العودة إلى تفاصيل المؤلَّف جماليات الرواية في سورية وشواغلها

جماليات الرواية في سورية وشواغلها

The Aesthetics and Concerns of the Novel in Syria

نبيل سليمان

Nabil Suleiman

الملخّص

بلغ حراك المشهد الروائي السوري أشدّه في العقدين الماضيين. وتواترت الأسماء الجديدة كما تواتر الانتقال إلى الرواية من الأجناس الأخرى. وإذا كان هذا المشهد قد اتّسم بظاهرة الاستسهال اللغوي والفني، فإنّه يستثير النظر النقدي المتجدد بما فيه من أصوات جديدة، وتعبيرات فنية، ورؤى ومواقف فكرية وفلسفية بازغة، وغير ذلك من الجوانب التي تتناولها هذه الدراسة عبر خوضها في ما تدعوه «السيرة الروائية المجتمعية » من جهة والتي تمحورها الدراسة حول الطائفية و الديكتاتورية بخاصة وجماليات تلك السيرة من جهة أخرى والتي تمحورها حول السيرة النصية، والسيرة الروائية، وما بين الرواية والفنون من أواصر، واستراتيجية اللاتعيين ،وأثر التراث السردي روائيًا، لتخلص من ذلك كلّه إلى ما هجست به الرواية السورية من هتك ينبض بالحلم البديل: حلم الحرية والكرامة .

Abstract

Movement on the scene of the Syrian novel reached a peak over the last two decades. There were many new names and there was much shifting to novels in new genres. If this scene is marked by linguistic and artistic simplification, it excites renewed critical examination, including of new voices, and artistic expressions, and prominent philosophical and intellectual visions and positions, and other aspects dealt with in this study. The author delves into what he calls “fictive social biography” which the study sees as revolving around sectarianism and dictatorship. (The aesthetics of this biography are seen as revolving around textual biography and novelistic biography, the ties between the novel and the arts, a strategy of non-specificity, and the influence of the narrative tradition on the novel). It concludes that the Syrian novel has been obsessed by a rupture pulsing with an alternative dream: the dream of freedom and dignity.

الكلمات المفتاحية:
  • سورية
  • السيرة الروائية
  • السيرة النصية
  • الفن
Keywords:
  • Syria
  • Novelistic Biography
  • Textual Biography
  • Language
  • Arts

بلغ حراك المشهد الروائي السوري أشدّه في العقدين الماضيين. وتواترت الأسماء الجديدة كما تواتر

الانتقال إلى الرواية من الأجناس الأخرى. وإذا كان هذا المشهد قد اتّسم بظاهرة الاستسهال

اللغوي والفني، فإنّه يستثير النظر النقدي المتجدد بما فيه من أصوات جديدة، وتعبيرات فنية،

ورؤى ومواقف فكرية وفلسفية بازغة، وغير ذلك من الجوانب التي تتناولها هذه الدراسة عبر

خوضها في ما تدعوه «السيرة الروائية المجتمعية» من جهة (والتي تمحورها الدراسة حول الطائفية

والديكتاتورية بخاصة) وجماليات تلك السيرة من جهة أخرى (والتي تمحورها حول السيرة

النصية، والسيرة الروائية، وما بين الرواية والفنون من أواصر، واستراتيجية اللاتعيين، وأثر التراث

السردي روائيًا)، لتخلص من ذلك كل ه إلى ما هجست به الرواية السورية من هتك ينبض بالحلم

البديل: حلم الحرية والكرامة.

مقدمة

منذ نصف قرن بدا أن الرواية في سورية أخذت تمضي في سبيل آخر غير السبيل الكلاسيكي الذي تُرمِّز

له تجربة حنا مينة وعبد السلام العجيلي. ومن العلامات المبكرة لهذا السبيل المختلف والجديد، رواية

هاني الراهب الأولىالمهزومون، 1961، ورواية وليد إخلاصي الأولى شتاء البحر اليابس، 1964. وسرعان ما

سيتعزز هذا السبيل في السبعينيات من القرن الماضي، وفي رأس ذلك كانت رواية هاني الراهب شرخ في تاريخ

طويل، 1970، ورواية حيدر حيدر الزمن الموحش،.1973

ولئن كان المشهد الروائي في سورية قد أخذ يمور منذ ذلك الحين، أ قيس بما كان عليه من قبل أم قيس بالمشهد

الروائي العربي، فإن هذا الم ور سيبلغ أشده في العقدين الماضيين؛ إذ أخذت الأسماء الجديدة تترى، كما تواترَ

الرحيل من الشعر والقصة القصيرة إلى الرواية التي بات حملها ينوء برحيل «التقاعد السياسي» إليها، وبكثرة

أصحاب الرواية الواحدة، وبظاهرة الاستسهال اللغوي والفني، الأمر الذي يستحضر ما سبق أن ابتلي به

الشعر، ولما يزل. غير أن المنجز الروائي الذي تحقق أيضًا وأولا، يجبّ ما سبق، ويدعو إلى نظر آخر فيه، هو ما

تطمح هذه الدراسة إلى أن تسهم فيه، بتشغيل السؤال فالسؤال، عن الأصوات الجديدة بخاصة، أو عن المشهد

الروائي كله، بما جدّ في تعبيراته الفنية عن المتغيرات الاجتماعية والثقافية والروحية والسياسية، وما استجدّ من

الرؤى والمواقف الفكرية والفلسفية. ومن أجل ذلك سوف تنتظم هذه الدراسة في وحدتين، لا فكاك بينهما،

فكل واحدة منهما تستبطن الأخرى. أما الأولى، فهي السيرة الروائية المجتمعية. وأما الثانية، فهي جماليات تلك

السيرة. وإذا كانت الأولى ستتمحور حول الطائفية والديكتاتورية بخاصة، فسوف تتمحور الثانية حول السيرة

النصية، والسيرة الروائية، وما بين الرواية والفنون، واستراتيجية اللاتعيين، وأثر التراث السردي روائيًا. ولأن المدوّنة الروائية المعنية خلال العقدين الماضيين هي من الوفرة والتنوع بمكان، فسوف تعوّل هذه الدراسة

على ما سبق لي أن قدمته في عدد من كتبي، وفي الدوريات، عن تلك المدونة، وبخاصة عن الأصوات الجديدة

فيها التي لم تكن مُنبتّة الجذور، كما يحلو لبعضها أن يصدح؛ شأنها في ذلك شأن ما راجت تسميته ب «الرواية

العربية الجديدة»، التي ظهرت بعد التجربة المحفوظية، أو ما بعد بعدها.

السيرة الروائية المجتمعية

• الطائفية روائيًا للتشظّي الإسلامي تاريخ عريق، كالتشظّي المسيحي. وعبر تاريخ هذا التشظّي، ظلّ الإسلام السنّي يعني

الأصل الذي خرج عليه من خرج. وعبر هذا التاريخ، تسيّست وتمأسست الشظية أو المذهب أو الطائفة،

وصارت لها سمات سوسيولوجية ودينية ولغوية شتى (الزواج، العبادة، اللهجة، الأعياد، الغناء..). ومنها ما

كان للطبيعة فعلها فيه. وقد كان لهذا كله حضور روائي ما، بما يعنيه من نكهة الزمن الروائي، ومن تبيئة المكان

الروائي، ومن تشكيل الشخصية الروائية، وبالتالي الخطاب الروائي. - الدروز يكاد «الكتاب» أن يكون العلامة الكبرى لحضور المذهب الدرزي في روايتي ممدوح عزام قصر المطروأرض

الكلام. فمنذ بداية الرواية الأولى، تأتي موعظة طويلة من الشيخ شمس الدين إلى كنج الحمدان، وهي

مقتطف من كتاب الحكمة. ومن المعلوم أن الاستعمار الفرنسي ابتدأ عهده في سورية بتقسيمها إلى دويلات،

1  تذهب الإشارة هنا إلىالرواية العربية: رسوم وقراءات (القاهرة: دار الحضارة العربية، 1999)؛ السيرة النصية والسيرة المجتمعية،

(الرياض: مؤسسة اليمامة، 2004)؛ أسرار التخييل الروائي (دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 2005)؛ شهرزاد المعاصرة، (دمشق: اتحاد

الكتاب العرب،.)2008

2 انظر، فخري صالح، في الرواية العربية الجديدة، (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2009)، ص.19-11

3  الطبعة الأولى (دمشق: وزارة الثقافة،.)1998 4  الطبعة الأولى (دمشق: دار المدى،.)2005

كانت الطائفية علامة اثنتين منها: دولة العلويين ودولة الدروز. وقد تابعت رواية قصر المطر قيام الدولة الدرزية

والثورة ضدها بقيادة سلطان باشا الأطرش الذي تسمّيه الرواية بهاء الدين. أما رواية أرض الكلام، فتتقدم نحو

سنوات الوحدة السورية-المصرية (1961-1958) لترسم بالفن الرفيع الذي كان لرواية قصر المطر صورة

أخرى للطائفية، تتأثّث، مثلا، بما تسمّيه اغتيال الشيشكلي عام 1954 لمئات الأبرياء في جبل الدروز، أو بتحريم

الدين (المذهب) لتعدد الزوجات، أو بالقضاء المذهبي الذي يفصل في الزواج والطلاق.. لكن الصورة تتركز في

شخصية حليم الزهر والشيخ زرعة، حيث ل «الكتاب» حضوره أيضًا. لقد جرّتْ رواية قصر المطر على ممدوح عزام بعد سنوات من صدورها عن وزارة الثقافة السورية من

الغضب الطائفي ما أهدر دمه. وعلى الرغم من الوقفة المناصرة له، لدى المثقفين السوريين وشخصيات عديدة

في جبل الدروز، فقد سُحبت طبعة الوزارة من السوق. لكن ذلك لم يضعف الكاتب أمام الرقيب الاجتماعي،

ولم يثنه عن معاينة الواقع في روايته التالية أرض الكلام، ومن ذلك معاينة الطائفية بمُكنةٍِ فنية تعززت من رواية

إلى رواية. - اليهود ظل الحضور السلبي اليهودي دوما في حدود ما كان، ولم يزل، يعتور العلاقات الاجتماعية والروحية بين عناصر

الفسيفساء الوطنية. غير أن قيام إسرائيل وما أعقبه من الصراع العربي-الإسرائيلي كان لهما وقع الصدع في تلك

الفسيفساء، وهو ما ترسمه رواية فيصل خرتش حمّام النسوان. فبعد أن تؤسس الرواية شخصياتها اليهودية في

الجذر الأندلسي، يتركّز الفضاء في حلب، حيث تصور الرواية، من تداعيات حرب 1948 وحرب 1956، ما

كان من ردّات الفعل الشعبية بالاعتداء على الأحياء اليهودية، وما كان من الحماية الشعبية لليهود الاعتداء، ثم

ما تلا من عمليات تهجيرهم إلى اسرائيل. - العلويون من النادر أن يكون للعلوي حضوره الصريح روائيًا. وعلى القراءة، تاليًا، أن تكتب الاسم من الحروف التي

ترسلها الرواية، وبالحبر الذي تسيله. في رواية حيدر حيدرشموس الغجر تروي راويتها، واسمها راوية، أن والدها بدر الدين النبهان نشأ في كنف

أبيه الإمام الذي يفتي بالناس، ومرجعيته هي العتبات المقدسة. وهنا تمضي الإشارة إلى الجذر الديني الإسلامي

الشيعي الذي له مع العلوية نسب، كما لها وله مع الصوفية. وهذا الجذر ينعطف ببدر الدين النبهان في إثر

اعتقاله أربعة أشهر، فيطوي ما كانه قبل ذلك كمتمرد علماني. وتتحدث راوية عن محفل سري يجمع الشيوخ

في المقر الديني لبلدة عيون الريم، وبسلطة السارد الكلي العلم تصف ما جرى لأبيها في المحفل، كما ستفيض في

ممارسات أبيها، من الأعياد السرية إلى الحلقات الخاصة الغامضة. وإذ تمضي هذه الإشارات إلى والد بدر الدين

النبهان، فلن يكون عسيرًا على القراءة أن تمضي بالإشارة إلى فرقة باطنية بعينها، هي العلوية. فذلك الوالد كان

يختم موعظة صلاة الجمعة بالدعاء لسيد البلاد، حيث الإشارة تستحضر الإمام علي بن أبي طالب: «اللهم وال

من والاه وانصر من نصره (...) وريث من دحى باب خيبر وردّ الشمس عن مغيبها.»

