العودة إلى تفاصيل المؤلَّف ظهور فكرة الدستور وتطوّرها في تونس

ظهور فكرة الدستور وتطوّرها في تونس

The Tunisian Constitution: The Birth and Evolution of an Idea

عمر البوبكري

Omar Boubakri

الملخّص

* أستاذ محاضر في القانون العام، كلية الحقوق في صفاقس (تونس.)

Abstract

This study examines the circumstances in which the idea of a constitution arose and developed in Tunisia. The author here examines the factors behind its evolution and the intellectual, political and legal currents which influenced it. Tunisia’s constitutional history begins with the Tunisian elite’s concern for reform and the codification of the country’s system of governance, starting at the twilight of Ottoman rule – once the Ottoman Empire’s influence started to wane and that of Europe began to rise. It further evolved with the demands made during Tunisia’s period under the French Protectorate, whereby the National Liberation Movement’s constitutional demands strived to establish institutions which allowed Tunisian people to rule themselves. This was followed by the post-independence era and with it the suspension of the constitution under despotic rule. Its history finally culminated in the January 2011 revolution and the explicit constitutional demands that came with the uprisings. The struggle over the foundational principles which will establish the basis of the government and provide the legal framework pertaining to rights and liberties, continues to be a defining characteristic of this ongoing period.

الكلمات المفتاحية:
  • تونس
  • الدستور
  • الحماية الفرنسية
  • الاستبداد
  • النظام السياسي .
Keywords:
  • Tunisia’s National Liberation Movement
  • Tunisian Constitution
  • French Protectorate

ترصد هذه الورقة ظروف نشأة فكرة الدستور وتطورها في تونس، والعوامل التي كانت وراء

ذلك، والتيارات الفكرية والسياسية والقانونية التي أثّرت فيه. وهي تبدأ من اهتمام النخبة التونسية

بالإصلاح وتنظيم الحكم وتقنينه أواخر العهد العثماني، بعد أن بدا الضعف أمام القوة الأوروبية

الصاعدة، مرورًا بما شهده عهد الحماية الفرنسية من مطالب دستورية قوية أطلقتها الحركة الوطنية

بغية تمكين الشعب التونسي من بناء المؤسسات التي تخوّله حكم نفسه بنفسه، وما عرفته دولة

الاستقلال من تعطيل الاستبداد مبادئ الدستور، وصولا إلى ثورة كانون الثاني/ يناير 2011

ومطالبها الدستورية الديمقراطية الواضحة وما شهدته وتشهده من خلاف وصراع حول الأسس

التي ينبغي أن يقوم عليها نظام الحكم وموضوع الحقوق والحريات وطبيعة النظام السياسي.

مقدّمة

ارتبط ظهور الدستور بنشأة النظام الديمقراطي في البلدان الغربية منذ عصر الأنوار، وهو نتيجة مباشرة

للتطوّر الاجتماعي والسياسي والفكري الذي عرفته مجتمعات تلك البلدان منذ نهاية القرون الوسطى

واستمر إلى غاية الفترة التالية للحرب العالمية الثانية، حين انتقلت نظم الحكم من الحكم الفردي المطلق المبني

على الشرعية الوراثية إلى الحكم المستند إلى الشرعية الديمقراطية بعد الاعتراف للشعب بأحقيته بالسيادة،

وبالتالي تولّيه تسيير شؤونه بواسطة المؤسسات النيابية المنتخَبة ديمقراطيًا. كان الفكر التحرّري الذي أفرزته التحولّات الاجتماعية والاقتصادية المهمّة التي عرفتها المجتمعات الغربية

منذ نهاية القرون الوسطى يرى في الدستور الوسيلة الكفيلة بضمان تنظيم عقلاني لسلطة الحكم، يسمح باحترام

الحريات الفردية ووضع حد للتعسف وللظلم الذي طبع نظم الحكم التقليدية. تلك هي المهمّة الأساسية المنوطة بالدستور في الفكر التحرّري الغربي التقليدي: تقييد السلطة السياسية بالقانون

لضمان الحريات الفردية الأساسية التي جاءت لأجلها الثورات البرجوازية في إنكلترا وفرنسا؛ فللدستور وظيفة

تحرّرية في الأساس من خلال وضع قيود قانونية على السلطة السياسية من شأنها أن تحول دون التعسف والاستبداد.

للدستور معنيان مختلفان: يركز الأولعلى الجانب الشكلي باعتباره القانون الأسمى في الدولة الذي يحتل أعلى

هرم النظام القانوني ككل، نظرًا إلى إصداره وفق إجراءات خاصة غالبًا ما تكون أصعب من تلك المعتمَدة في

إصدار القوانين العادية. كما أن تنقيح الدستور يتميز بالدرجة نفسها من التعقيد، خلافًا لما هو معمول به بالنسبة

إلى القوانين العادية. أمّا المعنى الثاني، فيركز على مضمون القواعد التي تُعتبر دستورية، وهي تلك المتعلقة بتنظيم

السلطة السياسية، بغضّ النظر عن شكلها. يميل فقهاء القانون الدستوري إلى الأخذ بالمعنيين الشكلي والمادي في آن معًا لتعريف الدستور؛ فهو القانون

الذي يتميز بعلويته عن القوانين الأخرى، نظرًا إلى خصوصية إجراءات وضعه وتعديله، وكذلك إلى خصوصية

موضوعه باعتباره ينظم سلطة الحكم وكيفية ممارستها، ويضمن في الوقت نفسه حقوق الأفراد وحرياتهم. لم يظهر الدستور بهذا المعنى الحديث إالّ منذ القرن الثامن عشر في كلٍّ من أميركا وفرنسا. ثم انتشر بعد ذلك

في بلدان عدة، في أوروبا وخارجها، تأثرت بالفكر السياسي الجديد الذي مهّد لظهور الدستور وبناء الأنظمة

الديمقراطية الحديثة، وسعت إلى بناء سلطة سياسية تقوم على الحكم المقيَّد بالقانون. ولم يكن العالم العربي

والإسلامي بمعزل عن تلك التطوّرات التي أثّرت في بعض أجزائه بدرجات متفاوتة. ذلك ما حصل خاصة في

تركيا تحت الحكم العثماني، وكذلك في مصر وتونس منذ القرن التاسع عشر. سيتم الاقتصار في هذه الورقة على ظهور فكرة الدستور في تونس وتطوّرها، كمثال لأحد البلدان العربية التي

تفاعلت بشكل قوي مع الفكر الدستوري الحديث منذ وقت طويل، خاصة أن تونس تمر في هذه الفترة بمرحلة

إعادة بناء دستوري من خلال صوغ الدستور الثالث في تاريخها بعد دستوري عامي 1861 و 1959. ما هي ظروف نشأة فكرة الدستور في تونس؟ وكيف تطوّرت عبر مختلف مراحل التجربة الدستورية التونسية؟

سيجري التعرّض لهذه الإشكالية من خلال دراسة مختلف العوامل التي كانت وراء ظهور الدستور وتطوره، وكذلك

التيارات الفكرية والسياسية والقانونية التي أثّرت في ذلك التطور. يمكن القول في هذا الإطار إن الدستور في تونس

كان في الأساس فكرة نخبوية في بدايتها، ثم انتشرت لدى عامة الشعب التونسي بفضل الدور الذي أدّته الحركة

الوطنية في فترة النضال لأجل التحرّر من الاستعمار الفرنسي. لكن دولة الاستقلال التي بُنيت بعد التحرّر عطلت

التطوّر الدستوري، وحالت دون تجذير الفكر الدستوري التحرّري بسبب الانحرافات التي حصلت في ممارسة

السلطة، في حين جاءت ثورة 14 كانون الثاني/ يناير 2011 لتُحْدِث التحوّل الجذري والقطيعة مع الوضع السابق.

