العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التأسيس للخيال المجتمعي في الرواية المغربية

التأسيس للخيال المجتمعي في الرواية المغربية

The Construction of Societal Imagery in the Moroccan Novel

شعيب حليفي

Chouaib Halifi

الملخّص

استطاعت الرواية المغربية التأسيس لخيال مجتمعي يعكس جماليات الكتابة الروائية والتنويع في الموضوعات وفي مؤشرات الوعي الذي يكتب، فلم تعد حكرًا على النخب التقليدية أو المدن التاريخية (فاس، الدار البيضاء، الرباط، مراكش، طنجة..)، بل امتدت إلى الفضاءات الهامشية مُنصتة لمشاعر وقضايا غير تلك التي عالجتها النصوص الروائية المعروفة. هكذا، تصبح الرواية ذاكرة المجتمع الخيالي بنسغه ومشاعره المتحولة، ترسم مسارات تراجيديا اجتماعية ضمن لَعِبٍ تخييلي ينحاز إلى الإبداع وتطوير كل الأدوات للوصول إلى المعنى الضائع في زحمة الخطابات الزائفة، وهو ما يخوّل للروائي، بهذا الوعي، أن يتقدم بعيدًا في تخوم مغامرات الكتابة باعتبارها المجال الفسيح للخيال والصراع، في إثبات لجدوى الكتابة الروائية ودورها في فهم الواقع ورصده وتأويله؛ ذلك الواقع الذي لم تعد له حدود فاصلة ومرئية مع اللاواقع، بين ما حدث فعلًا وما سيحدث احتمالًا، كما تشير إليه الرواية.

Abstract

Moroccan fiction has managed to construct a social imagery that reflects the aesthetics of the novel and a diversity of subjects and which is no longer the monopoly of the traditional elites or of the historical cities of Fes, Casablanca, Rabat, Marrakesh, and Tangier, but has extended to marginalized spaces that express feelings and issues other than those dealt with by well-known novels. In this way, the novel has become the imaginative memory of society, with its lifeblood and changing emotions, allowing the novelist to explore the adventure of writing. The writer thus enters an arena open to imagination and struggle while demonstrating the value of the novel and its role in understanding, recording, and interpreting a reality which no longer has clearly visible boundaries with the unreal, and between real events and possible events as portrayed by the novel.

الكلمات المفتاحية:
  • الخيال المجتمعي
  • الرواية المغربية
  • التأويل
  • اللاواقع
  • تراجيديا إجتماعية.
Keywords:
  • Social Imagery
  • Moroccan Novel
  • Social Tragedy

استطاعت الرواية المغربية التأسيس لخيال مجتمعي يعكس جماليات الكتابة الروائية والتنويع في

الموضوعات وفي مؤشرات الوعي الذي يكتب، فلم تعد حكرًا على النخب التقليدية أو المدن

التاريخية (فاس، الدار البيضاء، الرباط، مراكش، طنجة)، بل امتدت إلى الفضاءات الهامشية

مُنصتة لمشاعر وقضايا غير تلك التي عالجتها النصوص الروائية المعروفة. هكذا، تصبح الرواية

ذاكرة المجتمع الخيالي بنسغه ومشاعره المتحولة، ترسم مسارات تراجيديا اجتماعية ضمن لَعِبٍ

تخييلي ينحاز إلى الإبداع وتطوير كل الأدوات للوصول إلى المعنى الضائع في زحمة الخطابات

الزائفة، وهو ما يخوّل للروائي، بهذا الوعي، أن يتقدم بعيدًا في تخوم مغامرات الكتابة باعتبارها

المجال الفسيح للخيال والصراع، في إثبات لجدوى الكتابة الروائية ودورها في فهم الواقع ورصده

وتأويله؛ ذلك الواقع الذي لم تعد له حدود فاصلة ومرئية مع اللاواقع، بين ما حدث فعلا وما

سيحدث احتمالا، كما تشير إليه الرواية.

تقديم

لا تعكس الرواية، عمومًا، الصدى بأصواته وحركاته كلها، وإنما حت اوره وتختار التعبير عامّ تراه رمزيًا

غير مباشر؛ لأن كلّ نصّ يعربّ عن أفق ما، فهو متشكل من الأصوات والأفكار المختلفة ومن نسائج

التعابير والأحلام والمعتقدات والتطلعات والقيم. وهو من ثم، نص ثقافي يبنى من عدة عناصر، يتداخل في بنائها

تراكم الخطابات، الخاضعة للتوجيه والتطور أو التعديل في رؤيتها الجامعة والمشتركة، تبعًا للمهيمن المرجعي.

والرواية بعامة، في مسيرتها، وبحكم تفاعلاتها وأدوارها، تؤسس لأسئلة وقيم وعلامات، لذلك فهي تسعى

للاحتفاظ بدورها في داخل نسق عام في المجتمع، وتحتاج إلى تجديد دمائها وتطعيم حركاتها، وتعضيد رؤيتها

وهويتها بمراجع ذات قنوات متعددة وسجلات مفتوحة على دينامية المتخيّل الجمعي، عبر استمدادات للقول

الشفوي، والأفكار، مع الحاجة باستمرار إلى مراجع لتأكيد هويتها وهوية انتمائها الثقافي والاجتماعي وتحصينها؛

مراجع اجتماعية منفتحة على تفصيلات المعيش، تلتقط جميع التلوينات المحلية من لغات ولهجات وعادات

وأوعية وتناقضات ومتخيل لإكسابها ملح الخصوصية. والرواية المغربية، خلال مسيرتها القصيرة المتلازمة بالتطور والتجديد، عبر تنوع كتّابها وسرعة التحولات

المجتمعية والثقافية، تتفاعل في تحققها ووجودها بهويتها وخصوصيتها، باعتبارها قناة ترفد شبكات غير محدودة

من القنوات والسجلات وتتواصل، بالتلقّي، مع مراجع من ثقافات أخرى ذات خصوصيات ووظائف مغايرة. دنا عدد من المفكرين والمثقفين والباحثين، خلال نظرهم إلى الإبداع الروائي وعلاقته بالمجتمع، من تشخيص

تجاذب النص السردي بين الذات والتاريخ والمجتمع، وهو تشخيص يحيل على مرجعيات رصيد الانطلاق

الذي يعود إلى أسئلة الواقع المتجددة ومرجعها الثقافي الطويل، ثم الاجتماعي والنصي/الإبداعي والنظري.

ولعل في عودة الروائي إلى سؤال علاقته بالمجتمع والإنسان ما يؤكد أن وجودنا الأنطولوجي والحضاري رهن

مدى قوة ثقافتنا، وأن ما يقع اليوم من تحولات على الصعد كافة، يعجل الحاجة إلى التخييل باعتباره الأقرب

إلى الفهم والتأويل. والحال، أنه تتضافر في تشكّل أي ثقافة، في مرحلة تاريخية معيّنة عوامل، متعددة ومعقّدة،

معلومة وغير معلومة، فيها عناصر ومكونات تكون مصدر قوتها أو ضعفها، وتكسبها التبعية أو الخصوصية. ساهمت، في تشكّل الرواية المغربية وتطورها، وخصوصًا في المرحلة التي نحن بصدد التوقف عندها -1992(

2012)، عدة عوامل أساسية أبرزت ملامحها وخصوصياتها، نجمل منها الأكثر تأثيرًا وحضورًا: -1 دور الجامعة المغربية، باعتبارها إطارًا معرفيًا عمل على تفعيل الأسئلة الثقافية المرتبطة بالمغرب والمشرق،

والدرس الروائي، وكذلك التحسيس بالتيارات النقدية الغربية، وهو ما حقق تراكامً في البحث الأكاديمي

بخصوص الرواية والاهتمام بها نقديًا. -2 الصحافة الثقافية بما عكسته من أفكار وأسئلة ومناقشات، وتيسير للمعارف والترجمات. -3 المثاقفة المتعددة الأوجه مع التراث، ومع الشرق والغرب بآدابه ولغاته. -4 الدور الريادي لبعض المثقفين الأدباء الذين مارسوا التوجيه العلمي والإشعاع الثقافي والتعريف بالرواية. -5 التأثير القوي للدينامية الاجتماعية والسياسية، ومشاركة الأدباء في الشأن العام. الأكيد أن هذه العوامل الخمسة وغيرها، كان لها شأن مشهود في تطور الرواية المغربية وتحديثها، هي وباقي

الأجناس التعبيرية، وذلك لاعتبار مهم هو استمرارية هذه العوامل، حيث كانت، منذ البداية، قوة دفع في فك

الارتباط مع ما يشد إلى التقليد والتبعية، أو الخطب الرسمية، ونشدان التحرر وإثبات الذات. ولعل أهم تحرر يمكن التوقف عنده، خلال العقدين السابقين، هو تحرر الخطاب الروائي، الذي هو جزء

