العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التنظيمات العثمانية والدستور بواكير الفكر الدستوري: نصًا وتطبيقًا ومفهومًا

التنظيمات العثمانية والدستور بواكير الفكر الدستوري: نصًا وتطبيقًا ومفهومًا

The Ottoman Tanzimat and the Constitution: The Beginnings of Constitutional Thought, Text, Application, and Conceptualizatio

وجيه كوثراني

Wajih Kawtharani

الملخّص

ينطلق هذا البحث من السياقات المختلفة التي أَمْلَت اعتماد العثمانيين ما دُعي ب «التنظيمات » أو الدستور -الاصطدام برأسماليات توسّعية وتنافسية؛ وعي النخب المحلية أهمية الإصلاح؛ التوتر الناجم عن تعدّد التكوينات المحلية وتعقّدها- لكي يرصد ما انطوت عليه هذه فكرة المواطنة بمفهومها الغربي المندرج في تشكّل الدولة/الأمّة وقيام المجتمع المدني وحقوق الإنسان والمواطن( والمعيش حالة الرعوية العثمانية بمفهومها المندرج في الدولة/العصبية الغالبة والعامة وفي المجتمع المتشكّل من عصبيات مختلفة. ومن أجل هذه الغاية، فإن البحث لا يكتفي بالعودة إلى نصوص التنظيمات العثمانية ونصّ القانون الأساسي الذي هو دستور 1876 ، بل يعيد النظر أيضًا في رهانات نخب، تركية وعربية و إيرانيّة، على إمداد مبدأ «التبعة » أو الجنسية العثمانية والتمثيل المشتقّ منه بأيديولوجيا وطنية و قومية وبتأكيد مطالب الحرية والمساواة والمشاركة من موقع التماهي مع التجربة الأوروبية.هكذا، يفصّل البحث في كيفية تعامل كلٌّ من رفاعة الطهطاوي وبطرس البستاني مع مفهومي الوطن و «الوطني » في لحظة تحول اعترت استخدام هاتين المفردتين العربيتين لتكسبهما معاني ودلالات مستعارة من التجربة الديمقراطية والوطنية الغربية، وكيفية تعامل كل من رشيد رضا وحسين النائيني مع مفهوم «شورى الأمة » بعد أن حمّلا مفردة «الأمة » معنى الدولة/الأمة، حيث تشارك الأمة السلطان في الحكم وتقيّده بأحكام الدستور.

Abstract

This study is rooted in the multiple and varied contexts in which the Ottomans were compelled to adopt the Tanzimat, alluding to the series of reforms adopted by the Ottoman Empire in the 19th century and that later gave rise to a constitution. These reforms came about as a result of the collision with expansionist and competitive forms of capitalism, a growing awareness among local elites on the importance of reforms and the tensions borne out of the diversity and complexity of their local composition. This study seeks to describe these reforms in terms of what they strived to achieve—a Western concept of citizenship represented in the formation of a nation-state, which implied the rise of civil society, human rights, and the rights of citizenship—and what was prevalent at the time of the Ottoman Empire—a system that conceptually embodied the idea of a state founded on a dominant, over-arching social group (or social solidarity – asabiyah) in a community composed of multiple clans.

الكلمات المفتاحية:
  • التنظيمات العثمانية
  • الدستور
  • المواطنة
  • قومية
  • أيديولوجيا
Keywords:
  • Tanzimat
  • Ottoman Empire
  • Reform
  • Asabiyah

ينطلق هذا البحث من السياقات المختلفة التي أَمْلَت اعتماد العثمانيين ما دُعي ب «التنظيمات» أو

الدستور -الاصطدام برأسماليات توسّعية وتنافسية؛ وعي النخب المحلية أهمية الإصلاح؛ التوتر

الناجم عن تعدّد التكوينات المحلية وتعقّدها- لكي يرصد ما انطوت عليه هذه «التنظيمات»

من جمع بين المg مأول (فكرة المواطنة بمفهومها الغربي المندرج في تشكّل الدولة/الأمّة وقيام

المجتمع المدني وحقوق الإنسان والمواطن) والمعي‚ ش (حالة الرعوية العثمانية بمفهومها

المندرج في الدولة/العصبية الغالبة والعامة وفي المجتمع المتشكّل من عصبيات مختلفة). ومن

أجل هذه الغاية، فإن البحث لا يكتفي بالعودة إلى نصوص التنظيمات العثمانية ونصّ القانون

الأساسي الذي هو دستور 1876، بل يعيد النظر أيضًا في رهانات نخب، تركية وعربية

وإيرانيّة، على إمداد مبدأ «التبعة» (أو الجنسية) العثمانية والتمثيل المشتقّ منه بأيديولوجيا وطنية

وقومية وبتأكيد مطالب الحرية والمساواة والمشاركة من موقع التماهي مع التجربة الأوروبية.

هكذا، يفصّل البحث في كيفية تعامل كلٌّ من رفاعة الطهطاوي وبطرس البستاني مع مفهومي

«الوطن» و«الوطني» في لحظة تحول اعترت استخدام هاتين المفردتين العربيتين لتكسبهما معاني

ودلالات مستعارة من التجربة الديمقراطية والوطنية الغربية، وكيفية تعامل كل من رشيد رضا

وحسين النائيني مع مفهوم «شورى الأمة» بعد أن حملّا مفردة «الأمة» معنى الدولة/الأمة، حيث

تشارك الأمة السلطان في الحكم وتقيّده بأحكام الدستور.

رهان التنظيمات ونصوصها في السياق التاريخي

قامت فلسفة التنظيمات العثمانية على فكرة المماهاة مع التحديث. والتحديث -كما وعته النخب المحلية

(التركية والإيرانية والعربية وغيرها) في غضون القرن التاسع عشر- كان يعني نقل معطيات الحداثة

السياسية الأوروبية إلى مؤسسات الدولة وإدارتها.

أتت المؤسسة العسكرية في أولى درجات الاهتمام، انطلاقًا من معاينة وجه المقارنة الصارخة بين ما آلت إليه الجيوش العثمانية التقليدية (الإنكشارية والسباهية) من حالة الظفر والانتصار إلى حالة التردّي والانهزام من

جهة، وما أضحت عليه من جهة ثانية، الجيوش النظامية الأوروبية من حُسن تنظيم وتدريب وقدرة بدءًا من

القرن الثامن عشر. ثم أتت المؤسسة الإدارية بمختلف اختصاصاتها لتشكّل حقل الاهتمام اللاحق، بدءًا من عام 1839، وهو

تاريخ إصدار أوّل خطوط التنظيمات المعروف بخط « كل خانة»، وكان من أهم بنوده وتوجهاته إلغاء نظام

الالتزام. بعدها انطلقت سلسلة من التدابير والإعلانات والإصدارات التنظيمية والقانونية، وأهمها الخط

الهمايوني (1856) الذي ركّز على المساواة بين الجماعات والطبقات، ثم قانون الولايات عام 1864 الذي نصّ

على وجود مجالس إدارية منتخَبة من مستوى القضاء إلى مستوى الولاية. واستتبع ذلك سلسلة متلاحقة من القوانين التي تنظم أحوال «التبعة العثمانية» (والمقصود الجنسية) (1869) وتنظيم القضاء وتوزُّعه بين محاكم

شرعية وملّية ومحاكم نظامية. كما أن قوانين صدرت تنظم أحوال التجارة والمعاملات وتسجيل الأرض ومسحها، والبلديات وصلاحياتها. في هذا السياق نفسه، أ 1876ُعلن دستور الذي أُطلق عليه تعبير «القانون الأساسي» للسلطنة، بينما أُطلق تعبير «الدستور» على مجمل التنظيمات العثمانية، بما فيها القانون الأساسي. لا شك أن سياقات تاريخية مختلفة ومتنوعة أملت هذا التوجه في اعتماد التنظيمات وإصدارها، أهمها: - الضغط الأوروبي المتمثّل في رأسماليات توسعية وتنافسية تبحث عن أسواق ومناطق ونفوذ، وتتطلب

إصلاحات مواكبة لهذا التوسع (كالقانون التجاري مثالً.) - وعي نخب محلية (من سفراء ووزراء وأدباء ومثقفين جدد) لأهمية الإصلاح، باعتباره مدخالً لإنقاذ الدولة وتقويتها عبر اقتباس ما تعتقد أنه مكمن ازدهار الغرب وسرّ قوته. - معاناة التوتر الذي شهدته مجتمعات الدولة ذات التراكيب الاجتماعية والثقافية والدينية المتعددة. ومن مظاهر هذا التوتر تأزّم نظام الملل القديم، وخاصة عندما تقاطع هذاالأخير مع نظام الامتيازات ونظام الحماية

والمداخلات الأجنبية، ومع أشكال من الوعي القومي و«الهويات» التي اجتاحت نخب الإثنيات والجماعات المختلفة في مناطق الدولة العثمانية. لذلك اختلفت الرهانات على التنظيمات وعلى استشراف أدوارها المتوخاة واستحقاقاتها، كلّ حسب المواقع

والتصورات؛ فمن جهة الرأسماليات الأوروبية، فُهِم التحديث تسهيالً لعلاقات التبادل وتوسيعًا للسوق

