسا وألمانيا. كان دوركايم

يرى أنّ عمل المؤرّخ " ينحصر في جمع الرّحيق "، وأن

عالم الاجتماع يحوّله إلى عسل؛ في حين كان مارك بلوخ

يرى أنّ المؤرّخ قادرٌ على فعل الأمرين معًا، لأهنمّا

مسارٌ معرفيٌّواحدٌ، وحقل اشتغال واحد. في المبحث الذي عنوانه " الماضي والحاضر "،

يعرّف مارك بلوخ التّاريخ بأنّه" علم التّغي "

changement du Science؛ في مواجهة التّعريف

السّائد القائل بأنّ التّاريخ هو " دراسة الماضي ". بل

إنّ بلوخ يرى أنّ هذا التّعريف هو " خُلف ")(لهو

Absurde، لا يقوم على سيرورة الزّمن. التّاريخ في

رأيه، هو " دراسة البشر في الزّمن " (الترجمة العربية،

ص 90)؛ وهو نتاج حركة لا تتوقّف بين الماضي

والحاضر: " ذهاب وإياب من الماضي إلى الحاضر،

ومن الحاضر إلى الماضي ". إجابة عن سؤال: ما هو الحاضر؟ يكتب بلوخ: " (هو) نقطة صغيرة في لا نهاية المدّة الزّمنية، والتي

تنفلت باستمرار، أو لحظةٌ تموت حالما تولد. فما أكاد أتحدّث، وما أكاد أعلن أقوالي وتصرّفاتي حتى تغرق

في مملكة الذّاكرة. إهنّا الكلمة الشّائعة والعميقة في آن

واحد؛ والتي نطق بها جوته في فترة شبابه: ليس هناك

حاضر، ليس هناك سوى مستقبل. فالحاضر مقدّر

عليه التّحوّل الأبدي " (الترجمة العربية، ص 81) هذا التّعريف للزمن التاريخيّ، يستدعي – كما يشرحه

بلوخ- حركةَ ذهاب وإيّاب دائمة بين الماضي

والحاضر، بين " مطاردة المعطيات وتفسيرها "؛ وذلك

عبر المساءلة الدائمة التي يطرحها الحاضر. ويفضّل

بلوخ استخدام تعبير " معطيات " Données بدل

" وثائق " Documents، كما يفضّل تعبير " مصادر " على

" وقائع ". فإذا كان المؤرّخ لا يستطيع العمل من خارج

" الشّهادات " Temoignages؛ فإنّ هذه " الشّهادات "

لا تصير وثائق إالّ من خلال عمل المؤرّخ وتفكيره،

أي من خلال " اشتغاله عليها ". ف " الوقائع ليست

ظواهر موضوعيّة " خارج المؤرخ؛ بل هي نتيجة

لعمله وبنائه، ف " المؤرخ خالق الوقائع التّاريخيّة ".

يقول بلوخ: " إن النصوص أو الوثائق الأركيولوجية

التي تبدو في الظاهر الأكثر وضوحًا والأكثر إرضاء،ً

لا تتحدث إلا عندما نعرف كيف نُسائلها " (الترجمة

العربية، ص.)103 عبر هذا التّشديد على دور المؤرّخ في مُساءلة الماضي

لإعادة بنائه؛ كان مارك بلوخ يؤسّس لفكرة

" التّاريخ – المسألة " العزيزة على مؤرّخي مدرسة

" الحوليّات " على وجه الإجمال، وعلى جدلية العلاقة

ا الّمحدودة بين الماضي والحاضر. بيد أن " المسألة التّاريخيّة " محكومةٌ بخطوات " النّقد