الدستور كفكرة نخبوية

عرفت البلاد التونسية أولى محاولات التحديث خلال فترة حكم حمودة باشا، التي امتدت من عام 1782 إلى

عام 1815، عندما بُعثت أول مرة بعض المؤسسات الحكومية المجسِّدة لكيان الدولة التونسية الحديثة، وذلك

من خلال إنشاء بعض الوزارات والإدارات المتخصصة التي تُعنى بشؤون الدولة. لكن التفكير في إصلاح نظام

الحكم لم يأت إالّ في فترة لاحقة من طرف مجموعة من الأشخاص المرتبطين بالسلطة السياسية الحاكمة مباشرة.

ومن أهم رموز تلك النخبة يُذكر خير الدين التونسي وأحمد بن أبي الضياف وبيرم الخامس.

1 Paul Bastid, L’Idée de Constitution, Classiques. Série Politique et constitutionnelle (Paris: Economica, 1985).

2 محمد رضا بن حماد، المبادئ الأساسية للقانون الدستوري والأنظمة السياسية (تونس: مركز النشر الجامعي، 2006)، ص.72-33

3 Yadh Ben Achour, L’Etat nouveau et la philosophie politique et juridique occidentale, préf. de G. Burdeau, Bibliothèque de droit, de sciences politiques et économiques; 2 (Tunis: Centre d’études de recherches et de publications de la Faculté de droit et des sciences politiques et économiques, 1980), pp. 290-295.

ظهر اهتمام النخبة التونسية بالدستور كنتيجة للتأثر بالأفكار الإصلاحية المنتشرة في تركيا ومصر خلال

القرن التاسع عشر، وهي الأفكار الهادفة إلى إخراج تلك البلدان من التخلّف الذي وقعت فيه لمواجهة

التحديات التي كان تطوّر أوروبا يطرحها على العالم الإسلامي آنذاك. لذلك اشتركت النخبة التونسية مع

بقية النخب في البلدان العربية والإسلامية في اهتمامها بإصلاح تلك البلاد التي بدت على ضعف كبير أمام

القوة الأوروبية الصاعدة. وكان ذلك نتيجة العلاقات التي تربط تلك النخب بعضها ببعض بحكم تنقّلها

المستمر. من ذلك مثالً سفر خير الدين باشا إلى اسطنبول بصفة منتظمة، وإقامة أحمد فارس الشدياق في

تونس في ما بين عامي 1847 و 1859 وبقاؤه على اتصال مباشر بالنخبة الإصلاحية مثل خير الدين،

وكذلك لقاء أحمد بن أبي الضياف برفاعة رافع الطهطاوي في باريس. كان ذلك عامالً مساعدًا على انتشار

الأفكار الإصلاحية وتداولها في ما بين النخبة التونسية، التي كان تأثّرها بما كان يحصل في بقية البلاد العربية

والإسلامية واضحًا في تلك الفترة.

لكن النخبة التونسية لم تكن على اتصال بالمشرق العربي والإسلامي فحسب، بل كانت وثيقة الاتصال بأوروبا

أيضًا، حيث مكّنت الزيارات المتتالية والمطوّلة أحيانًا من الاطّلاع على نهضة البلدان الأوروبية ومستوى التقدم

العلمي والتكنولوجي والاقتصادي الذي حققته تلك البلدان، في وقت كانت تعيش تونس في حالة انحطاط

كامل، مثلها مثل سائر البلاد العربية والإسلامية. ومن أشهر الزيارات تلك التي قام بها أحمد باي (حكم تونس

من عام 1837 إلى عام 1855) إلى فرنسا بدعوة من الملك لويس فيليب، بمعية بعثة من معاونيه مثل أحمد بن أبي

الضياف وخير الدين التونسي. وقد تحدث بن أبي الضياف مطوَاّلً في مؤلفه المعروف الإتحافعن تلك الرحلة،

وعن مدى انبهار الباي بما وصلت إليه فرنسا من رقي في ذلك الوقت. ويمكن القول إن الانبهار بما حققته الحضارة الغربية من تقدّم هو سمة عامة للمصلحين التونسيين وغير

التونسيين خلال القرن التاسع عشر، ويبدو ذلك جليًا من خلال تخليص الإبريز في تلخيص باريز لرفاعة

الطهطاوي. ويصاحب ذلك الانبهار وعي قوي بتأخّر المجتمع التونسي الكبير عن ركب الحضارة والتقدم.

لذلك كانت أفكار المصلحين تتفق في ضرورة الأخذ عن الغرب جميع الأسباب الضرورية لتحقيق التقدّم في

المجتمع التونسي، وضرورة التخلص من الأفكار البالية الرافضة لكل ما يأتي من خارج بلاد الإسلام. واعتبر زعماء الإصلاح أن من أهم أسباب تقدّم الغرب هو تنظيم الحكم بشكل عقلاني، وذلك بتقييده بالقانون

الذي من شأنه أن يحد من التسلط وأن يساعد على أداء أفضل لمؤسسات الدولة بما يحقق الصالح العام. لذا طالب

خير الدين التونسي في كتابه أقوم المسالكالذي ألّفه في عام 1867، بضرورة بناء نظام حكم ملكي دستوري، وبناء

مؤسسات عصرية من شأنها أن تساعد المجتمع التونسي على الرقي الاقتصادي والاجتماعي. وكان خير الدين

يسعى جاهدًا إلى إقناع رجال الدِّين بضرورة الإصلاح، نظرًا إلى تأثيرهم الكبير في جميع فئات المجتمع التونسي.

4 محمد الهادي المطوي، ‏أحمد فارس الشدياق، 1887-1801:‏ ‏حياته وآثاره وآراؤه في النهضة العربية الحديثة، السلسلة الجامعية، 2 ج

(بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1989)، ج 1، ص.146-125

5 أبو العباس أحمد بن عمر بن أحمد بن نصر بن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، 8 ج (تونس: الدار

التونسية للنشر والتوزيع،.)1990

6 رفاعة رافع الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز (تونس: الدار العربية للكتاب،.)1991

7 Mohamed Ridha Ben Hammed, Histoire des idées politiques: Depuis le XIXème siècle: Occident monde arabo- musulman (Tunis: Centre de publication universitaire, 2010), pp. 199-251.

8 خير الدين التونسي، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تحقيق المنصف الشنوفي (تونس: الدار العربية للكتاب، 1998)، ص

185-81. صدر هذا الكتاب لأول مرة عام.1867

9 Arnold H. Green, The Tunisian Ulama, 1873-1915: Social Structure and Response to Ideological Currents , Social,

Economic and Political Studies of the Middle East; v. 22 (Leiden: Brill, 1978), pp. 103-128.

