فيصل درّاج في نظرية الرواية والرواية العربية
Faysal Darraj in the Theory of the Novel and the Arabic Novel
الملخّص
تتجه هذه القراءة لكتاب فيصل دراج نظرية الرواية و الرواية العربية إلى تأمّل موضوعها، في نحو من المراجعة والمساءلة والاستخلاص، انطلاقًا من ثلاثة أركان، تتخذ منها مرتكزات أساسية لإعادة بناء المقروء وتعليم المفاصل ذات الأهمية النوعية، التي تترشح من خلالها طاقته الإنتاجية في هذه المعالجة التي تطاول الأسس المركزية الخاصة بالموضوع، وتعيد تأسيسها من جديد، عبر عمليات النقد والنقض والتعديل والإضافة، التي يضطلع فيصل درّاج بتركيزها وتفعيلها، نظريًا وتطبيقيًا، بقوة الفعل النقدي وطاقته السالبة.
Abstract
This reading considers, reviews, questions, and draws conclusions on its subject on the basis of three pillars which enable the reconstruction of the read and teach the important articulations which are candidate for its productive energy in this treatment which includes the central bases of the subject. It reformulates them through the processes of critique, deconstruction, amendment, and addition which Faysal Darraj intensifies and puts into effect theoretically and in application by the force of the critical act and its divesting energy.
- الرواية العربية
- فيصل دراج
- نظرية الرواية
- الأدب
- Critical Act
- Review
- Question
- Novel
الكتاب: نظرية الرواية والرواية العربية الكاتب: فيصل درّاج مكان النشر: بيروت - الدار البيضاء تاريخ النشر 1999: الناشر: المركز الثقافي العربي عدد الصّفحات 319:
تتجه هذه القراءة إلى تأمّل موضوعها، في نحو من المراجعة والمساءلة والاستخلاص، انطلاقًا من ثلاثة أركان، تتخذ منها مرتكزات أساسية لإعادة بناء المقروء وتعليم المفاصل ذات الأهمية النوعية، التي تترشح من خلالها طاقته الإنتاجية في هذه المعالجة التي تطاول الأسس المركزية الخاصة بالموضوع، وتعيد تأسيسها من جديد، عبر عمليات النقد والنقض والتعديل والإضافة، التي يضطلع فيصل درّاج بتركيزها وتفعيلها، نظريًا وتطبيقيًا، بقوة الفعل النقدي وطاقته السالبة. وقد تجب الإشارة إلى أنّ هذه الأركان، التي تنهض عليها القراءة الحالية، تأتي استجابة لما يفصح عنه الناقد في مقدمة كتابه، نظرية الرواية والرواية العربية، من أفكار رئيسة ينطوي عليها عمله، منها ما يتصل بالحقل النظري الذي نشأت فيه نظرية الراوية، ومنها ما يتصل بالحقل التطبيعي وأشكال التعامل معه، يلي ذلك الالتفات إلى تدقيق واقع الرواية العربية، نشأةً وتحولا واختلافًا، مما يحمل على القول بتعيينها في مسار خاص، أو في إطار نظري محدد تشتّق منه أسئلتها وتطورها اللاحق.
نظرية الرواية: الصيغة والمرجع
في هذا المنحى، يتوىلّ فيصل درّاج مراجعة الجهود النظرية ونقد أسسها الفلسفية، كاشفًا عن ثُغَر المطابقة التي تشدّ نظرية الرواية، بالتعدد، إلى الأنساق الفلسفية التي تقف وراءها وتتحكم فيها، على النحو الذي يجعل من الحقل الروائي مكانًا تختبر فيه النظرية ذاتها، وترى فيه تحققًا لإمكاناتها، بحيث يطمئن النسق إلى قوة انتظامه وتماسكه الذاتي، وهو يجرّب نفسه في حقل نوعي مختلف، تكفل له الممارسة أن يرد عليه صورته، وأن يكون محلا آخر لتكشّفه، وتحقق حضوره، عبر هذا الوسيط الذي يتيح له أن ينظر إلى نفسه من خلاله، وأن يتطابق معها فيه. يبدأ درّاج بجهود لوكاتش في كتابه نظرية الرواية، متخذًا من إنشاء الفرق لديه بين الملحمة والرواية مدخلا للفهم والنقد والتفسير، عبر تقابل المقولات، وتناظر الثنائيات في التقابل الحدّي لأزواجها، على أساس من تصوّرات لوكاتش عن الانفصال المطلق بين ماهية الروح وماهية البنى الاجتماعية في النظام الرأسمالي. وعلى آلية التقابل القائمة على واقع الانفصال المذكور، يتوالى حضور الثنائيات في ترابطها واشتقاق بعضها من بعض. وخلف ذلك كلّه – كما يلاحظ درّاج – «تحضر طبيعة إنسانية أولى، قوامها العفوية والبراءة، تغاير، وبشكل جوهري، طبيعة إنسانية ثانية ولاحقة، قوامها الغربة والانحطاط» (نظرية الرواية والرواية العربية، ص)12. في هذا المسعى الخاص بهجاء النظام الرأسمالي، يلتفت لوكاتش إلى زمن سابق، هو المقابل الضدّي، للحاضر المنفصم، وعليه ينشئ تصوراته عن الملحمة انطلاقًا من واقع الرواية، معتمدًا آلية الإرجاع في تعريف ما كان بسلب ما هو الآن. وعلى هذا الغرار يبني خصائص الملحمة جرّاء تعارضها مع الرواية، معوِلّا على إحكام الربط بين الأجناس الأدبية والأزمنة التاريخية. ومن هذا المنظور يرى «الملحمة كلية عضوية منسجمة تتعامل مع فرد لا فرديةَ له، في