التّاريخي "، والتّفسير والتّحليل. صحيح أنّ المدرسة

التّاريخيّة (الموضوعيّة) الألمانيّة، هي التي وضعت

أسُسَ هذا النّقد أواّلً، ثم تبعتها المدرسة المنهجيّة

الفرنسيّة؛ وذلك عبر ما سُمّي " النّقد الخارجي والنّقد

الدّاخلي للنص ". لكنّ مارك بلوخ يطلب من النّقد ألا

يقف عند الخطّ واللّغة والمعاني فحسب؛ بل النّفاذ

إلى داخل النصّ عبر المفاهيم والذّهنيّات والعقليّات،

ذلك هو " التّحليل النّفسي " للنصّ. حيث يحرص

بلوخ على أن يتعامل مع البشر في النصّ على أهنّم

مركّب، كالإنسان المؤرّخ نفسه، المركّب من " جسد

ورغبة ". يذهب مارك بلوخ إلى مطالبة المؤرخ بأن

يقرأ ضمنًا ما هو مسكوت عنه في الوثيقة: " لقد

كانت الوثائق التي عالجها المتبحرون الأوائل، في

كثير من الأحيان، كتابات تقدم نفسها بنفسها، أو

كانوا يقدمونها بصورة تقليديّة، على أهنّا لمؤلف أو

لزمن محدد، فهم يرون عن قصد هذا الحدث أو ذاك.

لقد كانوا يقولون إهنّا تمثل الحقيقة (...)، هذه هي

المشكلة، غير أنّ بمقدار ما كان التاريخ يسير باتجاه

استخدام شهادات لا إراديّة أكثر فأكثر، وبمقدار

توقفه عن الاقتصار على تقييم التّأكيدات الصريحة

للوثائق، عليه أن يرى إذا ما كان ينبغي عليه أيضًا أن

يستخرج منها المعلومات التي لم تكن تريد أن تفصح

عنها " (الترجمة العربية، ص.)123 على أنّ استخدام علم النّفس لديه يكشف " المسكوت

عنه "، ويظلّ يتحرّك تحت سقف المنهج التّاريخي

وضوابطه. وأهمّ ضوابطه " التّاريخ المقارن " على

مستوى التّعدّد والخصوصيّة، وعلى مستوى العام

والخاصّ، وعلى مستوى الفرد والجماعة. وذلك

في كلّ وحدة أو إطار في المجتمع الواحد، أو بين المجتمعات، أو بين الثقافات، أو بين المراحل والأجيال، وحتّى بين الأفراد من بيئة اجتماعيّة

واحدة. يقول بلوخ ملخّصًا ذلك: " الحقُّ يُقال، قلمّا

يكون المجتمع واحدًا. إنه متفك ك إلى أمكنة اجتماعيّة

مختلفة "، بل إنّ قراءة نصّ بلوخ قد تؤدي إلى القول

إنه كان " رائدًا " لفكرة الدّعوة إلى اعتماد " المدى

الطويل " في التّاريخ، ولفكرة " التّمييز بين الذّاكرة

والتّاريخ ". ولعلّ هذا ما تفعله قراءة جاك لوغوف

في المقدّمة؛ رابطةً بين " نصّ التّأسيس " ومعالم مدرسة

" الحوليّات " التي تبلورت لاحقًا. على أنّ بلوخ، كان يحذّر من إطلاق الفرضيّات

المتسرّعة، والتي كثيرًا ما توحي بها " المصادفة

التّاريخية ". إذ يتساءل: " هل صحيحٌ عَدُّ الدّيمقراطيّة

التّعبيرَ السّياسي عن الرّأسماليّة؟ "، هل من الصّواب

أن نماثل بين الرّأسماليّة وروح البروتستانتيّة؟: تلك

أسئلة يطرحها مارك بلوخ لا ليدحضها، وإنمّا ليجري

التّحقيق التّاريخي فيها. إهنّا أسئلةٌ مشروعة،ٌ " شرط

أالّ نفترضها مسبقًا " (الترجمة العربيّة، ص.)194 إنّ الزّمن عصي – في رأي بلوخ – عن " التّطابق