الرأسمالية وحماية للجوالي الأجنبية ووكلاء التجارة المحليين، ومن جهة النخب العثمانية، ولا سيما النخب

المتنورة، فُهِم انتزاعًا لذريعة التدخل من خلال التمثيل الشعبي وإعطاء حقوق المواطَنة العثمانية. أمّا من جهة

الملل، وخصوصًا الملل غير الإسلامية، فإنه فُهِم تحقيقًا لحق المساواة، وفُهِم من جهة القوميات والإثنيات غير

التركية تحقيقًا لنوع من المشاركة، قبل أن تتبلور مطالب الاستقلال. تقوم إشكالية هذه الورقة على محاولة فهم الأبعاد الثقافية والاجتماعية التي حملتها التنظيمات العثمانية، ولا سيما تلك التي تتعلق بمعنى التمثيل الشعبي وبالمضمون الذي ترتّب على إدخال رعايا الدولة العثمانية منطق «التبعة

العثمانية»، أي «المواطَنة»؛ فثمة إشكال أدّت اليه عملية التداخل والتقاطع بين معنى التمثيل الشعبي، باعتباره

حقًا من حقوق المواط (َنة Citoyennete) في دولة/أمة (Nation / Etat) وكما اقتبسه المتنورون العثمانيون عن

حقل التجارب الديمقراطية الأوروبية، وثقافة التمثيل الرعوي، باعتباره تقليدًا أو عرفًا مغروسًا في بنى عقلية

وذهنية، وفي نمط عيش واجتماع سياسي قديم استمر في ظل التنظيمات، وربما استطاع أن يتكيّف معها. المقصود ب «التمثيل الرعوي» هوأن البنى الاجتماعية على مستوى الطوائف أو المذاهب أو القبائل أو الأسر أو

المجموعات القروية أو الحرفية، ملكت «سستام سلطة» كان ابن خلدون قد لخّصه بمصطلح «العصبية»، التي لها

آليات عمل أو اشتغال قائمة على موازين قوى وصراع بين عصبيات غالبة وعصبيات ممانعة، وبينهما عصبيات

مستتبعة وموالية. على أن للولاء أو الاستتباع شروطًا ترتبط بمدى القدرة على التغلّب لفرض الاستتباع، أو

بمدى القدرة على «تأليف القلوب» وكسب الولاء أو الاستمالة عن طريق الخدمات أو توزيع المنافع أو الحماية

أو حتى التزاوج المتبادل... إلخ. نصّت التنظيمات على نوع من التمثيل الشعبي في مؤسسات جديدة، فكان ذلك في: • مجالس الإدارة التي نصّ عليها قانون الولايات، بدءًا من مجلس القضاء إلى مجلس اللواء فإلى المجلس العمومي

في الولاية، ابتداء من عام 1864؛ • مجالس البلديات (1871)؛ • القانون الأساسي (الدستور) الذي أُعلن عام.1876 وقد نص القانون الأساسي على وجود مجلسين: مجلس أعيان معينَّ ومجلس مبعوثان منتخَب. وتأسس هذا

التمثيل مبدئيًا على «التبعة العثمانية» (قانون عام 1869، الذي حاول أن يجعل من الرعية مواطنين). -1 التمثيل في مجالس الإدارة بموجب نظام الولايات لعام 1864، استُحدث في الولاية مجلس عمومي يترأسه الوالي، ويتشك ل على

الطريقة التالية: - يجتمع في مركز اللواء أربعة أعضاء عن مجلس إدارة كل قضاء (فمثالً إذا ضم اللواء خمسة أقضية، يجتمع في

مركز اللواء عشرون عضوًا من أعضاء هذه المجالس.) - ينتخب المجتمعون ثلاثة أعضاء من بينهم، لتمثيل اللواء في «مجلس عمومي» الولاية. - يحمل أعضاء كل قضاء مطالب قضائهم مكتوبة على أوراق، ويسلّمونها إلى أعضاء المجلس المنتخَبين لبحثها

في المجلس العمومي. من اختصاص هؤلاء النظر في الأمور المتعلّقة بالطرق، والمذاكرة بتوسيع أمور الزراعة والتجارة، ومطالعة

الأمور المختصة بتعديل ويركو (ضريبة) الألوية والأقضية والقرى. أمّا رأي المجلس العمومي فهو استشاري

فقط، إذ يرفع هذا المجلس توصياته إلى الوالي الذي يبلغها بدوره إلى الحكومة.

1 الدستور، ترجمة نوفل نعمة الله نوفل؛ مراجعة خليل الخوري (بيروت: المطبعة الأدبية، 1883)، ص 414-412، وهو يشتمل على

نصوص التنظيمات العثمانية ونص القانون الأساسي، الذي هو دستور 1876. انظر أيضًا عرضًا لبعض مواد الدستور مع تعليق عليها

في: عبد العزيز محمد عوض، الإدارة العثمانية في ولاية سورية، 1914-1864 م، تقديم أحمد عزت عبد الكريم، مكتبة التاريخ العربي

الحديث (القاهرة: دار المعارف،.)1969

-2 المجالس البلدية «نصّت المادة» 111 من نظام إدارة الولايات العمومية لعام 1871 على تشكيل مجلس بلدي للنظر في الأمور

البلدية في المدينة أو القصبة التي تكون مركز الولاية أو اللواء أو القضاء. ويتألف المجلس البلدي من رئيس

ومعاون وستة أعضاء وعدد آخر من الأعضاء الاستشاريين، منهم طبيب المدينة ومهندسها. كما يوجد في

المجلس البلدي كاتب وأمين صندوق. يُنتخب رئيس المجلس البلدي وأعضاؤه بالطريقة التي يُنتخب بها مجلس إدارة الولاية، ومدة انتخاب الأعضاء

عامان، ويجري تغيير نصفهم كل عام. لا يتقاضى رئيس المجلس البلدي وأعضاؤه رواتب، ويعقد المجلس البلدي اجتماعين في الأسبوع برئاسة رئيس

المجلس، أو المعاون في حالة غياب الرئيس. -3 التمثيل في القانون الأساسي (الدستور) أُعلن القانون الأساسي في 19 كانون الأول/ ديسمبر 1876. ويقول إنغلهارت إن هذا القانون جاء مقتبَسًا

عن دساتير بلجيكا وفرنسا وإنكلترا، وصيغ في 119 مادة تضمنّت حقوق السلطان في الحكم، فاعتبر القانون

السلطان مقدَّسًا وغير مسؤول، ومنحه حتى عزل الوكلاء وتنصيبهم وتوجيه المناصب والرتب، وسك النقود

باسمه، وذكر اسمه في خطبة الجمعة، وخوّله عقد المعاهدات وإعلان الحرب وتحقيق العقوبات وعقد المجلس

العمومي وفضّه. كما تضمن القانون نصًّا يتعلّق بحرّية العثمانيين ومساواتهم، وبمسؤولية الموظفين ضمن نطاق

وظائفهم. أمّا المجلس العمومي، فيتألف من هيئتين: هيئة الأعيان وهيئة المبعوثان. وتجتمع كلتا الهيئتين في أول تشرين

الثاني/ نوفمبر من كل عام، في دورتين عاديتين تمتدان أربعة أشهر، وللسلطان حق دعوة المجلس العمومي

وافتتاحه قبل الموعد المحدد. كما نصّ القانون الأساسي على تمتُّع أعضاء المجلس العمومي بحرّية إبداء الرأي، وبحصانة ضد ما يوجَّه إليهم

من هتُم بسبب التعبير عن آرائهم أو بيان أفكارهم. ولا يجوز الجمع بين عضوية الأعيان وعضوية المبعوثان. أ- هيئة الأعيان يعنيّ السلطان أعضاء هيئة الأعيان مباشرة من الأشخاص الذين لهم خدمات حسنة ومشهورة في

الدولة، كالوزراء والولاة والمشيرين وقضاة العساكر والسفراء والبطاركة السابقين. وتستمر العضوية مدى

حياة العضو. وتختص هيئة الأعيان بالتدقيق في القوانين واللوائح الصادرة عن هيئة المبعوثان، ولها حق رفضها

رفضًا قطعيًا أو ردّها إلى هيئة المبعوثان لإعادة النظر في تعديلها. أما اللوائح التي توافق عليها، فترفعها إلى

الصدر الأعظم.

2 المواد 1 _ 2 _ 3 _ 4 _ 5 _ 6 _ 7. راجع شرحًا وتعليقًا على القانون الأساسي (الدستور) في: La Turquie et Edouard Engelhardt,

le Tanzimat, ou histoire des réformes dans l’Empire ottoman, depuis 1826 jusqu’à nos jours, 2 vols. (Paris: A. Cotillon,

كما يجدر الاطّلاع على المواد التالية من الدستور: 1 و 2 و 3 و 4 و 5 و 6 و 7 (بيروت: المطبعة العلمية ليوسف إبراهيم، في: القانون الأساسي

صادر، 1908) (الترجمة العربية الرسمية).