5 الطبعة الأولى (بيروت: دار المسار،.)1999 6 الطبعة الأولى (دمشق: دار ورد،.)1997

جاءت الرواية الأولى لروزا ياسين حسنأبنوس مفاجأة، باختيارها النهج الكلاسيكي، وبالنصاعة التي تحقق

بها ذلك؛ إذ بدت تغرد خارج ما هو غالب على جيلها. ومن تجليات ذلك ما يتعلق بالشيخ أبو إبراهيم في صلواته

الباطنية وكتبه العتيقة ومريديه الذين يعلّمهم علوم الدين السرية، وهو الذي زيّن غرفته بصور أجداده وبصور

سيف الإمام علي بن أبي طالب وأسماء الاثني عشر إمامًا. وقد قدم الرجل من القرية التي تحتفل بعيد القوزل ة

وعيد الفراش، وهما من أعياد الطائفة العلوية، ليقيم في حارة أغلب سكانها من «الطائفة المغايرة» التي لا تسميها

الرواية، وهي الطائفة السنية، كما لا تسمي الطائفة العلوية. وفي رواية أخرى للكاتبة هي حرّاس الهواء تبرز

الطائفية بين عنات العلوية والحبيب السنّي المعتقل، كما يتبنيّ في محاورة عنات مع أبيها الذي يعلل اعتراضه على

زواج الحبيبين بأن «أهل الحبيب لن يرضوا أن يزوجوه بنتًا علوية. تعرفين عنات لن يرضوا إلا ببنت منهم»،

فتقول عنات: «أنا أحبه بابا ثم متى كانت الطوائف تهمك؟ كل عمرك وأنت تستخف بهذه القصة، تحكي عنها

كأنك تحكي عن زبالة! الطوائف!! لا أتذكرك إلا وأنت تسبها». تتمحور رواية سمر يزبك صلصال حول الضابطين علي حسن وحيدر إبراهيم، وتبدأ بلحظة موت الثاني،

ثم تشرع في استعادة نشأتهما في قرية من ريف مدينة جبلة. وهذه الاستعادة تمضي أبعد لترسم ما كان عليه الأمر

منذ قرون في جبل العلويين وساحله. غير أن التطورات التي رافقت مطلع القرن العشرين، كما تمضي الرواية،

أتاحت لهؤلاء تغيير حياتهم، فقد أقام الفرنسيون الدولة العلوية، ومنحوا الزعماء بعض النفوذ. وهكذا تجاوز

الأهالي الخوف بعض الشيء، وانخرطوا أكثر في حياة المدينة. في ذلك الماضي كان والد حيدر (إبراهيم بك) يتعاون مع الفرنسيين ضد الثوار لنتذكرْ كنج الحمدان في رواية

قصر المطر وقد وحدّت الصداقة ابن البك (حيدر) وابن الفلاح (علي) منذ طفولتهما، إلى أن أفضت بهما السبيل

إلى الكلية العسكرية قرابة منتصف القرن الماضي، حيث لم يفهم الآخرون شرود حيدر المثقف الحالم. ولم يكن

لحيدر، بمثل هذا التكوين، أن يتابع مشوار الضابط، لذلك سيستقيل في 10 / 3 / 1971 هل من إشارة هنا

إلى تاريخ انتخاب الرئيس الراحل حافظ الأسد في المرة الأولى، بينما كان الناس مشغولين عن كل شيء بقادة

الحكم الجديد؟ وبحسب الرواية، كان طبيعيا أن يأتي بعد ذلك ما يزرع الخوف القديم ذاته في نفوس الناس،

حيث اندلعت حرائق وشقاقات واغتيالات جماعية وتصفيات جسدية وحملات اعتقال وحصار مدن وقصف

أحياء آهلة بالسكان. وبدا أن النعرات الطائفية والمذهبية والعشائرية تستفيق من سباتها، وتتسلل رويدًا إلى

مظاهر الفقر والحاجة، وكمُّ الأفواه إلى جانب الخشية العميقة من يوم الغد الغامض. وليس يخفى أن الإشارة

الروائية تتركّز هنا على ما شهدت سورية من الصراع الدموي بين الإخوان المسلمين والسلطة، منذ ثلاثة عقود. وفي رواية سمر يزبكلها مرايا يتجدد التعبير الروائي عن الطائفية، حيث يلح على المرء أن يستحضر من رواية

صلصاللعبتي المرايا والتقمص، كما تتناظر الروايتان بمقام حيدر في الأولى وسعيد في الثانية بعد انسحابهما

من الحياة العسكرية الدمشقية، كلٌّ إلى معتزله. وأكبر من ذلك هو تناظر الزمن الروائي: يوم واحد يتشظ ى في

حيوات الشخصيات وفي التاريخ، وبالتالي يكون استرجاع الماضي القريب والبعيد هو عماد البناء. ومثلما تعثر

رهام في صلصالعلى أوراق أبيها حيدر، تعثر ليلى على أوراق جدها في لها مرايا. والروايتان تحاولان التأريخ

7  الطبعة الأولى (دمشق: وزارة الثقافة،.)2003

8  روزا ياسين حسن، حرّاس الهواء (بيروت: رياض الريس للنشر والكتب، 2009)، ص.52

9   الطبعة الأولى (بيروت: دار الكنوز الأدبية،.)2005 10 الطبعة الأولى (بيروت: دار الآداب،.)2011

للعلويين روائيًا، كما تحفران في المؤسسة العسكرية. غير أن الأهم في شأن سعيد هو علاقته بالرئيس الراحل

حافظ الأسد. فمنذ كان الرئيس وزيرًا للدفاع في ستينيات القرن الماضي، كان سعيد مقربا إليه، على الرغم ممّا

يربطه بمنافسي الوزير/الرئيس ممن عُرفوا بجماعة الراحل صلاح جديد. وتصوّر الرواية كيف وُض عَ سعيد في

الإقامة الجبرية بعد الانقلاب/الحركة التصحيحية 1970، ثم كيف صار من أخلص رجال الأسد. وبمنظار

سعيد الطائفي، ترسم الرواية صورة الرئيس، فالله عوّض جماعته بهذا الرجل الذي أعاد إليها وجودها، وما من

أحد يستطيع قراءة أفكار الرئيس الدمث الغامض الذي يمتلك عدة أدمغة... حتى إذا أحيل سعيد على التقاعد

انطوى في قلعته/بيته الريفي إلى أن يتوفى الرئيس، فقرر أن يعود إلى دمشق. في رواية سوسن جميل حسن ألف ليلة في ليلة يشتبك التاريخ الشخصي للصيدلانية ديمة، منذ ستينيات القرن

الماضي حتى مطلع هذا القرن، بالتاريخ غير الشخصي الذي جاء في هيئة برقيات، لعل أبرزها ما يتعلق منها

بحرب 1967، حين أقامت ديمة في دمشق، وما كانت تعرف انتماءً إلا إلى العروبة بفضل التربية المنزلية. لكنها

سئلت في مدرستها الدمشقية إن كانت علوية، بعدما تعرّضت للسخرية، لإصرارها على أنها عربية، ونقرأ:

«لم أكن أعرف ما معنى أن يكون الفرد علويًا، ولا حتى أن يكون الآخرون الذين ليسوا مثلنا، يسمّون بأسماء

أخرى. كنت أستغرب توصيات أمي عندما بدأنا بالذهاب إلى المدرسة، بتحذيرنا من دخول بيوت رفيقاتنا

ونحن عائدات من المدرسة». ولا تنسى ديمة أن الجارة الشديدة التحفظ، والمفرطة في التستر بحجابها،

سنيّة، لكنّها بالغة الطيبة. وتلي هذه البرقية أخرى عن سبعينيات القرن الماضي، حين أهلّ العنف الأعمى، وما

آل إليه الشعب جراء القمع، في الاستلاب السافر والموارب -كما (تخطب) ديمة- حيث كفر فريق، ودخل فريق

في دوامة العبث، ولحق فريق بسراب النظريات الغربية، بينما اندفع آخرون يشترون الحاضر والغد والآخرة

بجهادهم ضد الطغيان الذي رأوه متجسّدًا بسلطة تنتمي إلى طائفة لم يستثنوا أحدًا من أبنائها، فبات صراعهم

معها وحدها. - المسيحية كثيرة هي الإشارات الروائية إلى المسيحية، من بين عناصر الطائفية، وحسبي هنا أن أذكّر برواية حنا مينه الثلج

يأتي من النافذة، 1969. ومن اللافت أن الروايات السورية التي عُنيت بالحرب الأهلية اللبنانية، اختارت غالبًا

أن يكون العاشقان مسيحيًا ومسلمة أو مسلامً ومسيحية، وأن يُتوّج ذلك بالانتصار على المعوّق الطائفي. ومن

أمثلة ذلك رواية قمر كيلاني بستان الكرز، 1977، ورواية ياسين رفاعية الممر، 1977، ورواية أحمد يوسف

داودفردوس الجنون، 1996. وبالعودة إلى الفضاء السوري، تبدو رواية هيفاء بيطار امرأة من طابقين التعبير

الأوفى والأبهى، وهي التي بُنيت من سيرتين: سيرة الكاتبة نازك وسيرة مخطوطتها الروائية. وفي السيرة الأولى

يوحّد الحب روحا وجسدا نازك المسيحية وصفوان المسلم. لكن المؤسسة الدينية تفصم هذا التوحيد، من دون

أن تقدر على تبكيت نقمة نازك على ما في تربيتها من آثار تلك المؤسسة. ربما كان لي أن أشير أخيرًا إلى الطائفية في بعض رواياتي، بقدر أو آخر. ففي رباعية مدارات الشرق، حضر

اليهود كواحد من عناصر الفسيفساء الاجتماعية، ابتداءً من عشرينيات القرن الماضي إلى مطلع خمسينياته، عبر

11 الطبعة الأولى (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2010)، ص.73 12 الطبعة الأولى (اللاذقية: مكتبة بالميرا،.)1999 13 في أربعة أجزاء، الطبعة الثالثة (دمشق: وزارة الثقافة،.)2011

شخصيات إستر وتفاحة وسارة ومزراحي والعلاقات الإنسانية والاقتصادية، وصولا إلى تهريب اليهود

السوريين من القامشلي إلى إسرائيل. وفي رواية درَجُ الليل درَجُ النهار حضرت الإيزيدية (اليزيدية) عبر

شخصية ونسة، من الحسكة وريفها إلى لالش قرب الموصل وإلى المهجر الإيزيدي في هانوفر، أكان ذلك

في الأمس البعيد أو في الحاضر الذي شهد سقوط بغداد؛ في الحب أو في حرية الاعتقاد. وإذا كان الحضور

الطائفي في هذه الرواية وفي مدارات الشرققد تعنيّ باليهود والدروز والعلويين، فقد جرت رواية أطياف

العرش مجرى أغلب الروايات المماثلة في اللاتعيين، طلبًا لمراحٍ أكبر للتخييل، وليس للتقية، أو على الأقل

ليس للتقية وحدها.

