العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المسألة الدستورية:تاريخ وإشكاليات

المسألة الدستورية:تاريخ وإشكاليات

The Constitutional Question: The History and Challenges

سليمان تقي الدين

Suleiman Takieddine

الملخّص

ينطلق هذا البحث من المشهد العربي الراهن وما يُطْرَح فيه من مسائل وإشكاليات دستورية، وما يدور فيه من صراعات حول الدستور، لكي يعود إلى التاريخ الدستوري العربي الحديث منذ أواخر العهد العثماني إلى الآن، مستكشفًا في هذه الرحلة مدى تبلور الإصلاحات الدستورية و هيْكلة الأنظمة السياسية وتجذّر المواطنة في مختلف البلدان العربية.

Abstract

This study begins with a cursory look at the Arab scene, focusing on the ongoing constitutional debates and its controversies gripping the region today. In examining the current state of affairs in the region, the author takes the reader on a journey through modern Arab constitutional history that begins with the late Ottoman era and ends in present day. This historical narrative aims at exploring the record of constitutional reforms, the structuring of political systems, and the extent to which the notion of citizenship is rooted in the respective Arab countries. This narrative goes beyond the historical roots of Arab constitutional thought, and examines Arab political thought – based on the premise that it was the region’s political culture that fostered constitutional thought. To this end, the author explores the predominance of Islamic culture, the new issues and challenges that were introduced by globalization, the impact of nationalism in the region and the conflict with Israel.

الكلمات المفتاحية:
  • التاريخ الدستوري
  • العهد العثماني
  • الإصلاحات
  • الأنظمة السياسية .
Keywords:
  • Arab Constitutional Thought
  • Citizenship
  • Islamic Culture

ينطلق هذا البحث من المشهد العربي الراهن وما يُطْرَح فيه من مسائل وإشكاليات دستورية،

وما يدور فيه من صراعات حول الدستور، لكي يعود إلى التاريخ الدستوري العربي الحديث

منذ أواخر العهد العثماني إلى الآن، مستكشفًا في هذه الرحلة مدى تبلور الإصلاحات الدستورية

وهيْكلة الأنظمة السياسية وتجذّر المواطنة في مختلف البلدان العربية. لا تكتفي العودة المذكورة بتلمّس الجذور التاريخية للفكر الدستوري العربي، بل ترجع أيضًا

إلى الفكر السياسي العربي بوصفه الثقافة السياسية التي نشأت في كنفها الفكرة الدستورية

وتطوّرت. هكذا، يناقش البحث هيمنة الثقافة الإسلامية، وما أدخلته الثقافة العالمية عليها من

موضوعات وتحدّيات، وتأثير القومية والمواجهة مع إسرائيل، وذلك قبل أن يلتفت من جديد إلى

المنازعات الدستورية الحالية التي يرى أنها تدور، في النهاية، حول بلورة صيغة للنظام السياسي

المقبل تلغي مفاعيل الاستبداد، وحول طبيعة هذا النظام من حيث توزيع السلطات والفصل

بينها وعلاقاتها، وحول تكريس الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بتضمينها في مواد الدستور،

وحول تأكيد الحريات العامة والفردية، والقانون الوضعي للأحوال الشخصية، ليركّز، من ثمّ،

على اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا للتشريع وما يطرحه ذلك من إشكاليات تتّصل بالمرجعية

وميادين التطبيق ومشكلات التعامل مع الجماعات غير الإسلامية.

طرحت الثورات العربية (2011) على النخب والحركات السياسية مهمّة أساسية تتمثّل في بلورة

الإصلاحات الدستورية وإعادة هيكلة الأنظمة السياسية. وكان من البديهي أن يواجه التغيير أنظمة

الاستبداد وركائزها في القوانين الدستورية من أجل بناء الدولة على القواعد والمبادئ الديمقراطية. لكن هذه المهمّة مرتبطة بالثقافة السياسية عامة، وبتوازنات القوى بين التيارات الفكرية والسياسية الفاعلة

في مكوّنات حركات التغيير. ومن الواضح أن الإسلام السياسي يحتل موقعًا متقدّمًا في البلدان التي شهدت

الثورات وفرضت برنامجًا للتغيير السياسي والدستوري (تونس- مصر- ليبيا – اليمن – سورية..). وخلال

هذه العملية السياسية والدستورية، ثار جدل واسع حول القواعد الناظمة لمؤسسات الدولة في تونس ومصر

تحديدًا (وهو لم يتوقف بعدُ)، وتناول بصورة أساسية: هوية الدولة؛ طبيعة المؤسسات السياسية؛ العلاقة بين

السلطات (التشريعية، التنفيذية، القضائية)؛ الأنظمة الانتخابية؛ مبادئ الحريات العامة والخاصة، وعلاقة

الدِّين بالدولة أو موقع التشريعية الإسلامية في السلطات العامة.

تحت هذه العناوين ظهرت في جدول الأعمال مسائل مستجدة عن علاقة الدولة بمكوّناتها الاجتماعية من

أكثريات وأقليات دينية، وعلاقة المذاهب بعضها ببعض داخل الدِّين الواحد، والعلاقة بين التيارات الفكرية

في الإسلام السياسي نفسه (الإخوان المسلمون، السَّلفيون، الصوفيون، الليبراليون)، والعلاقات بين التيارات

المدنية أو العلمانية (اليسارية والقومية والليبرالية).

لكن هذه القضايا الكبرى لم تحجب في الواقع العملي مسألة المواطَنة في تحديدها حقوق الناس وواجباتهم والقائمة

التفصيلية لحقوق الإنسان، والحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. إالّ أن النقاش في هذه الملفات اتخذ

شكل المنازعات السياسية بشأن الاحتفاظ بحرّية النشاطات الاقتصادية السائدة في تونس ومصر (المرافق السياحية

وشرب الخمر) أو بشأن التراث الفني وحدود حرية الإبداع والإعلام والإعلان (السينما ومهرجانات الغناء)، بينما

لم يحصل نقاش جدِّي يطاول الأنظمة الاقتصادية، ولا حتى أنظمة الخدمات الاجتماعية ودور الدولة في الرعاية.

يترتب على هذه الإشكالات أن تعالج دراستنا الجذور التاريخية للفكر الدستوري العربي، وتتناول المسألة

الدستورية في أفكار النهضة العربية، ومصير تلك الأفكار بعد الثورة العربية (1916) وتحت الانتدابين الفرنسي

والإنكليزي، والكيانات السياسية التي نشأت آنذاك، ثم كيف تبلورت هذه الثقافة الدستورية وتجسّدت مع

صعود الحركات القومية، ولاسيما في مصر وسورية والعراق والجزائر واليمن، وكيف انتهت تلك التجارب إلى

إعادة إنتاج الأنظمة الاستبدادية التي تواجهها الثورات العربية اليوم. في هذا السياق لا بد لهذه الدراسة من أن تتناول الفكر السياسي العربي في بُعده التاريخي وهيمنة الثقافة الإسلامية

عليه، وأن ترصد ما أدخلته الثقافة العالمية من موضوعات وما طرحته من تحدّيات، ولاسيما تحدّيات الغرب

والفكر الغربي. ولا بد كذلك من تحديد المفاهيم والمصطلحات التي ينتظم فيها الفكر الدستوري الحديث،

وخاصة في مفهوم الدولة والسلطة والنظام الديمقراطي.

الخلفية التاريخية للمسألة الدستورية

طرحت المسألة الدستورية نفسها على الفكر السياسي العربي في أواسط القرن التاسع عشر، وتزامنت مع ظروف

تاريخية تمثّلت في تصدّع النظام العثماني وتراجع شرعيته ووقوعه أسير تناقضات وتحدّيات داخلية وخارجية. قام النظام الإمبراطوري العثماني على تنظيم عسكري أوتوقراطي أنشأ مؤسسة مركزية في الشكل ولامركزية في

المناطق والولايات الواسعة في آسيا وأوروبا وأفريقيا، وانطوى على إقرار بالمكوّنات الاجتماعية القومية والدينية

وبيئاتها الجغرافية ومعطياتها الاقتصادية. كانت الإدارة المركزية المؤلَّفة من ولاة عثمانيين ذوي صفة عسكرية تمارس نظام التلزيم في الظاهر لجباية

الضرائب والتوسّط في عملية التجنيد العسكري، وتحوّلت تدريجيًا إلى شكل من «المقاطعجية» للنخب

السياسية والإدارية والاجتماعية.

1 المقاطعجية اشتقاق يُقصد به أصحاب السلطة في المقاطعات الذين يتمتعون ببعض صلاحيات الإقطاع من النموذج الأوروبي، من دون

أن يكونوا متمتعين بالسلطة نفسها التي كان الإقطاع في أوروبا يتمتع بها. وكان هؤلاء يلتزمون جباية الضرائب فاُطلق عليهم اسم الملتزمين.

كان الولاة يتصرّفون بطريقة المزايدة للحصول على أفضل الشروط لجباية الأموال، وكان الملتزمون يتنافسون في

تأدية هذه المهمة، فنشأت مؤسسة فعلية كبيرة الأهمية هي طبقة الملتزمين التي تحوّلت إلى سلطة فعلية ما لبثت أن

بلورت كيانات وهويات للجماعات التي تتوىلّ إدارتها. وكان النظام الاجتماعي العثماني يدور على نفسه في واقع متخلف اقتصاديًا وثقافيًا، بينما كانت مميّزات هذا النظام

العسكرية تتراجع، كما كان النظام نفسه يفقد دوره وموقعه بوصفه جسر التجارة بين الغرب والشرق في البحر

المتوسط بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح في أواسط القرن التاسع عشر. لكن القرن التاسع عشر شهد تحولّات دولية كبرى تمثّلت في أفكار الثورة الفرنسية والغزو الفرنسي (حملة

نابوليون)، ويقظة القوميات وانكسار الهيبة العسكرية للدولة العثمانية أمام روسيا وفرنسا وبريطانيا، ثم توقيع

المعاهدات مع الغرب وتقديم الامتيازات له على رعايا السلطنة، ونشوء حركات انفصالية في الجزيرة العربية

(الحركة الوهابية 1740) والبلقان ومصر (محمد علي). في الواقع استشعر العثمانيون أنفسهم الحاجة إلى الإصلاح، فقضى السلطان محمود الثاني (1808 – 1839) على

الفرق العسكرية «الإنكشارية». وفي عام 1864، أصدر السلطان عبد العزيز قانون الولايات الذي أعاد تنظيم

الدولة. وفي عام 1876 توىلّ السلطان عبد الحميد الثاني العرش وأعلن «المشروطية» (الدستور) الذي يحدّ من

السلطات المطلقة للسلطان، لكن ما لبث أن علّق العمل به عام 1878 وأوقف «مجلس المبعوثان» (البرلمان)،

الذي تمثّل فيه العرب ب 16 نائبًا فقط من مجموع 118 نائبًا، رغم اتساع الولايات العربية وضخامة عدد سكانها.

خلال هذه المرحلة المعروفة ب«التنظيمات»، نشأ مناخ جديد في الإمبراطورية، وقام إصلاحيون عثمانيون بقيادة

هذا التطوّر.

في الواقع، فرضت التطوّرات الاجتماعية، عبر اختراق العلاقات الرأسمالية والمصالح الغربية وانتشارها، تعديالً

مه على الأنظمة القانونية، وأخذت تلك الإصلاحات عنوانًا أساسيًا هو «الحرية» وإزالة القيود السابقة عن

ممارسة الجماعات من غير المسلمين لحقوقها المدنية. حتى منتصف القرن التاسع عشر كان العرب يقبلون

ويدافعون عن الهوية العثمانية السياسية للدولة، وكانت بذور الفكر العربية تتركز على «البعث» الأدبي لحضارة

العرب، فظهرت الجمعيات العربية في صيغة جمعيات أدبية. وفي أواخر القرن التاسع عشر بدأت تظهر الفكرة

القومية العربية بوصفها هوية سياسية مستقلة، لاسيما مع عبد الرحمن الكواكبي (1849 – 1903) في كتابيه

طبائع الاستبداد وأم القرى اللذين دعا فيهما إلى أن يتوىلّ العرب إدارة بلادهم بأنفسهم، واسترداد الخلافة من

العثمانيين. أمّا نجيب عازوري، فقد أصدر في عام 1905 كتابًا سياسيًا بعنوان يقظة الأمّة العربية، وأنشأ جمعية

في باريس باسم «جامعة الوطن العربي». قاد مدحت باشا، وكان من الشخصيات المستنيرة، الحركة الدستورية العثمانية. ووصفت الحكومة العثمانية في

مذكّرتها إلى الدول الأوروبية ذلك بأنه «حدث تاريخي»، يفتح عهد «الحرية والعدل والمساواة». ويعلّق د. إدمون

رباط على ذلك بالقول: كان بمثابة الانقلاب الفكري في تاريخ الإسلام وتطوّر قانونه العام، لأنه الدستور

الأول من نوعه، غربي في مصدره وأحكامه ومؤسساته، مع العلم بأنَّ رباط يشير إلى سابقة إقرار باي تونس

محمد صادق دستورًا عصريًا في عام 1861.