سعى أحمد باي إلى إدخال جملة من الإصلاحات التي تهدف إلى تحديث الدولة التونسية في الاتجاه نفسه الذي

سار عليه سلفه حمودة باشا، وبشكل يستجيب لتطلّعات النخبة الإصلاحية. لكن أحمد باي كان متسرّعًا في

تطبيق الإصلاحات التي غلب عليها الطابع الشكلي بسبب الانبهار بما رآه في فرنسا خلال زيارته لها، لذلك لم

تؤت تلك الإصلاحات التي أدخلها النتيجة المأمولة. لكن مجهود الإصلاح لم يتوقف بعد أحمد باي؛ إذ استمر المؤمنون به في السعي إلى تحقيقه. وقد تزامن ذلك

مع الضغوط التي مارستها فرنسا وبريطانيا على الباي للقبول بإصلاحات تضمن احترام حقوق رعايا الدول

الأوروبية المقيمين في تونس. لذلك قبل محمد باي بإصدار عهد الأمان عامِ 1857 الذي أقر بالمساواة في الحقوق

بين الأشخاص بغضّ النظر عن ديانتهم. يُعتبر عهد الأمان بمنزلة إعلان حقوق شبيه بإعلانات الحقوق التي عرفتها أوروبا وأميركا، خاصة خلال

القرنين السابع عشر والثامن عشر. وقد احتوى على المبادئ ذاتها التي جاءت بها «التنظيمات» في تركيا، وتحديدًا

«خط همايون» الصادر عام.1856 بعد عهد الأمان، أصدر محمد الصادق باي دستور 1861 الذي يعتبر أول دستور مكتوب، بالمعنى الحديث،

في العالمين العربي والإسلامي. وقد قبل الباي في هذا الدستور بتقييدٍ نسبي لسلطته من خلال تركيز أسس نظام

الملَكية الدستورية؛ إذ بُعث المجلس الأكبر، وهو مؤسسة شبه نيابية تتمتع بصلاحيات المصادقة على القوانين

وعزل الباي. لكن تمثيلية المجلس الأكبر ضعيفة جدًا بحكم تعيين جميع أعضائه من الباي نفسه. بالرغم من الإضافة المهمّة مقارنةً بعهد الأمان، بقي دستور 1861 محدود الأهمية، نظرًا إلى تعطّل التجربة

الدستورية عام 1864 بسبب قرار الباي تعليق العمل بالدستور في إثر انتفاضة المناطق الغربية للبلاد بقيادة علي

بن غذاهم ضد حكم الباي، بسبب قرار مضاعفة الضرائب الذي لم يراع الظروف الصعبة لأهالي تلك المناطق

وتردّي أوضاعهم المعيشية. وقد بيّنت تلك الانتفاضة الشعبية الهوّة التي تفصل النخبة الحاكمة عن عامة

الشعب الذي لم يكن مهت بالإصلاحات الدستورية، بل على العكس، إذ لقيت تلك الإصلاحات رفضًا عامًّا

لأنها كانت تعكس خضوع الباي لمطالب القوى الغربية أكثر من كونها نابعة عن إرادة حقيقية في إصلاح نظام

الحكم الذي انتشر فيه الظلم والتعسف والفساد إلى درجة التسبّب في الانهيار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي

للبلاد التونسية، وهو الوضع الذي أدى بالصادق باي، صاحب دستور 1861، إلى تسليم البلاد التونسية إلى

الحماية الفرنسية بموجب معاهدة باردو بتاريخ 12 أيار/مايو 1881، وهي الفترة التي بدأ فيها التراجع الفعلي

لدور الباي في الحياة السياسية في حين ظهرت الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار الفرنسي كفاعل سياسي

واجتماعي جديد.

الدور الإيجابي للحركة الوطنية في نشر الفكرة الدستورية

بالرغم من عدم تجذّر فكرة الدستور في المجتمع التونسي خلال محاولات الإصلاح التي تمّت في النصف

الثاني من القرن التاسع عشر، بقيت النخبة التونسية متمسّكة بها ولم تتخل عنها لقناعتها بضرورة بناء النظام

10 Leon Carl Brown, The Tunisia of Ahmad Bey, 1837-1855 , Princeton Studies on the Near East (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1974). 11 Hachemi Jegham, La Constitution tunisienne de 1861 , préface de Abdelfattah Amor, collection juridique et politique (Tunis: Ed. Chems, 1989), pp. 63-91. 12 Abdelkader Zghal, “La Participation de la paysannerie maghrebine à la construction nationale,” Revue tunisienne de sciences sociales , vol. 7, no. 22 (Juillet 1970), pp. 125-161.

الدستوري الذي يحدّ من الحكم المطلق، ويساعد على تحقيق النهضة المنشودة. والأكثر من ذلك هو أن حاملي

الفكر الدستوري أصبحوا من الوطنيين التونسيين المناهضين للحماية الفرنسية، بينما كان ذلك الفكر منحصرًا في

دائرة مقرَّبة من الباي متكوِّنة أساسًا من مجموعة من المماليك المفتقدة للصلة المتينة بالمجتمع التونسي.

تبنّت الحركة الوطنية التونسية منذ تشكّلها الأفكار والمبادئ الدستورية في مواجهتها لسلطات الحماية الفرنسية. وبذلك

تم توطين الفكر الدستوري بحيث أصبح يحمل معاني الوطنية بينما كان يفتقد الرمزية الوطنية خلال القرن التاسع،

وكان يظهر وكأنه نتيجة للتدخل الأجنبي في البلاد التونسية أكثر من كونه فكرًا إصلاحيًا مناهضًا للحكم المطلق.

لقد كان اقتناع زعماء الحركة الوطنية بفكرة الدستور قويًا إلى درجة أن تسمية أهم حزب تونسي حملت عنوان

الدستور، وهو الحزب الحرّ الدستوري الذي تأسس عام 1920، وقاده الشيخ عبد العزيز الثعالبي (-1876

1944) الذي كان من أهم دعاة الحكم الدستوري. كانت الحركة الوطنية تطالب في البداية بتطبيق إصلاحات سياسية أساسية، وبالعودة إلى دستور 1861،

معتبرة أن قيام الحماية الفرنسية بموجب معاهدة باردو في 12 أيار/مايو 1881 لا يتعارض مع إعادة تفعيل

دستور 1861، إذ بني برنامج الحزب الحر الدستوري على منهج مرحلي يقوم على 8 نقاط تضم أهدافًا

قريبة، من أهمها تكوين مجلس تشريعي يمثّل التونسيين مناصفة مع الفرنسيين، وتكون الحكومة مسؤولة أمامه،

وفصل السلطات، وأهداف أخرى بعيدة تتمثّل على وجه الخصوص في وضع دستور يقوم على فصل السلطات

وحماية الحريات. لكن مع بروز مجموعة جديدة من القيادات الوطنية الشابة من أمثال الحبيب بورقيبة، بدأ التخيلّ عن التمشي

الإصلاحي القائم على القبول بوضع الحماية الفرنسية. وقررت تلك المجموعة تأسيس الحزب الحرّ الدستوري

الجديد الذي اعتمد استراتيجيا مختلفة في التعامل مع الحماية الفرنسية، تقوم على المطالبة الواضحة بالاستقلال

عن فرنسا وليس مجرد المطالبة بإصلاحيات سياسية في ظل نظام الحماية. لكن ذلك التغيير المهم في مواقف الحركة الوطنية لم يؤد إلى التخيلّ عن الفكر الدستوري. بالعكس، فقد تجذّر

ذلك الفكر في التربة التونسية بفضل الحزب الحر الدستوري الجديد الذي حوّل النضال ضد الحماية الفرنسية

