العودة إلى تفاصيل المؤلَّف قراءة في كتاب : السياسة والشرع والمجتمع في الفكر الإسلامي: اللحظة التيمية

قراءة في كتاب : السياسة والشرع والمجتمع في الفكر الإسلامي: اللحظة التيمية

A Reading of the Book, Politics, Law, and Community in Islamic Thought: The Taymiyyan Moment

عبد الرحمن إياس

Abdel Rahman Iyas

الملخّص

يقوم الإسلام، كأيّ دين آخر، على المرويات . ويمكن للأسلوب الذي يتلقى فيه جيلٌ هذا التراث المروي أو يفهمه أن يتضمن تحويرات قد تحدد فحوى ما سيتركه للجيل التالي ومداه. وفي وقت يصرّ فيه كثيرون في الغرب والشرق على أنَّ الأوان قد آن للتوقف عن اعتبار الإسلام مستعدًا لمواكبة التحديات السياسية المعاصرة، يقدّم أوفامير أنجوم قراءة بديلة للتراث الفكري الذي دفع هؤلاء إلى هذا الاستنتاج.

Abstract

Cambridge University Press: الناشر

Politics, Law and Community in Islamic Thought:: The Taymiyyan Moment

الكلمات المفتاحية:
  • السياسة
  • المجتمع
  • الشرع
  • الفكر الاسلامي
  • ابن تيمية
Keywords:
  • Islamic Thought
  • Narrated Tradition
  • West
  • Generation
  • East

الكتاب Ovamir Anjum: الكاتب مكان النشر: Cambridge تاريخ النشر: 2012

عدد الصّفحات: 314

يقوم الإسلام، كأيّ دين آخر، على المرويات. ويمكن للأسلوب الذي يتلقى فيه جيلٌ هذا التراث المروي أو يفهمه أن يتضمن تحويرات قد تحدد فحوى ما سيتركه للجيل التالي ومداه. وفي وقت يصرّ فيه كثيرون في الغرب والشرق على أنَّ الأوان قد آن للتوقف عن اعتبار الإسلام مستعدًا لمواكبة التحديات السياسية المعاصرة، يقدّم أوفامير أنجوم قراءة بديلة للتراث الفكري الذي دفع هؤلاء إلى هذا الاستنتاج. يتوىلّ أنجوم كرسي الإمام خطّاب للدراسات

الإسلامية في قسم الفلسفة التابع لجامعة توليدو الرسمية في ولاية أوهايو الأميركية. والإمام خط اب 1932(– 2001)، المصري المولد، كان إمام المركز الإسلامي لمدينة توليدو في الولاية، واشتهر بفتاويه المعاصرة وآرائه المنفتحة، وتوفي، للمفارقة، بعد أربعة أيام من هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001. ويركّز أنجوم في عمله هذا على الرابط بين الشرع وعلوم الدين والفكر السياسي، مؤكدًا عدم ملاءمة المقاربات التي تفصل بين هذه العناصر الثلاثة.

يأتي الكتاب في خضم الزلازل السياسية التي تهز العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه؛ فثورات «الربيع العربي» التي أسقطت في العام 2011 أنظمة، وعدّلت أخرى، وأجبرت ثالثة على تبني إصلاحات فعلية، ولا تزال تهزّ رابعة، ليست ثورات إسلامية على الطريقة الإيرانية، على الرغم من إصرار كثيرين على أنها كذلك. لكن ثمة تساؤلات عن دور الإسلام في المستقبل السياسي، سواء في البلدان التي انتصرت فيها الثورات، أي تونس ومصر وليبيا، أم في البلدان التي أُجبر فيها النظام على تعديل نفسه، كاليمن، أم في البلدان التي تبنّت أنظمتها إصلاحات فعلية، كالمغرب، أم في البلدان التي لا تزال أنظمتها تهتزّ على وقع الثورات، مثل سورية.

ما بعد «الربيع العربي»