2 سليمان موسى، الحركة العربية: مسيرة المرحلة الأولى للنهظة العربية الحديثة، -1908 1924 (بيروت: دار النهار،.)1970

3 جورج أنطونيوس، يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية، قدم له نبيه أمين فارس؛ ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس،

ط 4 (بيروت: دار العلم للملايين، 1974)، الفصل.6

4 إدمون رباط، الوسيط في القانون الدستوري اللبناني (بيروت: دار العلم للملايين، 1970)، ص.47

غير أنَّ الحياة الدستورية أصيبت بنكسة خطِرة عندما أعلنت روسيا الحرب على تركيا، ووصلت القوات

الروسية إلى المضائق وهددت باحتلال الأستانة. لكن بريطانيا وقفت ضد روسيا ودعت الدول الأوروبية إلى

مؤتمر برلين (1878). وبدأت السياسات الأوروبية التدخل المباشر في الدولة العثمانية، وتفاقمت الأوضاع

فأدّت إلى ردة فعل عثمانية تمثّلت في تعليق الدستور، وسيادة عهد الطغيان، وتصاعد الشوفينية التركية. لكن

الحركة الإصلاحية برزت من خلال حزب الاتحاد والترقي (تركيا الفتاة) بقيادة مجموعة من الضباط الذين

انقلبوا على عبد الحميد وأعادوا العمل بالدستور (1908). وشكّل ذلك العهد نقطة الانطلاق لتفكّك الدولة

العثمانية من جهة، ولصعود الحركة القومية العربية من جهة أخرى. وإزاء سياسة التتريك التي انتهجها الشبان

الترك، الذين اعتقدوا أن الرابطة المثلى لتطوّرهم هي العنصر التركي، ظهرت ردة فعل العرب بتشكيل «جمعية

العربية الفتاة» في مقابل «جمعية تركيا الفتاة»، لكي تنهض بواجب الدفاع عن حقوق العرب ورفع مستواهم،

ومن ثم جمعية «العهد»، وهي من العسكريين العرب. وعلى صعيد الدستور العثماني 1876، فقد تضمّن الدستور المبادئ التالية: - السلطنة السنّية هي بمنزلة الخلافة الإسلامية الكبرى. - السلطان هو حامي الدِّين الإسلامي. - السلطان مقدَّس وغير مسؤول. - دين الدولة العثمانية هو الدِّين الإسلامي. - سلالة بني عثمان وحقوقهم ثابتة. - السلطان هو صاحب جميع الصلاحيات التنفيذية. - التبعة العثمانية شاملة جميع السكان والأديان والمذاهب. - ضمان الحرية الشخصية، وحرية الملْكية، والحرية الدينية، وحرية الطبع والتعليم تحت إشراف الدولة، وإلغاء

السخرة والمصادرة. - مساواة العثمانيين أمام القانون. - المجلس العمومي النيابي يُنتخب من أعضاء الولاية بنسبة شخص واحد عن كل خمسين ألف ذكر، ويتألف

من هيئتي الأعيان والمبعوثين. وقد نيطت به سلطات تشريعية محدودة. عمليًا انطوى الدستور على تقييد جزئي لسلطة السلطان، مع تأكيد الحكم الوراثي والصفة العثمانية والهوية

الإسلامية للدولة. لكنه أعلن المساواة بين العثمانيين، وألغى أشكال التمييز المدنية السابقة والقيود الإقطاعية،

وأنشأ هيئة منتخَبة تراقب بعض أعمال السلطة التنفيذية، لاسيما في الموازنة والتنظيم الإداري. وفي مقابل الحركة

الدستورية العثمانية، نشأت حركة دستورية عربية دشّنها بشكل واضح حزب اللامركزية الإدارية العثماني،

الذي أُسِّس في القاهرة (1912) من رجالات سورية. وقد ترأس هذا الحزبَ رفيق العظم، وتوىلّ نيابة الرئاسة

اسكندر عمون، وكان حقي العظم سكرتيره العام ومحب الدِّين الخطيب مساعد السكرتير العام، وشارك في

5 المصدر نفسه، ص 46 و.55

6 موسى، الحركة العربية، ص 32 –.33

7 محمد عزّة دروزة، نشأة الحركة العربية الحديثة: انبعاثها ومظاهرها وسيرها في زمن الدولة العثمانية إلى أوائل الحرب العالمية الأولى:

تاريخ ومذكرات وذكريات وتعليقات، ط 2 (بيروت؛ صيدا: المكتبة العصرية، 1971)، ص 216 وما يليها.

الجندي ونعمان بوشعر.

عنهم القوة والعمل إلى كل ناحية من أنحاء المملكة. وتضمّن البيان المبادئ التالية:

- إن الدولة العثمانية دولة دستورية نيابية. - تُبنى إدارتها على اللامركزية الإدارية. - السلطان هو الذي يعنيّ الوالي وقاضي القضاة. - يكون في كل ولاية مجلس عمومي ومجلس إدارة ومجلس معارف ومجلس أوقاف. - يكون للمجلس العمومي حق المراقبة على حكومة الولاية. - للدولة لغتان رسميتان: التركية والمحلية. - تعميم التعليم. - يؤدي العثمانيون خدمتهم العسكرية في ولاياتهم. - يراعى في تغيير الإدارة رضاء أهل كل بلد. - انتخابات حرة....

والتعليم ونظام جباية الأموال وإدارتها والحريات العامة.

الخلفية الفكرية

القومية العربية الاستقلالية عن العثمانيين.

8 المصدر نفسه، ص.360

9 المصدر نفسه، ص.264-263 11 أنطونيوس، يقظة العرب.

هيئته الإدارية كلٌّ من الشيخ رشيد رضا والدكتور شبلي الشميل وداود بركات وسامي الجريديني وعزت أعلن الحزب في بيانه الأول أن أفضل أشكال الحكم هو الحكم الدستوري، وأفضل أشكال الحكم الدستوري

هو الحكم اللامركزي، خصوصًا في الممالك التي تعدّدت فيها الفوارق والمذاهب واللغات، واختلفت العادات

والتقاليد والأخلاق. كما أعلن أن اللامركزية أفضل مربٍّ لأفراد الأمّة على الاستقلال الذاتي الذي هو خير

وسيلة لترقّي الأمم لأنها، أي اللامركزية، تأبى بطبيعتها أن تكون تبعة الحكم مقصورة على أفراد قليلين تصدر

وكان من الواضح أنّ الهاجس العربي هو هاجس المشاركة السياسية، وشكلها الأساس هو اللامركزية، وحفظ

حقوق الشعوب والجماعات الدينية والقومية، وإلغاء جميع أشكال اللامساواة في القوانين، وتحديث الإدارة

يعرض كتاب ألبرت حوراني الفكر العربي في عصر النهضة لمسألة النهضة انطلاقًا ممّا يسميه «الانطباع الأول عن

أوروبا»، ويصنّف الفكر العربي الحديث في حقبة «الجيل الأول»، أي رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي

وبطرس البستاني وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. ويعطف على فكرة الإسلام والمدنية الحديثة وفكرة القومية

المصرية، ويتناول فكر الإمام رشيد رضا إلى أن يتحدث عن الحقبة الثانية وما يسمّيه جيل العلمانية وفكرة القومية

العربية. أمّا كتاب يقظة العربلجورج أنطونيوس، فهو يتعاطى مع التطوّر التاريخي لحركة العرب القومية

أكثر ممّا يتناول المدارس والاتجاهات الفكرية، باعتبار أن النهضة العربية هي المقدّمة التي بلورت فكرة

10 ألبرت حبيب حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، 1939-1798، ترجمة كريم عزقول (بيروت: دار النهار،.)1968

أمّا منير مشابك موسى، صاحب كتاب الفكر العربي في العصر الحديث، فيقوم بتصنيف مفكّري النهضة

بين ليبراليين ومدافعين عن الرابطة العثمانية، ورجعيين وإصلاحيين مدافعين عن الخلافة العربية والرابطة

الإسلامية، ودعاة الأمّة العربية الواحدة، والإصلاحيين الداعين إلى اللامركزية العثمانية. وفي اتجاه آخر

يُعنى المؤرخ الروسي ز. ا. ليفين، في كتابه الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث، بتصنيف من نوع آخر يتناول

فيه المتنوّرين العرب (النهضويين) والمظهر الفكري للحركات الشعبية والاتجاهات الأساسية للفكر السياسي

والفلسفي والاجتماعي، وهو أكثر تفصيالً لأفكار روّاد النهضة تجاه المسألة القومية والإصلاح السياسي والفكر

السياسي والمفاهيم المرتبطة بذلك، وفلسفاتهم في قضايا التطور الطبيعي والمرأة والتفاوت الاجتماعي. في واقع الأمر، لقد تجزّأ فكر النهضة من زاوية الموضوعات والاهتمامات، فضلا عن المقاربات. ويصعب إيجاد

تصنيف شامل له على أساس المدارس الفكرية أو المراحل التاريخية أو البيئات الجغرافية أو الدينية والمذهبية.

هناك من قاموا بالتركيز على النهضة الأدبية والإحياء اللغوي، وهم بصورة خاصة أدباء مسيحيون لبنانيون،

وهناك من اشتغلوا على الإصلاح الديني، وفي مقدمهم جمال الدين الأفغاني، وهناك من اشتغلوا على التوفيق

بين الثقافة الإسلامية وثقافة الغرب الحديث في مسائل المؤسسات السياسية والدستورية وحقوق الإنسان

والحرية والعدل والمساواة، وهناك من اشتغلوا على مسألة العلوم الحديثة الطبيعية والاجتماعية، وآخرون ركزوا

في معظمهم على مسألة الهوية القومية، وخصوصًا في مصر، والقليل ممّن اشتغلوا على الفكر الدستوري، وغالبًا

ما ألحقوه بالفكر السياسي. لن نتناول هذه الموضوعات كلها، بل سنقصر البحث على الفكر السياسي العربي بوصفه الثقافة السياسية التي

نشأت في كنفها الفكرة الدستورية. جيُمع مؤرخو عصر النهضة أو الفكر العربي الحديث على الأهمية الاستثنائية

لصدمة التلاقي مع المجتمع الأوروبي الغربي من زاويتين، التحدّي الغربي الذي كشف ضعف الدولة العثمانية

ونواحي التخلّف فيها، وبالتالي صدمة القوة الغربية في مقابل الضعف الاسلامي، وجاذبية النموذج الغربي

ومصادر قوته وتقدّمه في مختلف مناحي الحياة التي اطّلع عليها المثقفون العرب عبر الرحلات والإرساليات

التي ذهبت للتعلم في الغرب، بما في ذلك العلوم العسكرية والإدارية، أو التي وصلت إليهم بواسطة الترجمات

والطباعة وأشكال التبشير والتعليم المختلفة. كتبت د. نازك سابا يارد في مؤلَّفها المهم الرحّالون العرب وحضارة

الغرب: «إن اتصال المثقفين العرب بالحضارة الغربية ظلَّ محدودًا ضئيالً حتى أواخر القرن الثالث عشر. ثم

قوي إثر حملة نابوليون على مصر عام 1798 وبعثات محمد علي (ولاية 1805 – 1848)، فانتشار الإرساليات

التي أنشأها الغربيون في الولايات العثمانية، لاسيمّا في سورية ولبنان وفلسطين. فاحتك العرب بالغربيين الذين

أقاموا في بلادهم، وبالثقافة الغربية التي حملت إليهم الكتب والصحف الأجنبية التي قرأوها في لغاتها الأصلية

أو مترجمة». وفي هذا الإطار يقول ألبرت حوراني إن رفاعة الطهطاوي لم تكن فكرته عن الدولة، بالرغم ممّا شاهد في باريس،

فكرة ليبراليي القرن التاسع عشر، بل كانت الفكرة الإسلامية المأثورة؛ فللحاكم السلطة التنفيذية المطلقة، إالّ

أن ممارسته إياها يجب أن يحدَّ منها احترامه للشريعة ولحراستها. أمّا الفكرة القائلة إن الحكم يجب أن يكون في

12 منير مشابك موسى، الفكر العربي في العصر الحديث (سوريا من القرن الثامن عشر حتى العام 1918)، ط 2 (بيروت: دار الحقيقة، 13 زلمان ازاكوفيتش ليفين، الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث (في لبنان- سوريا - مصر)، ترجمه عن الروسية بشير السباعي (بيروت:

دار ابن خلدون،.)1978

14 نازك سابا يارد، الرحالون العرب وحضارة الغرب في النهضة العربية الحديثة (بيروت: مؤسسة نوفل، 1979)، ص.10-9

يُظهر أسباب قوة المجتمعات وتمدنّها، وبنوع خاص دور الدولة في المجتمع.

بسيادة الشريعة.

الاتجاه إلى تسويغ نظرية «المستبد العادل».

وقد عدّد باختصار أشكال الحكومات المستبدة كما يلي: - حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي توىلّ الحكم بالغلبة أو الوراثة. - حكومة الحاكم الفرد المقيد الوارث، أو المنتخَب حتى كان غير محاسب. - حكومة الجمع ولو منتخَبًا (الأوليغارشية)...

واقترح الكواكبي على العقلاء: - الإصلاح الديني. - العمل التنويري التربوي. - تنفيذ إصلاحات اجتماعية شاملة.

15 حوراني، ص.96

16 المصدر نفسه، ص.114

17 المصدر نفسه، ص.142

18 المصدر نفسه، ص.144

19 المصدر نفسه، ص.147

20 المصدر نفسه، ص 178 و.191-190

21 موسى، الفكر العربي في العصر الحديث، ص.156

22 ليفين، الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث.