الوصفي "، كما هو " عصيٌّ عن التّجزؤ وفقًا لأجزاء

السّاعة "؛ " إن الزّمن يحتاج إلى مقاييس مرنة

ومتناسبة مع متغريّات واقعه ". ينتقد مارك بلوخ

لجوء المؤرخين " الوضعييّن " إلى التحقيب الزمني

وفقا لقرون أو لأجيال تحدد بالأرقام أو بالسنوات

العشرية أو بعهود حكم ملوك أو أسر، أو بتعاقب

أجيال محددة بسنوات. يقول " دعنا نأخذ حذرنا

من وهم عبادة الدقة الزائفة. فالقطع الأكثر دقة

ليس بالضرورة هو الذي يستدعي وحده الزمن

الأكثر صغرا ". يضيف: " تتمثل الدقة الفعلية، في كل

مدة، في الاحتكام إلى طبيعة الظواهر المبحوثة، لأن

لكل نمط عمقه الخاص في القياس (...)، لا يمكن

لتحولات البنية الاجتماعية والاقتصادية والمعتقدات

والسلوك العقلي، أن تتطابق مع توقيت دقيق للغاية

بدون انحرافات " (الترجمة العربيّة، ص.)193 من الواضح أنّ مارك بلوخ، وبتأثير فلسفة النّسبيّة،

يدعو إلى فكرة "ّالتّفاوت الزّمني " ونسبيّته في الزّمن

التّاريخيّ. وهي الفكرة التي طوّرها فرناند بروديل

لاحقًا، بتفكيك الزّمن التّاريخي إلى ثلاثة أزمنة:

"ٌبطيء جدًا وبطيءٌ وسريع ". وبناءً على هذه المرونة؛

يطرح بلوخ مسألة " العلاقة النّسبيّة "، كأداة " من

أدوات المعرفة التّاريخيّة ". فإذا لم يكن بإمكان المؤرّخ

الإفلات -شأنه شأن العلماء الآخرين- من سؤال

" لماذا " وجواب " لّأن "؛ فإنّ الشّأن التّاريخي يوجب

استخدام " العلاقة السّببيّة " بكثير من الحذر و " الوعي

النّقدي " أيضًا. وأوّل الحذر عند بلوخ؛ تجنّب " وحدانيّة السّبب "،

وتجنّب "ّمسلّمة المنطقي "، وتجنّب -أيضًا - " حكم

القاضي " (الترجمة العربية، ص.)161

يقول بلوخ: " نادرا ما كان مجتمع ما شيئًا واحدًا. إنّه

يتكوّن من أوساط مختلفة، وداخل كل منها لا تتشابك

الأجيال دائم ". ويتساءل: هل القوى التي تؤثر في

عامل شاب (في مدينة) هي بالضرورة بالكثافة ذاتها

مع فلاح شاب؟ " عندما نتحدث عن هذا الجيل أو

ذاك [...] فنحن نثير صورة معقدة وليست بدون

اختلافات [...]، أما في ما يتعلق بتحقيب الأجيال

فمن البديهي برغم الأحلام الفيتاغورية لبعض

الكتاب أهنّا لا تنتظم في شيء. وفقًا لإيقاع الحركة

الاجتماعيّة الأقل أو الأكثر سرعة تتقارب الحدود

أو تتباعد في التاريخ، هناك أجيال طويلة وأخرى

قصيرة " (الترجمة العربية، ص.)195-194 يقول أيضا:ً " الوقائع التاريخية وقائعٌ نفسيّة. لذا نجد

سوابقها في وقائع نفسيّة أخرى. بدون شك تندرج

المصائر الإنسانيّة في العالم الطبيعيّ وتخضع لضغوطه

[...]، لكن عملها لا يتم إلا بتوجيه الإنسان وعقله "

(الترجمة العربية، ص.)196 يحاول مارك بلوخ، في آخر سطور كتبها في الفصل

الخامس من مخطوطته، أن يكثِّف موقفه في اجت اه

العمل المنهجيّ التّاريخي المتجدِّد والمتسائل والحذِر

دائامً: الحذر من " علم نفس مبتذَل "، والحذر من

" إرادويّة منطقيّة "، والحذر من " الحتميّة التّاريخيّة "

(الماديّة)، والحذر من " الحتميّة الجغرافيّة ". وينتهي

الكتاب بعبارة أخيرة لبلوخ: " ألْقُلْ كلّ شيء في كلمة:

الأسباب في التّاريخ لا تُفترض مسبقًا (كمسلمّات)؛

وإنما تَبحث عن نفسها " (أي تُستَكشف) (الترجمة

العربيّة، ص.)202 كان مارك بلوخ، الذي لم يجد تفسيرًا جاهزًا ومقنعًا

للحدث الذي يعيش تحت وطأته (الاحتلال)،

ويجهل مصير الحرب، مثلما يجهل مصيره الشخصيّ؛

يعاني قلقًا موحشًا، هو في أساس تبلور حسّ

تاريخيّ لم يلبث أن أضحى طريقةً جديدةً في التّفكير

التّاريخي. لكن " الجديد " يبقى جديدًا " نسبيًّا " بالنّسبة

إلى مدرسة لا تطمح إلى أن تصير مدرسةً مغلقة،ً

و "نظريّةً جاهزة ". و " الجديد " أيضًا، هو جزءٌ من

التّاريخ، أي جزءٌ من حركة الذّهاب والإيّاب الدّائمة

(بحسب تعبير بلوخ) بين الماضي والحاضر. وهكذا

ينبغي التّعامل مع أي " نصّ تأسيسي "، لكي لا يصبح

نصًّا جامدًا.

-3 قراءة جاك لوغوف لمارك بلوخ:

الخروج من الأزمة بتفكير تاريخيّ

قبل أن يقرأ جاك لوغوف كتاب مارك بلوخ، ليقدّم

للطبعة الجديدة المنقَّحَة من مخطوطته في عام 1993؛

أشار إلى " القدرة غير العاديّة لهذا المؤرّخ على تحويل

واقعه المعيش إلى مادّة للتّفكير التّاريخي ". ويقول:

" نعرف أنّ هذه الموهبة الكبيرة قد عربّت عن نفسها

بوضوح في كتاب الهزيمة الغريبة؛ وهو الكتاب

الأكثر نفاذًا في بصيرته - حتى اليوم -لأسباب

الهزيمة الفرنسيّة وأبعادها في عام 1940. لقد تأمّل

مارك بلوخ الحدث وقت وقوعه – في لحظة سخونته

– وحلّله عمليًّا بعيدًا عن أيّ أرشيف، أو أيّ وثيقة

يمكن أن تكون ضروريّةً للمؤرِّخ. ومع ذلك، فقد

قدّم فعالً كتابًا في التّاريخ وليس كتابًا صحفيًّا، في

وقت ظلّ فيه أفضل الصحفييّن ملتصقين بالحدث ". في الهزيمة الغريبة (1941)، يلاحظ جاك لوغوف

أنّ مارك بلوخ كان مُرهَقًا " بمحنة الهزيمة "، ومشبعًا

بنزعة التّشاؤم، وحامال تنبّؤات كارثيّةً. لكنّه في دفاعًا

عن التّاريخسرعان ما صارت نظرته كمؤرّخ أكثر

وضوحًا، مستلهامً نزعة تفاؤل جوهريّة للإنسان،

وكاشفًا عن رؤية أكثر اطمئنانًا وأكثر اتّسامًا

بالآمال في الأحداث التّاريخيّة. كان يقول " مجتمعاتنا

الحزينة " أخذت تشكّ في نفسها وتتساءل عامّ إذا

كان الماضي مذنبًا، وعامّ إذا كان قد خدعها، أو إذا

كانت لم تعرف كيف تسائله. غير أنّ تفسيره لما يثير

قلقه؛ إنمّا كان يكمن في أنّ هذه " المجتمعات الحزينة "

تعيش أزمة نمو دائمة ". ويضيف جاك لوغوف: " وفي

حين تحدّث مؤرّخون آخرون عن أفول الغرب؛ فإن

مارك بلوخ الذي عرف كيف يحلّل كثيرًا من فترات

الأزمات كفترات تحوّل ونمو، أعطى من جديد دلالة

إيجابيّةً وأمالً لهذه المجتمعات ولحركات التّاريخ ".