يقول أنجوم: «على الرغم من اتصال موضوع هذه الدراسة – العلاقة بين السياسة والشرع والعقل في الفكر الإسلامي – بعالم القرون الوسطى، فإنّه لا ينفكّ يعود إلى الحياة أمام ناظريَّ كلما التقيت مصريين من مختلف المشارب وسط الحماسة الثورية ورأيت انفتاحهم غير المسبوق على التعبير عن الآراء السياسية. فالشخصيات الإسلامية الكلاسيكية التي يُفحَص فكرها هنا هي اليوم حيّة ترزَق في خطب رجال الدين والوعّاظ والإسلاميين وكتاباتهم » (ص  xi.) من النافل القول إن الدولة الحديثة هي نتاج الحروب الدينية في أوروبا وانفصال الكنيسة عن الدولة؛ فتاريخ الدولة الحديثة يبدأ بصلح وستفاليا الذي أنهى الحروب الدينية في أوروبا. وكان الصلح، الموقّع في العام 1648، اتفاقا بين الدول الأوروبية الرئيسة على احترام مبدأ الوحدة الجغرافية لكلّ دولة. وقد أدى إلى نشوء أفكار تتعلق بالسيادة وعدم التدخل والمساواة القانونية بين الدول. وكرِّس مبدأ السيادة لحماية الدولة من الكنيسة، ولكي لا يستنهض مواطنو أي دولة قوى خارجية لنصرتهم. نال موضوع الدولة اهتمامًا ملحوظًا لدى الفقهاء والمؤرّخين المسلمين الكلاسيكيين، أمثال الأئمة أبو يوسف، والباقلاني، والبغدادي، والماوردي، والغزالي، والرازي، وابن تيمية، وابن خلدون. ومتثَّلَ أقدم خطاب على هذا الصعيد في مسألة من يجب أن يكون أمير المؤمنين وما هي صفاته المطلوبة، وهو الخطاب الذي قسم المسلمين إلى سنّة وشيعة، ثم قسم كلا منهما إلى مذاهب، خصوصًا بعدما تحولا إلى مذهبين دينيين، إلى جانب كونهما حزبين سياسيين. وبرز ابن تيمية (1263 – 1328 م) فقيهًا مجتهدًا في مسائل من أبرزها الدولة، في وقت كانت الخلافة فيه انتهت كمؤسسة سياسية.

اللحظة التيميّة

يقول أنجوم: «ول د ابن تيمية... في مدينة حرّانِ شمال سورية بعد خمس سنوات على تدمير المغول بغداد، وعاش بعد قرنين من الغزالي وقرن من الرازي، خلال إحدى المراحل الأشد اضطرابًا في التاريخ الإسلامي ما قبل الحديث. وكان إرهاب المغول ومنعتهم الظاهرة، وقتلهم الخليفة العباسي، وتدميرهم بغداد، مركز العالم الإسلامي، وضمّهم النصف الشرقي للعالم الإسلامي بأجمعه، كلّ ذلك كان صادمًا وغير مفهوم. وبدا العالم يقترب من

نهايته، وفرسّ كثيرون هذه الحوادث بتعابير أخروية» (ص 173 –.)174 لم يكن إقرار ابن تيمية بأنَّ العالم في أزمة ذلك الإقرار الفريد، لكن فهمه له كان فريدًا، وكذلك مقاربته للحل؛ فقد أطلق نظرية جديدة للحكم، لا يفترض فيها على نحو مسبق وجود دولة منذ المراحل الأولى للتاريخ الإسلامي، إذ يعتبر مرحلة الخلفاء الراشدين استمرارًا لمرحلة النبي محمد (ﷺ). وتبنّى مبدأ الشوكة (القوة القاهرة) الذي قال به الغزالي، لكنه اعترف بالطبيعة التعاقدية للعلاقة بين الحاكم ورعيته، فهو وكيلهم وواليهم وشريكهم، على غرار أبو يوسف والباقلاني. بما أنَّ الفقهاء تعاملوا عمومًا مع حكام استولوا على الحكم بالقوة، فقد فرسّ وا الشرع وفق الظروف السائدة في أزمنتهم، تجنبًا للشقاق بين الناس أحيانًا، واسترضاء للحاكم أحيانًا أخرى. أمّا ابن تيمية، وعلى الرغم من كون الغزو المغولي والاضطراب الاجتماعي – السياسي في ذلك الزمان جانبين لا يمكن إنكارهما من جوانب السياق المطلوب لفهم كتاباته، فقد «اعتبر الفساد الروحي والفكري للأمة أسوأ كثيرًا من هزائمها العسكرية»، وفق أنجوم (ص. 176). «وعلى الرغم من ميله إلى الفعل ذلك الميل القوي الذي ميّز حياته وفكره، فقد أعطى إصلاح الفكر والنظرية الدينية الأولوية على الفقه. هكذا، كان نزوعه الخاص إلى الأصول واضحًا، على الرغم من اعتباره الفقه ونقد الحديث العلم الإسلامي الأكثر أصالة وعضوية» (ص 177 –.)178