يد «الشعب»، فلم تكن، بحكم قراءته واختباراته في باريس، غائبة عن ذهنه. غير أن الفكرة كانت، في نظره، لا

تتلاءم مع مشكلات العصر، إذ كانت بلاده تحت حكم أتوقراطي مسلم. أمّا خير الدين التونسي، صاحب

مؤلَّف: أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك (تونس، 1867)، فقد انصرف إلى إقناع العدد الغفير من المسلمين

الذين غذّى في أذهانهم النفور من كل ما يصدر عن غير المسلمين من أعمال ومؤسسات، بضرورة انفتاحهم على

ما هو صالح ومنسجم مع الدِّين الإسلامي، من عادات أتباع الديانات الأخرى، وقد أراد خير الدين أن أمّا جمال الدين الأفغاني، فقد وقف حياته على قضية أساسية تتعلق بإقناع المسلمين بأن عليهم أن يفهموا دينهم

الفهم الصحيح، وأن يعيشوا وفقًا لتعاليمه. وقد اعتبر أن ضعف الدولة الإسلامية راجع إلى الجهل. ولم

يكن الأفغاني دستوريًا على أساس مبدئي، بل كان مثَله الأعلى العقائديين المسلمين: حكم ملك عادل يعترف هذا في حين أن المدرسة التي تابعها أنصار الأفغاني وتلامذته، وتمثّلت في محمد عبده ورشيد رضا وشكيب

أرسلان، هي مدرسة توفيقية بين الإسلام والفكر الحديث. وقد ركّز هؤلاء على إصلاح نظام التربية الدينية،

وناهضوا «الدهريين» (العلمانيين)، وطالبوا بإصلاح الأمّة الإسلامية من الداخل للنهوض بها من الانحطاط،

وذلك عبر قبول المؤسسات الأوروبية وتبنّيها. وقد حاولوا تأويلها مع مبادئ الشرع الإسلامي، فذهب هذا لا شك أن عبد الرحمن الكواكبي (1849 – 1903) هو أحد أبرز رجالات النهضة العربية، والمفكر الأكثر

جذرية في تناول المسألة السياسية العربية من زاوية وطأة الاستبداد. وقد دعا في كتابه طبائع الاستبداد إلى قيام

المجتمع على مبادئ العقلانية والعدالة الواعية والمساواة، ووجوب إخضاع الحكومة للرقابة الشعبية أكان في

الملَكية أم في الجمهورية. وهو يستعيد من تاريخ الإسلام نموذج نظام الخلافة في عهد الخلفاء الراشدين.

لكن فكر الكواكبي السياسي لا يكتمل من دون عرض فكرة كتابه الثاني أم القرى، الذي تصوّر فيها اجتماعًا

لنخبة المسلمين يعالجون فيه قضايا تتعلّق بالإصلاح الديني والثقافة الاجتماعية والسياسية، وهو يضع مبادئ

أساسية يعدّدها مطوَاّلً وتفصيالً لهذا الإصلاح المنشود. وكانت هذه المبادئ نقدًا لاذعًا وعميقًا للمفاسد التي

كانت تعانيها المجتمعات الإسلامية في ذلك الوقت. وفي طليعة هذه المفاسد: - السياسة المطلقة من السيطرة والمسؤولية. - تفرّق الأمّة عصبيات وأحزابًا.

- حرمان الأمة من حرية القول والعمل والعدل. - إبعاد الأمراء عن مراكز القرار، والتنكيل بالسراة وجهاء القوم وخاصتهم والعلماء.. - المفاسد المالية والسلطوية والاستبداد السياسي والإداري.

إشكالية الفكر العربي التاريخية ومرجعيته الإسلامية

يقول د. محمد عمارة في مقدمة كتابه الإسلام وفلسفة الحكم إن أصول الحكم وفلسفته، ونظرية الإمامة، كانت

ولا تزال، أخطر قضايا الفكر الإسلامي. فقد انشغل المسلمون بعد وفاة النبي بمسألة من يخلفه، وكيف

يكون اختيار الخليفة استنادًا إلى الآية القرآنية، حيث يخاطب الله نبيّه داود فيقول: ﴿ يا داود إنّا جعلناك خليفة

في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتّبع الهوى فيضلّك عن سبيل الله ﴾، وفي أخرى ﴿ وعد الله الذين

آمنوا... ليستخلفنّهم في الأرض ﴾. وقد ظهر هذا المصطلح، «الخلافة»، كنظام للحكم مع الخليفة الراشد الأول أبي بكر، الذي دعا الناس إلى التوجّه

إليه بصفته «خليفة رسول الله»، إذ كان المجتمع الإسلامي بحاجة إلى حاكم حاجة كل اجتماع بشري. أمّا

الأمويون، فقد سمحوا باستخدام مصطلح «خليفة الله». في عهد عمر ساد لقب «أمير المؤمنين»، بينما الإمام هو في المصطلح اللغوي المقدَّم في أي شيء والمقتدى به، وقد

ورد في القرآن في مقام المسؤوليات الدينية لا السياسية. ثم تحوّل مصطلح الإمامة إلى مفهوم سياسي. ويقول

الشهرستاني في الملل والنحل: «وأعظم خلاف بين الأمّة خلافُ الإمامة، إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة

دينية مثلما سُل على الإمامة». أمّا مصطلح الملك، فقد ظل بعيدًا عن الفكر النظري لمختلف الفِرَق الإسلامية التي بحثت في الإمامة، لأن

القرآن قال: ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة ﴾. إلى جانب مسألة ما إذا كانت

الرئاسة خلافة أو إمامة، ألزم الإسلام إدارة مجتمع المسلمين بالشورى، وانقسم الرأي في كيفية حصولها، ثم

23 موسى، الفكر العربي في العصر الحديث، ص 174 –.179

24 محمد عمارة، الإسلام وفلسفة الحكم، ط 2 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979)، ص.11

25 القرآن الكريم، «سورة ص،» الآية.26

26 المصدر نفسه، «سورة النور،» الآية.55

27 عمارة، الإسلام وفلسفة الحكم، ص.29

28 صبحي الصالح، النظم الإسلامية، ط 2 (بيروت: دار العلم للملايين، 1968)، ص.186

29 القرآن الكريم، «سورة النمل،» الآية 34. انظر: عمارة، الإسلام وفلسفة الحكم، ص.41

30 عمارة، المصدر نفسه، ص.57

صارت الإمامة محل انقسام بين الفِرَق، وصارت في ما بعد منسوبة إلى الفرقة الشيعية من حيث وجوبها بالعقل

وبالسمع أو عدم وجوبها، وما شروط الإمامة، ومن حيث وجوب طاعة الإمام وعصمته. وقام الإسلام على فكريتَ «الجماعة» و«الأمّة» الأساسيتين اللتين عنتا جماعة المسلمين والأمّة الإسلامية. ومُيّز

بين «دار الإسلام» و«دار الحرب»، ذلك بأن التفكير السياسي الإسلامي يخلو من ذكر فعلي لحقوق الإنسان

أو مفهوم الحرية.. فالإنسان هو عضو في جماعة المؤمنين و«عبد الله». وظلّ الفكر السياسي الإسلامي يدور

حول هذه المفاهيم والمؤسسات، فرأى الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية أن الخلافة مؤسسة ضرورية بالعقل

وبالشرع، وافتتح كتابه بالقول: «إن الله جلت قدرته ندب للأمّة زعيامً خلق به النبوة، وحاط به الملّة، وفوض

إليه السياسة، ليصدر التدبير عن دين مشروع». وقال أيضأ: الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدِّين

وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع. أراد المصلحون الإسلاميون في القرن التاسع عشر (الأفغاني، عبده، رضا) الإصلاح من ضمن المؤسسات

القائمة، واعتبروا التربية وفهم الإسلام الصحيح هما الأصول لإنقاذ الدولة من عجزها. أمّا رفاعة الطهطاوي

وخير الدين التونسي اللذان كانا مبهورين بإنجازات الغرب وقوّته، فكانا يسعيان إلى ضم تكنيك الغرب

إلى الثقافة الإسلامية التقليدية من دون أن يتعمّقوا في دراسة الفرضيات الأساسية في الثقافة الإسلامية،

وما إذا كانت تصلح لمهمّة من هذا النوع. وقام الإصلاحيون بمسعى توفيقي، معتبرين أن إصلاحات

الغرب ليست غريبة عن الثقافة الإسلامية، بل هم أرادوا «تقييد ولاتهم بقوانين الشريعة المتعلّقة بالأمور

الدينية والدنيوية». وقد تمسّك الإسلاميون إلى وقتنا الحاضر ب«أن الروح الاجتماعي يهيمن على تعاليم الإسلام في كل شأن

من شؤون الحياة والأحياء، وأنه دين ودولة، وعقيدة ونظام، وأنه لم يترك لالنظم الزمنية مجال الانفراد في

تقرير الأصول ووضع التشريعات»، وهُم بذلك لم يفصلوا سلطة الدولة ومؤسساتها عن أحكام الشريعة

الإسلامية ومفاهيمها السياسية. وحتى مونتغمري وات قال إن الرغبة في وضع دستور إسلامي هي في جزء منها امتثال للفكرة الأوروبية؛ فكرة

الحكومة الدستورية. لكن الصعوبات هائلة في صوغ دستور إسلامي في الدولة العصرية؛ إذ إن التراث السياسي

الإسلامي غامض أو بعيد في نقاط عدة عن الوضوح. وقال علي عبد الرازق، إذا كان رسول الله (ﷺ) قد أسس دولة سياسية أو شرع في تأسيسها، فلماذا خلت دولته

إذن من كثير من أركان الدولة ودعائم الحكم؟ ولماذا لم يعرف نظامًا في تعيين القضاة والولاة؟ ولماذا لم يتحدث

إلى رعيته في نظام الملك وفي قواعد الشورى؟.

31 المصدر نفسه، ص.336

32 وليم مونتغمري وات، الفكر السياسي الإسلامي «المفاهيم الأساسية»، ترجمة صبحي حديدي (بيروت: دار الحداثة، 1981)،

ص.131

33 أبو الحسن علي بن محمد الماوردي: الأحكام السلطانية، مراجعة محمد فهمي السرحان (القاهرة: المكتبة التوفيقية، [د. ت.])، ص 3

و 5، وقوا ين الوزارة وسياسة الملك، تحقيق ودراسة رضوان السيد (بيروت: دار الطليعة، 1979)، ص.8

34 خير الدين التونسي، مقدمة كتاب أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تحقيق ودراسة معن زيادة (بيروت: دار الطليعة، 1978)،

ص 18، 30 و.58

35 الصالح، ص.249

36 المصدر نفسه، ص 250، ووات، ص.163

37 الصالح، ص.250

وقد أثار قرار كمال أتاتورك إلغاء الخلافة في 3 آذار/ مارس 1924 ضجة في صفوف المسلمين، فعُقد في مصر مؤتمر

تحت عنوان «المؤتمر الإسلامي العام للخلافة»، دعا إلى مبايعة أحد الملوك بخلافة المسلمين. وكان الملك المصري

فؤاد أحد العاملين في سبيل ذلك. فأصدر علي عبد الرازق كتابه الشهير الإسلام وأصول الحكم (1925) وتناول

فيه بحث الخلافة والإمامة في الفكر والتاريخ الإسلاميين، وخلص إلى نتيجة مؤداها أن هذا النظام غريب عن

الإسلام، ولا أساس له في المصادر والأصول المعتمدة للدِّين عند المسلمين من كتاب وسنّة وإجماع.

المسألة الدستورية والقومية

تزامنت المسألة الدستورية مع مسألة تحقيق هوية العرب القومية بداية بالاستقلال عن الدولة العثمانية؛ فقد

شكّل الفكر القومي العربي المدخل الطبيعي للفصل بين الرابطة العثمانية وتقاليدها ومؤسساتها والرابطة العربية

ونشوء الدولة العربية. وبعد صعود القوميين الأتراك مجدّدًا عام 1909، تصاعدت المطالب العربية ليس فقط بشأن قيام نظام دستوري

بل أيضًا بشأن تحقيق اللامركزية واستقلال العرب بإدارة شؤونهم الذاتية. وكانت ذروة تلك المطالبات في المؤتمر

العربي الذي عُقد في باريس عام 1913، وأُقر فيه وجوب تحقيق الإصلاحات الفعلية في السلطنة العثمانية،

وأن يكون مضمونًا للعرب التمتّع بحقوقهم السياسية، وذلك بإشراكهم في الإدارة المركزية للسلطنة إشراكًا

فعليًا، وأن يجري في كل ولاية عربية إنشاء إدارة لا مركزية، وأن تكون الخدمة العسكرية محلية في الولايات

العربية، واللغة العربية معتبرة في مجلس النواب العثماني. وقد فاوض الاتحاديون الأتراك سكرتير اللجنة المركزية

العربي في باريس، إالّ أن العلاقات العربية التركية ما لبثت أن توترت مع إقدام جمال باشا على محاكمة نخبة من

العرب الأحرار في سورية ولبنان وشنقهم (1916-1915)، ثم اندلعت الثورة العربية عام 1916 بتشجيع

من الإنكليز للشريف حسين. ومع قيام الثورة العربية، تبادل الشريف حسين والدولة البريطانية مراسلات (مراسلات حسين- مكماهون)

حول إنشاء دولة عربية مستقلة، وكان الشريف حسين يقصد العرب الآسيويين. وانتهى الأمر إلى إعلان المؤتمر

السوري العام (2 تموز/ يوليو:)1919 - المطالبة بالاستقلال السياسي التام الناجز للبلاد السورية، من طوروس إلى رفح ومن الجوف إلى العقبة ومن

الفرات إلى شرقي الجوف، والبحر المتوسط غربًا. - أن تكون حكومة هذه البلاد السورية ملَكية مدنية نيابية تدار مقاطعاتها على طريقة اللامركزية الواسعة،

وحتُفظ فيها حقوق الأقليات، وأن يكون ملك هذه البلاد الأمير فيصل من دون حماية ولا وصاية. الأوضاع الدستورية في ظل الانتداب قضى الفرنسيون على حكومة فيصل في دمشق، ونفّذوا مضمون اتفاقية سايكس-بيكو مع الإنكليز، بتقسيم

المنطقة إلى دول عدة، وفرضوا انتدابهم عليها باسم شرعية عصبة الأمم. وفي ظلّ الانتداب، بدأت الحياة

38 محمد عمارة، الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق، دراسات تاريخية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات،.)1972

39 انظر بشأن هذه المرحلة: موسى، الحركة العربية، ص 40 – 42؛ أنطونيوس، 175، ودروزة، ص.421 ص