مقابل رواية تعربّ عن فرد إشكالي هجره الله، بعد أن هجر القيم الأصلية» (ص. 13) هكذا تتواجه، على محور التقابل، خصائص الرواية مع خصائص الملحمة، ويجري التنضيد القيمي للأصيل مقابل الحادث، وللجوهري مقابل العارض، مع ما ينبني عليه من الرؤى الكلية عند لوكاتش الشاب، مما يعني أنّ إنتاج الصيغة الذاتية لكل من الملحمة والرواية يتمّ استنادًا إلى فلسفة التاريخ، التي تبقى حاكامً للنظرية، وقيدًا على الممارسة. وبمقتضى ذلك تتعين نظرية الرواية على هدي مقولات الفلسفة التي تروم قراءة نفسها في مرآة غيرها، جريًا على خطاطتها التصورية في تمرحل التاريخ، ويلزم عن ذلك أن تأتي الصيغة على وفاق المحددات الخاصة بالمرجع الفكري والفلسفي الذي ينزع إلى تأكيد ذاته بمطاولته مختلف الظواهر الاجتماعية، وإثبات نجاعته في تفسيرها وتأويلها. هذا القِران الذي يُعلي الأصل المرجعي، في تعدد أشكاله الفكرية والفلسفية والأدبية والتاريخية، هو ما ينقضه فيصل درّاج في ذهابه إلى تمييز المختلف، وإلى إضفاء قيمة على هذا التمييز، بحيث لا يكون الجديد مغلولا بأصل أول، أو امتدادًا له في زمن مختلف، يجعل منه صورة شائهة عنه. ولعلّ هذا النقد القائم على نقض مفهوم المطابقة – أو فك الارتباط القسري بين النص والأصل في نحو القياس والإرجاع – هو ما ينشئ معنى الاحتفاء بالجديد – بنية وقيمة واجتراحًا – وهو ما يقيم مشروعية التحوّل على نقد فلسفة الأصل. وذلك ما ينهض به درّاج في محاورته لعمل لوكاتش وإعادة النظر في أطروحته وطريقته في تعيين كل من الرواية والملحمة، على أساس من فلسفته التاريخية، التي تتكشف عن مفارقة الانتصار للأصل، وتمجيد أزمنة الماضي السعيدة مقابل حاضر ملّوث وسمته الرأسمالية بصيغتها، وحملته على التصدَّع والانكسار. وهنا – كما يلاحظ درّاج – تظهر النزعة التقليدية المحافظة لدى
لوكاتش، «وتصبح الملحمة، في هذا التصوّر أداة تنقض معنى التقدم، وتغدو الجماعة العضوية أداة لنقض المجتمع الحديث» (ص. 23) هكذا يتجاوب، في منظور لوكاتش، تفوّق الملحمي على الروائي مع تفوّق العالم الإغريقي على العالم الحديث، كما يتجاوب تفوّق الأصل على النص مع تفوّق المرجع على صيغ الإنجاز، التي يتعنيّ عليها أن تردّ عليه في صدورها عنه، وأن تستجيب له، بتأكيد مقولاته، في غمرة انشغالها ببناء تجاربها، ومبارحة ثوابتها، وتجاوز محددات انبثاقها، بحيث يبقى المرجع معيارًا تقاس عليه توليداته، وتختزل في مطابقة لحظته الذاتية إمكاناته، وترتهن بقيمة الجريان على مثاله اشتقاقاته. وعلى الرغم من إدرّاج السياق التاريخي مبدأً تفسيريًا، في الجهد النقدي للأستاذ درّاج، إذ يقرن نبرة لوكاتش المتشائمة في كتابه بزمن الحرب العالمية الأولى التي نشرت الموت بأدوات حديثة -كما يقول- فإنه يضطلع بنقد أطروحة لوكاتش من داخلها، ويقوم بتفكيك أسسها وتقويض دعائمها الفكرية والبنيوية ببصيرة نقدية لا تنقصها الألمعية. وعلى هذا المستوى نلاحظ أنه يذهب إلى إعادة توجيه القران اللوكاتشي بين الملحمة والرواية في منحى عكسي، وبمنظور ضدّي، يقلب فيه أشكال التنضيد والتوظيف والبناء، ليرشح القيمة بالمخالفة، وليسبغ معنى إضافيًا ونوعيًا على خاصيات الانزياح البنيوي، وعلى حركة القطع والتحوّل في تمفصل التاريخ. يأتي عمل درّاج هنا مطاولاًالبنية والأجزاء معًا، ومُدْرَجًا لذلك كله في سياق أعلى، على خلفية نظرية تستهدي بفلسفة التاريخ نفسها، من دون الاستنامة إلى طوابع الجمود التي تجعل منها مصادرة عامة، تفضي إلى سكونيّة في النظر، وإلى ميكانيكية في التطبيق. وعلى هذا الأساس يعيد إنتاج الفروق بين الملحمة والرواية، لترجيح الثانية منهما بدلالاتها الاجتماعية، وإمكاناتها التعبيرية، وخلاصاتها الفكرية. ومن خلال ذلك يضيء ما تنطوي عليه الرواية بوصفها ممارسة نقدية، وجنسًا أدبيًا تحرريًا. فإذا كانت الملحمة جسرًا إلى عالم الآلهة، فإن الرواية مرآة مكسورة لعوامل البشر. وفي هذا المسعى الرامي إلى تتبع سبل الاختلاف وتحديد العناصر التكوينية ومخضها معًا، وظيفةً وقيمة،ً يقرر أن لوكاتش لم يكن على حق «حين رأى في الرواية محاكاة يائسة لعالم ملحمي لا يمكن الوصول إليه» (ص. 26) يبدو لي أنّ هناك خطًا متصلا يجمع بين نقد فيصل درّاج لوجوه نظرية الرواية، وهو ما يتمثل في نقد فلسفة الأصل، على غرار ما كشف عنه في كلامه على كتاب لوكاتش نظرية الرواية في غير موضع من سياق التناول. ومن ذلك ما ينصّ عليه صراحة بقوله: «ومما يثير الفضول، أو لا يثيره تمامًا، أن لوكاتش، الداعي إلى التجاوز والثورة، كان يأخذ بفلسفة الأصل، إذ الملحمة تبدأ بإنسانها السعيد، وتغيب مع إنسانها في زمن لاحق قوامه الانحطاط، إلى أن تعود ملحمة جديدة تحدّث عن إنسان سعيد