ملتحم بالخطاب الثقافي، من وهم الشعارات ووهم الاحتماء بالماضي والأحلام التي تفتتت على مراحل دامية،

لذلك كانت الرواية بوحًا «ثأريًا» وواجهة لإضاءة الزوايا والمنحنيات المعتمة، لاختبار الذات وتحقيق الهوية في

تعريفها الحداثي المجسِّد لما تريد الرواية المغربية أن تكونه وتُعربّ عنه. ولفترة طويلة كان البُعد الثوري في الخطاب

السياسي يرخي بظلاله السرابية والرومنسية على الخطاب الأدبي في الشق الإبداعي، الشعر والرواية، وهو ما

جعل بنى التحديث في هذا القول الأدبي حاضرة في الرؤية والصوغ. وترتيبًا لفهم طبيعة التحولات الاجتماعية والسياسية المرتبطة بالقول الروائي، لا بد من فهم وتحديد بعض

العوامل الأخرى المتصلة بما سبق، منها الرغبة في إثبات الذات ثقافيًا ورمزيًا في وسط واقع كان –  وما زال-

يُصادر الأصوات ويزج بها في مساحات التهميش المتعددة. إن ملامح هذا الجدل وتطوره بين طبيعة المرحلة، والتعابير الروائية المختلفة، تجسدت في وعي المثقفين بأهمية

الرواية جنسًا له مقدرة على تأويل العالم؛ فمنذ التسعينيات سنجد انخراط كتّاب من حقول أخرى يكتبون الرواية

ويجتهدون في كتابتها، كتّاب من حقول الفكر والتاريخ والفلسفة والدراسات الدينية والسياسة والنقد الأدبي

والشعر... لأن الرواية تمتلك تلك البوابة السحرية للتشكيل الفني باللغة والنقد، تعبيرًا وبحثًا عن الذات،

وفكًا للعزلة عن الصوت الداخلي الموصول بأصوات مفترضة من غير القادرين على استعمال الكتابة، عمومًا،

والتخييل على وجه التحديد. كما ترتبط الرواية، في هذه الفترة بالذات - وهي ما زالت مستمرة، وفي تطور

مطرد- بالتحرر والانتفاض، وأيضًا بالانعتاق من الانهيارات السريعة المتتالية لأحلام جميع الأعوام السابقة.

حداثة التعبير وتحديث المجتمع

يحتاج أي تحوّل إلى نخبة تحمل أفكارًا ومرجعية تستند إلى ثقافة وقيم ومشاعر. ولكي تتطور هذه النخبة، لا بد

لها من نخبة مضادة تحمل مرجعية أخرى تتصارع معها. هذا هو شأن الحالة المغربية منذ الاستقلال (1956) إلى

العقد التسعيني من القرن العشرين الذي عرف تحولا سيقود اليسار المغربي إلى تأليف الحكومة المسامّة «حكومة

التناوب»، حيث كان إحساس المثقفين وخطابهم متوجهيَن نحو مجتمع حداثي وديمقراطي، يقطع مع جميع

الممارسات القديمة. إنه انفتاح سياسي محسوب، سيعمل المثقفون على استثماره وتوسيعه في وسائل الإعلام وفي

كتاباتهم، خصوصًا في الصحافة المستقلة أو في عشرات المؤلفات السردية، من روايات ومذكرات ويوميات وسير

ذاتية لمعتقلين سياسيين وضباط ممن شاركوا في انقلابات بداية السبعينيات. كانت أفكار هذه الكتابات، التي

استمرت في الظهور على مدار العقدين الأخيرين، تتماس مع الوعي السياسي النقدي والحقوقي الذي اكتسب

شرعية شعبية، كما تلتقي التطور النوعي للرواية المغربية في جمالياتها والدلالات الجديدة التي انفتحت عليها.

كما كان هناك، من جهة ثانية، انتعاش مباحث أخرى في الخطاب التاريخي والفلسفي، والخطابات الأخرى التي

تنتمي إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية، وتتميّز بالجرأة في القراءة والتأويل والتقويم. هكذا باتت الخطب متوازنة في نظرتها ونقدها وجدلها مع الواقع وتحولاته، تزامنًا مع انفتاح الإعلام المكتوب

في المغرب بظهور صحافة شبابية غير متحزبة، بالمعنى الضيق، وخطابها متحرر يعرّي المحرّمات، بالإضافة إلى

1 ابتدأ النقاش حول فكرة التداول على السلطة (سمّي لاحقًا التناوب التوافقي) مع الملك الحسن الثاني عام 1992، متزامنًا مع الشروع

في نقاش عام للإصلاحات السياسية والديمقراطية ممثلة في إطلاق المعتقلين السياسيين، وتدشين مرحلة الانفراج السياسي، وتوسيع نطاق

الحريات العامة، وإشراك أطراف المعارضة السياسية في تدبير الشأن السياسي للبلاد، إضافة إلى إجراء تعديل دستوري. وهو ما تحقق في

14 آذار/مارس 1998 بحكومة سيترأسها المعارض عبد الرحمان اليوسفي، باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية برفقة حلفاء

آخرين من الكتلة الديمقراطية. وهي التجربة التي ستتعثر إثر انتخابات أيلول/سبتمبر 2002، حيث سيتم إزاحة اليوسفي وتعويضه

بوزير أول تكنوقراطي (إدريس جطو) من أيلول/سبتمبر 2002 إلى أيلول/سبتمبر 2007 بحكومة سيترأسها حزب الاستقلال في

شخص عباس الفاسي وستستمر إلى حين تشكيل حكومة حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) في 3 كانون الثاني/يناير 2012 بعد فوزه

في انتخابات أيلول/سبتمبر.2011

ظهور جمعيات ثقافية وحقوقية، غير حكومية. وقد أنضجت هذه التجارب الحقل السياسي والإعلامي والثقافي

بمفاهيم جريئة متفاعلة مع الحقل الثقافي، الذي عرفَ تشابك ا غير مسبوق بين المعارف، وهي تصوغ تصوراتها

ضمن محاور الإنسان والمجتمع وما ينتجانه، وهو ما بات مدار التفكير والتخييل وملتقاهما بجميع الأساليب

الممكنة، تنويعًا في التواصل والتجذّر. إنها مرحلة ستعرف فيها الرواية المغربية طفرة بملامح التجديد والتحديث، تمتد وتتواصل مع مراحل سابقة

تعود إلى حركة «أنفاس» الأدبية، والبحث في السرد المغربي ومكوناته مع أحمد اليبوري، والكتابات النقدية

لمحمد برادة، وروايات وقصص مغربية ترفدها بهواجس شتى مع عبد الله العروي ومحمد زفزاف وأحمد المديني

وعبدالكريم غلاب والميلودي شغموم وعز الدين التازي، وأصوات شبابية تلتحق بهؤلاء.. بالإضافة إلى

حلقات أخرى في التشكيل والزجل والأغنية والمسرح. ستصوغ الرواية المغربية، من خلال هذه القنوات، ملامح التحديث في غياب بنى تحتية حداثية، وستعرف كيف

تتفاعل مع الأشكال والتعابير كلها، ومع الحركات الثقافية والفنية الداخلية والخارجية، ثم الاهتمام بالتيمات

والتقنيات بشكل مواز، بحس رومنسي ثوري ورؤية واقعية صدامية، تحن إلى الأحلام المفقودة، أو تركن إلى

الذات بحثًا في دواخلها عن خيوط للقبض على شيء ما. وقد تجلّت ملامح التحديث الأولى عبر التحكم في

اللغة والمتخيل، من خلال تكسير جاهزية الجملة المهادنة بتركيبات قوية، معربّ ة، حوارية تنحت لنفسها أنفاقًا في

المعاني، وترتبط بمرجعيات اليومي والعابر والهامشي والذاتي. وعلى مستوى المتخيل، جرى الاقتراب من الذات

والتاريخ والمجتمع بخصوصيات كل كاتب وسعيه إلى تحقيق قول فني فاعل. أمّا على المستوى النقدي، فقد

تبلورت رؤى نقدية ومنهجية في إثر تفاعل الحقول والمجالات وتطور المرجعيات، والتراكم النصي، واستمرار

دور الجامعة والصحافة في الحوار الأدبي والثقافي عامة. ولا بد من التصريح بأن هاجس التعبير عن الذات

والتاريخ والمجتمع كان أساس التحول في أساليب الكتابة والارتباط بتنويعات التخييل الذي ارتقى من إثبات

الذات عبر الكتابة إلى تأكيد وجود أدب مغربي مغاير يصوغ أشكاله التعبيرية مما تبدد ولم يتحصل في الواقع. إن الوعي بالتحديث عند الروائي المغربي هو وعي جميع المثقفين في هذه المرحلة، وبالتالي، يُنظر إلى حداثة الرواية

من حداثة الأدب الذي لا يتحدد بقيم جاهزة، ولكن بمنظور الأدباء ووعيهم، وبالمرحلة ومعطياتها وأنساقها

المهيمنة. وإذا كان التحديث خلال النصف الأول من القرن العشرين، ومن منظور محمد الحجوي وابن الموقت

المراكشي والتهامي الوزاني... ملائامً للمرحلة ومقتضياتها، فإنه سيرتبط في العقدين الأخيرين، بحركات

التحديث في الآداب الإنسانية كلّها، مع بعض الخصوصيات والملامح المتحققة. وقد قارب الروائيون ونقّاد الرواية المغاربة هذا التحقق التحديثي والتطور من منظورات متقاربة، أكان ذلك

في كلّيتها أو من خلال شكل تعبيري مفرد؛ فمحمد برادة ينظر إلى الأدب نظرته إلى باقي الأشكال التعبيرية،

كونه يحاور الزمان ويحمل بصماته، ويرصد حركاته. وهو يرى أن الأدب المغربي الحديث عاش خمسين عامًا

من التجريب والتراكم، إلى أن توافرت له اليوم اتجاهات متباينة في الإبداع وفهم الأدب ضمن سيرورة تحول في

المفهوم وطرائق الكتابة.