40 أنطونيوس، -596.597 ص

الدستورية العربية الجديدة (مصر 1923، الأردن 1922، العراق 1930، لبنان 1926، سورية 1930). حازت معظم الدول العربية دستورًا شامالً مدوَّنًا، ينظّم شكل الحكم ومختلف سلطاته باستثناء المملكة العربية

السعودية، التي ارتكز نظامها على أحكام القرآن. وظلّ اليمن فترة طويلة في ظل دستور مؤقت. وكانت هذه

الدساتير جميعها جامدة بحيث يحتاج تعديلها إلى شروط معقّدة. وكان شكل الحكم ملَكيًا كما في السعودية والأردن والعراق ومصر، وجمهوريًا في سورية ولبنان. أمّا نظام الحكم،

فهو نيابي ديمقراطي نظريًا. ونصّت الدساتير على سلطات ثلاث: تنفيذية، تشريعية، قضائية، وأعلنت مبدأ

المساواة والحريات، وأشار بعضها إلى العدالة الاجتماعية. وصدرت تشريعات نظّمت القوانين المدنية والجزائية

منقولة عن قوانين أوروبية، كالقانون المدني في لبنان عام 1932، وقانون الملكية عام 1930 وقد طُبق في مصر

وسورية عام 1949، وفي العراق عام 1953، والأردن عام 1976، وانحصرت القوانين الخاضعة للشريعة

الإسلامية في مسائل الأحوال الشخصية للمسلمين، ولكن الحياة الدستورية لم تستقر إالّ بعد نيل هذه الدول

استقلالها بعد أربعينيات القرن الماضي بسبب الثورات والانقلابات وقيام سلطات الانتداب أو السلطات

الملكية بتعليق الدستور. ومع نشوء الكيان الإسرائيلي عام 1948، انطلقت سلسلة متغريّات في المنطقة، وصعدت إلى الحكم قيادات

قومية (الناصرية في مصر، والبعث في سورية والعراق) عبر انقلابات عسكرية، ومن ثم عبر ثورات الاستقلال

اليمن (في الشمال والجنوب) والجزائر وتونس. وانطبعت الحياة السياسية والدستورية في هذه المرحلة بالقومية

العربية التي انعكست في صوغ الدساتير ومقدماتها تأكيدًا للهوية العربية والوحدة ودين الدولة الإسلامي. كما

نصت هذه الدساتير على الاتجاه الاقتصادي الاجتماعي لنظام الحكم، ودور الدولة في تنظيم المجتمع، ودور

الأحزاب الحاكمة في قيادة الدولة والمجتمع. وقد عكس دستور الوحدة بين مصر وسورية (1958) هذه المبادئ بالقول إن الدولة العربية المتحدة جمهورية،

ديمقراطية، مستقلة، ذات سيادة، وشعبها جزء من الأمّة العربية. الحريات العامة مكفولة، والملْكية الخاصة

مصونة، والقضاة مستقلون، ويتولى السلطة التشريعية مجلس يسمّى مجلس الأمة. ويتولى رئيس الجمهورية

السلطة التنفيذية. وقد كتب ن. براون في كتابه الدساتير في العالم غير الدستوريأن قراءة سريعة للدساتير العربية في الدول

القومية تُظهر أنها اتّصفت بمزيج من الاشتراكية والليبرالية والإسلامية، فقد أعطت هذه الدساتير

الدولة مهمّة استثنائية في تحويل المجتمع. وهذا المفهوم يناقض الفكر الليبرالي والديمقراطي؛ فقد رأى الفكر

القومي أن الديمقراطية تعني المساواة السياسية لا المساواة الاجتماعية، فلا تكفي وحدها لبناء الدولة الخارجة

41 Nathan J. Brown, Constitutions in a Nonconstitutional World: Arab Basic Laws and the Prospects for Accountable Government, SUNY Series in Middle Eastern Studies (Albany, NY: State University of New York Press, 2002), pp. 91

42 المصدر نفسه.

43 صبحي رجب المحمصاني، الأوضاع التشريعية في الدول العربية: ماضيها وحاضرها، ط 4 بيروت: دار العلممزيدة ومنقحة (

للملايين، 1981)، ص 220-219 و.222

44 المصدر نفسه، ص 229 وما يليها، وسليمان تقي الدين، «معركة الدساتير العربية،» بدايات (بيروت)، العدد 2 (صيف 2012).

لتفصيل أحكام الدساتير العربية، انظر: محمد كامل ليلة، النظم السياسية: الدولة والحكومة (بيروت: دار النهضة العربية، 1960)، ص

977 وما يليها.

45 Brown, pp. 91-92.

من مرحلة الاستعمار والنازعة إلى بناء مجتمع في مصلحة الفئات الاجتماعية الشعبية، صاحبة المصلحة في

مواجهة الإمبريالية. الفكر الدستوري الحديث إن الدستور في الدولة العصرية هو القانون الأساسي، الذي تدور في فلكه حياتها السياسية، ويتجاوب فيه كيانها

الاجتماعي، وترتكز عليه أوضاعها الإدارية، وتستمد منه مبادئها القانونية. في الدولة الحديثة ينشأ مجتمع سياسي تظهر فيه السلطة بصورة مختلفة، من حيث طبيعتها القانونية، عن سائر

السلطات القائمة في المجتمعات غير السياسية، كالعشيرة والقبيلة، أو كالسلطة الدينية أو الأبوية البطريركية في

الأسرة، أو سلطة الرئيس أو الزعيم في الجماعات الأهلية، أو في مؤسسات المجتمع المدني. وهذه السلطة هي ما

يعربّ عنها مصطلح السيادة. وفي الدولة الحديثة ليس القانون الدستوري، أي القانون الأسمى الذي تخضع له سائر القوانين المنظِّمة

للمجتمع، هو المرجع الوحيد في فهم الكيان السياسي المعروف بالدولة؛ فقد أكد الفقه الدستوري الحديث أن

القانون الدستوري لا يُدرس إلا مرتبطًا بالأنظمة السياسية. وقد أكدت منظمة اليونيسكو عام 1948، بعد

أن أخذت برأي علماء القانون العام، أن القانون الدستوري يشمل: الأنظمة السياسية للدولة؛ الفكر والنظريات

السياسية؛ الأحزاب وسائر الكتل السياسية؛ الرأي العام؛ والعلاقات الدولية. وعلى هذا، فإن المؤلَّفات التي

تُعنى بالقانون الدستوري تنطوي على عنوان مركّب هو القانون الدستوري والمؤسسات السياسية. لم يعرف التراث الإسلامي مصطلح الدستور، بل هو تعاطى مع مؤسسة الخلافة والإمامة والشورى، وعندما

تناول الفكر السياسي الإسلامي مسألة الحكم في الإسلام، خاصة منذ عهد الأمويين، استخدم مصطلح

«السلطان». وعلى هذا كتب الماوردي الأحكام السلطانية، وهو يقصد الحكومة في الإسلام. ولعل الفرس هم

أول من استعمل مصطلح الدولة، ثم استعارتها الثقافات الشرقية الأخرى رغم أن المعنى اللغوي للدولة هو

«الانتقال من حال إلى حال»، كما ورد في الحديث: «وتلك الأيام نداولها بين الناس». أمّا الدولة في المصطلح الغربي، فهي فكرة معنوية، كما أشار جورج بورديو في كتابه الدولة، تعربّ عن شخصية

اعتبارية، ولكنها تنصرف إلى مجموعة موحّدة من السلطات ومن المؤسسات، وتضم جماعة بشرية على إقليم

جغرافي. وهي في الدولة العصرية دولة قانون لا دولة بوليسية، أي إن مرجعيتها هي شريعة تؤمّن العمومية

والمساواة ورضوخ المواطنين لسلطتها طوعًا الطوعي باعتبارها تمثّل -بحسب إحدى أهم مدارس الفكر

السياسي- عقدًا بين الحاكم والمحكوم. والدستور يقوم على إيضاح المبادئ الأساسية للحكم، ويعنيّ الحريات

والواجبات والحقوق وتنظيم الوظائف التي تقوم بها المؤسسات. لكن الفكر الدستوري العربي الحديث لا يزال محكومًا بفكرة أن الدِّين الإسلامي لم يقتصر في أحكامه على شؤون

الدِّين (العبادة)، وإنما وضع تنظيامً شامالً لشؤون الدنيا أيضًا؛ فالإسلام دين ودولة عقيدة وشريعة. فعندما

46 سليمان تقي الدين [وآخرون]، إشكاليات الديمقراطية في العالم العربي (بيروت: الاسكوا، 2004)، ص.25

47 اندريه هوريو، القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، ترجمة علي مقلد، عبد الحسن سعد وشفيق حداد، 2 ج (بيروت: الأهلية

للنشر، 19741)، ج، ص.35

48 La Science politique contemporaine: Contribution à la recherche, la méthode et l’enseignement, Unesco publication; 427 (Paris: UNESCO, 1950).

49 محمد كامل ليلة، النظم السياسية: الدولة والحكومة (بيروت: دار النهضة العربية، 1969)، ص.426-425

بدأت الحركة الدستورية العربية الحديثة في أواخر الربع الأول من القرن العشرين، واجه المفكرون العرب هذه

الإشكالية وثقافة المجتمع الضاغطة في سبيل تجسيد هذه المقولة في هوية الدولة ووظيفتها، فلم تفلح الدساتير

العربية في وضع مسألة شرعية نظامها خارج مقولة استمداد الدولة لهذه الشرعية من الدِّين الإسلامي، ولو

بصيغ مختلفة، كالقول، دين الدولة الإسلام، أو المصدر الأساسي للتشريع هو الإسلام. واتسعت هذه المسألة

لتتناول القوانين (المدنية والعقارية والتجارية والجزائية والأحوال الشخصية). وحين كان عبد الرزّاق السنهوري

يُعِدّ قانون الموجبات والعقود في مصر، وضع مذكرة إيضاحية علل فيها أن القانون يعتمد الشريعة الإسلامية

كمصدر أساسي لكنه لا يقبل فكرة أن الفقه الإسلامي هو المصدر؛ فالشريعة يُقصد بها تلك المبادئ الكبرى،

أي العدل والمساواة والحرية، من دون إلزام الدولة بأي نظريات فقهية. وإذا لم تتوافر في الشريعة تلك الأحكام

القاطعة، يكون الأمر متروكًا للاجتهاد بالمعنى الواسع للكلمة. وقد نادى عبد الرزّاق السنهوري بعد عام من توقيع معاهدة 1936 مع بريطانيا بوجوب العودة إلى الشريعة

الإسلامية عند مراجعة التشريع المصري، وبعدم إقصائها عن «مصادره». واعتبر أن مبادئ الشريعة متقدمة

على الشرائع الغربية. وهو يؤكد أن الإسلام «دين ودولة»، وأن لا بُدَّ من «فقه» تستند إليه ومصدره «الكتاب

والسنّة». وهناك مبادئ ترسم طبيعة الفقه، على أن يتم اشتقاق هذا الفقه من «روح العصر»، خاصة أن الشريعة

تقر ب«الاجتهاد والإجماع» بما يؤمّن إغناء الفقه. لكن الموضوعية تقتضي القول إن الدساتير العربية والنظم السياسية، وخاصة القومية منها، اجتازت

عقبات كثيرة في ثقافة المسلمين السياسية؛ إذ قبل العرب المسلمون فكرة القومية العربية كرابطة سياسية

وهم ينتمون إلى ثقافة تتحدث عن الجماعة والأمّة الإسلامية. وقبلوا الحكومات الملكية والجمهورية

ووجود دساتير تقيم سلطات ومؤسسات مستوحاة من الثقافة الغربية، كالمجالس النيابية. وقبلوا الكثير

من القوانين المستوحاة من التجربة الغربية، بل إن الأنظمة السياسية التي سادت في مرحلة الانتداب

اتصفت بالليبرالية ولو كان ذلك لفترة قصيرة يسمّيها غسان سلامة «اللحظة الليبرالية»، أي تضمين

الدساتير حقوقًا وحريات لم يألفها الفكر الإسلامي، بل إن نظامي تونس واليمن الجنوبي ذهبا باتجاه نظام

أحوال شخصية وضعي للكثير من الأحكام الإسلامية. ونشأت في العالم العربي أوضاع على قدر كبير

من الغنى والتعقيد، فلم تكن العلاقة بين «الدولة والجامع» من سوية واحدة؛ فالمملكة العربية السعودية

مثالً كانت في علاقة تطابق، بينما كان هناك انفصال في الجزائر والعراق وسورية ولبنان، وتعايش في مصر

والأردن والكويت. لكن الأنظمة العربية كلها جنحت بشكل أو بآخر إلى تقييد الحريات السياسية، فمنعت التعددية الحزبية،

وكافحت بعض التيارات الفكرية الحديثة، وأمسكت بمقاليد الإعلام وبالهيئات النقابية، وفرضت حالات

الطوارئ، وعطلت الكثير من الحريات والحقوق بذريعة المواجهة مع إسرائيل والظروف الاستثنائية، وامتدت

هذه المرحلة إلى زمن قريب.

50 فهمي جدعان: «نظريات الدولة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر،» في: غسان سلامة [وآخرون] (محررون)، الأمة والدولة

والاندماج في الوطن العربي، 2 ج (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1989)، ج 1، وأسس التقدم عند مفكري الإسلام

في العالم العربي الحديث (عمان، الأردن: دار الشروق، [د. ت.])، ص 300 و 356، و Amin Saikal and Albrecht Schnabel, eds.,

Democratization in the Middle East: Experiences, Struggles, Challenges, Changing Nature of Democracy (Tokyo: United Nations University Press, 2003), p. 97.