من نضال نخبوي إلى نضال شعبي، من دون التنكر لفكرة الدستور التي بقيت محورية في خطاب قادة الحركة

الوطنية، وعلى رأسهم الحبيب بورقيبة. تخلصت فكرة الدستور من رواسبها النخبوية القديمة التي حصرت الاهتمام بها في نطاق ضيق، وأصبحت

منتشرة لدى عامة التونسيين الذين عقدوا آماالً كبيرة على الحركة الوطنية الجديدة المطالبة بالاستقلال عن

فرنسا، والاعتراف بحق الشعب التونسي في تقرير مصيره وحكم نفسه بواسطة مؤسسات نيابية ينتخبها من

دون تدخّل من الحماية الفرنسية. وقد واجهت سلطات الحماية الفرنسية تلك المطالب بالقمع مثلما حصل في يوم

9 نيسان/ أبريل 1938 الذي قُتل فيه عدد كبير من المتظاهرين في تونس العاصمة بينما كانوا يطالبون بدستور

وبرلمان تونسي وبحكومة وطنية، وهو اليوم الذي أصبح العيد الوطني للشهداء بعد الاستقلال. بذلك أصبحت فكرة الدستور محمَّلة بمشاعر الوطنية المناهضة للاستعمار الفرنسي نظرًا إلى تبنّيها من الحركة

الوطنية كمطلب أساسي للدفاع عن مصالح الشعب التونسي، ومتصالً مباشرة بواقع البلاد التونسية دون

13 Jegham, pp. 63-91.

14 رافع بن عاشور، النظام السياسي التونسي، ط 2 (تونس: مركز النشر الجامعي، 2009)، ص.69

15 يوسف مناصرية، الحزب الحر الدستوري التونسي، 1934-1919 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1988)، ص.62-56

16 زهير الذوادي، تطور الحركة الوطنية التونسية، 1939-1929، كتاب التقدم؛ 456 (تونس: دار التقدم،.)1982

سواها، فأصبح «الدستوري» هو الشخص الوطني الذي يناضل لأجل استقلال تونس، والملتزم بالقضية

الوطنية في مواجهة الاستعمار الفرنسي. كما تجذّرت فكرة الدستور في الواقع الوطني التونسي، وانفصلت بالتالي

عن قضايا إصلاح العالمين العربي والإسلامي التي كانت الدافع الأساسي لمصلحي القرن التاسع عشر وبداية

القرن العشرين لاعتناق الفكر الدستوري الحديث. توجّهت القيادة الصاعدة للحركة الوطنية نحو المطالبة بدستور جديد لتونس يتماشى مع الواقع الاجتماعي

والسياسي الجديد، وبالتالي التخيلّ عن دستور 1861 الذي كان يتمسك به الحزب الدستوري القديم ولم يعُد

يستجيب لتطلّعات القيادات الشابة للحركة الوطنية. لذا طالب الحزب الحر الدستوري الجديد منذ تأسيسه

بدستور تتكوّن على أساسه حكومة ديمقراطية. وكان ذلك خاصة في مجلسه المنعقد في 10 حزيران/ يونيو

1936، وفي مؤتمره الثاني في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1937. ثم أصدر الحزب الحر الدستوري الجديد «لائحة

المبادئ العامة للدستور التونسي» في 10 حزيران/ يونيو 1949، وهي عبارة عن مجموعة من المطالب السياسية

قُدّمت للباي وتتضمن على نحو خاص انتخاب مجلس وطني تأسيسي لوضع دستور جديد للبلاد التونسية. كانت المطالب الدستورية للحركة الوطنية قوية وموجّهة بالأساس لتمكين الشعب التونسي من بناء المؤسسات

التي تخوّله حكم نفسه بنفسه ووضع حد لتحكّم المستعمر الفرنسي في مصيره. وبذلك تحوّلت مقاصد الفكر

الدستوري من السعي إلى إصلاح نظام الحكم للحد من الاستبداد والتسلط إلى بناء حكم يقوم على إرادة

الشعب، في حين اكتفت الحركة الإصلاحية في البداية بالدعوة إلى نظام ملكي دستوري يكون فيه للحاكم

المستبد المستنير دور أساسي، بينما يغيب الشعب تمامًا عن المنظومة الدستورية. وقد ساعد على تحقيق هذا التحوّل

ظهور نخبة جديدة شابة متأثرة بالفكر الديمقراطي الحديث، اختارت آليات عمل ميدانية تقوم على الاحتكاك

بعامة الناس من أجل إقحامهم في المعركة ضد الاستعمار الفرنسي. تتميّز النخبة الجديدة بتشبّعها بالفكر الديمقراطي بفضل مزاولتها الدراسة في الجامعات الفرنسية، وخاصة كلية

الحقوق في باريس التي درس فيها الحبيب بورقيبة وبعض رفاقه في بداية القرن العشرين، وهي الفترة التي

انتشرت فيها النظريات الدستورية الجديدة في أوروبا، مثل سيادة الشعب، وتدعمت فيها المؤسسات الديمقراطية.

لذلك أصبح الفكر الدستوري التونسي يميل في تلك الفترة إلى المبادئ الديمقراطية المبنية على نظرية سيادة الشعب. كما تميّزت تلك المرحلة بتراجع مكانة الباي بسبب تقليص سلطات الحماية الفرنسية لنفوذه تدريجيًا، وهوما أدى

إلى أفول الطبقة الاجتماعية التي كان الحكم يستند إليها، وهي متكوّنة أساسًا من المماليك والأرستقراطيين. هذا

في حين توجهت الحركة الوطنية نحو الجماهير العريضة التي أصبحت تظهر كفاعل مهم في الحياة الاجتماعية

والسياسية؛ إذ تكوّنت النقابات، وخاصة منها الاتحاد العام التونسي للشغل بقيادة فرحات حشاد في 20 كانون

الثاني/يناير 1946، وظهرت أشكال نضالية جديدة وفعالة ضد الاحتلال الفرنسي مثل الإضرابات العمالية

والاحتجاجات الشعبية، التي كانت ناجعة في النضال لأجل الاستقلال. تتوّجت تلك النضالات بموافقة فرنسا على منح التونسيين الاستقلال الداخلي بموجب اتفاقيات 3 حزيران/

يونيو 1955. كما قبل الباي في الوقت نفسه بانتخاب مجلس وطني تأسيسي لوضع دستور جديد للبلاد التونسية

بموجب الأمر الصادر في 29 كانون الأول/ ديسمبر 1955.