(مقدمة لوغوف، الترجمة العربيّة، ص.)29 إنّ كتاب مارك بلوخ دفاعًا عن التّاريخكان نتاج

لحظة تاريخيّة، لحظة فرنسا المهزومة والخائرة القوى

من جرّاء الهزيمة والاحتلال وعار حكم فيشي. غير

أنّ مارك بلوخ أمسك في الوقت نفسه بالارتعاشات

الأولى لأمل في تحرير التاريخ، وإنه ينبغي العمل

ضمن المقاومة الفعّالة والعمل في الوقت نفسه على

تقدم العلم التاريخي بتحرير هذا الكتاب " (مقدمة

لوغوف، الترجمة العربية، ص.)49

-4 القراءة العربيّة لمارك بلوخ: "وهم الأصول"

يطرح مترجم كتاب مارك بلوخ إلى العربيّة أحمد

الشيخ سؤاالً مع ا: هل كان من قبيل المصادفة

استخدام مارك بلوخ لكلمة " أبولوجيا " اليونانيّة في

عنوان كتابه؟ وهل ثمّة تشابهٌ في المضمون مع محاورة

أفلاطون " دفاعا عن سقراط "؟ يجيب المترجم في مقدمته العربية، قائلا: " إذا كان

سقراط يريد أن نبني سلوكنا على أساس دقيق، ويهتم

بمشكلة فقدان المعيار الثابت في ميدان الأخلاق؛

فإنّ مارك بلوخ يبحث عن ذلك هو الآخر في ميدان

التاريخ. وإذا كان سقراط يعتبر أنّ من أهمّ المعايير

التي تميّز صاحب المعرفة عن مدّعيها؛ إنمّا هو امتلاك

القدرة على تقديم " الدفاع " أو " التبرير " (apologie)

لما يقول، فإن مارك بلوخ في كتابه هذا، من بدايته إلى

نهايته، لم يفعل سوى السعي نحو تأكيد هذه القدرة،

والبحث عن شروط المعرفة التاريخية الصحيحة وعن

القياس الدقيق والميزان الصحيح " (مقدمة الترجمة

العربية، ص.)12

على أنّ المقارنة التي يجريها المترجم تستدعي ذكر

مصادفة أخرى، هي أن " دفاع " سقراط عامّ يعتقده

" حقيقة "؛ أدّى إلى التّضحية بالنّفس دفاعًا عنها.

فهل كان مارك بلوخ، أثناء كتابة مخطوطته دفاعًا عن

التّاريخ، وهو يقاوم الاحتلال النّازي، ويكتب في

ظروف قاسية؛ يتهيّأ في تلك اللّحظة نفسيًّا وأخلاقيًّا

لملاقاة المصير نفسه؟ يرى مارك بلوخ أن لا مصادفات عشوائيّة في

التّاريخ، ولكن - أيضًا - لا سببيّة أحاديّة أو تبسيطيّة

(كما أشرنا إلى هذا في سياق المراجعة). ولعلّ القلق

الدّائم الذي يلازم الباحث عن شروط معرفة عادلة؛

هو الجامع الدّائم بين الباحثين عن الحقيقة في كل

حضارة وفي كلّ زمان ومكان. على أنّ البحث عن

الحقيقة، مشروط بالبحث عن الحرية، ومن هنا كان

ذاك التوافق أو الانسجام بين خيارين تاريخيين لدى

مارك بلوخ، خيار المقاومة من أجل الحرية، وخيار

البحث عن الحقيقة في التّاريخ، ولعل الخيارين كانا

وجهين لموقف واحد كما أرجّح. لقد ربط مارك بلوخ، وهو المواطن الفرنسيّ

(يهوديّ الأصول) بين الفكر والموقف. لقد عنت

له مواطنيته -فكرًا وعمالً- رفضًا للغيتو اليهوديّ،

وانخراطًا كلّيًّا وعضويًّا في الشأن الوطنيّ، والتزامًا

برسالة تحرير الوطن من الاحتلال النازيّ. عرضت

عليه وعلى غيره من العلماء والمفكرين الفرنسييّن

مؤسساتٌ أميركيةٌ السفرَ للتعليم في الولايات

المتحدة الأميركية، ولكنه رفض العرض، في حين

أنّ علماء فرنسييّن آخرين قبلوا، بل إن بلوخ انخرط

مقاتالً في صفوف المقاومة الشعبيّة. ينسجم هذا مع موقفه المبدئيّ والمفهوميّ من " عمل