المسألة الديمقراطية

كيفما عالجنا مسألة الديمقراطية، ووفق أي معايير أو مؤشرات؟ يؤكّد الاستنتاج الأساسي أن الديمقراطية

بنية دولة ومجتمع وليست مجرد نظام سياسي. كي تكون الديمقراطية مستوفية شروطها كما في معظم الفكر

السياسي والقانوني والاجتماعي، يجب أن تقوم علاقة عضوية بين مؤسسات الدولة والنظام السياسي أو السلطة

السياسية؛ فالانتخابات وحدها ليست الديمقراطية، والنظام التمثيلي وحده ليس الديمقراطية، والحريات

وحدها ليست الديمقراطية. تحتاج الديمقراطية إلى دولة حديثة، ثم إلى مجتمع حديث أي مدني، وإلى ثقافة

ديمقراطية تتأكد في الممارسة لا إلى مجرد أيديولوجيا ديمقراطية أو عنوان ديمقراطي؛ فقد أدت الأنظمة التمثيلية

أحيانًا الى ظواهر مناقضة للديمقراطية، كالنازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا. هذه الإشكاليات أنتجت فيضًا من الأبحاث والكتب والنظريات، لكن المهم هو الوقائع الحيّة المعيشة في تجربة

التحول الديمقراطي الراهن في العالم العربي. وقد شاع المطلب الديمقراطي في العالم العربي في العقود الثلاثة الماضية، بعد أن كان مكبوتًا بفعل الأنظمة

التسلطيّة ذات التوجه التعاضدي (التعاون الاجتماعي) والعضوي (الحامل لأيديولوجيا قومية تُعلي قيمة

الجماعة وحقوقها على قيمة الفرد وحقوقه)، وتضع المسألة القومية في أولوية اهتماماتها السياسية. هذا الواقع أنتج دوالً ومجتمعات (الدول تؤطر المجتمعات وتتحكم في تطورها) ذات مواصفات معيّنة: على صعيد الدولة: - الحكم الأمني العسكري. - بيروقراطية ثقيلة الوطأة متشعبة الوظائف. - تشكّل نخب سياسية اجتماعية ذات بعد فئوي وجهوي وقبلي. - مؤسسات سياسية صورية غير فاعلة. على صعيد المجتمع - مجتمع مدني ضعيف التكوين. - بنى اقتصادية اجتماعية مختلطة بين الحداثة والتقليد. - ثقافة سياسية تقليدية في وسائل تقنية حديثة. - تعايش البنى والهويات القبلية والطائفية وتوتّرها.

51 انظر: سليمان تقي الدين [وآخرون]، إشكاليات الديمقراطية والتنمية في المنطقة العربية: مقاربة إصلاحية في خدمة حكم القانون،

المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2010)، الورقة الخلفية رقم 4، تعريفات ومقولات

ومعايير الديمقراطية، ص 220 وما يليها.

52 انظر: تقي الدين [وآخرون]، إشكاليات الديمقراطية في العالم العربي، ص 15، والمصدر نفسه، ص 14 و.19

53 انظر: خلدون النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

1991)، ص 33-32، ومجدي حماد، العسكريون العرب وقضية الوحدة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987). حول هذه

العناوين، انظر: شارل عيسوي، التاريخ الاقتصادي للشرق الأوسط و شمال أفريقيا، ترجمة سعد رحمي، السلسة الاقتصادية (بيروت:

دار الحداثة،.)1980

- مؤسسات سياسية شعبية (الأحزاب بصورة خاصة) تحمل مواريث النزاعات العنيفة والفكر الحصري

والبطريركية. تتقاطع هذه العناوين وتتداخل في ما بينها، ويمكن بالتالي إعادة صوغ إشكاليتها على النحو التالي: الدولة

ومؤسساتها؛ المجتمع وبنيته؛ الثقافة السياسية. الدولة ومؤسساتها تقوم شرعية الدولة في العالم العربي (السلطة المعنوية الشاملة) على المصادر التالية: - الشرعية الدينية (المملكة المغربية، المملكة العربية السعودية، المملكة الأردنية الهاشمية). - الشرعية القبلية العائلية (الإمارات العربية.) - الشرعية الانقلابية (مصر، العراق، سورية، ليبيا، اليمن، السودان.) - الشرعية النضالية (الجزائر،، تونس، اليمن الجنوبي سابقًا، فلسطين.).. - الشرعية الطائفية (لبنان.)... وقد تطوّرت هذه الشرعيات عبر الزمن لكي تشكّل لنفسها مصادر دعم وتغذية، كما في الدولة الريعية (النفط

والغاز)، أو في الدولة العقائدية (أيديولوجيا القومية التحررية والاشتراكية). أنشأت هذه الدول مؤسسات تختلف مسمّياتها لكنها تشترك في العناصر التالية:

- احتكار مصادر القوة والسلطة. - إنتاج بيروقراطية إمّا ريعية وإمّا ترتكز على خدمات القطاع العام (التأميمات.)

- اللجوء إلى سلطة الإكراه الدِّيني أو العقيدي المدني (الأيديولوجيا القومية) لحفظ شرعة النظام. - الاعتماد على البنى الموازية واستخدامها في التوازن السياسي، كالقبيلة والطائفة والجهوية والفئوية والإقليمية. - تطوير الدولة البوليسية واستخدام أجهزة ميليشياوية (جماعات شعبية مسلحة) في شكل هيئات سياسية

(أحزاب أو حركات سياسية)، وقد ساعدها في ذلك مجتمع تحتل فيه بنية القرابة والالتحام بالنسب وضروب

التضامن الفئوية موقعًا مؤثرًا.

لقد أنشأت معظم الدول مؤسسات تمثيلية تحت سلطتها، ووضعت قيودًا على الحريات السياسية والمدنية. ولم

تكن الانتخابات وسيلة لتحقيق المشاركة السياسية بقدر ما كانت وسيلة لبناء نخبة سياسية من حول النظام

لدعم شرعيته. بل إن الانتخابات التي كان يمكن أن تؤدي إلى نتائج غير مؤاتية للسلطة جرى تزويرها أو

تعطيلها (مصر، الجزائر..). وفي مطلق الأحوال، كانت السلطة التنفيذية محصورة في رأس الهرم السياسي

والأدوات الأمنية والإدارية الخاضعة له، أو المشارِكة في صوغ القرار السياسي والاقتصادي والأمني والإداري. انسحبت هذه الأمور على السلطات المحلية (البلديات)، والقطاعية والنقابية (النقابات المهنية ونقابات

القطاعات الاجتماعية)، ولم تكن هناك حريات تشكيل الأحزاب أو الجمعيات المدنية ولا حريات إعلامية.

54 هشام شرابي، البنية البطركية: بحث في المجتمع العربي المعاصر، سلسلة السياسة والمجتمع (بيروت: دار الطليعة، 1987)؛ حليم

بركات، المجتمع العربي المعاصر: بحث استطلاعي اجتماعي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984)، وسعد الدين إبراهيم،

في: غسان سلامة [وآخرون]، المجتمع والدولة في الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،.)1988

55 النقيب، ص 23 و.33

56 بركات، المجتمع العربي المعاصر.

وبدأت هذه الصورة تتغريّ تدريجيًا في بعض الدول من غير أن يحدث التحوّل الديمقراطي، إلى حين انفجار

الحركات السياسية الشعبية مطلع العام.2011 الجيش والمؤسسات الأمنية، المجتمع وبنيته انبعثت المجتمعات العربية الحديثة في خصوصياتها مطلع القرن العشرين بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية وحكم

الانتداب والسيطرة الغربية الأوروبية المباشرة على معظم الكيانات مع وضع حدودها. وكانت الجيوش على

اختلافها القوة المنظَّمة الفاعلة الأكثر حداثة والأكثر عضوية في التفاعل مع المجتمع، والأكثر استق الً بالمعنى

السياسي بين جميع المؤسسات السياسية الأخرى. ويعتقد بعضهم أن دور العسكر يرتبط بالمواريث التاريخية

لمنطقة الشرق الأوسط، التي توالت عليها إمبراطوريات ذات طابع عسكري (خاصة المملوكية والعثمانية)،

وشهدت حروبًا ونزاعات وغزوات وفتوحات عسكرية متتالية. وقد أجمعت دراسات من اتجاهات فكرية مختلفة على الأهمية الخاصة للجيوش في الشرق الأوسط والعالم الثالث،

حيث إنها انتدبت نفسها لمهمة النضال من أجل الاستقلال والتحرير الوطني، ثم إدارة عملية التنمية والتحرير.

لقد تقدم الجيش إلى هذه المهمات جرّاء عجز القوى المدنية الحديثة، خاصة الليبرالية من جهة، ووجود تحديات

عسكرية إقليمية وحروب من جهة ثانية. لم تكتفِ الجيوش بدورها الحربي؛ بل أعطت المؤسسات البيروقراطية نخبة من كوادرها، كما جرى في أكثر من

بلد عربي. كما جاء منها معظم الناشطين في المؤسسات السياسية (الحزبية) التي أقامتها الأنظمة في الدول القومية

التوجه (مصر، سورية، العراق، الجزائر..). وقد تحوّل الجيش إلى العمود الفقري للدولة والمجتمع في جميع

الدول العربية بلا استثناء؛ فهو العصب الأساسي للسلطة، النواة الأكثر تماسكًا بين هيئات المجتمع. وإلى جانب

المؤسسة العسكرية (الجيش)، أنشأت الدول مؤسسات أمنية رديفة (الأمن) وميليشيات (الهيئات الشبابية

الحزبية..)، وغالبًا ما تم إخضاعها لتدريبات عسكرية وللخدمة العسكرية الإلزامية. واجهت المجتمعات العربية في القرن الماضي تحدّيات ومشكلات وقضايا مختلفة؛ فهناك الدولة الريعية في

الخليج العربي في ظلّ أنظمة سياسية تقليدية (ملكية أو إماراتية)، وهناك دول شمال أفريقيا التي توافرت لها

ثروات طبيعية مهمّة (المغرب، الجزائر، ليبيا)، وهناك دائرة مصر والسودان. أمّا المشرق العربي الآسيوي، فكانت

لكل دولة فيه ظروفها، من دولة العراق النفطية إلى دولة سورية الزراعية، إلى دولة لبنان الخدماتية التجارية. كما

أن لكل دولة نظامها السياسي. ولا تكفي هذه العناوين والتوصيفات لتحديد طبيعة هذه المجتمعات أو الدول؛

إذ لا بد من معرفة التشكيلة الاجتماعية من حيث تكوينها الديمغرافي (الإثنيات، الطوائف، المذاهب، الأقاليم،

القبائل)، أو من حيث واقعها الاقتصادي (رأسمالي، صناعي أو مالي أو زراعي..)، أو من حيث القوى والتيارات

السياسية التي أدّت دورًا في تطور هذه المجتمعات (الأحزاب العقائدية القومية، السياسية، الدينية، الليبرالية،

والحركات المدنية الأخرى أو الأهلية..). ونحن نذكر ذلك لأن الديمقراطية تحتاج إلى «شروط مسبقة» تشمل

مستوى تعليميًا متطورًا، ومستوى مرتفعًا للدخل الفردي، وطبقة وسطى كبيرة الحجم، ومجتمعًا مدنيًا نشطًا

57 انظر: تقي الدين [وآخرون]، إشكاليات الديمقراطية والتنمية في المنطقة العربية، الورقة الخلفية رقم (1)، مدخل تاريخي، ص 103

وما يليها.

58 انظر: جونكاوتسكي، التحولات السياسية في البلدان المتخلفة، نقله إلى العربية جمال نعيم عون (بيروت: دار الحقيقة، 1980)، ص

37 -28؛ جاكوب لاندو، الحياة النيابية والأحزاب في مصر من 1866 إلى 1952؛ محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر: دراسة

تحليلية نقدية (بيروت: دار الطليعة، 1982)، ص 82 و 96، وغسان سلامة، «بحث في الشرعية الدستورية،» في: سلامة [وآخرون]،

المجتمع والدولة في الوطن العربي.

ومنظامً، ومؤسسات عامة قوية مستقلة الواحدة عن الأخرى، وأحزابًا سياسية تعتمد مرتكزاتها الوطنية برامج

متمايزة وثقافة سياسية تفسح في المجال أمام التسامح والنقاش والتسوية. ورغم تفاوت هذه الشروط في المجتمعات العربية، فما زالت هذه المتطلبات غير متوافرة بشكل عام؛ إذ هناك

عوائق كبيرة نتيجة الأمية، وانخفاض دخل الفرد، وضعف الطبقة الوسطى حجامً وتأثيرًا، وتداخُل المجتمع

المدني مع المجتمع الأهلي التقليدي، وهشاشة المؤسسات العامة وعدم فاعليتها، وهامشية الأحزاب الحديثة

قياسًا بدور الحركات السياسية ذات الثقافة السلفية.