2  محمد الحجوي وابن المؤقت المراكشي والتهامي الوزاني: كتّاب ومصلحون مغاربة تركوا عددًا من النصوص في أدب الرحلات

والسيرة الذاتية.

3 محمد برادة، فضاءات روائية (الرباط: منشورات وزارة الثقافة، 2003)، ص.93

4  برادة، فضاءات، ص.275

أما أحمد اليبوري، فيقف في دينامية النص الروائي على أن التجديد في الأدب الروائي المغربي يبدأ من المغامرة

في مناطق التوتر والاختلال، ويتحقق في الانفلات من أوليات الارتداد والتماثل. وقد رصد اليبوري ملامح

التجديد والتحديث في أحد عشر نصًا روائيًا، كما رصد كيفيات استثمارها للواقعي واللاشعوري والأسطوري...

برؤية موسعة وشمولية، تتناول التجديد والتحديث، في الأدب الروائي المغربي ضمن الرواية العربية انطلاقًا من

المكون اللغوي والمتخيل والمثاقفة. وفي الفصل الخاص بالمكونات التحديثية للأدب المغربي، يدرس أحمد المديني مجموعة من المكونات الأساسية

والمؤشرات الداخلية والخارجية، متلمسًا أبعاد الواقعية والملمح التاريخي والاجتماعي في هذا الأدب المثقل

بالتاريخي والاجتماعي والتيارات الإيديولوجية والتأثيرات المتنوعة، وآثار المثاقفة. ويحدد المديني، في دراسة أخرى له، الأدب المغربي في حلّته التجديدية ومنشئه الحديث بما لا يربو على نصف

قرن إجمالا. وقد تشكل جزء كبير من هذا الأدب قبيل الاستقلال وابتداء من العقد السبعيني، وحتى بطريقة

اعتباطية، في كنف مؤسسة سياسية خاضعة في مرحلة أولى لتطلعات الحركة الوطنية وقيمها، وفي مرحلة لاحقة

لإيديولوجية الحركة التقدمية الخاضعة لمطامح اليسار بتشكيلاته المختلفة، وهي التي احتوت الرؤية الأدبية بدءًا

من ستينيات القرن المنصرم. إن التجديد والتحديث في الأدب المغربي أفقان شغلا – كما يذكر عبد الحميد عقار – الأدباء المغاربة، وإن

مفهوم الأدب، بما راكم، خضع لتغييرات مرافقة للسياق الثقافي والمجتمعي الموسوم بالدينامية وهاجس

التأسيس والبحث بروح المساءلة وإعادة التفكير. تصبح الرواية المغربية بهذا الوعي الذي يلامس جوهرها ويصوغ اتجاهاتها، مدركة لعناصرها ومكوناتها، وهو

ما يتيح للعملية الإبداعية محطات للمساءلة والتطور وبناء خصوصيتها التي لا يمكن فصلها عن تيارات مدركة

وأخرى غير مدرَكة.

تخييل الرؤية الاجتماعية

ظلّ تلازم الحوار بين التفكير والتخييل، أو الفكر والخيال، مستمرًا في الرواية المغربية، وهو ما تجلى في النصوص

الإبداعية، أو في حوارات المبدعين؛ إذْ لا تخلو رواية من إقرار موقف أو مواقف معربّ ة عن رفضها لواقعها بشكل

مباشر أو عن طريق الانغماس في شيء آخر يكشف عن هذا الرفض بشكل غير مباشر. لا تأتي الرؤية/الرؤى في الرواية المغربية إلا في سياق فني متضافر مع ما هو ثقافي واجتماعي وسياسي، كما تعرب

عن ذلك روايات عبد الله العروي، حيث تبدو الحكاية منسابة وأساسية، في خلفيتها نهر جار من الأسئلة التي

ختُفي تفكيرًا عميقًا في قضايا حارقة، عبر أساليب كتابية تختار أفقًا حداثيًا ينشدُ مجتمعًا حداثيًا.

5  أحمد اليبوري، دينامية النص الروائي (الرباط: منشورات اتحاد كتاب المغرب، 1993)، ص.140

6  أحمد اليبوري، في الرواية العربية: التكون والاشتغال (الدار البيضاء: مكتبة المدارس،.)2000

7  أحمد المديني، الكتابة السردية في الأدب المغربي: التكوين والرؤية (الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 2000)، ص.80-57

8  أحمد المديني، «ملاحظات وتأملات على عتبة التاريخ الأدبي،» في: الكتاب الجماعي الأدب المغربي: مداخل للتفكير والسؤال (الرباط:

منشورات رابطة أدباء المغرب، 2000)، ص.62

9 المديني، ملاحظات، ص.67

10  عبد الحميد عقار، «مسارات الأدب المغربي الحديث،» في الكتاب الجماعي الأدب المغربي: مداخل للتفكير والسؤال، ص.10

إن عبد الله العروي، الذي يكتب التاريخ، مُدققًا ومُفكك ا من خلال مفاهيم ومرجعيات مضبوطة، صارم في كل

كلامه، يتحول إلى «لاعب» يجرّب المرونة والمراوغة في النظر وتقليب الواقع، وتشخيص التباساته بوعي يشكك

ويؤول، ويترك للحكاية فرصة استثمار كل حبكاتها اللعبية لبناء سيرورة أصوات متعددة أو مواقف المؤلف،

التي قد لا تكون بالضرورة انعكاسًا لمواقفه التي يعربّ عنها في كتاباته الفكرية والتاريخية وفي حواراته. يقول عبد الله العروي: «إني لا أميل إلى الرواية إلا بدافع تجاوز ما يظهر من صرامة في تحليلاتي الإيديولوجية

والتاريخية... وهناك مبرر آخر، في كتاباتي الإيديولوجية أفكر، باستمرار، فيما يفرض على الجميع القرار الذي

يجب أن نتخذه؟ لما أكتب، لا أضع المشاكل المُّلحّة، الحضارية والاقتصادية والاجتماعية منها، التي تتطلب

الاختيار والحسم». والحال، إننا نجد الشيء نفسه بالنسبة إلى محمد برادة في روايته الضوء الهارب، حيث

ينسج العيشوني ومعه غيلانة وفاطمة، مسارًا متنوعًا للرواية من خلال تمثلّات قيمية، حقيقية ومزيفة، تتغذى

من الفكر والفن بتلذّذ جمالي. رؤية واحدة بمواقف متعددة تستوقف رواية بولنوار، للباحث السوسيولوجي والأديب عثمان أشقرا، قارئها وهي تتحدث عن فضاء

هامشي لمركز يوجد في ضواحي مدينة خريبكة المغربية، ويجسد كل ملامح التناقض والعبث في الثراء الفاحش،

كما تمثّله ثروة يستخرجها عمال يحيون في فقر وموت. رواية لها – كما تقول كلمة ظهر الغلاف – «خصائصها

السردية التي امتزج فيها التسجيلي بالتاريخي والتعدد اللغوي بتعدد الرؤيات السردية، والمعرفي بالجمالي والسردي

بالإيديولوجي، فضلا على أنها حققت خاصية نوعية في إنجاز رؤية ذات نكهة مغربية وخصوصية ملحوظة في

المعجم السردي، ناهيك عن الشخصية والموضوع ذي النفس الملحمي الذي أعاد الاعتبار لصورة الجماعة.»... وقد استطاع أشقرا أن يذيب صوت الجماعات المقهورة في سلاسة لغوية ناعمة، وغاص في باطن كهف مظلم

سيحوله إلى خلوة لانبلاج النور، وعجن الغبار بالأفكار والخيال. صوت جديد يثأر بالكتابة من حياة بالية،

من خلال رسمه صراعًا أزليًا يحكمُ الحياة الإنسانية، بين التكرار والإبداع، بين الاستكانة التي تتحول إلى ثبات

وخنوع وموت وبين القلق الجذري وتشابكاته مع التجديد والتغيير وجوهر الفرح. من ثمة جاءت قدرة الحكي،

المنتمي إلى الإبداع والقلق، على تحرير الواقع من أسر الأطر التي أنشأها تحت مسميات الحقائق والبديهيات،

تحريره بإعادة تخييله وتأويله من خلال بعض الحوادث والوقائع، وعبر بناء تمثيلات مُصغرة وذات مغزى واحد

أو أكثر تضيء الحياة. قد يبدو للمؤرخ أن عددًا من الحوادث يجد ما يشبهه في ما مضى، أو يجد ما يفسره، ولكن هذه الحوادث هي

بالنسبة إلى الروائي اللعبة الأقدم في الحياة، لعبة الحقيقي والتخييلي، وما بينهما من حلم ووهم وأسرار وتطلعات.