جديد» (ص. 27) وهذا الموقف النقدي من رؤية الأصل والتشبث به يمكن أن نسحبه على وجوه القول الأخرى في نظرية الرواية عند لوسيان غولدمان وسواه. وهنا نتبين بوضوح تميّز رؤية فيصل درّاج، التي يستوي بها مناهضًا فكريًا لفلسفة الأصل وللمقولات المنبثقة منها. في مناقشته لجهود غولدمان في نظرية الرواية، يرى درّاج أنه أخذ بمقولات لوكاتش وبنى عليها. فانطلاقًا من فكرة «البطل الإشكالي» الذي يتوق إلى القيم الأصلية من دون أن يلتقي بها، رأى غولدمان أن العمل الروائي يعكس ماهية المجتمع البرجوازي، بقدر ما تترك تحولات هذا المجتمع آثارها على تحولات الشكل الروائي (ص. 42). واعتمادًا على مقولات «الفردانية» و«التشيؤ» و«صنمية السلعة..» إلخ، انتهى إلى الربط بين «الأدبي» و«الاقتصادي»، فأقام تجانسًا بين البنية الروائية والبنية الاقتصادية إلى درجة يمكن معها الحديث عن بنية واحدة
تتجىلّ في مستويين مختلفين (ص. 34). ومن خلال إقامة التناظر بين البنية الاقتصادية والبنية الروائية، يذهب غولدمان إلى اشتقاق التناظر بين تطور الحياة الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي وتطور الشكل الروائي (ص. 46). وهنا يقف درّاج محللا، ومتسائلا عن «التناظر الموضوعي»، أهو قائم بين بنيتين مستقلتين أم صادر عن بنية واحدة – »الوعي الاجتماعي» – تنقل من مستوى إلى آخر؟ ويرتّب على ذلك أن العمل الأدبي – بمقتضى ما يبسطه من أطروحات غولدمان – ما هو إلا إعادة توليد نوعي لنية جاهزة وسابقة على العملية الأدبية (ص. 49) والملاحَظ أن فيصل درّاج، في هذه المواضع، وفي غيرها أيضًا، يتوفّر على متابعة خطه النقدي المجافي لمقولات الإرجاع إلى الأصل والمصدر التي تستكين إلى مفهوم «المطابقة»، وتتغاضى عن التفكير في الطبيعة الذاتية للعمل الأدبي، فتنأى بنفسها عن استكشاف الخصائص النوعية ومساءلتها، كما تتجاوز لحظات التوسط، أو طبيعة الوسائط والفروق المترتبة عليها، فضلا عن آثارها العاملة في إنشاء البنيان النظري. على أساس هذا التوجّه، يخلص درّاج إلى مساءلة جهود غولدمان النظرية، فيسجّل عليه تعامله مع الظاهرة الروائية باختزال، كما لو كانت العملية الأدبية أثرًا لظواهر خارجها ولا وجود لها في ذاتها، فضلا عن كون إنشاء الربط بين الجنس الروائي والمجتمع البرجوازي لا يتأتي من القول بالفردية المستقلة والإنتاج من أجل السوق فقط، وإنما يتعني أولا بالتحولات الأدبية التي أنجزتها البرجوازية بتحريرها الأدب الحكائي من دونيته. وفوق هذا وذاك جميعًا، يلاحظ أن في منهجه ما يوحي بإغفال تاريخية العملية الأدبية عن طريق إرجاعها إلى تاريخية أخرى، وهو ما يفضي، من جديد، إلى قسر النظرية على مطابقة المرجع، أو إلى تثبيت الرؤية المأخوذة بتأصيل الأصل وترسيخ المرجع. لعلّ شيئًا من ذلك يتجىلّ، أيضًا، في ما يأخذه على باختين، الذي أنشأ نظرية الرواية على نظرية اللغة الحوارية. يقرر باختين، في قراءته للروايات الأوروبية أنها أثر لنقد لغات القومية الحديثة للغة اللاتينية المسيطرة، بقدر ما هي مرآة لتفاعل هذه اللغات الحديثة وتفاعل الثقافات الملازمة لها، ويبحث عن الأدب في مرونة الحركات الشعبية (الفولكلور والعيد الشعبي والضحك). ومن هنا يعارض كلّ قطع مع الجسور المادية والجسدية للعالم (ص. 70-71) في تدقيق ما سبق، ينتقد فيصل درّاج صفة التعميم عند باختين، من خلال إدرّاجه المبدأ الحواري في الرواية كلّها؛ فهو، إذ يؤكد الكلمة موقفًا إيديولوجيًا، ينسى أنّ الحوار، بالمعنى العميق، لا يرتبط بالكلمات، بل بالخطاب الذي تقوم فيه. ويرجع ذلك – كما يشير درّاج – إلى عدم تنبّه باختين على ضرورة الفصل بين التشكيلة اللغوية والتشكيلة الخطابية؛ فالأولى تردّ إلى نسق إشاري محايد، بينما تخترق الثانية مواقع إيديولوجية مختلفة. وقد تسمح بخطاب حواري مفتوح، وقد تعطي خطابًا مغلقًا، مكتفيًا بذاته، قامعًا لكل خطاب آخر. وينبّه درّاج، في هذا السياق، على ما يوحي به كلام باختين، في تأكيده حوارية اللغة مُطْلَقًا، من إمكان القول بلغة مثالية تخترق البشر وتقف فوقهم، إذ لا مكان فيها لنص مغلق (ص. 85-86). ومن هنا يرى أن مبدأ التعميم موصول بتعامل باختين مع رواية أصل، قوامها الحوار، وحوراها ينفذ في علاقاتها جميعًا كما لو كانت كلا متجانسًا (ص. 87) ونقد مبدأ التعميم، تعميم أصل كائن أو مفترض، على النحو المشار إليه هنا هو ما ينال به فيصل درّاج، على قاعدة الرؤية نفسها، نظرية فرويد في «الرواية الأسرية». يتوقف الباحث هنا عند كتاب ماري روبير رواية الأصول وأصول الرواية، الذي تبني فيه نظريتها في الرواية على «الرواية الأسرية»، التي قال بها مؤسس التحليل النفسي، موحِّدة بين عقدة أوديب وولادة الرواية.