إن لتجربة الأحزاب في العالم العربي ظروفها وخصوصيتها؛ فخلال نصف قرن، سيطرت أحزاب السلطة ذات

العقيدة الجمعية (القومية)، ولم تشكَّل أحزاب برلمانية فعلية، وسيطرت على المجال السياسي الشعبي حركات

الإسلام السياسي التي فرضت شرعيتها من شرعية الثقافة الدينية ومؤسساتها (الجامع والجمعيات الدعوية

والخيرية، لاسيما الأوقاف والصدقات والخُمس والزكاة..)، وهذا نظام اجتماعي له فاعليته الخاصة. الثقافة السياسية تتصف المجتمعات العربية بغلبة الثقافة الدينية والإسلامية، باعتبار أن الإسلام هو دين الغالبية الساحقة

من العرب، من دون إنكار للثقافة المسيحية ولانتماءات دينية أخرى. لكن الإسلام ليس واحدًا على المستوى

الفقهي؛ فهناك المذاهب السنّية الأربعة الكبرى، وهناك المذهب الشيعي وفروعه، وهناك الفِرَق المتنوعة التي

تُعَدّ بالعشرات. من هذه البيئة الثقافية الواسعة نشأت نظريات الحكم في العالم العربي على مدى قرون. ففي معظم هذا التاريخ

قامت النظم السياسية على شرعية الإسلام والولاء له، أكان الإسلام عربيًا أم غير عربي، حتى نهاية القرن التاسع

عشر، مع ظهور الفكر القومي والحركات القومية. لكن الفكر القومي لم يقطع مع هذا الإرث الثقافي، بل جعله

من ضمن هويته بأشكال مختلفة وبنسب مختلفة. إالّ أن الجديد كان التركيز على الهوية العربية وعلى هوية المواطَنة

كجزء من هوية الأمّة. وانتقل هذا التحوّل إلى الخطاب السياسي بشكل صريح أول مرة على مستوى السلطة في

مصر مع قول جمال عبد الناصر: «أيها الإخوة المواطنون». لكن الفكر القومي هو الآخر «فكر جمعي» يغلّب مصلحة الأمة والجماعة على حقوق الأفراد الطبيعيين المواطنين؛

ففي نقد هذا الفكر، قيل إن القوميين هم «عبّاد الدولة»؛ الدولة في نظرتهم هي الشخصية الأساسية للأمّة لا

أفرادها كما هي حال الفكر الليبرالي. انتهت التجربة القومية فكرًا وممارسة (وقد حكمت عدة أقطار عربية) إلى فشل في بناء دولة الأمة وفي بناء

المواطَنة. هذه هي الدلالة الفعلية الأصلية لكل ما يجري الآن من ثورات سياسية في العالم العربي ما زالت تطرح

قضيتي الكرامة الوطنية والكرامة الإنسانية. خلال ثلاثة عقود من «الواقعية العربية»، كما جرى وصف مرحلة ما بعد حرب تشرين/ أكتوبر 1973، و«الحقبة

النفطية» وسياسات المفاوضات مع إسرائيل وبداية الانفتاح الاقتصادي، بدأ يسيطر على المسرح الشعبي العربي

تيار «الإسلام السياسي» بوصفه قوة بديلة من الأوضاع العربية السائدة. يشير مصطلح: «الإسلام السياسي»، إلى فهم مخصوص للإسلام، وقراءة موجَّهة لنصوص الكتاب (القرآن)

59 تقي الدين [وآخرون]، إشكاليات الديمقراطية والتنمية في المنطقة العربية، ص 19، وانظر لمحة اقتصادية عربية، ملحق رقم 3،

ص 319 وما يليها.

والسنّة (التقليد) والممارسة التاريخية الإسلامية. وقد عمل «الإسلام السياسي» على بناء خطاب أيديولوجي

تعبوي غايته الفرز والاستقطاب، ويطمح إلى قلب أنظمة الحكم باعتبارها «جاهلية» أو كافرة، بهدف إقامة

دولة تمثّل التجربة الإسلامية الأولى التي أقامها نبي الإسلام والخلفاء الراشدون من بعده. ويلخّص محمد زاد

جول أسباب صعود التيارات الإسلامية ب: فشل النخب العلمانية القومية، ونقص المشاركة السياسية، وأزمة

البرجوازية الصغيرة، والبترودولار والتنمية الاقتصادية غير المتوازنة، ونتائج التأكّل الثقافي. وتقود العودة إلى الإسلام كمصدر أيديولوجي للحركات السياسية إلى النقاش في «الإسلام وأصول الحكم»،

هذه المناظرة التاريخية الطويلة التي رافقت الإسلام والحركة الإصلاحية التجديدية التي ظهرت في القرن التاسع

عشر ورفدت الإسلام بمفاهيم حديثة.

لكن هذه النهضة الإصلاحية لم تؤتِ ثمارها في ما يشبه حركة إصلاحية تنقل الثقافة الإسلامية من عصر إلى

عصر آخر؛ ففي الربع الأول من القرن العشرين، تحوّلت هذه الحركة إلى مشروع سياسي مع أبي الأعلى المودودي

وسيّد قطب وحسن البنا. وصارت حركة سياسية تحت يافطة «الإخوان المسلمون». وقد تصادمت هذه الحركة

مع القوميين العرب (الناصرية والبعث)، وجرت مطاردتها فتحوّلت إلى حركة سرية تبشيرية تعبوية، ولم تتح

لها ظروف المناقشة العلنية كما يجب لكي تطوّر مفاهيمها وأفكارها. إن خروج هذه الحركة إلى العلانية السياسية

كان قد بدأ في ثمانينيات القرن الماضي مع مفكرين جدد إصلاحيين وحركيين في آن واحد (الغنوشي والترابي،

شحرور وهويدي والعوا والأنصاري). وكان لنجاح الثورة الإيرانية (شباط/ فبراير 1978) بقيادة دينية شيعية المذهب الأثر الأكبر في تزخيم حركات

الإسلام السياسي بأطيافها المختلفة. غير أن الظاهرة الجديرة بالوقوف عندها هي النقاش العلماني على المستوى

العربي لمشروع الإسلام السياسي؛ فبعد هزيمة 1967، بدأت حركة فكرية واسعة في المراجعة الشاملة لجميع

نواحي الاجتماع السياسي، ومنها الظاهرة الدينية. وقد نال الإسلام نصيبًا وافرًا من البحث لدى جميع المفكرين

الحداثيين العرب. وتناول بعضهم في أطروحاته المتعددة إشكاليات الإسلام كلها. وتتمثّل الإشكالية السياسية والفكرية هنا في تحديد مدى هيمنة «الإسلام السياسي» على الحياة العربية، وهل لهذا

الإسلام السياسي من أفق حقيقي لكي يكون جوابًا معاصرًا، أو شريكًا في حركة الحداثة والتقدم والديمقراطية

على مستوى العالم العربي؟ هناك الجواب البسيط الأصولي الحرفي (لا نقول النصّي) الذي يدعو إلى إقامة الحكم الدِّيني، أي شريعة الله في

القرآن. وهناك الجواب التوفيقي أو الاجتهادي التطويري الذي يسمّيه البعض «فقه المشاركة»، وهو الذي

ازداد انتشارًا أو قبوالً لدى تيار الإخوان المسلمين، وهو فقه المواءمة بين الإسلام والديمقراطية. وهناك،

بالطبع، بعض الفكر الاستشراقي (التفكير الغربي نحو الشرق) الذي يتحفظ على احتمال التحوّل في الثقافة

60 انظر: محمد زاد جول: باحث تركي في قضايا الفكر الإسلامي في دراسة مقدمة إلى مؤتمر الوسطية في بيروت 2010، ص 1. نذكر

هنا، جمال الدين الأفغاني، الطهطاوي، محمد عبده، رشيد رضا، خير الدين التونسي، الحجوي، الكواكبي شكيب أرسلان وللتوسع،

انظر: جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام؛ حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ورضوان السيد، سياسات الإسلام المعاصر:

مراجعات ومتابعات (بيروت: دار الكتاب العربي،.)]1997[

61 انظر هذه المراجعة مع عبد الله العروي وهشام جعيط ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري وبرهان غليون ونصر حامد أبو زيد

وأدونيس وصادق جلال العظم.

62 المودودي. انظر: تقي الدين [وآخرون]، إشكاليات الديمقراطية والتنمية في المنطقة العربية، ص.145

63 فهمي هويدي، الخطاب الاسلامي في عالم متجدد: حوار مع فهمي هويدي، أدار الحوار اسحق الفرحان؛ المحاورون عبد الله

العكايلة، سلمان البدور ومحمد عويضه (عمان، الأردن: منتدى عبد الحميد شومان، 1998).

64 المنصف المرزوقي، الإستقلال الثاني: من أجل الدولة العربية الديمقراطية الحديثة (بيروت: دار الكنوز،.)1996

الإسلامية نحو الحداثة. لكن هذه النظرة عُدِّلت في كثير من الأبحاث في العلوم السياسية، فمالت أبحاث

حديثة إلى الاعتراف بإمكان استجابة الثقافة الإسلامية للمسار الديمقراطي. لكن ماذا عن الجواب العملي الذي تطرحه الثورات العربية الراهنة؟ وما هي إشكاليتها الفعلية

وتحدياتها وآفاقها؟

المشهد العربي الراهن

توسّع خلال العقد الماضي المطلب الديمقراطي في العالم العربي، فتبنّت دول عربية عدة صيغًا للبرلمانات

ولمجالس الشورى. بعض هذه الدول يملك تجربة سابقة (الكويت، مصر، لبنان)، وبعضها حديث العهد

بالتعددية السياسية. لكن معظم البرلمانات كانت تقوم تحت أحكام دستورية وقانونية تحدّ بشكل واسع من حرية

المشاركة (مصر، الجزائر، اليمن، العراق، الأردن)، إمّا من حيث الاعتراف بالأحزاب المستقلة وحصر دورها في

تحالف سياسي (الجبهة الوطنية في العراق وسورية)، وإمّا عبر سياسات الحرمان تجاه بعض التيارات السياسية

والفكرية (مصر وكذلك سورية والقانون 49 الذي لا يعترف بأي حقوق سياسية لجماعة الإخوان المسلمين). بعد الوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب، نشأ برلمان تعددي جرى اقتسامه بين ثلاثة أو أربعة تيارات (المؤتمر

الشعبي بزعامة علي عبد الله صالح، الحزب الاشتراكي بزعامة علي سالم البيض، حزب الإصلاح بزعامة عبد الله

الأحمر الذي يمثّل قبائل حاشد، والتيار القومي الناصري). أمّا مصر، فبدأت تستعيد تجربتها الليبرالية أوالً من

خلال المنابر في عهد الرئيس أنور السادات، ثم عبر الاعتراف بعدد من الأحزاب السياسية في عهد الرئيس

حسني مبارك، وعرفت تجربة برلمانية محدودة. وفي الجزائر، تم وقف العملية التعددية بعد فوز الإسلاميين

(الجبهة الإسلامية للإنقاذ). وفي المغرب هناك تجربة حزبية تعددية، لكن الأحزاب ليست هي التي تمارس

السلطة التنفيذية. أمّا دول الخليج، فقد أنشأت مجالس شورى معظمها معينَّ، وليست فعالة بما يؤدي إلى الفصل

بين السلطات، ولا تزال السلطة التنفيذية محصورة في عوائل الملك والأمراء. في مطلع العام 2011 حدث ما يشبه زلزاالً سياسيًا بدأ في الحركة الاحتجاجية التونسية، ثم الحركة المصرية

فالبحرينية والليبية والسورية، بينما كان اليمن يعيش منذ زمن حالة حراك اعتراضي على النظام القائم. أدّت

تلك الانتفاضات إلى إسقاط نظام كلٍّ من الرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك

والزعيم الليبي معمر القذافي والرئيس اليمني علي عبد الله صالح. وقد سهّل الجيش التونسي التغيير وكذلك

الجيش المصري، بينما انشق ضباط وجنود على سلطة العقيد الليبي وكذلك الرئيس اليمني وبعض العسكريين

في سورية. ولم يكن ممكنًا إسقاط النظام الليبي بغير تدخّل خارجي، وكذلك الحال في اليمن. أمّا في سورية، فما

زال تماسك الجيش يحافظ على النظام القائم. وفي معظم هذه البلدان، كانت الأحزاب ضعيفة تنظيامً ونفوذًا، في

حين أن التيار السياسي الأبرز هو «الإسلاميون» الذين يوظفون الثقافة الشعبية الدينية سياسيًا.

أعلنت القوى الأساسية الإسلامية أنها تريد بناء دولة غير دينية، فطرح بعضها شعار «الدولة المدنية» أو «الدولة

الوطنية»، واحترام الديمقراطية والتعددية. وهي تشكل في معظم البلدان العربية حوالي 30 في المئة من الجمهور

كحدٍ أقصى، لكنها الطرف الأكثر فاعلية، إذ تتصدّر النتائجَ الانتخابية وتسيطر على المشهد السياسي. وهي

تيارات متعددة، منها الليبرالي والسلفي والصوفي، تريد أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع.

65 انظر: تقي الدين [وآخرون]، إشكاليات الديمقراطية والتنمية في المنطقة العربية، ص 175 وما يليها. انظر رافايل باتاي (1976)

وبرنارد لويس ومونرو وبيرغر ودانيال بايبس في كتاب العقل العربي.

66 انظر بريمبرغ ودايموند في: تقي الدين [وآخرون]، إشكاليات الديمقراطية في العالم العربي، ص.11- 10

هذا الشعار لا يعني شيئًا واحدًا في الدول كلها، خصوصًا تلك التي تتمتع بتعددية دينية ومذهبية وإثنية، مع

العلم بأن هذا النص كان في السابق واردًا في معظم الدساتير العربية. ليست البيئة الثقافية والسياسية واحدة في الدول العربية، ولا طبعًا مكوّنات المجتمعات السوسيولوجية؛ ففي

تونس توافر الاندماج الاجتماعي كما الانسجام الثقافي، حيث لا تكوينات دينية أو مذهبية أو إثنية. وفي مصر

هناك انسجام في البيئة الإسلامية لكن الجماعة القبطية (المسيحية) جماعة وازنة. أمّا في ليبيا، فالبنية القبلية هي

المحرّك الأساسي للنزاعات، وفي سورية مجتمع تعدّدي متنوع المذاهب والإثنيات، في حين أن المذاهب في اليمن

أكثر قربًا وانسجامًا في ما بينها (الزيدي والشافعي) حيث يتدخل العنصر القبلي ليقوّي البُعد المذهبي.