3 القانون الأساسي، المادتان 42 و.59

4 القانون الأساسي، المادتان 60 و.64

ب- هيئة المبعوثان تُنتخب هيئة المبعوثان بنسبة عضو واحد لكل خمسين ألف نفس من ذكور الدولة، وذلك باقتراع سرّي. ولا يجوز

للعضو أن يجمع بين العضوية ووظيفة حكومة أخرى، باستثناء الوزارة. ويجب أن تتوافر فيه صفات، منها التبعة

العثمانية ومعرفة اللغة التركية. وقد عينَّ طريقة الانتخاب نظامٌ مؤقت (بصيغة تعليمات انتخابية)، نصّ على منح مجالس الإدارة في الولايات

والألوية والأقضية حق انتخاب النواب (التبرير أن هذه المجالس منتخَبة من الشعب). وبيّنت التعليمات كيفية

إجراء الانتخابات، ويكون ذلك باستلام الولاية من اسطنبول لائحة تتضمّن عدد النواب الذين سيجري

انتخابهم عن دائرة الولاية، مع توضيحٍ لعدد النواب المسلمين وعدد النواب من غير المسلمين. وعلى إدارة

الولاية إبلاغ متصرفّي الألوية وقائمقامي القضاء بمضمون هذه اللائحة، وأن تشرح لهم طريقة الانتخاب.

وبموجب التعليمات، مُنع موظفو الحكومة من التدخّل في الانتخابات. وبعد ذلك تبدأ المجالس الإدارية

المختلفة في الولاية وألويتها وأقضيتها بانتخاب الأعضاء المطلوبين من المسلمين، فيكتب أعضاء مجلس إدارة

القضاء أسماء المرشحين منهم، ويضعونها في ظروف مختومة تسلَّم إلى القائمقام الذي يرفعها بدوره إلى المتصرّف.

وتجري العملية نفسها في مركز اللواء ومركز الولاية، ثم تُرفع الظروف المختومة إلى الوالي، وتُفرز الأصوات، ثم

يرفع الوالي جميع الأوراق الانتخابية إلى مجلسي الدولة في اسطنبول لإعادة فحصها والتدقيق فيها. بلغ عدد النواب العرب في مجلس المبعوثان (الأول) 16 نائبًا، منهم خمسة نواب عن ولاية سورية، ونائبان عن

الحجاز، وأربعة نواب عن ولاية حلب، وثلاثة نواب عن ولاية بغداد، ونائبان عن ولاية طرابلس الغرب،

بينما بلغ نوّاب الدولة العثمانية 115 عضوًا، بالإضافة إلى الرئيس ووكيلين للرئيس، وبذلك يكون المجموع

نائبًا.118 من المعروف أن هذه التجربة الدستورية لم تدم أكثر من عام واحد (من 19 آذار/ مارس 1877 إلى 14 شباط/

فبراير 1878)، إذ أقدم السلطان عبد الحميد على حلّ البرلمان وتعليق الدستور إلى أجل غير مسمّى. واستمر

تعليق الدستور حتى انقلاب عام 1908، حين أرغم الانقلابيون السلطان عبد الحميد على إعادته، فبدأ عهد

دستوري قصير المدى، داهمته الحرب فقضت عليه وعلى السلطنة العثمانية. تجدر الإشارة إلى أن متصرفية جبل لبنان لم تشترك لا بالتجربة الدستورية الأولى، ولا بالتجربة الدستورية الثانية،

باعتبار أن وضعها كان «مستثنى» بحكم نظامها الأساسي المكفول دوليًا. كما أن مصر استُثنيت لأسباب دولية،

علاوة على سبب آخر هو معارضة حزب الاتحاد والترقي، خوفًا من طغيان عدد النواب المصريين على مجلس

المبعوثان في اسطنبول؛ إذ كان يمكن أن يكون عدد نواب مصر وحدها -بالنسبة إلى تعداد السكان- 120

عضوًا. خلاصة القول، إن العرب تمثّلوا في مجلس «المبعوثان» ب 60 نائبًا، وتمثل الأتراك ب 150 نائبًا، الأمر الذي كشف

خ الً في التمثيل-على مستوى البرلمان- بين العرب والأتراك. بل إن هذا الخلل كان جزءًا من خلل مؤسسي أكبر

كانت تنبني وفقه وفي ظلّه مؤسسات الإدارة العثمانية الجديدة بأسلوب مركزي صارم، وبتراتبية قومية أدخلتها

أولوية النخب التركية في الإدارة. هذا كله أدّى، إلى جانب عوامل أخرى، إلى بلورة وعي عربي تراوح التعبير

عنه آنذاك بين صيغة اللامركزية الإدارية وصيغة الاستقلال.

5 عوض، ص.43

إن ما يهمّنا في هذا البحث هو تفحّص خلفية هذا «التمثيل» وأبعاده الاجتماعية في مسارات التنظيمات منذ عام

1839 وحتى العهد الدستوري.)1914-1908(

وقع التنظيمات العثمانية والدستور على المجتمع، التمثيل بين مفهومي الرعية والمواطَنة

التعبير النظري أو الأيديولوجي لمبدأ التمثيل في سلسلة التنظيمات العثمانية نجده بشكل أساسي في أدبيات

المسمَيّن «العثمانيين الجدد» أو «العثمانيين الشباب»، وهم أسلاف رجالات «تركيا الفتاة»، والأصل الذي انبثقت

عنه أحزاب وجمعيات تركية-عربية مشتركة متداخلة أو تركية وعربية، مستقلٌّ بعضها عن بعض. غير أن هذه

الأحزاب كانت في معظمها ترى في العثمانية «انتماءً جامعًا» ورابطة سياسية عامة، بل إن بعضها اندفع إلى التعبير

عن هذا الانتماء بصيغة «الوطن» و«الوطنية» (وكان أبرز من استخدم هذا التعبير، « الوطن العثماني»، في أدبياته

الشاعر التركي نامق كمال)، بأسلوب الرومانسية القومية التي سادت ثقافة النخب الأوروبية آنذاك. عمليًا وقانونيًا، تُرجم هذا النزوع في قانون «التبعة العثمانية» الذي صدر عام 1869، والمرادف في المعنى

ل«قانون الجنسية» (بالصيغة المعتمدة باللغة العربية اليوم). وقد اشتمل هذا القانون على تسع مواد، تحدّد أحقية

«الجنسية العثمانية»، أي التبعة العثمانية، وشروط الحصول عليها. وهذا القانون يستوقف في رحابته ومرونته في

تحديد التبعة العثمانية: المادة الأولى: الأفراد المولودون من والدين أو من والد من التبعة العثمانية، يحملون الصفة العثمانية. المادة الثانية: يحق لأفراد وُلدوا في الدولة العثمانية من والدين أجنبيين أن يطلبوا أن يصبحوا من تبعة الدولة

العثمانية، خلال ثلاثة أعوام من بلوغهم سن الرشد. المادة الثالثة: يجوز لأجنبي بلغ سن الرشد وأقام في السلطنة العثمانية خمسةأعوام متتالية أن يتقدّم إلى وزارة

الخارجية شخصيًا، أو بواسطة وكيل، بطلبٍ للحصول على التبعة العثمانية. بل إن «الرحابة» في إعطاء هذه التبعة العثمانية وصلت إلى أقصاها في المادة التاسعة التي تقول: «كل من يقيم في

الدولة العثمانية يُعتبر من التبعة العثمانية، ويعامَل كرعية من رعايا الدولة العثمانية». ونصّت المادة الثامنة من القانون الأساسي على: «يُطلَق لقب عثماني على كل فرد من أفراد التبعة العثمانية بلا

استثناء، من أي دين ومذهب كان، ويسوغ الحصول على الصفة العثمانية».... كان الهدف من هذا القانون الجمع بين فكرة مرتجاة وحالة معيشة وقائمة في الواقع: فأمّا الفكرة المرتجاة، فهي

فكرة «المواطَنة» التي كانت من نتاج تكوّن المجتمع المدني ومساره في أوروبا، وقيام الدولة الحديثة ذات السلطة

المدنية المستقلة عن السلطة الدينية. ومن المعروف أن هذه الحالة حدثت عبر مسار طويل ومعقّد من الثورات

القومية والديمقراطية والقفزات العلمية والفكرية. وفي هذا السياق انبنى مشروع الدولة/الأمة «وحقوق

الإنسان والمواطن»، وعلى أساس هذه الحقوق صيغ معظم مواد الدستور العثماني: المادة 9 والمادة 10: الحرية

6 Bernard Lewis, The Emergence of Modern Turkey, Oxford Paperbacks; no. 135, 2 nd ed. (London: Oxford University Press, 1968), pp. 141 and 150.