17 عبد الفتاح عمر، «تقرير تمهيدي لملتقى حول المجلس القومي التأسيسي،» في: الجمعية التونسية للقانون الدستوري، المجلس القومي

التأسيسي: أعمال ملتقى أيام 29، 30، 31 ماي 1984 (تونس: مركز الدراسات والبحوث والنشر،.)1986

18 عادل بن يوسف، النخبة العصرية التونسية: طلبة الجامعات الفرنسية، 1956-1880 (سوسة، تونس: كلية الآداب والعلوم

الإنسانية بسوسة؛ دار الميزان للنشر،.)2006

دولة الاستقلال وتعطيل التطور الدستوري

استرجعت البلاد التونسية سيادتها جزئيًا باتفاقية الاستقلال الداخلي في 3 حزيران/يونيو 1955. وبالرغم

من رفض تلك الاتفاقيات من جانب بعض قادة الحركة الوطنية، وعلى رأسهم صالح بن يوسف، لأنها تمكّن

فرنسا من الاحتفاظ بالتمثيل الخارجي لتونس، فإن ذلك لم يمنع الباي من الاستجابة لمطالب الحركة الدستورية

وإصدار أمر 29 كانون الأول/ديسمبر 1955 المتعلق بانتخاب المجلس القومي التأسيسي لوضع دستور جديد

للبلاد التونسية. صحيح أن المرأة لم تشارك في الانتخاب الذي نُظم في يوم 25 آذار/مارس 1956، أي في

غضون أقل من أسبوع من إعلان الاستقلال، لكن أمر كانون الأول/ديسمبر 1955 سمح أول مرة للشعب

التونسي بالمشاركة في الانتخابات مشاركة واسعة. عقد المجلس القومي التأسيسي أول جلسة له في يوم 9 نيسان/أبريل 1956، الموافق للذكرى 18 لأحداث 9

نيسان/ أبريل 1938، وانتُخب الحبيب بورقيبة رئيسًا له. كان واضحًا من الجلسة الأولى أن النخبة السياسية

الجديدة القوية بمشروعية نضالها ضد الاستعمار الفرنسي تميل إلى بناء نظام سياسي عصري يقوم على مبدأ سيادة

الشعب، وبالتالي التخيلّ عن النظام الملكي؛ إذ جاء في خطاب الحبيب بورقيبة في إثر انتخابه رئيسًا للمجلس،

متوجّهًا إلى النواب: «تجتمعون في هذا المجلس التأسيسي بإرادة الشعب... فالسيادة في تونس سيادة الشعب

صاحبها الشرعي الحقيقي». وقد تأكد ذلك بتخيلّ المجلس عن فكرة الملَكية الدستورية وإعلان الجمهورية

في 25 تموز/يوليو 1957 قبل وضع الدستور. يُعَدّ قرار إعلان الجمهورية نتيجة للتحولّات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها البلاد التونسية، خاصة منذ

الحرب العالمية الثانية، وأدت إلى توجّه الفكر الدستوري التونسي الجديد نحو الاهتمام أكثر بالشعب الذي أصبح

يبرز تدريجيًا كصاحب للسيادة، بينما اكتفى الباي بدور هامشي انحصر أساسًا في صفته كرمز للدولة. وبذلك

أُعدّت الأرضية والظروف الملائمة لإلغاء الملَكية وإعلان الجمهورية، وهو القرار الذي اتخذه المجلس القومي

التأسيسي، وانصاع له الباي من دون إبداء أي رفض أو مقاومة. توجّه المجلس القومي التأسيسي بعد تخلّيه عن الملكية نحو وضع دستور جمهوري وحداثي في 1 حزيران/يونيو

1959، فأقر مبدأ سيادة الشعب باعتبار الشعب صاحب السيادة ويمارسها عبر المؤسسات النيابية، وخاصة

«مجلس الأمّة» الذي أصبح «مجلس النواب» منذ عام 1981. وأصبح حق الانتخاب والترشح لجميع المناصب،

بما في ذلك منصب رئيس الجمهورية، مفتوحًا لجميع المواطنين، رجاالً ونساء، بلا تمييز. غير أن المساواة على

أساس العقيدة لم تكن كاملة، إذ اشرتُط أن يكون المترشح لمنصب رئيس الجمهورية أن يكون مسلامً. كما نص

الدستور على مبادئ حقوق الإنسان الأساسية، ووضع أسس نظام حكم مدني. أمّا النظام السياسي، فهو قائم

على فصل السلطات، ومتأثر إلى حد كبير بالنظام الرئاسي الأميركي الذي يتميز بسلطة تنفيذية يقودها رئيس

منتخَب مباشرة من الشعب وغير مسؤول سياسيًا أمام المجلس.

لقد جاء دستور 1 حزيران/يونيو 1959 مطابقًا إلى حد بعيد لما سعى إليه الحبيب بورقيبة، الذي كان يؤمن

بسلطة تنفيذية قوية لمواجهة الصعوبات الأمنية التي كانت تعترض حكمه خلال الأعوام الأولى للاستقلال. كما

19 عبد الجليل بوقرة، المجلس القومي التأسيسي التونسي: الولادة العسيرة لدستور جوان 1959، سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية

والسياسية (تونس: دار آفاق للنشر،.)2011

20 مناقشات المجلس القومي التأسيسي، العدد 1 (28 نيسان/ أبريل 1956)، جلسة 9 نيسان/ أبريل 1956، ص.3

21 عبد الفتاح عمر، «التقرير التمهيدي: الدستور التونسي في الذكرى الأربعين لإصداره، 1 جوان 1959 - 1 جوان 1999،»

في: الجمعية التونسية للقانون الدستوري، الدستور التونسي في الذكرى الأربعين لإصداره، 1999-1959 (تونس: مركز الدراسات

والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، 2000)، ص.32-31

أن بناء دولة عصرية ذات مؤسسات قوية وتحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي للبلاد كانا من أهم أوليات

بورقيبة. وكل ذلك يتطلب تمكين السلطة التنفيذية من الوسائل الكافية للاضطلاع بذلك الدور. يمكن القول إن نص دستور 1 حزيران/يونيو 1959 استجاب إلى حد بعيد للشروط الأساسية لبناء نظام

ديمقراطي عصري يقوم على سيادة الشعب، وفصل السلطات، ومبادئ حقوق الإنسان الأساسية. وجاء بذلك

ليحقق جميع المبادئ التي ناضلت لأجلها الحركة الإصلاحية الدستورية التونسية منذ القرن التاسع عشر. كما

ظهر تأثير التجارب الدستورية الحديثة واضحًا في دستور 1959؛ إذ استلهم واضعوه من دساتير أهم النظم

الديمقراطية الموجودة في العالم، وخاصة دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية الصادر في 4 تشرين الأول/أكتوبر

1958 ودستور الولايات المتحدة الأميركية الصادر في 17 أيلول/سبتمبر 1787. غير أن الممارسة السياسية بعد الاستقلال لم تكن متطابقة مع ما اقتضاه النص الدستوري، الذي لم يعط في الواقع

النتيجة المنتظرة منه؛ إذ تعطلت جميع المبادئ الدستورية بشكل كيلّ بسبب المنحى الاستبدادي الذي اختّذه حكم

الحبيب بورقيبة منذ تعيينه أول رئيس للجمهورية التونسية من طرف المجلس القومي التأسيسي في /25 تموز

يوليو 1957، ثم انتخابه بعد ذلك رئيسًا بالاقتراع العام في كانون الأول/ديسمبر 1959. فقد انحرف نظام

الحكم إلى حكم فردي تسلّطي يقوم على الحزب الواحد. وتحوّل الحزب الحر الدستوري الجديد، الذي قاد

النضال ضد الاستعمار الفرنسي ولأجل الحقوق الدستورية، إلى أداة للهيمنة على مؤسسات الدولة وإقصاء

المعارضة بجميع توجهاتها. كما تم التضييق على الحقوق والحريات، وخصوصًا الحريات العامة مثل حرية

التعبير والصحافة، وتكوين الجمعيات والأحزاب، والحق النقابي. وكثرت المحاكمات ذات الخلفية السياسية

التي استُعمل فيها القضاء لقمع الخصوم السياسيين منذ الأعوام الأولى للاستقلال. وأنشئت في عام 1968

محكمة أمن الدولة لقمع الحركات الاحتجاجية اليسارية منذ الستينيات. كما تعرّض الناشطون والمعارضون