المؤرخ " أي " مهنته كعالم "، وكحالة متَثّل لأخلاقيات

العالم. يتجلى ذلك في هذا الانسجام المتميز بين المنهج

التاريخيّ ومعايشة واقع الأشياء. في مبحث بعنوان

" حول وهم الأصول "، ينتقد بلوخ " الأصوليّة "

كمنهج وموقف وعبر أشكالها جميعها: القوميّة

والإثنيّة والجغرافيّة والدينيّة، إذ ينتقد البحث عن

" أصول فرنسا المعاصرة " عند إرنست رينان، كما ينتقد

البحث عن أصول المسيحيّة عند بوسييه وباسكال.

هذا التفكير الأصوليّ الخالط للأزمنة لا يعربّ فعالً عن

حقيقة الأشياء وتاريخيّتها. ويقول بلوخ: " إنّ استخدام

الماضي بفعالية كبيرة لتفسير الحاضر لم يكن إلا من

أجل تبريره بصورة أفضل أو إدانته، بحيث إنّه في كثير

من الحالات ربما كان شيطانُ البحث عن الأصول

مجرد تناسخ للعدو الشيطانيّ الآخر للتاريخ الفعلي: أي

هوس إصدار الأحكام " (الترجمة العربية، ص.)78 ويضيف بالقول: " إن الفهم الدّقيق للظواهر الدينيّة

الحاليّة، لا يكفي لتفسيرها الاقتصار على معرفة

بدايتها "، " ومن أجل تبسيط المشكلة، فلنتخلى حتى

عن أن نسأل أنفسنا إلى أيّ درجة ظل الإيمان في

جوهره وتحت اسم لم يتغير أبدًا، محافظ ا على نقائه

حقًا. وإذا افترضنا أنّ تراثًا لم يتغير، فسيظل علينا

دائامً تقديم أسباب بقائه، فإذا كانت أسبابًا إنسانيّة،

فهو أمر يمكن الاتفاق عليه، أما إذا كان هذا البقاء

يعود إلى العناية الإلهيّة، فإن هذا يخرج عن نظام العلم

بصراحة [...] إنّ القضية لم تعد في رأيه معرفة ما

إذا كان المسيح قد صلب ثم بعث، إنما يتعلق الأمر

من الآن فصاعدًا كما يقول بفهم" كيف يحدث أن

كثيرا من الناس حولنا يعتقدون بالصلب والبعث "

(الترجمة العربية، ص 78). التدين، إذ، ا " خبرة دينيّة "،

و "ّالمسيحيّة دين تاريخي "، يدرسان كظواهر تاريخيّة في

أزمنتهما. ولكل زمان تاريخه. واضحٌ كيف يقارب مارك بلوخ مسألة " الأصول "

والأصوليات في زمنه. يرفض تفسير الحاضر

بالماضي، ولكنه لا يقطع قطعًا مبرمًا مع هذا الماضي،

إنّه لا يستخدم مفردات الحاضر ليسقطها إسقاطًا على

الماضي، إهنّا مشكلة إبستمولوجية لا تزال تتحك م

في مقاربات عربيّة كثيرة عن الإسلام، سواء من

جهة القائلين بالعودة إلى الأصول من دون إدراك

لإشكالية التطوّر والتحوّل لهذا الإسلام " كدين

تاريخي "، أو من جهة الدّاعين لحداثة تقطع صلتها

مع هذه الأصول. إشكالية مرّ بها التاريخ الأوروبي،ّ

كخبرة تاريخيّة، وكإشكال إبستمولوجي في الوقت

نفسه. يندرج كتاب مارك بلوخ دفاعًا عن التاريخفي

قسم كبير منه في التّصدي لهذا الإشكال. ولعل هذا

أبرز ما تلقي عليه القراءة العربية لهذا الكتاب الضوء،َ

ولذلك كانت القراءة الثانيّة لهذا الكتاب بمناسبة

صدور ترجمته إلى العربيّة.