رغم كل هذا التكوين المعقّد، هناك مستوى من الحداثة والمجتمع المدني في مصر وسورية وتونس، وهناك نسبة

عالية من المتعلمين ومن القوى المدينية، فلا يعني الإسلام السياسي للجمهور الشيء نفسه في هذه الدول. ولقد

جنح الإخوان المسلمون في مصر منذ زمن إلى الانفتاح، وقويت فيهم الاتجاهات الليبرالية، ومارسوا النشاط

الديمقراطي في الانتخابات البرلمانية. أمّا في تونس، فإن زعيم حركة «النهضة» (د. راشد الغنوشي) مفكر

إسلامي ليبرالي، في حين أن الإخوان المسلمين في سورية هم خارج الحياة السياسية منذ ثلاثة عقود، وينشطون

في تنظيم سرّي، وليست لديهم نخبة ثقافية بارزة كما في مصر وتونس.

وفي مصر وسورية أحزاب يسارية (الشيوعيون) وقومية (الناصريون والبعثيون) وليبرالية (الوفد في مصر لا

يقابله حزب ليبرالي سوري). وتبدو الممارسة الديمقراطية سهلة في مصر وتونس، بينما يشكل الواقع الطائفي

صعوبة أكبر في سورية، التي حفل تاريخها الحديث بالنزاعات الجهوية بين زعماء المدن الكبرى والحذر بين

الجماعات الطائفية. واندلاع العنف فيها يؤجج النزاع الطائفي، حيث السلطة محسوبة في خانة أقلية طائفية،

والمعارضة الشعبية تتموضع في بيئة طائفية وازنة جدًا في النسيج الوطني. لكن ثقافة المجموعات التي توصف بالأقليات هي ثقافة مدنية غير دينية، وقد اتخذت، ولا تزال، هويات سياسية

علمانية (البعث السوري وفرع البعث العراقي، الشيوعيون، الناصريون، والقوميون السوريون، والليبراليون).

والمسألة الأكثر حرجًا في سورية، خلافًا لمصر وتونس وليبيا واليمن، هي الموقع الإقليمي للدولة وحساسية هذا

الموقع تجاه التناقضات المحيطة به. تبدو سورية عقدة المشرق العربي، وتغدو المداخلات الخارجية ونزاعات الدول عليها أكبر ممّا هي عليه في أي

مكان آخر. فإضافة إلى طموحات الدول المجاورة (إسرائيل، إيران، تركيا)، هناك التوترات الطائفية الممتدة

من لبنان إلى العراق. ومعركة التغيير الديمقراطي لا تنفصل عن هذه التعقيدات الجيوسياسية والتوازنات

الإقليمية. ومن المعروف أن الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية ليست بيئة ملائمة للمسار الديمقراطي؛

فكلما ازداد عنف النزاعات تعاظمت معوقات التحول الديمقراطي. القوى الديمقراطية جيُمع الباحثون على أن الإرث الليبرالي كان ضعيفًا وهامشيًا في خلفية نشوء الدول العربية الحديثة. ويصف

جاكوب لاندو في كتابه عن الحياة البرلمانية المصرية الأحزاب آنذاك (قبل عام 1952) بأهنّا تجمّعات رأي شكلية

حول شخصيات سياسية، وقد برز ضعفها التنظيمي على نحو لافت. أمّا غسّان سلامة، فقال بوجود «اللحظة

الليبرالية» التي أعقبت استقلال بلدان المشرق العربي ثم انتهت بسرعة على وقع الانقلابات العسكرية.

67 جاكوب لاندو، الحياة البرلمانية في مصر، وسلامة، «بحث في الشرعية الدستورية،» ص.186

لقد سيطر على الحياة السياسية العربية خلال مرحلة الاستقلال الفكر القومي الذي تأثر تدريجيًا بالفكر اليساري.

ولم تكن الديمقراطية هي القيمة الأساسية لهذا الفكر ولتلك القوى، بل إن هذه القوى نظرت إلى الديمقراطية

كثقافة غربية مرتبطة بالاستعمار والإمبريالية. وجنحت الدول العربية الحديثة الراديكالية وغير المحافظة إلى تبنّي

أطروحات التحرر الوطني والوحدة القومية والاشتراكية. وكان وجود إسرائيل قد شكّل مبررًا لهذه التوجهات،

وكذا التحديات الغربية وصراعات الحرب الباردة التي ا ذت مبررًا لتطوير آليات الدولة الأمنية في العالم

العربي، فألغت هذه الأنظمة الحريات السياسية، وأحكمت قبضتها على الدولة والمجتمع، وتبنّت أيديولوجيا

هي مزيج من الاشتراكية والقومية والإسلامية. وأدى الإسلام السياسي باسم العدالة (عدالة النظام الإسلامي)

والحرية (حرية المجتمعات من الاستبداد ومن الهيمنة الغربية) دورًا أساسيًا لحركات المعارضة.

يرفض الإسلام السياسي المفاهيم الغربية لأنه يريد بناء نموذجه الثقافي الخاص. لكن هذا الرفض يتراجع

تدريجيًا بقبول الإسلام السياسي الانخراط في اللعبة الديمقراطية والانتخابات البرلمانية، إذ يسوّغ قادة الحركات

الإسلامية ذلك بأن الديمقراطية هي وسيلة من وسائل تعبير المجتمع عن إرادته. لكن الإسلام السياسي لا يصل

إلى فكرة «السيادة الشعبية»، أي أن تكون السلطة للشعب الذي ينظّم حياته ودولته وفق حاجاته المعاصرة، بل

يعتبر ذلك وسيلة لتحقيق العدالة في الدولة الإسلامية. إن أكثر الأحزاب ليبرالية، وهو الإسلام التركي، يقول

بذلك. غير أن الإسلام السياسي العربي يحاول تأصيل مفهوم الدولة المدنية انسجامًا مع تعدّدية المجتمعات

ومع تعدّدية التيارات الفكرية والسياسية. لا يعني الإسلاميون ب«الدولة المدنية» حياد الدولة بين الأديان والاتجاهات الفكرية والسياسية، بل يقصدون

أنها غير محكومة من المؤسسة الدينية أو من رجال الدِّين؛ الدولة المدنية دولة يحكمها مسلمون وتحترم حقوق

الجماعات الأخرى وفق شريعتها. ويذهب بعض قيادات الحركات والأحزاب الإسلامية إلى فقه المعاملات

ويقولون بإمكان إباحة بعض المعاملات الاجتماعية، كما صرّح رئيس حركة النهضة في تونس راشد الغنوشي

وبعض قادة «الإخوان» في مصر وسورية. أمّا رئيس المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا مصطفى عبد الجليل،

فشدّد على الشريعة الإسلامية مرجعًا أساسيًا للنظام الجديد. وفي مصر، انقسم الرأي العام الإسلاموي بين دعاة

الدولة الإسلامية والجماعات الإسلامية الصوفية التي قالت بالدولة المدنية. ودعا الشيخ يوسف القرضاوي

(الواسع النفوذ في الرأي العام الحركي الإسلامي) إلى الدولة الإسلامية. المسألة الأساسية هي اختبار الإسلام السياسي حين يصل إلى السلطة لا ما يطرحه من أفكار أيديولوجية لا

تلامس الواقع الاجتماعي والسياسي. وإذا أجرينا مقارنة بين منظومة الأفكار السياسية الإسلامية وواقع

الأنظمة السياسية والدستورية التي نشأت منذ مطلع القرن العشرين، نجد فوارق جوهرية. لقد انتهت الخلافة الإسلامية في آخر عهودها في تركيا عام 1923، ونشأت جمهورية تركية ثم جمهورية

سورية وجمهورية لبنانية ومملكة عراقية وأخرى أردنية، واستمرت الأُسر المالكة المصرية والمغربية والسعودية

إلخ... وشهدنا منذ الخمسينيات نشوء جمهوريات جديدة في مصر والسودان وتونس والجزائر واليمن وليبيا

والصومال وجيبوتي وجزر القمُر. وتكرست منذ السبعينيات الإمارات المستقلة في الخليج فاتخذت صفة مملكة

أو صفة سلطنة. من الممالك التي نشأت (العربية السعودية والأردن والمغرب) اثنتان دستوريتان (الأردن والمغرب). أمّا

الجمهوريات، فكانت جمهوريات برلمانية من حيث شكل النظام السياسي ظاهرًا، ولكنها لم تعرف التجربة

68 محمد نور الدين، قبعة وعمامة: مدخل إلى الحركات الإسلامية في تركيا (بيروت: دار النهار.)1997

البرلمانية الفعلية من حيث مسؤولية السلطة التنفيذية أمام السلطة التشريعية (البرلمان)، أي المجالس المنتخَبة

شعبيًا. وجنحت هذه الأنظمة لكي تكون رئاسية من حيث الصلاحيات الدستورية، واعتمدت الحكم الفردي

شبه الوراثي حين حوّلت الانتخابات الرئاسية إلى عملية استفتاء على قرار الحزب الحاكم لا إلى انتخابات تنافسية

فعلية. ولم يكن هناك تداول للسلطة في جميع هذه الجمهوريات باستثناء لبنان. ليست النصوص الدستورية

وحدها ما يحدد طبيعة الأنظمة، بل هناك التأثير الأقوى للثقافة السياسية وللقوى السياسية (المؤسسات

الشعبية وفي طليعتها الأحزاب). على أي حال، تأكد لنا أن الإسلام السياسي رضخ بصورة فعلية لمنظومات

سياسية جرى استيرادها أو تقليدها من النظم الغربية (دساتير فرنسا وألمانيا وبلجيكا)، وهناك مؤسسات

نشأت لا علاقة لها بالخلافة أو الإمامة أو الشورى، أي المفاهيم التي دار حولها الفكر الإسلامي، فلا الملكية

ولا الجمهورية ولا البرلمان ولا الانتخابات ولا الأحزاب العقائدية (القومية أو اليسارية أو الليبرالية) هي

من ضمن الفهم الإسلامي لصيغة الحكم والدولة. وبقطع النظر عن فعالية هذه المؤسسات، فإن «السيادة

الشعبية» تجلّت بشكل أو بآخر من خلال هيئة تشريعية حتى وإن سيطر عليها فكر عقائدي معنيّ. وما تضمّنته

الدساتير العربية من تحديد لهوية الدولة قوميًا أو اقتصاديًا أو دينيًا، أخذ في التجربة العملية منحى آخر. فمنذ

عهد التنظيمات في الدولة العثمانية (1839)، كانت القوانين التي تنظم معاملات الناس تُستوحى من القوانين

الغربية، باستثناء قوانين الأحوال الشخصية. بل إن نظام القضاء في (المحاكم) قام وفق شروط لا علاقة لها

بتجربة المسلمين التاريخية. أمّا الحقوق والحريات التي كفلتها الدساتير، فقد أكدت الطابع الفردي (الطبيعي)

للإنسان، وتخطّت مفاهيم إسلامية أساسية كالخراج والجزية (نظام الذمّية)، واعترفت إلى حد بعيد بحقوق

المواطن إلاّ استثناء وتقييدًا لبعض هذه الحقوق (في الوظيفة المدنية أو العسكرية أو القضائية)، وهذه الشروط

التمييزية طاولت أحيانًا في بعض الدول جماعات تنتمي إلى دين واحد ولو اختلفت مذهبيًا. لكن ظواهر مثل

تعيين رئيس وزراء مسيحي في سورية أو وزير خارجية قبطي في مصر أو مسيحي آشوري في العراق أو انتخاب

رئيس جمهورية مسيحي في لبنان أو تويلّ شخصيات كردية وتركمانية أدوارًا أساسية في الدولة السورية أو قادة

أمازيغ في الجزائر، فإنها لم تكن محل احتجاج أو استهجان في الدولة العربية الحديثة. ولجهة المذاهب الإسلامية،

هناك تنوّع لسلطات الحكم، كالمالكية في المغرب والجزائر والإمارات العربية، والسنوسية في ليبيا، والحنبلية

الوهابية في السعودية، والإباضية في سلطنة عمُان، والزيدية في اليمن الشمالي، ولم تشكّل هذه اللوحة التعدّدية من

قبل خ الً في شرعية الأنظمة السياسية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مشاركة الأحزاب السياسية العقائدية العلمانية؛

فقد شارك الشيوعيون في معظم حكومات الجمهوريات (مصر، العراق، سورية، الجزائر، اليمن، الصومال،

السودان) جنبًا إلى جنب مع القوميين والليبراليين. وبهذا المعنى يمكن الحديث عن أكثر من «لحظة ليبرالية» في

التجربة الدستورية والسياسية العربية. لا يمكن اعتبار تلك الحقبة التاريخية التي جاوزت نصف قرن حقبة غير شرعية من منظار الجماهير العربية

المسلمة، ولا هي كانت مجرد سلطات غاصبة؛ فقد تحوّل الفكر السياسي العربي خلال تلك الحقبة باتجاه دعم هذه

القوى والتيارات، وواكب مفكرو الإسلام السياسي هذه المرحلة بمحاولات للتكيّف والتبرير حيث تحدثوا

عن اشتراكية عربية وإسلامية، وعن ملاءمة بين الإسلام والقيم السياسية الغربية، وملاءمة الإسلام للعلم

وللنظريات العلمية ومنجزاتهما. صحيح أن الإسلاميين في سورية قاموا في عامي 1963 و 1973 باحتجاجات واسعة ضد النظام العقائدي

والدستور المقترح، لكنهم رفضوا سياسات النظام الاقتصادية، واستطاعوا تجميع القوى التقليدية والبرجوازية

أكثر ممّا كان في استطاعتهم مواجهة النظام العروبي. وفي عام 1973 ساهم في حركة الاحتجاج الطابع المذهبي

لقوى النظام. أمّا في مصر، فلم تكن المشكلة تتعدى في عام 1956 تضمين الدستور كون الشريعة المصدر

الأساس للتشريع، وهو ما كان موجودًا في الدساتير السابقة، وخاصة دستور عام 1923. ولم تظهر هذه

الإشكالية في العراق أو الجزائر أو تونس التي اتخذت اتجاهًا علمانيًا قويًا بقانون وضعي للأحوال الشخصية.