كاتبها يشتغل في السوسيولوجيا ومناضل يساري ومثقف عضوي مَعْنيّ بتفاصيل تشكّل الأفكار ودلالات

الوقائع، وهو ما قاده، في النهاية، إلى وعي روائي، بدا له الأقدر في القبض على الزمن البولنواري الضائع.

هذه الضروب من الوعي بخبرتها، أفرزت لغة تفيض سخرية وقتامة وحُبًّا فريدًا للحياة والناس البسطاء. وبها

كتب عثمان أشقرا صورة ناطقة بالإبداع عن المغرب الذي لا نراه ولكننا نعيشه بطرق متعددة. وقد عربّ عن

11  عبد الله العروي، من التاريخ إلى الحب: حوار (الدار البيضاء: نشر الفنك، 1996)، ص.66

12  محمد برادة، الضوء الهارب (الدار البيضاء: نشر الفنك،.)1993

13  عثمان أشقرا، بولنوار (مراكش: منشورات سبو،.)2010

ذلك في رؤية فصيحة لحكي التاريخ المنسي عن «المدن السفلى»، خريبكة ثم المراكز المحيطة: بوجنيبة، شعبة

اعمارة، بولنوار... ضمن عجائبي يَدهسُ الواقعية، ليعيد إليها جُرأتها المفتقدة، ويذكر أن الموت والحياة صنوان

لا نقيضان. بُنيت رواية بولنوار على أحاديث تروي مواقف كبيرة وصغيرة بالتناوب؛ سيرة فضاء بولنوار والتحولات التي

طاولته وأسّست لولادة شريحة جديدة في المجتمع: شغّيلة الفوسفات في المنجمين الأول والثاني، وبداية العمل

النقابي. واستطاعت أن حت دد تمثيلاتها لواقع بولنوار المكان والزمان والإنسان. إنها مساحة لعدد من الأفكار

تتحدث عن الرؤية عبر اللغة والأحاديث ثم المكان. وبكل تأكيد، فإن قارئ رواية بولنوار سيكتشف أن كل شيء يمر عبر الشخصيات والأحداث واللغة التي كُتبت

بها الرواية وشكلت أُم السلطات الرمزية، فعبرها تتكلم ضروب الوعي والرؤى، وتتحدثُ الدلالات، ويُمكن

القبض عليها من زاويتين اثنتين: الزاوية الأولى، تمثلها لغات الرواية الموزعة بين أحاديث من سرود متقاطعة،

تُفضي إلى صور حكائية. والزاوية الثانية يُضيئها التعبير اللغوي الدارج وملامح المحلية المرتبطة بالمكان من جهة،

وبالشخصيات من جهة أخرى. إن اللغة التي تتحدث بها الرواية ليست لغة المراسيم والخطب، أو لغة مُقر ر

يستعجل الانتهاء من تقريره، بل هي لغة منسابة ذات مقدرة على التواصل ببلاغتها التي لا تستعيرها من خارج

عوالمها، وإنما هي حميمية حية بإنتاجها دلالاتها الخاصة. أما الشخصيات، فإن كل ملفوظاتها تحمل مواقف

صريحة، خصوصًا في ثلاث لحظات بارزة في سيرورة الرواية: اللحظة الأولى، مع ثلاث شخصيات تتناوب على حكي الرواية من خلال أحاديث تعمل على تقديم الحكايات

في المركز العمالي بولنوار، في مقهى بنعلال، حيث الع ل الذين يعملون على الحفر في الغار، يستخرجون

الفوسفات، بعض منهم يموت تحت الردم، وبعضهم الآخر يخرج إلى ساحات الحياة البسيطة والمعقّدة في آن،

المسالمة والعنيفة. الشخصية الأولى، دادَّا العامل والمؤرخ الشعبي، ماكينة الكلام يعرف كل شيء لأنه مول المكازة الفهيم: يتحدث عنه صديقه ولد العزوزية قائلا: «دادّا، يا أستاذ، رجل عجيب غريب نحن نُلقبه – جميعًا - بماكينة الكلام، فهو – سبحان الله يبدأ معك الحديث

حول موضوع معنيّ، وأنتَ – على نيتك - تُصغي إليه، فيتوقف الدم في مخك، وفي عروقك، من طول الاستماع

إلى الرجل، ولا يتوقف الرجل – أو الماكينة - عن الكلام. ماكينة حقيقية تدور وتطحن الكلام وتطحن السامعين طحينًا. ولكن الرجل – والشهادة لله - هو دغري ومعقول... شلح... مثل كل الشلوح بني عمُّو...آغراس آغراس...

فهو قد خدم في الحشّة بوزورا، وخدم أيضًا فرمايا يضع البيلات ويسحبها، ثم أصيب، فنقّل ليخدم في مستودع

العتاد المركزي المسمى بالمكازة مسؤولا عن الداخل والخارج من العتاد» (ص. 12) دادّا شخصية روائية، حك اء له تعابيره الخاصة التي جعلت من أحاديثه حكايات عجب وخرافات، بلغة صافية

ومرنة، كأن يصف، مثلا، الزمن قائلا: «كان الزمن في بولنوار – يا أستاذ – يجري كأنه حصان راكض... طرطق طرطق طرطق... وبالكاد ينتهي

حادث أو لا ينتهي... حتى يقع آخر... وبالكاد نخرج من هذه الواقعة أو لا نخرج... حتى ندخل في أخرى.

وأنتَ، يا أستاذ، تسألني سؤالا صعبًا لما تطلب مني أن أحدثك، أنا دادّا، عامّ كنتُ أفكر فيه، وأفهمه إزاء ما كان

يحدث ويقع. فمرة مرة -وبالخصوص لما أخلو إلى نفسي في المكازة – كنتُ أنظر إلى صفوف الماتريال التي رتَّبتها

ترتيبًا ونظمتها تنظيام – وهذه هي خدمتي – فأتساءل: لماذا لا يكون الكون كله عبارة عن مكازة كبيرة والله تبارك

وتعالى هو صاحبها الأكبر» (ص. 71) إنه يتكلم بلسان واحد ولغتين، يروي عن نفسه وعن الآخرين الذين هم جزء منه، ثم يتكفل بالحكي نيابة عن

امبارك النيكرو. إنه يمثّل، هنا، الوعي الحك.ّاء الشخصية الثانية، ولد العزوزية، الذي يجمع بين الحكي والنضال، يجسدُ الوعي الممكن، إذ حياته منفتحة على

قصص كثيرة: قصة والده الغالي المتوفى في مناجم لانوار في فرنسا؛ قصة جده الذي قتله القائد الكبير؛ قصة

أمه العزوزية التي تحيا معه. ومنذ وفاة ستة من العمال في داخل الغار، سيولدُ ولد العزوزية الآخر، المدافع عن

حقوق رفاقه، مُع ا بذلك عن تحوله إلى عقل جدلي يقف بين مُعادلة السياسي والنقابي. ومن صفاته أيضًا، حبه

الصادق لأصدقائه، وخصوصًا الطاهر وبّا البهلول والرفيق كولونا ثم زوجته تعزة. يقول وهو يصف نفسه في

لحظة بوح: «وأعترفُ لك الآن، يا أستاذ، بأن كل شيء كان في ذلك الوقت جديدًا عليَّ. وكان عقلي يعمل بسرعة خارقة من

أجل أن يفهم ويساير. لكن منظر أمي العزوزية – لما أعود من المنجم بعد الظهر، وأبدل ثيابي بسرعة. وأتغذى

على عجل، وأهبط إلى الفيلاج الذي لن أعود منه إلا في الليل المتأخر – منظر أمي العزوزية الحنينة وهي غارقة

في وحدتها في البيت بعد كدها في الحقل كان مثل شوكة مدقوقة في جنبي الأيمن... جهة الكبدة. فأنا كبرت

وتربيتُ في جوارها ولم أعرف امرأة غيرها. فبويا الغالي هو مجرد صورة في الذهن – صورة جسد مهلوك سقط