ومن هذا المنظور يتأتّى القول بأن للرواية أصلا هو طفولة اندثرت، واحتفظ منها المرء برغباته المكبوتة، التي تعود لتتجلى في الكتابة الروائية. وهكذا، فإن الرواية الأصل، بحسب فرويد، تتكون في زمن الطفولة الموزّع عل مرحلتين، لكل منها روايتها. الرواية الأولى هي رواية الابن اللقيط، والرواية الثانية هي رواية الابن غير الشرعي. وعلى تأسيس الاختلاف الطفولي بين اللقيط وغير الشرعي يتأسس الفارق بين المرحلتين من جهة، وبين ضربي الرواية هذين من جهة أخرى، وإن كانا ينفرعان من جذر مشترك ينحصر معه النظر إلى الرواية من حيث هي تصعيد للرغبات، وصدّ لعنف الغرائز العدوانية. يصبّ فيصل درّاج نقده – كما قلنا – على مبدأ التعميم عند فرويد، فإذا كان التعميم يكسب اجتهاده قوة،ً فإن الأمر نفسه يكشف، من الجهة الأخرى، عن أسباب الضعف، ذلك أن اجتهاد فرويد يردّ الظواهر جميعًا إلى عصاب جوهري أساسي، يتكشف في أشكال مختلفة من التعبير. ويظهر ضعف نظرية فرويد، في نقد فيصل درّاج، محدَّدًا بثلاثة وجوه، هي: مبدأ التناظر، والمبدأ الأصل، وتهميش التاريخ (ص. 107). ومن أهم الملاحظات، التي يتولى تثبيتها في هذا المجال، ملاحظة طابع الاختزال الفرويدي، الذي يقلّص الكل الإنساني إلى جماعة، ثم يختزل الجماعة، على مبدأ التناظر، إلى فرد مريض، ثم يعيد الفرد إلى الطفل – الجوهر الذي كان. وبهذا يصبح التاريخ، في دائرة التناظر والاختزال، مرآة لسيرة ذاتية أولى، ومرآة لزمن أسطوري ما قبل تاريخي (107 ص). ولاشك أن تهميش التاريخ هنا يرّد، بالضرورة، إلى تأكيد القول بثبات البنية واطّرادها. إضافة إلى ذلك، يرى درّاج أن اعتماد فرويد على مبدأ التناظر، يمنعه من التوقف عند دلالة الأشكال الفنية؛ ذلك أن الأبنية كلها تتحقق داخل الآليات النفسية، وتمتثل إلى أصل جوهري، يتقدم التاريخ الإنساني. ولذلك، فإن اعتصام فرويد بمبدأ التناظر المشدود إلى أصل جوهراني يدفعه إلى الحديث المتواتر عن «الهوية الجوهرية» و «طفولة الإنسانية»، ويعني ذلك أنه يشرح السيرورة التاريخية في تعدديتها – كما يقول درّاج – بمبدأ ثابت وحيد، هو «الوضع الطفولي» في إعادة إنتاجه المستمر (ص. 108) هذا التثبّت على القول بإرجاع الصيغ المختلفة إلى أصل أول هو ما يبني عليه، أيضًا، رينيه جيرار نظريته في قراءة النص الروائي على مبدأ الرغبة المحاكية، فالإنسان – كما يذهب جيرار في كلامه على رواية الرغبات المتنافسة – يحاكي دائامً آخر، يوقظ فيه رغبة لم يكن يعرفها، ولم يكن بمقدوره وحده أن يكتشفها. ويعطي هذا الوضع للآخر صفة الوسيط الذي يتوسط بين الإنسان ورغبته الخبيئة (ص. 119) في تفحّص هذا النسق، يبيّن درّاج ما ينطوي عليه من افتراض قدرية الرغبة ومحاكاتها، اللتين تفضيان إلى العنف والاستبداد. وهنا يغدو مفهوم الوساطة سبيلا لقراءة الحياة الإنسانية بمختلف ظواهرها، يستوي في ذلك الاقتصادي والاجتماعي والإعلامي... وصولا إلى النقد الأدبي والنص الروائي (ص. 123) إذا كان ما يصدر عنه جيرار ينصبّ على نقد عقلانية القرن الثامن عشر، مستهدفًا مقولة «الفردية » الصادرة عن المجتمع البرجوازي الحديث، ومقولة «جوهر الإنسان» المحمولة على ما يدعوه ب «الكذب الرومانتيكي»، فإن في بنائه النظري ما يوجب الإحالة – بناءً على مبدأ الرغبة والمنافسة والتمّلك – على مقولة «جوهر الإنسان» التي ينتقدها. ومن هذه الزاوية يفعّل درّاج نقده لمنظور جيرار، فيقول: «إن إعطاء الرغبة المحاكية شكل قانون لا يمكن الهروب منه يلغّز تعددية النزوعات والحاجات البشرية، ويثبّت النزوعات والحاجات معًا في قفص نفسي أخلاقي، حدوده الكره والمحبة والتنافس والمنازعة. وفي هذا التصوّر يصبح العلم والمعرفة والاكتشاف العلمي وضرورة الحرب، كما ضرورة السلام، ألوانًا مختلفة من الرغبات التي تحاكي رغبات حاضرة سبقتها»