الميل إلى الفعل

قاد ابن تيمية حركة مقاومة خلال المحنة المغولية بين العامين 1299 و 1303 م، خصوصًا خلال احتلال دمشق. واستنكر العقيدة المشبوهة لدى الغزاة ومن تعاونوا معهم، وانهمك في جدالات مكثفة ضد شيعة لبنان، والحركة الرفاعية الصوفية، ومذهب الاتحاد المنبثق من تعاليم ابن عربي القائلة بأنّ الخالق والمخلوق يصبحان واحدًا. وفي العام 1306 م، استُدعِي لشرح تعاليمه أمام مجلس الحاكم المملوكي. وعلى الرغم من أنّ المجلس لم يدِنه، فقد أرسله إلى القاهرة، حيث مثل أمام مجلس آخر بتهمة التجسيم، أي إضفاء صفات بشرية على الخالق، وسُج ن في قلعة المدينة 18 شهرًا. بعد خروجه من السجن، اعتُق ل مجددًا لأشهر في العام 1308 م، لأنه استنكر تقديس الأولياء باعتباره مخالفًا للشرع. وفي العام 1309 م وضع في الإقامة الجبرية في منزله في الإسكندرية، بعد يوم من تنحّي السلطان محمد بن قلاوون وتويلّ بيبرس الجاشنكير الحكم، إذ اعتبر الأخير مغتصبًا للسلطة. وبعد سبعة أشهر، وإثر عودة بن قلاوون إلى الحكم، تمكن من العودة إلى القاهرة، لكنه غادر المدينة في العام 1313 م برفقة السلطان في حملة لاستعادة دمشق، حيث أمضى السنوات ال 15 الأخيرة من عمره. في دمشق، راح ابن تيمية يمارس التدريس الديني. وجمع حوله حلقة من المريدين من الطبقات الاجتماعية جميعها. وكان أبرز هؤلاء تلميذه الشهير ابن قيّم الجوزية الذي شاركه التعرض لسلسلة جديدة من الاضطهادات. وبعد اتهامه بتبنّي مبدأ

يعوق تطليق المسلم لزوجته، سُجِن لأشهر في قلعة دمشق بأوامر من القاهرة. وفي العام 1326 م اعتُقِل مجددًا في القلعة بتهمة الاستمرار في استنكار تقديس الأولياء، على الرغم من أمر يمنعه من ذلك. وقد تو في السجن، حيث حُرِم من كتبه وأدوات الكتابة. ودف ن في دمشق بعد جنازة حاشدة، ولا يزال قبره إلى اليوم مزارا.ً ترك ابن تيمية، الملقّب بشيخ الإسلام، عددًا كبيرًا من الكتب، لا تزال تُطبَع بكثرة في سورية ومصر وشبه الجزيرة العربية. وتتوسع كتبه في شرح أفكاره وأعماله، الدينية والسياسية، وتشرح أبعادها وأسبابها، كما تتسم بتوثيق لم يكن معهودًا كثيرًا في زمنه، إلى جانب عدد يكاد لا حيُصى من الفتاوى. ومن أهم كتبه «الأربعين التي رواها شيخ الإسلام بالسند»، الإكليل في المتشابه والتأويل، التبيان في نزول القرآن، الرسالة الأكملية، الرسالة العرشية، القاعدة المراكشية، رسالة إلى أهل البحرين في رؤية الكفار ربهم، رسالة إيضاح الدلالة في عموم الرسالة، رسالة في أمراض القلوب وشفاؤها، العقيدة الواسطية، الصارم المسلول لشاتم الرسول، واقتضاء الصراط المستقيم.

ضوء جديد

يعيد أنجوم، بتعمق جريء، صوغ ما لدى كثير من الغربيين والعرب والمسلمين من فهم سائد لآراء ابن تيمية في السياسة والخلافة. وبعدما يوثّق، في شكل مستفيض، ذلك التشاؤم الذي ساد الفكر الديني والنظرية السياسية الإسلاميَيّن الكلاسيكيَيّن، يستعرض التفاؤل المقابل لدى ابن تيمية، ويبني كيف أن آراء هذا الفقيه الدمشقي في الشرع تتجاوز آراء سابقيه التي اقتصرت على الأحكام والشرع لتشمل وظائف الحكم كلّها والمجتمع الإسلامي كلّه. يقول أنجوم: «لم يكن فكر ابن تيمية سياسيًا بأيٍّ من المعاني المعتادة. فهو لم يكرّس قدراته الفكرية الفضلى لكتابة نظريات سياسية صريحة، أو تخيّل أنظمة سياسية مستدامة، أو إبداع علم سياسي أو تاريخي جديد كما فعل ابن خلدون بعد جيل. لا تشك ل الأعمال السياسية الصريحة لابن تيمية سوى نزر يسير من عمله ككل. كذلك لم يكشف في حياته عن براعة أو طموح سياسيَيّن، بل عاش، هو الرجل الذي كان من غير عائلة أو أي مصالح سياسية واضحة، حياة من التبتل لم تكن شائعة قطّ بين المسلمين، وكان بعيدًا عن أي فهم شخصي للمصلحة السياسية بمعناها المعتاد» (ص. 271) يمكن اعتبار هذا الكتاب مدخلا مميزًا إلى الفلسفة السياسية الإسلامية يتفوق على كثير من المداخل المتوافرة، خاصةً بالنسبة إلى الجمهور الغربي، فهو لا يأخذ بأي فرضية من الفرضيات المتوافرة في أعمال مماثلة إلا إذا أخضعها لمجهره الدقيق. وهو يضيء، في شكل خاص، واقع أنه كان ثمة مقاربة أخرى لا تعوزها البراغماتية، إلى جانب مقاربة التقليد الإسلامي القروسطي الشرعية والنخبوية التي يمثّلها التقليد السنّي على وجه الخصوص. وهو إذ يحيي التقليد المنطقي الإسلامي، عبر تحليله نصوصًا