للتعذيب وللمعاملة السيئة في السجون. لقد بلغ الانحراف الاستبدادي أقصاه في عهد الحبيب بورقيبة بالالتفاف على النظام الجمهوري، وإعلان

الرئاسة مدى الحياة في 1 حزيران/ يونيو 1975 بما يصب في مصلحته، وهو ما فتح الباب أمام تدعيم الحكم

الفردي، فاختل التوازن بشكل كامل بين السلطات باستحواذ السلطة التنفيذية على جميع الصلاحيات على

حساب السلطتين التشريعية والقضائية. كما أن عواقب هذا القرار كانت وخيمة على الدولة والمجتمع في آن

واحد، لأنها ولّدت حالة من الاحتقان السياسي والاجتماعي بسبب انسداد الآفاق السياسية، وانغلاق النظام

السياسي على نفسه، وهو ما أدى إلى عجز كامل عن الاستجابة لتطلعات المجتمع التونسي ونخبه الجديدة في

المشاركة السياسية، وبناء نظام حكم عصري يقوم على المؤسسات الديمقراطية. من ناحية أخرى تسبّب قرار إسناد الرئاسة إلى الحبيب بورقيبة مدى الحياة في نشوء مناخ من التنافس المحموم

داخل نظام الحكم لخلافته، بسبب تدهور حالته الصحية طوال أعوام كثيرة، إلى درجة العجز التام عن

الاضطلاع بالوظيفة الرئاسية في الفترة الأخيرة، وهو ما أدى إلى حالة من الفوضى في تسيير أجهزة الدولة

تزامنت مع استفحال الأزمات الاجتماعية، مثل الإضراب العام الذي قرره الاتحاد العام التونسي للشغل في 26

كانون الثاني/يناير 1978، وانتفاضة الخبز في 3 كانون الثاني/يناير 1984، يوم سقط العشرات من القتلى في

التظاهرات والاحتجاجات السلمية. وفي ظل تلك الظروف السيئة التي تردّت فيها أوضاع البلاد التونسية بسبب تدهور الأحوال السياسية

22 الجمعية التونسية للقانون الدستوري، المجلس القومي التونسي (تونس: مركز الدراسات والبحوث والنشر،.)1986

23 Michel Camau et Vincent Geisser, Le Syndrome autoritaire: Politique en Tunisie de Bourguiba à Ben Ali (Paris: Presses de Sciences Politique, 2003).

والاجتماعية والاقتصادية، تمكن زين العابدين بن علي من إزاحة الحبيب بورقيبة من الحكم بناء على تقرير طبي

يثبت عجزه عن أداء مهامه كرئيس للدولة في 7 تشرين الثاني/نوفمبر 1987، فتوىلّ بناء على ذلك منصب

الرئاسة بصفته وزيرًا أول، مستغالًالفصل 57 من دستور 1959 الذي ينص على أنه «عند شغور منصب رئاسة

الجمهورية بسبب الوفاة أو الاستقالة أو العجز التام، يتولى فورًا الوزير الأول مهام رئاسة الدولة لما بقي من المدة

النيابية الجارية لمجلس النواب». بادر بن علي بعد تولّيه الرئاسة مباشرة إلى تعديل الدستور في 25 تموز/يوليو 1988، وتحديدًا الفصل 57 منه،

بحيث أصبح من غير الممكن للوزير الأول خلافة رئيس الجمهورية بطريقة آلية مثلما حصل مع الحبيب بورقيبة.

كما جاءت جميع التعديلات اللاحقة لدستور 1959 لتكرّس نمط الحكم التسلّطي الذي تكون فيه صلاحيات

السلطة التنفيذية بصفة عامة، وصلاحيات رئيس الجمهورية بصفة خاصة، مهيمنة على بقية المؤسسات

الدستورية. وتدعم بذلك التوجّهُ التسلطي الذي طبع نظام الحكم السياسي في تونس طوال ثلاثة عقود من

حكم الحبيب بورقيبة. تميّزت فترة بن علي على المستوى السياسي بتغييرات مظهرية لضمان استمرار نمط الحكم التسلّطي القائم على هيمنة

حزب واحد على الحياة السياسية وقمع الحقوق والحريات. وتمثلت تلك التغييرات في منح بعض الأحزاب السياسية

ترخيص العمل القانوني، بعد أن مُنعت الأحزاب من ممارسة نشاطها منذ عام 1963. كما تمكنت المعارضة من

دخول المجلس التشريعي منذ عام 1994، وتدعم حضورها في البرلمان في انتخابات 1999 و 2004 و 2009،

لكن لم يترتب عن ذلك أي تأثير في طبيعة نظام الحكم الذي حافظ على خصائصه الاستبدادية. لقد أثبت الواقع أن أغلب الأحزاب التي استفادت من تلك السياسة كانت موالية للحزب الحاكم، واقتصرت

وظيفتها على إكساب مشروعية ديمقراطية مزيفة لنظام الحكم الذي استمر في قمع المعارضة الحقيقية، المتكونة

أساسًا من تيارات ديمقراطية ليبرالية ويسارية وإسلامية؛ إذ كان الفوز بمقعد في المجلس التشريعي من جانب

أحد أحزاب المعارضة قائامً على الولاء إلى حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم، ومشروطًا بعدم

التعرّض بالنقد للنظام القائم ولسياسته، وهوما يدل على غياب الاستعداد للقبول بقواعد العمل الديمقراطي

القائم على احترام مبدأ دولة القانون ومبادئ حقوق الإنسان الأساسية. تميّز حكم بن علي بتفاقم كبير للقمع في حق الناشطين والمعارضين، ووظِّفت أجهزت الدولة ومؤسساتها لأجل

الحفاظ على حكم حزب واحد. وتعقدت الأوضاع بانتشار الفساد في الطبقة الحاكمة والفئات المرتبطة بها من

أصحاب المصالح والنفوذ، وهوما أنتج حالة من الاحتقان الاجتماعي والسياسي بسبب ترهّل النظام السياسي

الذي أصبح عاجزًا عن الاستجابة لتطلّعات فئات عريضة من الشعب التونسي، وخاصة من الشباب الذي

يعاني انسداد الآفاق. لذلك اندلعت ثورة 14 كانون الثاني/ يناير 2011 التي أطاحت حكم بن علي.

الثورة والدستور، التحوّل الجذري

كانت ثورة 14 كانون الثاني/ يناير 2011 نتيجة حتمية للانحراف الاستبدادي لحكم بن علي. وهي تعَدّ تتويجًا

لنضالات سياسية واجتماعية طويلة ضد الإقصاء والتهميش، ومن أجل المشاركة السياسية الحقيقية لجميع

24 عمر البوبكري، «تطور طريقة انتخاب أعضاء مجلس النواب،» في: أحمد السوسي، دراسات دستورية مغاربية (تونس: مركز النشر

الجامعي، 2011)، ص.397-383

25 Olfa Lamloum et Bernard Ravanel, «Tunisie: La Fiction pluraliste,» Confluences Méditerranée , no. 32 (Hiver 1999- 2000), pp. 173-182. 26 Béatrice Hibou, La Force de l’obéissance: Economie politique de la répression en Tunisie , Textes à l’appui. Série Histoire contemporaine (Paris: Éd. la Découverte, 2006).