(ص. 135). وفي معرض هذا النقد، يوجّه درّاج إلى دراسات مدرسة فرانكفورت التي تبدو – كما يقول – أكثر خصبًا و«ملاءمة» من مفاهيم جيرار، «ذلك أنها لا تشتق الثقافة من «عالم الأرواح»، بل من تقنية إنتاج الثقافة، وتقنية توزيعها واستهلاكها (ص. 136). ويرى من جهة أخرى أن ما ينطبق على نظرية فرويد (...) ينطبق بدوره على نظرية جيرار، ذلك أن مفاهيم هذا الأخير تظل مقيدة بالطبيعة الإنسانية، على النحو الذي يجعلها تُعر ض عن بحث تقنيات الرواية، اكتفاء بالتوجه إلى الشخصيات التي ترى فيها أداة أولى لاستخلاص القول الروائي (ص وما سبقت الإشارة إليه هنا، يحتمل الإحالة، ضمنًا، على قول هوركهايمر: «ومن الخطأ أن نعتقد أن الأفكار والمضامين الروحية تقتحم التاريخ، وتحدّد فعل الكائنات البشرية». ومثل هذا النقد من شأنه أن يسري، في مستوى آخر، على بعض أطروحات لوكاتش وغولدمان. يتابع هوركهايمر كلامه السابق، فيقول: «كما أن من الخطأ أن نعتقد أن الاقتصاد هو الواقع الحقيقي الوحيد. فأن نرى أن نفس الكائنات البشرية وشخصيتها، فضلا عن القانون، والفن، والفلسفة، مشتقة تمامًا من الاقتصاد... يعني أن نفهم ماركس فهامً مجرّدًا ورديئًا». وفي كلام المنظّرين النقديين، المحال عليه ضمنًا، ما يعضد وجوه النقد والاعتراض التي ينشئها فيصل درّاج في هذا المكان.
النسق النظري والخصوصية الروائية
نشير، تحت هذا العنوان، إلى نقد فيصل درّاج الجذري لما يتصل بالحقل التطبيقي لنظرية الرواية. ويبدأ ذلك من الملاحظة التي يصدّرها في تقديم الكتاب، ومفادها أن «نظريات الرواية، وباستثناء أعمال باختين، لا تبني قولها على قراءة تبدأ بالنصّ الروائي وتنتهي به، بل تطبّق عليه قولا نظريًا سابقًا عليه، كما لو كان النصّ الروائي لا يُقصد لذاته، بل ليكون موقعًا متميزًا تقرأ فيه النظرية إمكانياتها الذاتية» (ص. 5). ويعني ذلك الانطلاق من فكرة النسق لا من خصوصية الجنس الروائي، على النحو الذي يدفع الممارسة إلى الكشف عن الحضور النسقي في النصوص، أو إلى اختزال عالمها الذاتي وعلاقاتها الداخلية بمجرّد ترجمتها إلى المعادل الفكري المفهومي، الذي يؤكّد مقولات النسق الفلسفي ويعزّز مركزيته. فإذا كان لوكاتش يشدّ القران بين الجنس الأدبي والزمن التاريخي، وبين الرواية والمجتمع الرأسمالي، فإن في منظوره ما يؤكد اقتران الفلسفي بالأدبي، على قاعدة جلاء سديمية العالم بتوحيد أجزائه المتناثرة، وهو ما ينهض به الأدب والفلسفة دون غيرهما. وفي هذا المنحى يكون المفهوم الفلسفي – كما يبنيّ درّاج – وجهًا آخر للشكل الفني، «كما لو كانت الرواية حيّزًا نوعيًا يطرح، على طريقته، الأسئلة الفلسفية، أو كما لو كانت الفلسفة عنصرًا جوهريًا لا يستقيم الشكل الروائي من دونها» (ص. 22) على هدي ما سبق، يلاحظ أن لوكاتش يظ ل مخلصًا لفلسفة المفهوم، إذ إن الظواهر المتناثرة لا معنى لها -كما يرى – إلاّ في تركيبها المفهومي، الذي يربط بينها من ناحية، وبينها وبين الشروط الاجتماعية التي أنتجتها من ناحية أخرى. ومن هنا يذهب إلى تطبيق المقولات الفلسفية على الحقل الروائي، متوسلا بمفهومات: الكلية، والواقعية، والتقدم، والمشخّص، والنموذجي...، ومسترسلا في الكلام على الطبقات الاجتماعية، والصراع الطبقي، والثورة الاشتراكية. ولعل صدوره عن مقولات الفلسفة الكلاسيكية الألمانية هو ما جعله يقرأ النظرية في النصوص، أو يعمل على ردّ الثانية إلى الأولى في نحو تأكيد المطابقة والإخلاص للنسق، أو لفلسفة المفهوم، وهو أيضًا ما انتهى به إلى تجاوز كثير من التفصيلات الداخلية المهمة في رؤية العالم الروائي، أو في طريقة التعامل معه، والبناء عليه، وتأكيد خصوصيته الذاتية. هذه
الخصوصية التي تبدو مهدّدة بالضياع والتلاشي، أيضًا، عند غولدمان، الذي يرى الحقل الأدبي الإبداعي محصّلة لحقول أخرى. فهو، والحالة هذه، يتماسك بغيره الذي يُصديه، ويتعنيّ على صورته بنحوٍ من الحتمية الميكانيكية، يكشف عنه إنشاء المطابقة بين الاقتصادي والأدبي، وبين تطور الحياة الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي وتطور الشكل الروائي. وعلى هذا الأساس كان قد جعل من الرواية ذات البنية السيرية تعبيرًا عن طور الرأسمالية الصاعد، كما جعل من مرحلة الرواية الطليعية والجديدة صورة للرأسمالية الاحتكارية، وهو