فوقه الردم وطمره في للالوار في شمال فرنسا مع عمال آخرين. أما أمي العزوزية، فهي هذا الجسد اللي هو من

لحم ودم. واللي كبرت أشم روائحه -رائحة العرق المتصبب فوق الجبين المزين وسطه بوشم ورائحة الحرقوص

المنقوش به الوشم. وهكذا كبرتُ، يا أستاذ، وسط عرق أمي العزوزية، وحرقوص أمي العزوزية، وكبر معي

الشعور بأن الحياة تتطابق مع مجرد روائح ملأت أنوفنا في أويقات معلومة ولا تغادرها قط ولا نحن نقوى على

أن نتخلص منها. لذا لما كنتُ ألبس الكومبليزو وأثبت الكاسك فوق رأسي، وأحزم الشاقور فوق ظهري، وأشد

اللمبة في يدي، وأروح على مهلي أتقدمُ داخل المنجم منحنيًا مثل دودة، كانت الروائح المنبعثة من حولي هي ما

أحس بأنه يشبه بحرًا -بحر روائح...أعوم فيه» (ص. 31)

الشخصية الثالثة، سي موحماد، وهو فقيه من السوس الأقصى، يَعتبرُ العلم جِهادًا؛ يظهر في البداية بصورة

الفقيه المتجهم ثم تنمو صورة أخرى للفقيه المناضل، قبل أن تستقر الصورة الثالثة له، صورة المسؤول الأول في

حزب سياسي وطني كبير في المنطقة. لغته دينية مليئة بالتقابلات، وبدوره سيعربّ عن تحولاته في خُط ب الجمعة

التحريضية، ثم بعد خروجه من المعتقل وتزويج ابنتيه لولد العزوزية والطاهر. إنه في كل هذا جيُ سِّدُ الوعي

المتحول، الممتلك للغة مُشبعة بخطابات عامة مشتركة. يقول متحدثًا بلغته: «باسم الله الرحمان الرحيم. بات الخبر يقينًا بأن البلاد مُقبلة على أحداث جسام. خطاب الملك في طنجة ونشاط

الزعماء الوطنيين في القاهرة وفك أسر شيخ المُجاهدين وأسد الريف والشرق العربي الذي يغلي، كل هذا

فعل فعله في العقول والنفوس ولا تسأل عن العقول والنفوس عندما يصيبها مس من انفعال هائج فتفيض»

ص.)164(

اللحظة الثانية، وتمثلها شخصيات هي جزء رئيس من بناء الحكايات، وردت في كل أحاديث الرواية والرواة

الثلاثة، وأبرزها شخصية بنعلال وداره، بعرصتها والطاحونة والحانوت والمقهى، باعتبارها فضاءً للحكي

و«لاكس الحكاية». وبنعلال الذي جيُ سد الماضي الملتبس، هو عبدٌ حرطاني، خدم في دار المخزن، وفي جيش

فرنسا لمحاربة الثوار العرب في الشام، بعد ذلك سيستقر في بولنوار، ويتزوج ثلاث نساء: الحلبية الحاجة زهرة،

وعيشة الصحراوية، ثم فطيمة. وسيمرض لفترة طويلة لا يراه فيها أحد، مرض النفخ العجيب وداء آخر غريب

يصيبه ليموت في النهاية، مثل ماض لا تحبه ولا تكرهه. أما صالح الأعمى (بَّا صالح) فهو علامة عجائبية، يسمّونه «مول الوقت». ذاكرة تلتقط وتسجل جميع الحوادث

في بولنوار، متنبئ سيختفي ثم يظهر ويختفي. يتحدثون عنه كرمز متقابل مع شخصية بَّا البهلول الشرقي. رفيق

والد ولد العزوزية في مناجم لالوار بفرنسا، والذي عاد معطوبًا. يتشبه بالنصارى في اللباس وتدخين البِّيبّا.

وهو شخصية قوية لا يخشى أحدًا، يسبّ المخزن والاستعمار جهارًا ويستفز الفقيه. كما كان دوره أساسيًّا في ربط

العلاقة بين ولد العزوزية والرفيق كولونا. إنه بالنسبة إلى الرواية، مرجعية الوعي الممكن كما سيحياه الطاهر أيضًا، رفيق ولد العزوزية، من أولاد سيدي

طوخما، ويمثلُ صورة المناضل الذي يحيا عاريًا بوجدانه في مجتمع متقلّب، يتزوج وردية، بعد حب سوريالي

فاضح، ثم تموت وردية في أثناء الولادة، فينحرف ويضيع، قبل أن يُعتقل ويعود إلى حلبة الصراع مع رفاقه

العمال ويتزوج من ابنة الفقيه. وفي تمثيل آخر، تجيء شخصية امبارك النيكرو، وهو ابن ملك قبيلة بامبارا من السنغال كما يروي، اختُطفَ وب يعِ

للقائد الكلاوي في مراكش؛ ثم يفرُّ ويقوده قدَرُه إلى بولنوار ليُصبح مُصلّحًا للأحذية. لكنه يقع تحت ظلم القائد

الذي يحتقره ويعتقله، وفي النهاية يتهمه بجنحة التشويش بالحكايات التي كان يرويها على لسان دادّا، وهي

حكايات مجازية تُؤَوِّلُ الحوادث الكبرى للرواية. باقي الشخصيات: المعلم بليوط، زهرة الشامية التي فاقَ لها الراقد بعد موت زوجها بنعلال، عيشة الصحراوية

التي تحولت إلى عشّابة ومولِّدة، عبيبيس ناقل الأخبار، ولد الهاروش العجيب، والأستاذ النوري صاحب

السوليكس الذي يُمثلُ حزب الشورى؛ أما شخصية الرفيق كولونا، الشيوعي الأممي، الذي جاء من الويجانطي،

فقد كان سببًا مباشرًا في تنظيم العمال نقابيًا قبل أن يتم إبعاده عن بولنوار. ولأن كل الرواية تحبل بصراع ما، فإن شخصيات أخرى تمثّل الوعي المغلوط، تُناهض الحكاية وحياة الناس

الطبيعية: المراقب المدني مسيو بيران، المهندس الشاف، القائد الصغير، حمّادي الشّكام، الشيخ الجيلالي

والعبدوني. وتكتمل صورة الشخصيات في رواية تحيا بهم، أناس أسويّاء عرفوا التحول والانصهار كما عرفوا

الامتساخ والشر. تأسيسًا على كل ما سبق، طافت رواية بولنوار على قضايا تُؤرخ لأشكال الوعي الاجتماعي وحوادث حافزة

ساهمت في التحول إيجابًا أو سلبًا: عام البون والحرب العالمية الثانية ثم الجوع والهجرة والجراد والجفاف «ونبت

مثل الفقاع المزيد من النوايل والبراريك في السفيت والدوار، وراح بشر مهلوك ونصف عار يظهر في طرقات

بولنوار ملتقطًا أي شيء يصلح للأكل ليأكله» (ص 108). ثم الاحتجاج والاعتصام والمفاوضات والنفي

والاعتقال والظلم والعنصرية والاختفاء والموت (العمال، أم ولد العزوزية، وردية ووليدها، بنعلال.)... إن انصهار ضروب الوعي هو الذي كتب الرواية بعدما تحولت إلى لاوعي جمعي في مخيال باحث سوسيولوجي

جذري، له رغبة في التغيير والتجديد والفضح والثأر برواية تقف على الحافّة الخطرة للواقعية الاجتماعية، وقد

استطاع أن يُنتج نصًّا روائيًا يمكن أن نسميه نصًا ثقافيًا مفتوحًا على اللغات وضروب الوعي والاحتمالات

المفقودة. فبالإضافة إلى إفساح المجال للشغيلة المنجمية، من البروليتاريا، خاض المؤلف تجربة تأثيث الرواية

بأربعة عناصر ذات وظائف جمالية ورمزية: - الحكايات التي يرويها مبارك النيكرو على لسان دادّا، ثلاثة عشر حكاية ذات مغزى، تعمل على تأويل مجرى

الحكايات البولنوارية؛ - الأحلام وهي سبعة، تعكس الوعي الشعبي الاجتماعي والمنافذ التي يخلقها للتنفيس عن الكرب؛ - الرسائل التي توصل بها المؤلف من ابن مشيل كولونا وأدرجها في الرواية على دفعات، في هوامش مضبوطة،

بدورها تقوم بعملية تفسير الكثير من الحوادث؛ - الأمر نفسه مع ورقات الأستاذ النوري الذي لم يتمكن الكاتب من جمُالسته، قبل وفاته، ولكنه عثر على مقالات

وخواطر وجزء من مذكراته كان ينشرها في جريدة حزبه الرأي العام بتوقيع " بونواري "... أخذها المؤلف، مُعيدًا

ترتيبها ونشر مقتطفات منها. هكذا تصبح رواية بولنوار «ملحمة البروليتاريا» التي تُسجل، بتخييل رائق، سِريَ المغربي الذي عاش في باطن

الأرض.