7 القانون الأساسي، المادة.8

الشخصية مصونة؛ المادة 12: المطبوعات حرّة؛ المادة 15: التعليم حرّ؛ المادة 17: جميع العثمانيين متساوون

أمام القانون. وأمّا الحالة المعيشة والقائمة، فهي حالة الرعوية العثمانية، التي تتجاوز القوميات والإثنيات، وهي نتاج شرعية

تاريخية تكرّست بفعل تجربة التاريخ الإسلامي المديدة، التي قامت على الاعتراف بشرعية أسرة سلطانية حاكمة،

صعدت بفعل عصبية التغلّب، وتقوّت بفعل حمل هذه العصبية «دعوة دينية»، «زادتها قوة على قوة» -حسب

تعبير ابن خلدون في وصفه نشأة الدولة السلطانية واستقوائها- واستمرّت بفعل آليات الاستتباع والولاء

المحصّلين عبر سلّم توزيع مراتب السلطات والثروات، وتوزيع الريوع وفوائض الإنتاج والتزام الضرائب

في المناطق، وكذلك بفعل آليات ردع العصبيات الممانعة بأقل تكلفة عسكرية؛ إذ تتكفّل العصبية المحلية الموالية

بكسر شوكة العصبية الممانعة، لتتأكّد شرعية السلطان وتتثبّت رعويته للمجتمع. إذًا، ثمة اعتماد على وسائط سلطة تتوافر أصالً في المجتمعات الأهلية ذاتها؛ فهذه الأخيرة تقدّم «خدماتها»

إلى السلطان عبر مؤسساتها المذهبية والمدنية والأُسرية والقبلية والحرفية. ويشتمل هذا على اجتماع سياسي

واسع تنتظم فيه مؤسسات العلماء (رجال الدين) ونظام الملل، وأعراف وتقاليد شتى، كان بعضها مصدر

تشريع لما سُمّي« قوانين نامة»، وهي غير أحكام الشريعة الإسلامية، وإن كان السلاطين يستحصلون على

فتاوى تجيزها. نخلص إلى أن الرعوية هي حالة انتظام في اجتماع سياسي وثقافي واسع ومتعدد، يقوم على وسائط سلطة تقدّمها

العصبيات المحلية، وتضبطه آليات الولاء والاستتباع بالرضى أو بالإرغام، ولكن دائامً من خلال أُطر وبنى

داخلية: جماعة دينية أو مذهبية، أو عصبية قبلية أو أسُرية، أو مجموعات قروية أو مهنية.. إلخ. السؤالان اللذان يعيداننا إلى إشكالية البحث هما: هل أمكن الجمع في التنظيمات، ولا سيما في مسألة التمثيل، بين

المواطَنة بمفهومها الغربي، أي بمفهومها المندرج في تشكّل الدولة/الأمة وقيام المجتمع المدني وحقوق الإنسان

والمواطن، والرعوية بمفهومها العصباني، أي بمفهومها المندرج في الدولة/العصبية الغالبة والعامة، وفي المجتمع

المتشكّل من عصبيات مختلفة؟ وكيف تمّ ذلك الجمع؟ لقد راهنت نخب كثيرة على إمداد مبدأ «التبعة العثمانية» ومبدأ التمثيل المشتق منها بأيديولوجيا وطنية وقومية.

ولم تكن هذه النخب تركية فحسب، إذ نجد أولى محاولات إخراجها في (مقولة) أيديولوجية «الوطن العثماني»

في أدبيات «العثمانيين الجدد» أو «الشباب»، وفي طليعتهم الشاعر نامق كمال، كما سبق القول. بل كان ثمة نخب

عربية، مسلمة ومسيحية، أيضًا استخدمت تعابير «الوطن العثماني» و«الأمة العثمانية»، و«المواطن العثماني»،

لتأكيد مطالب الحرية والمساواة، والمشاركة من موقع التماثل أو التماهي مع التجربة البرلمانية الديمقراطية

الأوروبية، و«حقوق المواطن». من الأمثلة العربية البارزة ما قدّمه سليمان البستاني في كتابه عبرة وذكرى: الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده

)1908(، وكان قد شرع في تأليفه بعد عشرين يومًا من الانقلاب الدستوري عام 1908، وأنجزه بعد

أربعة أشهر. لذلك تبدو في الكتاب نبرة متفائلة جدًا، لأنه كُتب قبل التحوّل في سياسة الاتحاديين الأتراك نحو

8 نجد توسيعًا لهذه الأفكار المكثّفة في: وجيه كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي، من تاريخ الولاية العثمانية في بلاد الشام،

سلسلة أطروحات الدكتوراه؛ 13 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988)، ص.77-33

9 سليمان البستاني، عبرة وذكرى، أو الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده، تحقيق ودراسة خالد زياده، سلسلة التراث العربي المعاصر

(بيروت: دار الطليعة،.)1978

«التتريك» والاستئثار بالسلطة وإبعاد عناصر القوميات الأخرى عن الوظائف الأساسية في الحكم، وقبل عملية

التدخّل في انتخابات مجلس «المبعوثان» في الولايات. يتمثّل سليمان البستاني في «الدستور» مبادئ ليبرالية وديمقراطية، ويرى فيه «أعجوبة» القرن العشرين، لأن

تلك المبادئ كلّفت باهظًا في أوروبا، من ثورة كروموِل في بريطانيا إلى الثورة الفرنسية، إلى الثورات الديمقراطية

والاجتماعية طوال القرن التاسع عشر، في حين أن الانقلاب الدستوري العثماني الذي مهّدت له التنظيمات

السابقة جاء ب«دستور مماثل» سلامً لم تُسفَك فيه دماء. يعربّ البستاني عن رهانه أو تفاؤله عندما يشرح مبادئ

الدستور في ضوء ما أنجزته التجارب الدستورية التمثيلية في الغرب، وعندما أطلقت هذه الأخيرة مبادرات

الكتابة والإعلام والتعليم وبناء الجمعيات والأحزاب ومشاريع الصناعة والزراعة والتجارة... بل يذهب

تفاؤله إلى توقّع مرور خمسة وعشرين عامًا لكي «تينع ثمار هذه النهضة» الدستورية. «فإذا حسبنا لإيناع ثمار هذه

النهضة الأخيرة ربع قرن، فخمس وعشرون سنة ليست بالأمد المديد في عمر أمة طوت القرون»، «وأن ربع قرن

يكفي لتخريج ناشئة جديدة على نفَس جديد وروح جديدة، لم تتأثر بشيء من مؤثرات الاستبداد». لكن التفاؤل الذي يشع من الفرحة بالحدث، وهي فرحة عمّت الإنتليجنسيا العربية آنذاك وتشبّع بها الخطاب

الثقافي والأدبي والسياسي العربي، كان يخالجه بعض الشك، وبعض الإحساس بصعوبة النجاح، ليس فقط

بسبب اختلاف التوجهات والمطالب قوميًا بين النخب التركية والنخب العربية، واختلاف رؤية كل طرف

لحجم المشاركة وحقوق القوميات والجماعات-وهو ما سيتضح بعد أعوام قليلة- بل أيضًا، وبشكل أساسي،

بسبب نمط وعي اجتماعي وثقافي يتصوّر التمثيل، سواء على مستوى التمثيل في مجالس الإدارة أو مجلس المبعوثان

أو المجالس البلدية، على صورة اجتماع سياسي رعوي، الفرد فيه جزء من جماعة شبه مغلقة، والجماعة تتحد في

عصبية، والمصالح علاقات تبادل ضيقة، وأصحاب النفوذ والسلطة فيها أهل شوكة وغلبة أو أهل سلطة دينية

أو مؤسسات بطريركية ومشيخية أو أخوية. هذا الاجتماع الرعوي اخترق التمثيل على مستوى الذهنية والعقلية في مؤسسات التنظيمات. رغم تفاؤل سليمان البستاني بمفاعيل الدستور لناحية تحقيقه حرية المواطن العثماني والمساواة في التبعة العثمانية،

نراه يكتب مستذكرًا تجربة عام 1876، عندما انعقد مجلس المبعوثان أول مرة، فيقول: «وإذا كان يُرجى من

خلال مجلس المبعوثان، ولا سيما في السنة الأولى، أن لا يزعج الحكومة بما يصرفها عن التفرّغ للإصلاح، كان

من الواجب أيضًا على أبناء الأمة أن لا يزعجوا الأعضاء بما يصرفهم عن التفرّغ لمهمتهم. فلقد أيّد لنا الاختبار

باجتماع المجلس الأول عام 1876 أن أبناء كل ولاية كانوا يظنون مبعوثهم منتدبًا عن منتخبيه لا غير، ومأمورًا

بإنفاذ جميع رغائبهم، وإبلاغ تشكيات أفرادهم مهما كانت، حتى لقد كانت الرسائل في بعض الولايات تنهمر

اإل هلان الم ثحبلل ثوعبلام هحرط ول ام بلاطلام نم ةلماح، اهيثوعبم سوؤر لعى رطلامكّ هزء رفاقه أجمعين. فمن

طالب عزل خصم له وإحالة مأموريته إليه، ومن ملتمس رتبة ونشان، ومن راغب في إصدار أمر لوالٍبإلقاء

نظرة عليه، أو إلى مشير نجعله ملتزمًا للأرزاق العسكرية، حتى كان من جملة تلك المطالب أن مكاريًا رسُِقَتْ

دابته فكتب إلى منتدب ولايته أن يأمر بإعادتها إليه». ويُرجع سليمان البستاني سبب ذلك إلى «الجهل»، فيقول:

«لم نكن نلُام على ذلك الجهل في ذلك الحين».