ما اقتضى منه، أو فرض عليه، دراسة العناصر الداخلية للعمل الأدبي، من حيث صلتها بحقول متجاوزة لها، ومحدّدة لطبيعتها ودلالتها في منحى إخلاصه التامّ لمفهومي «الكلية» و«التاريخ»، اللذين ورثهما عن السياق الهيغلي – الماركسي، مرورًا بتأثيرات لوكاتش وصياغاته النظرية. ومن الواضح أن هذا الربط الآلي يتجاوز الوسيط الثقافي، ويقفز على فاعليته. فعلى الرغم من ارتباط المجال الثقافي بالتغير الاقتصادي ارتباطًا جدليًا، يبقى مجال الثقافة جديرًا بالتحليل بحدّ ذاته؛ لما له من أهمية تفسيرية، ولما يتميّز به من قوة النفاذ والتأثير. على هذا النحو يركز فيصل درّاج نقده على تبديد لحظات التوسّط، والتضحية بالغنى الداخلي للأعمال الأدبية، تحت ضغط الانشغال بفلسفة المفهوم، وضمان عودته إلى ذاته، فيتخفّف من ذلك في ذهابه إلى الضفة الأخرى، كاشفًا عن الفرادة الإبداعية التي أدى إلحاقها بغيرها إلى تقليص فاعلية الخيال، والقفز على اللغة الأدبية، وطرائق تشكيلها، فضلا عن اختزال المكوّنات والأساليب الأدبية، تحقيقًا لمفهومي «الوحدة» و «الاتساق»، وقت تتبدّى أهمية العمل على إفساح المجال أمام النصوص «لكي تغتني النظرية، وتصبح أداة تحليل وإضاءة، بدلا من أن تتحول إلى معايير ثابتة، عاجزة عن التجدّد والاتساع». من هذا الجانب يأتي نقد درّاج لكل من فرويد وجيرار، على اختلاف الموقع النظري الذي يدفع بكّل منهما إلى ردّ الظواهر المختلفة إلى أصل ثابت، ينعكس في مرايا الكثرة والتعدّد، على النحو الذي يحمل على القول بثبات البنية وأولويتها على التاريخ. ويترتب على ذلك ترسيخ الاعتقاد بمبدأ جوهراني، يفرسّ الواقع، ويتعنيّ علّة لحركته، ومقوّمًا لتجلياتها، بدلا من أن يكون هو أثرًا لها. وبقدر ما يصدق ذلك على العصاب الفرويدي، أو على الماهية الجوهرية، يصدق على مفهوم الرغبة المحاكية، وقد غدتْ قانونًا يتعذّر الإفلات منه. ألم يرَ جيرار أن طقوس الرغبة، أو الرغبات المتنافسة، هي الأساس الذي قامت عليه الثقافات والحضارات القديمة، وأنها وراء ظهور فكرة المقدّس والأسطوري، ومن ثم ظهور الدِّين؟! ألم يرَ في «كبش الفداء» طقسًا يضع حدًّا للعنف الذي يهدّد المجتمعات البشرية، ويوجّه الطاقات العدوانية نحو غرض رمزي في صيغة طقسية تمارس بانتظام؟!إن التشبث بالأصول الثابتة، عطفًا على نقد فيصل درّاج، يعني – في ما يعنيه – أن هذه الأصول، أو المبادئ الثابتة، هي فوق تاريخية؛ أي نابعة من طبيعة العقل – وهنا «النفس-» الأبدية. ومن هنا تتأتى، أيضًا، أهمية نقد فيصل درّاج للاستنامة إلى فكرة الأصل، ومعه يمكن أن نتبنيّ أن الصيغ الحادثة تؤصل نفسها بامتناعها عن الاستكانة إلى الأصل، أو الارتداد إليه. والحقّ أن درّاج الذي ينطلق من الفكر الفلسفي، ويعيد تدقيق علاقته بالإبداع الروائي – كما هو الشأن في عمله هذا – يمثّل انفتاحًا بعديًا في تناوله للنصوص من جهة، وفي إعادة إنتاج الربط، من خلال نقض الانتظام النسقي الشائع، أو تعديل بعض مقولاته السارية، ومواجهتها بالتوسعة، والتعديل، وإعادة التأسيس التي تزيدها إحكامًا. وجريًا على ذلك، كان يتأمل، من جديد، فاعلية النظرية في إجرائها على النصوص، كما يتأمل طرائق ربط النتاج بالأصول النظرية، وكأنه، في هذه المسافة، ينبّه على غياب الفعل الجدلي، الذي يقضي بضرورة تأمّل وجوه
الإنجاز الروائي التي تردّ الأداء على النظرية. ولعل في ذلك ما يفرسّ عمله الذي يأتي، من هذا الجانب، لملء الفراغ السابق، بنقد التسلّط النسقي، وبتوجيه حركة النصوص التي تردّ على القول النظري من داخل حدودها الذاتية، فتدفع النظرية لشحذ أدواتها، وتعديل مقولاتها، بحكم العلاقة التي يُبدي عنها النشاط النقدي في وجوب انعكاسها على ذاتها. لقد سبق أن لاحظ أدورنو أن العمل الأصلي يبدي سمات الاستقلال، من حيث قدرته على تخطي الشروط التي أنتجته، ومن حيث طريقته الفريدة في كشف تلك الشروط. وعلى الرغم من كون هذا الفن الأصيل نتاجًا لمجتمع معيّن، فإن مقدرته على كشف شروط إنتاجه، ولو بصورة سلبية، ينطوي على إمكان تصوّر واقع بديل.