الكاتب وشخصياته

كان لإبداع محمد زفزاف، ومن بعده محمد شكري، دور في الانتباه إلى ضمير المتكلم الصريح وهو يتكلم بوحًا،

بعد تنويم أو «قتل» الرقيب الذاتي، ثم ضمير الغائب الذي يستبطن داخله تلك الأنا وآثارها وراء أقنعة الضمائر. إن تطور الرواية يأتي عبر توغلها في المناطق المسكوت عنها، وفي تجرؤ أدوات الروائي على إبداع تحويلات في

ما تعوّدَ القارئ مطالعته والاستمتاع به. وبالفعل، فإنّ لكل مرحلة أبطالها وخيالها وقضاياها التي تطرحها

بالأسلوب واللغة المناسبين. ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي، عرفت صورة الشخصيات انعطافات نضجت

في العقد التسعيني وما زالت مستمرة في نصوص أغلب الروائيين؛ شخصيات هي أبطال تتصارع وسط الوحل

والرذيلة، داخل النفق، تحيا من أجل نفسها وسط تدمير روحي مستمر وخراب وجداني وركام غريب من

التناقضات والتحولات المشوّهة للقيم والأفكار. تتحكم تجربة محمد برادة في رسم مسارات التخييل انطلاقًا من الشخصيات وملفوظاتها، ارتباط ا بالأفق المحدد

للكتابة وعوالمها، كما يحقق هذا المستوى تفاعلية مع النص والسياق والمتلقي. ففي رواية مثل صيف لن يتكرّر

يفتتح الرواية ببداية عنونها ب «عتبة محطة باب الحديد:» « قرأ حماد ما كتبه منذ عشر سنوات في ورقة بيضاء» (ص. 7) بداية تكشف -كما عوَّد محمد برادة المتلقّي لنصوصه الروائية- عن لعب روائي معادل لشكل منهجي تمثّل في

ما يلي:

14  محمد برادة، مثل صيف لن يتكرّر (الدار البيضاء: نشر الفنك،.)1999

- استجلاء العلاقة بين الكتابة وكتابات أخرى للمؤلف وللرواة معًا، وتحقيق البعد الإحالي للشخصية (حماد)،

في هذا النص، وعلاقته بنصوص سابقة للمؤلف؛ - الكشف عن ارتباطات واعية بين النص والجنس الذي تُكتب ضمنه هذه المحكيات؛ - الارتباط بالتذكر والمذكرات، وبالكتابة عمومًا. ولعل محمد برادة في هذا النص -كما في رواية الضوء الهارب - يحقق ما توصل إليه إدوارد سعيد في بعض

ملاحظاته، وهو يحتضن ويناقش فكر فيكو، بأن هناك دائامً تفاعلا بين البداية والتكرار وبين البداية وإعادة

البداية، وأن اللغة، باعتبارها تاريخًا يكيّفه التكرار تشفيرًا وتشتتًا، ممارسة وفكرة.

إنه نسق عام يتجلى، مرتبطًا بالقراءة والكتابة والفن والزمن، مستحضرًا البطل والمتلقّي على مستوى التخيل،

حيث تُبنى في مثل صيف لن يتكرّرمنذ الجملة/البداية، صورة البطل القارئ والتلقي والكتابة والقراءة في مسار

واحد متراكب، وهو ما تختبره وتعربّ عنه الرواية ككل، لتصبح هذه الصورة مول دًا علائقيًا ومعربًّا عن وعي

البطل بما كان وما سيكون. أما أحمد المديني الذي يزاوج بين البحث عن أبطاله وواقع مغربي مسكون بالصراع والتشذر، فإن روايته

المخدوعون، تحفل بمواقف تغذي الوعي والخطاب، ضمن متخيل ثقافي يصهر الاجتماعي بالسياسي ويوَلد

رؤية انتقادية تطاول ماضي جيل كامل ينتمي إليه الرواة. وقبل المخدوعونحقق المديني في ثلاث روايات سابقة (مدينة براقش 1998، العجب العجاب 1999،

الهباء المنثور 2001) ما يشبه تشك ل متخيل يُقرأ بأكثر من صيغة، ليعربّ عن رؤية فصيحة في المخدوعون التي

يحق عليها ما جاء على لسان إحدى الشخصيات وهو يصف نفسه: «ولدتُ في نطاق الخيال وكبرتُ في محيط

الذكرى» (ص. 194)، وهي أيضًا امتداد في شكلين ومرحلتين: امتداد لنسيج المتخيل العنيف والانتقادي الذي

اختطه أحمد المديني لنفسه عبر رصده للوعي الجمعي والذاتي، وإعادة تشكيلهما ضمن سياقات مفترضة تهفو

إلى الحقيقة، وسياقات حقيقية تتطلع إلى الاحتمال. وامتداد أيضًا لتجربته الروائية، برصيدها المعرفي والفني وفي

بحثه عن المغامرة. ورواية المخدوعونتحقق لنفسها سمة النسب إلى مرايا المتخيّل المغربي والعربي من جهة، وإلى بروق المديني من

جهة ثانية، مرايا مساحاتها «تضيئ ولا تعكس، تتخيل ولا تقرر» ممتدة في أمكنة من أولاد حريز والدار البيضاء

وفاس إلى باريس ونقط أخرى هنا وهناك. إنها مرايا تعكس ملمح التجديد في الرؤية، وتبحث عن المخدوعين

الذين يتركون في الرواية صدى البحث عن الخداع. إن تشكل الدلالات فيالمخدوعونيضيء، بقوة، الصراع الأزلي بين الحياة وأوهامها، بين الزيف والحقيقة. وهو

" بحث متولع " يتخلق ضمن قضايا كثيرة يعالجها أبطال المديني، وبمعالجة فنية، بعيدة عن الآثار المباشرة لمرحلة

السبعينيات، التي كانت فيها رواية المديني زمن بين الولادة والحلم على عكس ما اكتسبه المديني من خبرات،

إذ ينتقل من المحاورة، بلغة أقرب إلى الأفكار، إلى حواريات متناوبة وتنسيبات في فضح الخداع والأوهام التي

يتخبط فيها الأبطال، حيث توسعت المعرفة في الرواية على مستويات عدة. ومنذ البداية تتأطر رواية المخدوعون

15  فريال جبوري غزول، «أثر فيكو على ادوار سعيد،»، العدد ألف 25 (2005)، ص.220

16  أحمد المديني، المخدوعون (الرباط: مطبعة المعارف الجديدة،.)2005

بتيماتها في باريس عبر «البحث المتولع عن مرتكز للذات، وعن أفق للكرامة الإنسانية، تقوده شخصيات تتقلب

فوق جمر الهوى والنضال والغربة وخداع الحياة.» وقد تمكّن أحمد المديني، بأصواته وتمظهراتها داخل التخييل، من إدخال المتلقّي المفترض في لعبة السرد والقلق

والبحث والتناوب في الحكي، وذلك للوصول إلى دائرة تتوسع باستمرار، في داخلها رواة وثوار تعصف بهم

رياح ويعصفون بالأفكار والقيم؛ ذلك أن الحكي في سرود هاء (هناء-هادية) فرصة للتخفيف من ضغوط

الورطة، وأداة تطهيرية لشيء خلف آثارًا لا تمّحي. ولكن البطل السارد، الذي يتخفى وراء كل شيء مثل لاعب

متمرس، يتدخل بتعقيبات تعيد ترميم ما يلمع خادعًا، بل يعيد تأويل الحوادث بتفصيلات متدثرة بالتأملات

والغمزات التي تعري الخداع ستائره وأحابيله المحمولة في سلوكيات جديدة: «ثم إن الصدفة أكبر منا، فلا أحد منا يتحكم فيها، تعقد وتحل وحدها، ونحن في تمام يقظتنا أمامها، نظن أننا

نقبض على زمام الأمور، ونسير كما نشاء مصيرنا من أول الحبل والخيط إلى نهايته، وحيث نتبين بأن الزمام فلت

ننتفض مستغربين كيف سهونا، ولا ننتبه أن مصيرًا آخر ما نمشي فيه، كالعميان نمشي ولا نتراجع» (ص. 45) أليست شخصيات غانم والجيلالي المعتوق وعبد الغني وعبد الرحيم المزابي والمخبر اسكي في المخدوعونهي

من كانت تتحرك في الزمن المغربي، وهم ممن بدأوا يشيخون في منفاهم، أو ممن اكتشفوا أن آخرين، في الداخل،

يتحدثون ويفاوضون باسمهم وبحساب عذابهم الماضي، يمكن أن يحصلوا على غنيمة الحلم. إن الإحساس بالخيبة والورطة بلغ مدى جماليًا راقيًا في الرواية وهو يصف بعض المفكرين بالمتسلطين وبعض