10 المصدر نفسه، ص.244

11 المصدر نفسه، ص.240

حتى لو كان هذا التشخيص صحيحًا لناحية انعدام درجة العلم والتعلّم، فإن السلوك العلائقي يظل منتظامً في

قواعد من العلاقات بين الرّاعي والرعية، وفي إطار الجماعات والقرى والحارات. ومن هنا نفهم توجّه المكاري

إلى مندوب ولايته باعتبار هذا الأخير «راعيًا» ومسؤوالً عن كل شيء في منطقته، وهكذا وصوالً إلى الراعي

الأكبر: السلطان، راعي الرعية. ولكن هذا السلوك العلائقي لا يتحدد من طرف واحد (سلوك المكاري في مثل سليمان البستاني)، وإنما يتحدد

من طرف من يمارس السلطة والنفوذ أيضًا. قديامً مارس هذا الطرف سلطة من خلال المؤسسات التقليدية (نظام

الالتزام أو المقاطعجية، أو نظام الأمراء والنقباء والمشايخ..)، وحديثًا مارسها من خلال مجالس الإدارة والبرلمان

والبلديات والإدارة، أي إن العائلات التي احتلت مواقع سلطوية في النظام القديم ستحاول أن تحتل المواقع

السلطوية في النظام الإداري والتمثيلي الجديد. إن دراسة أعضاء المجلس البلدي ومجالس الإدارة وممارساتهم في عدد من المدن والقصبات في ولاية بيروت،

اعتمادًا على وصف صاحبي كتاب ولاية بيروت، محمد رفيق التميمي ومحمد بهجت، تشير إلى نمط من

السلوك في توسّل أهل النظام القديم لتأكيد سلطتهم في مؤسسات النظام الجديد بذهنية العلاقات الرعوية. وأول ما يلفت الانتباه في موضوع صلاحيات المجلس البلدي ورئيسه المنصوص عليها في نظام البلديات، هو

أنها تتناول عددًا من الصلاحيات التي كانت تتوزّع بين النقيب والمحتسب وشيخ الحرفة في المدينة، مضافًا إليها

شؤون عمران المدينة وتنظيمه. وكان مصير هذه المؤسسة كشأن مصير بقية قطاعات الإدارة التمثيلية منها، أو

التنفيذية، وسيلة تأكيد لنفوذ رعوي اهتز بالتنظيمات الجديدة، ووسيلة علاقة بالإدارة الممثَّلة بالوالي أو المتصرّف

أو القائمقام أو مدير الناحية، ومصدر منفعة وإيصال منافع وحماية للأتباع والتابعين. كتب صاحبا ولاية

بيروت، بعد أن لاحظا سلوك عدد من أعضاء مجالس البلديات في قصبات الولاية ومدنها، «إننا نحن الشرقيين،

لا نزال بعيدين عن فهم المعنى الحقيقي لكلمة بلدية، إن المعنى الذي نفهمه من كلمة بلدية هي أنها دائرة رسمية

جعلت رياستها لتقوية وتحكيم مراكز الأعيان أصحاب النفوذ أو لإملاء جيوب البكوات الفقراء، لم نر في محل

من المحلات دليالً أو إمارة تثبت لنا المفهوم الحقيقي أو الرسمي لكلمة بلدية. فرئيس البلدية والموظفون معه

يعرّفون أنفسهم بأنهم موظفون، ويقومون بإنفاذ أوامر مدير الناحية أو القائمقام أو المتصرّف حرفيًا بلا اعتراض

أو توقّف (...) ولم نقدر أن نشاهد في كافة المحلات التي طفنا بها تقريبًا المعنى المقصود في البلاد الغربية من

كلمة بلدية». هذا الوصف لسلوك أعضاء المجلس البلدي يجد تفسيره في ما آلت إليه العلاقة بين الإدارة، كسلطة نافذة،

والأرض كمصدر للثروة والوجاهة. إن سلوكًا سياسيًا واجتماعيًا واحدًا يقوم على الاستتباع والحماية والخدمات

التي تجري في إطار الحي والعائلة، استمرّ في الحياة الاجتماعية-السياسية في الولايات العثمانية. هذا السلوك نفسه الذي ساد في مرحلة ما قبل التنظيمات اخترق الإدارة الجديدة في مرحلة التنظيمات. بل إن

منصب الإدارة أصبح الموقع الأساسي الذي يؤمّن الوجاهة السياسية ولكن يحقق أيضًا، وبشكل متواز، تثبيت

التملّك وتوسيعه مع إنشاء إدارة نظام الطابو (مسح الأراضي)، كما يؤمّن تحصيل المنافع وممارسة سياسة الاستتباع

والحماية تجاه سكان الحي وفلاحي القرية. لذلك كانت العائلات الكبرى في المدن الرئيسة (وبصورة خاصة في

12 محمد رفيق التميمي ومحمد بهجت، ولاية بيروت، 2 ج (بيروت: مطبعة الإقبال،.)1916

13 المصدر نفسه، ص.93

مراكز الولايات والألوية) تحرص حرصًا شديدًا على انتشار أبنائها في مختلف المجالس والإدارات الحكومية،

وحتى على إيجاد حقوق وراثية غير رسمية في بعض المناصب، ولو اقتضى الأمر استخدام الرشوة والمال. لقد ارتبط التمثيل الشعبي بالإدارة ارتباطًا نفعيًا، لا لأن الإدارة تدر ماالً بل لأنها تؤمّن سلطة إجرائية. يقدم

صاحبا كتاب ولاية بيروتوصفًا ذا دلالة على هذا السلوك لدى «الخواص» في إدارة مدينة نابلس مثالً، ويرون

الوصف منطبقًا على مدن أخرى، إذ يقولان: «إن أفراد هذه الزمرة متمسكون بأهداب وظائف صغيرة في

الحكومة لا تزيد رواتبها على بضع مئات من القروش، مع أن ثروة أحدهم تزيد على ألوف الليرات، فيندسون

في أقلام الحكومة ويلازمونها من الصباح إلى المساء (..) والسبب في ذلك أن منافع كثيرة تتحقق من خلال هذا

الموقع، فالرجل منهم ينجز أوالً أشغاله الشخصية التي تقع به بأسهل طريقة وأحسن وجه، ثم إنه يكون محالً

لمراجعة أصحاب الحاجات أكثر من مراجعتهم للمأمورين الأغراب بسبب أنه وجه معروف في البلدة. ونراه

يقبل الهدايا من جهة ولا يتحاشى من جهة أخرى عن استعمال كافة ما يمكن إجراؤه من الوسائط بواسطة نفوذ

وظيفته لسلب جميع ما بيد القروي وما يملكه. وهم من جهة ثالثة يحلّون مشاكل أخصامهم الأقرب فالأقرب،

بصورة مستعجلة وعلى أحسن طريقة». على أن هذا الوجه السلبي لحالة الاحتواء للتنظيمات لمصلحة «الأعيان»، أعيان المدن بصورة خاصة، كان له من

جهة أخرى وجه إيجابي لدى النخب الفكرية والإصلاحية على امتداد حواضر العلم الاسلامي برمّته، حيث

بدأت تبزغ وتتبلور فكرة «المواطَنة» بمعناها الحقوقي (الدستوري)، وكذلك فكرة مشاركة «الأمة» في الحكم

عن طريق الانتخاب وتقييد الحاكم، أي إن فكرًا ودستورًا بدآ البزوغ بالمعنى الحديث.

المواطَنة والأمة في بواكير الفكر الدستوري النهضوي

في مناخ التنظيمات العثمانية ومساقات نتائجها وتداعياتها في العالمين العربي والإسلامي، وفي أجواء التثاقف

لدى أوساط النخب المحلية التي دخلت في مسالك التعليم الأوروبي الحديث والاطّلاع المباشر على بعض

من منجزات الحضارة الغربية الحديثة، صدرت بواكير من الدعوات تتبنّى أفكارًا دستورية تدور حول محورين

رئيسين: محور الحكم الدستوري لإشراك مجموع أفراد الأمة في الحكم، وتقييد حكم السلطان – الفرد، ومحور

حقوق الفرد في الجماعة الوطنية، تمهيدًا لاعتماد صيغة «المواطن» في إطار من العقد الاجتماعي القائم على معادلة

الحقوق والواجبات. نلاحظ هذا في حالات كثيرة يمكن اختيار بعض منها كنماذج: - الطهطاوي كحالة تعبير عن ظاهرة تثاقف أتاحتها لحظة محمد علي باشا في تاريخ بناء الدولة في مصر، وسياسة

بعثاته إلى أوروبا. - بطرس البستاني كحالة تعبير عن حركة احتجاج على حرب أهلية طائفية في بلاد الشام، يستذكر من خلالها

بطرس البستاني الحروب الدينية الأوروبية وسبل الخروج منها على طريقة جون لوك الداعية إلى الفصل بين

السلطة الدينية والسلطة المدنية.