ولم تكن الأنظمة التي شدّدت على الطابع الاشتراكي للنظام، كما في اليمن الجنوبي والجزائر، موضع معارضة

جدية من الاتجاهات الإسلاموية، بل إن الثقافة السياسية قبلت إلى حد بعيد ما قاله مكسيم رودنسون في

محاضرة له في الجزائر في الستينيات من أن المسلم يستطيع أن يصل إلى الاشتراكية من خلال الحركات الإسلامية

الاجتماعية، كالقرامطة وعلم الاجتماع عند ابن خلدون وفلسفة ابن رشد العقلية، أو مذهب المعتزلة. وبالفعل

كتب رودنسون عن الإسلام والرأسمالية، والإسلام والاشتراكية. عاش العالم العربي في ظل أنظمة ذات عقيدة جمعية هي مزيج من الإسلام والقومية العربية واليسارية والليبرالية،

كما كتب جوناثان براون. لكن هذا المشروع السياسي القومي حملته نخب سياسية ثقافية انسلخت عن بيئتها

الاجتماعية؛ فالعسكريون العرب (مصر، سورية، العراق، الجزائر، اليمن، السودان، ليبيا) أنابوا أنفسهم عن

المجتمع، ووضعوا نصب أعينهم إعادة تشكيله بما يلائم تلك الأفكار. وقد أشار مايكل هدسون إلى أن جميع

الأنظمة العربية، محافظة كانت أو تقدمية، تستعمل الأيديولوجيا بشكل مكثّف لتثبيت شرعيتها. قامت الدولة العربية الحديثة، كما يقول وضاح شرارة، منسلخة عن المجتمع المدني وعازلة له ومتسلطة عليه

لأسباب تتعلق بالتشكيلة الطائفية المعقَّدة، وعلاقة العرب بالغرب، وتصدّي الدولة لمهمات جديدة وضعتها

خارج المجتمع؛ فهي دولة هامشية، بمعنى أنها محاولة في بناء الوحدة المجتمعية عن طريق الهروب إلى الأمام

لا من خلال التصدّي لمعالجة المشكلات والمعضلات التي يطرحها المجتمع. ويشكّل الجيش غالبًا الحلقة الرئيسة، لأن القوات المسلحة تشكّل عمليًا القوة المنظمة الوحيدة في المجتمعات

الزراعية (...)، ويُعتبر الجيش جزءًا من القوى المثقفة المحلية التي تستبدل قيم مجتمعها التقليدي بقيم المجتمع

الصناعي، وتطالب بالتغيير في المجتمع بما يتناسب مع حاجاته وقيمه، حيث لا يكون للجسم السكاني

أي دور مهم في السياسة. لكن القوى القومية هذه تقوم بدورها «للشعب لا بواسطة الشعب»، وهي تنوب

عنه وتطوّر نظامًا شموليًا يصادر حرية المجتمع ويضبط تناقضاته بالقوة، خاصة أنها تتصدّى لمهمات العدوان

الخارجي أو الحروب الإقليمية كما حصل في الدول العربية منذ نشوء دولة إسرائيل وحروبها المتتالية (-1947 لقد بنت القوى القومية أنظمة سياسية مختلفة عن مضامين الدساتير وحوّرت قواعدها الأساسية، وجعلت

التعددية السياسية شكالً من الجبهات الحزبية، والأمن القومي نظام قمع للحريات الفكرية والإعلامية

والسياسية، وفرضت أنظمة الطوارئ والأحكام العرفية والاستثنائية، وعطّلت دور القضاء كسلطة مستقلة

وكحامٍ للحريات والحقوق، وتعاملت مع الديمقراطية السياسية كانحراف ليبرالي غربي لا يكتمل إالّ

بالديمقراطية الاجتماعية، وأعطت الأولوية لدور وتأثير ما سمّته «تحالف قوى الشعب العامل من عمال

وفلاحين وسائر الفئات الشعبية»، وحفظت لهؤلاء حصة ثابتة أكثرية في التمثيل الشعبي.

69 مكسيم رودنسون: الإسلام والرأسمالية، ترجمة نزيه الحكيم (بيروت: دار الطليعة، 1968، ترجمة)؛ و الماركسية والعالم الإسلامي

كميل داغر (بيروت: دار الحقيقة،.)1974

70 سلامة [وآخرون] (محررون)، الأمة والدولة والاندماج في الوطن العربي، ص.87

71 وضاح شرارة، إستئناف البدء: محاولات في العلاقة ما بين الفلسفة والتاريخ (بيروت: دار الحداثة، 1981)، ص 104 –.112

72 وضاح شرارة، حول بعض مشكلات الدولة في الثقافة والمجتمع العربيين، سلسلة العلوم الاجتماعية (بيروت: دار الحداثة،.)1980

73 انظر: كاوتسكي، التحولات السياسية، ص 28-26 و.68-67

بيد أن هذه الأنظمة فشلت في تحقيق وعودها في الاستقلال والوحدة والتنمية والتحرير، وفقدت تدريجيًا شرعيتها

الشعبية، وفقدت تاليًا في نظر الجمهور أهمية مؤسساتها ودور هذه المؤسسات. ولأنها سدّت الطريق على الحياة

السياسية وصادرتها، نمت في ظلها حركات سياسية «تقليدية» استفادت من الموروث الديني ومؤسساته، ومن

حالة التديّن الشعبي الذي هو مزيج من حال الاحتجاج والعجز عن مواجهة التحديات اليومية. منذ انطلاق الثورات العربية مطلع العام 2011، احتلت المسألة الدستورية مقدّمة جدول الأعمال. وكان على

الثورات أن تبلور صيغة للنظام السياسي المقبل يلغي المفاعيل السلبية السابقة التي قادت إلى «الاستبداد».

وأجمع مختلف التيارات السياسية على هذه المهمة، واختلفت في الشكل الملائم لذلك؛ فطرح الإسلاميون

شعارات عامة كالإسلام هو الحل، والدولة الإسلامية، وذهبت وثيقة الأزهر إلى الحديث عن الدولة

الوطنية، محاذرة تحديد صفات أخرى للدولة، وقال بعضهم بالدولة المدنية، أي الدولة غير «التيوقراطية» في

مفهومهم من دون أن تكون دولة محايدة بين الأديان. وأصرّت الجماعات الإسلامية على تضمين الدستور بندًا

أساسيًا يعلن أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس للتشريع، وتباين بعض الأفكار حول التزام المبادئ

الإسلامية أو الإحالة على الشريعة بشكل عام أو على الفقه. وكان من السهل تجاوز الإحالة على الأحكام

الفقهية لاختلاف الفقهاء فيها، أمّا الشريعة ككل، فقد اختلفت الإحالة على المصدر الأساس أو المصدر

الوحيد، أو على أحد المصادر. وأصرّ بعض الآراء في مصر على الاكتفاء بالمصدر الأساس للتشريع، وأناط هذه السلطة بالمجلس التشريعي

(النيابي) وبالتفسير الذي تقوم به المحكمة الدستورية العليا، وهو الأمر الموجود في دستور 1973 المعمول

به حتى الآن. ولم يتحقق الإجماع على أن دين الدولة هو الإسلام باعتبار أن الدولة تضم بين ظهرانيها الجماعة

القبطية المسيحية، فدعا بعضهم إلى تضمين الدستور ضمانات لحرية المعتقد وممارسة الشعائر، والإشارة إلى تنوّع

مكونات الشعب المصري وتعدّدها. أمّا الدستور المغربي، فكان قد حسم هذه المسألة باعترافه الصريح بمكوّنات

الشعب المغربي وتعدّديته العرقية والدينية. وفي ما يتعلّق بالمسألة الثانية التي شغلت النقاش الدستوري، أي طبيعة النظام السياسي من حيث توزيع

السلطات والفصل بينها وعلاقاتها، فقد اجتّه معظم الرأي إلى تأييد النظام الجمهوري البرلماني لا العودة

إلى النظام الرئاسي، بحيث تكون للبرلمان السلطة الأساسية في التشريعات ومراقبة السلطة التنفيذية

ومحاسبتها. ومع الإقرار بهذا المبدأ، ما زالت الصلاحيات التنفيذية غير محسومة لجهة مسؤولية الحكومة

أمام البرلمان أو الرئيس، ولجهة دور السلطة التنفيذية (والإجرائية) في التشريع. وهذه القضية تركزت

حولها مطالب المعارضة المغربية بشكل خاص، لأن الملك لا يزال يملك صلاحيات تنفيذية وتشريعية من

دون أن يخضع للمسؤولية. وفي سورية تركزت المطالب على تعديل الدستور لجهة المادة الثامنة، التي تنص على سلطة حزب البعث على الدولة

والمجتمع. لكن النقاش لم يتبلور حول صيغة النظام، فسارع الحكم إلى تعديل الدستور محتفظًا بالصلاحيات

الرئاسية المطلقة. وفي البحرين عُقد في عام 2004 مؤتمر دستوري دعا إلى ملَكية دستورية (تعاقدية) لا يكون

الدستور فيها منحة من الملك، كما جرى في عام 1973، وأن يكون النظام برلمانيًا فلا يكون الملك صاحب

74 عبد الإله بلقزيز، «المغرب والانتقال الديمقراطي،» ورقة قدمت إلى: حلقة نقاشية أقامها مركز دراسات الوحدة العربية بتاريخ 8

أيلول/ سبتمبر.2011

السلطة التنفيذية بل تكون الحكومة المسؤولة أمام البرلمان، مع القبول بنظام المجلسين (مجلس الشعب ومجلس

الشورى)، فيكون الأول منتخَبًا والثاني معيَّنًا، ويشتركان في التشريع، على أن يكون عدد الأول ضعف عدد

الثاني. لكن الحركة الدستورية المعاصرة للثورات العربية ما زالت في بداياتها، وهناك سعي إلى تشكيل الهيئة

التأسيسية المصرية التي لم يتم التوافق حولها، وهناك تعليق للأزمة الدستورية في سورية والبحرين، وإعطاء

صلاحيات إعداد الدستور إلى المجلس الوطني الليبي المنتخَب. إلى جانب القضايا السالفة التي أثيرت، هناك سعي لدى الجماعات اليسارية إلى بلورة الحقوق الاقتصادية

والاجتماعية، وتضمينها في مواد الدستور، والتقاء يساري ليبرالي على تأكيد الحريات العامة والفردية من

وحي الميثاق العالمي لحقوق الإنسان. وتحاول المعارضة التونسية الاحتفاظ بمكتسبات القانون المدني الوضعي

للأحوال الشخصية، ويسعى الإسلاميون إلى مراجعة القانون وتعديل أحكامه. لكن اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا أساسًا للتشريع يطرح إشكالية الطرف الذي يقوم على إعلان انطباق

التشريع أو عدم انطباقه على الشريعة الإسلامية، أو ملاءمته لها، وفي أي ميادين وفي أي نطاق يجري تطبيق

الشريعة، خاصة أمام الإرث المدني الواسع للتشريعات العربية خارج أنظمة الأحوال الشخصية (قوانين التجارة

والملْكية والعمل والجزاء...)؛ ففي المغرب، يتوىلّ الملك رئاسة المجلس العلمائي الذي يقرر شرعية النصوص

القانونية. وفي مصر تتوىلّ المحكمة الدستورية هذه المهمة، وفي تراث القضاء المصري رحابة واسعة في استيعاب

قضايا الحريات وحقوق الإنسان كما أكدت ذلك اجتهادات القضاء المصري. لكننا سنكون أمام إشكال من

التمييز تتعلق بالحريات المدنية التي تتصل بالحقوق الطبيعية للإنسان وما زالت في دائرة التشريع الإسلامي

(الأحوال الشخصية)، وسنكون كذلك أمام إشكالية التعامل مع الجماعات غير الإسلامية (الأقباط وأهل

النوبة) في مسألة حقوقهم السياسية والمدنية وكيفية مشاركتهم في الحكم وفي العملية الديمقراطية. بل ثمة

إرث من القوانين التي قيّدت ممارسة بعض الحريات الدينية، كالحاجة إلى الإذن الإداري المسبق لبناء كنيسة

أو ترميمها. وهناك مطالبات تتعلّق بتطوير ثقافة الأقليات واستخدامهم لغتهم وحقهم في ممارسة تقاليدهم

وشعائرهم، فضالً عن حقوقهم في الإدارات الرسمية المدنية والعسكرية. هذه القضايا فتحت الثورات العربية

أبوابها على مصاريعها من دون أن يكون المجتمع بقواه السياسية الفاعلة جاهزًا للإجابة عنها.

إن إشكالية حقوق المواطَنة هذه جعلت من الأقليات أو الجماعات الدينية أو اللغوية أو الإثنية أو المذهبية

تتصرف بحذر تجاه عملية التغيير في العالم العربي، حيث لم يكن لدى القوى السياسية الصاعدة برامج واضحة

وتطمينات؛ فانشق الأكراد السوريون عن المجلس الوطني لأنهم لم يجدوا في برنامجه صيغة لحقوقهم. وترى

الجماعات المسيحية أنها تتحفظ على مبدأ الديمقراطية العددية (حكم الأغلبية) في المجتمعات التعددية التي

لم تحقق الاندماج الوطني الكامل. وانطلقت من لبنان دعوات إلى البحث في صيغ «للديمقراطية التوافقية» أو

أنظمة شبه اتحادية تؤمّن مشاركة جميع الجماعات في السلطة. كل ذلك يجعل المسألة الدستورية (الدساتير والنظم

السياسية والمؤسسات والثقافة السياسية) في دائرة النقاش.

75 المؤتمر الدستوري الأول، مملكة البحرين، 2004، وثيقة المؤتمر.