السياسيين بالوثنين، وما يستتبع ذلك من تذكّرات ضمن مفاصل حكائية مكثفة، عامرة بالوجع، تتصادى

بداخلها لغة سردية بإحالات انتقادية في سياق جمالي يخلق الإحساس بالروائية من خلال عناصر تحضر في مجرى

النص كله حضورًا لافتًا متوترًا: - تأثيث النص بالمعرفة من خلال حضور الفكر والمفكرين وآرائهم ومحاضراتهم فتتحول عدة صفحات إلى

قراءات نقدية لأفكار وتصورات كانت تعج بها باريس؛ - خاصية معرفية أخرى طريفة، وهي بناء الرواية فوق خريطة دقيقة النسيج، حية متفاعلة فكل الأبطال

يرتبطون بهذا النوع من الأمكنة، من مرور بشارع أو زنقة أو هبوط إلى المترو أو جلوس بالمقهى أو وصف. وقد

جاء بناء هذه الخريطة فنيًا ومتلاحقًا ولن يخفت إلا في الفصل الأخير؛ - دينامية أبطال الرواية وتحولاتهم في مرايا الزمن المغربي والمنفى الاختياري ثم الاختيارات الأخيرة، كما لو أنها

شخصيات مدربة على التفاوض مع الحياة، تغامر بماضيها من أجل فترة زمنية أخرى ستصبح جزءًا من الماضي

أيضًا، بدءًا من غانم وهاء (هناء - هادية) والجيلالي المعتوق المخنوق (ص. 143) وعبد الغني ثم شخصية

عبد الرحيم المزابي، الذي سيعوض حضوره في الرواية ابتداءً من الصفحة 130 غياب غانم ويلعب دورًا

أساسيًا في تفاعلات الأحداث الموالية، وحكاية فراره من أحداث مولاي بوعزة، كما يرويها عبد الغني الحك اء

الأثير في الرواية؛ - أبطال آخرون بهويات أخرى ترمم الملامح العامة للمخدوعين مثل المخبر اسكي بمفكرته الضائعة والتي

شكلت رواية أخرى، ومفصل حياة يوسف الذهبي ومجالاته الطويلة ثم انتحاره الفاتتازي. هل يكتب أحمد المديني الرواية منذ عقود للبحث عن المحتمل في الحياة وفي القول الإبداعي الذي يفضح الوهم

كما يفضح خراب الفرد المنسحق والمخدوع؟ إن رواية المخدوعونبالجمع المتعنيّ وغير المتعنيّ، تقف عند نقط

حاضنة عبر تدرّج سردي يصل بهاءه حين يتحقق التناوب السردي المنسجم لحكي الدواخل المشتتة للأبطال

المهزومين، بين المنفى وباريس، ويعربّ عن التقلص المستمر لأحلام الشهداء والمناضلين في لحظة دخول غانم إلى

مركز القرار تناوبًا، بعد مفاوضات وتنازلات قدمها بخصوص تاريخه وحبيبته ورفاقه القدامى وعلى رأسهم

عبد الغني. تتحول الرواية سرديًّا إلى مسرح عاجٍّ بالحوادث، بستار شفاف يحقق مسرى حكائيًا يحتفظ برواء النص ودفقاته

الشاعرية حينًا والعنيفة حينًا آخر، في انتقاد للأقنعة التي تحجب وتدمر القيم وتستبدلها بأخرى انتهازية. لذلك

كان موت الباهي، وعودة عبد الغني أستاذًا جامعيًا يحمل رسالة من (هاء) واكتشاف المصير الخادع لغانم،

مرآة أخرى. وتكشف الصفحات الثلاث الأخيرة فداحة الخسارة والمحنة والخداع في حوار يختزل الخيبة، في

أثناء هبوطهما المفترض إلى النفق حيث يتلو عليهما متشرد عابر حديث العشاء الأخير للسيد المسيح وهو يعلن

النعي. الرواية بهذا تحفر جرحًا سريًا في التلقّي الواعي، ويحضر فيها الأبطال مثل غيوم تمطر ثم تمضي وقد

حقق أحمد المديني بهذه المجازفة الروائية، حلامً آخر يرى من خلاله الماضي والراهن، موظفًا بذلك شذرات

بيوغرافية وغيرية.

الردّ بالكتابة

كلما اجتهد الروائيون في أساليب الكتابة كانوا أقرب إلى الواقع والتعبير عنه، واقع شاركوا في صنعه بالفعل

أو بالصمت. وتختلف النصوص الروائية المغربية في التعبير عن هذا الواقع السياسي، ليس لأن ما حيُ يط بهم

قد استعصى على الفهم أو على فك ألغازه، ولكن مهمة الروائي ليست في رصد الإشكالات السياسية عبر لغة

التخييل وإنما التعبير عن أحاسيس الوجدان وما يمور في داخله من قلق وهواجس. وقد كان عبد القادر الشاوي في نصوصه، مُفك كًا لهذه الإشكالية من خلال « أناه» وذوات الآخرين المنتمين

إلى الفكر اليساري، بلغة لا تكشف عن هذه الجروح إلا في بناء حكائي ممتع ومؤلم في آن. ويختلفُ الروائيون المغاربة في طرق تمثّلهم لإشكاليات الواقع السياسي المغربي بطرق تكشف عن تعدد طرق

التشخيص والتمثّل والتعبير، فيوسف فاضل الذي كتب رواية سلستينا عام 1992 ليس هو وعي الكاتب

نفسه الذي كتب، بعد نحو عقدين، رواية قط أبيض جميل يسير معي، موظفًا العبث أداة للنقد من خلال

صوتين، صوت الابن حسن وصوت والده مهرج الملك في عالم السلطة العليا وطقوسها، بتعبير جريء وناضج

في انتقاد النظام السياسي. وأعتقد أن تجربة محمد برادة في روايتهامرأة النسيان)2001( تُعتبر من الروايات الأكثر جرأة في نقد التجربة

17  روايات عبد القادر الشاوي الصادرة خلال الفترة المدروسة: باب تازة (الرباط: منشورات الموجة، 1994)؛ الساحة الشرفية (الدار

البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1999)؛ دليل المدى (الدار البيضاء: نشر الفنك، 2003)، ومن قال أنا (الدار البيضاء: نشر الفنك، 18  يوسف فاضل، سلستينا (الدار البيضاء: منشورات نجمة،.)1992

19  يوسف فاضل، قط أبيض جميل يسير معي (بيروت: دار الآداب،.)2011

20  محمد برادة، امرأة النسيان (الدار البيضاء: نشر الفنك،.)2002

السياسية المغربية خلال فترة التسعينيات ومحاكمتها بتخييل استثمر تجارب شخصية عاشها الكاتب وكتبها

ليثأر منها ويتخلّص من آثارها. تسرد رواية امرأة النسيانحكايتين أساسيتين، الأولى حول شخصية «ف. ب » التي كانت محور الرواية الأولى للكاتب، ثم تظهر فجأة باعتبارها شخصية حقيقية، يتعرف عليها الراوي في لقاءين، دارت بينهما خلاله حوارات عميقة تضيف وتنسخ. وفي النهاية يتبنيّ أنها شخصية فقدت حاضرها

وبقيت مشدودة إلى الماضي وإلى الرواية. ويمكن فهم الحكايتين من خلال بعض الفقرات التي بثّها الراوي في

الرواية، ومنها: «لا يتسع وقتي للدخول في لعبة تصحيح أخطاء شخوص لا أزعم أنها تنتسب إلى ما عاشه الناس بالضرورة» (7 ص). «كتبتَ تلك الرواية وحاولتَ أن تفهم ذاتك من خلال ما حدث للآخرين من حولك» (ص 11)،

«لم أكن أستطيع أن أ ثبت ذاتي إلا بنفي الموروث الذي شلَّ وجودي وحوّلني اسفنجة تمتص ما يُلقى إليها

من معلومات وأوامر وتعاليم» (ص 15). «عندما يمشي الحلم، فجأة، على قدمين، تنتفي قيمة الكتابة. أليس

كذلك؟» (ص 16). «خيُ يل إليّ أنني خُلقت من نسيان وإليه أعود. ليس النسيان. لعبة النسيان امرأة منها جيُبل المولود والمعدوم، وعبرها يتجدد الجسد والذاكرة والنسوغ وكل ما يمت بصلة إلى الحياة» (ص 18)، «قد يكون الموت هو مستقبلنا» (ص. 19). «لم أعد أشعر بالغربة في أي مكان حللت به. هنا أو خارج الوطن سيان. كأن

حالة شعورية واحدة تدثّرني وتحضنني ضد مشاعر القلق والانتظار والخوف» (ص. 25). «تمضي أيام، شهور

أحيانًا قبل أن نتفطن إلى الدوامة التي تبتلعنا وتجعلنا نتحمل المواصفات واللياقات بدلا من أن نعيش ما نظن أنه جوهر الحياة...» (ص. 28)، «أنا شبه متأكد من أن ما أكتبه لن يشخص ما أتخيّله. وكل ما تستطيعه كلماتي