• الديكتاتورية روائيًا تواترت في العقد الماضي الرواياتُ التي جعلت الديكتاتورية وكدها. وهو ما سبق أن بذرت بذوره روايات شتّى

لهاني الراهب (ألف ليلة وليلتان، 1977)، وحيدر حيدر (وليمة لأعشاب البحر، 1984)، وأحمد يوسف داود

(فردوس الجنون، 1996)، وكاتب هذه السطور (الشقائق، 1993، وهي الجزء الرابع من مدارات الشرق.)

من المهم أن أبنيّ أن التعبير الروائي عن الديكتاتورية في سورية لا حيُدّ بالديكتاتور، بل ينفتح على الديكتاتورية،

ويحفر فيها، كنظام اجتماعي اقتصادي، وكانتهاك لحقوق الإنسان، وكقمع سياسي وثقافي، وكمؤسسات حزبية

ودينية واجتماعية، وبخاصة كمؤسسات عسكرية وأمنية، وكصراعات وحروب كان تعبيرها الأفدح في ما

عاشته سورية في نهاية سبعينيات القرن الماضي ومطلع ثمانينياته، من صراع دامٍ بين السلطة والإسلام السياسي،

وهو ما استأثر بالنصيب الأوفى من «روايات الديكتاتورية»، لكن بعد ما كاد أن يكون صمتًا روائيًا امتد منذ

أن حسمت السلطة الصراع لمصلحتها حتى نهاية القرن الماضي، أي قرابة العقدين. وللمرء هنا أن يلاحظ أن

الروايات أخذت تتواتر بجرأة أكبر فأكبر على المحرم السياسي، أي على الديكتاتورية بالمعنى السابق، على الرغم

من الهيمنة المطْبقة، وقد كان ذلك كلّه بدرجة أدنى فأدنى من الإيذاء، كمنع نشر الرواية في سورية، أو منع

صاحبها من السفر، أو منع تداولها إذا ما نشُرت، في الخارج. وقد جاء ترتيب الرواية المعنية في ما يلي بحسب

تاريخ صدروها، صُ. عُدًا - فيصل خرتش: موجز تاريخ الباشا الصغير تحاول هذه الرواية تنضيد العقود السورية المترامية بين ثلاثينيات القرن العشرين وثمانينياته، عبر شخصيتها

المحورية الباشا الذي سيتسمى بعثمان العثماني، ليكون الصورة الفنية التي رسمتها الرواية لرأس الهرم السوري،

في ما كان الزمن الراهن للراوية هو ثمانينيات القرن الماضي، باعتباره زمن صدور الرواية. في هذا المآل تلتهب

المخيلة بالواقعي، بينما العلامات الصارخة لعقود الحكم البعثي تتقد: دفن النفايات النووية في البلاد؛ تجارة

السلاح بين بيروت الشرقية وبيروت الغربية في الحرب الأهلية اللبنانية؛ صناعة الدواء الذي يشفي أمراض

الناس جميعا، مضافًا إليه مواد لتعليم الاستكانة ولتحبيب الباشا إلى الشعب، كتابة تاريخ الباشا وأسرته

وتدريس هذا التاريخ... وصولا إلى اعتمار الباشا طاقية الإخفاء في الختام، وتسيّده العرب.

14 الطبعة الثانية (اللاذقية: دار الحوار،.)2012 15 الطبعة الأولى (القاهرة: دار شرقيات،.)1995

16 فيصل خرتش، موجز تاريخ الباشا الصغير (بيروت: رياض الريس،.)1991

تلح هذه الرواية بتجريبيتها على هتك المحرمات الفردية والاجتماعية، الفنية والسياسية، كأنما يجن جنونها بالاطراد مع الجنون العاصف بمرجعيتها، حفرًا في التاريخ، وشهادة على راهنها. وربما يكفي أن يضرب المرء

مثلا لذلك بفرّامة اللحم التي يتخيل الباشا أنها تفرم خصومه، حتى ينهض معمل «المرتديلا» الحلبية على

اللحم الآدمي. - علي عبد الله سعيد: اختبار الحواس تنوء هذه الرواية بالصخب الحداثي، وأقله افتتاحية الرواية: «حين تتأهب لمتابعة هذا الخطاب المبني على الوهم

القائم على الوقائع، عليك أن تصطحب معك الضمائر كافة، كي تدل ك على المداخل السرية الواقعية والمخارج الوهمية لهذه اللعبة أو اللغة». تشيد الرواية من مستشفى الدكتور موريس وطنًا روائيًا يصير فيه الدكتور

ديكتاتورًا، ستبلغ به الديكتاتورية المتوحشة أن يأمر: «أيها الحراس الملاعين الأوفياء: أ طبخوا لي مساعدي. قلبّوه

حتى يحمر مع الثوم والبصل والنبيذ الفرنسي الأبيض.. سأتعشاه اليوم». وقد ينبثق السؤال هنا عن التناص أو التلاص أو توارد الخواطر أو وقع الحافر على الحافر. لكني لا أحسب أن لذلك من الجد نصيبًا، لأن ما يفصل

بين تاريخ نشر الروايتين، وعن الناشر نفسه، هو سنة، وربما كان ذلك أشهرًا فقط، بحسب سجلات الناشر.

والأهم ما في هذا التخييل من دلالة صارخة على هول وطأة الاستبداد على البشر وعلى الإبداع. - خليل الرز: سمك إرلندي تجعل هذه الرواية وكدها في ما شهدته حلب عام 1980 من صراع بين الإخوان المسلمين والسلطة، وذلك عبر

سيرة قدري الباشا، الشاعر الذي يسخر من جمهوره من الثوريين ومن الثوريات الشابات المنزلقات من أ سر غنية

وفقيرة، ومثلهن الطابور الطويل الرقيق من العوانس والمطلّقات والأرامل في زهوتهن، والمتزوجات المتحسرات على الحب. بعد اعتقاله حينًا، يخرج قدري إلى حلب أخرى من الحرائق والدخان والشوارع الفارغة، حيث

أنقذته وصديقته إيمان، تنورهتُ ا القصيرة بما يكفي لتمنع العسكري من ضغط الزناد. وفي الآن نفسه، لا يستعدي

قِرصَُ التنورة المعتدل الإخوانَ المسلمين. وتتواصل سخرية رواية سمك إرلنديلتبلغ شأوها مع شخصية سعد

البصري وهو يسرد حياته في فصل خاص، منذ نشأته في البصرة إلى مقامه في الرقة، معلناًانتسابه إلى «أم كلثوم»، فهو عندما يكون «أم كلثوم» لا يدافع عن حدودها فيقتل، لأنها بلا حدود. ولا حدّ يورطه بتوسيعها ليُقتل،

فالكويت على الأقل لا تحدّها! - خالد خليفة: مديح الكراهية تحاول رواية خالد خليفة مديح الكراهية أن تقول كل ما لم يُقَل، وكل ما ينبغي أن يقال في الصراع الذي فتك

بالجسد السوري بعدما كان ما كان في نهاية سبعينيات القرن الماضي ومطلع ثمانينياته. وقد جعل الكاتب حلب بؤرة الرواية، لكن الفضاء ترامى أيضًا إلى حماة وتدمر والريف العلوي. وقد تقنّع الكاتب بقناع الراوية/الساردة

العليمة بكل أمر. تتناسل في مديح الكراهية القصص، وإن ظلّت الراوية تحفر في الرواية، منذ عهدها بالمدرسة

17 علي عبد الله سعيد، اختبار الحواس (بيروت: رياض الريس 1992)، ص.9

18 سعيد، ص.253 19 الطبعة الأولى (دمشق: دار الينابيع،.)2004 20 الطبعة الأولى (دمشق: أميسا للنشر والتوزيع،.)2006

وكراهية زميلاتها المنتسبات إلى حزب البعث (قصة الفتاة التي ترتدي بزة المغاوير مع ضابط سرايا الموت، أي

سرايا الدفاع الشهيرة، كمثال من كثير، إلى كبتها أحلامها الجنسية، إلى الكتب الصفراء وروائح التحريم التي

تلاحقها، إلى انتظامها في جماعة الإخوان المسلمين.) لا تسمّي الرواية طائفة بعينها في سورية، لكن الإشارة إلى الطائفة العلوية (الطائفة العدوة الحاكمة الأقلية) لا

تخفى على أحد، أو إلى الطائفة السنية (الأكثرية الأقرب إلى رسول الله). ولسوف تدرك الراوية عقم الكراهية

الطائفية بخاصة، والكراهية بعامة، ولكن بعد أن يدركها الاعتقال أعوامًا مع رفيقاتها من جماعة الإخوان

المسلمين ومن اليساريات والجنائيات. وقد شغلت مثل هذه التجربة في المعتقلات السورية رواية الشرنقة،

1999، لحسيبة عبد الرحمن، المعتقلة سابقًا، كما شغلت روايتي سمر الليالي،.2000 إن العنف الروائي المتمثّل في سلطة الراوية قد أورث الرواية، للأسف، العجز عن الإقناع في مواطن كثيرة، مهما

يكن أمر حرارة، أو مرارة، وثائقية الرواية أو تاريخيتها أو وقائعيتها. ولئن كان طول الجملة وتراكب أوصالها

ضاعفا من مشقة هذا النهج السردي، فقد كانت نجاة الرواية في المشهديات الكثيرة المتألقة، حيث تتبدى

إفادة الكاتب القصوى من كتابة السيناريو التي اشتهر بها. وباختصار، تبدو رواية رائحة الكراهية معمعة من

التحولات لعشرات الشخصيات في معمعة من الحوادث. وقد توسلت الرواية إيقاع الكراهية وإيقاع الرائحة،