الهوامش

Marc Bloch, Apologie pour L’Histoire ou Métier d’Historien , édition préparée par: Lucien Febvre, (Par­ is: Armand Colin, 1949), nouvelle édition préparée par Etienne Block, Préface J. Le Gof, (Paris: Armond Colin,

2 2 نشرت القراءة الأولى للكتاب في عام 1999، وقد نشُرت

في كتابي: وجيه كوثراني، الذّاكرة والتّاريخ في القرن العشرين

الطّويل، ط 1، (بيروت: دار الطّليعة للطّباعة والنشّر، 2000)،

ص -163.168

أمّا القراءة الثّانية وهي الحاليّة؛ فقد أ عدّت بمناسبة ترجمة الكتاب

إلى اللّغة العربيّة: مارك بلوخ، دفاعًا عن التّاريخ أو مهنة المؤرّخ،

ترجمة أحمد الشّيخ (باريس/ القاهرة: المركز العربي الإسلامي للدّراسات الغربيّة،.)2012 3 3 في عام 1941، انضمّ مارك بلوخ إلى صفوف المقاومة

الشّعبية الفرنسيّة، إثر الاحتلال النّازي لفرنسا. وقد كتب أثناء

المقاومة كتاب " الهزيمة الغريبة "، وسمّى فيه مجتمعه ب " المجتمع

الحزين "، ثمّ شرع في كتابة مخطوطته " دفاعًا عن التّاريخ ". وقُبيْل

إنجاز المخطوطة، توفّيت والدته التي سجّل لها الإهداء الأول.

وخلال كتابته الفصل الخامس؛ ألقى النّازيون القبض عليه،

وأُعدم في عام 1944، فكان من الطبيعي أن يرشح الإهداء بهذا الحزن المشوب بالكدر، ولكنْ المفعم بالتّفاؤل بالتّاريخ. 4 4 نعتمد في هذه المراجعة لكتاب مارك بلوخ على الترجمة العربية في تحديد أرقام الصفحات التي نحيل إليها، ونشير إلى أرقام الصفحات في سياق المتن، (الترجمة العربية، رقم الصفحة.) 5 5 عديدة هي الدّراسات التي عالجت موضوع نشأة مدرسة

الحوليات ووسّعته، كما درست العوامل التي أطلقتها، ولا سيما في

الأدبيات الفرنسيّة. راجع:

Guy Bourdé, Hervé Martin , Les Écoles Historiques, (Paris, Éditons du seuil, 1983, 1997), pp. 215-244. Et: François Dosse, L’Histoire en Miettes: Des "Annales" à la "Nouvelle Histoire" (Paris: La Découverte, 1987). Philippe Ariès, Le Temps de L’Histoire , (Paris: Éditions du Seuil, 1986), p. 226.

7 7 عنوان أطروحة مارك بلوخ:

Les Caractères Originaux de L’Histoire Rurale Fran­ çaise, du X1 e au XV111 e siècle (1931), (Paris: Librairie Armand Colin, 1956)

8 8 لا نلاحظ اهتمامًا بمدرسة الحوليات الفرنسيّة لدى

المؤرخين العرب المعاصرين، سواء في ما تعلق بنشأة مجلتها

(Les Annales 1929) أو دورها ا الّ حق، مع أن المناظرات

الفكريّة التي أثارتها المجلة منذ تأسيسها، خلقت جوًا وأفكارًا

في الغرب لم تغب تأثيراتها الصريحة أو الضمنية على الإنتاج

التاريخيّ العالميّ آنذاك، في حين أنّنا لا نلاحظ ذكرًا لها ولأعمال

مؤرخيها لدى أسد رستم وحسن عثمان أو نقولا زيادة أو عبد

العزيز الدوري... إشارة وحيدة إلى كتاب دفاعًا عن التاريخ أو

مهنة المؤرخ، لمارك بلوخ، نجدها لدى قسطنطين زريق في لائحة

المراجع، في: نحن والتاريخ (بيروت: 1959). والملاحظ أن

قسطنطين زريق استخدم بعض مفاهيم مارك بلوخ في مسألة

العلاقة بين الحاضر والماضي (من دون الاستشهاد به صراحة)ً. 9 9 تُعدّ كتابات فرناند بروديل قفزةً علميّةً على طريق بلورة