14 فكرة موسّعة في: كوثراني، السلطة والمجتمع، ص.96-92

15 التميمي وبهجت، ص.110-109

- رشيد رضا كحالة دعوية ونضالية مدافعة، من موقع إسلامي، عن الانقلاب الدستوري العثماني. - حسين النائيني كحالة فقهية إصلاحية شيعية في النجف واكبت الثورة الدستورية في إيران، وشاركت فيها

وبرّرتها (شرعًا.) -1 في الوطن والمواطَنة و«ابن الوطن» في هذا السياق أرجّح أن أول استخدامات عربية تفيد معنى المواطن والمواطَنة كمرادف لمفردة (Citizenship)،

جاء في كتابات رفاعة رافع الطهطاوي (1801 – 1873) وكتابات بطرس البستاني (1819 – 1883)، وقد

جاء لدى كليهما بصيغة «ابن الوطن»، و«الوطني» و«الوطنية». يقول الطهطاوي في الباب الرابع المعنون «في الوطن والتمدن والتربية» من كتاب المرشد الأمين للبنات والب ين:

«ثم إن ابن الوطن المتأصّل به، أو المنتجع إليه، الذي توطّن به واتخذه وطنًا، ينسب إليه، تارةً إلى اسمه فيُقال

وطني، ومعنى ذلك أنه يتمتع بحقوق بلده وأعظم هذه الحقوق التامة في الجمعية التأنسية. ولا يتّصف الوطني

بوصف الحرية إلا إذا كان منقادًا لقانون الوطن ومعينًا على إجرائه، فانقياده لأصول بلده يستلزم ضمنًا ضمان

وطنه له التمتع بالحقوق المدنية والتمزّي بالمزايا البلدية. بهذا المعنى هو وطني وبلدي، يعنى أنه معدود عضوًا

من أعضاء المدينة، فهو لها بمنزلة أحد أعضاء البدن، وهذه أعظم المزايا عند الأمم المتمدنة»... إلى أن يقول:

«فصفة الوطنية لا تستدعي فقط أن يطلب الإنسان حقوقه الواجبة له على الوطن، بل يجب عليه أيضًا أن يؤدي

الحقوق التي للوطن عليه، فإذا لم يوف أحد من أبناء الوطن بحقوق وطنه ضاعت حقوقه المدنية التي يستحقها

على وطنه».

وللمعلم بطرس البستاني، المعاصر للطهطاوي، مقالات نشرها في نشرته نفير سورية عام 1860 بعنوان

«وطنيات». وعلى الرغم من تأرجحه آنذاك بين التبعة العثمانية والوطنية السورية، يقول في «الوطنية الرابعة»

(نفير سورية، العدد 4، 25 تشرين الأول/أكتوبر 1860): «فسورية المشهورة ببلاد الشام وعربستان هي وطننا

على اختلاف سهولها ووعورها وسواحلها وجبالها، وسكّان سورية على اختلاف مذاهبهم وهيئاتهم وأجناسهم

وتشعباتهم هم أبناء وطننا». ويعطي هذه العلاقة بين الفرد والوطن معنى حقوقيًا، يقول: «يا أبناء الوطن، لأهل

الوطن حقوق على وطنهم، كما أن للوطن واجبات على أهله (...) ومن الحقوق التي على الوطن لبنيه الأمنية

على أفضل حقوقهم وهي دمهم وعرضهم ومالهم، ومنها الحرية في حقوقهم المدنية والأدبية والدينية، ولا سيما

حرية الضمير في أمر المذهب...».

ما دلالة التركيز على هذين النصيّن؟

أحسب أنها من قبيل التقاط لحظة التحوّل في استخدام المفردة العربية وإكسابها معنى ودلالات مستعارة من

حقل دلالي لمصطلحات التجربة الديمقراطية الوطنية الغربية التي أفادت، بفعل تعبيرها عن حقوق إنسانية

طبيعية في الفكر الدستوري الغربي، معنى الفكرة القابلة للتجريد والتعميم والعالمية، أي أن تحمل المفردة العربية

دلالات حقوقية دستورية، كما سبقت الإشارة.

إن الطهطاوي والبستاني في استخداماتهما الأولية لمصطلح «الوطن» و«الوطني» و«الوطنية» كانا يحملّان

المفردات العربية ذات المعاني التراثية القديمة دلالات جديدة معاصرة اكتشفها الوعي التاريخي المقارن للتواريخ

16 رفاعة رافع الطهطاوي، الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوي، دراسة وتحقيق محمد عمارة، 4 ج (بيروت: المؤسسة العربية

للدراسات والنشر، 1973[– 1977])، ج 2، ص.121-120

17 جان داية، المعلم بطرس البستاني، دراسة ووثائق، سلسلة فجر النهضة؛ 1 (بيروت: منشورات مجلة فكر، 1981)، ص.121-120

المختلفة والثقافات المتنوعة، ويعيدان إنتاجها في حالة استجابة لعملية التثاقف الجارية آنذاك، فاقتربا من المفهوم

الحقوقي الدستوري الذي يحدّد وضعية الفرد في جماعة تقيم على أرض تسودها دولة تُنظّم الحقوق والواجبات

لدى الفرد في صيغة «الوطني» و«ابن الوطن». -2 صلاح الأمة في الحكم الدستوري أمّا رشيد رضا وحسين النائيني، فكان كل واحد منهما، ومن مكان في العالم الإسلامي، منهمك ا، بل مسكونًا

بهاجس الفقيه المصلح الباحث عن سبل صلاح الأمة في حاكمها وطريقة حكمها. كلاهما عاش وعانى هموم

العمل من أجل إنجاح الثورة الدستورية في بلده (الدولة العثمانية بالنسبة إلى رضا وإيران بالنسبة إلى النائيني)،

فكان رشيد رضا مؤيدًا الدستوريين العثمانيين (أتراكًا وعربًا وآخرين)، وكان حسين نائيني يقف مع الدستوريين

الإيرانيين مدافعًا عن فكرة الدستور وتقييد الحاكم (المشروطة). المنطلق المشترك بينهما هو قاعدة الشورى، ولكن بعد أن حتُمّل هذه المفردة معاني الديمقراطية. والشورى هي

أيضًا «شورى الأمة»، ولكن بعد أن تحمّل المفردة الأخيرة (الأمة) أيضًا معنى الدولة/الأمة، حيث تشارك الأمة

السلطان في الحكم، وتقيّد هذا الأخير بأحكام الدستور والمشروطة. والملاحظ أن لا تشديد على فكرة المواطن

الفرد في نصوص الفقيهين الإصلاحيين، بل تشديد على حرية الأمة التي هي الأصل. أما مرجعية التفكير لدى الاثنين، فتكمن في الثنائية الحضارية التالية: مرجعية إسلامية تتوحّد أو تتآلف مع

مرجعية غربية، عبر شرط تاريخي ظرفي يسمّيه رشيد رضا «التنبيه الأوروبي» لما يساوي الديمقراطية، أي

الشورى في الإسلام، أو عبر معطى فطري إنساني يسمّيه النائيني «المبادئ الطبيعية» المنسجمة -في رأيه- مع

«القوانين الإسلامية». في سجال مع قارئ مسلم ل المنار، يكتب رشيد رضا إلى من يرى في الشورى صيغة إسلامية لا علاقة لها بالحكم

الديمقراطي الدستوري المعاين في أوروبا، فيقول: «لا تقُل أيها المسلم إن هذا الحكم أصل من أصول ديننا،

فنحن قد استفدناه من الكتاب المبين، ومن سيرة الخلفاء الراشدين لا من معاشرة الأوروبيين والوقوف على

حال الغربيين، فإنه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس لما فكرت أنت وأمثالك بأن هذا من الإسلام، ولكان أسبق

الناس إلى الدعوة إلى إقامة هذا الركن علماء الدين في أستانة وفي مصر ومراكش وهم الذين لا يزال أكثرهم يؤيد

حكومة الأفراد الاستبدادية ويعَدّ من أكبر أعوانها (...)»، ويضيف: «إنني لا أنكر أن ديننا يفيدنا ذلك (...)

ومع هذا كله أقول إننا لولا اختلاطنا بالأوروبيين لما تنبّهنا من حيث نحن أمة أو أمم إلى هذا الأمر العظيم، وإن

كان صريحًا جليًا في القرآن الحكيم». ولما انتصر الانقلاب الدستوري في تركيا عامّ 1908، عربّ رشيد رضا عن الفرحة التي عمّت العالمين العربي

والإسلامي، فكتب المقالات وألقى الخطب، داعيًا للحكم الدستوري الجديد والرابطة العثمانية القائمة على

الدستور. يقول: «في هذا اليوم – عيد الأمة العثمانية بنعمة الدستور والحرية – أحسّ العثمانيون بأنهم أمة لهم

حقوق على دولتهم، ومصالح يقوم عليها بناء وحدتهم، وعليهم فروض وواجبات يؤدونها لحكومتهم، ولهم

18 هذه الفكرة معالجة بشيء من التوسع في: وجيه كوثراني، الفقيه والسلطان جدلية الدين والسياسة في إيران الصفوية -القاجارية

والدولة العثمانية، ط 2 (بيروت: دار الطليعة،.)2001

19 رشيد رضا، «منافع الأوروبيين ومضارهم- الاستبداد،» المنار، السنة 10، العدد 4 (1907)، ص 83، ومحمد رشيد رضا، مختارات