هو أن تقربني من ذلك الذي أريد أن أقوله وينفلت باستمرار لأنه لا يمتلك وجودًا واضحًا، مستقلا. هو دائامً

منحشر وسط أدغال من الصور والمشاعر والأفكار» (ص 43). «أظن أننا نملك وسيلة لمنع التحولات المتصلة بسيرورة الحياة» (ص. 57). «تبقى الكتابة التي تعطينا، ربما وهم الانعتاق ولا متناهية التحقق. إلا أنني اكتشفت

قدرتها متأخرة. وعندما حاولتُ كانت الدودة قد توغلت في الخلايا لتعطلها» (ص. 60). «ألن أكون مجرد ملوح

بالمرايا في وجه السراب؟ أشعر أن مثل هذه الحفرة تقوى الكلمات على ردمها. كأنما الكتابة لا تكون ممكنة إلا

عندما نغضّ الطرف عن تلك الهوة الفاتحة فاها التي تذكّرنا بأن الكلمات لا ترمم شيئًا من الشروخ القائمة في

كل ركن وداخل كل نفس» (ص. 76). «أحسني كأنني أسير على شفا برزخ ينقلني من طمأنينة الإيمانات إلى هوة الشكوك والأسئلة» (ص. 99). «التخلي عن عالم مألوف لمد جسور مع هوة أو فضاء داخلهما يمكن أن نستعيد أنفسنا أو أن ننهي أيامنا في العزلة أو أن نلتقي بنقيضنا لنعقد الصلة به» (ص. 99). «أنا أحس أن أشياء تنتهي وأننا ننتهي معها (...) فيما يستمر العالم الذي يعرف دومًا كيف يعثر على أوهام محفزة ولغة ملائمة لتنشيط

الحركة وجعل آلات الضخ تستأنف الدوران» (101). «لماذا لا نحقق في الدنيا ما نريد؟» (113). «أنت مقتنع بأن الكتابة هي أيضًا لا يمكن أن تنجو من العنف، إذ بدونه يتلاشى المعنى ويغوص النص في رتابة السرد والتأمل» (127)، «وأجمل شيء تهبه لنا الكتابة هو الإحساس بوجود ما هو حر» (.)132 رواية امرأة النسيانهي: -1 نص لتمجيد الفن، وانتشال الحياة من الرتابة الفاسدة ومن الانحرافات الرخيصة؛ -2 نص مستدرك ينفتح على نص سابق، يلتقط منه نطفة وخميرة ليستدرك بها بياضات في حياة رواية محمد برادة الأولى لعبة النسيان، وإشباع لحظة منفلتة وضاجة في حياة «ف. ب»؛

-3 يستحضر الراوي في بداية الرواية حوارًا قاسيًا على لسان سالومي وهي تخاطب رأس يوحنا، ثم يعلق على ذلك

قائلا: «ذهني سارح مع سالومي بأطيافها المتعددة وهي تنتقل من نغمة التشفي أمام الرأس المقطوع إلى لوعة الأسى

ذات القرار الشجي. ما من حدود بين الحالتين» (ص 5). وفي الصفحات الأخيرة من الرواية، جاء على لسان «ف.

ب»، وهو يستحضر قولها له، في حوار متدثّر بطقوس مستسلمة للحلم والتخييل: «أنت مقتنع بأن الكتابة هي أيضًا

لا يمكن أن تنجو من العنف، إذ بدونه يتلاشى المعنى ويغوص النص في رتابة السرد والتأمل.لكنني لا أرى أن

عنف النص بهذه الطريقة المختزلة التي لجأت إليها، سيوازي عنف الواقع» (ص. 127) إن رواية امرأة النسياننص ثأري بالمعنى الجمالي للثأر، ثأر من حلم ضاع، ومن تذكُّر لا يستقيم أو نسيان يبحث

عن نهر لا نهاية له.

تركيب واستنتاج

حققت الرواية المغربية، خلال العقدين الأخيرين، تراكامً لافتًا ساهم فيه انخراط كتّاب جدد، من مراكز هامشية

غير المدن الكبرى والتقليدية، في إنتاج النخب؛ كتّاب يحملون مشاريع حداثية قدِمُوا من مشارب معرفية مختلفة.

والحداثة، باعتبارها تمثلا للقيم الفكرية والأدبية والفنية، كما سيشير إليها أحمد اليبوري، تُعتبر لحظة حاسمة في

تاريخ الرواية العربية في المغرب. ويجمع عدد من النقاد أن هذه المرحلة بتحولاتها الاجتماعية والسياسية

والثقافية، محليًا وقطريًا وعالميًا، منشغلة بأنماط من الأشكال السردية. وهكذا قامت الرواية المغربية «على أساس

التمثيل التخيلي للواقع، شأنها في ذلك [شأن] باقي أجناس التعبير الفني في مختلف أرجاء المعمور، ولكن تمثيلها

الفني اختلف من مرجعية إلى أخرى»، تعبيرًا عن نضج الوعي بجماليات جديدة تشترك فيها كافة الأجيال

من الكتّاب، بالتركيز على تنويع إيقاعات التأمل الذاتي، داخليًا وخارجيًا، وتطويع التجارب الذاتية والغيرية في

علاقتها العنيفة مع المجتمع ومع التغيرات الاجتماعية، وذلك على مستويين «مستوى تمثيل التغير الثقافي[...]

ومستوى التعبير عن التغير الاجتماعي من خلال صيغة خطاب ثقافي»، تتنوع رؤاه ضمن مواقف متصارعة

تتغذى من خلخلة الأبعاد التقليدية في بناء الحكاية وترتيب أزمنتها. لم تعَد وظيفة الرواية إعادة إنتاج الأفكار والمشاعر، بل تتعداها إلى تعميق الرؤية والتقاط ما يلتصق بثنايا الحياة

اليومية ويسكن في حنايا المُبدع ساعة يواجه العالم في شموليته باحثًا عن الحقيقة عبر المحسوس والملموس

والمفكر فيه، ثم لتنفتح، في كل لحظة، على مساحات تتسع باستمرار على معان جديدة وآفاق دلالية تعربّ عن

حجم التأويل الذي يقيس الهزّات والاختلالات، وهي تصيب النفس والأحلام في مقتل.

21  أحمد اليبوري، الكتابة الروائية في المغرب: البنية والدلالة (الدار البيضاء: مكتبة المدارس، 2006)، ص.17

22  وانك جينك، الفن الروائي بالمغرب من التأصيل إلى التجريب 2009-1942 (الرباط: دار أبي رقراق، 2011)، ص.5

23  محمد الدغمومي، الرواية المغربية والتغير الاجتماعي: دراسة سوسيو- ثقافية (الدار البيضاء: افريقيا الشرق، 1991)، ص.128

المراجع

برادة، محمد. الضوء الهارب. الدار البيضاء، نشر الفنك،.1993. امرأة النسيان. الدار البيضاء: نشر الفنك،.2002. فضاءات روائية الرباط: منشورات وزارة الثقافة،.2003. مثل صيف لن يتكرّر. الدار البيضاء: نشر الفنك،.1999 جبوري غزول، فريال. «أثر فيكو على ادوار سعيد». ألف: العدد 25،.2005 جينك، وانك. الفن الروائي بالمغرب من التأصيل إلى التجريب،.2009-1942 الرباط: دار أبي رقراق،

الدغمومي، محمد. الرواية المغربية والتغير الاجتماعي: دراسة سوسيو-ثقافية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،

الشاوي، عبد القادر. باب تازة. الرباط: منشورات الموجة،.1994. من قال أنا. الدار البيضاء: نشر الفنك،.2006. دليل المدى. الدار البيضاء: نشر الفنك،.2003. الساحة الشرفية. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.1999 عثمان، أشقرا. بولنوار. مراكش: منشورات سبو،.2010 العروي، عبد الله. من التاريخ إلى الحب: حوار. الدار البيضاء: نشر الفنك،.1996 فاضل، يوسف. سلستينا. الدار البيضاء: منشورات نجمة،.1992. قط أبيض جميل يسير معي. بيروت: دار الآداب،.2011 الكتابة الروائية في المغرب: البنية والدلالة. الدار البيضاء: مكتبة المدارس،.2006 المديني، أحمد. الكتابة السردية في الأدب المغربي: التكوين والرؤية. الرباط: مطبعة المعارف الجديدة،.2000. المخدوعون (الرباط: مطبعة المعارف الجديدة،.2005 مجموعة من المؤلفين، الأدب المغربي: مداخل للتفكير والسؤال. الرباط: منشورات رابطة أدباء المغرب،.2000 اليبوري، أحمد. دينامية النص الروائي. الرباط: منشورات اتحاد كتاب المغرب،.1993. في الرواية العربية: التكون والاشتغال. الدار البيضاء: مكتبة المدارس،.2000