الرواية العربية بين التميّز والكونية
تحيل فكرة هذا المحور، في عمل درّاج، على اختلاف الرواية العربية عن الرواية الأوروبية في الشروط التاريخية لتكونّها، وفي المعايير النظرية التي توافقها. وهنا ينبّه الناقد على ضرورة الاحتراس من إحداث قطيعة كاملة بين الجانبين، مشدّدًا على النظر إلى تميّز الرواية العربية من داخل القول بكونية الجنس الروائي. ويتبدّى الاختلاف، أو التميّز، المشار إليه في الشروط التاريخية التي حكمتْ نشأة الرواية العربية. يتحدث درّاج عن وضع الرواية العربية في حقل ثقافي غير روائي، وينصّ على محددات زمن الرواية، ومن ذلك تأكيد الفردية الإنسانية مبتدأ لها، ومبدأ الحرية المقترن بها، والربط بين الديمقراطية والرواية، وغير ذلك مما يتجىلّ في أساليب الكتابة الروائية التي تنزاح عن الأساليب المسيطرة، بما يؤكد الخروج من ضيق الواحد المسيطر إلى فضاء المتعدّد الطليق، ويكرّر الإحالة، في هذا المجال، على أعمال باختين. بعد هذا البسط الذي يحتفل بمحددات الزمن التاريخي لنشوء الرواية، من عصر الكشوف العلمية، والحوار بين أجناس المعرفة، وتحطيم محدودية العالم القديم، وتقويض المراجع المغلقة، وتهديم الحدود والفروق المرتبية بين المعارف، بعد ذلك كلّه يلتفت فيصل درّاج إلى الكلام على الرواية العربية، فيقول: «لم تلتقِ الرواية العربية في أزمنة ولادتها (...) بزمن اجتماعي يحتفل بحوارية المعارف، فولدت كجنس أدبي مرذول، وتطوّرت من دون أن تغادر هامشيتها، ما عدا حالات قليلة» (ص. 148). ومن الواضح هنا أنه يحدّد ميلاد الرواية العربية بسلب الشروط التي هيّأت المناخ اللازم لنشوء الرواية الأوروبية وازدهارها. وعلى هذا الأساس يجري الحديث عن هذه المحدّدات في نحو التقابل، الذي ينضّد عناصر الإيجاب في مقابل عناصر السلب، في استحضار النشأة الخاصة بكلّ من الرواية الأوروبية والرواية العربية. وهنا يأتي تفصيل الكلام على نشأة الرواية العربية في حقل ثقافي تلقيني مسيطر. وهذا الحقل المسيطر يقول بالكلي، واليقيني، والتراتبي، ويعتصم بسطوة الأصل. هذه الشروط، التي جعلت ولادة النصّ العربي ولادة معوّقة، تتبدّى في بنية ثقافية مكبوحة بقوة المقدّس وسلطة الاستبداد. وهنا يكمن معنى الإعاقة؛ أي في كون هذه البنية لا تؤمن للنصّ الروائي الوليد المواد والوسائل اللازمة، أو لنقل إنها، في معنى آخر، كفَّت النص الوليد عن استقلاله بذاته، فجاء محكومًا بعلاقة تشدّه إلى عموميات النصّ التنويري في عصر التنوير العربي، الذي بنى نصًا معاديًا للاستبداد، سلكت الرواية سبيله، وتعيّنتْ في ضوئه. وتجري الإحالة هنا على روايات كلّ من فرح أنطوان المدن الثلاث وفرنسيس المراش غابة الحق، وأحمد فارس الشدياق الساق على الساق. يخلص الناقد فيصل درّاج مما سبق إلى إقرار نتيجتين: تفيد الأولىمنهما أن الرواية العربية ولدت داخل عمومية تنويرية، وهو ما جعل هذه الرواية تنطق بقول غيرها، أو تعيد إنتاجه، وتذهب الثانية إلى أن الرواية العربية ولدت داخل مستوى سياسي محدّد بصراع الحرية والاستبداد، نظرًا إلى غياب المستوى الثقافي الأدبي الموافق لها، ونظرًا إلى غياب الأسباب التي
تسمح بوجوده، ولذلك جاءت رواية التنوير رواية قيمية، وأخلاقية، وفكرانية، على قاعدة ملازمة النص التنويري الذي انبثقتْ منه، وإن استطاعت، لاحقًا، أن تتحول عن هذا المهاد، وتستقلّ بذاتها، متمردةً على الأصل (ص. 153) يتوقف درّاج عند البحث في الأسباب التي أتاحت تطور الرواية العربية، في مقابل جلاء الأسباب التي عوَّقت تطوّر العلوم الاجتماعية التي يحتاجها بناء نظرية في الرواية العربية. وهنا يلفت إلى إشكالية الدولة، وأجهزتها، وموقفها، من جملة العناصر التي تجعل الحقل الروائي ممكنًا، من مثل «تعددية المعارف» و«حوار المعارف المختلفة» و«تراجع المرتبية»...إلخ. وبناءً على ذلك يجري التفريق بين الدولة الديمقراطية، التي هي أثر لحوار مجتمعي سمته التعدّد والاختلاف، والسلطة المستبدّة التي تجسّد الأحادية، وتفرض التلقين والاستظهار، فتدمّر الأسس الموضوعية للحقل الروائي (ص. 154) إذا كان غياب هذه الأسس يعوّق إمكانية وجود الرواية العربية، فإن وجود هذه الأخيرة، في وضع من التطور والتنامي، يفرض إشكالية مغايرة تساوي الشرط الذي أنتج الرواية الأوروبية. وفي هذا المنحى يشير درّاج إلى عناصر تشرح، أو تسوّغ وجود الرواية في شرط لا يحتفل بإمكانها، من ذلك عزلة الروائي والكتابة الروائية التي لا تحتاج إلى أجهزة الدولة الإيديولوجية، والاتكاء على سيولة المتخيّل، أو المكر الروائي...