في العلوم الدينية والأدب والفقه تعود إلى المرحلة الكلاسيكية، فإنّه يستخدم تحليلا نظريًا معقدًا، ويتنبّه في شكل دقيق إلى فحوى هذه الأعمال وسياقاتها التاريخية. يقول أنجوم: «من الواجب قراءة انتقادات ابن تيمية في سياق تراجعات كبار الفقهاء الأشعريين واعترافاتهم في ما يخصّ العقل والبحث المنطقي. ويبدو أن الانتقادات وضِعت لإحداث صدمة في صفوف الفقهاء السنّة الآخرين وأتباعهم ممن فاخروا بدفاعهم المنطقي عن العقيدة والتقليد. ولم يكن الأشاعرة الكبار، على غرار الغزالي والرازي، غافلين عن هذه الصعوبات المتنامية، وحاولوا مواجهتها أحيانًا بمساعٍ إلى تسويات فكرية، وأحيانًا أخرى بالتخلي عن المساعي الفكرية لصالح الإيمان» (ص. 209)

نواقص

بيد أن الكتاب يتجنب الإشارة إلى واقع أنَّ ابن تيمية، على الرغم من كلّ ما قدّمه من مناقشات وجدال ومؤلفات، لم يعرض للمسلمين أو غيرهم جديدًا، بل اهتم بتأكيد مسلمّات تمام الدين وكماله؛ فمن مقولاته الشهيرة، «لا يصلح الوهأ حلصي لوم الوهأ هب حلص مبا لإا ةملاأ هذه رخآ إلا بالكتاب والسنّة»، و«ما تركت شيئا يقربكم من الله إلا دللتكم عليه، وما تركت شيئا يبعدكم عنه إلا نهيتكم عنه». هذه المسلمّات وتلك البنية الأساسية للفكر والفقه «لم تأت بنظرية أو منهج أو مدرسة قادرة على التطلع للحاضر والمستقبل بل هي قطار حديدي صلب وقوي يهدر بضجيج عال يدمر من وما يقف في وجه مهمته الأولى وهي العودة بالحاضر إلى الماضي وإغراق المستقبل بالموروث». لم يستطع ابن تيمية تقديم نظام سياسي متجدد أو متطور للحكم في الإسلام، بل أصّل ما نقل عن السلف الصالح، وقيّد ما يمكن إبداعه من نظريات مرنة قابلة للتطور والتغير والحياة. كذلك لم يقدم «نظامًا أو نظرية إسلامية للاقتصاد ذات أبعاد تنموية تطرح الحلول لمشكلات الندرة وعلاقات الإنتاج والتوزيع، ولم يستق منه الآخرون أساليب وطرقًا لتجاوز الفقر والتخلف والعجز الذي تعانيه البلدان الإسلامية والعربية، بل على العكس تمامًا، لم تتبلور بوادر الانتعاش في العالم الإسلامي إلا بعد تنحية مناهجه وطرائقه». يقول أنجوم: «فكريًا، إنَّ أفضل طريقة لوصف مشروع ابن تيمية هي بالقول إنه استمرار للمشروع الذي خلّفه الأشاعرة العظماء، خاصة الغزالي والرازي، أعني التوفيق بين العقل والوحي لوضع أساس ثابت للإيمان والعمل. غير أنَّ مشروع ابن تيمية التفكيكي أخذ هذه الغاية نقطة افتراق تميّزه، بخلاف الغزالي والرازي، اللذين أخذهما نبضهما التوليفي إلى نهايات الأنظمة الفلسفية المتوافرة في أيامهما ثم أعادهما رجوعًا» (ص. 272)

الهوامش

(5  المصدر نفسه).