ليكون لها نظامها. - منذر بدر حلوم: سقط الأزرق من السماء تشهر هذه الرواية، منذ البداية، دفتر مذكرات بطلها درويش، حيث يرتسم القمع كالهواء. وباشتباك السيّري

بالروائي، وبفعل الفن التشكيلي والمسرحي في الرواية، يجعل جلاء العسف من هذه الرواية روايةَ رعب بامتياز،

تضيق بأسماء من اختفوا أو اعتُقلوا أو قُتلوا، حيث يترامى العسف عبر السنين، ومن موسكو -حيث يدرس

درويش- إلى دمشق وقرية عيون الغار، والأهم إلى حماة وحلب. ومن حيوات بعض الشخصيات من العسكر أو

من المهربين أو من المعارضين، يصير للرواية حشدها من ضحايا العسف ومن الجلادين والانتهازيين، وأغلبهم

بصيغة النكرات الروائية، أي عشرات الشخصيات الثانوية أو العابرة التي تخاطب ضربات الريشة. - أحمد عمر، خلاف المقصود من الفضاء السوري الكردي، الزاوية الشمالية الشرقية المتاخمة للعراق وتركيا، يتحدد فضاء هذه الرواية بقرية

داموكا. ويستعيد أحمد عمر من الطفولة، وبخاصة ما سيكون لعبة الرواية الكبرى: الفيلم السينمائي. وعبر ذلك

تقدم الرواية هجائية فنية بامتياز لزمن حزب البعث الحاكم في سورية، ولا تنجو كردية الكاتب من الهجاء. أما

وسيلة الهجاء فهي السخرية، إنْ في بناء الشخصية أو في السياسة، ومنه تحوير الشعارات ليصير شعار حزب

البعث «أمة عربية واحدة ذات مواضيع إنشاء خالدة»، وليصير «الدين لله والخوف للجميع»، أو «الدين لله

والفقر للجميع»، وكذلك هي مبتدعات الكاتب: استورد الحزب النظام البراعمي، أي الطلائعي، والسوط

التحريري الذي يحرر المتّهم، وبساط الريح الاشتراكي، والحزب المتقوقع على عروبته كتقوقع معظم الأكراد

على كرديتهم.

21 الطبعة الأولى (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.)2008 22 الطبعة الأولى (بيروت: دار هيرو،.)2008

- ابتسام تريسي: عين الشمس بحرائق المدينة، اللاذقية، والبحث عن عين الحبيب «شمس»، وبتفتيش ملابس الساردة بحثًا عن السلاح، تبدأ هذه الرواية، ثم تنتظم في فصول ستقدم سيرة راويتها «نسمة»، حيث سرعان ما تبدو ملامح الأوتوبيوغرافية. وقد جعلت الراوية وكدها المرحلة الجامعية الحلبية، ومرحلة الهجرة إلى السويد. في الأولى، وعلى إيقاع الرصاص والانفجارات، ابتليت نسمة بالعشق الذي ينطفئ أواره. وهنا يحضر عهد نسمة بالدراسة الجامعية في حلب عندما كان يدميها الصراع بين السلطة والإخوان المسلمين. وفي المرحلة السويدية سيجمع المنفى بين نسمة وسجين سياسي سوري سابق، أورثه سجنُ تدمر الشهير الشلل. وبعد زواج قصير يفترق الزوجان، وتؤوب

نسمة مجلّلة بالمآسي المروّعة التي عاشتها، مثلها مثل سورية خلال العقود المتتالية من القرن العشرين، والتي

ستطويها الرواية سريعًا منذ ما قبل الاستقلال حتى الوحدة السورية – المصرية، إلى أن يحكم حزب البعث البلاد،

فتهدّئ الرواية من سرعتها كي تتقرى عشرات السنين من ذلك الحكم، والموبوءة بالقمع والفساد. - ماجد رشيد العويد، الغلس تلعب هذه الرواية لعبة أسطرة الحاكم الذي بات كالتميمة أو التعويذة. فبعد عقود من السبات، آمن الناس أن المسبوت (العم حمود) سيظل يحكم من داخل غيبوبته. وقد بلغ الأمر أنه يكفي المرء أن يتذكر الديكتاتور حتى يبرأ من أي مرض أو عيب، ويمتلئ بالمرح والسعادة، ويُقبل على الحياة فخورًا بخياره الأمثل: المسبوت صاحب

العقيدة النقية. وكما كان الحجاج أمثولة للديكتاتور في رواية هاني الراهب رسمت خطا في الرمال، هو كذلك في

الغلس، كما ستكون السخرية الجارحة رافعة كبرى للرواية، وبخاصة حين تتوجه إلى «العقائدية» الشهيرة وما

تفرع منها من الجيش العقائدي والحزب العقائدي، في الستينيات السورية والعراقية من القرن الماضي. وبالإشارة إلى هزيمة 1967، يجلو السارد أن النظام العقائدي السوري الذي أحكم الحديد على الرقاب، لم يسقط، وأن «العقيدة النقية» في زهوها ومجدها تطل من أعلى جبل قاسيون على المدينة. أما في عام 1973،

فقد استعاد جيش العقيدة النقية شيئًا من الكرامة الوطنية. وهنا أيضا ليس مهماًّ أن تخسر بعض الأرض، بقدر

ما تكمن الأهمية في انتزاع زمام المبادرة في الحفاظ على هيكلية النظام الوطنية. ولا تنسى الرواية لبنان، فجيش العقيدة النقية تدرب على حماية العروبة، ودخل إلى لبنان ليقتلع من الجذور بذرة الطائفة التي تريد الإطاحة بلسان الوليد والرشيد! - غالية قباني: أسرار وأكاذيب تجلو هذه الرواية من السيرة السياسية السورية، عبر سيرة إلفة الشماع، ما تجلو من الأسرار التي شك لت عُقَد

ومصائب العقود الأخيرة من القرن العشرين، ولم تزدد إلا عتوًّا واستفحالا حتى عشية انفجار الاحتجاجات

الشعبية المتواصلة في سورية منذ منتصف آذار/مارس 2011. ترى الراوية انتصار أن أمها إلفة الشماع شريكة أولى في قتل الحقيقة ودفنها، فهي عشيقة اللواء المرحوم برتبة زوجة سرية، وقد وجدت نفسها متورطة بالفضح بعد مصرع اللواء، فأبرزت عقد الزواج العرفي. لكن زوجة الراحل الأولى، وابنه العشريني تصدّيا لها. وهذه

23 الطبعة الأولى (بيروت: الدار العربية للعلوم، ناشرون.)2010 24 الطبعة الأولى (بيروت: الدار العربية للعلوم، ط 1،.)2010 25 الطبعة الأولى (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.)2011

الزوجة الشرعية من عائلة ينتمي عدد من أفرادها إلى «الجيش والحزب»، وابنها عنصر شاب صاعد، في وقت كان فيه حزبه (أي حزب البعث العربي الاشتراكي الذي لم تسمّه الرواية) يتسول العناصر الشابة. لذلك خسرت

إلفة الشماع التي صارت عضوًا في مجلس الشعب، المعركة. وسوف تنتهي حياتها بالتحجب والحج، وبلا وجاهة

ولا قوة، ولكن بعدما ينتهي زوجها العميد رسلان شر نهاية، فيعود إلى القرية التي تعالى عليها، مثلما عاد أبطال روايات الوباء لهاني الراهب، وفردوس الجنونلأحمد يوسف داود، ولها مرايا لسمر يزبك. وكان هذا العميد

قد فتح خطوطًا مع جهات خارجية ليبيع معلومات قيّمة، وربما كان قد أخذ يعمل لحسابه، فسقط منتحرًا أو

مقتولا، وعاد جثة إلى أبنائه الذين أورث بعضهم الفساد والسطوة، بينما طُلب إلى عضو مجلس الشعب أن

تنسى المجلس. وليس ذلك إال نزر هنيّ من الغمر الأفدح ممّا تهتُك رواية غالية قباني من أسرار الحياة السورية

وأكاذيبها، وهو ما يتدفّق فور تشغيل المفتاح الفني الذهبي لهذه لرواية، أي البوح أمام الكاميرا.

• تقاسيم على السيرة الروائية المجتمعية ليس للتعبير الروائي عن الطائفية أو عن الديكتاتورية من النقاء إلا قدر؛ فعناصر السيرة المجتمعية مشتبكة، وإن غلب واحد منها أو أكثر على رواية بعينها. ولذلك أتابع النظر في روايات أخرى، قد يترجّع في الواحدة

منها صدى ما للطائفية و/أو الديكتاتورية، لكن الفعل يكون لعنصر آخر أو أكثر. فهذه هي رواية سمر يزبك رائحة القرفة ترمح بالفتاة عليا من حي عشوائي لتكون خادمة للست حنان في المدينة. وكذا ترمح الرواية

بالخادمة لتكون معشوقة، وبسيدتها لتكون عاشقتها. وبالطبع، لن يستقيم هذا الأود طويلا، لا في الجسد ولا في الروح، أي ولا في المجتمع. وهذه أيضًا رواية خليل صويلح زهور وسارة وناريمان تحفر في مجتمع

العشوائيات الغارق في الفقر والقذارة والفوضى. وبالحفر جاءت الرواية ضربات مشرط من الهجاء العميم، وبخاصة للمثقفين. ومن قبل، كان خليل صويلح في روايته دع عنك لومي قد أمعن في التعرية الاجتماعية،

ليبلغ الأقصى في تصوير انكسارات الروح وانهيار القيم، وهو يسلق بالسخرية السلطة والمعارضة وربيع دمشق الشهير، ولا سيمّا المثقفين. مع حسن صقر تزداد التقاسيم على السيرة الاجتماعية عددًا واشتباكًا. ففي روايته امرأة قرب التمثاليحفر في

القاع الاجتماعي كما يحفر في قاع التاريخ، فإذا بسرجون الأكادي ينتصب في تمثال، لا ليشهد على الشام، بل ليحياها وقد باتت «مئة شام، وألف شام، وليس شامًا واحدة. تستطيع أن تقول بأن لكل واحد شامه الخاصة

به، ولكن أنا أوجز هذه الشامات كلها في شامين: شام ميتة تسيح فيها الأموال تحت الأضواء الباهرة، وشام حية يحارب فيها الناس الإملاق بالغوص إلى أعماق اللذة، وارتكاب ما يُدعى بلغة الموتى الفواحش، وحيث إن

الشام لا روح لها تستطيع أن تقول إن هذه الأخيرة المسلوخة من جهنم، إنما هي جسد الشام». أما في روايته وردة الشمال، فيتوسل حسن صقر للتعرية الاجتماعية الصراع بين آل زيدان وآل بركات، والمرأة الحديدية عبلة

زيدان، والضابط والمعلم ليهجو الحزب الحاكم والمؤسسة العسكرية، فيرسل، على سبيل المثال، هذه السخرية:

26 الطبعة الأولى (بيروت: دار الآداب،.)2008 27 الطبعة الأولى (بيروت: دار الآداب،.)2008 28 الطبعة الأولى (بيروت: دار الآداب،.)2006