سياسية من مجلة المنار، تقديم ودراسة وجيه كوثراني (بيروت: دار الطليعة،.)1980

قانون يساوي بينهم في معاملاتهم، وإن لهم بذلك جنسية جامعة لهم على اختلاف انتسابهم ولغاتهم وتباين

مذاهبهم ودياناتهم». في خضم هذه المعركة الدستورية التي كانت تخاض في زمن واحد في كلٍّ من تركيا وإيران، فتستقطب بدورها إلى

النقاش والجدل جميع النخب في العالمين العربي والإسلامي، ظهرت أدبيات كثيرة ومهمة في جميع حقول الكتابة،

أدبًا وشعرًا، وفي الاجتماع والسياسة كما في الفقه، وفي هذا الحقل الأخير يُقدّم كتاب حسين النائيني تنبيه الأمة

وتنزيه الملّة مساهمة أساسية في هذا السجال الدائر. يقدّم النائيني (ت 1335 ه 1936/م) دفاعًا عن مبدأ الممارسة السياسية الدستورية، من وجهة نظر إسلامية،

فيرى أن الممارسة الدستورية هي مشاركة أفراد الأمة في القرار والولاية «ومساواتهم-على حد قوله- مع شخص

السلطان في جميع نوعيات المملكة من المالية وغير المالية»، كما أنها حق للأمة في المحاسبة والمراقبة وتحديد

مسؤولية الموظفين. وهو يرى في تحرر الملل الأجنبية من الملَكية المطلقة «اتباعًا للمبادئ الطبيعية وإحاطة بالقوانين الإسلامية»، في

حين أن «سير طواغيت الأمة المسلمة القهقرى أدّى إلى الحالة الراهنة». ويبحث النائيني عن أصل الحرية المناقضة للعبودية والجور والتحكُّم في النص القرآني والسنّة النبوية، والتنبيهات

الصادرة عن الأئمة المعصومين. ويرى أن الاستبداد يقوم على شعبتين من العبودية: «معبودية السلطان، التي

هي عبارة عن انقياد الأمة لإرادته التحكميّة في باب السياسة والملكية. كذلك يكون الانقياد والخضوع لرؤساء

المذاهب والملل بعنوان أنه من الديانة معبودية محضة».... ويرى أن «الاستعباد في القسم الأول مستند إلى

القهر والغلبة، ومبني في القسم الثاني على الخدعة والتدليس». ويخلص إلى الاستنتاج أن تحالفًا وتكامالً قاما بين

الاستبداد السياسي والاستبداد الديني. يقول: «لولا ما نراه من ائتلاف هاتين الشعبتين الاستبداديتين السياسية

والدينية واتفاقهما وتقوُّم إحداهما بالأخرى، لما أصبح استعبادنا نحن الإيرانيين اليوم واضحًا مشهودًا». ويشدد النائيني في تحليله للحلف القائم بين الشعبتين الاستبداديتين، على مسؤولية العلماء، حيث تحوّل قسم منه

إلى «علماء سوء» و«أميين لا يعلمون»، وهو يشبِّه موقف المقلّدين العوام لهؤلاء بموقف اليهود من أحبارهم. ثم يعود إلى شرح حقل مساواة الأمة مع شخص الوالي أو السلطان، فيرى أنها: مساواة في الحقوق، ومساواة

في الأحكام، ومساواة في التقاص، والمجازاة. ولما كانت هذه المطالب التي رفعتها الحركة الدستورية تحرر

20 رشيد رضا، المنار، السنة 11، العدد 6 (تموز/يوليو 1908)، ص.417

21 صدر الكتاب بالفارسية عام 1327 ه 1909/م. ثم جُددت طباعته في العام 1955 مع مقدمة لآية الله السيد الطالقاني، في إثر حركة

مصدّق في إيران. وتجدر الإشارة إلى أن ترجمة عربية لبعض فصوله صدرت في مجلة العرفاناللبنانية، قام بها صالح الجعفري عام 1930،

بعنوان «الاستبدادية والديمقراطية»، وإلى هذه الترجمة عدنا في كتاباتنا في هذا الموضوع: حسين نائيني، «الاستبدادية والديمقراطية،»

العرفان (صيدا)، السنة 20، الأعداد 1، 4 و 5.)1930(

كما تجدر الإشارة إلى أن استرجاعنا نموذج النائيني (وهو إيراني) في موضوع الدستورية في الفكر الإسلامي، يعود إلى أهمية التأثير الذي

مارسه هذا الكتاب في النخب العربية الشيعية في كثير من الأقطار العربية، ولا سيمّا في أوساط المتعلمين الحداثيين في كلّ من جنوب لبنان

والنجف، وخصوصًا في هذه المدينة الأخيرة، حيث كان المجتهدون الكبار (المقلَّدون) يمارسون تأثيرًا كبيرًا في عموم المؤمنين.

22 المصدر نفسه، ص.44

23 المصدر نفسه، ص.46-45

24 المصدر نفسه، ص.172

25 المصدر نفسه، ص.175

26 المصدر نفسه، ص.174

27 المصدر نفسه، ص.176

الأمة من الجائرين من خلال مساواتهم بالحكّام، وهم سلاطين وفقهاء، «رأت الشعبة الدينية الاستبدادية – كما

يقول – أن من الواجب بمقتضى وظيفتها المقامية المتكفلة بالاحتفاظ على شجرة الاستبداد الخبيثة – باسم حفظ

الدين قديامً وحديثًا – عدم الإصغاء للخطاب الشريف، وأخذت تقاوم بكل ما في وسعها هذين الأصلين (*)

اللذين هما منبع السعادة ورأس مال الأمة والمرتب عليها حفظ حقوق الشعب ومسؤولية الولاة». وما اكتفت

أن تطلق عليهما «التحريم»، بل «اجتهدت في أن تبرزهما بأشنع الصور وأقبحها لتنفر منهما العامة وتصرف أنظار

سواد الشعب عن تتبّع هذه الطرق الصالحة». وبعد أن يشدّد على ضرورة تحديد السلطات والصلاحيات في نظام الاستيلاء والسلطنة في جميع الشرائع

والأديان، ينتقل النائيني إلى التبرير الفقهي للنظام السياسي الدستوري من خلال صيغة الشورى التي طُبقت

في عهد الرسول والخلفاء الراشدين. ويرى هنا إمكانية كبرى لاتفاق سنّي – شيعي حول هذه الصيغة؛ فتطلّب

عصمة الوالي السياسي في طائفة الإمامية يوجب في زمن الغيبة تحديد السلطنة لترك التحكمات والاستئثارات، إذ

يقول: «وعلى هذا فتحديد السلطنة الإسلامية بالدرجة الأولى التي هي عبارة عن ترك التحكمات والاستئثارات

– مع الإغماض عن أهلية المتصدي والسكوت عن لوازم مقامه من العصمة خصوصًا على مذهبنا، هو القدر

المتفق عليه بين الفريقين (...) وهو من الضروريات الإسلامية أيضًا».... واضح كيف أن هذا التوجه كان يحرّكه همٌّ حاضر آنذاك وهدف مستقبلي. فهو لا ينطلق من أوجه الاختلاف

والخلاف حول تاريخية الإمامة وأحقيتها، بل من واقع المسلمين الذي يفترض حالً لمشكلة الاستبداد في السلطنة؛

وهي المشكلة التي رافقت معظم عهود التاريخ الإسلامي حتى أمست «شجرة خبيثة» لدى «السلطنات السنّية»

ولدى «السلطنات الشيعية» على حد سواء. «وعلى هذا تكون حقيقة تبديل السلطنة الجائرة وتحويلها – كما

يقول – عبارة عن قصر الاستيلاء الجوري وتحديده والردع عن ذينك الظلم والغصب الزائدين، وليس هو كما

يُتوهم عبارة عن رفع فرد من الظلم وجعل فرد آخر أخف وأقل منه مكانة». وصيغة الشورى، كما يفهمها النائيني لا تتناقض مع دور الفقيه في مذهب الإمامية؛ فهذا الدور الذي تفرضه

«نيابة الإمام»، والذي يتمثّل في القيام ب«الوظائف الحسبية»، «مع عدم ثبوت النيابة العامة في جميع الوظائف»،

يندرج في نظام شوروي، حيث «تتحقق الشوروية المللية العمومية، لا مع البطانة وخواص شخص الوالي

فقط... بل مع عموم الأمة». ويستشهد بتفسير الآية الكريمة فيقول: «...ودلالة الآية الكريمة (وشاورهم

في الأمر) المخاطب بها نفس العصمة وعقل الكل، وقد كلف بالمشورة مع عقلاء الأمة على هذا المطلب في كمال

البداهة والظهور، حيث يعلم بالضرورة أن مرجع ضمير الجمع هو عموم الأمة، وقاطبة المهاجرين والأنصار

لا أشخاص خاصة». هذا الاجتهاد يوصل النائيني إلى اعتبار الهيئة الدستورية المتمثّلة في الجمعيات الوطنية أو البرلمانات أو المجالس

التمثيلية الصيغة الراهنة التي توصّل إليها تطور الحضارة الإنسانية وفقًا ل«المبادئ الطبيعية» و«القوانين

28 المصدر نفسه، ص.179-178

29 المنار، السنة 20، العدد 4 (1930)، ص.434

30 المصدر نفسه، ص.435

31 المصدر نفسه، ص.435-434

32 المصدر نفسه، ص.435

33 المنار، السنة 20، العدد 5 (1930)، ص 568.