، ومن هنا – كما يرى – أفلحت الرواية العربية في توطيد سلسلة أدبية خاصة بها، تشكلّت في أزمنة متعاقبة، وعيَّنت الرواية جنسًا أدبيًا مستقلا (ص. 156-157) إن الأسئلة الشائكة التي يستنفرها فيصل درّاج في خصوص واقع الرواية العربية، نشأة واختلافًا، أو في خصوص صوغ نظريتها، وإنتاج براهين القضايا التي يخوض فيها تبعًا لذلك، تستدعي المساءلة من منطلقات مختلفة، وتبقى، بسبب طبيعتها، محلا لتباين الرؤى والمنظورات. ففي بحث سؤال النشأة، الذي يميّز الرواية العربية من مثيلتها الأوروبية، لا يتجاوز الناقد محددات السياق الخاص، ولذلك لا يتوقف – كما يجب – عند بحث السؤال المقابل، وإشباعه نظريًا: إلى أي مدى يمكن أن تعلو الرواية على السياق الخاص بولادتها، وتتجاوز الظروف المحدّدة لنشأتها التاريخية، مستفيدةً من تحولات الثقافة الروائية العالمية، ومن كونيتها، لاسيما في عصر ثورة الاتصالات والمعلومات وتقنيات ما بعد الحداثة، التي تتجاوز الحدود القومية، وتوحّد العالم تحت لواء الرأسمالية في صيغتها العليا؟! من هنا يبدو التركيز على مجتمعية علاقات القراءة والكتابة، وأجهزة الدولة الرقابية المتخلّفة، وهامشية الحداثة في المجتمع العربي، لا يكفي – على الرغم من أهميته النظرية – لاعتماده مبدأ تفسيريًا لتطور الرواية العربية، وتحقيق استقلالها بذاتها جنسًا أدبيًا. أضف إلى ذلك أن تنظير سؤال النشأة والتطور يقع في دائرة النسبية، على اختلاف خصوصياته وملابساته. فإذا كان هيغل هو مَنْ بنى تنظير الرواية على ربط شكلها ومضمونها بتحولات البرجوازية في المجتمع الأوروبي، وتابعه في ذلك لوكاتش، فإن باختين يقارب سؤال النشأة نفسه من منطلقات أخرى، جعلته يبحث عن جذور الرواية في نسيج الثقافة الشعبية، ويستجلي مكوناتها من النصوص القديمة، خارج الشروط الاجتماعية والمحدّدات التاريخية الخاصة. وفي مستوى الكلام على نظرية للرواية العربية، يشير الناقد إلى إمكانية بناء نظرية للرواية العربية، بعيدًا عن التطبيق الآلي لنظريات الرواية الغربية على الرواية العربية. وهذه الرؤية التي يصدر عنها تؤكد القول إنَّ المعارف المستقدمة من الغرب، «ومن بينها مناهج الدراسة الروائية لا تمتلك صفة الإطلاقية، وليست متعالية (عن) خصوصيات المراحل التاريخية التي أنتجتها». وإذا كان من الحقّ أن الخصوصيات هي سمات مشروطة اجتماعيًا وتاريخيًا، فإن هذا الضبط لا يقدح في كونية النظرية، بل لعلّه يؤكد مستوى التمييز بين العمومية النظرية والخصوصية التاريخية. تقول يمنى العيد: «إن
الخطاب الروائي العربي، الذي أفاد من تقنيات السرد الروائي العامة أو الكونية، هو خطاب أخذ يتميّز بنسيج عالمه الخاص (....)، وبهذا كلّه أخذت الحكاية تستوي في فضاء عالم روائي متخيّل له منظوره ومعناه؛ أي فضاء عالم له حكائيته الخاصة وروائيته العامة». ومن الجلي هنا أن يمنى العيد تذهب إلى تأكيد «التميّز» من داخل «الكونية»، على نحو ما نظ ر مهدي عامل لهذه العلاقة في صياغته المحكمة. على هذه السبيل يمضي محمد برادة، في نقد مقولة الخصوصية وكبحها، قائلا: «تعودنا على الدعوات التي تنادي بضرورة خلق (نظرية) في النقد العربي، وفي (الرواية العربية) حفاظًا على خصوصيتها، و (حماية) لهويتنا الثقافية من الاستلاب والتقليد؛ وأظن أن هذا الطرح لا يخلو من مغالطة وتجريد، فالأمر لا يتعلق بوضع نظرية تستجيب لخصوصية متوهمة، ثابتة، وإنما بوعي الرواية، تاريخًا ونظرية ونصوصًا، والاستفادة من حصيلة تجارب الرواية في ثقافات أخرى، من أجل تدعيم مسيرة الرواية العربية نحو العمق والاكتمال والتنوّع»، ويستشهد على ذلك بكلام باختين، الذي يرى «أن كل خصوصية هي خصوصية تاريخية، وصيرورة الأدب لا تتمثل في نموّه وتحولاته داخل الحدود الثابتة لخصوصيته وحدها، بل إن الأدب يُقلق حتى تلك الحدود». صحيح أن هذه الأسئلة وسواها ليست غائبة عن تفكير فيصل درّاج، وليست منفية من عمله الجدير بالتثمين، ولكنها، مع ذلك، تبقى جديرة بالمراجعة على سبيل التعديل، والتخصيب، وإشباع الحيّز الذي تستحقه في عمل هو، في العمق، من «العيار الثقيل»، الذي لا تخلو منه إسهامات فيصل درّاج، ولا تتجافى عنه بصيرته النقدية.