29 حسن صقر، امرأة قرب التمثال (دمشق: دار الحصاد، 2003)، ص.157

«هذا هو شعبنا، عاطفي ومحب، ولابد بعد أن نقيم تمثالا مزدوجًا للقاتل والمقتول دليلا على وحدة الشعب

والحاكم، وأن ننظم استفتاء حول قمصان رئيس الوزراء. فإذا كانت الأكثرية تريد القمصان البيض حصرًا،

فلابد أن نلحظ ذلك في مواد الدستور احترامًا لرأي الأكثرية». ولنتابعْ هذه التقاسيم: - سوسن جميل حسن: النباشون تخرج سوسن جميل حسن في روايتها النباشونعن الغالب في الحفريات الروائية العربية، إذ توقف روايتها

على القاع الاجتماعي السوري، كما هو في مدينة اللاذقية، حيث تتدافر أحياء السكنتوري والغراف والرمل

الفلسطيني وعين التمرة وبستان الحميني، وهي الأحياء التي جلجلت فيها المظاهرات والرصاص مرارا خلال 2011 2012، ويرابط على مداخلها الجنود والمتاريس. من هذا الهامش، من هذا السوار العشوائي غالبا، اختارت النباشونالسكنتوري فضاءً لها، وفي هذا الحي الذي

يتشكل باستمرار، ترسم الرواية لبشره صورا جارحة. وقد أقامت منهم منجما لشخصياتها، ابتداءً بجمعة الأعرج الذي جاء إلى العالم بمؤخرته، وليس برأسه، ونشأ

يسعى خلف أبيه في نبش الزبالة، وتابع الطريق مع حماره الأعرج مثله، فكأنما يؤديان رقصتهما الخاصة. مع كل من شخصيات الرواية يتعرى شطر من اللاذقية، وبخاصة مع جميلة التي تعلق بها جمعة وتعلقت به منذ

الصبا، لكن البؤس فرق بينهما، وتناءى بالحلم حتى صار كابوسا.ً تؤرخ الرواية انتهاك دلال وجمعة للشرعية في 2008/9/24، وبذا يقترب الزمن الروائي من الزلزلة السورية مطلع 2011. ولعل المرء لا يبالغ إن قرأ الانفجار المحتوم لذلك القاع الذي رسمته الرواية. إنه عالم الزبالة الذي لا يقوم فقط في الهامش (السكنتوري)، بل في قلب المدينة: اللاذقية، أي في قلب سورية. - هيفاء بيطار: امرأة من هذا العصر تعزز هيفاء بيطار، رواية بعد رواية، رهانها على الشخصية الروائية، جسدًا وروحًا، في تأنيث الرواية. وهو

الرهان الذي لا يوفّر المؤسسة الدينية أو الزوجية أو الثقافية أو أي مأْسسة تعوّق حرية الإنسان، وبخاصة

الأنثى. فمن أبواب مواربة إلى أفراح صغيرة.. أفراح أخيرة، ومن نسر بجناح واحد إلى يوميات مطلّقة إلى امرأة

من طابقين... تواصل الكاتبة السبيل الذي اختارت منذ البداية وفي القصة غالبًا كما في الرواية، من دون أن

تعشى بالبريق الحداثي، ومحاذ رةً الرائج: الثأرية النسوية من الذكورة. ولعل ذلك كلّه يبلغ ذروة جديدة في

روايتها امرأة من هذا العصر التي ترمينا منذ سطورها الأولى في مواجهة بطلتها المهندسة مريم لعلّتها: سرطان

في الثدي. إنها امرأة أخرى تحد آخر من نساء تحديات روايات هيفاء بيطار، تصدُّع الأنوثة والذكورة بأسئلة

الجسد والجنس والحب والأمومة والمأْسسة. وعلى الرغم من الخيار الأخير الملتبس بالنكوص أو التصوف، فإن إشارة الرواية إلى أفق إنساني أرحب وأزهى تظل أقوى.

30 حسن صقر، وردة الشمال (دمشق: وزارة الثقافة، 2008)، ص.81

31 الطبعة الأولى (بيروت: دار الآداب،.)2012 32 الطبعة الأولى (بيروت: دار الساقي،.)2004

- منهل السّراج: على صدري لو وُصِفَتْ رواية منهل السراجعلى صدريبرواية المكان، لقرصّ عنها الوصف، على الرغم من أن الوصف يبدو

مفصّلا لها تفصيلا، فما ترويه نجلا في هذه الرواية، عن نفسها وعن الآخرين، ينجبل بما ترويه عن مدينتها حماة،

وتصير حماة كإجاصة مقضومة هي نجلا المسكونة بعقدة صدرها الكبير. وقد يرسّ العمل في الآثار لنجلا أن

تحيي رميم المدينة التي دمرها الصراع بين السلطة والإخوان المسلمين عام 1982. تسرد صاحبة الصدر الكبير التي يعزف عنها العرسان، المعلومات التاريخية ببراعة. وبالبراعة نفسها تسرد يومياتها، وقصة جدتها، وأمها، وصديقتها لينا، وحبيبها ظافر، وخليل النحات المرمم المسكون بعشتار الحموية، وباقي الفنانين الذين تجمعهم مراسم حي الطوافرة.. وعبر هذا السرد تصوغ نجلا شخصيات الرواية برهافة، مثلما تصوغ مدينة حماة. - غازي العلي: سموات الوحشة إذا كان اللقاء السوري-العراقي يبدو محرمًّا أو شبه محرّم منذ حكم حزب البعث في البلدين قبل خمسة عقود،

فإن ذلك ظل ينتظر تعبيره الروائي، حتى جاءت هذه الرواية التي أقبلت على طوفان العراقيين الذين فرّوا من

العراق بعد حرب 2003، وناهزوا المليون ونصف المليون، ولجأوا إلى سورية، وبخاصة دمشق، وبالأخص

منها ذلك الحي الطرفي «جرمانا» الذي شك ل الشطر الأكبر من فضاء رواية سموات الوحشة، حيث تقيم الفنانة

التشكيلية العراقية رحاب التي تبدأ الرواية بها كعاهرة يصادفها الصحافي السوري خالد عرب، فيتحابان، بينما يعشقها الفنان التشكيلي جهاد. وقد رسم جهاد لرحاب لوحة تروم أن تحييها في حجاب ألوانه، وبغير ما عُرف

عنه من حبه للألوان الصارخة. وإذا كانت رحاب سترسم في مرسم جهاد، فهي لن تبادله العشق، كما سيتبدد ما بينها وبين خالد، لكأن الرواية تشير إلى استحالة هذا الحب العراقي – السوري. - مها حسن: بنات البراري من الألوان تنسج هذه الرواية لعبتها، فتخصّ كل لون بفصل، فإذا بجماع ذلك يستقيم سيرةً للرعب الاجتماعي

الذي تعيشه الأنثى. وأول ذلك هو حكاية سلطانة الشابة التي تحمل خارج الشرعية الاجتماعية، فيكون نصيبها المألوف: القتل. وقد بدأت الرواية بما وصفته ب «مشهد بالغ الغرابة» يظهر فيه جسد مفصول الرأس (سلطانة)، بينما يتدلى من بين الساقين رأس آخر. ولسوف يصير إثر ذلك كل شيء أحمر. ثم يلي فصل الأصفر، وفيه نقرأ: «جميع شخوص هذه الرواية يشعرون بالخوف. الخوف الذي يمتقع بسببه لون الوجه، يهرب منه الدم الأحمر... يتحول لون الوجه إلى ما يشبه الشبح... الخوف الذي يطريّ الدم، يجمده، يلونه ربما، فيتحول إلى أصفر». من حكاية ريحانة التي تلاقي مصير سلطانة إلى حكاية بنت سلطانة التي لم تسمّها الرواية، بل جعلت علامتها

هذه النجمات الثلاث (***)، إلى بقية الحكايات، تتوالى الفصول/الألوان، وصولا إلى الأسود الذي ستقطع فيه الكاتبة السرد لتتحدث عن نشاطها ضد جرائم الشرف. أما ختام الرواية فيأتي في أخضر/ فصل لم يحدث بعدُ، متخيل ومأمول، وتتخلله مقتطفات بديعة من شعر الشاعر المصري عماد فؤاد، كما ينسج الفصل الحلم

بنهاية الدم / بنهاية اللون الأحمر، بعد أن تكون الرواية قد سلقت الذكورة، أيما سلق، ومجدت الأنوثة أيما تمجيد.

33 الطبعة الأولى (بيروت: قدمس للنشر والتوزيع،.)2007 34 الطبعة الأولى (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.)2009 35 الطبعة الأولى (بيروت: الكوكب رياض الريس للكتب والنشر،.)2011

جماليات

• السيرة النصية مثل الكاتب أو الكاتبة، باتت للرواية سيرتها، أي باتت تلعب في العراء، أو على المكشوف، أمام القارئ.

هي ذي رواية خليل صويلح ورّاق الحب، تقوم على اشتباك سيرة كتابة الرواية بسيرة كاتبها وسيرة بطلها

بنقد المشهد الروائي. ونبدأ ب البطلالذي لا يُسمّى في الرواية، وهو صحافي وكاتب لديه من النرجسية ما لا

حيُسَد عليه. ولأن رواية ورّاق الحبهي سيرة قراءة أولا، فقد تجسّدت الأَمْثلَة الروائية في متناصّات غزيرة

مضفورة بين قوسين. وإذا ما أضفنا إليها المتناصات المتعلقة بالحب وسواه، فسنرى أن حجمها جميعًا يربو على

نصف الرواية. ينسجم التفات هذا الكاتب إلى أفغانستان، والتفاته إلى الانتفاضة، مع استلاب الرواية العالمية له، ومع سخريته

المتعالية، والبارعة فنيًا، من كل ما هو محلي، وليس من الرواية أو النقد أو الصحافة فحسب. غير أن هذا الكاتب

يقع في ما أخذه على سواه؛ ففيما يأخذ على غيره تقفّي باتريك زوسكند، صاحب رواية عطر، نراه يغرق في هذا

التقفّي، وفي ما يعلّم صاحبنا أن الوثائق التاريخية لا تكفي لصنع رواية في الوقت الذي تنام فيه المخيلة، نراه يُثقل

روايته بتاريخ الخط الحديدي الحجازي، وبأجواء الحرب العالمية الأولى، وهو يقلب من مفاتيح روايته حكاية

النشواتي والمرأة التركية. إن سائر ما تقدم يجلو بقوة السيرة النصية في رواية ورّاق الحبالتي عرّى فيها خليل

صويلح بطله ببراعة وعمق، وبأسلوبية بالغة السلاسة في تنوعها، وبالغة المرارة والتفرد في سخريتها. مثل متاهة من الشخصيات المثقفة، تبدو رواية مها حسن لوحة الغلاف، على الرغم من محاولة التمركز حول

الكاتب كريم الحاوي الذي يطمح إلى كتابة عبر الجنسية، أين منها إدوار الخراط والكتابة عبر النوعية ف لوحة

الغلافتُنعِم بالمطرح الأكبر منها للرواية التي يكتبها كريم، حيث يحتشد التنظير. فكريم لا تعنيه الحوادث، بل

الأفعال الداخلية. وقد كانت رواية كريم، كما تجلو الساردة، دراسة للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والفكرية

والانفعالية التي تسبب الخيبة. وهكذا فالرواية المتضمَّنة في لوحة الغلافهي سيرة الخيبة، وربما شيء من سيرة

كريم الذي يرى أن من يحسب كتابة الرواية كتابة شخصيات واضحة، مخطئ. وفي موقع آخر يعلن أن روايته

العتيدة بعيدة عن الروي، ومغلقة. ويحدد سبب ما يراه من افتقاد الرواية العربية للخلود، بالفكر. فالرواية

العربية لا تقدم فكرًا، بل قصة أو خيالا أو شخصيات تحيا حوادث مثيرة أو مألوفة غالبًا. وعلى هذا النحو تنوء

لوحة الغلافبتنظير شخصياتها في اللغة والفن والأنوثة والحداثة والعتمة والضوء والموسيقى والصمت و...