الإسلامية» من دون أن يكون بين هذه المبادئ وهذه القوانين تناقض، بل إن النظام الديمقراطي الغربي أصله

في الإسلام النظام الشوروي، كما يرى. ويشدد على المقولة التي ردّدها آنذاك: «هذه بضاعتنا رُدّت إلينا». إن وجود مثل هذه الهيئة في السلطنة ضروري كي لا يتحوّل الاستيلاء إلى جور. إنها نوع من قوة ضابطة ورادعة

ومُسدِّدة، كم يقول النائيني. وهذه الهيئة تتوافق مع وجهة النظر السنّية القائلة بشروط علمية الخليفة وعدالته،

ومع وجهة نظر الإمامية القائلة بعصمة الإمام. إنها الإمكان الضروري في هذا الزمان. يقول: «في هذا الزمان

وقد أصبحنا قاصرين ليس من وجهة عدم إمكاننا أن نتمسك بالعصمة العاصمة فقط، بل حتى من وجهة

اتصاف المتصدّين للأمور بملكة التقوى والعدالة والعلم الحقيقي، وبالعكس مبتلين بالضد المقابل». إن الهيئة التمثيلية التي ينص عليها الدستور، باعتبارها ممثلة للأمة هي في رأي النائيني، «قَدرٌ مقدور من القوة

العاصمة الإلهية على أصول مذهبنا في طائفة الإمامية، وبناءً على مذهب أهل السنّة هي في مقام القوة العلمية

وملكة التقوى والعدالة». نلاحظ من خلال ما سبق أن الفقيهين رشيد رضا وحسين النائيني يستحضران، كما رأينا، منهجية فقهية واحدة

لجميع المشكلات التي عاشها العالم الإسلامي في آخر مراحل الدولة السلطانية لدى الشيعة، كما لدى السنّة؛

ففي مواجهة الاستبداد السلطاني الفردي، وقهر الأمة وإفقارها، يبرز مفهوم الشورى أصالً من أصول العمل

الإسلامي، ولكن أيضًا مرادفًا للديمقراطية التمثيلية في وعيهما وإدراكهما لحاجات الحقبة التاريخية التي يمران

بها. بل إن العمل من أجل إنجاح الحركة الدستورية، التي كان ينهض بها مثقفون ليبراليون وفقهاء وعلماء

إصلاحيون على امتداد حواضر العالم الإسلامي، هو عمل مشروع وشرعي من زاويتين متلاقيتين هما زاوية

«المبادئ الطبيعية» وزاوية «المبادئ الإسلامية»، وكما يفهمانها تصوّرًا وتدينًا وإدراكًا. إذا كنا قد ركّزنا في هذا القسم من البحث على دفاع حسين النائيني عن الحركة الدستورية في إيران في الفترة

1906 – 1911، فإنما لأن هذا الدفاع كان يملك مسوّغات ويقدمها على أكثر من صعيد؛ فهو أولا يستند إلى

تأصيل فقهي يهدف إلى «وضعنة» فكرة الدستور في الزمن التاريخي والواقع الاسلامي، وبمنهجية أصولية توفّق

بين رؤية العقيدتين، بين السنّية في مواصفاتها للخلافة العادلة، والشيعية في مواصفاتها لنسبية العصمة في حكم

زمني تضبطه «هيئة عامة» تمثّل الأمة. وما يسوِّغ التوسّع النسبي في شرح دفاع النائيني ثانيًا هو أن مقولاته أثّرت

لا في ايران فحسب بل في أوساط الشيعة العرب أيضًا، لا سيما في العراق وفي لبنان (عبر مجلة العرفان)، وفي

الثقافة الدستورية العربية عمومًا، وما يسوِّغ التوقف عند آرائه، ثالثًا، هو أن هذه الآراء تشكّل اليوم إحدى

مرجعيات نقض نظرية ولاية الفقيه العامة الخمينية، حيث تقوم الأمة مقام الفقيه، وهي الفكرة التي طوّرها

محمد مهدي شمس الدين لاحقًا في مقولة «ولاية الأمة على نفسها».

خاتمة

لا يسعنا ونحن نعرض مشاهد من هذه النهضة الدستورية عبر إشارات سريعة للتجربة العثمانية، ولجزء من

أفكار الثورة الدستورية الإيرانية، كما عربّ عنها كتاب حسين النائيني، إالّ التوقف في الخلاصة عند بعضٍ من

ملاحظات ختامية:

34 المصدر نفسه، ص.570

35 المصدر نفسه، ص.570

- إن ما أُنجز في سياق التنظيمات العثمانية في غضون القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين-بما فيها الدستور

الذي جُرّب في عام 1876 وفي عام -1908 لا بد من اعتباره في مسارالتاريخ العربي والاسلامي إنجازًا عظيامً،

بل إنجازًا تأسيسيًا لفكر دستوري حديث، ولإنشاء «دولة تنظيمات». - على الرغم من التعثّر الذي شهده تطبيق التنظيمات والدستور في المجتمعات الأهلية والمحلية، وهو تعثّر ناجم

عن الممارسة الاجتماعية السياسية للفئات والطبقات، وعن انحراف وسوء استخدام للنصوص، فإن التعبير

الفكري عن فلسفة التنظيمات وروح الدستور ومعانيه في مشروع بناء الدولة الحديثة المتوخاة، جاء راقيًا ومتقدمًا

وثريًا في مرتجاه ودعوته على طريق إرساء مفاهيم جديدة في الثقافة السياسية العربية: مفاهيم الدولة/الأمة،

المواطن، التمثيل، الاقتراع والانتخاب، فضالً عن مفاهيم الحريات المدنية وفصل السلطات والرقابة... إلخ.،

وعن بروز مدارس اجتهادية إسلامية حاولت التأصيل لمفاهيم الحداثة السياسية بكل جرأة وثقة. وكان لهذه

أيضًا تأثيراتها في إبداعات عشرينيات القرن العشرين، في مثال قراءات علي عبد الرازق للإسلام وأصول الحكم

وقراءات السنهوري لمسألة الخلافة وفي أمثلة تجليات كثيرة للثقافة الدستورية التي عمّت عشرينيات القرن

العشرين في كثير من الأقطار العربية (مصر وسورية ولبنان والعراق...). - بعد الحرب العالمية الأولى، تقلّصت الحركة الدستورية الإيرانية عبر انقلاب عسكري قاده أحد الضباط، رضا

شاه بهلوي، ضد الملك القاجاري (1923)، لتتأسس بذلك دولة «شاهنشاهية» جديدة، أي سلطانية بثوب

عسكري حديث. - عربيًا، يقع المشرق العربي في قبضة السيطرة الغربية، لتتأسس فيه دول قطْرية على قاعدة توازن المصالح بين

الدول الكبرى، وعلى قاعدة معطيات الحدود التي رسمتها بشكل رئيس مناطق النفوذ الموزعة بين تلك الدول.

ولكن على الرغم من معطى «التجزئة» الذي شهدته مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى (مرحلة عصبة الأمم

عالميًا)، فإن استمراريةً ما في الثقافة الدستورية والعمل السياسي الدستوري ظلت قائمة لدى النخب العربية

التي ورثت عن العمل الدستوري العثماني عناصر تفكير وأنماط ممارسة في العمل السياسي. وقد برز ذلك جليًا

في إنجازات ما يمكن أن نسمّيه «دساتير العشرينيات» في القرن العشرين في كلٍّ من مصر وسورية والعراق؛

جمهوريات وملَكيات دستورية انبثقت عن معطيين تاريخيين، لا يجوز تغييبهما من الذاكرة التاريخية العربية ولا

من البحث التاريخي العربي. - المعطى التحديثي العثماني الذي ساهمت به النخب العربية أو عاصرته وتفاعلت معه، بل شارك بعضها في

النضال الدستوري العثماني، أمثال خليل غانم (أحد مؤسسي تركيا الفتاة)، وسليمان البستاني، وساطع الحصري،

ورفيق العظم، ورشيد رضا وآخرين كثر... والمعطى التحديثي الغربي المباشر، الذي اختلط والتبس في صورته

وجهان: الوجه الاستعماري للغرب، والوجه التحرري الاستقلالي ضده. هذا الالتباس ظل مرافقًا لطبيعة

الاستقلالات الوطنية في كثير من الأقطار العربية، ولكنه «التباس» ظل يجد في الإنجاز الدستوري الذي رافقه

أحد أهم عناصر إيجابياته في التاريخ العربي الحديث والمعاصر، ألا وهو بناء الدولة الديمقراطية ولو في قطْر

واحد. - لماذا أُغفل هذا الإنجاز، ليستفيق على أهمية «ذكراه» مؤخرًا، زمن الثورات العربية الراهنة؟ الجواب: التاريخ لا يُكتب مرة واحدة، ذلك أن الانعطافات المصيرية في التاريخ غالبًا ما تتطلب إعادة قراءة

للتاريخ. والزمن العربي اليوم يمر بانعطاف كبير.