فئات الشعب التونسي، وتحقيق العدالة الاجتماعية. امتدت تلك النضالات على عقود طويلة منذ الاستقلال،

وساهمت فيها جميع العائلات السياسية بلا استثناء.

ونظرًا إلى الفجوة الكبيرة الموجودة بين النظام القائم وطموحات الشعب التونسي وتطلّعاته، كان مطلب

التخيلّ عن دستور 1 حزيران/يونيو 1959 ووضع دستور جديد للبلاد التونسية من أقوى وأهم مطالب

الثورة التي اتفقت عليها أغلب القوى السياسية والاجتماعية الممثّلة للثورة والمع ة عن نفسها من خلال مجلس

حماية الثورة. لكن نية الحكومة الانتقالية الأولى التي تكوّنت مباشرة بعد هروب بن علي إلى الخارج يوم 14

كانون الثاني/ يناير 2011 كانت تتجه في البداية إلى القيام بإصلاحات دستورية مع الحفاظ على دستور 1959،

وتنظيم عملية انتقال ديمقراطي للسلطة في إطاره.

لذلك، أُعلن الشغور المؤقت لمنصب رئيس الجمهورية في البداية بناء على الفصل 56 من الدستور، الذي ينص

على أنه «لرئيس الجمهورية إذا تعذّر عليه القيام بمهامه بصفة وقتية أن يفوّض بأمر سلطاته إلى الوزير الأول

ما عدا حق حل مجلس النواب». وتوىلّ الوزير الأول محمد الغنوشي مهمة رئاسة الجمهورية في يوم 14 كانون

الثاني/ يناير 2011 تطبيقًا لتلك الأحكام الدستورية. لكن هذا لم يكن مقنعًا بالنسبة إلى القوى الثورية، وذلك

لعدة أسباب، أولّها أن شروط تطبيق الفصل 56 لم تتوافر لأن بن علي غادر البلاد تحت ضغط الجماهير الغاضبة،

ولم يُصدر أمرًا يفوّض بموجبه مهامه إلى الوزير الأول. والأهم من ذلك هو أن قرار الوزير الأول بتولّيه مهام

رئيس الجمهورية بصفة مؤقتة لم تقبل به قوى الثورة التي اعتبرت أن ذلك القرار يعني أن بن علي، الذي أصبح

يلقّب بالمخلوع، يمكن أن يعود إلى منصب الرئاسة. لذلك تم التراجع عن القرار تحت ضغط الشارع، وطبّق

الفصل 57 من الدستور المتعلّق بحالة الشغور النهائي لمنصب رئيس الجمهورية، وهو ينص على أنه «عند شغور

منصب رئيس الجمهورية لوفاة أو استقالة أو عجز تام، يجتمع المجلس الدستوري فورًا، ويقر الشغور النهائي

بالأغلبية المطلقة لأعضائه، ويبلغ تصريحًا في ذلك إلى رئيس مجلس المستشارين ورئيس مجلس النواب الذي

يتوىلّ فورًا مهام رئاسة الدولة بصفة مؤقتة لأجَل أدناه خمسة وأربعون يومًا وأقصاه ستون يومًا». وبناء على

نص الفصل 57 من دستور 1 حزيران/ يونيو 1959، تم إعلان رئيس مجلس النواب فؤاد المبزع رئيسًا مؤقتًا

للبلاد التونسية.

بالرغم من أهمية الانتصار الكبير الذي حققته الثورة التونسية بمنع بن علي من العودة إلى الحكم تحت أي غطاء

كان، فإن الأمور لم تتوقف عند ذلك الحد، لأن المقصود لم يكن إطاحة رأس النظام فحسب، بل إطاحة النظام كله

الذي اعتبُر مسؤوالً عن جميع الأوضاع المتردّية التي عانت البلاد التونسية بسببها، وخاصة التهميش والإقصاء

والتسلّط والتعدّي على كرامة وحقوق المواطنين. لذلك واصلت قوى الثورة الضغط على الحكومتين الانتقاليتين

الأولى والثانية خاصة بواسطة الاعتصام في ساحة القصبة، مقر الحكومة، إلى حين القبول بحل مجلسي النواب

والمستشارين، وتعليق العمل بدستور 1959، وانتخاب مجلس تأسيسي لوضع دستور جديد للبلاد التونسية.

وهو ما أعلنه رئيس الجمهورية المؤقت فؤاد المبزع في 3 آذار/ مارس 2011.

27 Chaker Houki, «Les Conseils pour la protection de la revolution,» dans: H. Redissi, A. Nouira et A. Zghal, dirs., La Transition démocratique en Tunisie: Etat des lieux: Les Acteurs , l’observatoire Tunisien de la Transition Démocratique (Tunis: Diwen Edition , 2012), pp. 189-234.

28 محمد شفيق صرصار، «الحكومات الانتقالية،» في:.Redissi, Nouira et Zghal, dirs., pp. 15-34

29 Yadh Ben Achour, «Témoignage à propos de la haute instance pour la réalisation des objectifs de la révolution, des réformes politiques et de la transition démocratique,” dans: Hatem M’Rad et M. L. Fadhel Moussa, dirs., La Transition démocratique à la lumière des expériences comparées (Tunis: Université de Carthage, faculté des sciences juridiques, politiques et sociales de Tunis et association tunisienne d’études politiques (ATEP), 2012), pp. 155-161. 30 Rachida Ennaifer, «La Transition constitutionnelle, garante de la transition démocratique en Tunisie?,» dans: M’Rad et Fadhel Moussa, dirs., pp. 235-256.

صدر بعد ذلك التنظيمُ المؤقت للسلطات العمومية في 23 آذار/مارس 2011 ليحل محل دستور 1959 إلى حين

انتخاب المجلس الوطني التأسيسي. في تلك الأثناء، أُفسح المجال لجميع الأحزاب والمنظمات للعمل بحرية تامة،

ورُفعت جميع العراقيل من أمام حرية الصحافة والإعلام والتظاهر. كما اتخذت الحكومة الانتقالية قرارات جريئة،

منها خاصة المصادقة على البروتوكول التكميلي لاتفاقية مناهضة التعذيب، والبروتوكول التكميلي الأول للعهد

الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ونظام روما المتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية. كان الهدف من وراء ذلك هو إعطاء

إشارة واضحة بأن الثورة التونسية اختّذت توجهًا ديمقراطيًا بالأساس، يقوم على احترام مبادئ حقوق الإنسان. في يوم 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، انتُخب المجلس الوطني التأسيسي تحت إشراف الهيئة العليا المستقلة

للانتخابات، فتمكن الشعب التونسي بذلك، لأول مرة في تاريخه، من التعبير عن إرادته الحرة في كنف انتخابات

نزيهة وشفافة وحرة بعد أن كانت الانتخابات في العهد السابق مجرد عملية إجرائية خالية من أي مصداقية بسبب

التزوير من جهة، وغياب المناخ التنافسي الضروري من جهة أخرى. بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي انطلقت عملية إعادة تأسيس الدولة، وبناء عقد اجتماعي جديد لأجل

تنظيم الحكم على أسس جديدة، وتحديد علاقة المواطن بالسلطة بما يمكّن من ضمان احترام حقوق المواطنين

والحيلولة دون تعدّي السلطة الحاكمة عليها. لقد كان التوجّه واضحًا منذ البداية، من خلال أشغال المجلس

الوطني التأسيسي، ويميل نحو القطيعة التامة مع ممارسات الماضي التي حصلت في ظل دستور 1959،