كما تبدو الرواية معرضًا مزدحمًا بالفن التشكيلي، عبر شخصيتي الرسامين أمين وإبراهيم، وبالتناسخ والأنوات

التي ترى كل شخصية نفسها وهي تتشظى بينها. جاءت رواية روزا ياسين حسنبروفا بينما سورية تمور منذ آذار/مارس 2011 في ما يزلزل الأجيال السورية

جميعًا، من القماط حتى حافة القبر، وبالأحرى من الرحم إلى القبر. وكما في أي زلزال عربي منذ نهاية العام 2010،

ما كان له أن يكون لولا الشبان والشابات، من جيل سبعينيات القرن الماضي، وما بعده على وجه الخصوص.

36 وقد حاولت ذلك في روايتي مجاز العشق (اللاذقية: دار الحوار،.)1998

37 الطبعة الأولى (دمشق: دار البلد،.)2002 38 الطبعة الأولى (حلب: دار عبد المنعم ناشرون،.)2002 39 الطبعة الأولى (بيروت: رياض الريس،.)2011

ولعل ذلك يدع دعوى المعنى واللامعنى والانكسار والخيبة والخلاص الفردي.. معلقة للقارئ الذي تعوّل

هذه الرواية عليه كثيرًا في انكتابها، في حركة من حركات اللعب الروائي الذي تصح عنونته بالميتارواية. في رأس

اللعب الروائي فيبروفا تأتي لعبتها الكبرى المتمثّلة في الراوي الشاب الذي يؤدي الخدمة الإلزامية في الجيش، في

فرع للمخابرات العسكرية، حيث يرابط أمام جهاز التنصّت، المراقبة، حيث تمّحي العبارة الشهيرة: «أنا الذي

رأيت» لتحل محلها الجملة الأولى في الرواية: «أنا الذي استمعت.» لقد نحّت الروايةُ السياسةَ جانبا، بخلاف ما كان في روايتي روزا ياسين حسن السابقتين (أبنوسوحراس

الهواء). فليس في رواية بروفا إالّ نثرات سياسية. ومثل ذلك الإشارة إلى الانتماء الطائفي للراوي (علوي)،

فهو لا يريد الإنصات لنقاشات والده عن التخريب ومستقبل الطائفة، إن ذهب حلمها. ومقابل هذا الزهد

بالسياسة جعلت الرواية جهدها في الإنساني والنفسي، حيث كان للجنس، ونادرًا للإيروتيكية، الفعل

الأكبر. أما مجلى السيرة النصية، فقد خصته الكتابة بتهميشاتها الغزيرة التي إن كانت تنشّط اللعب، فهي تزخر

بالتعالم أيضًا. • استراتيجية اللاتعيين من النادر أن يقع المرء على رواية لا تحدد مكانها و/أو زمانها، وهذا ما بك رتُ إلى اقترافه في رواية السجن

(1972)، كما بكّرت إليه حميدة نعنع في روايتها الوطن في العي ين (1979). غير أن اجتماع الضدين على الرواية:

مراح اللعب والتخييل مع تفاقم القمع، دفعا استراتيجية اللاتعيين إلى واجهة اللعب الروائي، طلبا للضدين:

التقية والفسحة الأكبر للعب. تلك هي رواية هاني الراهب رسمت خطا في الرمال تستعيض عن أسماء مدنها الروائية بمحمولات الزمن،

لتصبح: مدينة «ماذا» و«متى» و«كيف»، وهي مدن-دول النفيطيات كما توالي الرواية التسمية: نفيطية ألف

نفيطية باء نفيطية دال. ولن تبخل الرواية بما يعين هذا الفضاء الروائي اللامتعنيّ في الخليج العربي وفي حرب

عاصفة الصحراء. تلك هي الرواية الأولى لمنهل السراج كما ينبغي لنهر التي صاغت بسحر الإبداع مدينتها حماة، من دون أن

تسمّيها، وقد دمّرها الصراع بين أبي شامة ونذير. وبالسحر نفسه صاغت الكاتبة شخصية فطمة، حيةً وميتة،ً

وأقامت المشهديات الباهرة، ولم ترُم من الإشارات إلى حماة 1982 إلا ما يكفي العقود القليلة التالية. فلنقرأ

هذا الذي لا يصدَّق: «لا أحد يعرف لماذا أحرقت الفتيات علم بلادهن، أنزلنه من عليائه، بجنون، بعصبية،

بوجه محتقن، فسقط فوق الماء الموحل الدائم التجمع أسفل درجات المنصة التي يحييّن العلم منها ويرددن النشيد

الوطني. أخذن يدسنه من جميع الجهات حتى تلوث بكامله». أما رواية نهاد سيريسالصمت والصخب، فهي تسند بطولتها وسردها إلى كاتب رفض التدجين في قنوات

القامع، واعتصم بالصمت، ففصلوه من اتحادي الكتاب والصحافيين، وحرضوا الرفاق الكتّاب على مهاجمته،

وسمّوه الكاتب غير الوطني لأنه بصمْته أساء إلى ملهم الأمة وبوصلة الإنسانية، أي الزعيم الذي جاء به انقلابِ

عسكري منذ عشرين سنة تسيّد خلالها الحزب الحاكم على البلاد التي لا تسمّيها الرواية، كما لا تحدد لها زمنًا.

40 الطبعة الأولى (بيروت: دار الكنوز الأدبية،.)1999 41 الطبعة الأولى (الشارقة: دائرة الثقافة والإعلام، 2003)، ص.96 42 الطبعة الأولى (بيروت: دار الآداب،.)2004

لقد استيقظ بطل الرواية فتحي على الصخب، وبه امتلأ زمن الرواية: يوم واحد هو يوم المسيرة، حيث الحشود المتماوجة المتدافعة وصور الزعيم تتحرك كأمواج البحر فوق رؤوس الجماهير. لكن هذا (الخارج) هو الجحيم نفسه، فالجماهير سمكة كبيرة ومتوحشة بحسب فتحي، الذي يخبرنا أن لا وجود في «مسيراتنا» إلا لفريق واحد

أوحد ومطلق، لذلك ينبغي إلغاء جميع فردانيات الأفراد الذين يشلّون الجمهور. وقد توّج الراوي هذا التصوير

للزعيم بفقرة تراجع فيها السرد إلى التنظير، وتتعلق بتأليه الملك في الشرق كما تحدّث عنه أرسطو، وبما كان

لمحاولة الإسكندر أن يتألّه، وبما ساق هيغل وحنة أرندت في ذلك. ولئن كان هذا التصريف للتنظير خرج في

الرواية عن سيولة السرد الساخرة، فقد قرنت الرواية إلى السخرية من الكافكاوية قدرا.ً وهذا كاتب أمضى تسعة وعشرين عامًا في السجن، هو عماد شيحا، ثم خرج إلى الحياة وإلى الرواية؛ فبعد روايته

موت مشتهى (2005) جاءت غبار الطلع لتشتغل على استراتيجية اللاتعيين، فتقدم حيوات شبان وشابات تنادوا إلى منظمة لن تسمّيها الرواية، في مدينة من دولة لا تسمّيها الرواية، معانقين أحلامهم وأحلامهن بتبديد

ليل الاستبداد والفساد، فغالبوا حتى ذهبوا بددا.ً تنهض الرواية على فعل التذكّر، حيث النتف المعتمة والمتهاطلة، والتي لا ينجلي كثير منها إلا بعد رهق، تكون الرواية عبره قد قدمت سرد شخصياتها الكثيرة، مخلصة لمبدأ الاتصال والانفصال بين الوحدات السردية الكبرى والصغرى، حيث لا يكاد يغيب خطر التتويه بين عشرات الحوادث والشخصيات، ومنها العابر الذي لا تخسر الرواية بحذفه. كما تنهض الرواية على إيقاع السؤال الذي سيبدل صيغه من مبتدأ الرواية إلى منتهاها:

ما الذي حلّ بنا؟ • السيرة الروائية أو الرواية السيرية بالاطراد مع تهميش الفرد بعامة، والمثقف بخاصة، ومع تذرير المجتمع وتعطيل السياسة وتفاقم القمع، أخذ السيري يضاعف حضوره الروائي. وإذا كان الغالب هو أن يترك السيري علامات صغرى أو كبرى ترشد إليه في الرواية، فقد بلغ أحيانًا أن وحّد الراوي أو الشخصية المحورية الكاتب باسمه الصريح، وليس بالتلطي خلف

ضمير المتكلم بلا اسم. فهذا حليم بركات يروي باسمه الصريح في روايته السيرية طائر الحوم. وهذا خليل النعيمي يروي باسمه الصريح في روايتهتفريغ الكائن، ويعلن ذلك في موطن متقدم من هذه الرواية السيرية، تمامًا كما ابتدأت رواية

القطيعة بعبارة «أنا خليل النعيمي». وإذا كان ماضي الكاتب المنفي هو مدار الحكي في الروايتين، فقد أضيف إليه فيتفريغ الكائنماضيه وحاضره في المنفى الباريسي، بينما غاب المنفى عن القطيعة على الرغم من أنها كتبت هناك، عدا عن عبارات محدودة منقولة عن جدار في الحي اللاتيني وجدار في شارع السين، تقطع السرد، شأن الخلاصات الفكرية أو الحكمية التي تعجّ بها الرواية.