" مدرسة الحوليات "، وإنضاجها نظريًّا ومنهجيًّا عبر مقالته الشهيرة

" التاريخ والعلوم الاجتماعية: المدى الطويل " (1958)؛ والتي دعا

فيها إلى دراسة " الحركة القرنية " mouvement séculaire و " القرن

الطويل "، واعتماد تداخل العلوم الاجتماعية في المقاربة التاريخيّة:

F. Braudel, "Histoire et Sciences Sociales: La Longue Durée," Annales , 10/12/1958, p. 725-753.

أعيد نشر المقالة في:

F. Braudel, Écrits sur L’Histoire (Paris, Flammarion,

10 François Dosse, L’histoire en miettes: Des "Annales" à la "Nouvelle Histoire" , (Paris: La Découverte, 1987).

11 1 عن تأثير ماكس فيبر في كتابة التاريخ الاجتماعيّ وفي ما

أصبح يُدعى "ّعلم الاجتماع التاريخي "، قارن مع:

Paul Veyne, Comment on Écrit L’Histoire, (Paris: Édi­ tions du Seuil, 1978), pp. 197-198.

12 1 على الرغم من النقد الذي وُجّه إلى المدرسة الوثائقية

المنهجيةّ، فإنّ أساليب نقد النّص ظلّت مُعتبرة وقيّمة. فقد سبق

أن بانت أهميتها بالنسبة إلى المثقفين الفرنس نيّ ودورهم في عملية

الدّفاع عن دريفوس. " ففي هذه القضية تعرّض بريء للاتهام

بذريعة ’ المصلحة العليا "، واستنادا إلى وثائق مزوّرة. وقد استفاد

المدافعون عن دريفوس من منهج النقد التاريخيّ للمصادر الذي

يتيح التميّيز بين الوثائق المزوّرة من جهة والصحيحة الأصليّة من

جهة أخرى " (ملاحظة يثيرها فرنسوا دوس F. Dosse في حوار

أجراه حسّان العرفاوي ونشر في مجلة M.A.R.S (العالم العربي في

البحث العلميّ) عدد شتاء 1997، باريس، معهد العالم العربي)ّ. كما أن مارك بلوخ، على الرغم من انتقاده لصاحبي كتاب مدخل

للدراسات التاريخيّة (انجلوا وسينوبوس)، كان يكن احترامًا

كبيرًا لأستاذيه، مؤلفي الكتاب. ويقول: " أرى من الآن تحديد

موقفي تجاه كتاب شهير بحق، في حين أنّ كتابي مبني وفقًا

لخطة أقل تطورًا، وخاصة في أجزاء معينة منه، ولا يدّعي أبدًا

أنّه يحل محله. لقد كنت تلميذًا للمؤلفين، ولا سيما لسينوبوس.

لقد منحني كلاهما قدرًا قياّمً من رعايته. ويدين تكويني الأول

لتعليمهما وإنتاجهما. ولم يعلمّاني فقط أنّ واجب المؤرخ الأول

أن يكون صادقًا بل ساعيًّا إلى تأكيد أنّ تقدم دراستنا هي نتاج

التناقض الضروري بين الأجيال المتتالية من المؤرخين. وسأظل

وفيًا لتعاليمهما مع انتقادهما في الموضع الذي أراه ملائامً وبحرية،

كما آمل أن يأتي اليوم الذي ينتقدني فيه طلابي بدورهم ":. في دفاعا

عن التاريخ (الترجمة العربية، ص.)57 1 يعجب جاك لوغوف للتشابه بين تعبير " المجتمعات

الحزينة " لمارك بلوخ " والمدارات الحزينة " لكلود لفي ستراوس،

فيرى " أنه مثير للدهشة "! (الترجمة العربيّة، ص.)29 1 راجع سيرة موسعة نسبيا عن مارك بلوخ في:

F: Dosse, Op. Cit., pp. 50-56.