والأخطاء الفادحة التي أدت إلى الانفراد بالحكم والاستبداد والإقصاء واستشراء الفساد في الدولة والمجتمع،

والتعدي الكبير على الحقوق والحريات العامة والخاصة. لكن نتائج انتخابات 23 تشرين الأول/أكتوبر 2011 جعلت من الوصول إلى دستور توافقي يجسّد الأهداف

التي قامت عليها الثورة مهمة صعبة إلى حد ما، بحكم انقسام المجلس بين تيار إسلامي تقوده حركة النهضة

التي حازت نسبة 40 في المئة من مقاعد المجلس، وتيار ديمقراطي مشتت وغير موحَّد. وبالرغم من توافق

حركة النهضة وحزبين علمانيين هما المؤتمر لأجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي للعمل والحريات لتكوين

تحالف حكومي لتسيير البلاد بعد استقالة الحكومة المؤقتة التي قادها الباجي قائد السبسي، فإن ذلك لم يمنع من

ظهور تباين واضح بين النهضة، من جهة، وبقية الأحزاب العلمانية، بما في ذلك حليفاها في الحكومة، من جهة

أخرى، حول ثلاثة محاور دستورية أساسية. يتعلق المحور الأولبالأسس التي يقوم عليها نظام الحكم. وقد تركز موضوع الاختلاف في البداية حول علاقة

الدولة بالدِّين الإسلامي؛ إذ تمسكت حركة النهضة بموقف يعطي الإسلام مكانة متميزة في الدولة، بالتنصيص

خاصة على الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للتشريع، في حين دافع أغلب الأطراف الأخرى المكوِّنة

للمجلس الوطني التأسيسي عن ضرورة التقيد بمدنية الدولة، وهو المبدأ الذي قامت عليه الدولة التونسية

الحديثة، وتركز خاصة مع الاستقلال، وأصبح موضوع إجماع وطني منذ عقود طويلة. تمكنت جميع الأطراف من التوصل في النهاية إلى حل توافقي حول طبيعة الدولة يقوم على الإبقاء على المبدأ

المنصوص عليه في دستور 1 حزيران/يونيو 1959 والمتمثّل في اعتبار الإسلام دين الدولة التونسية، والتخيلّ

عن التنصيص على الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع، وهو ما يُعتبر موقفًا وسطًا بين المطلبية الإسلامية

والمطلبية العلمانية. وتم تضمين هذا التوافق في نص المسودة الأولى للدستور الذي أعده المجلس الوطني

التأسيسي في 8 آب/ أغسطس.2012

31 Amor Boubakri, «What Are Democracy›s Prospects for the Tunisian Revolt?,» IPRIS Maghreb , no. 7 (December 2010-January 2011), pp. 1-3.

أمّا المحور الخلافي الثانيبين حركة النهضة الإسلامية وبقية مكوّنات المجلس الوطني التأسيسي، فهو يتعلّق

بموضوع الحقوق والحريات الذي تباين بشأنها الموقف بحكم ميل التيار المحافظ إلى تقييد بعض الحريات،

وخاصة حرية التعبير والإبداع بشرط احترام المقدسات الدينية، وهو ما رفضته الأحزاب والمنظمات المدافعة على

حقوق الإنسان. وتمكنت جميع الأطراف من التوافق في النهاية حول صيغة مقبولة في المسودة الثانية للدستور

التي عُرضت للعموم في يوم 14 كانون الأول/ديسمبر 2012 بعد التخيلّ عن التقييد الذي جاء في المسودة

الأولى للدستور المعروضة في 8 آب/أغسطس.2012

ويتعلق المحور الخلافي الثالثبطبيعة النظام السياسي؛ حيث دافعت حركة النهضة في البداية عن نظام برلماني

صرف تكون فيه السلطة التنفيذية بيد حكومة مسؤولة أمام المجلس النيابي. ويتم تعيين رئيس الجمهورية من

البرلمان، وهو لا يتوىلّ إالّ صلاحيات محدودة جدًا ويقتصر دوره على تجسيد وحدة الدولة. في المقابل تمسكت

أغلب الكتل النيابية الأخرى بنمط النظام الرئاسي المعدل الذي يكون فيه رئيس الدولة منتخَبًا من الشعب

مباشرة، ويتقاسم الصلاحيات التنفيذية مع حكومة مسؤولة أمام البرلمان.

تمكّنت مختلف الكتل النيابية المكوِّنة للمجلس التأسيسي من تجاوز أهم العقبات المتعلّقة بطبيعة النظام السياسي

بتخيلّ حركة النهضة عن فكرة النظام البرلماني المحض، وقبولها مبدئيًا بالنظام شبه الرئاسي. لكن بعض الاختلافات

ما زالت موجودة حول طبيعة الصلاحيات الممنوحة لكل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة؛ إذ تدافع حركة

النهضة عن توسيع صلاحيات رئيس الحكومة وحصر صلاحيات رئيس الجمهورية في مجالات ضيقة، بينما تطالب

أغلب المجموعات النيابية الأخرى الموجودة في المجلس التأسيسي بالتوازن بين مكوِنّي السلطة التنفيذية.

خاتمة

ما من شك في أن الثورة التونسية أحدثت قطيعة مع الممارسة الدستورية السابقة، وفتحت عصرًا جديدًا تتحقق

فيه معاني الفكرة الدستورية الأصلية ذات البعد التحرري، بحيث يكون الدستور بموجبها وسيلة ترمي إلى

عقلنة السلطة السياسية وضمان حرية الأفراد. ولئن كان المسار الدستوري متواصالً حتى الآن، فإن محدّداته

أصبحت واضحة بحكم المبادئ التي عربّت عنها الثورة بقوة، ولا يمكن لأي طرف أن يحيد عنها. ويبدو

واضحًا أن البلاد التونسية ماضية في وضع دستور ديمقراطي يكرّس مبدأ مدنية الدولة، ويقوم على الفصل

الحقيقي بين السلطات الثلاث وعلى التوازن بينها، وكذلك الاحترام الفعلي لحقوق المواطنين وحرياتهم، مع

توفير الضمانات اللازمة التي من شأنها أن تحول دون وقوع التجاوزات الخطِرة التي حصلت في الماضي.

بقدر ما أحدثت الثورة التونسية القطيعة مع النظام الاستبدادي، فإنها تؤكد في الوقت نفسه تواصل الخصائص

الأساسية المميّزة للمجتمع التونسي الذي يميل إلى الحكم المدني القائم على القانون ويرفض التنازع المفتعل بين

هويته العربية والإسلامية من جهة، وقبوله بمبادئ الحكم الديمقراطي الحديث القائم على احترام إرادة الشعب

وحقوق الإنسان من جهة أخرى. ذلك ما يفسر أن التوصل إلى اتفاقات حول القضايا الخلافية المطروحة في

أثناء عملية البناء الدستوري لم يكن صعبًا بالرغم من تباين خلفية الأطراف المكوِّنة للمجلس الوطني التأسيسي،

لأن الدستور المكتوب ليس في واقع الأمر سوى انعكاس للدستور الاجتماعي الموجود في صلب المجتمع، وهو

الدستور الذي يُعتبر أساس التوافق الوطني حول الدولة ونظام الحكم فيها.

32 Amor Boubakri, “A Prospective Opinion on the Tunisian Revolution,” Bitterlemons-International , éd. 14, vol. 10 (19 April 2012).