43 الطبعة الأولى (بيروت: المركز الثقافي العربي،.)2006

44 وهذا ما كان في روايتي المسلّة (بيروت: دار الحقائق،.)1980

45 الطبعة الأولى (الدار البيضاء: دار طوبقال،.)1988 46 الطبعة الأولى (القاهرة: دار شرقيات،.)1995 47 الطبعة الأولى (القاهرة: دار الثقافة الجديدة،.)1992

وهذا وليد إخلاصي يتخلى عن اسمه للراوي الذي يروي بضمير المتكلم روايته سمعت صوتًا هاتفًا فيبدأ

بالأزمة القلبية التي تعرض لها، ثم يختار مقطعًا من حياته منذ الطفولة حتى ثمانينيات القرن الماضي، حيث تترجع

أصداء التحولات الاجتماعية والسياسية في سورية بعامة، وفي حلب بخاصة، وهي مدينة الكاتب الذي تعبق

بروائحها روايات وليد اخلاصي دومًا. وكما فعل وليد اخلاصي فعل كثيرون، بالتعويل على الراوي بضمير

المتكلم بدلا من الاسم الصريح أو الاسم الروائي. فمن قبل، هي ذي رواية سليم بركات السيرية هاته عاليًا،

هات النفير على آخره: سيرة الصبا. وهذه غادة السامّن تسلك سبيلا آخر في روايتهاالرواية المستحيلة: فسيفساء دمشقية، حيث لن يطول الانتظار

بالمرء حتى تجعله يدرك أن مرمى العنوان ورسالة الرواية هما استحالة السيري في الروائي، أو العكس. فالرواية

تستدعي السيرة بالمتداول من سيرة الكاتبة، وببعض الوثائقي الذي انطوت عليه. أما النهج، فقد كان التذكر

الرمزي، الأمر الذي ينادي الفن إلى فسحة النسيان الطبيعي وغير الطبيعي، أي إلى فسحة التخييل. هكذا تحضر

البومة، التي لازمت شعائريتها حياة غادة السامّن كما هو معروف، من ماضي الطفلة التي كانتها، من فجوة

بيت الأسرة الكبير، ومن تعلُّق الأم بصوت البومة. ومثل ذلك كثير وبديع، فيما ترتسم لبطلة الرواية (زين)

صورتها في الطفولة، وفي المراهقة، حيث تتوقف الرواية بعد أن تكون قد قدمت سيرة الأم بخاصة، وتلك الشابة

الاستثنائية التي تشير إلى كاتبتها. أما منذر بدر حلوم، فهو يشهر في روايته سقط الأزرق من السماء، ومنذ البداية، دفتر مذكرات بطلها (درويش)

الذي يسافر إلى موسكو للدراسة، لتتقد النوستالجيا في الرواية، وتشتبك السيرة بها، بما يعني تذويب المكون

الأوتوبيوغرافي في الشكل الروائي. ومهما يكن مقدار ما حققت هذه الرواية من ذلك، فنَسب ها إلى السيرة الذاتيةِ

الإخبارية نسَب متين. وليست رواية وليد إخلاصي سمعت صوتًا هاتفًا بعيدة عن ذلك، لما تضمنت من

حكايات وأخبار وتجارب ومشاهد، حتى ليبدو أنها حائرة بين تصنيفات باختين جميعا لهذا النمط من السردية،

أي حائرة بين رواية السيرة أو رواية الاعترافات أو رواية السيرة الذاتية، وهذا ما يجعل منسقط الأزرق من

السماء أنموذجا لإشكالية النوع أو التجنيس أو التصنيف، مثلها مثل جمهرة من الرواية العربية. وتعود بنا رواية شهلا العجيلي عين الهر إلى السيرة النصية، إذ تشتبك هنا بالسيرة الروائية. فالراوية ملّت

الترحال بين حلب وعمان، وفي الروايات إشارات جمة إلى الرقة، وكل ذلك ممّا يومئ إلى الكاتبة. كما تعلن الراوية

أنها تكتب مشروعها الروائي الذي استلهمته من أيوبة، بطلة عين الهر. أما عبير إسبر، فهي تلتبس حقا بشخصياتها، كما نقرأ في روايتها قصقصْ ورق، حيث يأتي صراخ هذه التي تعلن

أنها بريئة من تهمة السرد وجودة التلفيق، بعدما بلغ سيلها الزبى، إنْ في حياتها السورية، أم في تجربتها مع حزب

الله، ونقرأ: «أ علن براءتي من البشاعة، والخوف، والانتماء لبلدان لا تريدنا، وهويات تجلدنا، تلعننا، ترمي بنا

على أرصفة مدنها كالشحاذين، أعلن براءتي، خلاصي، من مخيلتي، من تلفيقي، من صدقي، من كذبي.. ثم خوفًا

منكم وبحثًا عن العفو، أبرئ نفسي من كل ما كتبت».

48 الطبعة الأولى (دمشق: دار كنعان،.)2003 49 الطبعة الأولى (بيروت: دار التنوير،.)1982 50 الطبعة الأولى (بيروت: دار الآداب،.)1999 51 الطبعة الأولى (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)2006 52 الطبعة الأولى (بيروت: رياض الريس والنشر، 2009)، ص.165

• التراث السردي من التراث السردي، حضرت ألف ليلة وليلة في ولادة الرواية في سورية، على يد فرنسيس المراش، وذلك في

روايته درّ الصدف في غرائب الصدف (1872). وسوف يكون علينا أن ننتظر طويلا حتى يتلامح فعلٌ ما

للتراث السردي في الرواية في سورية، هو فعل ألف ليلة وليلة أيضًا، ولكن في الروايات التي طمحت إلى أن

تخرج بالرواية من كلاسيكيتها إلى أفق الحداثة، كما في رواية هاني الراهب ألف ليلة وليلتان (1977) ورواية

خيري الذهبيليال عربية (1980). وإذا لم تكن الروايات التي سيترجّع فيها صدى ما ل ألف ليلة وليلة،

مباشر أو غير مباشر، بنادرة، فمن الروايات التي بُنيت بالتفاعل مع درة السرد العربية، أذكر رواية هاني الراهب

رسمت خطا في الرمال، التي بُنيت بالتفاعل مع مقامات بديع الزمان الهمذاني. فكما تحضر شهرزاد وشهريار،

يحضر عيسى بن هشام وأبو الفتح السكندري. وهكذا تظهر شهرزاد سجينة في قصر شهريار، بينما يحاضر عيسى

بن هشام أستاذًا في جامعة نفيطيةٍ ما، وتهوي بلقيس من عرش مأرب على قاع ال «بدون»، أي قاع من لا جنسية

لهم في نفيطية ما. وعلى إيقاع الحرب يطبق دهريار آل نفيطيان الكتاب (القرآن) ويفتح كتاب النفط، مديرًا ظهره

للقرن السابع، ومسرعًا إلى القرن العشرين، يثب عن ظهر الهجين، ويجلس وراء مقعد الليموزين، عيناه تقران

بصفوف المطوعين وأسراب العذارى، وهو وحده لديه التكنولوجيا والحرسلوجيا!

مثل هذا الصدى اللغوي القادم من التراث السردي، سيأتي بلبوس آخر في رواية محمد أبو معتوق بلغني أيها

الملك السعيد، التي تقول في مفتتحها: «بلغني أيها الملك الحزين أن ديكا من الأسلاك كان واقفا على الشباك،

وكان الشباك واقفا على الأرض، وكانت الأرض واقفة عن الإنسان والدوران، وكان النوم أغلى منحة، وكان

الملوك يحبون الحكايات أكثر من حبهم للنساء الجميلات». ولسوف تجعل الرواية من هذا المفتتح ختامها،

وبين الدفتين تتناسل حكايات المختار عاشور وعاتكة والسمكات... وتتعصرن شهرزاد وشهريار، كما تتطعم

أل«ألف ليلية» بالطعم المقامي (الحريري والهمذاني). وتلعب الرواية لعبة المتن والهامش، حيث تعزز الهوامش

السخرية الروائية وهي تشكك في المتن أو تشرحه أو تعلق عليه. وعلى المرء أن ينوّه هنا بالسمة الكبرى لروايات

محمد أبو معتوق بعامة، وهي سمة السخرية. على نحو آخر يأتي التفاعل مع ألف ليلة وليلة في رواية سوسن جميل حسنألف ليلة في ليلة، حيث تطمح الراوية

ديمة أن تكون شهرزادًا جديدة، حتى لو استعادت نداء شهرزاد الأولى (مولاي)، أو تركت عاشقها ومعشوقها

بلا اسم، وجعلته المتلقّي الصامت. فإذا بشهريار الجديد يصير بالحب أبًا وأخًا وإبنًا ومعلامً وصديقًا، بينما تروي

له شهرزاد الجديدة تاريخها الشخصي، أي التاريخ العمومي الذي كُتب بكيانها، فلا تحذو حذو شهرزاد الأولى،

بل هي تحرض السؤال في شهريار الجديد، ولا هي تؤجج شهوته أو تدهشه بالغرابة، بل تحلم بأن يكون امتدادها

وأن تكون امتداده. • الرواية والفنون كان من النادر أن يُلمح أثر ما للتفاعل بين الرواية والغناء أو السينما أو الموسيقى أو الفن التشكيلي، وغير

ذلك من الفنون، ومن ذلك النادر أذكر روايات حسيب كيالي مكاتيب الغرام (1954)، ومطاع صفدي

جيل القدر (1960)، ووليد إخلاصيشتاء البحر اليابس (1964 مختلفًا من التفاعل بين). غير أن شكلا

الرواية والفنون، سيظهر أخيرًا؛ فرواية هاني الراهب خضراء كالبحار تقدم شخصيتيها المحوريتين: فراس

53 الطبعة الأولى (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.)2009 54 الطبعة الأولى (بيروت: دار المدى،.)2000

نصار: فنان تشكيلي، ونورما البدر: صحافية وناقدة فنية. وعلى إيقاع الموسيقى الكلاسيكية، ينشب العشق بين

الشخصيتين، ويُدمر. كما ترسم الروايات لحظات الإبداع على ذلك الإيقاع، رسامً أو نحتًا. وقد بدت الرواية

في عديد من مشهدياتها، وفي تمفصلاتها، كأنما هي لوحة تتشكل، أو هي لحن يُصاغ. وأمر التفاعل إذن هنا

مع الموسيقى أو مع التشكيل هو بنيوي، بينما اكتفت جلّ الروايات الأخرى التي حضر فيها الفن التشكيلي، بأن وسمت بطلها أو بطلتها بهذا الفن، كما في لوحة الغلافلمها حسن، ووردة الشماللحسن صقر، وسقط

الأزرق من السماء لمنذر بدر حلوم، وألف ليلة في ليلة لسوسن جميل حسن، وأقودك إلى غيري (2006) لعائشة

أرناؤوط. وبخلاف ذلك، وبما يضاهي إنجاز خضراء كالبحار تأتي رواية سليم بركات الفلكيون في ثلثاء الموت

كبد ميلاؤس (1997)، سواء في شخصية الراوي النحات أو المهندس فاسوس المولع بالفن. وبإنجاز مماثل، تتقدم أكثر من رواية لفواز حداد، ولكن بما يتعلق بالموسيقى والغناء والرقص والمسرح والسيناريو. وربما كانت غاية ذلك قد تحققت فيمرسال الغرام. فمحمود رشوم، الذي هاجر إلى الخليج ليعمل في الإضاءة والديكور والتصوير، يتباهى بأنه وحده يتقن فك شفرة الأصوات الحافلة باللغات. ويبدو رشوم في متاهة الأصوات وهو يدرب الراوي ويحشد الرواية بالرفرفة والدفدفة والشقشقة واللقلقة والبقبقة والسقسقة، وما شاكل ممّا ينادي

اللعبة اللغوية الأثيرة في روايات إدوار الخراط وأطروحته العتيدة في غنّة الغناء وهزج الأصوات، غير عابئ بما

يتأتى للسرد جراء ذلك من عور. مع طموح مرسال الغرامإلى التأريخ للموسيقى والغناء خلال عقود أم كلثوم، يتوازى الطموح لأن تكون هذه الرواية «جردة»، بالتمفصل مع انقلاب 1963 الذي جاء بحزب البعث إلى السلطة. ويتجسد هذا الطموح في شخصية م. ع. القادم من ريف الساحل إلى العاصمة، تراها إشارة إلى أنه علوي (؟) الذي غدا بؤرة الفساد

والإفساد، مثله مثل ابن أخيه ل. ع، ومثل الدكتور ج. المسؤول الخط ر الذي حصل على الدكتوراه، وعرفت زوجته السرية الروسية ناتاشا أنه من ال ك. ج. ب. السوري. عبر سرد حيوات هذه الشخصيات الثلاث، وعبر سرد حياة العاهرة لطيفة، وحياة المحقق الذي لا تسمّيه

الرواية، عبر ذلك تعري الرواية القمع والفساد. غير أن هذه التعرية التي توسلت البوليسية والسخرية، تغدو

غالبًا هجاء عميامً وصارخًا للمؤسسات الإعلامية والإدارية والأمنية والثقافية والحزبية والدينية.. وإذا كان

ذلك لم يؤثر في البناء المحكم للشخصيات الروائية، فالمفارقة أنه قد أعلى من الخطابية في الرواية، كما أعلتها التأملات الطويلة التي يسوقها الراوي أو رشوم أو السارد في الفن والحداثة والماركسية.. وعلى هذا النحو من التعرية والهتك في الاجتماع والسياسة، تأتي رواية فواز حداد مشهد عابر) بالتفاعل

بين المسرح والرواية، وهو ما كان قوام رواية حداد تياترو 49 (1993)؛ فالمسرح يصير بنية الرواية، إذ يشكل

شخصياتها المحورية كما تشكله، وإذ يشكل مجتمعها كما يشكله. ومن اللافت في مشهد عابر فصل عنوانه

«الشبيحة» يحذّر فيه جار الصافي أحمد ربيع من الشبيحة. وأحمد، كما يضيف السارد، هو مثل غيره من الدمشقيين، سمع عن الشبيحة، ولم يصادفهم، ويخلط بينهم وبين الأشباح. وإذا كان الشبيحة سيضربون أحمد ربيع حد

الموت، تحذيرًا من الاقتراب من إحداهن، فالسارد يتوىلّ شرح الشتائم التي يسلق الشبيحة بها ضحيتهم، وفي

الشرح لا تخفى إشارة السارد إلى أن الشبيحة علويون.

55 الطبعة الأولى، (بيروت: دار الريس للكتاب والنشر،.)2004 56 الطبعة الأولى، (بيروت: دار الريس للكتاب والنشر، 2007)، ولهذه الرواية إذن مطرح بين الروايات التي اشتغلت على الطائفية.

خاتمة

فاتنا كثير في هذه الدراسة، يتعلق بكاتب بعينه، أو بظاهرة بعينها. ولأن ذلك سيكون عورة لا يشفع لها ضيق المقام، ولا قصور الجهد عن الإحاطة بمَور الرواية في سورية خلال عقد، فكيف باثنين. لذلك كلّه أختم بذكر

سليم بركات، الروائي الكردي السوري الذي يكتب بالعربية، بلغة روائية يندر أن تضاهيها لغة كاتب عربي. وإذا كان الكردي من الفضاء السوري، حيث سيظل مسقط رأس الكاتب المهاجر وموطن طفولته حاضرًا في رواياته كما في شعره، فإن ما يميّز روائيته هو البناء الهندسي الصارم، واشتغال الفكري والفلسفي، والسيرية

المواربة، والتخييل المحموم، والحضور المذهل للطبيعة؛ ففي رواية فقهاء الظلام يمضي التخييل إلى الغرائبي والعجائبي عبر ولادة بيكاس ونموه وزواجه واختفائه في يوم واحد. ويشتبك ذلك بحفر الكاتب في تاريخ الشمال السوري، وبتأملاته الفلسفية في أصل الإنسان ومعنى الوجود. وفي رواية بركات معسكرات الأبد يشتبك الحفر في زمن الاستعمار الفرنسي لسورية مع الفعل الروائي للطبيعة، حيث يفتتح الديكان رش وبلك الرواية ويختتمانها، كما يكون الكلبان والإوزات شخصيات روائية. من ناحية أخرى، أختم هذه المساهمة بذكر ظاهرة الحفر الروائي في التاريخ، وما يدعوه سواي بالرواية التاريخية؛ فقد نشط هذا الحفر في ثمانينيات القرن الماضي، منذ رواية هاني الراهب الوباء وعبر ثلاثية خيري الذهبي وثنائية نهاد سيريس ورباعية كاتب هذه السطور. وقد غدت هذه الظاهرة أهجية في روايات خليل الرز سمك إرلندي، وخليل صويلح ورّاق الحب، وعلي عبد الله سعيد اختبار الحواس. ولئن كانت هذه الظاهرة تراجعت

لتفسح للشهادة الروائية على الراهن-الحاضر، فهي لا تزال حاضرة وفاعلة في المشهد الروائي، أكان ذلك على أيدي السابقين مثل روايةفخ الأسماء لخيري الذهبي (2003)، أم اللاحقين مثل رواية ورّاق الحبلخليل

صويلح نفسه. لقد بلغت مدوّنة هذه المساهمة خمسين رواية، منها خمس وثلاثون صدرت بين عامي 2000 و 2011، ونصف

المدوّنة للأصوات الجديدة التي ظهرت خلال العقد الماضي. أما خلاصة القول، فهي أن الرواية في سورية

مهجوسة حتى النخاع بالسياسي والاجتماعي، تهتك القائم بإمعان وحرارة يبلغان بها أحيانًا حد الهجاء والثأرية والصراخ. وفي صلب الهتك ينبض الحلم بالبديل الذي تعربّ عنه مفردتا الزلزلة التي تعيشها سورية منذ آذار/

مارس 2011، وأعني: الحرية والكرامة. وإلى ذلك تنامى في الرواية في سورية حضور الكاتبة، وتنامت الرؤية النقدية، والسيرية، وتراجعت سلطة الراوي، كما تراجعت الكلاسيكية وربما يفسر هذا غياب حنا مينه عن هذه الدراسة وفي المقابل، تجدد ألق الكلاسيكية المطعّمة بالحداثي (كما تدل على ذلك روايات فواز حداد وحسن

صقر) وتعزز التفاعل مع الفنون. وإذا كان ذلك كلّه لا يغفل عامّ أشرت إليه في البداية من علّة الاستسهال، فلعله قبل ذلك وبعده، يؤكد المكانة المرموقة التي باتت للرواية في سورية، والوعود التي تزخر بها.

57 الطبعة الأولى (قبرص: منشورات بيسان برس،.)1985 58 الطبعة الأولى (بيروت: دار التنوير،.)1993

المراجع

أبو معتوق، محمد. بلغني أيها الملك السعيد. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.2008 أرناؤوط، عائشة. أقودك إلى غيري. دمشق: دار كنعان،.2006 إخلاصي، وليد، سمعت صوتا هاتفا. دمشق: دار كنعان،.2003 أسبر، عبير. قصقصْ ورق. بيروت: الكوكب؛ رياض الريس للكتب والنشر،.2009 بركات، حليم. طائر الحوم. الدار البيضاء: دار طوبقال،.1988 بركات، سليم. هاته عاليا، هات النفير على آخره. بيروت: دار التنوير،.1982. فقهاء الظلام. قبرص: منشورات بيسان برس،.1985. الفلكيون في ثلثاء الموت: كبد ميلاؤس. بيروت: دار النهار،.1997. معسكرات الأبد. بيروت: دار التنوير،.1993 بيطار، هيفاء. امرأة من طابقين. اللاذقية: مكتبة بالميرا،.1991. امرأة من هذا العصر. بيروت: دار الساقي،.2004 تريسي، ابتسام. عين الشمس. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2010 حداد، فواز. مرسال الغرام. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.2004. مشهد عابر. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.2007 حسن، روزا ياسين. أبنوس. دمشق: وزارة الثقافة،.2003. بروفا. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.2011. حراس الهواء. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.2009 حسن، سوسن جميل. ألف ليلة في ليلة. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2010. النبّاشون. بيروت: دار الآداب،.2012 حسن، مها. بنات البراري. بيروت: الكوكب - رياض الريس للكتب والنشر،.2011 حلوم، منذر. سقط الأزرق من السماء. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.2008 حيدر، حيدر. شموس الغجر. دمشق: دار ورد،.1997 خرتش، فيصل. موجز تاريخ الباشا الصغير. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.1991. حمّام النسوان. بيروت: دار المسار،.1999 خليفة، خالد. مديح الكراهية. دمشق: أميسا للنشر والتوزيع،.2006 الذهبي، خيري. فخ الأسماء. بيروت: دار الآداب،.2003 الراهب، هاني. خضراء كالبحار. دمشق: دار المدى،.2000

الراهب، هاني. رسمت خطا في الرمال. بيروت: دار الكنوز الأدبية،.1999 الرز، خليل. سمك إرلندي. دمشق: دار الينابيع،.2004 السراج، منهل. كما ينبغي لنهر. الشارقة: دائرة الثقافة والإعلام الشارقة،.2003. على صدري. بيروت: قدمس للنشر والتوزيع،.2007 السمان، غادة. الرواية المستحيلة: فسيفساء دمشقية. بيروت: منشورات غادة السمان،.1999 سيريس، نهاد. الصمت والصخب. بيروت: دار الآداب.2004 شيحا، عماد. غبار الطلع. بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2006 صقر، حسن. امرأة قرب التمثال. دمشق: دار الحصاد،.2003. وردة الشمال. دمشق: وزارة الثقافة،.2008 صويلح، خليل. ورّاق الحب. دمشق: دار البلد،.2002. بريد عاجل. دمشق: دار نينوى،.2004. دع عنك لومي. بيروت: دار الآداب.2006. زهور وسارة وناريمان. بيروت: دار الآداب.2008 العجيلي، شهلا. عين الهر. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2006 عزام، ممدوح. قصر المطر. دمشق: وزارة الثقافة،.1998. أرض الكلام. دمشق: دار المدى،.2005 العلي، غازي. سموات الوحشة. بيروت: الكوكب؛ رياض الريس للكتب والنشر،.2009 عمر، أحمد. خلاف المقصود. بيروت: دار هرو،.2008 عويد، ماجد رشيد. الغلس. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2010 النعيمي، خليل. القطيعة. القاهرة: دار الثقافة الجديدة،.1995. تفريغ الكائن. القاهرة: دار شرقيات،.1995 يزبك، سمر. صلصال. بيروت: دار الكنوز الأدبية،.2005. رائحة القرفة. بيروت: دار الآداب،.2008. لها مرايا. بيروت: دار الآداب،.2011